Полный текст (246 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
وأجمعت الأمة على أن الله سبحانه رفع عيسى ﷺ إلى السماء، ومن دعاء أهل الإسلام جميعا إذا هم رغبوا إلى الله تعالى في الأمر النازل بهم يقولون جميعا: يا ساكن السماء، ومن حلفهم جميعا: لا والذي احتجب بسبع سماوات.
دليل آخر:
قال الله : (وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء) من الآية (٥١ /٤٢) ، وقد خصت الآية الشريفة البشر دون غيرهم ممن ليس من جنس البشر، ولو كانت الآية عامة للبشر وغيرهم، كان أبعد من الشبهة، وإدخال الشك على من يسمع الآية أن يقول: ما كان لأحد أن يكلمه الله إلا وحيا
стр. 107
، أو من وراء حجاب، أو يرسل رسولا، فيرتفع الشك والحيرة من أن يقول: ما كان لجنس من الأجناس أن أكلمه إلا وحيا، أو من وراء حجاب، أو أرسل رسولا، وننزل أجناسا لم يعمهم بالآية فدل ما ذكرنا على أنه خص البشر دون غيرهم.
دليل آخر:
قال الله تعالى: (ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق) من الآية (٦٢ /٦) ، وقال: (ولو ترى إذ وقفوا على ربهم) من الآية (٣٠ /٦) ، وقال: (ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رؤوسهم عند ربهم) (١٢ /٣٢) ، وقال : (وعرضوا على ربك صفا) من الآية (٤٨ /١٨) ، كل ذلك يدل على أنه تعالى ليس في خلقه، ولا خلقه فيه، وأنه مستو
стр. 108
على عرشه سبحانه، بلا كيف ولا استقرار، تعالى الله عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا، فلم يثبتوا له في وصفهم حقيقة، ولا أوجبوا له بذكرهم إياه وحدانية؛ إذ كل كلامهم يؤول إلى التعطيل، وجميع أوصافهم تدل على النفي، يريدون بذلك التنزيه، ونفي التشبيه على زعمهم، فنعوذ بالله من تنزيه يوجب النفي والتعطيل.
دليل آخر:
قال الله تعالى (الله نور السماوات والأرض) من الآية (٣٥ /٢٤) فسمى نفسه نورا، والنور عند الأمة لا يخلو من أن يكون أحد معنيين
стр. 109
:
إما أن يكون نورا يسمع، أو نورا يرى.
فمن زعم أن الله يسمع ولا يرى فقد أخطأ في نفيه رؤية ربه، وتكذيبه بكتابه، وقول نبيه ﷺ .
وروت العلماء عن عبد الله بن عباس ﵄ أنه قال: (تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في الله ، فإن بين كرسيه إلى السماء ألف عام، والله فوق ذلك) .
دليل آخر:
وروت العلماء ﵏ عن النبي ﷺ أنه قال: (إن العبد لا تزول قدماه من بين يدي الله حتى يسأله عن عمله) .
وروت العلماء أن رجلا أتى النبي ﷺ بأمة
стр. 110
سوداء فقال: يا رسول الله إني أريد أن أعتقها في كفارة، فهل يجوز عتقها؟
فقال لها النبي ﷺ : أين الله؟ قالت: في السماء، قال فمن أنا؟ قالت: أنت رسول الله، فقال النبي ﷺ : أعتقها فإنها مؤمنة.
وهذا يدل على أن الله تعالى على عرشه فوق السماء فوقية لا تزيده قربا من العرش.
стр. 111
الباب السادس الكلام في الوجه والعينين والبصر واليدين
قال الله ﵎: (كل شيء هالك إلا وجهه) من الآية (٨٨ /٢٨) ، وقال تعالى: (ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام) (٢٧ /٥٥) ، فأخبر أن له سبحانه وجها لا يفنى، ولا يلحقه الهلاك.
وقال تعالى: (تجرى بأعيننا) من الآية (١٤ /٥٤) ، وقال تعالى: (واصنع الفلك بأعيننا ووحينا) من الآية (٣٧ /١١) ،
стр. 112
فأخبر تعالى أن له وجها وعينا ولا تكيَّف ولا تحد.
وقال تعالى: (واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا) من الآية (٤٨ /٥٢) ، وقال تعالى: (ولتصنع على عيني) من الآية (٣٩ /٢٠) ، وقال تعالى: (وكان الله سميعا بصيرا) من الآية (١٣٤ /٤) ، وقال لموسى وهارون عليهما أفضل الصلاة والسلام: (إنني معكما أسمع وأرى) من الآية (٤٦ /٢٠) فأخبر تعالى عن سمعه وبصره ورؤيته.
стр. 113
فصل
ونفى الجهمية أن يكون لله تعالى وجه كما قال، وأبطلوا أن يكون له سمع وبصر وعين، ووافقوا النصارى؛ لأن النصارى لم تثبت الله سميعا بصيرا إلا على معنى أنه عالم، وكذلك قالت الجهمية، ففي حقيقة قولهم أنهم قالوا: نقول إن الله عالم، ولا نقول سميع بصير، على غير معنى عالم، وذلك قول النصارى.
стр. 114
فصل
قالت الجهمية: إن الله لا علم له، ولا قدرة، ولا سمع له، ولا بصر، وإنما قصدوا إلى تعطيل التوحيد، والتكذيب بأسماء الله تعالى، فأعطوا ذلك له لفظا، ولم يحصلوا قولهم في المعنى، ولولا أنهم خافوا السيف؛ لأفصحوا بأن الله غير سميع ولا بصير ولا عالم، ولكن خوف السيف منعهم من إظهار زندقتهم.
стр. 115
فصل
وزعم شيخ منهم نحس مقدم فيهم أن علم الله هو الله، وأن الله سبحانه علم، فنفى العلم من حيث أوهم أنه يثبته، حتى ألزم أن يقول: يا علم اغفر لي؛ إذ كان علم الله عنده هو الله، وكان الله - على قياسه الفاسد - علما وقدرة. تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا.
قال الشيخ أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري ﵀ ورضى عنه: بالله نستهدي، وإياه نستكفي، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وهو المستعان أما بعد:
مسألة:
فمن سألنا فقال: أتقولون إن لله سبحانه وجها؟
قيل له: نقول ذلك، خلافا لما قاله المبتدعون، وقد دل على ذلك
стр. 116
قوله تعالى: (ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام) (٢٧ /٥٥) .
مسألة:
قد سئلنا أتقولون إن لله يدين؟
قيل: نقول ذلك بلا كيف، وقد دل عليه قوله تعالى: (يد الله فوق أيديهم) من الآية (١٠ /٤٨) ، وقوله تعالى: (لما خلقت بيدي) من الآية (٧٥ /٣٨) .
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله مسح ظهر آدم بيده فاستخرج منه ذريته) ،
стр. 117
فثبتت اليد بلا كيف.
وجاء في الخبر المأثور عن النبي ﷺ (أن الله تعالى خلق آدم بيده، وخلق جنة عدن بيده، وكتب التوراة بيده، وغرس شجرة طوبى بيده) ، أي بيد قدرته سبحانه.
وقال تعالى: (بل يداه مبسوطتان) من الآية (٦٤ /٥) .
وجاء عن النبي ﷺ أنه قال: (كلتا يديه يمين) .
وقال تعالى: (لأخذنا منه باليمين) من الآية (٤٥ /٦٩) .
وليس يجوز في لسان العرب، ولا في عادة أهل الخطاب، أن يقول القائل: عملت كذا بيدي، ويعني به النعمة، وإذا كان الله إنما خاطب العرب بلغتها وما يجري مفهوما في كلامها، ومعقولا في خطابها، وكان لا يجوز في خطاب أهل اللسان أن يقول القائل: فعلت بيدي،
стр. 118
ويعني النعمة؛ بطل أن يكون معنى قوله تعالى: (بيدي) النعمة، وذلك أنه لا يجوز أن يقول القائل: لي عليه يدي، بمعنى لي عليه نعمتي، ومن دافعنا عن استعمال اللغة ولم يرجع إلى أهل اللسان فيها دوفع عن أن تكون اليد بمعنى النعمة؛ إذ كان لا يمكنه أن يتعلق في أن اليد النعمة إلا من جهة اللغة، فإذا دفع اللغة لزمه أن لا يفسر القرآن من جهتها، وأن لا يثبت اليد نعمة من قبلها؛ لأنه إن روجع في تفسير قوله تعالى: (بيدي) نعمتي فليس المسلمون على ما ادعى متفقين، وإن روجع إلى
стр. 119
اللغة فليس في اللغة أن يقول القائل: بيدي يعني نعمتي، وإن لجأ إلى وجه ثالث سألناه عنه، ولن يجد له سبيلا.
مسألة:
ويقال لأهل البدع: ولِم زعمتم أن معنى قوله: (بيدي) نعمتي أزعمتم ذلك إجماعا أو لغة؟
فلا يجدون ذلك إجماعا ولا في اللغة.
وإن قالوا: قلنا ذلك من القياس.
قيل لهم: ومن أين وجدتم في القياس أن قوله تعالى: (بيدي) لا يكون معناه إلا نعمتي؟ ومن أين يمكن أن يعلم بالعقل أن تفسير كذا وكذا مع أنا رأينا الله قد قال في كتابه العزيز، الناطق على لسان نبيه الصادق
стр. 120
: (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه) من الآية (٤ /١٤) ، وقال تعالى: (لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين) من الآية (١٠٣ /١٦) ، وقال تعالى: (إنا جعلناه قرآنا عربيا) من الآية (٣ /٤) ، وقال تعالى: (أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله) من الآية (٨٢ /٤) ، ولو كان القرآن بلسان غير العرب لما أمكن أن نتدبره، ولا أن نعرف معانيه إذا سمعناه، فلما كان من لا يحسن لسان العرب لا يحسنه، وإنما يعرفه العرب إذا سمعوه على أنهم إنما علموه؛ لأنه بلسانهم نزل، وليس في لسانهم ما ادعوه.
مسألة:
وقد اعتل معتل بقول الله تعالى
стр. 121
: (والسماء بنيناها بأيد) من الآية (٤٧ /٥١) قالوا: الأيد القوة، فوجب أن يكون معنى قوله تعالى: (بيدي) بقدرتي، قيل لهم: هذا التأويل فاسد من وجوه:
أحدها: أن الأيد ليس جمع لليد؛ لأن جمع يد أيدي، وجمع اليد التي هي نعمة أيادي، وإنما قال تعالى: (لما خلقت بيدي) من الآية (٧٥ /٣٨) ، فبطل بذلك أن يكون معنى قوله: (بيدي) معنى قوله: (بنيناها بأيد) .
وأيضا فلو كان أراد القوة لكان معنى ذلك بقدرتي، وهذا ناقض لقول مخالفنا، وكاسر لمذهبهم؛ لأنهم لا يثبتون قدرة واحدة، فكيف يثبتون قدرتين.
стр. 122
وأيضا فلو كان الله تعالى عنى بقوله: (لما خلقت بيدي) القدرة لم يكن لآدم ﷺ على إبليس مزية في ذلك، والله تعالى أراد أن يرى فضل آدم ﷺ عليه؛ إذ خلقه بيديه دونه، ولو كان خالقا لإبليس بيده كما خلق آدم ﷺ بيده لم يكن لتفضيله عليه بذلك وجه، وكان إبليس يقول محتجا على ربه: فقد خلقتني بيديك كما خلقت آدم ﷺ بهما، فلما أراد الله تعالى تفضيله عليه بذلك، وقال الله تعالى موبخا له على استكباره على آدم ﷺ أن يسجد له: (ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أستكبرت؟) (٧٥ /٣٨) ، دل على أنه ليس معنى الآية القدرة؛ إذ كان الله تعالى خلق الأشياء جميعا بقدرته، وإنما أراد إثبات يدين، ولم يشارك إبليس آدم ﷺ في أن خلق بهما.
стр. 123
فصل
وليس يخلو قوله تعالى: (لما خلقت بيدي) أن يكون معنى ذلك إثبات يدين نعمتين، أو يكون معنى ذلك إثبات يدين جارحتين. تعالى الله عن ذلك، أو يكون معنى ذلك إثبات يدين قدرتين، أو يكون معنى ذلك إثبات يدين ليستا نعمتين ولا جارحتين ولا قدرتين لا توصفان إلا كما وصف الله تعالى، فلا يجوز أن يكون معنى ذلك نعمتين؛ لأنه لا يجوز عند أهل اللسان أن يقول القائل: عملت بيدي وهو نعمتي.
ولا يجوز عندنا ولا عند خصومنا أن نعني جارحتين، ولا يجوز عند خصومنا أن يعني قدرتين.
стр. 124
وإذا فسدت الأقسام الثلاثة صح القسم الرابع؛ وهو أن معنى قوله تعالى: (بيدي) إثبات يدين ليستا جارحتين، ولا قدرتين، ولا نعمتين لا يوصفان إلا بأن يقال: إنهما يدان ليستا كالأيدي، خارجتان عن سائر الوجوه الثلاثة التي سلفت.
مسألة:
وأيضا فلو كان معنى قوله تعالى: (بيدي) نعمتي لكان لا فضيلة لآدم ﷺ على إبليس في ذلك على مذاهب مخالفينا؛ لأن الله تعالى قد ابتدأ إبليس على قولهم، كما ابتدأ آدم ﷺ ، وليس تخلو النعمتان أن يكونا هما بدن آدم ﷺ ، أو يكونا عرضين خلقا في بدن آدم ﵊، فلو
стр. 125
كان عنى بدن آدم ﵇ فلأبدان عند مخالفينا من المعتزلة جنس واحد، وإذا كانت الأبدان عندهم جنسا واحدا فقد حصل في جسد إبليس على مذاهبهم من النعمة ما حصل في جسد آدم ﷺ ، وكذلك إن عنى عرضين فليس من عرض فعله في بدن آدم ﷺ من لون، أو حياة، أو قوة، أو غير ذلك إلا وقد فعل من جنسه عندهم في بدن إبليس، وهذا يوجب أنه لا فضيلة لآدم ﷺ على إبليس في ذلك، والله تعالى إنما احتج على إبليس بذلك ليريه أن لآدم ﷺ في ذلك الفضيلة، فدل ما قلناه على أن الله لما قال: (خلقت بيدي) لم يعن نعمتي
стр. 126
مسألة:
ويقال لهم: لم أنكرتم أن يكون الله تعالى عنى بقوله: (بيدي) يدين ليستا نعمتين؟
فإن قالوا: لأن اليد إذا لم تكن نعمة لم تكن إلا جارحة.
قيل لهم: ولم قضيتم أن اليد إذا لم تكن نعمة لم تكن إلا جارحة؟ وإن رجعونا إلى شاهدنا، أو إلى ما نجده فيما بيننا من الخلق فقالوا: اليد إذا لم تكن نعمة في الشاهد لم تكن إلا جارحة.
قيل لهم: إن عملتم على الشاهد وقضيتم به على الله تعالى فكذلك لم نجد حيا من الخلق إلا جسما لحما ودما فاقضوا بذلك على الله - تعالى عن ذلك - وإلا كنتم لقولكم تاركين ولاعتلالكم ناقضين.
وإن أثبتم حيا لا كالأحياء منا فلم أنكرتم أن تكون اليدان اللتان أخبر الله تعالى عنهما يدين ليستا نعمتين ولا جارحتين، ولا كالأيدي؟
стр. 127
وكذلك يقال لهم: لم تجدوا مدبرا حكيما إلا إنسانا ثم أثبتم أن للدنيا مدبرا حكيما ليس كالإنسان، وخالفتم الشاهد ونقضتم اعتلالكم فلا تمنعوا من إثبات يدين ليستا نعمتين ولا جارحتين من أجل أن ذلك خلاف الشاهد.
مسألة:
فإن قالوا إذا أثبتم لله يدين لقوله تعالى: (لما خلقت بيدي) فلم لا أثبتم له أيدي لقوله تعالى: (مما عملت أيدينا) من الآية (٧١ /٣٦) ؟
قيل لهم: قد أجمعوا على بطلان قول من أثبت لله أيدي، فلما أجمعوا على بطلان قول من قال ذلك؛ وجب أن يكون الله تعالى
стр. 128
ذكر أيدي ورجع إلى إثبات يدين؛ لأن الدليل عنده دل على صحة الإجماع، وإذا كان الإجماع صحيحا وجب أن يرجع من قوله أيدي إلى يدين؛ لأن القرآن على ظاهره، ولا يزول عن ظاهره إلا بحجة، فوجدنا حجة أزلنا بها ذكر الأيدي عن الظاهر إلى ظاهر آخر، ووجب أن يكون الظاهر الآخر على حقيقته لا يزول عنها إلا بحجة.
مسألة:
فإن قال قائل: إذا ذكر الله الأيدي وأراد يدين، فما أنكرتم أن يذكر الأيدي ويريد يدا واحدة؟
قيل له: ذكر تعالى أيدي وأراد يدين؛ لأنهم أجمعوا على بطلان قول من قال أيدي كثيرة، وقول من قال يدا واحدة، فقلنا يدان؛ لأن القرآن على ظاهره، إلا أن تقوم حجة بأن يكون على خلاف الظاهر.
стр. 129
مسألة:
فإن قال قائل: ما أنكرتم أن يكون قوله تعالى: (مما عملت أيدينا) من الآية (٧١ /٣٦) ، وقوله تعالى: (لما خلقت بيدي) من الآية (٧٥ /٣٨) على المجاز؟
قيل له: حكم كلام الله تعالى أن يكون على ظاهره وحقيقته، ولا يخرج الشيء عن ظاهره إلى المجاز إلا بحجة.
ألا ترون أنه إذا كان ظاهر الكلام العموم، فإذا ورد بلفظ العموم والمراد به الخصوص فليس هو على حقيقة الظاهر، وليس يجوز أن يعدل بما ظاهره العموم عن العموم بغير حجة، كذلك قوله تعالى: (لما خلقت بيدي) من الآية (٧٥ /٣٨)
стр. 130
على ظاهره أو حقيقته من إثبات اليدين، ولا يجوز أن يعدل به عن ظاهر اليدين إلى ما ادعاه خصومنا إلا بحجة.
ولو جاز ذلك لجاز لمدع أن يدعي أن ما ظاهره العموم فهو على الخصوص، وما ظاهره الخصوص فهو على العموم بغير حجة، وإذا لم يجز هذا لمدعيه بغير برهان لم يجز لكم ما ادعيتموه أنه مجاز أن يكون مجازا بغير حجة، بل واجب أن يكون قوله تعالى: (لما خلقت بيدي) من الآية (٧٥ /٣٨) إثبات يدين لله تعالى في الحقيقة غير نعمتين إذا كانت النعمتان لا يجوز عند أهل اللسان أن يقول قائلهم: فعلت بيدي، وهو يعني النعمتين
стр. 131
الباب السابع الرد على الجهمية في نفيهم علم الله تعالى وقدرته وجميع صفاته
قال الله تعالى: (أنزله بعلمه) من الآية (١٦٦ /٤) ، وقال تعالى: (وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه) من الآية (١١ /٣٥) ، وذكر العلم في خمسة مواضع من كتابه العزيز، وقال تعالى: (فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله) من الآية (١٤ /١١) ، وقال تعالى: (ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء) من الآية (٢٥٥ /٢) .
стр. 132
وذكر القوة فقال: (أولم يرو أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة) من الآية (١٥ /٤١) ، وقال تعالى: (ذو القوة المتين) من الآية (٥٨ /٥١) ، وقال تعالى: (والسماء بنيناها بأيد) من الآية (٤٧ /٥١) .
стр. 133
فصل
وزعمت الجهمية أن الله تعالى لا علم له، ولا قدرة، ولا حياة، ولا سمع، ولا بصر له، وأرادوا أن ينفوا أن الله تعالى عالم، قادر، حي، سميع، بصير، فمنعهم خوف السيف من إظهارهم نفي ذلك، فأتوا بمعناه؛ لأنهم إذا قالوا لا علم لله ولا قدرة له، فقد قالوا إنه ليس بعالم ولا قادر، ووجب ذلك عليهم، وهذا إنما أخذوه عن أهل الزندقة والتعطيل؛ لأن الزنادقة قد قال كثير منهم: إن الله تعالى ليس بعالم، ولا قادر، ولا حي، ولا سميع، ولا بصير، فلم تقدر المعتزلة أن تفصح بذلك فأتت بمعناه، وقالت إن الله عالم، قادر، حي، سميع، بصير من طريق التسمية من غير أن يثبتوا له حقيقة العلم، والقدرة، والسمع، والبصر.
стр. 134
فصل
وقد قال رئيس من رؤسائهم - وهو أبو الهذيل العلاف - إن علم الله هو الله، فجعل الله تعالى علما.
وأُلْزِم، فقيل له: إذا قلت إن علم الله هو الله فقل يا علم الله اغفر لي وارحمني، فأبى ذلك فلزمه المناقضة.
واعلموا رحمكم الله أن من قال عالم ولا علم كان مناقضا، كما أن من قال علم الله ولا عالم كان مناقضا، وكذلك القول في القادر والقدرة، والحياة والحي، والسمع والبصر والسميع والبصير.
مسألة:
ويقال لهم: خبرونا عمن زعم أن الله متكلم، قائل، آمر
стр. 135
، ناه، لا قول له، ولا كلام، ولا أمر له، ولا نهى، أليس هو مناقض خارج عن جملة المسلمين؟
فلا بد من نعم.
يقال لهم: فكذلك من قال: إن الله تعالى عالم ولا علم له، كان ذلك مناقضا خارجا عن جملة المسلمين.
وقد أجمع المسلمون قبل حدوث الجهمية والمعتزلة والحرورية على أن لله علما لم يزل، وقد قالوا: علم الله لم يزل، وعلم الله سابق في الأشياء، ولا يمتنعون أن يقولوا في كل حادثة تحدث ونازلة تنزل كل هذا سابق في علم الله، فمن جحد أن لله علما فقد خالف المسلمين وخرج عن اتفاقهم.
مسألة:
ويقال لهم: إذا كان الله مريدا فله إرادة؟ فإن قالوا: لا، قيل لهم: فإذا أثبتم مريدا لا إرادة له فأثبتوا أن قائلا لا قول له، وإن
стр. 136
أثبتوا الإرادة قيل لهم: فإذا كان المريد لا يكون مريدا إلا بإرادة، فما أنكرتم أن لا يكون العالم عالما إلا بعلم، وأن يكون لله علم كما أثبتم له الإرادة.
مسألة:
وقد فرقوا بين العلم والكلام فقالوا: إن الله تعالى علم موسى وفرعون، وكلم موسى ولم يكلم فرعون، فكذلك قد يقال علم موسى الحكمة وفصل الخطاب، وآتاه النبوة، ولم يعلم ذلك فرعون فإن كان لله كلام؛ لأنه كلم موسى ولم يكلم فرعون، فكذلك لله علم؛ لأنه علم موسى ولم يعلم فرعون.
ثم يقال لهم: إذا وجب أن لله كلاما به كلم موسى دون فرعون؛ إذ كلم موسى دونه، فما أنكرتم إذا علمهما جميعا أن يكون له علم به علمهما جميعا.
ثم يقال: قد كلم الله الأشياء بأن قال لها: كوني، وقد أثبتم لله قولا، وإن علم الأشياء كلها فله علم.
стр. 137
مسألة:
ثم يقال لهم: إذا أوجبتم أن لله كلاما وليس له علم؛ لأن الكلام أخص من العلم، والعلم أعم منه، فقولوا: إن لله قدرة؛ لأن العلم أعم عندكم من القدرة؛ لأن مذاهب القدرية أنهم لا يقولون أن الله لا يقدر أن يخلق الكفر، فقد أثبتوا القدرة أخص من العلم، فينبغي لهم أن يقولوا على اعتلالهم إن لله قدرة.
مسألة:
ثم يقال لهم: أليس الله عالما، والوصف له بأنه عالم أعم من الوصف له بأنه متكلم مكلِّم؟
ثم لم يجب؛ لأن الكلام أخص من أن يكون الله تعالى متكلما غير عالم؟ فلم لا قلتم إن الكلام - وإن كان أخص من العلم - أن ذلك لا ينفي أن يكون لله علم، كما لم ينف بخصوص الكلام أن يكون الله عالما؟
مسألة:
ويقال لهم: من أين علمتم أن الله عالم؟
стр. 138
فإن قالوا: يقوله تعالى: (إنه بكل شيء عليم) من الآية (١٢ /٤٢) .
قيل لهم: وكذلك فقولوا: إن لله علما بقوله: (أنزله بعلمه) من الآية (١٦٦ /٤) ، وبقوله: (وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه) من الآية (١١ /٣٥) ، وكذلك فقولوا إن له قوة لقوله تعالى: (أولم يروا أن الذي خلقهم هو أشد منهم قوة) من الآية (١٥ /٤١) .
فإن قالوا: قلنا: إن الله عالم؛ لأنه صنع العالم على ما فيه من آثار الحكمة واتساق التدبير.
قيل لهم: فلم لا قلتم إن لله علما بما ظهر في العالم من حكمة وآثار تدبيره؟
стр. 139
لأن الصنائع الحكمية لا تظهر إلا من ذي علم، كما لا يظهر إلا من عالم، وكذلك لا تظهر إلا من ذي قوة كما لا تظهر إلا من قادر.
مسألة:
ويقال لهم: إذا نفيتم علم الله فلم لا نفيتم أسماءه؟
فإن قالوا كيف ننفي أسماءه وقد ذكرها في كتابه؟
قيل لهم: فلا تنفوا العلم والقوة؛ لأنه تعالى ذكر ذلك في كتابه العزيز.
مسألة أخرى:
ويقال لهم: قد علَّم الله تعالى نبيه ﷺ الشرائع والأحكام، والحلال والحرام، ولا يجوز أن يعلمه ما لا يعلمه، فكذلك لا يجوز
стр. 140
أن يعلم الله نبيه ﷺ مالا علم الله به. تعالى الله عن قول الجهمية علوا كبيرا.
مسألة:
ويقال لهم: أليس إذا لعن الله الكافرين، فلعنه لهم معنى، ولعن النبي ﷺ لهم معنى؟
فمن قولهم نعم.
فيقال لهم: فما أنكرتم من أن الله تعالى إذا علم نبيه ﷺ شيئا فكان للنبي ﷺ علم، ولله تعالى علم، وإذا كنا متى أثبتناه غضبانا على الكافرين فلا بد من إثبات غضب، وكذلك إذا أثبتناه راضيا عن المؤمنين فلا بد من إثبات رضى، وكذلك إذا أثبتناه حيا سميعا بصيرا فلا بد من إثبات حياة وسمع وبصر.
стр. 141
مسألة:
ويقال لهم: وجدنا اسم عالم اشتق من علم، واسم قادر اشتق من قدرة، وكذلك اسم حي اشتق من حياة، واسم سميع اشتق من سمع، واسم بصير اشتق من بصر، ولا تخلو أسماء الله من أن تكون مشتقة إما لإفادة معنى، أو على طريق التلقيب، فلا يجوز أن يسمى الله تعالى على طريق التقليب باسم ليس فيه إفادة معنى، وليس مشتقا من صفة.
فإذا قلنا: إن الله تعالى عالم قادر فليس تلقيبا، كقولنا زيد وعمر، وعلى هذا إجماع المسلمين.
стр. 142
وإذا لم يكن كذلك تلقيبا، كان مشتقا من علم، فقد وجب إثبات العلم، وإن كان ذلك لإفادة معنى، فلا يختلف ما هو لإفادة معنى واجب إذا كان معنى العالم منا أن له علما أن يكون كل عالم فهو ذو علم، كما إذا كان قولي موجود مفيدا فينا الإثبات كان الباري تعالى واجبا إثباته؛ لأنه موجود.
مسألة:
ويقال للمعتزلة والجهمية والحرورية: أتقولون إن لله علما
стр. 143
بالأشياء سابقا فيها، وبوضع كل حامل، وحمل كل أنثى، وبإنزال كل ما أنزله؟
فإن قالوا: نعم، أثبتوا العلم ووافقوا.
وإن قالوا: لا، قيل لهم: جحد منكم؛ لقوله تعالى: (أنزله بعلمه) من الآية (١٦٦ /٤) ، ولقوله: (وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه) من آية (١١ /٣٥) ، ولقوله تعالى: (فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله) من الآية (١٤ /١١) .
وإذا كان قول الله تعالى: (بكل شيء عليم) من الآية (١٢ /٤٢) ، (وما تسقط من ورقة إلا يعلمها) من الآية (٥٩ /٦)
стр. 144
يوجب أنه عليم بعلم الأشياء، فكذلك فما أنكرتم أن تكون هذه الآيات نوجب أن لله علما بالأشياء سبحانه وبحمده.
مسألة:
ويقال لهم: هل لله علم بالتفرقة بين أوليائه وأعدائه؟ وهل هو مريد لذلك؟ وهل له إرادة للإيمان إذا أراد الإيمان؟
فإن قالوا: نعم، وافقوا.
وإن قالوا: إذا أراد الإيمان فله إرادة.
قيل لهم: وكذلك إذا فرق بين أوليائه وأعدائه، فلا بد من أن يكون له علم بذلك، وكيف يجوز أن يكون للخلق علم بذلك، وليس للخالق علم
стр. 145
بذلك؟ ! وهذا يوجب أن للخلق مزية في العلم وفضلا على الخلاق. تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
قيل لهم: إذا كان من له علم من الخلق أولى بالمنزلة الرفيعة ممن لا علم له، فإذا زعمتم أن الله تعالى لا علم له لزمكم أن الخلق أعلى مرتبة من الخالق. تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
مسألة:
ويقال لهم: إذا كان من لا علم له من الخلق يلحقه الجهل والنقصان، فما أنكرتم من أنه لا بد من إثبات علم الله؟ وإلا ألحقتم به النقصان - جل عن قولكم وعلا - ألا ترون أن من لا يعلم من الخلق يلحقه الجهل والنقصان،
следующие страницы →