← Акыда

Акыда · id 8178

الإبانة عن أصول الديانة - ت فوقية

أبو الحسن الأشعري

Полный текст (246 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

فما يؤمنكم أن يكون كل كلام تسمعونه مخلوقا في شيء، وهو حق أن يكون كلاما لله سبحانه؟ فإن قالوا: لا تكون الشجرة متكلمة؛ لأن المتكلم لا يكون إلا حيا. قيل لهم: ولا يجوز خلق الكلام في شجرة؛ لأن من خلق الكلام فيه لا يكون إلا حيا، فإن جاز أن يخلق الكلام فيما ليس بحي فلِمَ لا يجوز أن يتكلم من ليس بحي. ويقال لهم: لِمَ لا قلتم إنه يقول من ليس بحي، لأن الله أخبر أن السماوات والأرض: (قالتا أتينا طائعين) من الآية (١١ /٤١) . مسألة: ثم يقال لهم: أليس قد قال الله لإبليس: (وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين) (٧٨ /٣٨) ؟ فلا بد من نعم. قيل لهم: فإذا كان كلام الله مخلوقا وكانت المخلوقات فانيات؛ فيلزمكم إذا أفنى الله الأشياء أن تكون اللعنة على إبليس

стр. 72

قد فنيت، فيكون إبليس غير ملعون، وهذا ترك دين المسلمين، ورُدَّ لقوله تعالى: (وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين) (٧٨ /٣٨) ، وإذا كانت اللعنة باقية على إبليس إلى يوم الدين؛ وهو يوم الجزاء، وهو يوم القيامة؛ لأن الله تعالى قال (مالك يوم الدين) (٤ /١) يعني يوم الجزاء، ثم هي أبدا في النار واللعنة كلام الله وهو قوله (عليك لعنتي) فقد وجب أن يكون الله لا يجوز عليه الفناء، وأنه غير مخلوق؛ لأن المخلوقات يجوز عليها العدم، فإذا لم يجز ذلك على كلام الله فهو غير مخلوق. مسألة: ثم يقال لهم: إذا كان غضب الله غير مخلوق، وكذلك رضاه وسخطه، فلِم لا قلتم إن كلامه غير مخلوق؟ ومن زعم أن غضب الله

стр. 73

مخلوق لزمه أن غضب الله وسخطه على الكافرين يفنى، وأن رضاه عن الملائكة والنبيين يفنى، حتى لا يكون راضيا عن أوليائه ولا ساخطا عن أعدائه، وهذا هو الخروج عن الإسلام. مسألة: ويقال: خبرونا عن قول الله تعالى: (إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون) (٤٠ /١٦) أتزعمون أن قوله للشيء " كن " مخلوق مرادا لله؟ فإن قالوا: لا، قيل لهم: فما أنكرتم أن يكون كلام الله الذي هو القرآن غير مخلوق، كما زعمتم أن قول الله للشيء " كن " غير مخلوق. وإن زعموا أن قول الله للشيء " كن " مخلوق. قيل لهم: فإذا زعمتم أنه مخلوق مراد فقد قال الله عز وجل

стр. 74

: (إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون) (٤٠ /١٦) ؛ فيلزمكم أن قوله تعالى للشيء (كن) قد قال له: (كن) . وفي هذا ما يجب أحد أمرين: إما أن يكون قول الله لغيره كن غير مخلوق، أو يكون لكل قول لا إلى غاية وذلك محال. فإن قالوا: إن لله قولا غير مخلوق. قيل لهم: فما أنكرتم أن تكون إرادة الله للإيمان غير مخلوقة. ثم يقال لهم ما العلة التي إنما قلتم إن قول الله للشيء (كن) غير مخلوق. فإن قالوا: لأن القول لا يقال له (كن) فيقال لهم القرآن غير مخلوق؛ لأنه قول الله، والله لا يقول لقوله (كن) . مسألة على الجهمية: ويقال لهم: أليس لم يزل الله عالما بأوليائه وأعدائه

стр. 75

؟ فلا بد من نعم. قيل لهم: فهل تقولون إنه لم يزل مريدا للتفرقة بين أوليائه وأعدائه؟ فإن قالوا نعم، قيل لهم: فإذا كانت إرادة الله لم تزل فهي غير مخلوقة، وإذا كانت إرادته غير مخلوقة فلِم لا قلتم إن كلامه غير مخلوق؟ فإن قالوا: لا نقول لم يزل مريدا للتفرقة بين أوليائه وأعدائه، زعموا أن الله لا يريد التفرقة بين أوليائه وأعدائه، ونسبوه سبحانه إلى النقص. تعالى عن قول القدرية علوا كبيرا. مسألة: ويقال لهم: إن الشيء المخلوق إما أن يكون بدنا من الأبدان، شخصا من الأشخاص؛ أو يكون نعتا من نعوت الأشخاص. فلا يجوز أن يكون كلام الله شخصا؛ لأن الأشخاص يجوز عليها الأكل والشرب والنكاح، ولا يجوز ذلك على كلام الله تعالى. ولا يجوز أن يكون كلام الله نعتا لشخص مخلوق؛ لأن النعوت لا تبقى طرفة عين؛ لأنها لا تحتمل البقاء، وهذا يوجب أن يكون كلام الله قد فني ومضى.

стр. 76

فلما لم يجز أن يكون شخصا ولا نعتا لشخص لم يجز أن يكون مخلوقا، على أن الأشخاص يجوز أن تموت. فمن يثبت كلام الله شخصا مخلوقا لزمه أن يجوز الموت على كلام الله ، وذلك ما لا يجوز. وأيضا فلا يجوز أن يكون كلام الله مخلوقا في شخص مخلوق، كما لا يجوز أن يكون نعتا لشخص مخلوق، ولو كان مخلوقا في شخص، وكلام الإنسان مفعولا فيه، كما لا يمكن التفريق بين كلام الله وكلام الخلق إذا كانا مخلوقين في شخص مخلوق، كما لا يجوز أن يكون علمه مخلوقا في شخص مخلوق. مسألة: ويقال لهم أيضا: لو كان كلام الله مخلوقا لكان جسما أو نعتا لجسم، ولو كان جسما لجاز أن يكون متكلما، والله قادر على قلبهما، وفي هذا ما يلزمهم، ويجب عليهم أن يجوزوا أن يقلب الله القرآن إنسانا أو جنيا

стр. 77

أو شيطانا. تعالى الله أن يكون كلامه كذلك. ولو كان نعتا لجسم كالنعوت؛ فالله قادر على أن يجعلها أجساما، لكان يجد على الجهمية أن يجوزوا أن يجعل الله القرآن جسما متجسدا، يأكل ويشرب، وأن يجعله إنسانا ويميته، وهذا ما لا يجوز على كلام الله، تعالى عن ذلك.

стр. 78

الباب الثالث في ذكر الرواية في القرآن قال أبو بكر: أتيت أنا والعباس بن عبد العظيم العنبري أبا عبد الله أحمد بن حنبل، فسأل العباسُ أبا عبد الله ﵀، ورضي عنه - فقال له: قوم ههنا قد حدثوا يقولون: القرآن لا مخلوق ولا غير مخلوق. فقال: هؤلاء أضر من الجهمية على الناس، ويلكم فإن لم تقولوا ليس بمخلوق فقولوا مخلوق. قال أبو عبد الله: هؤلاء قوم سوء. فقال العباس: ما تقول يا أبا عبد الله؟ فقال: الذي أعتقد وأذهب إليه ولا أشك فيه أن القرآن غير مخلوق.

стр. 79

ثم قال: سبحان الله ومن يشك في هذا؟ ! ثم تكلم أبو عبد الله مستعظما للشك في ذلك، فقال: سبحان الله أفي هذا شك؟ ! قال الله ﵎: (ألا له الخلق والأمر) من الآية (٥٤ /٧) وقال: (الرحمن علم القرآن خلق الإنسان) (١ - ٣ /٥٥) ففَرَّق بين الإنسان وبين القرآن، فقال: " علَّمَ " " خلَقَ " فجعل يعيدها " علَّم " " خلَقَ " أي فَرْقٌ بينهما. قال أبو عبد الله: والقرآن علم الله، ألا تراه يقول: (علم القرآن) والقرآن فيه أسماء الله ، أي شيء يقولون؟ ألا يقولون: إن أسماء الله غير مخلوقة، لم يزل الله قديرا عليما عزيزا حكيما سميعا بصيرا، لسنا نشك أن أسماء الله غير مخلوقة، لسنا نشك أن علم الله غير مخلوق، فالقرآن من علم الله وفيه أسماء الله، فلا نشك أنه غير مخلوق، وهو كلام الله ، ولم يزل به متكلما، ثم

стр. 80

قال: وأي كفر من هذا؟ وأي كفر أشر من هذا؟ إذا زعموا أن القرآن مخلوق فقد زعموا أن أسماء الله مخلوقة، وأن علم الله مخلوق، ولكن الناس يتهاونون بهذا ويقولون، إنما يقولون القرآن مخلوق ويتهاونون به ويظنون أنه هين، ولا يدرون ما فيه وهو الكفر، وأنا أكره أن أبوح بهذا لكل أحد، وهم يسألون وأنا أكره الكلام في هذا، فبلغني أنهم يدعون أني أمسك. فقلت له: فمن قال القرآن مخلوق ولا يقول إن أسماء الله مخلوقة ولا علمه لم يزد على هذا، أقول: هو كافر؟ فقال: هكذا هو عندنا. ثم قال أبو عبد الله: نحن نحتاج أن نشك في هذا القرآن عندنا فيه أسماء الله وهو من علم الله، فمن قال: إنه مخلوق فهو عندنا كافر. فجعلت أردد عليه، فقال لي العباس - وهو يسمع - سبحان الله أما يكفيك دون هذا. فقال أبو عبد الله: بلى. وذكر الحسين بن عبد الأول، قال: سمعت وكيعا يقول: من قال: القرآن مخلوق فهو مرتد يستتاب، فإن تاب وإلا قتل.

стр. 81

وذكر محمد بن الصباح البزار، قال: حدثنا علي بن الحسين بن شعبان، قال: سمعت ابن المبارك يقول: إنا نستطيع أن نحكي كلام اليهود والنصارى، ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية. قال محمد: نقول: نخاف أن نكفر ولا نعلم. وذكر هارون بن إسحاق الهمداني عن أبي نعيم، عن سليمان بن عيسى القاري، عن سفيان الثوري ﵁ قال: قال لي حماد بن أبي سليمان: أبلغ أبا حنيفة المشرك أنى منه بريء؟ قال سليمان: ثم قال سفيان؛ لأنه كان يقول القرآن مخلوق. وحاشى الإمام الأعظم أبو حنيفة ﵁ من هذا القول، بل هو زور وباطل، فإن أبا حنيفة من أفضل أهل السنة. وذكر سفيان بن وكيع قال: سمعت عمر بن حماد بن أبي سليمان قال: أخبرني أبي قال: الكلام الذي استتاب فيه ابن أبي ليلى أبا حنيفة هو قوله: القرآن مخلوق، قال: فتاب منه وطاف به في الخلق، قال أبى: فقلت له كيف صرت إلى هذا، قال: خفت والله أن يقدم عليَّ فأعطيته التقية.

стр. 82

وذكر هارون بن إسحاق قال: سمعت إسماعيل بن أبي الحكم يذكر عن عمر بن عبيد الطنافسي إن حماد - يعني ابن أبي سليمان - بعث إلى أبي حنيفة: أني بريء مما تقول، إلا أن تتوب، وكان عنده ابن أبي عقبة، قال: فقال: أخبرني جارك أن أبا حنيفة دعاه إلى ما استتيب منه بعد ما استتيب. وهذا كذب محض على أبي حنيفة ﵁. وذكر عن أبي يوسف قال: ناظرت أبا حنيفة ﵁ شهرين حتى رجع عن خلق القرآن. وقال سليمان بن حرب: القرآن غير مخلوق، وأخذته من كتاب الله تعالى، قال الله تعالى: (لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم) من الآية (٧٧ /٣) ، وكلام الله ونظره واحد، يعني غير مخلوق. وذكر الحسين بن عبد الأول، قال: حدثنا محمد بن الحسن ابن أبي يزيد الهمذاني عن عمرو بن قيس، عن أبي قيس المديني، عن عطية، عن أبي سعيد الخدري قال: قال

стр. 83

رسول الله ﷺ : (فضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه) ، فهذا يثبت أن القرآن كلام الله ، وما كان كلاما لله لم يكن خلقا لله، وقد بين الله أن القرآن كلامه بقوله : (حتى يسمع كلام الله) من الآية (٦ /٩) ، ودل على ذلك في مواضع من كتابه العزيز، وقد قال الله تعالى مخبرا أن الله كلم موسى تكليما. وروى وكيع عن الأعمش عن خيثمة، عن عدى بن حاتم، قال: قال رسول الله ﷺ : (ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان) ومما يدل أن الله متكلم، وأن له كلاما ما رواه

стр. 84

عفان، قال: ثنا حماد بن سلمة عن الأشعب الحداني عن شهر ين حوشب قال: (فضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه) وروى يعلى بن المنهال السعدي، قال: حدثنا إسحاق بن سليمان الرازي، قال: ثنا الجراح بن الضحاك الكندي، عن علقمة بن مرثل، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن عثمان بن عفان ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ : (أفضلكم من تعلم القرآن وعلمه) ، وقال: (إن فضل القرآن على سائر الكلام كفضل الله على خلقه) ،

стр. 85

وذلك أنه منه. وروى سعيد بن داود، قال: حدثنا أبو سفيان، عن معمر، عن قتادة قوله تعالى: (ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله) الآية، من الآية (٢٧ /٣١) . وذكر هارون بن معروف قال: حدثنا جرير، عن منصور، عن هلال بن أساف، عن فروة بن نوفل وقال: كنت جارا لخباب بن الأرت، فقال لي: يا هذا تقرب إلى الله بما استطعت فإنك لن تتقرب إلى الله بشيء أحب إليه من كلامه. وروى عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: (قرآنا عربيا غير ذي عوج) من الآية (٢٨ /٣٩) ،

стр. 86

قال: غير مخلوق. وروى الليث بن يحيى، قال: حدثني إبراهيم بن أبي الأشعث، قال: سمعت مؤمل ابن إسماعيل يحدث عن الثوري، قال: من زعم أن القرآن مخلوق فقد كفر. وصحت الرواية عن جعفر بن محمد أن القرآن لا خالق ولا مخلوق. وروي ذلك عن عمه زيد بن علي، وعن جده علي بن الحسين ﵃ أجمعين. ومن قال: إن القرآن غير مخلوق، وإن من قال بخلقه كافر من العلماء، وحملة الآثار، ونقلة الأخبار، وهم لا يحصون كثرة، ومنهم: حماد، والثوري وعبد العزيز بن أبي سلمة، ومالك بن أنس ﵁، والشافعي ﵁ وأصحابه، وأبو حنيفة، وأحمد بن حنبل، ومالك ﵃، والليث بن سعد ﵁، وسفيان بن عيينة، وهشام، وعيسى بن يونس، وجعفر

стр. 87

ابن غياث، وسعيد بن عامر، وعبد الرحمن بن مهدي، وأبو بكر بن عياش، ووكيع، وأبو عاصم النبيل، ويعلى بن عبيد، ومحمد بن يوسف، وبشر ابن الفضل، وعبد الله بن داود، وسلام بن أبي مطيع، وابن المبارك، وعلي بن عاصم، وأحمد بن يونس، وأبو نعيم، وقبيصة بن عقبة، وسليمان بن داود، وأبو عبيد القاسم بن سلام، ويزيد بن هارون، وغيرهم. ولو تتبعنا ذكر من يقول بذلك لطال الكلام، وفيما ذكرنا من ذلك مقنع، والحمد لله رب العالمين. وقد احتججنا لصحة قولنا: إن القرآن غير مخلوق من كتاب الله ، وما تضمنه من البرهان، وأوضحه من البيان، ولم نجد أحدا ممن تحمل عنه الآثار، وتنقل عنه الأخبار، ويأتم به المؤتمون من أهل العلم يقول بخلق القرآن، وإنما قال ذلك رعاع الناس، وجهال من جهالهم، لا موقع لهم. والحجاج الذي قدمناه في ذلك يأتي على كثير من قولهم، ودفع باطلهم، والحمد لله على قوة الحق حمدا كثيرا.

стр. 88

الباب الرابع الكلام على من توقف في القرآن وقال لا أقول إنه مخلوق ولا أنه غير مخلوق جواب: يقال لهم: لِم زعمتم ذلك وقلتموه؟ فإن قالوا: قلنا ذلك؛ لأن الله لم يقل في كتابه إنه مخلوق، ولا قاله رسول الله ﷺ ، ولا أجمع المسلمون عليه، ولم يقل في كتابه إنه غير مخلوق، ولا قال ذلك رسول الله ﷺ ، ولا أجمع عليه المسلمون، فتوقفنا لذلك، ولم نقل إنه مخلوق، ولا إنه غير مخلوق.

стр. 89

يقال لهم: فهل قال الله تعالى لكم في كتابه توقفوا فيه ولا تقولوا إنه غير مخلوق، وقال لكم رسول الله ﷺ توقفوا عن أن تقولوا إنه غير مخلوق، وهل أجمع المسلمون على التوقف عن القول إنه غير مخلوق؟ فإن قالوا: نعم، فقد بهتوا. وإن قالوا: لا، قيل لهم: فلا تقفوا عن أن تقولوا غير مخلوق بمثل الحجة التي بها ألزمتم أنفسكم التوقف. ثم يقال لهم: ولم أبيتم أن يكون في كتاب الله ما يدل على أن القرآن غير مخلوق؟ فإن قالوا: لم نجده، قيل لهم: ولم زعمتم أنكم إذا لم تجدوه في القرآن فليس بموجود

стр. 90

فيه؟ ثم إنا نوجدهم ذلك، ونتلو عليهم الآيات التي احتججنا بها في كتابنا هذا، واستدللنا بها على أن القرآن غير مخلوق، كقوله تعالى: (ألا له الخلق والأمر) من الآية (٥٤ /٧) ، وكقوله: (إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون) من الآية (٤٠ /١٦) ، وكقوله: (قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي) من الآية (١٠٩ /١٨) ، وسائر ما احتججنا في ذلك من آي القرآن. ويقال لهم: يلزمكم أن تتوقفوا في كل ما اختلف الناس فيه، ولا تقدموا في ذلك على قول، فإن جاز لكم أن تقولوا ببعض تأويل المسلمين إذا دل على صحتها دليل فلم لا قلتم إن القرآن غير مخلوق بالحجج التي ذكرناها في كتابنا هذا قبل هذا الموضع؟

стр. 91

مسألة: فإن قال قائل: حدثونا، أتقولون: إن كلام الله في اللوح المحفوظ. قيل له: كذلك نقول؛ لأن الله تعالى قال: (بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ) (٢١ - ٢٢ /٨٥) ، فالقرآن في اللوح المحفوظ. وهو في صدور الذين أوتوا العلم، قال الله تعالى: (بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم) من الآية (٤٩ /٢٩) . وهو متلو بالألسنة، قال الله ﵎: (لا تحرك به لسانك لتعجل به) (١٦ /٧٥) . والقرآن مكتوب في مصاحفنا في الحقيقة، محفوظ في صدورنا في الحقيقة، متلو بألسنتنا في الحقيقة، مسموع لنا في الحقيقة، كما قال تعالى

стр. 92

: (فأَجِرْه حتى يسمع كلام الله) من الآية (٦ /٩) . مسألة: فإن قال قائل: حدثونا عن اللفظ بالقرآن كيف تقولون فيه؟ قيل له: القرآن يقرأ في الحقيقة، ويتلى، ولا يجوز أن يقال يلفظ به؛ لأن القائل لا يجوز له أن يقول إن كلام الله ملفوظ به؛ لأن العرب إذا قال قائلهم لفظت باللقمة من فمي فمعناه رميت بها، وكلام الله تعالى لا يقال يلفظ به، وإنما يقال يقرأ، ويتلى، ويكتب، ويحفظ. وإنما قال قوم لفظنا بالقرآن ليثبتوا أنه مخلوق، ويزينوا بدعتهم، وقولهم بخلقه، ويدلسوا كفرهم على من لم يقف على معناهم، فلما وقفنا على معناهم أنكرنا قولهم، وكذا لا يجوز أن يقال إن شيئا من القرآن مخلوق؛ لأن القرآن بكماله غير مخلوق.

стр. 93

مسألة: إن قال قائل: أليس قد قال الله تعالى: (ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون) من الآية (٢ /٢١) ؟ قيل له: الذكر الذي عناه الله ليس هو القرآن، بل هو كلام الرسول ﷺ ووعظه إياهم. وقد قال الله تعالى لنبيه: (وذكِّر فإن الذكرى تنفع المؤمنين) (٥٥ /٥١) ، وقد قال الله تعالى: (ذكرا رسولا) نهاية آية (١٠) وبداية آية (١١ /٦٥) فسمى الرسول ذكرا، والرسول محدث. وأيضا فإن الله تعالى قال

стр. 94

: (ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون) من الآية (٢ /٢١) يخبر أنه لا يأتيهم ذكر محدث إلا استمعوه وهم يلعبون، ولم يقل لا يأتيهم ذكر إلا كان محدثا، وإذا لم يقل هذا لم يوجب أن يكون القرآن محدثا. ولو قال قائل: ما يأتيهم رجل من التميميين يدعوهم إلى الحق إلا أعرضوا عنه، لم يوجب هذا القول أنه لا يأتيهم رجل إلا كان تميميا، فكذلك الحكم فيما سألونا عنه. مسألة: فإن سألونا عن قول الله تعالى: (قرآنا عربيا) من الآية (٢ /١٢) . قيل لهم: الله أنزل وليس بمخلوق. فإن قالوا: فقد قال الله تعالى

стр. 95

: (وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد) من الآية (٢٥ /٥٧) والحديد مخلوق. قيل لهم: الحديد جسم موات، وليس يجب إذا كان القرآن منزلا أن يكون جسما مواتا، فكذلك لا يجب إذا كان القرآن منزلا أن يكون مخلوقا، وإن كان الحديد مخلوقا. مسألة: ويقال لهم: قد أمرنا الله تعالى أن نستعيذ به وهو غير مخلوق، وأمر أن نستعيذ بكلمات الله التامات، وإذا لم نؤمر أن نستعيذ بمخلوق من المخلوقات، وأمرنا أن نستعيذ بكلام الله، فقد وجب أن كلام الله غير مخلوق.

стр. 96

الباب الخامس ذكر الاستواء على العرش إن قال قائل: ما تقولون في الاستواء؟ قيل له: نقول: إن الله يستوي على عرشه استواء يليق به من غير طول استقرار، كما قال: (الرحمن على العرش استوى) (٥ /٢٠) ، وقد قال تعالى: (إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه) من الآية (١٠ /٣٥) ، وقال تعالى: (بل رفعه الله إليه) من الآية (١٥٨ /٤) ،

стр. 97

وقال تعالى: (يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه) من الآية (٥ /٣٢) ، وقال تعالى حاكيا عن فرعون لعنه الله: (يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا) من الآيتين (٣٦ - ٣٧ /٤٠) ، كذب موسى ﵇ في قوله: إن الله سبحانه فوق السماوات. وقال تعالى: (أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض) من الآية (١٦ /٦٧) فالسماوات فوقها العرش، فلما كان العرش فوق السماوات قال: (أأمنتم من في السماء) من الآية (١٤ /٦٧) ... لأنه مستو على العرش

стр. 98

الذي فوق السماوات، وكل ما علا فهو سماء، والعرش أعلى السماوات، وليس إذا قال: (أأمنتم من في السماء) من الآية (١٦ /٦٧) يعني جميع السماوات، وإنما أراد العرش الذي هو أعلى السماوات، ألا ترى الله تعالى ذكر السماوات، فقال تعالى: (وجعل القمر فيهن نورا) من الآية (١٦ /٧) ، ولم يرد أن القمر يملأهن جميعا، وأنه فيهن جميعا، ورأينا المسلمين جميعا يرفعون أيديهم إذا دعوا نحو السماء؛ لأن الله تعالى مستو على العرش الذي هو فوق السماوات، فلولا أن الله على العرش لم يرفعوا أيديهم نحو العرش، كما لا يحطّونها إذا دعوا إلى الأرض ١

стр. 99

فصل وقد قال قائلون من المعتزلة والجهمية والحرورية: إن معنى قول الله تعالى: (الرحمن على العرش استوى) (٥ /٢٠) أنه استولى وملك وقهر، وأن الله تعالى في كل مكان، وجحدوا أن يكون الله مستو على عرشه، كما قال أهل الحق، وذهبوا في الاستواء إلى القدرة. ولو كان هذا كما ذكروه كان لا فرق بين العرش والأرض السابعة؛ لأن الله تعالى قادر على كل شيء والأرض لله سبحانه

стр. 100

قادر عليها، وعلى الحشوش، وعلى كل ما في العالم، فلو كان الله مستويا على العرش بمعنى الاستيلاء، وهو تعالى مستو على الأشياء كلها لكان مستويا على العرش، وعلى الأرض، وعلى السماء، وعلى الحشوش، والأقدار؛ لأنه قادر على الأشياء مستول عليها، وإذا كان قادرا على الأشياء كلها لم يجز عند أحد من المسلمين أن يقول إن الله تعالى مستو على الحشوش والأخلية، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، لم يجز أن يكون الاستواء على العرش الاستيلاء الذي هو عام في الأشياء كلها، ووجب أن يكون معنى الاستواء يختص بالعرش دون الأشياء كلها. وزعمت المعتزلة والحرورية والجهمية أن الله تعالى في كل مكان، فلزمهم أنه في بطن مريم وفي الحشوش والأخلية، وهذا خلاف الدين. تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا. مسألة: ويقال لهم: إذا لم يكن مستويا على العرش بمعنى يختص العرش

стр. 101

دون غيره، كما قال ذلك أهل العلم، ونقله الأخبار، وحملة الآثار، وكان الله في كل مكان فهو تحت الأرض التي السماء فوقها، وإذا كان تحت الأرض والأرض فوقه، والسماء فوق الأرض وفي هذا ما يلزمكم أن تقولوا إن الله تحت التحت، والأشياء فوقه، وأنه فوق الفوق والأشياء تحته، وفي هذا ما يجب أنه تحت ما هو فوقه، وفوق ما هو تحته، وهذا هو المحال المتناقض، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. دليل آخر: ومما يؤكد أن الله مستو على عرشه دون الأشياء كلها، ما نقله أهل الرواية عن رسول الله ﷺ . روى عفان، قال: ثنا حماد بن سلمة، قال: حدثنا

стр. 102

عمرو بن دينار، عن نافع، عن جبير، عن أبيه ﵃ أجمعين، أن النبي ﷺ قال: (ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا فيقول: هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ حتى يطلع الفجر) . روى عبيد الله بن بكر قال: ثنا هشام بن أبي عبد الله، عن يحيى بن كثير، عن أبي جعفر، أنه سمع أبا حفص يحدث أنه سمع أبا هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا بقى ثلث الليل ينزل الله ﵎ فيقول: من ذا الذي يدعوني فأستجيب له؟ من ذا الذي يستكشف الضر فأكشفه عنه؟ من ذا الذي يسترزقني فأرزقه؟ حتى ينفجر الفجر) .

стр. 103

وروى عبد الله بن بكر السهمي، قال: ثنا هشام بن أبي عبد الله عن يحيى بن كثير، عن هلال بن أبي ميمونة، قال: ثنا عطاء بن يسار أن رفاعة الجهني حدثه قال: فكنا مع رسول الله ﷺ حتى إذا كفا بالكديد - أو قال بقديد - حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: (إذا مضى ثلث الليل - أو قال ثلثا الليل - نزل الله إلى السماء، فيقول: من ذا الذي يدعوني أستجيب له؟ من ذا الذي يستغفرني أغفر له؟ من ذا الذي يسألني أعطيه؟ حتى ينفجر الفجر) نزولا يليق بذاته من غير حركة وانتقال، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. دليل آخر: قال الله تعالى

стр. 104

: (يخافون ربهم من فوقهم) من الآية (٥٠ /١٦) ، وقال تعالى: (تعرج الملائكة والروح إليه) من الآية (٤ /٧٠) ، وقال تعالى: (ثم استوى إلى السماء وهي دخان) من الآية (١١ /٤١) ، وقال تعالى: (ثم استوى على العرش الرحمن فاسأل به خبيرا) من الآية (٥٩ /٢٥) ، وقال تعالى: (ثم استوى على العرش مالكم من ولي ولا شفيع) (٤ /٣٢) ، فكل ذلك يدل على أنه تعالى في السماء مستو على عرشه، والسماء بإجماع الناس ليست الأرض، فدل على أنه تعالى منفرد بوحدانيته، مستو على عرشه استواء منزها عن الحلول والاتحاد.

стр. 105

دليل آخر: قال الله تعالى: (وجاء ربك والملك صفا صفا) (٢٢ /٨٩) ، وقال تعالى: (هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة) من الآية (٢١٠ /٢) ، وقال: (ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى ما كذب الفؤاد ما رأى أفتمارونه على ما يرى ولقد رآه نزلة أخرى) (٨ - ١٣ /٥٣) إلى قوله: (لقد رأى من آيات ربه الكبرى) (١٨ /٥٣) ، وقال تعالى لعيسى ابن مريم ﵇: (إني متوفيك ورافعك إليّ) ، وقال تعالى: (وما قتلوه يقينا بل رفعه الله إليه) من الآية (١٥٨ /٤) ،

стр. 106

وأجمعت الأمة على أن الله سبحانه رفع عيسى ﷺ إلى السماء، ومن دعاء أهل الإسلام جميعا إذا هم رغبوا إلى الله تعالى في الأمر النازل بهم يقولون جميعا: يا ساكن السماء، ومن حلفهم جميعا: لا والذي احتجب بسبع سماوات. دليل آخر: قال الله : (وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء) من الآية (٥١ /٤٢) ، وقد خصت الآية الشريفة البشر دون غيرهم ممن ليس من جنس البشر، ولو كانت الآية عامة للبشر وغيرهم، كان أبعد من الشبهة، وإدخال الشك على من يسمع الآية أن يقول: ما كان لأحد أن يكلمه الله إلا وحيا

стр. 107

، أو من وراء حجاب، أو يرسل رسولا، فيرتفع الشك والحيرة من أن يقول: ما كان لجنس من الأجناس أن أكلمه إلا وحيا، أو من وراء حجاب، أو أرسل رسولا، وننزل أجناسا لم يعمهم بالآية فدل ما ذكرنا على أنه خص البشر دون غيرهم. دليل آخر: قال الله تعالى: (ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق) من الآية (٦٢ /٦) ، وقال: (ولو ترى إذ وقفوا على ربهم) من الآية (٣٠ /٦) ، وقال: (ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رؤوسهم عند ربهم) (١٢ /٣٢) ، وقال : (وعرضوا على ربك صفا) من الآية (٤٨ /١٨) ، كل ذلك يدل على أنه تعالى ليس في خلقه، ولا خلقه فيه، وأنه مستو

стр. 108

على عرشه سبحانه، بلا كيف ولا استقرار، تعالى الله عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا، فلم يثبتوا له في وصفهم حقيقة، ولا أوجبوا له بذكرهم إياه وحدانية؛ إذ كل كلامهم يؤول إلى التعطيل، وجميع أوصافهم تدل على النفي، يريدون بذلك التنزيه، ونفي التشبيه على زعمهم، فنعوذ بالله من تنزيه يوجب النفي والتعطيل. دليل آخر: قال الله تعالى (الله نور السماوات والأرض) من الآية (٣٥ /٢٤) فسمى نفسه نورا، والنور عند الأمة لا يخلو من أن يكون أحد معنيين

стр. 109

: إما أن يكون نورا يسمع، أو نورا يرى. فمن زعم أن الله يسمع ولا يرى فقد أخطأ في نفيه رؤية ربه، وتكذيبه بكتابه، وقول نبيه ﷺ . وروت العلماء عن عبد الله بن عباس ﵄ أنه قال: (تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في الله ، فإن بين كرسيه إلى السماء ألف عام، والله فوق ذلك) . دليل آخر: وروت العلماء ﵏ عن النبي ﷺ أنه قال: (إن العبد لا تزول قدماه من بين يدي الله حتى يسأله عن عمله) . وروت العلماء أن رجلا أتى النبي ﷺ بأمة

стр. 110

سوداء فقال: يا رسول الله إني أريد أن أعتقها في كفارة، فهل يجوز عتقها؟ فقال لها النبي ﷺ : أين الله؟ قالت: في السماء، قال فمن أنا؟ قالت: أنت رسول الله، فقال النبي ﷺ : أعتقها فإنها مؤمنة. وهذا يدل على أن الله تعالى على عرشه فوق السماء فوقية لا تزيده قربا من العرش.
следующие страницы →