← Каваид фикха

Каваид фикха · id 8182

الفروق للكرابيسي

الكرابيسي

Полный текст (659 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وَلَيْسَ كَذَلِكَ التَّطَوُّعُ، لِأَنَّ لِلْوُجُوبِ سَبَبَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ بِالشُّرُوعِ، وَشُرُوعُ هَذَا غَيْرُ شُرُوعِ ذَاكَ، فَصَارَ كَالْفَرْضَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ، فَلَا يَجُوزُ أَدَاءُ أَحَدِهِمَا خَلْفَ مَنْ يُصَلِّي الْآخَرَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 37

[كِتَابُ الزَّكَاةِ] ٤٣ - إذَا قَالَ رَبُّ الْمَالِ: أَخَذَ الصَّدَقَةَ مُصَدِّقٌ آخَرُ وَحَلَفَ وَجَاءَ بِالْبَرَاءَةِ أَوْ لَمْ يَجِئْ بِهَا، فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِمْ مُصَدِّقٌ غَيْرُهُ فِي تِلْكَ السَّنَةِ صُدِّقَ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ مُصَدِّقٌ آخَرُ فِي تِلْكَ السَّنَةِ أَوْ قَالَ: دَفَعْتُهَا إلَى الْمَسَاكِينِ لَمْ يُصَدَّقْ. وَالْفَرْقُ أَنَّ مَالَ الزَّكَاةِ حَصَلَ فِي يَدِهِ حُصُولَ أَمَانَةٍ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ تَلِفَ لَمْ يَضْمَنْ، فَهُوَ أَمِينٌ ادَّعَى الدَّفْعَ إلَى مَنْ جُعِلَ لَهُ الدَّفْعُ إلَيْهِ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ، كَالْمُودَعِ إذَا قَالَ: رَدَدْتُ الْوَدِيعَةَ إلَى الْمُودِعِ أَوْ إلَى وَلِيُّهُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ مُصَدِّقٌ آخَرُ، لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ مُصَدِّقٌ آخَرُ فَقَدْ ادَّعَى الدَّفْعَ إلَى مَنْ لَمْ يُجْعَلْ لَهُ الدَّفْعُ إلَيْهِ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يُصَدَّقَ، كَالْمُودَعِ إذَا قَالَ: رَدَدْتُ الْوَدِيعَةَ إلَى الْأَجْنَبِيِّ لَا يُصَدَّقُ، كَذَا هَذَا. ٤٤ - وَإِذَا ظَهَرَ الْخَوَارِجُ عَلَى بَلَدٍ فِيهِ أَهْلُ الْعَدْلِ، فَأَخَذُوا مِنْهُمْ صَدَقَةَ أَمْوَالِهِمْ، ثُمَّ ظَهَرَ عَلَيْهِمْ الْإِمَامُ حَسِبَهَا لَهُمْ.

стр. 38

وَلَوْ مَرُّوا هُمْ عَلَى الْعَاشِرِ مِنْ أَهْلِ هَذَا الْبَغْيِ، فَأَخَذَ مِنْهُمْ الْعُشْرَ، لَمْ يَحْسِبْ لَهُمْ عَاشِرَ أَهْلِ الْعَدْلِ. وَالْفَرْقُ أَنَّ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَحْمِيَهُمْ وَيَذُبَّ عَنْهُ وَعَنْ حَرِيمِهِمْ، فَإِذَا لَمْ يَحْمِهِمْ حَتَّى غَلَبَ الْخَوَارِجُ عَلَيْهِمْ فَهُوَ الَّذِي ضَيَّعَ حَقَّ نَفْسِهِ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُثَنِّيَ عَلَيْهِمْ، كَمَا لَوْ أَقَامُوا حَدًّا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُثَنِّيَ إقَامَتَهُ، كَذَلِكَ هَذَا. وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْعَاشِرُ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الْمَالِ بِالْمُرُورِ عَلَيْهِ عَرَّضَ حَقَّ الْفُقَرَاءِ لِلتَّلَفِ، فَصَارَ جَانِيًا وَإِذَا جَنَى غَرِمَ. ٤٥ - رَجُلٌ لَهُ أَلْفُ دِرْهَمٍ، فَحَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ، فَاشْتَرَى بِهَا عَبْدًا لِلتِّجَارَةِ فَمَاتَ، سَقَطَتْ الزَّكَاةُ عَنْهُ. وَلَوْ اشْتَرَى عَبْدًا لِلْخِدْمَةِ لَمْ تَبْطُلْ. وَالْفَرْقُ أَنَّهُ إذَا اشْتَرَى بِهَا عَبْدًا لِلتِّجَارَةِ فَقَدْ نَقَلَهَا إلَى مَا يَثْبُتُ فِيهِ الْحَقُّ الْأَوَّلُ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ فِي وَسَطِ الْحَوْلِ يَبْنِي عَلَيْهِ، وَلَمْ

стр. 39

يَكُنْ مُتْلِفًا حَقَّ الْفُقَرَاءِ، وَلَا نَاقِلًا فَقَامَ الثَّانِي مَقَامَ الْأَوَّلِ، وَلَوْ بَقِيَ الْأَوَّلُ وَتَلِفَ لَمْ يَضْمَنْ، كَذَلِكَ هَذَا. وَلَيْسَ كَذَلِكَ فِي الْعَبْدِ لِلْخِدْمَةِ، لِأَنَّهُ نَقَلَهُ إلَى مَا لَا يَثْبُتُ فِيهِ الْحَقُّ الْأَوَّلُ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ فِي وَسَطِ الْحَوْلِ لَمْ يَبْنِ عَلَيْهِ، فَصَارَ مُفَوِّتًا حَقَّ الْفُقَرَاءِ فَيَغْرَمُ، كَمَا لَوْ وُهِبَهَا مِنْ إنْسَانٍ أَوْ تَزَوَّجَ عَلَيْهَا امْرَأَةً. ٤٦ - رَجُلٌ لَهُ عَلَى إنْسَانٍ أَلْفُ دِرْهَمٍ، فَتَصَدَّقَ بِشَيْءٍ مِنْهَا عَلَيْهِ، يَنْوِي أَنْ تَكُونُ مِنْ زَكَاةِ مَالِهِ، جَازَ عَنْ زَكَاةِ هَذَا الدَّيْنِ. وَلَا يَجُوزُ عَنْ زَكَاةِ دَيْنٍ آخَرَ وَلَا عَنْ عَيْنٍ. وَالْفَرْقُ أَنَّ الْعَيْنَ أَكْمَلُ مِنْ الدَّيْنِ، بِدَلِيلِ أَنَّ الشَّيْءَ يُشْتَرَى بِالنَّسِيئَةِ بِأَكْثَرَ مِمَّا يُشْتَرَى بِالنَّقْدِ، فَصَارَ مُؤَدِّيًا نَاقِصًا عَنْ كَامِلٍ وَهَذَا لَا يَجُوزُ، فَبَقِيَ الْكَامِلُ عَلَيْهِ بِحَالِهِ، كَمَا لَوْ كَانَ عَلَيْهِ عِتْقُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَأَعْتَقَ رَقَبَةً كَافِرَةً، أَوْ كَانَ عَلَيْهِ عِتْقُ رَقَبَةٍ، فَأَعْتَقَ مُدَبَّرًا أَوْ أُمَّ وَلَدٍ لَمْ يُجْزِهِ عَنْ الْفَرْضِ، وَبَقِيَ الْوُجُوبُ عَلَيْهِ بِحَالِهِ، كَذَلِكَ هَذَا. وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا أَدَّى عَنْ هَذَا الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ الْمُؤَدَّى نَاقِصٌ وَالْمُؤَدَّى عَنْهُ

стр. 40

نَاقِصٌ، فَقَدْ اتَّفَقَ الْمُؤَدَّى وَالْمُؤَدَّى عَنْهُ فَجَازَ، كَأَدَاءِ الْعَيْنِ عَنْ الْعَيْنِ. وَوَجْهُ الْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ دَيْنٍ آخَرَ، لِأَنَّهُ بِعَقْدِ الْمُدَايَنَةِ أَخْرَجَهُ مِنْ أَنْ يَمْلِكَهُ غَيْرُ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ، لِأَنَّهُ لَوْ اشْتَرَى بِهِ شَيْئًا لَمْ يَجُزْ، وَإِذَا لَمْ يَجُزْ تَمْلِيكُهُ مِنْ غَيْرِ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ لَمْ يَجُزْ تَمْلِيكُهُ مِنْ غَيْرِ مَا عَلَيْهِ، دَلِيلُهُ لَوْ دَبَّرَ عَبْدًا ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُعْتِقَهُ عَنْ كَفَّارَةِ يَمِينِهِ لَمْ يُجْزِ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى تَمْلِيكِهِ مِنْ غَيْرِ مَنْ عَلَيْهِ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى تَمْلِيكِهِ مِنْ غَيْرِ مَا عَلَيْهِ كَذَلِكَ هَذَا. ٤٧ - الْمُسْلِمُ إذَا مَرَّ عَلَى الْعَاشِرِ بِمَالٍ مَرَّةً أَخَذَ مِنْهُ الْعُشْرَ، فَلَوْ مَرَّ بِذَلِكَ الْمَالِ ثَانِيًا لَا يَأْخُذُ مِنْهُ شَيْئًا. وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْحَرْبِيُّ لَوْ مَرَّ عَلَى الْعَاشِرِ فِي سَنَةٍ مَرَّاتٍ أَخَذَ مِنْهُ كُلَّ مَرَّةٍ عُشْرًا. وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمَأْخُوذَ مِنْ الْمُسْلِمِ حَقُّ الْحَوْلِ وَهُوَ الزَّكَاةُ، وَحَقُّ الْحَوْلِ إذَا أُخِذَ مَرَّةً لَا يُؤْخَذُ ثَانِيَةً، كَمَا لَوْ كَانَ لَهُ إبِلٌ سَائِمَةٌ فَأَدَّى زَكَاتَهَا مَرَّةً فِي حَوْلٍ، فَإِنَّهُ لَا يُؤْخَذُ مِنْهُ ثَانِيًا، كَذَلِكَ هَذَا. وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْحَرْبِيُّ، لِأَنَّ الْمَأْخُوذَ مِنْهُ لَيْسَ هُوَ حَقَّ الْحَوْلِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ

стр. 41

أَهْلِ الزَّكَاةِ، وَإِنَّمَا الْمَأْخُوذُ مِنْهُ بِعَقْدِ الْأَمَانِ وَالْكَفِّ عَنْ تَغْنِيمِ مَا فِي يَدِهِ، وَهُوَ مُحْتَاجٌ فِي كُلِّ مَرَّةٍ إلَى إذْنٍ جَدِيدٍ فَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَخْذًا جَدِيدًا. ٤٨ - إذَا وَرِثَ مَالًا أَوْ وُهِبَ لَهُ أَوْ كَانَتْ لَهُ جَارِيَةٌ لِلْخِدْمَةِ فَنَوَى بِهَا التِّجَارَةَ لَا تَصِيرُ لِلتِّجَارَةِ مَا لَمْ تُبَعْ. وَلَوْ كَانَتْ لَهُ جَارِيَةٌ لِلتِّجَارَةِ فَنَوَى الْقِنْيَةَ وَأَمْسَكَهَا فَصَارَتْ مِهْنَةً، وَلَا تَجِبُ زَكَاةُ التِّجَارَةِ. وَالْفَرْقُ أَنَّ الْجَارِيَةَ إذَا كَانَتْ لِلْخِدْمَةِ فَنَوَى بِهَا التِّجَارَةَ فَقَدْ نَوَى التِّجَارَةَ وَلَمْ يَفْعَلْهَا، فَلَمْ يَبْطُلْ حُكْمُهَا، فَتَبْقَى لِلْخِدْمَةِ وَلَمْ تَصِرْ لِلتِّجَارَةِ، كَمَا لَوْ كَانَ مُقِيمًا فَنَوَى السَّفَرَ، وَلَمْ يُسَافِرْ لَا يَصِيرُ مُسَافِرًا وَيَبْقَى مُقِيمًا، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ نَوَى السَّفَرَ وَلَمْ يَخْرُجْ فَبَقِيَ عَلَى الْإِقَامَةِ، كَذَلِكَ هَذَا.

стр. 42

وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا كَانَتْ لِلتِّجَارَةِ فَنَوَى بِهَا الْخِدْمَةَ لِأَنَّهُ نَوَى الْخِدْمَةَ وَفَعَلَهَا، فَيَبْطُلُ حُكْمُ مَا نَوَى قَبْلَهُ، وَصَارَتْ لِلْخِدْمَةِ، كَمَا لَوْ نَوَى الْإِقَامَةَ يَبْطُلُ حُكْمُ السَّفَرِ، وَيَصِيرُ مُقِيمًا، كَذَلِكَ هَذَا. وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ السَّفَرَ وَالتِّجَارَةَ عَمَلٌ، فَمَا لَمْ يُوجَدْ الْعَمَلُ لَا يُحْكَمُ بِهِ. وَالْإِقَامَةُ وَالْمِهْنَةُ تَرْكُ الْعَمَلِ وَالتَّرْكُ يَحْصُلُ مَعَ النِّيَّةِ مِنْ غَيْرِ عَمَلٍ، فَكَذَلِكَ افْتَرَقَا. ٤٩ - إذَا وَهَبَ الْإِنْسَانُ أَلْفَ دِرْهَمٍ، ثُمَّ رَجَعَ فِيهَا بَعْدَ مَا حَالَ الْحَوْلُ عَلَيْهِ، سَقَطَتْ الزَّكَاةُ عَنْ الْمَوْهُوبِ لَهُ. وَلَوْ بَاعَ شَيْئًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَقَبَضَ الثَّمَنَ، ثُمَّ اسْتَحَقَّ الْمَبِيعَ، فَارْتَجَعَ الْأَلْفَ مِنْهُ وَقَدْ كَانَ حَالَ الْحَوْلُ عَلَيْهِ فِي يَدَيْهِ لَمْ تَسْقُطْ الزَّكَاةُ عَنْهُ. وَالْفَرْقُ أَنَّ الدَّرَاهِمَ فِي الْهِبَةِ تَتَعَيَّنُ عِنْدَ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّ صِحَّتَهَا بِالْقَبْضِ، وَالْقَبْضُ يُصَادِفُ عَيْنَهَا فَتَعَيَّنَتْ عِنْدَ الْعَقْدِ فَتَعَيَّنَتْ عِنْدَ الرَّدِّ، وَقَدْ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِ عَيْنَهَا مِنْ غَيْرِ رِضَاهُ، فَصَارَ كَمَا لَوْ هَلَكَتْ بَعْدَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ سَقَطَتْ عَنْهُ الزَّكَاةُ، كَذَلِكَ هَذَا.

стр. 43

وَلَيْسَ كَذَلِكَ فِي الْبَيْعِ لِأَنَّ الدَّرَاهِمَ فِي الْبَيْعِ لَا تَتَعَيَّنُ عِنْدَ الْعَقْدِ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ يَنْعَقِدُ بِمَضْمُونٍ فِي الذِّمَّةِ، ثُمَّ تَصِيرُ قِصَاصًا بِمَا لَهُ عَلَيْهِ عِنْدَ الْأَدَاءِ، وَإِذَا لَمْ تَتَعَيَّنْ عِنْدَ الْعَقْدِ لَمْ تَتَعَيَّنْ عِنْدَ الرَّدِّ، فَلَا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهَا عَيْنَهَا، وَإِنَّمَا اسْتَحَقَّ عَلَيْهِ دَرَاهِمَ مِثْلَهَا، فَهَذَا دَيْنٌ لَحِقَهُ بَعْدَ حَوَلَانِ الْحَوْلِ عَلَيْهِ وَوُجُوبِ الزَّكَاةِ، وَإِذَا لَحِقَهُ دِينٌ بَعْدَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فَلَمْ تَسْقُطْ عَنْهُ الزَّكَاةُ كَسَائِرِ الدُّيُونِ. ٥٠ - يَجُوزُ دَفْعُ خُمْسِ الرِّكَازِ إلَى أَوْلَادِهِ. وَلَا يَجُوزُ دَفْعُ الْعُشْرِ وَالْفَرْقُ أَنَّ فِي الرِّكَازِ لَمْ يَسْبِقْ لَهُ مِلْكٌ فِيهِ، وَإِنَّمَا مَلَكَهُ بِالْأَخْذِ، فَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ حَقٌّ فِي عَيْنِهِ، فَكَمَا أَخَذَهُ مُشْتَرَكًا أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ لَهُ وَخُمْسُهُ لِلْفُقَرَاءِ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا قُلْنَا: هَذَا مَالٌ لَمْ يَسْبِقْ لَهُ مِلْكٌ فِيهِ وَلَا حَقَّ لَهُ فِي عَيْنِهِ فَيُؤْمَرُ بِقَطْعِهِ، وَهُوَ مَأْمُورٌ بِالتَّصَدُّقِ بِهِ فَإِذَا صَرَفَهُ إلَى وَلَدِهِ جَازَ، دَلِيلُهُ اللُّقَطَةُ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْعُشْرُ وَالزَّكَاةُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ سَبَقَ لَهُ مِلْكٌ فِي الْحَبِّ قَبْلَ الزَّرْعِ، فَثَبَتَ لَهُ حَقٌّ فِي الْخَارِجِ مِنْهُ، فَقَدْ اجْتَمَعَ لَهُ الْمِلْكُ وَالْحَقُّ فِيهِ، وَفِي بَابِ الْعُشْرِ وَهُوَ مَأْمُورٌ بِإِزَالَةِ الْمِلْكِ وَقَطْعِ الْحَقِّ عَنْهُ، فَإِذَا تَصَدَّقَ بِهِ عَلَى وَلَدِهِ فَقَدْ أَزَالَ مِلْكَهُ عَنْهُ وَبَقِيَ الْحَقُّ لَهُ فِيهِ؛ لِأَنَّ لَهُ حَقًّا فِي مَالِ ابْنِهِ، فَقَدْ فَعَلَ بَعْضَ مَا أُمِرَ بِهِ فَلَمْ يُجْزِهِ.

стр. 44

وَإِنْ شِئْتَ قُلْتَ: لَهُ أَنْ يَصْرِفَهُ إلَى نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يُمْسِكَ الْجَمِيعَ إذَا احْتَاجَ إلَيْهِ، فَلَهُ أَنْ يَصْرِفَهُ إلَى وَلَدِهِ. وَأَمَّا الْعُشْرُ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَصْرِفَهُ إلَى نَفْسِهِ، وَلَوْ كَانَ مُحْتَاجًا إلَيْهِ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَصْرِفَهُ إلَى وَلَدِهِ، فَكَذَلِكَ افْتَرَقَا. ٥١ - وَإِذَا نَوَى بِالْخُلْعِ وَالصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ التِّجَارَةَ، مِثْلَ أَنْ يُصَالِحَ عَلَى دَارٍ أَوْ خَالَعَ امْرَأَتَهُ عَلَى عَبْدٍ صَارَ لِلتِّجَارَةِ. وَلَوْ وَرِثَ دَارًا وَنَوَى التِّجَارَةَ لَا تَصِيرُ لِلتِّجَارَةِ. وَالْفَرْقُ أَنَّ الْخُلْعَ وَالصُّلْحَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سَبَبٌ يَحْصُلُ الْمِلْكُ بِهِ مِنْ جِهَتِهِ؛ إذْ لَوْلَا عَقْدُهُ لَمَا مَلَكَهُ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ سَبَبٌ يَحْصُلُ الْمِلْكُ بِهِ مِنْ جِهَتِهِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ وَنَوَى بِهِ التِّجَارَةَ كَانَ لِلتِّجَارَةِ، كَالشِّرَاءِ لَمَّا كَانَ سَبَبًا يَحْصُلُ الْمِلْكُ بِهِ مِنْ جِهَتِهِ، فَنَوَى بِهِ التِّجَارَةَ، كَانَ لِلتِّجَارَةِ كَذَلِكَ هَذَا. وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْإِرْثُ، لِأَنَّ الْإِرْثَ لَيْسَ بِسَبَبٍ يَحْصُلُ بِهِ الْمِلْكُ مِنْ جِهَتِهِ، لِأَنَّ الشَّيْءَ الْمَوْرُوثَ يَدْخُلُ فِي مِلْكِهِ شَاءَ أَوْ أَبَى مِنْ غَيْرِ فِعْلٍ مِنْ جِهَتِهِ، وَإِذَا لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ سَبَبٌ صَارَ كَمَا لَوْ كَانَ فِي مِلْكِهِ لِلْمِهْنَةِ فَنَوَى بِهِ التِّجَارَةَ، فَإِنَّهُ يَصِيرُ لِلتِّجَارَةِ، كَذَلِكَ هَذَا. ٥٢ - وَإِذَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى أَلْفُ دِرْهَمٍ ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا

стр. 45

بَعْدَ مَا حَالَ الْحَوْلُ، فَارْتَجَعَ مِنْهَا نِصْفَهَا لَمْ تَسْقُطْ عَنْهَا الزَّكَاةُ. وَلَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى عَرَضٍ ثُمَّ طَلَّقَهَا بَعْدَ مَا حَالَ الْحَوْلُ عَلَيْهَا، سَقَطَتْ زَكَاةُ نِصْفِهِ. وَالْفَرْقُ أَنَّ الْأَلْفَ الَّذِي تَزَوَّجَهَا عَلَيْهَا لَا تَتَعَيَّنُ عِنْدَ الْعَقْدِ، وَإِذَا لَمْ تَتَعَيَّنْ عِنْدَ الْعَقْدِ تَتَعَيَّنُ عِنْدَ الْفَسْخِ وَالرَّدِّ وَإِذَا لَمْ تَتَعَيَّنْ عِنْدَ الرَّدِّ كَانَ لَهُ أَنْ يَعْدِلَ عَنْهَا إلَى غَيْرِهَا، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَسْتَحِقَّ عَلَيْهَا عَيْنَ تِلْكَ الدَّرَاهِمِ، وَإِنَّمَا اسْتَحَقَّ عَلَيْهَا مِثْلَهَا، فَصَارَ كَدَيْنٍ لَحِقَهَا بَعْدَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ، وَلَوْ لَحِقَهَا دَيْنٌ بَعْدَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهَا شَيْءٌ مِنْ الزَّكَاةِ، كَذَلِكَ هَذَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْعُرُوض؛ لِأَنَّهَا تَتَعَيَّنُ عِنْدَ الْعَقْدِ فَتَتَعَيَّنُ عِنْدَ الْفَسْخِ، فَقَدْ اسْتَحَقَّ عَلَيْهَا عَيْنَ تِلْكَ الْعُرُوضِ مِنْ غَيْرِ رِضَاهَا، فَصَارَ كَمَا لَوْ هَلَكَ سَقَطَ عَنْهَا بَعْدَ الْحَوْلِ، وَلَوْ هَلَكَ نِصْفُهُ سَقَطَ عَنْهَا زَكَاةُ نِصْفِهِ، كَذَلِكَ هَذَا. ٥٣ - الْمُضَارِبُ إذَا اشْتَرَى بِمَالِ الْمُضَارَبَةِ طَعَامًا لِلْعَبِيدِ، فَحَالَ الْحَوْلُ عَلَيْهِ فَفِيهِ الزَّكَاةُ.

стр. 46

وَلَوْ اشْتَرَى رَبُّ الْمَالِ طَعَامًا لِعَبِيدِهِ لَا يَكُونُ لِلتِّجَارَةِ إلَّا بِالنِّيَّةِ. وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمُضَارِبَ مَأْمُورٌ بِالتِّجَارَةِ فَكَانَ مَا يَشْتَرِيهِ لِلتِّجَارَةِ؛ إذْ لَوْ لَمْ يَجْعَلْ مَا يَشْتَرِيهِ لِلتِّجَارَةِ لَصَارَ مُخَالِفًا وَيَكُونُ ضَامِنًا، فَإِذَا لَمْ نَجْعَلْهُ ضَامِنًا فَقَدْ جَعَلْنَا مَا اشْتَرَاهُ لِلتِّجَارَةِ، وَإِذَا كَانَ مَأْمُورًا بِالتِّجَارَةِ فَكَانَ مَا يَشْتَرِيهِ لِلتِّجَارَةِ لَمْ يَحْتَجْ فِيهِ إلَى النِّيَّةِ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ رَبُّ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْمُورٍ بِالتِّجَارَةِ، وَلَهُ أَنْ يَشْتَرِيَهُ لِلتِّجَارَةِ وَلِغَيْرِهِ، وَشِرَاؤُهُ يَصْلُحُ لَهُمَا جَمِيعًا، فَالظَّاهِرُ أَنَّ مَا يَشْتَرِيهِ لِلْمِهْنَةِ وَإِنَّمَا يُصْرَفُ إلَى التِّجَارَةِ بِقَرِينَةٍ وَهِيَ النِّيَّةُ، فَإِنْ وُجِدَتْ النِّيَّةُ كَانَتْ لِلتِّجَارَةِ، وَإِلَّا فَلَا. ٥٤ - الزَّكَاةُ تَجِبُ فِي الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ يَنْوِي بِهَا التِّجَارَةَ أَوْ لَمْ يَنْوِ. وَلَا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي الْعُرُوضِ إلَّا بِنِيَّةِ التِّجَارَةِ. وَالْفَرْقُ أَنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ فِي الْمَالِ لِكَوْنِهِ مُعَرَّضًا لِلنَّمَاءِ، وَالنَّمَاءُ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِأَحَدِ شَيْئَيْنِ، إمَّا السَّوْمُ أَوْ التِّجَارَةُ، فَمَا لَمْ يَعْرِضْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا لَمْ تَجِبْ الزَّكَاةُ، وَلَا يَكُونُ مُعَرَّضًا لَهُ إلَّا بِالنِّيَّةِ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ الدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ؛ لِأَنَّهُ مُعَرَّضٌ لِلنَّمَاءِ بِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ يَقْدِرُ أَنْ يَصْرِفَهُ فِيمَا شَاءَ لِيَحْصُلَ بِهِ الرِّبْحُ، وَيُمْكِنُهُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهِ مَا شَاءَ كُلَّ وَقْتٍ فَصَارَ

стр. 47

كَالْمُعَدِّ بِالنِّيَّةِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ قَصَدَ إلَى نَقْلِهِ إلَى الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ بِأَنْ نَوَى التِّجَارَةَ تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي الْعُرُوضِ فَلَأَنْ تَجِبَ إذَا تَحَقَّقَ الْقَصْدُ انْتَقَلَ أَوْلَى وَأَحَقُّ. ٥٥ - الصَّبَّاغُ إذَا اشْتَرَى الْعُصْفُرَ وَالزَّعْفَرَانَ لِيَصْبُغَ بِهِ ثِيَابَ النَّاسِ بِالْأُجْرَةِ، وَالسَّمْنَ لِيَدْبَغَ بِهِ الْجِلْدَ، فَحَال الْحَوْلُ عِنْدَهُ لَزِمَهُ زَكَاةُ التِّجَارَةِ. وَالْقَصَّارُ إذَا اشْتَرَى الْأُشْنَانَ وَالصَّابُونَ وَالْحَطَبَ لِلتَّنُّورِ وَالْمِلْحَ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ. وَالْفَرْقُ أَنَّ الصَّبْغَ مُعَدٌّ لِلِاعْتِيَاضِ عَنْهُ؛ لِأَنَّ مَا يُؤْخَذُ مِنْ الْأَجْرِ يَكُونُ فِي الْحُكْمِ كَالْعِوَضِ عَنْ هَذِهِ الْأَعْيَانِ، فَوَجَبَ الزَّكَاةُ فِيهَا كَالسِّلَعِ الْمُعَدَّةِ لِلْبَيْعِ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْقَصَّارُ، لِأَنَّ الْأُشْنَانَ وَالصَّابُونَ لَا يُعَدُّ لِلِاعْتِيَاضِ عَنْ عَيْنِهَا؛ لِأَنَّهَا تَتْلَفُ وَلَا يَقَعُ التَّسْلِيمُ فِي عَيْنِهَا إلَى صَاحِبِ الثَّوْبِ، فَصَارَ كَأَدَاةِ الْقَصَّارِينَ مِنْ الْمِدَقَّةِ وَالْقِدْرِ وَمَا أَشْبَهَهَا وَلَا زَكَاةَ فِيهَا؛ لِأَنَّ التَّسْلِيمَ لَا يَقَعُ فِيهَا، كَذَلِكَ هَذَا. ٥٦ - عَبْدٌ لِلتِّجَارَةِ قَتَلَهُ عَبْدٌ آخَرُ خَطَأً فَدُفِعَ مَكَانَهُ فَالثَّانِي لِلتِّجَارَةِ.

стр. 48

وَلَوْ قَتَلَ عَمْدًا فَصَالَحَ مِنْ دَمِ الْعَمْدِ عَلَى عَبْدٍ وَعَرَضٍ فَلَيْسَ لِلتِّجَارَةِ. وَالْفَرْقُ أَنَّ فِي قَتْلِ الْخَطَأِ الْوَاجِبَ مَالٌ وَهُوَ الْقِيمَةُ، فَصَارَ الْمَأْخُوذُ بَدَلًا عَمَّا هُوَ مَالٌ، فَصَارَ كَمَا لَوْ بَاعَهُ بِالثَّانِي. وَأَمَّا إذَا كَانَ الْقَتْلُ عَمْدًا فَالْوَاجِبُ الْقِصَاصُ، وَهُوَ لَيْسَ بِمَالٍ فَلَمْ يَكُنْ الْمَأْخُوذُ بَدَلًا عَنْ مَالِ التِّجَارَةِ، فَلَمْ يَنْتَقِلْ حُكْمُ الْأَوَّلِ إلَيْهِ، فَصَارَ كَأَنَّهُ مَلَكَهُ بِالْهِبَةِ أَوْ بِالْإِرْثِ ابْتِدَاءً، فَلَا يَصِيرُ لِلتِّجَارَةِ إلَّا بِالتِّجَارَةِ. ٥٧ - هِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ فِي رَجُلٍ لَهُ مَالٌ نَوَى أَنْ يُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ عَنْهَا، وَجَعَلَ يَتَصَدَّقُ إلَى آخِرِ السَّنَةِ، وَلَا تَحْضُرُهُ النِّيَّةُ فَإِنَّهُ لَا يُجْزِيهِ. وَلَوْ أَخْرَجَ دَرَاهِمَ فَصَرَّهَا فِي كِنٍّ وَقَالَ: هَذَا مِنْ الزَّكَاةِ، فَجَعَلَ يَتَصَدَّقُ مِنْهَا وَلَا تَحْضُرُهُ النِّيَّةُ. قَالَ: أَرْجُو أَنْ يُجْزِيَهُ. وَالْفَرْقُ أَنَّ تَعْيِينَ النِّيَّةِ عَنْ الزَّكَاةِ شَرْطٌ، وَلَمْ يُوجَدْ إذَا فَرَّقَ الدَّفْعَ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا جَمَعَهَا فِي صُرَّةٍ، لِأَنَّهُ عَيَّنَهَا لِهَذِهِ الْجِهَةِ وَعَرَضَهَا لَهَا

стр. 49

وَإِحْضَارُ النِّيَّةِ مَعَ كُلِّ جُزْءٍ لَيْسَ بِشَرْطٍ، فَمَتَى أَخَّرَهُ إلَى مَا عَرَضَهُ لَهُ وَقَعَ عَمَّا قَصَدَهُ. هَذَا كَمَا قُلْنَا فِي الرَّجُلِ إذَا اشْتَرَى شَاةً لِلْأُضْحِيَّةِ، فَذَبَحَهَا غَيْرُهُ بِغَيْرِ أَمْرِهِ صَحَّ، وَلَوْ لَمْ يَشْتَرِ لِلْأُضْحِيَّةِ وَلَمْ يُعَيِّنْهَا لِهَذِهِ الْجِهَةِ، فَذَبَحَهَا غَيْرُهُ لَمْ يُجْزِهِ، كَذَلِكَ هَذَا. ٥٨ - ابْنُ رُسْتُمَ عَنْ مُحَمَّدٍ فِيمَنْ أَوْدَعَ رَجُلًا لَا يَعْرِفُهُ مَالًا، ثُمَّ أَصَابَهُ بَعْدَ سِنِينَ قَالَ: لَا زَكَاةَ عَلَيْهِ فِيهِ. وَإِنْ أَوْدَعَهُ رَجُلًا يَعْرِفُهُ فَنَسِيَهُ سِنِينَ ثُمَّ ذَكَرَهُ فَإِنَّهُ يُزَكِّيهِ. وَالْفَرْقُ أَنَّهُ إذَا أَوْدَعَهُ إلَى مَنْ لَا يَعْرِفُهُ فَهُوَ مُضَيِّعٌ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى ارْتِجَاعِهِ فَصَارَ كَمَا لَوْ دَفَنَهُ فِي مَغَارَةٍ وَنَسِيَهُ. وَإِذَا أَوْدَعَ إلَى مَنْ يَعْرِفُهُ فَهُوَ لَيْسَ بِمُضَيِّعٍ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَقْدِرُ أَنْ يَرْتَجِعَهُ مَتَى شَاءَ، وَيَدُ الْمُودِعِ كَيَدِ الْمُودَعِ فَصَارَ كَمَا لَوْ كَانَ فِي صُنْدُوقِهِ وَنَسِيَهُ، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ وَجَبَتْ الزَّكَاةُ، كَذَا هَذَا. ٥٩ - إذَا ادَّعَى الْمُسْلِمُ حِينَ مَرَّ عَلَى الْعَاشِرِ أَنَّ حَوْلَهُ لَمْ يَتِمَّ، أَوْ عَلَيْهِ دِينٌ يُحِيطُ بِمَالِهِ، أَوْ هَذَا مَالُ غَيْرِهِ، أَوْ أَنَّهُ لَيْسَ لِلتِّجَارَةِ، وَحَلَفَ عَلَى ذَلِكَ صُدِّقَ.

стр. 50

وَلَا يُصَدَّقُ الْحَرْبِيُّ فِي شَيْءٍ مِنْهُ. وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمَأْخُوذَ مِنْ الْمُسْلِمِ زَكَاةٌ، وَالزَّكَاةُ لَا تَجِبُ إلَّا لِوُجُودِ شَرَائِطِهَا، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ يُقِرُّ بِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ فَالْمُصَدِّقُ يَدَّعِي عَلَيْهِ الْحَقَّ وَهُوَ يُنْكِرُ فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ مَعَ يَمِينِهِ، كَمَا لَوْ حَضَرَ الْمُصَدِّقُ وَقَالَ: لَكَ سَوَائِمُ فَأَدِّ زَكَاتَهَا فَجَحَدَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، كَذَلِكَ هَذَا. وَأَمَّا الْحَرْبِيُّ فَالْمَأْخُوذُ مِنْهُ لَيْسَ عَلَى وَجْهِ الزَّكَاةِ، فَلَا تُعْتَبَرُ فِيهِ شَرَائِطُ الزَّكَاةِ: مِنْ الْمِلْكِ وَحَوَلَانِ الْحَوْلِ، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ مِنْهُ لِلْكَفِّ عَنْ الْغَنِيمَةِ وَتَغْنِيمِ مَا فِي يَدِهِ عَلَى وَجْهِ الْمُجَازَاةِ، وَالْمُكَافَأَةِ، وَمَالُ غَيْرِهِ يَحْتَاجُ إلَى الْأَمَانِ كَمَالِهِ، وَكَوْنُ الدَّيْنِ عَلَيْهِ يُوجِبُ نُقْصَانَ مِلْكِهِ، وَالْحَرْبِيُّ نَاقِصُ الْمِلْكِ فِي الْأَصْلِ، فَلَا يُمْنَعُ جَوَازُ الْأَخْذِ مِنْهُ فَيُؤْخَذُ. ٦٠ - إذَا قَالَ الْحَرْبِيُّ الَّذِي فِي يَدِهِ مَمَالِيكُ لِلْعَاشِرِ: إنَّ هَذَا الْغُلَامَ وَلَدِي، أَوْ هُوَ مُدَبَّرِي، أَوْ هَذِهِ الْجَارِيَةُ أُمُّ وَلَدِي، يُصَدَّقُ عَلَى ذَلِكَ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُ الْحَقُّ. وَذُكِرَ فِي الْمُنْتَقَى عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ - فِي الْحَرْبِيِّ إذَا قَالَ لِرِجَالٍ [فِي] يَدِهِ: وَهَؤُلَاءِ بَنِيَّ. وَمِثْلُهُمْ لَا يُولَدُونَ لِمِثْلِهِ، قَالَ: يُعْشَرُونَ وَيُعْتَقُونَ عَلَيْهِ

стр. 51

وَحُكِيَ عَنْ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَوْ قَالَ: هَذَا كَانَ عَبْدِي أَعْتَقْتُهُ، أَوْ قَالَ: هَذَا مُدَبَّرِي لَا يُصَدَّقُ. وَالْفَرْقُ أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ مَا فِي يَدِهِ مِلْكٌ لَهُ، فَإِذَا قَالَ: هَذَا وَلَدِي أَوْ هَذِهِ أُمُّ وَلَدِي، وَالنَّسَبُ مِمَّا يَصِحُّ ثُبُوتُهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ كَمَا يَصِحُّ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَأَثْبَتْنَا نَسَبَهُ مِنْهُ فِي الْحَالِ، وَهُوَ عَلَى إثْبَاتِ النَّسَبِ بِدَعْوَاهُ فَنَفَّذْنَا دَعْوَاهُ، فَصَارُوا وَلَدًا لَهُ مِنْ حِينِ الْعُلُوقِ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَلَا يَجِبُ فِيهِ شَيْءٌ. وَإِذَا كَانَ أَكْبَرَ سِنًّا مِنْهُ لَمْ يَجُزْ إثْبَاتُ النَّسَبِ، فَصَارَ مُقِرًّا بِإِعْتَاقِهِ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَعِتْقُهُ فِي دَارِ الْحَرَبِ لَا يَنْفُذُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، فَلَمْ يَظْهَرْ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِلْكًا إلَّا أَنَّهُ أَقَرَّ بِعِتْقِهِ فِي الْحَالِ فَنَفَّذْنَاهُ وَأَعْتَقْنَاهُ، وَكَذَلِكَ الْعِتْقُ وَالتَّدْبِيرُ فِي دَارِ الْحَرْبِ لَا يَجُوزُ. وَوَجْهٌ آخَرُ: أَنَّهُ لَمَّا دَخَلَ دَارَ الْإِسْلَامِ بِمَالٍ لَهُ تَحَقَّقَ لَهُ مِلْكٌ الْآنَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَغْنَمُهُ عَلَيْهِ، فَإِذَا قَالَ: هَذَا ابْنِي، أَوْ هَذِهِ أُمُّ وَلَدِي، فَإِذَا أَنْفَذْنَا إقْرَارَهُ أَنْفَذْنَا اسْتِيلَاءً مِنْهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ فِي مِلْكٍ يَحْدُثُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَالِاسْتِيلَادُ الْمُتَقَدِّمُ يَسْرِي فِي الْمِلْكِ الْمُتَأَخِّرِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْعِتْقُ وَالتَّدْبِيرُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا تَحَقَّقَ لَهُ مِلْكٌ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ

стр. 52

بِدُخُولِهِ، فَقَدْ حَدَثَ، لَهُ مِلْكٌ جَدِيدٌ وَأَقَرَّ بِعِتْقٍ مُتَقَدِّمٍ عَلَيْهِ، فَلَوْ صَدَّقْنَاهُ لَنَفَّذْنَاهُ فِي مِلْكٍ مُتَقَدِّمٍ، وَالْعِتْقُ الْمُتَقَدِّمُ لَا يَسْرِي فِي الْمِلْكِ الْمُتَأَخِّرِ، فَلَا يُنَفَّذُ ذَلِكَ الْعِتْقُ، فَبَقِيَ رَقِيقًا وَقْتَ الدُّخُولِ فَأُخِذَ مِنْهُ الْحَقُّ، فَإِذَا لَمْ يُولَدْ لِمِثْلِهِ لَا يُنَفَّذُ اسْتِيلَادُهُ وَالْعِتْقُ أَيْضًا، إلَّا أَنَّ إقْرَارَهُ يَتَضَمَّنُ عِتْقَهُ عَلَيْهِ فَصَدَّقْنَاهُ فِي حَقِّهِ فَعَتَقَ عَلَيْهِ. ٦١ - إذَا اسْتَخْرَجَ الْحَرْبِيُّ الْمُسْتَأْمَنُ مَعْدِنًا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ، كَانَ لِبَيْتِ الْمَالِ وَلَا شَيْءَ لَهُ. وَإِنْ عَمِلَ فِي الْمَعْدِنِ بِإِذْنِ الْإِمَامِ أُخِذَ مِنْهُ الْخُمُسُ وَالْبَاقِي لَهُ. وَالْفَرْقُ أَنَّ دَارَ الْإِسْلَامِ فِي أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ لِعَقْدِ الْأَمَانِ الْتَزَمَ الْكَفَّ عَنْ أَخْذِ مَا فِي أَيْدِيهِمْ، وَيَدُ الْمُسْلِمِينَ ثَابِتَةٌ عَلَى الدَّارِ، فَقَدْ أَخَذَ مَالًا مِمَّا فِي أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ فَاسْتُرِدَّ مِنْهُ، كَمَا لَوْ أَخَذَ مِنْ يَدِ مُسْلِمٍ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا كَانَ بِإِذْنِهِ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ لَمَّا أَذِنَ لَهُ فَقَدْ اسْتَأْجَرَهُ لِعَمَلِ الْمُسْلِمِينَ، لِمَا رَأَى فِيهِ مِنْ الْمَصْلَحَةِ، وَجَعَلَ مَا يَخْرُجُ عِمَالَةً لَهُ، فَصَارَ كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَهُ لَهُمْ لِاسْتِصْلَاحِ قَنْطَرَةٍ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ كَذَلِكَ هَذَا. ٦٢ - وَإِذَا دَفَنَ مَالَهُ فِي أَرْضِهِ حَتَّى خَفِيَ عَلَيْهِ مَوْضِعُهُ، وَمَضَتْ عَلَيْهِ سُنُونَ ثُمَّ وَجَدَهُ فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ.

стр. 53

وَلَوْ دَفَنَهُ فِي بَيْتِهِ فَنَسِيَ مَوْضِعَهُ ثُمَّ ذَكَرَهُ بَعْدَ سِنِينَ وَجَبَتْ الزَّكَاةُ لِمَا مَضَى. وَالْفَرْقُ أَنَّ أَرْضَهُ لَيْسَتْ بِحِرْزٍ لَهُ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ سَرَقَ مِنْهَا نِصَابًا لَمْ يُقْطَعْ، فَصَارَ الْمَالُ خَارِجًا عَنْ يَدِهِ وَتَصَرُّفِهِ، فَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ زَكَاةٌ، كَالْمَالِ الْمَنْصُوبِ وَالدَّيْنِ الْمَجْحُودِ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْمَدْفُونُ فِي بَيْتِهِ؛ لِأَنَّ بَيْتَهُ حِرْزٌ لَهُ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ سَرَقَ مِنْهُ نِصَابًا يُقْطَعُ، فَصَارَ كَمَا لَوْ نَسِيَ فِي صُنْدُوقِهِ أَوْ جَيْبِهِ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ كَذَلِكَ هَذَا. ٦٣ - إذَا اشْتَرَى رَجُلٌ بِدَرَاهِمَ عَبْدًا وَلَمْ يَنْوِ التِّجَارَةَ، لَا يَكُونُ لِلتِّجَارَةِ، وَلَوْ اشْتَرَى عَبْدًا بِعَبْدٍ كَانَ لِلتِّجَارَةِ كَانَ الثَّانِي لِلتِّجَارَةِ. وَالْفَرْقُ أَنَّ الْعَبْدَ لِلتِّجَارَةِ بَدَلُ مَالٍ لِلتِّجَارَةِ، وَالْبَدَلُ يَسْرِي حُكْمُ الْأَصْلِ إلَيْهِ، أَلَا تَرَى أَنَّ بَدَلَ مَالِ الْمُضَارَبَةِ وَبَدَلَ مَالِ الشَّرِكَةِ وَبَدَلَ جَارِيَةِ الْمَهْنَةِ حُكْمُهُ حُكْمُ الْمُبْدَلِ؛ لِأَنَّهُ يَخْلُفُهُ وَيَقُومُ مَقَامَهُ، فَصَارَ الثَّانِي كَالْأَوَّلِ، وَالْأَوَّلُ لِلتِّجَارَةِ كَذَا الثَّانِي. وَأَمَّا الدَّرَاهِمُ فَلَيْسَتْ هِيَ مَالَ التِّجَارَةِ؛ لِأَنَّ مَالَ التِّجَارَةِ إذَا أُعِدَّ

стр. 54

لِلْمَهْنَةِ لَا تَجِبُ الزَّكَاةُ، وَلَوْ اُتُّخِذَ مِنْ الدَّرَاهِمِ حُلِيٌّ وَجَبَتْ الزَّكَاةُ، دَلَّ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِمَالِ التِّجَارَةِ وَإِنَّمَا هِيَ مَالُ الزَّكَاةِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ بَدَلَ مَالِ التِّجَارَةِ لَمْ تَجِبْ الزَّكَاةُ. وَأَمَّا الدَّرَاهِمُ، فَالشِّرَاءُ لَا يَقَعُ بِالدَّرَاهِمِ الَّتِي تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ، لِأَنَّهَا لَا تَتَعَيَّنُ وَإِنَّمَا يَقَعُ بِمَضْمُونٍ فِي ذِمَّتِهِ، وَمَا فِي الذِّمَّةِ لَا زَكَاةَ فِيهِ، وَحُكْمُ بَدَلِهِ حُكْمُ أَصْلِهِ وَلَا زَكَاةَ فِي الْأَصْلِ، كَذَلِكَ فِي بَدَلِهِ. ٦٤ - إذَا وَجَبَ فِي مَالِهِ أَرْبَعُ شِيَاهٍ، فَأَدَّى ثَلَاثًا سِمَانًا تُسَاوِي أَرْبَعًا وَسَطًا جَازَ. وَلَوْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ أُضْحِيَّتَانِ، فَذَبَحَ وَاحِدًا مِنْهُمَا سَمِينًا يُسَاوِي وَسَطَيْنِ لَمْ يَجُزْ. وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الزَّكَاةِ سَدُّ الْخَلَّةِ وَدَفْعُ الْحَاجَةِ، بِدَلِيلِ أَنَّهَا وَجَبَتْ لِأَجْلِ الْحَاجَةِ، وَسَدُّ الْخَلَّةِ يَحْصُلُ بِالثَّلَاثِ السِّمَانِ كَمَا يَحْصُلُ بِالْأَرْبَعِ الْأَوْسَاطِ فَجَازَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْأُضْحِيَّةُ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا إرَاقَةُ الدَّمِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ تَصَدَّقَ بِالْعَيْنِ قَبْلَ الذَّبْحِ لَمْ يُجْزِهِ، وَإِرَاقَةُ دَمَيْنِ لَا يَكُونُ مُعَادِلًا لِدَمٍ وَاحِدٍ، فَمَعْنَى الِاثْنَيْنِ لَمْ يُوجَدْ فِي الْوَاحِدِ فَلَمْ يَجُزْ، كَمَا لَوْ رَجُلٌ عَلَيْهِ عِتْقُ رَقَبَتَيْنِ فَأَعْتَقَ رَقَبَةً قِيمَتُهَا قِيمَةُ رَقَبَتَيْنِ وَسَطَيْنِ لَمْ يُجْزِهِ كَذَلِكَ هَذَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 55

[كِتَابُ الصَّوْمِ] ٦٥ - لَوْ أَنَّ رَجُلًا جَامَعَ امْرَأَتَهُ أَوْ أَفْطَرَتْ بِالْأَكْلِ مُتَعَمِّدَةً، ثُمَّ حَاضَتْ أَوْ مَرِضَتْ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهَا، وَلَوْ أَنَّهَا سَافَرَتْ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ فَعَلَيْهَا الْكَفَّارَةُ. وَالْفَرْقُ أَنَّ الْحَيْضَ لَيْسَ مِنْ فِعْلِهَا، بِدَلِيلِ أَنَّهَا لَا تُؤْمَرُ بِهِ وَلَا تُنْهَى عَنْهُ، فَعُرِفَ بِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ فِعْلِ آدَمِيٍّ، أَنَّ صَوْمَ ذَلِكَ الْيَوْمِ غَيْرُ وَاجِبٍ عَلَيْهَا، فَلَا تَلْزَمُهَا الْكَفَّارَةُ، كَمَا لَوْ أَصْبَحَتْ صَائِمَةً ثُمَّ أَفْطَرَتْ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ رَمَضَانَ، فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهَا شَيْءٌ كَذَلِكَ هَذَا. وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا سَافَرَتْ؛ لِأَنَّ السَّفَرَ مِنْ فِعْلِهَا، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ تُؤْمَرَ بِهِ وَتُنْهَى عَنْهُ، فَاتُّهِمَتْ فِي إنْشَائِهِ، فَصَارَتْ بِقَصْدِ السَّفَرِ تُسْقِطُ الْكَفَّارَةَ عَنْ نَفْسِهَا، وَالسَّفَرُ لَا يُجْزِئُ عَنْ الْكَفَّارَةِ فَبَقِيَتْ وَاجِبَةً عَلَيْهَا. وَمَنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: إنْ فِي الْحَيْضِ لَا كَفَّارَةَ، وَإِنْ فِي الْمَرَضِ الْكَفَّارَةُ. ٦٦ - إذَا احْتَجَمَ الصَّائِمُ فَظَنَّ أَنَّ ذَاكَ أَفْسَدَ صَوْمَهُ فَأَكَلَ بَعْدَ ذَلِكَ مُتَعَمِّدًا فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ إذَا لَمْ يَتَأَوَّلْ الْخَبَرَ وَلَمْ يُفْتَ بِالْإِفْطَارِ،

стр. 56

وَلَوْ أَكَلَ نَاسِيًا فَظَنَّ أَنَّ ذَاكَ يُفْطِرُهُ فَأَكَلَ بَعْدَ ذَاكَ مُتَعَمِّدًا، فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ إذَا لَمْ يَبْلُغْهُ الْخَبَرُ. وَالْفَرْقُ أَنَّهُ لَمَّا أَكَلَ نَاسِيًا فَقَدْ أَفْطَرَ عَلَى شُبْهَةٍ، فَظَنَّ فِي مَوْضِعِ تَلْبِيسٍ وَتَشْبِيهٍ لِأَنَّ مَا يُفْسِدُ سَائِرَ الْعِبَادَاتِ لَا يَخْتَلِفُ النَّاسِي وَالْعَامِدُ فِيهِ، كَالْجِمَاعِ يُفْسِدُ الْحَجَّ نَاسِيًا كَانَ أَوْ عَامِدًا، وَالْحَدَثُ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ نَاسِيًا كَانَ أَوْ عَامِدًا، فَإِذَا ظَنَّ فِي مَوْضِعِ تَلْبِيسٍ وَتَشْبِيهٍ فَصَارَ إفْطَارًا عَلَى شُبْهَةٍ وَالْإِفْطَارُ عَلَى الشُّبْهَةِ لَا يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ، كَمَا لَوْ تَسَحَّرَ وَالْفَجْرُ طَالِعٌ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِهِ. وَأَمَّا فِي الْحِجَامَةِ فَقَدْ أَفْطَرَ عَلَى غَيْرِ شُبْهَةٍ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ إنَّمَا يَفْسُدُ بِمَا يَدْخُلُ لَا بِمَا يَخْرُجُ، فَإِذَا ظَنَّ أَنَّ صَوْمَهُ قَدْ فَسَدَ فَقَدْ ظَنَّ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الظَّنِّ، فَلَمْ يَصِرْ شُبْهَةً فِي سُقُوطِ الْكَفَّارَةِ فَبَقِيَتْ الْكَفَّارَةُ وَاجِبَةً عَلَيْهِ، فَإِذَا بَلَغَهُ الْخَبَرُ أَوْ أَفْتَاهُ فَقِيهٌ صَارَ ذَلِكَ عُذْرًا فَسَقَطَتْ الْكَفَّارَةُ. ٦٧ - إذَا قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ شَهْرًا، فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ مُتَتَابِعًا، وَلَوْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيْهِ أَنْ يَعْتَكِفَ شَهْرًا، يَلْزَمُهُ مُتَتَابِعًا. وَالْفَرْقُ أَنَّهُ ذَكَرَ الشَّهْرَ وَالشَّهْرُ اسْمٌ لِلْأَيَّامِ وَاللَّيَالِي وَالِاعْتِكَافُ يَصِحُّ بِاللَّيْلِ كَمَا يَصِحُّ بِالنَّهَارِ، فَقَدْ ذَكَرَ الْأَيَّامَ وَاللَّيَالِيَ وَقَرَنَهُمَا بِمَا يَصِحُّ فِيهِمَا، فَيَلْزَمُهُ مُتَتَابِعًا اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، كَمَا لَوْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا أُكَلِّمُ فُلَانًا شَهْرًا، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الِامْتِنَاعُ عَنْهُ مُتَتَابِعًا، كَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: ٢٢٦]

стр. 57

ثُمَّ يَدْخُلُ فِيهِ الْأَيَّامُ وَاللَّيَالِي كَذَلِكَ هَذَا. وَلَيْسَ كَذَلِكَ الصَّوْمُ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ ذَكَرَ جَمْعًا مِنْ الْأَيَّامِ وَاللَّيَالِي وَقَرَنَهُمَا بِمَا لَا يَصِحُّ فِيهِمَا لِأَنَّ الصَّوْمَ لَا يَصِحُّ بِاللَّيْلِ، فَكَانَ التَّفْرِيقُ مِنْ مُوجِبِ نَذْرِهِ، فَصَارَ كَمَا لَوْ صَرَّحَ بِهِ، فَالتَّتَابُعُ زِيَادَةُ صِفَةٍ لَمْ يُوجِبْهُ عَلَى نَفْسِهِ، فَلَا يُؤْمَرُ بِهِ كَزِيَادَةِ الْعَدَدِ. ٦٨ - إذَا قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ رَجَبَ مُتَتَابِعًا، لَا يَلْزَمُهُ مُتَتَابِعًا، حَتَّى إنَّهُ لَوْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْهُ لَزِمَهُ قَضَاؤُهُ وَحْدَهُ، وَلَوْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ شَهْرًا مُتَتَابِعًا، لَزِمَهُ مُتَتَابِعًا. وَالْفَرْقُ أَنَّ رَجَبَ اسْمٌ لِجَمِيعِ الشَّهْرِ، وَالشَّهْرُ لَا يَكُونُ إلَّا مُتَتَابِعًا، فَلَنَا ذِكْرُ التَّتَابُعِ، وَصَارَ كَمَا لَوْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيْهِ أَنْ يَصُومَ رَجَبَ، وَلَوْ قَالَ هَكَذَا ثُمَّ أَفْطَرَ مِنْهُ يَوْمًا لَزِمَهُ قَضَاؤُهُ وَحْدَهُ كَذَلِكَ هَذَا. وَأَمَّا إذَا قَالَ شَهْرًا، فَالشَّهْرُ عِبَارَةٌ عَنْ ثَلَاثِينَ يَوْمًا، فَصَارَ قَوْلُهُ مُتَتَابِعًا زِيَادَةَ صِفَةٍ فَقَدْ أَوْجَبَ بِصِفَةِ التَّتَابُعِ، فَإِذَا لَمْ يَأْتِ بِتِلْكَ الصِّفَةِ بَقِيَ الْوُجُوبُ عَلَيْهِ بِحَالِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [النساء: ٩٢] . ٦٩ - إذَا قَالَ: لِلَّهِ عَلَيْهِ أَنْ يَصُومَ يَوْمًا، فَصَامَهُ بِنِيَّةٍ قَبْلَ الزَّوَالِ

стр. 58

لَمْ يُجْزِهِ، وَلَوْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيْهِ أَنْ يَصُومَ غَدًا، فَصَامَهُ بِنِيَّةٍ قَبْلَ الزَّوَالِ جَازَ. وَالْفَرْقُ أَنَّ لِمَا أَوْجَبَهُ بِنَذْرِهِ مُعَيِّنًا مِثَالًا مِنْ الشَّرْعِ فَانْصَرَفَ إلَى مَا لَهُ مِثَالٌ مِنْ صَوْمِ وَقْتٍ مُعَيَّنٍ، جَازَ بِنِيَّةٍ قَبْلَ الزَّوَالِ وَهُوَ صَوْمُ شَهْرِ رَمَضَانَ كَذَلِكَ مَا أَوْجَبَهُ بِنَذْرِهِ مُعَيِّنًا. وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا لَمْ يُعَيِّنْ؛ لِأَنَّ لِمَا أَوْجَبَهُ مِثَالًا مِنْ الشَّرْعِ، وَمَا أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ صَوْمِ شَهْرٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ لَا يَجُوزُ إلَّا بِنِيَّةٍ مِنْ اللَّيْلِ، وَهُوَ صَوْمُ الظِّهَارِ كَذَلِكَ هَذَا. ٧٠ - جِمَاعُ النَّاسِي، يُفْسِدُ الِاعْتِكَافَ وَلَا يُفْسِدُ الصَّوْمَ. وَالْفَرْقُ أَنَّ الصَّوْمَ مَخْصُوصٌ مِنْ جُمْلَةِ الْقِيَاسِ بِالْخَبَرِ، فَلَا يُقَاسُ غَيْرُهُ عَلَيْهِ كَالْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، فَبَقِيَ الِاعْتِكَافُ عَلَى أَصْلِ الْقِيَاسِ. وَجْهٌ آخَرُ: وَذَلِكَ لِأَنَّ الْجِمَاعَ حَالَةَ الِاعْتِكَافِ مِنْ مَحْظُورَاتِ الِاعْتِكَافِ لَا مِنْ مَحْظُورَاتِ الصَّوْمِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يُوجَدُ بِاللَّيْلِ فَيُفْسِدُهُ، وَلَوْ كَانَ مِنْ مَحْظُورَاتِ الصَّوْمِ لَكَانَ إذَا وُجِدَ بِاللَّيْلِ لَا يُفْسِدُهُ كَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ، وَمَحْظُورَاتُ الِاعْتِكَافِ لَا يَخْتَلِفُ فِيهِ، النَّاسِي وَالْعَامِدُ كَالْخُرُوجِ مِنْ الْمَسْجِدِ

стр. 59

وَلَيْسَ كَذَلِكَ الصَّوْمُ؛ لِأَنَّ الْجِمَاعَ مِنْ مَحْظُورَاتِ الصَّوْمِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ جَامَعَ بِاللَّيْلِ لَمْ يَفْسُدْ صَوْمُهُ، وَمَحْظُورَاتُ الصَّوْمِ يَخْتَلِفُ فِيهِ النَّاسِي وَالْعَامِدُ كَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ. ٧١ - إذَا قَالَ قَائِلٌ: لِلَّهِ عَلَيْهِ أَنْ يَعْتَكِفَ شَهْرًا، أَوْ يَصُومَ شَهْرًا، فَإِنَّهُ يَفْتَتِحُهُ أَيَّ وَقْتٍ شَاءَ، وَبِمِثْلِهِ لَوْ قَالَ: لَا أُكَلِّمُ فُلَانًا شَهْرًا، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الِامْتِنَاعُ عَنْ الْكَلَامِ عَقِيبَ الْحَلِفِ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَجَّرَ دَارِهِ شَهْرًا، انْعَقَدَ عَلَى شَهْرٍ عَقِيبَ يَمِينِهِ. وَالْفَرْقُ أَنَّ الصَّوْمَ إذَا وَقَعَ فِي الْوَقْتِ يُسَمَّى الْوَقْتُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ يُقَالُ: هَذَا شَهْرُ صَوْمِي، فَكَانَ ذِكْرُهُ لِلتَّقْدِيرِ لَا لِلتَّعْيِينِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] وَأَمَّا فِي الْكَلَامِ فَإِنَّهُ إذَا وَقَعَ فِي الْوَقْتِ لَا يُسَمَّى الْوَقْتُ بِهِ، لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ: هَذَا شَهْرُ كَلَامِي، وَكَلَّمْتُ فُلَانًا شَهْرًا، فَصَارَ ذِكْرُ الشَّهْرِ لِلتَّعْيِينِ لَا لِلتَّقْدِيرِ، فَلَزِمَهُ عَقِيبَ السَّبَبِ الْمُوجِبِ لَهُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: ٢٢٦] فَإِنَّ الْمُدَّةَ تَكُونُ عَقِيبَ الْإِيلَاءِ كَذَلِكَ هَذَا. وَجْهٌ آخَرُ: إنَّهُ وَجَبَ الْحَقُّ فِي ذِمَّتِهِ، وَلَمْ يُوجَدْ مَا يُوجِبُ تَخْصِيصَهُ بِوَقْتٍ، فَكَانَ الْخِيَارُ فِي التَّعْيِينِ إلَيْهِ، كَمَا لَوْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِدِرْهَمٍ، فَإِنَّهُ

стр. 60

يَتَصَدَّقُ بِأَيِّ دِرْهَمٍ شَاءَ. وَأَمَّا فِي مَسْأَلَةِ الْيَمِينِ شَرَعَ فِي مُوجِبِ يَمِينِهِ عَقِيبَ الْيَمِينِ، وَهُوَ السُّكُوتُ وَالِامْتِنَاعُ عَنْ مُكَالَمَتِهِ، فَصَارَ بِالشُّرُوعِ فِيهِ كَالْمُعَيِّنِ لِذَلِكَ الْوَقْتِ، وَلَوْ عَيَّنَ صَحَّ تَعْيِينُهُ، كَذَلِكَ إذَا شَرَعَ فِيهِ. ٧٢ - إذَا قَالَتْ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ يَوْمَ حَيْضِي فَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا. وَلَوْ قَالَتْ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ غَدًا، أَوْ رَجَبَ، فَحَاضَتْ فِي الْغَدِ أَوْ وَلَدَتْ قَبْلَ رَجَبَ وَنَفِسَتْ فِي رَجَبَ، لَزِمَهَا قَضَاؤُهُ. وَالْفَرْقُ أَنَّ الصَّوْمَ فِي حَالِ الْحَيْضِ لَا يَصِحُّ، فَلَمَّا أَضَافَتْ إلَى أَيَّامِ الْحَيْضِ عَلِمْنَا أَنَّهَا لَمْ تَقْصِدْ الْإِيجَابَ، فَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِنَذْرِهَا حُكْمٌ، كَمَا لَوْ أَكَلَتْ ثُمَّ قَالَتْ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ الْيَوْمَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا قَالَتْ غَدًا؛ لِأَنَّهَا أَضَافَتْ الصَّوْمَ إلَى الْوَقْتِ، وَقَصَدَتْ بِهِ الْإِيجَابَ، لِأَنَّ الْوَقْتَ قَابِلٌ لِلصَّوْمِ وَيَجُوزُ أَنْ تَحِيضَ فِيهِ وَيَجُوزُ أَلَّا تَحِيضَ فَصَحَّ الْإِيجَابُ وَعَجَزَتْ عَنْ الْأَدَاءِ، فَلَزِمَهَا الْقَضَاءُ. وَجْهٌ آخَرُ: وَهُوَ أَنَّ النُّذُورَ مَحْمُولَةٌ عَلَى أُصُولِهَا فِي الشَّرْعِ، وَالشَّرْعُ قَدْ وَرَدَ بِإِيجَابِ الصَّوْمِ الْمُضَافِ إلَى الْوَقْتِ مُطْلَقًا، فَجَازَ لَهَا أَنْ تُوجِبَهُ بِنَذْرِهَا، فَإِذَا لَمْ يَصِحَّ فِيهِ لِعُذْرِ الْحَيْضِ قَضَتْ، كَشَهْرِ رَمَضَانَ. وَإِذَا قَالَتْ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ يَوْمَ حَيْضِي فَقَدْ أَوْجَبَتْ مَا لَا مِثَالَ لَهُ فِي

стр. 61

الشَّرْعِ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَرِدْ بِإِيجَابِ الصَّوْمِ مُضَافًا إلَى وَقْتٍ لَا يَجُوزُ الْأَدَاءُ فِيهِ، فَقَدْ نَذَرَتْ مَا لَا مِثَالَ لَهُ فِي الشَّرْعِ، فَلَا يَلْزَمُهَا، كَمَا لَوْ نَذَرَتْ عِيَادَةَ الْمَرِيضِ. ٧٣ - إذَا قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ يَوْمَ يَقْدَمُ فُلَانٌ، فَقَدِمَ فُلَانٌ لَيْلًا، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. وَلَوْ قَالَ يَوْمَ يَدْخُلُ عَبْدِي الدَّارَ فَهُوَ حُرٌّ. فَدَخَلَ لَيْلًا عَتَقَ وَالْفَرْقُ أَنَّ الْيَوْمَ حَقِيقَةٌ لِبَيَاضِ النَّهَارِ، وَيُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ الْوَقْتُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ [الأنفال: ١٦] وَالصَّوْمُ لَا يَصِحُّ إلَّا بِالنَّهَارِ، فَقَدْ اقْتَرَنَ بِهِ مَا دَلَّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ بَيَاضَ النَّهَارِ، وَهُوَ إيجَابُ الصَّوْمِ، فَإِذَا قَدِمَ لَيْلًا لَمْ يُوجَدْ شَرْطُ وُجُوبِهِ، فَلَا يَلْزَمُ بِالنَّهَارِ. وَفِي مَسْأَلَةِ الْعِتْقِ الدُّخُولُ يَصِحُّ لَيْلًا وَنَهَارًا، فَلَمْ يُوجَدْ مَا يُوجَبُ بِالنَّهَارِ، فَصَارَ مَحْمُولًا عَلَى الْوَقْتِ، وَقَدْ وُجِدَ الدُّخُولُ فِي الْوَقْتِ فَحَنِثَ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُذْكَرَ هَاهُنَا. وَجْهٌ آخَرُ يُذْكَرُ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

стр. 62

[كِتَابُ الْمَنَاسِكِ] ٧٤ - إذَا طَافَ بِالْبَيْتِ وَهُوَ عُرْيَانٌ لَزِمَهُ دَمٌ، وَلَوْ طَافَ وَعَلَى ثَوْبِهِ نَجَاسَةٌ، لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، عَلَى رِوَايَةِ الْأَصْلِ. وَالْفَرْقُ أَنَّ الطَّوَافَ مِنْ مُقْتَضَى عَقْدِ الْإِحْرَامِ، وَعَقْدُ الْإِحْرَامِ مِمَّا لَا يَسْتَوِي وُجُودُ اللِّبْسِ وَعَدَمُهُ فِيهِ، لِأَنَّهُ لَوْ أَحْرَمَ وَهُوَ لَابِسٌ لَزِمَهُ دَمٌ، كَذَلِكَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ عَدَمُ اللِّبْسِ كَوُجُودِهِ فِي مُقْتَضَاهُ وَهُوَ الْإِحْرَامُ، وَلَوْ قُلْنَا: إنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ جَعَلْنَا وُجُودَهُ وَعَدَمَهُ سَوَاءً وَهَذَا لَا يَجُوزُ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ النَّجَاسَةُ؛ لِأَنَّ الطَّوَافَ مِنْ مُقْتَضَى، عَقْدِ الْإِحْرَامِ، وَعَقْدُ الْإِحْرَامِ مِمَّا لَا تُؤَثِّرُ النَّجَاسَةُ فِيهِ، وَيَسْتَوِي وُجُودُهُ وَعَدَمُهُ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ أَحْرَمَ، وَعَلَيْهِ نَجَاسَةٌ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، فَإِذَا جَازَ أَنْ يَجْعَلَ وُجُودَ النَّجَاسَةِ وَعَدَمَهَا بِمَنْزِلَةٍ فِي مُقْتَضَى الطَّوَافِ، جَازَ أَنْ يَجْعَلَ وُجُودَهُ وَعَدَمَهُ بِمَنْزِلَةٍ فِي نَفْسِ الطَّوَافِ، كَالنَّجَاسَةِ حَالَ الْوُقُوفِ. وَوَجْهٌ آخَرُ: أَنَّ الْإِحْرَامَ يُوجِبُ نَوْعَ سَتْرٍ، وَهُوَ سَتْرُ الْعَوْرَةِ حَالَ الطَّوَافِ، وَيُحْظِرُ نَوْعَ سَتْرٍ وَهُوَ لِبْسُ الْمَخِيطِ، ثُمَّ الْمَحْظُورُ بِعَقْدِ الْإِحْرَامِ يَسْتَوِي فِيهِ

стр. 63

الطَّاهِرُ وَالنَّجِسُ، كَذَلِكَ الْمَأْمُورُ بِهِ يَجِبُ أَنْ يَسْتَوِيَ فِيهِ الطَّاهِرُ وَالنَّجِسُ، وَلَوْ لَبِسَ ثَوْبًا طَاهِرًا لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، كَذَلِكَ إذَا كَانَ نَجِسًا. وَأَمَّا الْعُرْيَانُ إذَا طَافَ فَالْإِحْرَامُ يُوجِبُ نَوْعَ كَشْفٍ وَهُوَ كَشْفُ الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ، وَيُحْظِرُ نَوْعَ كَشْفٍ وَهُوَ كَشْفُ الْعَوْرَةِ، ثُمَّ لَوْ سَتَرَ الرَّأْسَ لَزِمَهُ دَمٌ، وَلَا يَسْتَوِي وُجُودُ السَّتْرِ وَعَدَمُهُ، كَذَلِكَ إذَا كَشَفَ الْعَوْرَةَ حَالَ الطَّوَافِ وَجَبَ أَنْ لَا يَسْتَوِيَ وُجُودُهُ وَعَدَمُهُ، فَلَوْ قُلْنَا: لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ لَسَوَّيْنَا وَهَذَا لَا يَجُوزُ. ٧٥ - الطَّوَافُ لِلْغُرَبَاءِ أَفْضَلُ مِنْ الصَّلَاةِ فِي الْبَيْتِ وَالصَّلَاةُ لِأَهْلِ مَكَّةَ أَفْضَلُ مِنْ الطَّوَافِ. [وَالْفَرْقُ] لِأَنَّ الصَّلَاةَ يُمْكِنُ أَدَاؤُهَا فِي جَمِيعِ الْأَمَاكِنِ وَالْغَرِيبُ يُمْكِنُهُ ذَلِكَ وَيَقْدِرُ عَلَى اسْتِدْرَاكِ فَضِيلَةِ الصَّلَاةِ بِالْبَيْتِ بِأَنْ يُصَلِّيَ أَلْفَ رَكْعَةٍ فَتَكُونُ قَائِمَةً مَقَامَ رَكْعَةٍ فِي الْمَسْجِدِ، وَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، فَلْيَسْتَدْرِكْ تِلْكَ الْفَضِيلَةَ فِيمَا يُؤَدِّي إلَى اسْتِدْرَاكِ الْفَضِيلَتَيْنِ،

стр. 64

وَالصَّلَاةُ أَفْضَلُ بِدَلِيلِ أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ قَالَ: «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُنَزِّلُ كُلَّ يَوْمٍ مِائَةً وَعِشْرِينَ رَحْمَةً، سِتِّينَ لِلْمُصَلِّينَ وَأَرْبَعِينَ لِلطَّائِفِينَ، وَعِشْرِينَ لِلنَّاظِرِينَ إلَى الْكَعْبَةِ» ، وَلِأَنَّ الطَّوَافَ مُشَبَّهٌ بِالصَّلَاةِ، وَمَا يُشَبَّهُ بِهِ أَفْضَلُ وَأَكْمَلُ مِنْ الْمُشَبَّهِ فَكَانَ اشْتِغَالُهُ بِالْأَفْضَلِ أَفْضَلَ. ٧٦ - وَإِذَا طَافَ الْحَاجُّ، لِلزِّيَارَةِ جُنُبًا، وَسَعَى عَقِيبَهُ، وَلَمْ يُعِدْ السَّعْيَ يَوْمَ النَّحْرِ، لَزِمَهُ دَمٌ وَلَوْ طَافَ مُحْدِثًا، وَسَعَى عَقِيبَهُ، وَلَمْ يُعِدْ السَّعْيَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. وَالْفَرْقُ أَنَّ النَّقْصَ الَّذِي يَقَعُ بِالْحَدَثِ أَقَلُّ مِنْ النَّقْصِ الَّذِي يَقَعُ بِالْجَنَابَةِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ طَافَ لِلزِّيَارَةِ جُنُبًا لَزِمَهُ بَدَنَةٌ، وَلَوْ طَافَ مُحْدِثًا لَزِمَهُ دَمٌ، وَبِدَلِيلِ أَنَّ الْجُنُبَ مَمْنُوعٌ مِنْ مَسِّ الْمُصْحَفِ، وَدُخُولِ الْمَسْجِدِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَالْمُحْدِثَ بِخِلَافِهِ، فَكَثُرَ النَّقْصُ، وَالْجَنَابَةُ إذَا كَثُرَتْ جَازَ أَنْ يَتَعَدَّى

стр. 65

مَحَلَّهَا، كَالنَّجَاسَةِ الْكَثِيرَةِ فِي الْمَاءِ إذَا وَقَعَتْ فِي مَوْضِعٍ مِنْهَا، وَكَالْجَنَابَةِ إذَا وَجَبَتْ مِقْدَارَ الْمُوضِحَةِ تَعَدَّتْ مَحَلَّهَا حَتَّى يَجِبَ عَلَى الْعَاقِلَةِ، كَذَا هَذَا، وَإِذَا تَعَدَّى النَّقْصُ مَحَلَّهَا أَوْجَبَ نُقْصَانًا فِي السَّعْيِ، فَصَارَ السَّعْيُ نَاقِصًا، فَلَزِمَهُ دَمٌ، وَأَمَّا إذَا طَافَ مُحْدِثًا فَقَدْ قَلَّ النَّقْصُ، وَالْجَنَابَةُ إذَا قَلَّتْ لَا يَتَعَدَّى مَحَلَّهَا، كَمَا دُونَ أَرْشِ الْمُوضِحِ لَا يَتَعَدَّى الْجَانِيَ، حَتَّى لَا يَجِبَ عَلَى الْعَاقِلَةِ، كَذَلِكَ هَذَا، وَإِذَا لَمْ يَتَعَدَّ مَحَلًّا لَمْ يَسْرِ إلَى السَّعْيِ، فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ نُقْصَانٌ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ دَمٌ. ٧٧ - إذَا طَافَ لِلزِّيَارَةِ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ لَزِمَهُ دَمٌ. وَلَوْ طَافَ جُنُبًا، فَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ إذَا لَمْ يُعِدْهَا. الْفَرْقُ أَنَّ الْجِنَايَةَ بِالْجَنَابَةِ أَكْثَرُ مِنْ الْجِنَايَةِ بِالْحَدَثِ، بِدَلِيلِ مَا بَيَّنَّا، وَطَوَافُهُ جُنُبًا يُوجِبُ نُقْصَانًا فِيهِ، وَتَرْكُهُ أَصْلًا يُوجِبُ دَمًا، فَالنُّقْصَانُ فِيهِ أَوْلَى أَلَّا يُوجِبَ أَكْثَرَ مِنْ دَمٍ. وَإِذَا كَانَ مُحْدِثًا فَقَدْ قَلَّ النَّقْصُ فَقَلَّ الْجَبْرُ وَكَثِيرُ الْجِنَايَةِ يُجْبَرُ بِدَمٍ، فَقَلِيلُهُ يُجْبَرُ بِصَدَقَةٍ. ٧٨ - طَوَافُ الصَّدْرِ وَاجِبٌ عَلَى الْحَاجِّ، وَلَيْسَ عَلَى الْمُعْتَمِرِ طَوَافُ الصَّدْرِ

стр. 66

وَالْفَرْقُ أَنَّ الْعُمْرَةَ رُكْنُهَا الطَّوَافُ، فَلَوْ أَوْجَبْنَا فِيهَا طَوَافَ الصَّدْرِ، لَصَارَ تَبْعُ النُّسُكِ مِثْلَهُ، وَهَذَا لَا يَصِحُّ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْحَاجُّ؛ لِأَنَّ الْوُقُوفَ وَالطَّوَافَ رُكْنَانِ فِيهِ، بِدَلِيلِ مَا بَيَّنَّا، وَلَوْ أَوْجَبْنَا فِيهَا طَوَافَ الصَّدْرِ، لَصَارَ تَبْعُ النُّسُكِ دُونَهُ، وَهَذَا جَائِزٌ. وَفَرْقٌ آخَرُ: أَنَّ الْمُعْتَمِرَ لَا يَلْزَمُهُ طَوَافُ الْقُدُومِ، فَلَا يَلْزَمُهُ طَوَافُ الصَّدْرِ وَأَمَّا الْحَاجُّ فَيَلْزَمُهُ طَوَافُ الْقُدُومِ، فَجَازَ أَنْ يَلْزَمَهُ طَوَافُ الصَّدْرِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا طَوَافٌ، وَلَيْسَ بِرُكْنٍ. ٧٩ - إذَا وَقَفَ الْحَاجُّ بِعَرَفَةَ وَلَمْ يَنْوِ الْوُقُوفَ وَلَا الْعِبَادَةَ، أَجْزَأَهُ، وَلَوْ عَدَا خَلْفَ غَرِيمٍ لَهُ حَوْلَ الْبَيْتِ، لَمْ يَقَعْ عَنْ الطَّوَافِ مَا لَمْ يَنْوِهِ. وَالْفَرْقُ أَنَّ الْوُقُوفَ رُكْنٌ يَقَعُ فِي نَفْسِ الْإِحْرَامِ، فَنِيَّةُ الْحَجِّ تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ فَلَا يَفْتَقِرُ إلَى تَجْدِيدِ نِيَّةٍ كَالرُّكُوعِ فِي الصَّلَاةِ، وَأَمَّا الطَّوَافُ فَيَقَعُ خَارِجَ الْعِبَادَةِ فَلَا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ نِيَّةُ الْإِحْرَامِ، فَلِذَلِكَ افْتَقَرَ إلَى النِّيَّةِ. ٨٠ - إذَا تَرَكَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي رَمْيَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، فَعَلَيْهِ صَدَقَةٌ، وَفِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ إذَا تَرَكَهُ، لَزِمَهُ دَمٌ. وَالْفَرْقُ أَنَّ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ لَا يَرْمِي إلَّا جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، فَإِذَا لَمْ يَرْمِهَا، فَقَدْ تَرَكَ جَمِيعَ الرَّمْيِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، فَلَزِمَهُ دَمٌ.

стр. 67

وَفِي الْيَوْمِ الثَّانِي شَرَعَ ثَلَاثَ رَمَيَاتٍ، فَإِذَا تَرَكَ وَاحِدًا تَرَكَ أَقَلَّهَا، وَفِي جَمِيعِهَا دَمٌ، فَفِي أَقَلِّهَا صَدَقَةٌ. ٨١ - إذَا رُمِيَ عَنْ الْمَرِيضِ وَلَمْ يَكُنْ حَاضِرَ الرَّمْيِ جَازَ، وَلَوْ طِيفَ عَنْهُ، وَلَمْ يَكُنْ حَاضِرًا، لَمْ يَجُزْ. وَالْفَرْقُ أَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَوْ وَضَعَ الْحَجَرَ فِي يَدِهِ وَحَرَّك يَدَهُ حَتَّى رَمَاهَا، فَإِنَّهُ يَجُوزُ، وَالْفِعْلُ هُنَا يَكُونُ لِلْمُحَرِّكِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ أَصَابَ إنْسَانًا فَشَجَّهُ ضَمِنَ الْمُحَرِّكُ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَقَعَ فِعْلُ غَيْرِهِ عَنْهُ، وَحُضُورُ الْمَرِيضِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ وَقَفَ مِنْ بَعِيدٍ وَأَوْقَعَ الْحَصَى فِي الْمَرْمَى جَازَ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ حُضُورُ الْمَرْمِيِّ عَنْهُ وَاجِبًا فِي فِعْلِ غَيْرِهِ وَقَعَ لَهُ فَجَازَ، كَمَا لَوْ حَضَرَ وَرَمَى غَيْرُهُ عَنْهُ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ الطَّوَافُ؛ لِأَنَّ حُضُورَ الْمَطَافِ وَاجِبٌ عَلَيْهِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ دَارَ حَوْلَ مَكَّةَ لَمْ يَجُزْ، فَإِذَا طِيفَ عَنْهُ وَجَبَ أَلَا يَجُوزَ. ٨٢ - لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ حَلْقٌ وَلَا رَمَلٌ، وَيُؤْمَرُ الرِّجَالُ بِالْحَلْقِ وَالرَّمَلِ. وَالْفَرْقُ أَنَّ الْحَلْقَ فِي النِّسَاءِ مُثْلَةٌ، وَفِي الرَّمَلِ لَا يُؤْمَنُ إظْهَارُ عَوْرَتِهَا، وَالْعِبَادَةُ لَا تُبِيحُ الْمُثْلَةَ وَإِظْهَارَ الْعَوْرَةِ.

стр. 68

وَأَمَّا الْحَلْقُ فِي الرِّجَالِ لَيْسَ بِمُثْلَةٍ، وَلَا يُؤَدِّي فِعْلُهُ إلَى مَحْظُورٍ، وَهُوَ كَشْفُ الْعَوْرَةِ، فَجَازَ أَنْ يُؤْمَرَ بِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُجَافِي عُضْوَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ حَالَةَ الرُّكُوعِ، وَلَا يُلْصِقُ بَطْنَهُ بِفَخِذِهِ حَالَةَ السُّجُودِ، بِخِلَافِ الْمَرْأَةِ كَذَلِكَ هَذَا. ٨٣ - مُحْرِمٌ حَفَرَ بِئْرًا لِلْمَاءِ فِي مَفَازَةٍ، فَوَقَعَ فِيهِ صَيْدٌ لَا يَغْرَمُ، وَلَوْ حَفَرَ فِي مِلْكِ نَفْسِهِ لِلصَّيْدِ، غَرِمَ، وَلَوْ حَفَرَ لَا لِلصَّيْدِ، فَوَقَعَ فِيهَا صَيْدٌ، لَا يَغْرَمُ. وَالْفَرْقُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ حَفْرُ الْبِئْرِ لِإِتْلَافِ الصَّيْدِ، لِأَنَّهُ سَبَبٌ إلَى إتْلَافِهِ فَصَارَ مُتَعَدِّيًا، فَقَدْ تَعَدَّى فِي السَّبَبِ وَأَدَّى ذَلِكَ إلَى إتْلَافِ الصَّيْدِ فَغَرِمَ، كَمَا لَوْ حَمَلَ عَلَى صَيْدٍ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا حَفَرَ لِلْمَاءِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَدَّ فِي السَّبَبِ؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَحْفِرَ الْبِئْرَ لِلْمَاءِ، وَإِذَا لَمْ يَتَعَدَّ فِي السَّبَبِ لَمْ يَضْمَنْ مَا يَتْلَفُ بِهِ، كَمَا لَوْ بَنَى فِي مِلْكِهِ بِنَاءً فَوَقَعَ عَلَى صَيْدٍ فَتَكَسَّرَ وَمَاتَ لَمْ يَضْمَنْ، كَذَلِكَ هُنَا. ٨٤ - الْمُحْرِمُ إذَا قَتَلَ قَمْلَةً، تَصَدَّقَ بِشَيْءٍ وَلَوْ تَمْرَةً، وَلَوْ قَتَلَ بُرْغُوثًا لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ. وَالْفَرْقُ أَنَّ الْبُرْغُوثَ يَتَوَلَّدُ مِنْ الْأَرْضِ، فَهُوَ مِنْ هَوَامِّ الْأَرْضِ، فَصَارَ كَالْعَقْرَبِ.

стр. 69

وَأَمَّا الْقَمْلَةُ فَإِنَّهَا تَتَوَلَّدُ مِنْ الْبَدَنِ، فَصَارَ كَمَا لَوْ أَزَالَ جُزْءًا مِنْ بَدَنِهِ، لِيُزِيلَ بِهِ الْأَذَى أَوْ أَزَالَ الشَّعَثَ لَزِمَهُ التَّصَدُّقُ بِشَيْءٍ، كَذَلِكَ هَذَا. ٨٥ - إذَا رَمَى طَائِرًا عَلَى غُصْنِ شَجَرَةٍ أَصْلُهُ فِي الْحِلِّ أَوْ فِي الْحَرَمِ، لَمْ يُنْظَرْ إلَى أَصْلِهِ، وَيَنْظُرُ إلَى مَوْضِعِ الطَّائِرِ فَإِنْ كَانَ الْغُصْنُ فِي الْحَرَمِ وَجَبَ الْجَزَاءُ، وَإِنْ كَانَ فِي الْحِلِّ لَا يَجِبُ. وَبِمِثْلِهِ لَوْ قَطَعَ غُصْنًا مِنْ شَجَرِ الْحَرَمِ، فَإِنَّهُ يَنْظُرُ، إنْ كَانَ أَصْلُهُ فِي الْحَرَمِ ضَمِنَ، وَإِنْ كَانَ أَصْلُهُ فِي الْحِلِّ لَمْ يَضْمَنْ. وَالْفَرْقُ أَنَّ الطَّائِرَ حَيْثُ اعْتِمَادُهُ، وَاعْتِمَادُهُ عَلَى الْغُصْنِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ قَطَعَ الْغُصْنَ بَقِيَ هُوَ فِي الْحِلِّ وَسَقَطَ فِيهِ، وَيَجُوزُ بَقَاؤُهُ فِي الْهَوَاءِ أَيْضًا بَعْدَ قَطْعِ الْغُصْنِ، فَإِذَا كَانَ الْغُصْنُ فِي الْحِلِّ صَارَ مِنْ صَيْدِ الْحِلِّ، وَإِنْ كَانَ فِي الْحَرَمِ صَارَ مِنْ صَيْدِ الْحَرَمِ. وَأَمَّا الْغُصْنُ فَلِأَنَّ الْغُصْنَ حَيْثُ اعْتِمَادُهُ، وَاعْتِمَادُهُ عَلَى أَصْلِ الشَّجَرَةِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ قَطَعَ أَصْلَ الشَّجَرِ سَقَطَ الْغُصْنُ أَيْضًا، فَلَا يَجُوزُ بَقَاؤُهُ فِي الْهَوَاءِ بَعْدَ قَطْعِ أَصْلِهِ، فَاعْتُبِرَ الْأَصْلُ، إنْ كَانَ الْأَصْلُ فِي الْحَرَمِ، صَارَ مِنْ شَجَرِ الْحَرَمِ، فَغَرِمَ وَإِنْ كَانَ فِي الْحِلِّ، صَارَ مِنْ شَجَرِ الْحِلِّ، فَلَا يَغْرَمُ. ٨٦ - إذَا أَدْخَلَ صَيْدًا فِي الْحَرَمِ مِنْ الْحِلِّ، صَارَ مِنْ صَيْدِ الْحَرَمِ، وَلَوْ أَدْخَلَ شَجَرًا مِنْ الْحِلِّ وَأَنْبَتَهُ، لَمْ يَصِرْ مِنْ شَجَرِ الْحَرَمِ.

стр. 70

وَالْفَرْقُ أَنَّا لَوْ أَوْجَبْنَا فِي الشَّجَرِ الْجَزَاءَ لَأَوْجَبْنَا تَحْرِيمَهُ بِفِعْلِهِ، وَهُوَ إدْخَالُهُ فِي الْحَرَمِ، وَفِعْلُهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ سَبَبًا فِي تَحْرِيمِ الشَّجَرِ كَمَا لَوْ أَحْرَمَ فَإِنَّهُ لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ قَطْعُ الشَّجَرِ، كَذَلِكَ هَذَا. وَلَيْسَ كَذَلِكَ الصَّيْدُ؛ لِأَنَّا لَوْ أَوْجَبْنَا عَلَيْهِ الْجَزَاءَ إذَا أَدْخَلَهُ فِي الْحَرَمِ وَقَتَلَهُ لَأَوْجَبْنَا عَلَيْهِ بِفِعْلِهِ، وَفِعْلُهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ سَبَبًا فِي تَحْرِيمِ الصَّيْدِ، كَمَا لَوْ أَحْرَمَ فَإِنَّ الصَّيْدَ يَحْرُمُ عَلَيْهِ كَذَا هَذَا. وَوَجْهٌ آخَرُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ أَضَافَ الشَّجَرَ إلَى الْحَرَمِ فَقَالَ: «لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا وَلَا يُعْضَدُ شَوْكُهَا» فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ تَكُونَ الْإِضَافَةُ إلَيْهِ لِإِنْبَاتِ الْحَرَمِ إيَّاهُ، أَوْ لِكَوْنِهِ فِي الْحَرَمِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ

стр. 71

إضَافَتُهُ لِكَوْنِهِ فِي الْحَرَمِ؛ لِأَنَّا أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّهُ لَوْ أَدْخَلَ الشَّجَرَ فِي الْحَرَمِ وَأَخْرَجَهَا وَلَمْ يَغْرِسْهَا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْجَزَاءُ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِإِضَافَةِ كَوْنِهِ فِي الْحَرَمِ، وَإِنَّمَا هُوَ إضَافَةُ إنْبَاتِ الْحَرَمِ وَهَذَا إذَا غَرَسَهَا، فَلَمْ يُوجَدْ إنْبَاتُ الْحَرَمِ، فَلَا يَجِبُ فِيهِ الْجَزَاءُ. وَأَمَّا الصَّيْدُ فَالنَّبِيُّ ﵇ أَضَافَ الصَّيْدَ إلَى الْحَرَمِ فَقَالَ: «لَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا» فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ تَكُونَ الْإِضَافَةُ إلَيْهِ لِوِلَادَتِهِ فِي الْحَرَمِ، أَوْ لِكَوْنِهِ فِيهِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِوِلَادَتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وُلِدَ فِي الْحَرَمِ ثُمَّ خَرَجَ بِنَفْسِهِ إلَى الْحِلِّ لَا يَحْرُمُ قَتْلُهُ، فَدَلَّ أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ إنَّمَا أَضَافَهُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْحَرَمَ حَوَاهُ، فَإِذَا أَدْخَلَهُ الْحَرَمَ فَقَدْ حَوَاهُ الْحَرَمُ، فَوَجَبَ أَنْ يَصِيرَ مِنْ صَيْدِ الْحَرَمِ. فَإِذَا قَتَلَهُ وَجَبَ الْجَزَاءُ. ٨٧ - مُحْرِمٌ قَتَلَ بَازِيًا مُعَلَّمًا فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ غَيْرَ مُعَلَّمٍ. وَلَوْ قَتَلَ بَازِيًا مُعَلَّمًا لِإِنْسَانٍ، غَرِمَ قِيمَتَهُ لَهُ مُعَلَّمًا، وَكَذَلِكَ لَوْ قَتَلَ مُصَوِّتَةً، غَرِمَ قِيمَتَهَا لِصَاحِبِهَا مُصَوِّتًا. وَلَوْ قَتَلَهَا فِي الْحَرَمِ، غَرِمَ قِيمَتَهُ غَيْرَ مُصَوِّتٍ.

стр. 72

وَالْفَرْقُ أَنَّ فِي صَيْدِ الْحَرَمِ إنَّمَا يُضْمَنُ كَفَّارَةً لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، وَالتَّعْلِيمُ لَا يَتَقَوَّمُ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، كَمَا لَوْ قَتَلَ عَبْدًا كَاتِبًا أَوْ عَالِمًا فَإِنَّهُ لَا يَغْرَمُ إلَّا كَفَّارَةَ عَبْدٍ غَيْرِ عَالَمٍ، كَذَلِكَ هَذَا. وَأَمَّا إذَا كَانَ لِآدَمِيٍّ فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ الْمِثْلُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى وَهُوَ الْقِيمَةُ، وَالتَّعْلِيمُ يَتَقَوَّمُ فِي حَقِّ الْآدَمِيِّينَ، كَمَا لَوْ قَتَلَ عَبْدًا كَاتِبًا أَوْ عَالِمًا لِإِنْسَانٍ، غَرِمَ قِيمَتَهُ عَالِمًا، كَذَلِكَ هَذَا. ٨٨ - لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَخْرَجَ ظَبْيَةً مِنْ الْحَرَمِ، فَوَلَدَتْ أَوْلَادًا، ثُمَّ مَاتَتْ هِيَ وَأَوْلَادُهَا فِي الْحِلِّ، غَرِمَ قِيمَتَهَا وَقِيمَةَ أَوْلَادِهَا، وَلَوْ أَدَّى جَزَاءَهَا بَعْدَ مَا أَخْرَجَهَا مِنْ الْحَرَمِ قَبْلَ أَنْ تَلِدَ، ثُمَّ وَلَدَتْ، فَمَاتَتْ هِيَ وَأَوْلَادُهَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَوْلَادِ. وَالْفَرْقُ أَنَّهُ لَمَّا أَخْرَجَهَا مِنْ الْحَرَمِ وَجَبَ عَلَيْهِ إرْسَالُهَا، فَتَعَيَّنَ حَقُّ وُجُوبِ الْإِرْسَالِ فِي الْأُمِّ، فَسَرَى إلَى الْوَلَدِ، كَالتَّدْبِيرِ وَالِاسْتِيلَادِ، فَصَارَ مُطَالَبًا مِنْ جِهَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي كُلِّ لَحْظَةٍ بِالْإِرْسَالِ، فَصَارَ مَانِعًا بَعْدَ الطَّلَبِ، فَدَخَلَتْ الْأُمُّ وَأَوْلَادُهَا فِي ضَمَانِهِ. كَمَا لَوْ غَصَبَ جَارِيَةً، فَوَلَدَتْ فَطَلَبَهَا صَاحِبُهَا، فَمُنِعَ، ضَمِنَ قِيمَتَهَا وَقِيمَةَ وَلَدِهَا عِنْدَ التَّلَفِ، كَذَا هَذَا. وَأَمَّا إذَا كَفَّرَ فَقَدْ بَرِئَ عَنْ ضَمَانِ الْأُمِّ، فَلَمْ يَبْقَ فِي الْأُمِّ حَقُّ الضَّمَانِ، فَلَا يَسْرِي إلَى الْوَلَدِ، كَمَا لَوْ رَدَّهَا إلَى الْحَرَمِ، ثُمَّ مَاتَ الْوَلَدُ فِي الْحَرَمِ، فَإِنَّهُ لَا يَغْرَمُ شَيْئًا، كَذَلِكَ هَذَا.

стр. 73

حَلَالٌ أَخْرَجَ ظَبْيًا مِنْ الْحَرَمِ وَجَبَ عَلَيْهِ رَدُّهُ، فَلَوْ بَاعَهُ جَازَ بَيْعُهُ، وَبِمِثْلِهِ رَجُلٌ غَصَبَ مِنْ إنْسَانٍ عَبْدًا وَجَبَ رَدُّهُ عَلَى صَاحِبِهِ، فَلَوْ بَاعَهُ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ. وَالْفَرْقُ أَنَّهُ وُجِدَ مَا يُوجِبُ الْمِلْكَ، وَهُوَ ثُبُوتُ الْيَدِ عَلَى الصَّيْدِ فِي الْحِلِّ وَحُصُولُ الْمِلْكِ، فَقَدْ وُجِدَ قَبْلَ وُجُودِ الرَّدِّ إلَى الْحَرَمِ مَعْنًى أَوْجَبَ الْمِلْكَ، فَصَادَفَ بَيْعُهُ مِلْكَهُ فَجَازَ، وَإِنْ كَانَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى فِيهِ ثَابِتًا، كَمَا لَوْ اكْتَسَبَ عَلَى وَجْهٍ مَحْظُورٍ فَإِنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ وَإِنْ وَجَبَ التَّصَرُّفُ بِهِ، كَذَا هَذَا. وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْغَصْبُ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ بَعْدَ أَخْذِهِ مِنْ يَدِهِ مَا يُوجِبُ لَهُ مِلْكًا فِيهِ فَصَادَفَ بَيْعَهُ مِلْكُ غَيْرِهِ، فَلَمْ يَجُزْ الْبَيْعُ. ٩٠ - الْمُعْتَمِرُ إذَا جَامَعَ بَعْدَ مَا طَافَ أَرْبَعَةَ أَشْوَاطٍ فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَالْحَاجُّ إذَا طَافَ أَرْبَعَةَ أَشْوَاطٍ بَعْدَ مَا قَصَّرَ ثُمَّ جَامَعَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. وَالْفَرْقُ أَنَّهُ لَمَّا طَافَ لِلْحَجِّ أَرْبَعَةَ أَشْوَاطٍ فَقَدْ أَتَى بِمُعْظَمِهِ، وَمُعْظَمُ الطَّوَافِ يَقُومُ مَقَامَ الْكُلِّ، فَصَارَ كَمَا لَوْ أَتَى بِالْكُلِّ، فَوَقَعَ الْجِمَاعُ فِي حَالِ التَّحَلُّلِ فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ،

стр. 74

وَأَمَّا الْمُعْتَمِرُ فَلَا يَحِلُّ إلَّا بَعْدَ الْحَلْقِ، وَالْحَلْقُ يَكُونُ بَعْدَ الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ، فَصَادَفَ وَطْؤُهُ حَالَ بَقَاءِ الْإِحْرَامِ، فَجَازَ أَنْ يَلْزَمَهُ دَمٌ. ٩١ - إذَا جَامَعَ بَعْدَ الْوُقُوفِ فَأَهْدَى جَزُورًا، ثُمَّ جَامَعَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَعَلَيْهِ شَاةٌ، وَلَا يَجِبُ بَدَنَةٌ، وَلَوْ جَامَعَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ ثُمَّ كَفَّرَ، ثُمَّ جَامَعَ لَزِمَهُ كَفَّارَةٌ أُخْرَى عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَاتِ. وَالْفَرْقُ أَنَّ الْجِمَاعَ الْأَوَّلَ لَا يَهْتِكُ حُرْمَةَ الْإِحْرَامِ، وَإِنَّمَا صَارَ جَانِيًا فِيهِ مَعَ بَقَاءِ حُرْمَتِهِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْقَضَاءُ، فَلَمْ يَنْجَبِرْ ذَلِكَ النَّقْصُ بِالْكَفَّارَةِ فَصَارَ كَمَا لَوْ لَمْ يُكَفِّرْ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الصَّوْمُ، لِأَنَّ الْجِمَاعَ الْأَوَّلَ هَتَكَ حُرْمَةَ الصَّوْمِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَجِبُ الْقَضَاءُ، فَالْكَفَّارَةُ تَجْبُرُ ذَلِكَ النَّقْصَ، فَعَادَتْ الْحُرْمَةُ كَامِلَةً، فَأَوْجَبَ مِنْ الْكَفَّارَةِ مِثْلَ مَا أَوْجَبَهُ الْأَوَّلُ. ٩٢ - إذَا قَبَّلَ الْمُحْرِمُ امْرَأَتَهُ بِشَهْوَةٍ مِنْ غَيْرِ إنْزَالٍ، وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ وَهُوَ دَمٌ، وَلَوْ قَبَّلَ الصَّائِمُ وَلَمْ يُنْزِلْ، لَمْ يَجِبْ الْقَضَاءُ. وَالْفَرْقُ أَنَّ التَّقْبِيلَ لِلشَّهْوَةِ مِنْ دَوَاعِي الْجِمَاعِ، فَإِذَا بَاشَرَهُ الْمُحْرِمُ لَزِمَهُ الْكَفَّارَةُ كَالطِّيبِ، وَإِذَا بَاشَرَهُ الصَّائِمُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ كَالطِّيبِ،

стр. 75

وَلِأَنَّ التَّقْبِيلَ لِلشَّهْوَةِ أَخَذَ شَبَهًا مِنْ الْأَصْلَيْنِ، شَبَهَ الْجِمَاعِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يُوجِبُ حُرْمَةَ الْمُصَاهَرَةِ، وَشَبَهَ النَّظَرِ حَيْثُ إنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ نَقْضُ الطَّهَارَةِ، فَتَوَفَّرَ حَظُّهُ مِنْ الشَّبَهَيْنِ، فَلِشَبَهِهِ بِالْجِمَاعِ، قُلْنَا: تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ، وَلِشَبَهِهِ النَّظَرَ قُلْنَا: لَا يَفْسُدُ الْحَجُّ لِيَكُونَ فِيهِ تَوْفِيرُ حَظِّهِ مِنْ الشَّبَهَيْنِ، وَكَفَّارَاتُ الْحَجِّ لَا تَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ، وَلَا يُحْتَالُ لِإِبْطَالِهَا فَأَوْجَبْنَا الْكَفَّارَةَ احْتِيَاطًا، أَلَا تَرَى أَنَّهُ بِالدَّلَالَةِ يَغْرَمُ مَا يَغْرَمُ بِالْمُبَاشَرَةِ، وَإِنْ كَانَتْ الْمُبَاشَرَةُ آكَدَ فِي الْجِنَايَةِ مِنْهَا. وَأَمَّا فِي الصَّوْمِ فَإِنَّهُ يَحْتَالُ فِي عَدَمِ إيجَابِ الْكَفَّارَةِ وَالْقَضَاءِ، فَجَعَلْنَا حُكْمَهُ آكَدَ فَقُلْنَا: مَا لَمْ يَتَّصِلْ بِالْإِنْزَالِ لَا يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ. ٩٣ - إذَا ادَّهَنَ الْمُحْرِمُ شِقَاقَ رِجْلَيْهِ أَوْ جُرْحِهِ بِزَيْتٍ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَلَوْ، دَاوَى جُرْحَهُ وَأَلْزَقَ عَلَيْهِ طِيبًا، فَعَلَيْهِ أَيُّ الْكَفَّارَاتِ شَاءَ إذَا فَعَلَ مِرَارًا، وَفِي مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ صَدَقَةٌ. وَالْفَرْقُ أَنَّ شِقَاقَ الرِّجْلِ لَيْسَ بِمَحَلِّ الطِّيبِ، وَالزَّيْتُ لَيْسَ بِطِيبٍ فِي نَفْسِهِ، وَلَا يُقْصَدُ هَذَا الْمَوْضِعُ بِالطِّيبِ، فَلَمْ يَكُنْ مُتَطَيِّبًا، وَصَارَ مُتَدَاوِيًا. وَأَمَّا الطِّيبُ فِي نَفْسِهِ طَيِّبٌ فَلَا يُرَاعَى قَصْدُهُ إلَى التَّطَيُّبِ، فَعَلَى أَيِّ وَجْهٍ
следующие страницы →