← Каваид фикха

Каваид фикха · id 8182

الفروق للكرابيسي

الكرابيسي

Полный текст (659 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

إضَافَتُهُ لِكَوْنِهِ فِي الْحَرَمِ؛ لِأَنَّا أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّهُ لَوْ أَدْخَلَ الشَّجَرَ فِي الْحَرَمِ وَأَخْرَجَهَا وَلَمْ يَغْرِسْهَا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْجَزَاءُ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِإِضَافَةِ كَوْنِهِ فِي الْحَرَمِ، وَإِنَّمَا هُوَ إضَافَةُ إنْبَاتِ الْحَرَمِ وَهَذَا إذَا غَرَسَهَا، فَلَمْ يُوجَدْ إنْبَاتُ الْحَرَمِ، فَلَا يَجِبُ فِيهِ الْجَزَاءُ. وَأَمَّا الصَّيْدُ فَالنَّبِيُّ ﵇ أَضَافَ الصَّيْدَ إلَى الْحَرَمِ فَقَالَ: «لَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا» فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ تَكُونَ الْإِضَافَةُ إلَيْهِ لِوِلَادَتِهِ فِي الْحَرَمِ، أَوْ لِكَوْنِهِ فِيهِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِوِلَادَتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وُلِدَ فِي الْحَرَمِ ثُمَّ خَرَجَ بِنَفْسِهِ إلَى الْحِلِّ لَا يَحْرُمُ قَتْلُهُ، فَدَلَّ أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ إنَّمَا أَضَافَهُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْحَرَمَ حَوَاهُ، فَإِذَا أَدْخَلَهُ الْحَرَمَ فَقَدْ حَوَاهُ الْحَرَمُ، فَوَجَبَ أَنْ يَصِيرَ مِنْ صَيْدِ الْحَرَمِ. فَإِذَا قَتَلَهُ وَجَبَ الْجَزَاءُ. ٨٧ - مُحْرِمٌ قَتَلَ بَازِيًا مُعَلَّمًا فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ غَيْرَ مُعَلَّمٍ. وَلَوْ قَتَلَ بَازِيًا مُعَلَّمًا لِإِنْسَانٍ، غَرِمَ قِيمَتَهُ لَهُ مُعَلَّمًا، وَكَذَلِكَ لَوْ قَتَلَ مُصَوِّتَةً، غَرِمَ قِيمَتَهَا لِصَاحِبِهَا مُصَوِّتًا. وَلَوْ قَتَلَهَا فِي الْحَرَمِ، غَرِمَ قِيمَتَهُ غَيْرَ مُصَوِّتٍ.

стр. 72

وَالْفَرْقُ أَنَّ فِي صَيْدِ الْحَرَمِ إنَّمَا يُضْمَنُ كَفَّارَةً لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، وَالتَّعْلِيمُ لَا يَتَقَوَّمُ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، كَمَا لَوْ قَتَلَ عَبْدًا كَاتِبًا أَوْ عَالِمًا فَإِنَّهُ لَا يَغْرَمُ إلَّا كَفَّارَةَ عَبْدٍ غَيْرِ عَالَمٍ، كَذَلِكَ هَذَا. وَأَمَّا إذَا كَانَ لِآدَمِيٍّ فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ الْمِثْلُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى وَهُوَ الْقِيمَةُ، وَالتَّعْلِيمُ يَتَقَوَّمُ فِي حَقِّ الْآدَمِيِّينَ، كَمَا لَوْ قَتَلَ عَبْدًا كَاتِبًا أَوْ عَالِمًا لِإِنْسَانٍ، غَرِمَ قِيمَتَهُ عَالِمًا، كَذَلِكَ هَذَا. ٨٨ - لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَخْرَجَ ظَبْيَةً مِنْ الْحَرَمِ، فَوَلَدَتْ أَوْلَادًا، ثُمَّ مَاتَتْ هِيَ وَأَوْلَادُهَا فِي الْحِلِّ، غَرِمَ قِيمَتَهَا وَقِيمَةَ أَوْلَادِهَا، وَلَوْ أَدَّى جَزَاءَهَا بَعْدَ مَا أَخْرَجَهَا مِنْ الْحَرَمِ قَبْلَ أَنْ تَلِدَ، ثُمَّ وَلَدَتْ، فَمَاتَتْ هِيَ وَأَوْلَادُهَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَوْلَادِ. وَالْفَرْقُ أَنَّهُ لَمَّا أَخْرَجَهَا مِنْ الْحَرَمِ وَجَبَ عَلَيْهِ إرْسَالُهَا، فَتَعَيَّنَ حَقُّ وُجُوبِ الْإِرْسَالِ فِي الْأُمِّ، فَسَرَى إلَى الْوَلَدِ، كَالتَّدْبِيرِ وَالِاسْتِيلَادِ، فَصَارَ مُطَالَبًا مِنْ جِهَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي كُلِّ لَحْظَةٍ بِالْإِرْسَالِ، فَصَارَ مَانِعًا بَعْدَ الطَّلَبِ، فَدَخَلَتْ الْأُمُّ وَأَوْلَادُهَا فِي ضَمَانِهِ. كَمَا لَوْ غَصَبَ جَارِيَةً، فَوَلَدَتْ فَطَلَبَهَا صَاحِبُهَا، فَمُنِعَ، ضَمِنَ قِيمَتَهَا وَقِيمَةَ وَلَدِهَا عِنْدَ التَّلَفِ، كَذَا هَذَا. وَأَمَّا إذَا كَفَّرَ فَقَدْ بَرِئَ عَنْ ضَمَانِ الْأُمِّ، فَلَمْ يَبْقَ فِي الْأُمِّ حَقُّ الضَّمَانِ، فَلَا يَسْرِي إلَى الْوَلَدِ، كَمَا لَوْ رَدَّهَا إلَى الْحَرَمِ، ثُمَّ مَاتَ الْوَلَدُ فِي الْحَرَمِ، فَإِنَّهُ لَا يَغْرَمُ شَيْئًا، كَذَلِكَ هَذَا.

стр. 73

حَلَالٌ أَخْرَجَ ظَبْيًا مِنْ الْحَرَمِ وَجَبَ عَلَيْهِ رَدُّهُ، فَلَوْ بَاعَهُ جَازَ بَيْعُهُ، وَبِمِثْلِهِ رَجُلٌ غَصَبَ مِنْ إنْسَانٍ عَبْدًا وَجَبَ رَدُّهُ عَلَى صَاحِبِهِ، فَلَوْ بَاعَهُ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ. وَالْفَرْقُ أَنَّهُ وُجِدَ مَا يُوجِبُ الْمِلْكَ، وَهُوَ ثُبُوتُ الْيَدِ عَلَى الصَّيْدِ فِي الْحِلِّ وَحُصُولُ الْمِلْكِ، فَقَدْ وُجِدَ قَبْلَ وُجُودِ الرَّدِّ إلَى الْحَرَمِ مَعْنًى أَوْجَبَ الْمِلْكَ، فَصَادَفَ بَيْعُهُ مِلْكَهُ فَجَازَ، وَإِنْ كَانَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى فِيهِ ثَابِتًا، كَمَا لَوْ اكْتَسَبَ عَلَى وَجْهٍ مَحْظُورٍ فَإِنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ وَإِنْ وَجَبَ التَّصَرُّفُ بِهِ، كَذَا هَذَا. وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْغَصْبُ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ بَعْدَ أَخْذِهِ مِنْ يَدِهِ مَا يُوجِبُ لَهُ مِلْكًا فِيهِ فَصَادَفَ بَيْعَهُ مِلْكُ غَيْرِهِ، فَلَمْ يَجُزْ الْبَيْعُ. ٩٠ - الْمُعْتَمِرُ إذَا جَامَعَ بَعْدَ مَا طَافَ أَرْبَعَةَ أَشْوَاطٍ فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَالْحَاجُّ إذَا طَافَ أَرْبَعَةَ أَشْوَاطٍ بَعْدَ مَا قَصَّرَ ثُمَّ جَامَعَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. وَالْفَرْقُ أَنَّهُ لَمَّا طَافَ لِلْحَجِّ أَرْبَعَةَ أَشْوَاطٍ فَقَدْ أَتَى بِمُعْظَمِهِ، وَمُعْظَمُ الطَّوَافِ يَقُومُ مَقَامَ الْكُلِّ، فَصَارَ كَمَا لَوْ أَتَى بِالْكُلِّ، فَوَقَعَ الْجِمَاعُ فِي حَالِ التَّحَلُّلِ فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ،

стр. 74

وَأَمَّا الْمُعْتَمِرُ فَلَا يَحِلُّ إلَّا بَعْدَ الْحَلْقِ، وَالْحَلْقُ يَكُونُ بَعْدَ الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ، فَصَادَفَ وَطْؤُهُ حَالَ بَقَاءِ الْإِحْرَامِ، فَجَازَ أَنْ يَلْزَمَهُ دَمٌ. ٩١ - إذَا جَامَعَ بَعْدَ الْوُقُوفِ فَأَهْدَى جَزُورًا، ثُمَّ جَامَعَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَعَلَيْهِ شَاةٌ، وَلَا يَجِبُ بَدَنَةٌ، وَلَوْ جَامَعَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ ثُمَّ كَفَّرَ، ثُمَّ جَامَعَ لَزِمَهُ كَفَّارَةٌ أُخْرَى عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَاتِ. وَالْفَرْقُ أَنَّ الْجِمَاعَ الْأَوَّلَ لَا يَهْتِكُ حُرْمَةَ الْإِحْرَامِ، وَإِنَّمَا صَارَ جَانِيًا فِيهِ مَعَ بَقَاءِ حُرْمَتِهِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْقَضَاءُ، فَلَمْ يَنْجَبِرْ ذَلِكَ النَّقْصُ بِالْكَفَّارَةِ فَصَارَ كَمَا لَوْ لَمْ يُكَفِّرْ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الصَّوْمُ، لِأَنَّ الْجِمَاعَ الْأَوَّلَ هَتَكَ حُرْمَةَ الصَّوْمِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَجِبُ الْقَضَاءُ، فَالْكَفَّارَةُ تَجْبُرُ ذَلِكَ النَّقْصَ، فَعَادَتْ الْحُرْمَةُ كَامِلَةً، فَأَوْجَبَ مِنْ الْكَفَّارَةِ مِثْلَ مَا أَوْجَبَهُ الْأَوَّلُ. ٩٢ - إذَا قَبَّلَ الْمُحْرِمُ امْرَأَتَهُ بِشَهْوَةٍ مِنْ غَيْرِ إنْزَالٍ، وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ وَهُوَ دَمٌ، وَلَوْ قَبَّلَ الصَّائِمُ وَلَمْ يُنْزِلْ، لَمْ يَجِبْ الْقَضَاءُ. وَالْفَرْقُ أَنَّ التَّقْبِيلَ لِلشَّهْوَةِ مِنْ دَوَاعِي الْجِمَاعِ، فَإِذَا بَاشَرَهُ الْمُحْرِمُ لَزِمَهُ الْكَفَّارَةُ كَالطِّيبِ، وَإِذَا بَاشَرَهُ الصَّائِمُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ كَالطِّيبِ،

стр. 75

وَلِأَنَّ التَّقْبِيلَ لِلشَّهْوَةِ أَخَذَ شَبَهًا مِنْ الْأَصْلَيْنِ، شَبَهَ الْجِمَاعِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يُوجِبُ حُرْمَةَ الْمُصَاهَرَةِ، وَشَبَهَ النَّظَرِ حَيْثُ إنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ نَقْضُ الطَّهَارَةِ، فَتَوَفَّرَ حَظُّهُ مِنْ الشَّبَهَيْنِ، فَلِشَبَهِهِ بِالْجِمَاعِ، قُلْنَا: تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ، وَلِشَبَهِهِ النَّظَرَ قُلْنَا: لَا يَفْسُدُ الْحَجُّ لِيَكُونَ فِيهِ تَوْفِيرُ حَظِّهِ مِنْ الشَّبَهَيْنِ، وَكَفَّارَاتُ الْحَجِّ لَا تَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ، وَلَا يُحْتَالُ لِإِبْطَالِهَا فَأَوْجَبْنَا الْكَفَّارَةَ احْتِيَاطًا، أَلَا تَرَى أَنَّهُ بِالدَّلَالَةِ يَغْرَمُ مَا يَغْرَمُ بِالْمُبَاشَرَةِ، وَإِنْ كَانَتْ الْمُبَاشَرَةُ آكَدَ فِي الْجِنَايَةِ مِنْهَا. وَأَمَّا فِي الصَّوْمِ فَإِنَّهُ يَحْتَالُ فِي عَدَمِ إيجَابِ الْكَفَّارَةِ وَالْقَضَاءِ، فَجَعَلْنَا حُكْمَهُ آكَدَ فَقُلْنَا: مَا لَمْ يَتَّصِلْ بِالْإِنْزَالِ لَا يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ. ٩٣ - إذَا ادَّهَنَ الْمُحْرِمُ شِقَاقَ رِجْلَيْهِ أَوْ جُرْحِهِ بِزَيْتٍ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَلَوْ، دَاوَى جُرْحَهُ وَأَلْزَقَ عَلَيْهِ طِيبًا، فَعَلَيْهِ أَيُّ الْكَفَّارَاتِ شَاءَ إذَا فَعَلَ مِرَارًا، وَفِي مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ صَدَقَةٌ. وَالْفَرْقُ أَنَّ شِقَاقَ الرِّجْلِ لَيْسَ بِمَحَلِّ الطِّيبِ، وَالزَّيْتُ لَيْسَ بِطِيبٍ فِي نَفْسِهِ، وَلَا يُقْصَدُ هَذَا الْمَوْضِعُ بِالطِّيبِ، فَلَمْ يَكُنْ مُتَطَيِّبًا، وَصَارَ مُتَدَاوِيًا. وَأَمَّا الطِّيبُ فِي نَفْسِهِ طَيِّبٌ فَلَا يُرَاعَى قَصْدُهُ إلَى التَّطَيُّبِ، فَعَلَى أَيِّ وَجْهٍ

стр. 76

وُجِدَ فَقَدْ تَطَيَّبَ فَصَارَ مُتَطَيِّبًا، فَلَزِمَتْهُ الْفِدْيَةُ. ٩٤ - إذَا بَعَثَ الْمُتَطَوِّعُ هَدْيًا يُهْدِيهِ مُقَلَّدًا ثُمَّ خَرَجَ لَمْ يَصِرْ مُحْرِمًا، فَإِذَا أَدْرَكَهُ صَارَ مُحْرِمًا وَإِنْ لَمْ يَنْوِ الْإِحْرَامَ، وَالْقَارِنُ يَصِيرُ مُحْرِمًا حِينَ يَخْرُجُ. وَالْفَرْقُ أَنَّ لِخُرُوجِهِ تَأْثِيرًا فِي وُجُوبِهِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَخْرُجْ إلَى الْقِرَانِ وَالتَّمَتُّعِ لَا يَلْزَمُهُ الدَّمُ، فَإِذَا أَثَّرَ خُرُوجُهُ فِي وُجُوبِهِ أَثَّرَ وُجُوبُهُ فِي إحْرَامِهِ، كَمَا لَوْ سَاقَهُ مَعَ نَفْسِهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْمُتَطَوِّعُ؛ لِأَنَّ خُرُوجَهُ لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَخْرُجْ وَذَبَحَ وَقَعَ ذَلِكَ عَنْ الْمُتَطَوِّعِ كَمَا لَوْ نَوَى، وَإِذَا لَمْ يُؤَثِّرْ خُرُوجُهُ فِي وُجُوبِهِ لَمْ يُؤَثِّرْ وُجُوبُهُ فِي إحْرَامِهِ، فَاسْتَوَى وُجُودُهُ وَعَدَمُهُ، وَلَوْ عَدِمَ لَا يَصِيرُ مُحْرِمًا، كَذَلِكَ إذَا وَجَدَ. وَوَجْهٌ آخَرُ: أَنَّ لِهَدْيِ الْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ أَثَرًا فِي بَقَائِهِ مُحْرِمًا فِي الِانْتِهَاءِ، لِأَنَّ الْمُتَمَتِّعَ إذَا فَرَغَ مِنْ فِعْلِ الْعُمْرَةِ وَقَدْ سَاقَ الْهَدْيَ لَمْ يَجُزْ لَهُ التَّحَلُّلُ فَجَازَ أَنْ يَكُونَ لَهُ تَأْثِيرٌ فِي الِابْتِدَاءِ. وَأَمَّا الْمُتَطَوِّعُ فَلَيْسَ لَهُ أَثَرٌ فِي بَقَائِهِ مُحْرِمًا فِي الِانْتِهَاءِ فَكَذَلِكَ فِي الِابْتِدَاءِ، إلَّا أَنَّهُ إذَا أَدْرَكَهُ صَارَ كَأَنَّهُ سَاقَهُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ مَعَ نَفْسِهِ، فَيُجْعَلُ لِلْبَقَاءِ حُكْمُ الِابْتِدَاءِ فَيَصِيرُ مُحْرِمًا. ٩٥ - ذَبْحُ الشَّاةِ وَالْبَقَرَةِ أَفْضَلُ، وَنَحْرُ الْجَزُورِ أَفْضَلُ.

стр. 77

وَالْفَرْقُ أَنَّ عُرُوقَهُ فِي الْمَنْحَرِ أَجْمَعُ، فَكَانَ قَطْعُهُ أَسْهَلَ وَأَيْسَرَ، فَكَانَ أَفْضَلَ. وَفِي الشَّاةِ وَالْبَقَرِ عُرُوقُهَا فِي الْمَذْبَحِ أَجْمَعُ، فَكَانَ فِي نَحْرِهِ إيصَالُ أَلَمٍ زَائِدٍ إلَيْهِ فَكَانَ ذَبْحُهُ أَيْسَرَ عَلَيْهِ، فَكَانَ أَفْضَلَ. ٩٦ - لَوْ أَوْصَى أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ رَجُلٌ بِعَيْنِهِ أَوْ بِغَيْرِ عَيْنِهِ، وَأَوْصَى لِأُنَاسٍ كَثِيرٍ بِوَصَايَا أَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ، قُسِمَ الْمَالُ بَيْنَهُمْ بِالْحِصَصِ يُصْرَفُ فِيهِ لِلْحَجِّ بِأَدْنَى مَا يَكُونُ مِنْ نَفَقَةِ الْحَجِّ، وَلَوْ أَوْصَى فَقَالَ: أَحِجُّوا فُلَانًا حَجَّةً، وَلَمْ يَقُلْ عَنِّي وَلَمْ يُسَمِّ كَمْ يُعْطَى، قَالَ: يُعْطَى قَدْرَ مَا يَحُجُّ بِهِ، وَهُوَ نَفَقَةٌ وَسَطٌ. وَالْفَرْقُ أَنَّهُ لَمَّا أَوْصَى لِأُنَاسٍ كَثِيرٍ فَقَدْ تَيَقَّنَّا بِوُجُوبِ حِصَصِ أَرْبَابِ الْوَصَايَا، وَتَيَقَّنَّا بِوُجُوبِ أَدْنَى النَّفَقَةِ لِلْحَجِّ، وَشَكَكْنَا فِيمَا زَادَ عَلَيْهِ، فَلَوْ نَقَصْنَا مِنْ حِصَّةِ أَرْبَابِ الْوَصَايَا بِالشَّكِّ لَأَبْطَلْنَا الْيَقِينَ بِالشَّكِّ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا قَالَ: أَحِجُّوا فُلَانًا حَجَّةً وَلَمْ يَقُلْ عَنِّي، لِأَنَّا لَمْ نَتَيَقَّنْ بِوُجُوبِ شَيْءٍ لِأَحَدٍ مِنْ جِهَةِ الْمَيِّتِ، وَالْوَصِيَّةُ بِالْحَجِّ وَصِيَّةٌ بِدَفْعِ مِقْدَارِ نَفَقَةِ الْحَجِّ إلَيْهِ، وَذَا يَكْثُرُ وَيَقِلُّ، فَلَوْ أَخَذْنَا بِالْأَقَلِّ لَبَخَسْنَا بِحَقِّ الْمُوصَى لَهُ، وَلَوْ أَخَذْنَا بِالْأَكْثَرِ لَبَخَسْنَا بِحَقِّ الْوَرَثَةِ، فَأَوْجَبْنَا الْوَسَطَ، وَإِيجَابُ الْوَسَطِ لَا يُؤَدِّي إلَى النُّقْصَانِ بِالشَّكِّ عَنْ مُوَاجَبَةِ مُتَيَقِّنٍ بِثُبُوتِ حَقِّهِ، فَجَازَ أَنْ يُوجَبَ. ٩٧ - لَوْ أَوْصَى وَقَالَ: أَحِجُّوا فُلَانًا حَجَّةً، وَلَمْ يَقُلْ عَنِّي وَلَمْ يُسَمِّ كَمْ يُعْطَى، قَالَ: يُعْطَى مِقْدَارَ مَا يَحُجُّ بِهِ نَفَقَةَ حَجٍّ وَسَطٍ، وَلَهُ أَنْ لَا يَحُجَّ بِهِ.

стр. 78

وَلَوْ قَالَ: أَحِجُّوا فُلَانًا عَنِّي حَجَّةً، فَإِنَّهُ يُعْطَى مِقْدَارَ نَفَقَةِ الْحَجِّ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ لَا يَحُجَّ بِهِ. وَالْفَرْقُ أَنَّهُ إذَا قَالَ: أَحِجُّوا فُلَانًا، وَلَمْ يَقُلْ عَنِّي كَانَ هَذَا أَيْضًا بِدَفْعِ النَّفَقَةِ لِيَصْرِفَهُ إلَى الْحَجِّ، فَقَدْ أَوْصَى لَهُ بِنَوْعِ نَفَقَةٍ وَأَشَارَ عَلَيْهِ بِإِشَارَةٍ، فَاسْتَحَقَّ النَّفَقَةَ وَبَطَلَتْ الْإِشَارَةُ، كَمَا لَوْ قَالَ: ادْفَعُوا إلَى فُلَانٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ لِيُنْفِقَهُ عَلَى عِيَالِهِ دُفِعَ إلَيْهِ لِيَفْعَلَ مَا شَاءَ، كَذَلِكَ هَذَا. وَأَمَّا إذَا قَالَ: عَنِّي، فَقَدْ أَمَرَهُ بِأَنْ يَدْفَعَ النَّفَقَةَ إلَيْهِ لِيَصْرِفَهُ فِي حَجِّهِ عَنْهُ وَيَعُودَ نَفْعُهُ إلَيْهِ، فَإِذَا لَمْ يَحُجَّ عَنْهُ لَمْ يَعُدْ نَفْعُهُ إلَيْهِ فَلَمْ يَفْعَلْهُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي أُمِرَ بِهِ فَلَمْ يَجُزْ. ٩٨ - عَبْدٌ دَخَلَ مَكَّةَ مَعَ مَوْلَاهُ بِغَيْرِ إحْرَامٍ، ثُمَّ أَذِنَ لَهُ فَأَحْرَمَ بِالْحَجِّ، فَإِنَّ عَلَيْهِ إذَا عَتَقَ دَمٌ لِتَرْكِ الْوَقْتِ، بِخِلَافِ النَّصْرَانِيِّ إذَا دَخَلَ مَكَّةَ ثُمَّ أَسْلَمَ، وَالصَّبِيُّ إذَا دَخَلَهَا ثُمَّ بَلَغَ، فَلَيْسَ عَلَيْهِمَا شَيْءٌ. وَالْفَرْقُ أَنَّ الْعَبْدَ مُخَاطَبٌ بِالْعِبَادَاتِ، فَكَذَلِكَ يُخَاطَبُ بِالْإِحْرَامِ عِنْدَ مُجَاوَزَةِ الْمِيقَاتِ، فَإِذَا لَمْ يَفْعَلْهُ لَزِمَهُ دَمٌ، وَالْعَبْدُ لَا يَمْلِكُ إرَاقَةَ الدَّمِ فِي حَالِ الرِّقِّ فَتَأَخَّرَ إلَى وَقْتِ الْعِتْقِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الصَّبِيُّ وَالْكَافِرُ؛ لِأَنَّهُمَا غَيْرُ مُخَاطَبَيْنِ بِالْعِبَادَاتِ، فَكَذَلِكَ فِي الْإِحْرَامِ، فَلَمْ يَصِيرَا جَانِيَيْنِ بِمُجَاوَزَةِ الْمِيقَاتِ، فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِمَا الدَّمُ.

стр. 79

إذَا أَحْرَمَ الصَّبِيُّ ثُمَّ بَلَغَ فَجَدَّدَ إحْرَامَهُ قَبْلَ أَنْ يَقِفَ بِعَرَفَةَ، يُجْزِئُهُ حِينَئِذٍ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ. وَالْعَبْدُ إذَا أَحْرَمَ ثُمَّ عَتَقَ فَجَدَّدَ الْإِحْرَامَ لَا يُجْزِئُ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ. وَالْفَرْقُ أَنَّا لَوْ مَنَعْنَا الصَّبِيَّ عَنْ الْفَسْخِ لَأَوْجَبْنَا عَلَيْهِ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى بِعَقْدِهِ، وَالصَّبِيُّ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى بِعَقْدِهِ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ بِحِنْثِهِ، فَجَازَ فَسْخُهُ، وَإِذَا صَحَّ فَسَخَهُ فَإِذَا أَحْرَمَ ابْتِدَاءً عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ وَقَعَ عَنْهُ، كَمَا لَوْ لَمْ يُحْرِمْ قَبْلَ الْبُلُوغِ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْعَبْدُ لِأَنَّا لَوْ مَنَعْنَاهُ عَنْ الْفَسْخِ لَأَوْجَبْنَا لِلَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ حَقًّا بِعَقْدِهِ، وَهَذَا جَائِزٌ، كَمَا لَوْ حَلَفَ وَحَنِثَ لَزِمَهُ الْكَفَّارَةُ، كَذَا هَذَا، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ فَسْخُ الْحَجِّ وَلَمْ يَتَجَدَّدْ بِإِحْرَامِهِ شَيْءٌ، فَبَقِيَ الْإِحْرَامُ الْأَوَّلُ، فَصَارَ كَمَا لَوْ لَمْ يَعْتِقْ. ١٠٠ - إذَا أَرْسَلَ كَلْبَهُ عَلَى صَيْدٍ فِي الْحِلِّ فَطَرَدَ الْكَلْبُ الصَّيْدَ حَتَّى قَتَلَهُ فِي الْحَرَمِ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ جَزَاؤُهُ، وَلَوْ رَمَى فِي الْحِلِّ إلَى صَيْدٍ فِي الْحِلِّ فَأَصَابَهُ فِي الْحَرَمِ فَقَتَلَهُ فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ.

стр. 80

وَالْفَرْقُ أَنَّ الرَّمْيَ فِعْلُ مُبَاشَرَةٍ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَتَّصِلُ قُوتُهُ بِهِ فَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ قُوتِهِ، وَلَوْ رَمَى إنْسَانًا فَمَاتَ، وَجَبَ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ، فَصَارَ كَمَا لَوْ بَاشَرَ الْقَتْلَ بِيَدِهِ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا أَرْسَلَ الْكَلْبَ؛ لِأَنَّ فِعْلَ الْكَلْبِ لَيْسَ بِفِعْلِ مُبَاشَرَةٍ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ أَرْسَلَ كَلْبَهُ عَلَى إنْسَانٍ فَقَتَلَهُ لَا يُجْعَلُ كَالْقَاتِلِ بِيَدِهِ حَتَّى يَجِبَ الْقِصَاصُ، وَلَا يَتَّصِلُ قُوتُهُ، وَإِنَّمَا هُوَ سَبَبٌ فِيهِ، فَإِذَا كَانَ مُتَعَدِّيًا فِي ذَلِكَ السَّبَبِ وَجَبَ الضَّمَانُ، وَإِلَّا فَلَا، كَمَا لَوْ حَفَرَ بِئْرًا، فَإِنْ كَانَ مُتَعَدِّيًا فِي الْحَفْرِ ضَمِنَ، وَإِلَّا فَلَا، كَذَا هَذَا.

стр. 81

[كِتَابُ النِّكَاحِ] ١٠١ - قَالُوا فِي الَّتِي لَهَا الْخِيَارُ فِي الْبُلُوغِ: إذَا اخْتَارَتْ الْفُرْقَةَ عِنْدَ الْإِدْرَاكِ لَمْ تَقَعْ الْفُرْقَةُ إلَّا بِقَضَاءِ قَاضٍ. وَالْمُخَيَّرَةُ، وَالْمُعْتَقَةُ، وَهِيَ تَحْتَ زَوْجٍ، مَتَى اخْتَارَتْ نَفْسَهَا فِي غَيْرِ مَجْلِسِ الْقَاضِي، وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا. وَالْفَرْقُ أَنَّ خِيَارَ الْبُلُوغِ لَيْسَ بِخِيَارِ تَمْلِيكٍ، لِأَنَّهَا لَا تَمْلِكُ بَعْدَ الْبُلُوغِ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ مِنْ قَبْلُ، بِدَلِيلِ أَنَّ هَذَا الْخِيَارَ لَا يَتَوَقَّتُ بِالْمَجْلِسِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِخِيَارِ تَمْلِيكٍ، وَإِنَّمَا هُوَ خِيَارٌ؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ لِنَقْصٍ فِي وِلَايَةِ الْعَاقِدِ بَعْدَ تَمَامِ الْعَقْدِ، وَالْخِيَارُ إذَا ثَبَتَ لِنَقْصٍ بَعْدَ تَمَامِ الْعَقْدِ اخْتَصَّ بِمَجْلِسِ الْقَاضِي أَوْ بِالرِّضَا، كَالْمَبِيعِ إذَا وُجِدَ فِيهِ عَيْبٌ بَعْدَ الْقَبْضِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ خِيَارُ الْمُخَيَّرَةِ وَالْمُعْتَقَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْخِيَارَ إنَّمَا هُوَ خِيَارُ تَمْلِيكٍ لَا خِيَارَ نَقْصٍ؛ لِأَنَّ مِلْكَ الْمَوْلَى وَوِلَايَتَهُ كَانَ تَامًّا وَقْتَ الْعَقْدِ، وَهِيَ تُمْلَكُ بَعْدَ الْعَقْدِ مَا لَمْ تَكُنْ مَالِكَةً لَهُ قَبْلَ ذَلِكَ، وَهُوَ بَدَلُ بُضْعِهَا، وَبِدَلِيلِ أَنَّهُ يَخْتَصُّ بِالْمَجْلِسِ، وَخِيَارُ التَّمْلِيكِ لَا يَخْتَصُّ بِقَضَاءِ الْقَاضِي، كَخِيَارِ الْقَبُولِ.

стр. 82

وَإِنْ زُوِّجَتْ الْبِكْرُ وَهِيَ صَغِيرَةٌ فَبَلَغَتْ فَمَضَى بَعْدَ الْعِلْمِ شَيْءٌ قَبْلَ أَنْ تَخْتَارَ لَمْ يَكُنْ لَهَا الْخِيَارُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَلَا يَمْتَدُّ خِيَارُ الْبُلُوغِ مِقْدَارَ الْمَجْلِسِ، وَخِيَارُ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ يَخْتَصُّ بِالْمَجْلِسِ، وَلَا يَبْطُلُ بِمُضِيِّ جُزْءٍ مِنْ الْمَجْلِسِ، إذَا لَمْ يَبْطُلْ خِيَارُهُ بِمَعْنًى مِنْ الْمَعَانِي. وَالْفَرْقُ أَنَّهَا إذَا كَانَتْ بِكْرًا فَبَلَغَتْ فَسَكَتَتْ فِي الْمَجْلِسِ، فَسُكُوتُهَا رِضًا مِنْهَا فِي الشَّرْعِ، بِدَلِيلِ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﵇ أَنَّهُ قَالَ: «صَمْتُهَا إقْرَارُهَا» وَرُوِيَ «إذْنُهَا صُمَاتُهَا» . وَأَمَّا فِي الطَّلَاقِ فَلَمْ يُجْعَلْ سُكُوتُهَا بِمَنْزِلَةِ الرِّضَا، فَوُقِفَ عَلَى وُجُودِ مَا يُوجِبُ بُطْلَانَهَا مِنْ جِهَتِهَا فِي الْمَجْلِسِ، وَمُفَارَقَةُ الْمَجْلِسِ كَخِيَارِ الْقَبُولِ. ١٠٣ - وَلَوْ قَالَ الْوَلِيُّ لِلْبِكْرِ: إنِّي أُرِيدُ أَنْ أُزَوِّجَكِ فُلَانًا، فَقَالَتْ: غَيْرُهُ أَوْلَى مِنْهُ، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إذْنًا، وَلَوْ زَوَّجَهَا ثُمَّ أَخْبَرَهَا، فَقَالَتْ: قَدْ كَانَ غَيْرُهُ أَوْلَى مِنْهُ، كَانَ إجَازَةً

стр. 83

وَالْفَرْقُ أَنَّهُ إذَا اسْتَأْمَرَهَا فِي الِابْتِدَاءِ، فَقَدْ أَخْبَرَتْ أَنَّ مِنْ رَأْيِهَا غَيْرَ ذَلِكَ الْعَقْدِ، فَلَمْ تَصِرْ رَاضِيَةً بِذَلِكَ الْعَقْدِ، فَلَا يَنْعَقِدُ عَلَيْهَا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا عَقَدَ؛ لِأَنَّهَا أَخْبَرَتْ أَنَّ مِنْ رَأْيِهَا غَيْرَ ذَلِكَ الْعَقْدِ، وَسَكَتَتْ عَنْ رَدِّ هَذَا الْعَقْدِ مَعَ انْعِقَادِهِ، فَنَفَذَ عَلَيْهَا. ١٠٤ - إذَا كَتَبَ الرَّجُلُ إلَى الْمَرْأَةِ بِأَنْ زَوِّجِينِي نَفْسَكِ، فَقَرَأَتْ الْكِتَابَ بَيْنَ يَدَيْ الشُّهُودِ وَأَعْلَمَتْهُمْ بِمَا فِي الْكِتَابِ، وَقَالَتْ: زَوَّجْتُ نَفْسِي مِنْهُ؛ جَازَ، وَلَوْ لَمْ تُعْلِمْهُمْ مَا فِي الْكِتَابِ لَمْ يَجُزْ. وَفِي الْبَيْعِ لَوْ كَتَبَ إلَى آخَرَ: بِأَنْ بِعْنِي عَبْدَكَ، فَلَمْ يُعْلِمْهُمْ مَا فِي الْكِتَابِ، جَازَ إذَا قَالَ بِعْتُهُ مِنْكَ. وَالْفَرْقُ أَنَّ كِتَابَهُ يُعَبِّرُ عَنْهُ فَصَارَ كَحُضُورِهِ، وَلَوْ كَانَ حَاضِرًا فَقَالَتْ: زَوَّجْتُ وَلَمْ يَسْمَعْ الشُّهُودُ كَلَامَهُمَا لَمْ يَجُزْ، لِأَنَّ النِّكَاحَ لَا يَصِحُّ إلَّا بِشُهُودٍ، وَلَوْ قَالَ بِعْتُ وَلَمْ يَسْمَعْ الشُّهُودُ كَلَامَهُمَا جَازَ؛ إذْ الْبَيْعُ يَجُوزُ مِنْ غَيْرِ شُهُودٍ، وَكَذَلِكَ هَذَا. ١٠٥ - قَالَ فِي الْأَصْلِ: لَوْ كَتَبَ إلَيْهِ: بِعْنِي عَبْدَكَ، فَقَالَ: اشْهَدُوا أَنِّي قَدْ بِعْتُهُ كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا، وَلَمْ يُشْتَرَطْ قَبُولُهُ

стр. 84

وَلَوْ كَانَ حَاضِرًا فَقَالَ: بِعْنِي عَبْدَكَ، فَقَالَ: بِعْتُهُ؛ لَمْ يَجُزْ حَتَّى يَقُولَ: قَبِلْتُ. وَالْفَرْقُ أَنَّ قَوْلَهُ: بِعْنِي طَلَبٌ لِلْبَيْعِ، وَالْعَادَةُ جَرَتْ أَنَّ الْإِنْسَانَ يُسَاوِمُ الشَّيْءَ، لِيَتَرَوَّى فِيهِ، وَيَنْظُرَ إذَا كَانَ الْمُشْتَرِي حَاضِرًا فِي الْمَجْلِسِ، وَالشَّرْعُ وَرَدَ بِهِ قَالَ النَّبِيُّ ﵇: «الْمُتَبَايِعَانِ بِالْخِيَارِ مَا دَامَا فِي الْمَجْلِسِ» ، وَقَدْ دَلَّنَا أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْمُسَاوِمَانِ فَإِذَا قَالَ: بِعْتُ صَارَ الْمَوْجُودُ أَحَدَ شِقَّيْ الْعَقْدِ، فَمَا لَمْ يَقُلْ قَبِلْتُ لَا يَصِيرُ عَقْدًا. وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا كَتَبَ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ جَرَتْ بِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يُسَاوِمُ بِالْكِتَابِ، وَإِنَّمَا يَتَرَوَّى وَيَتَأَمَّلُ وَيَتَدَبَّرُ فِيهِ ثُمَّ يَشْتَرِي، كَمَا أَنْ الْعَادَةَ جَرَتْ بِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يُسَاوِمُ فِي النِّكَاحِ، وَإِنَّمَا يَتَرَوَّى وَيَتَفَكَّرُ وَيَتَدَبَّرُ ثُمَّ يَخْطُبُ، فَلَمْ يُجْعَلْ قَوْلُهُ طَلَبًا لِلْعَقْدِ، وَإِنَّمَا جُعِلَ شِقًّا لَهُ، فَإِذَا قَالَ: بِعْتُ؛ تَمَّ الْعَقْدُ وَجَازَ، كَمَا لَوْ قَالَ: زَوِّجِينِي، فَقَالَتْ: زَوَّجْتُ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ وَإِنْ لَمْ يَقُلْ: قَبِلْتُ، كَذَلِكَ هَذَا، فَجُعِلَ الْكِتَابُ فِي الْبَيْعِ كَالْخِطَابِ فِي النِّكَاحِ لِلْمَعْنَى الَّذِي أَشَرْنَا إلَيْهِ.

стр. 85

سُكُوتُ الْبِكْرِ يَكُونُ رِضًا بِالْعَقْدِ. وَسُكُوتُ الْغُلَامِ الْبِكْرِ وَالْمَرْأَةِ الثَّيِّبِ لَا يَكُونُ رِضًا بِالْعَقْدِ. وَالْفَرْقُ أَنَّ الشَّرْعَ جَعَلَ سُكُوتَ الْبِكْرِ رِضًا لِأَجْلِ الْحَيَاءِ بِقَوْلِهِ ﵇: «سُكُوتُهَا رِضَاهَا وَصَمْتُهَا إقْرَارُهَا» لِأَنَّهَا تَسْتَحِي، وَالْبِكْرُ تَسْتَحِي مِنْ الْمُشَاوِرَةِ فِي أَمْرِ بُضْعِهَا، فَجُعِلَ سُكُوتُهَا رِضَاهَا. وَلَا تَسْتَحِي الثَّيِّبُ مِنْ الْمَشُورَةِ وَلَا الْغُلَامُ، فَلَمْ يُجْعَلْ سُكُوتُهُمَا رِضًا، وَلَا يُقْتَصَرُ عَلَى سُكُوتِهِمَا لِعَدَمِ الْعِلَّةِ. ١٠٧ - إذَا كَانَ أَبُو الْبِكْرِ كَافِرًا أَوْ عَبْدًا فَزَوَّجَهَا، وَسَكَتَتْ وَهِيَ مُسْلِمَةٌ، لَا يَكُونُ سُكُوتُهَا رِضَاهَا. وَلَوْ كَانَ حُرًّا مُسْلِمًا كَانَ سُكُوتُهَا رِضًا. وَالْفَرْقُ أَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لِلْأَبِ الْكَافِرِ وَالْعَبْدِ، فَلَوْ نَفَّذْنَا عَقْدَهُ عِنْدَ سُكُوتِهَا لَكَانَتْ وَكَالَةً، وَالتَّوْكِيلُ لَا يَنْعَقِدُ بِالسُّكُوتِ، كَمَا لَوْ زَوَّجَهَا أَجْنَبِيٌّ فَسَكَتَتْ، وَأَمَّا الْأَبُ الْمُسْلِمُ فَلَهُ وِلَايَةٌ عَلَيْهَا وَالتَّزْوِيجُ حَقٌّ لَهَا عَلَيْهِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ عَضَلَهَا أُجْبِرَ عَلَيْهِ، وَإِذَا أَوْفَاهَا حَقَّهَا الَّذِي لَهَا عَلَيْهِ فَسَكَتَتْ كَانَتْ رَاضِيَةً بِهِ، كَمَا لَوْ كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ آخَرَ دَيْنٌ فَأَوْفَاهُ، وَسَكَتَ وَتَنَاوَلَ صَارَ

стр. 86

قَابِضًا، كَذَا هَذَا. ١٠٨ - إذَا قَالَتْ الصَّغِيرَةُ بَعْدَ الْبُلُوغِ: قَدْ كُنْتُ اخْتَرْتُ نَفْسِي حِينَ بَلَغْتُ، لَمْ تُصَدَّقْ إلَّا بِبَيِّنَةٍ وَزَوْجُ الْبِكْرِ إذَا قَالَ: قَدْ رَضِيتُ، وَقَالَتْ هِيَ: لَمْ أَرْضَ، فَإِنَّهَا تُصَدَّقُ. وَالْفَرْقُ أَنَّ الْعَقْدَ عَلَى الْبِكْرِ لَا يَصِحُّ إلَّا بِرِضَاهَا، فَإِذَا قَالَتْ: لَمْ أَرْضَ، فَهُوَ يَدَّعِي عَلَيْهَا الرِّضَا وَهِيَ تُنْكِرُ، وَالْقَوْلُ قَوْلُهَا، كَمَا لَوْ ادَّعَى عَلَيْهَا بَيْعَ شَيْءٍ مِنْ مَالِهَا، وَهِيَ تُنْكِرُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الصَّغِيرَةُ إذَا بَلَغَتْ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ قَدْ نَفَذَ عَلَيْهَا، وَالظَّاهِرُ بَقَاءُ الْعَقْدِ، فَهِيَ تَدَّعِي الْفَسْخَ خِلَافَ الظَّاهِرِ، فَلَمْ تُصَدَّقْ، وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ. ١٠٩ - إذَا انْتَسَبَتْ الْمَرْأَةُ إلَى قَبِيلَةٍ، فَوَجَدَهَا الزَّوْجُ دُونَهَا، لَيْسَ لَهُ الْخِيَارُ فِي فَسْخِ الْعَقْدِ، وَالزَّوْجُ إذَا انْتَسَبَ إلَى قَبِيلَةٍ فَوَجَدَتْهُ دُونَهَا، فَلَهَا الْخِيَارُ. وَالْفَرْقُ أَنَّ نَسَبَ الزَّوْجِ مَقْصُودٌ وَمَرْغُوبٌ بِعَقْدِ النِّكَاحِ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ يَنْتَمِي إلَيْهِ، فَإِذَا كَانَ دَنِيًّا لَحِقَتْهُ الْغَضَاضَةُ وَقَدْ فَوَّتَ عَلَيْهَا غَرَضَهَا وَمَقْصُودَهَا، فَثَبَتَ لَهَا الْخِيَارُ، كَمَا لَوْ وَجَدَتْهُ عِنِّينًا.

стр. 87

وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَإِنَّ نَسَبَهَا غَيْرُ مَقْصُودٍ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْوَلَدَ لَا يُنْسَبُ إلَيْهَا، وَلَا يُعَيَّرُ الرَّجُلُ بِكَوْنِ امْرَأَتِهِ دُونَهُ فِي النَّسَبِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ لِأَوْلِيَائِهِ الِاعْتِرَاضُ عَلَيْهِ، وَلَمْ تُفَوِّتْ مَقْصُودَهُ، فَلَا يَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ. أَوْ تَقُولُ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مَقْصُودًا فَفَوَّتَهُ عَيْبًا بِهَا، وَوُجُودُ الْعَيْبِ بِالْمَنْكُوحَةِ لَا يُوجِبُ الْخِيَارَ، كَمَا لَوْ وَجَدَهَا شَوْهَاءَ أَوْ قَرْنَاءَ أَوْ عَفْلَاءَ. ١١٠ - حَرْبِيَّةٌ كِتَابِيَّةٌ زَوَّجَتْ نَفْسَهَا مِنْ رَجُلٍ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، صَارَتْ ذِمِّيَّةً. وَالْحَرْبِيُّ إذَا تَزَوَّجَ ذِمِّيَّةً فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، لَا يَصِيرُ ذِمِّيًّا. وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمَرْأَةَ فِي قَهْرِهِ وَتَحْتَ حُكْمِهِ وَلَزِمَهَا الْمَقَامُ حَيْثُ هُوَ وَهُوَ مِنْ

стр. 88

أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ، فَقَدْ الْتَزَمَتْ الْمُكْثَ مَعَهُ فِي دَارِنَا إلَى غَايَةٍ، فَصَارَتْ ذِمِّيَّةً. وَلَيْسَ كَذَلِكَ الرَّجُلُ، لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْمُكْثُ حَيْثُ تَكُونُ الْمَرْأَةُ، وَلَا هُوَ تَحْتَ قَهْرِهَا، فَلَمْ يَلْتَزِمْ الْمُكْثَ فِي دَارِنَا إلَى غَايَةٍ؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا وَيَذْهَبَ حَيْثُ شَاءَ وَكَذَلِكَ لَوْ لَمْ يُطَلِّقْهَا، فَصَارَ كَمَا لَوْ لَمْ يَتَزَوَّجْ وَلَوْ لَمْ يَتَزَوَّجْ لَا يَصِيرُ ذِمِّيًّا، كَذَا هَذَا. ١١١ - لَيْسَ فِي الْمَهْرِ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ، بِخِلَافِ الْمَبِيعِ. الْفَرْقُ: لِأَنَّهُ لَا يُسْتَدْرَكُ بِالرَّدِّ، بِدَلَالَةِ أَنَّهُ عِنْدَ الرَّدِّ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِالْقِيمَةِ، وَالْعَيْنُ أَعْدَلُ مِنْ الْقِيمَةِ، فَلَمْ يُسْتَدْرَكْ بِالرَّدِّ بَدَلًا، فَلَا يَكُونُ لَهُ الرَّدُّ. وَأَمَّا فِي الْمَبِيعِ فَإِنَّهُ يُسْتَدْرَكُ بِالرَّدِّ بَدَلًا لِأَنَّهُ يَرْجِعُ بِالثَّمَنِ، فَكَانَ فِي الرَّدِّ فَائِدَةٌ فَجَازَ أَنْ يُرَدَّ. ١١٢ - إذَا أَصَابَ الْمَهْرَ عَيْبٌ فِي يَدَيْ الزَّوْجِ بِفِعْلِهِ، ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ

стр. 89

الدُّخُولِ، فَلَهَا الْخِيَارُ، إنْ شَاءَتْ أَخَذَتْ نِصْفَهُ نَاقِصًا وَضَمَّنَتْهُ النُّقْصَانَ وَإِنْ شَاءَتْ تَرَكَتْهُ وَضَمَّنَتْهُ نِصْفَ الْقِيمَةِ. وَلَوْ أَصَابَ الْمَهْرَ عَيْبٌ فِي يَدِ الْمَرْأَةِ بِفِعْلِهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ نِصْفَهُ نَاقِصًا وَلَمْ يُضَمِّنْهَا النُّقْصَانَ، وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَهَا نِصْفَ الْقِيمَةِ وَتَرَكَ فِي يَدِهَا. وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمَرْأَةَ مَلَكَتْ الْمَهْرَ فِي يَدِ الزَّوْجِ، فَإِذَا جَنَى فَقَدْ جَنَى عَلَى مِلْكِهَا، وَهُوَ مَضْمُونٌ فِي يَدِهِ ضَمَانَ عَقْدٍ، وَالْأَوْصَافُ فِيمَا هُوَ مَضْمُونٌ ضَمَانَ عَقْدٍ يُضْمَنُ بِالْإِتْلَافِ وَالْجِنَايَةِ وَإِنْ لَمْ يُضْمَنْ بِالتَّلَفِ، كَالْمَبِيعِ إذَا جَنَى عَلَيْهِ الْبَائِعُ قَبْلَ التَّسْلِيمِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا جَنَتْ الْمَرْأَةُ؛ لِأَنَّهَا مَلَكَتْ الْمَهْرَ بِالْعَقْدِ وَتَمَّ مِلْكُهَا بِالْقَبْضِ، فَإِذَا جَنَتْ عَلَيْهِ قَبْلَ الطَّلَاقِ فَهَذِهِ جِنَايَةٌ مِنْهَا عَلَى مِلْكِهَا، وَجِنَايَتُهَا عَلَى مِلْكِهَا هَدَرٌ، فَصَارَ كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ، وَكَذَلِكَ بَعْدَ الطَّلَاقِ قَبْلَ الرَّدِّ مِلْكُهَا بَاقٍ فِي الْمَهْرِ، بِدَلِيلِ أَنَّهَا لَوْ أَعَتَقَتْهُ نَفَذَ عِتْقُهَا، وَالزَّوْجُ لَوْ أَعْتَقَهُ لَمْ يَنْفُذْ، فَصَادَفَتْ جِنَايَتُهَا مِلْكَهَا فَكَانَتْ هَدَرًا، وَصَارَ كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ أَوْ فَاتَ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ. ١١٣ - إذَا قَبَضَتْ الْمَهْرَ ثُمَّ طَلَّقَهَا وَالْمَهْرُ فِي يَدِهَا، فَأَعْتَقَ الزَّوْجُ نِصْفَ الْمَهْرِ لَمْ يُعْتَقْ، وَلَوْ كَانَ فِي يَدِ الزَّوْجِ، فَإِذَا طَلَّقَهَا ثُمَّ أَعْتَقَهَا نَفَذَ

стр. 90

وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمِلْكَ لِلْمَرْأَةِ، وَالطَّلَاقُ قَبْلَ الدُّخُولِ يُفْسِدُ مِلْكَهَا فِيهِ، وَلَا يُفْسَخُ الْعَقْدُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ فُسِخَ الْعَقْدُ لَوَجَبَ أَنْ يَعُودَ جَمِيعُهُ إلَيْهِ - كَالْبَيْعِ إذَا فُسِخَ - فَلَمَّا لَمْ يَعُدْ دَلَّ عَلَى أَنَّ الطَّلَاقَ يُفْسِدُ مِلْكَهَا، وَلِأَنَّ مِلْكَهَا تَامٌّ قَبْلَ الطَّلَاقِ، وَالْمِلْكُ التَّامُّ لَا يُفْسَخُ إلَّا بِقَضَاءٍ أَوْ بِرِضًا، كَالْمَبِيعِ إذَا وَجَدَهُ الْمُشْتَرِي مَعِيبًا فَبَقِيَ مِلْكُهُ فِيهِ، إلَّا أَنَّهُ فَسَدَ، بِدَلِيلِ أَنَّ الزَّوْجَ يَقْدِرُ عَلَى ارْتِجَاعِهِ بِغَيْرِ رِضَاهَا، فَصَارَ نِصْفُهُ فِي يَدِهَا عَلَى مِلْكٍ فَاسِدٍ، فَصَارَ كَالْمُشْتَرَى شِرَاءً فَاسِدًا، فَإِذَا أَعْتَقَتْ نَفَّذْنَا عِتْقَهَا فِيهِ، وَإِنْ كَانَ فِي يَدِ الزَّوْجِ فَالْمِلْكُ لَهَا، وَبِالطَّلَاقِ فَسَدَ مِلْكُهَا فَزَالَتْ يَدُهَا فَصَارَ كَالْمُشْتَرَى شِرَاءً فَاسِدًا، إذَا حَصَلَ فِي يَدِ الْبَائِعِ زَالَ مِلْكُ الْمُشْتَرِي، كَذَلِكَ هَذَا، فَقَدْ أَعْتَقَ مَا لَا يَمْلِكُ فَلَمْ يَجُزْ. ١١٤ - إذَا قَالَ: تَزَوَّجْتُكِ عَلَى هَذِهِ الدَّارِ عَلَى أَنْ أَشْتَرِيَهَا فَأُسَلِّمَهَا لَكِ كَانَ لَهَا أَنْ تَأْخُذَهُ بِهَا حَتَّى يُسَلِّمَهَا لَهَا فَإِذَا اشْتَرَاهَا أُجْبِرَ عَلَى تَسْلِيمِهَا إلَيْهَا. وَبِمِثْلِهِ لَوْ بَاعَ دَارَ الْغَيْرِ بِشَرْطِ أَنْ يَشْتَرِيَهَا فَيُسَلِّمَهَا لَهُ فَمَلَكَهَا لَا يُجْبَرُ عَلَى تَسْلِيمِهَا إلَيْهِ. وَالْفَرْقُ أَنَّ هَذَا نِكَاحٌ وَشَرْطٌ، وَقَالَ النَّبِيُّ ﵇ «إنَّ أَحَقَّ مَا أَوْفَيْتُمْ بِهِ مِنْ الشُّرُوطِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ» وَهَذَا الشَّرْطُ قَدْ اسْتَحَلَّ بِهِ

стр. 91

الْفَرْجَ، فَلَزِمَهُ الْوَفَاءُ بِهِ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ وَشَرْطٌ، وَالنَّبِيُّ ﵇ نَهَى عَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ. وَجْهٌ آخَرُ: أَنَّ مُوجَبَ التَّسْلِيمِ فِي بَابِ النِّكَاحِ يَبْقَى مَعَ اسْتِحْقَاقِهِ وَفَوْتِ التَّسْلِيمِ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْمُوجِبَ لِتَسْلِيمِهِ عَقْدُ النِّكَاحِ، وَعَقْدُ النِّكَاحِ لَا يَبْطُلُ بِاسْتِحْقَاقِ الْمَهْرِ وَفَوْتِ التَّسْلِيمِ فِيهِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى عَبْدٍ فَمَاتَ لَزِمَهُ تَسْلِيمُ قِيمَتِهِ لِبَقَاءِ الْعَقْدِ فِيهِ، فَفَوْتُهُ لَمْ يَمْنَعُ بَقَاءَ الْعَقْدِ، وَوُجُوبُ

стр. 92

تَسْلِيمِهِ لَمْ يَمْنَعْ صِحَّةَ تَسْمِيَتِهِ، وَوُجُوبَ تَسْلِيمِهِ ابْتِدَاءً؛ فَصَحَّتْ التَّسْمِيَةُ فَإِنْ قَدَرَ عَلَى تَسْلِيمِهِ سَلَّمَ، وَإِلَّا غَرِمَ قِيمَتَهُ، كَمَا لَوْ هَلَكَ الْمَهْرُ فِي يَدِهِ. وَأَمَّا فِي الْبَيْعِ فَالْمُوجِبُ لِتَسْلِيمِهِ يَبْطُلُ بِاسْتِحْقَاقِهِ وَفَوْتِ التَّسْلِيمِ فِيهِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَبِيعَ إذَا هَلَكَ بَطَل الْعَقْدُ، وَإِذَا كَانَ فَوْتُ التَّسْلِيمِ مُوجِبًا بُطْلَانَ التَّسْلِيمِ فِيهِ مُنِعَ انْعِقَادُهُ، وَوَجَبَ تَسْلِيمُهُ ابْتِدَاءً، وَكَوْنُهُ مِلْكًا لِلْغَيْرِ يُفَوِّتُ التَّسْلِيمَ فِيهِ، فَمُنِعَ وُجُوبُ التَّسْلِيمِ ابْتِدَاءً فَلَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ. وَوَجْهٌ آخَرُ: أَنَّ فِي بَابِ الْمَهْرِ لَوْ لَمْ يَلْزَمْهُ تَسْلِيمُ الْعَيْنِ يَرْجِعُ إلَى قِيمَتِهِ، وَالْعَيْنُ أَعْدَلُ مِنْ الْقِيمَةِ، فَجَازَ أَنْ يُجْبَرَ عَلَى تَسْلِيمِهِ. وَفِي الْبَيْعِ لَوْ لَمْ يَلْزَمْهُ تَسْلِيمُهُ لَمْ يَرْجِعْ إلَى قِيمَتِهِ، فَإِذَا لَمْ يَلْزَمْهُ تَسْلِيمُ قِيمَتِهِ عِنْدَ فَوَاتِهِ لَمْ يُجْبَرْ عَلَى تَسْلِيمِهِ إذَا مَلَكَهُ، كَمَا لَوْ وَهَبَ لِإِنْسَانٍ شَيْئًا مَمْلُوكًا لِغَيْرِهِ ثُمَّ اشْتَرَاهُ مِنْهُ، لَا يُجْبَرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ إلَيْهِ، كَذَا هَذَا. ١١٥ - إذَا قَالَ: زَوِّجِينِي نَفْسَكِ، فَقَالَتْ بِحَضْرَةِ الشُّهُودِ: زَوَّجْتُ؛ انْعَقَدَ الْعَقْدُ وَإِنْ لَمْ يَقُلْ قَبِلْتُ. وَلَوْ قَالَ: بِعْنِي فَقَالَ: بِعْتُ، لَا يَنْعَقِدُ مَا لَمْ يَقُلْ قَبِلْتُ. وَالْفَرْقُ أَنَّ الْعَادَةَ جَرَتْ بِالْمُسَاوَمَةِ فِي الْبَيْعِ، فَجُعِلَ قَوْلُهُ بِعْنِي، طَلَبًا لِلْعَقْدِ وَسَوْمًا، فَإِذَا قَالَ: بِعْتُ، فَالْمَوْجُودُ أَحَدُ شِقَّيْ الْعَقْدِ، فَمَا لَمْ يَقُلْ: قَبِلْتُ، لَا يَنْعَقِدُ.

стр. 93

وَأَمَّا فِي النِّكَاحِ فَلَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِالْمُسَاوَمَةِ [فِيهِ] ، فَلَا يَخْطُبُ إلَّا بَعْدَ التَّرَوِّي وَالتَّفَكُّرِ وَإِنْفَاذِ الرُّسُلِ، فَلَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ زَوِّجِينِي مُسَاوَمَةً، فَصَارَ شِقًّا لِلْعَقْدِ، فَإِذَا قَالَتْ: زَوَّجْتُ، وُجِدَ الشِّقَّانِ فَتَمَّ الْعَقْدُ. وَجْهٌ آخَرُ: وَهُوَ أَنَّ قَوْلَهُ زَوِّجِينِي، طَلَبُ الْعَقْدِ، فَقَدْ أَمَرَهَا بِأَنْ تَعْقِدَ، وَالْوَاحِدُ مِمَّا يَتَفَرَّدُ بِشِقَّيْ الْعَقْدِ فِي النِّكَاحِ، فَإِذَا قَالَتْ: زَوَّجْتُ، صَارَ الْمَوْجُودُ عَقْدًا. وَفِي الْبَيْعِ قَوْلُهُ: بِعْنِي، طَلَبُ الْعَقْدِ، وَالْوَاحِدُ مِمَّا لَا يَنْفَرِدُ بِشِقَّيْ عَقْدِ الْبَيْعِ، فَصَارَ الْمَوْجُودُ أَحَدَ شِقَّيْ الْعَقْدِ، فَمَا لَمْ يَقُلْ: قَبِلْتُ، لَا يَنْعَقِدُ. ١١٦ - إذَا تَزَوَّجَ الْعَبْدُ بِغَيْرِ إذْنِ السَّيِّدِ، ثُمَّ بَاعَهُ الْمَوْلَى، فَأَجَازَ الْمُشْتَرِي النِّكَاحَ كَانَ جَائِزًا، وَلَوْ زَوَّجَتْ أَمَةٌ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إذْنِ الْمَوْلَى، ثُمَّ بَاعَهَا، ثُمَّ أَجَازَ الْمُشْتَرِي النِّكَاحَ لَمْ يَجُزْ. وَالْفَرْقُ أَنَّ عَقْدَ النِّكَاحِ لَا يَقَعُ عَلَى عَيْنِ الْعَبْدِ، بِدَلِيلِ أَنَّ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُخْرَى، وَلَوْ كَانَ مَعْقُودًا عَلَيْهِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَمْلِكَهُ غَيْرُهُ، فَهُوَ عَاقِدٌ، وَعَقْدُ الْبَيْعِ تَنَاوَلَ عَيْنَ الْعَبْدِ، فَلَمْ يَجُزْ تَمْلِيكٌ فِيمَا انْعَقَدَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ الْمَوْقُوفُ فَجَازَ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْأَمَةُ، لِأَنَّ عَقْدَ النِّكَاحِ تَنَاوَلَ عَيْنَ الْأَمَةِ، بِدَلِيلِ أَنَّهَا لَوْ تَزَوَّجَتْ مِنْ إنْسَانٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ تَتَزَوَّجَ بِآخَرَ، فَالْعَقْدُ وَقَعَ عَلَى عَيْنِ

стр. 94

بُضْعِهَا، وَالْمُشْتَرِي يَمْلِكُ، عَيْنَهَا بِالْعَقْدِ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَبِيحُ بُضْعَهَا فَقَدْ جَرَى تَمْلِيكٌ فِيمَنْ انْعَقَدَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ الْمَوْقُوفُ، فَبَطَلَ الْعَقْدُ الْمَوْقُوفُ، كَمَا لَوْ بَاعَ عَبْدًا مِنْ إنْسَانٍ لَا يَمْلِكُهُ، ثُمَّ اشْتَرَاهُ وَأَرَادَ أَنْ يُسَلِّمَهُ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ، كَذَلِكَ هَذَا. ١١٧ - عَبْدٌ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ اشْتَرَى شَيْئًا بِغَيْرِ إذْنِ الْمَوْلَى، ثُمَّ أَعْتَقَهُ الْمَوْلَى، لَمْ يَجُزْ الشِّرَاءُ. وَلَوْ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إذْنِ الْمَوْلَى، ثُمَّ أَعْتَقَهُ الْمَوْلَى، جَازَ النِّكَاحُ. وَالْفَرْقُ أَنَّ عَقْدَ النِّكَاحِ أَوْجَبَ الْحِلَّ لِلْعَبْدِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ بِإِذْنِ الْمَوْلَى لَحَصَلَ الْحِلُّ لَهُ، وَعَقْدُهُ كَانَ نَافِذًا فِي حَقِّهِ، وَإِنَّمَا امْتَنَعَ نَفَاذُهُ لِحَقِّ الْمَوْلَى، فَإِذَا أَعْتَقَهُ فَلَوْ نَفَّذْنَاهُ لَكَانَ تَقْرِيرًا لِمَا أَوْجَبَهُ الْعَقْدُ فَجَازَ، كَمَا لَوْ بَاعَ عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ، ثُمَّ أَسْقَطَ الْخِيَارَ، نَفَذَ، لِأَنَّهُ قَرَّرَ الْمِلْكَ الَّذِي أَوْجَبَهُ الْعَقْدُ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ الشِّرَاءُ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ أَوْجَبَ أَنْ يَكُونَ الْمِلْكُ لِلْمَوْلَى، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ بِإِذْنِ الْمَوْلَى وَقَعَ لَهُ، وَبَعْدَ الْعَقْدِ يَحْصُلُ الْمِلْكُ لِلْعَبْدِ، فَلَوْ نَفَّذْنَاهُ بِالْعِتْقِ لَكَانَ فِيهِ تَغْيِيرٌ لِمَا أَوْجَبَهُ الْعَقْدُ، وَنَقْلُ الْعَقْدِ عَمَّا أَوْجَبَ الْعَقْدُ لَا يَجُوزُ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى شَيْئًا لِنَفْسِهِ عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ، ثُمَّ وَكَّلَهُ آخَرُ بِأَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ، فَأَجَازَ الْعَقْدَ وَأَرَادَ أَنْ يَجْعَلَهُ لِغَيْرِهِ لَمْ يَجُزْ، كَذَا هَذَا. ١١٨ - أَمَةٌ زَوَّجَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهَا، فَبَاعَهَا، بَطَلَ النِّكَاحُ وَلَوْ أَعْتَقَهَا جَازَ النِّكَاحُ.

стр. 95

وَالْفَرْقُ أَنَّهُ بِالْعِتْقِ لَمْ يَمْلِكْ نَفْسَهَا، وَإِنَّمَا زَالَتْ وِلَايَةُ الْمَوْلَى عَنْهَا، كَالصَّغِيرَةِ إذَا بَلَغَتْ، وَإِذَا لَمْ يَمْلِكْ بُضْعَهَا، لَمْ يَجُزْ تَمْلِيكٌ فِيمَا انْعَقَدَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ الْمَوْقُوفُ، فَلَمْ يَبْطُلْ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا بَاعَهَا، لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ قَدْ مَلَكَهَا، فَقَدْ جَرَى التَّمْلِيكُ فِيمَا انْعَقَدَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ الْمَوْقُوفُ، فَلَمْ يَجُزْ. ١١٩ - إذَا زَوَّجَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إذْنِ الْمَوْلَى، ثُمَّ أَعْتَقَهَا فَلَا خِيَارَ لَهَا، وَجَازَ النِّكَاحُ. وَلَوْ زَوَّجَهَا الْمَوْلَى، ثُمَّ أُعْتِقَتْ، لَهَا الْخِيَارُ. وَالْفَرْقُ أَنَّ عَقْدَهَا عَلَى نَفْسِهَا بِغَيْرِ إذْنِ الْمَوْلَى لَمْ يَتِمَّ فِي حَالِ الرِّقِّ، وَإِنَّمَا تَمَّ الْعَقْدُ بَعْدَ الْعِتْقِ، فَلَمْ يَجْرِ عِتْقٌ عَلَيْهَا بَعْدَ صِحَّةِ النِّكَاحِ، وَإِنَّمَا نَفَذَ الْعَقْدُ فِي حَالِ الْعِتْقِ، فَلَا خِيَارَ لَهَا. وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا زَوَّجَهَا الْمَوْلَى؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ تَمَّ فِي حَالِ الرِّقِّ، فَهَذَا عِتْقٌ جَرَى فِي صِحَّةِ النِّكَاحِ، فَكَانَ لَهَا الْخِيَارُ، وَالْأَصْلُ فِيهِ خَبَرُ بَرِيرَةَ.

стр. 96

عَبْدٌ تَزَوَّجَ أَمَةً عَلَى رَقَبَتِهِ، فَأَجَازَ الْمَوْلَى، جَازَ. وَالْعَبْدُ إذَا تَزَوَّجَ حُرَّةً أَوْ مُكَاتَبَةً عَلَى رَقَبَتِهِ، فَأَجَازَ الْمَوْلَى النِّكَاحَ، لَمْ يَجُزْ. وَالْفَرْقُ أَنَّهُ اقْتَرَنَ بِالْعَقْدِ مَا يُوجِبُ بُطْلَانَهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَجَازَ النِّكَاحَ صَارَتْ رَقَبَتُهُ مَهْرًا لَهَا، فَمَلَكَتْ الْمَرْأَةُ رَقَبَةَ زَوْجِهَا، فَبَطَلَ النِّكَاحُ. وَكَذَلِكَ الْمُكَاتَبَةُ ثَبَتَتْ لَهَا عِنْدَ الْإِجَازَةِ حَقُّ مِلْكٍ فِيهِ؛ لِأَنَّ لِلْمُكَاتَبَةِ حَقَّ الْمِلْكِ، وَحَقُّ الْمِلْكِ يَمْنَعُ مِنْ ابْتِدَاءِ النِّكَاحِ، كَالْعِدَّةِ، فَقَدْ اقْتَرَنَ بِالْعَقْدِ مَا يُوجِبُ بُطْلَانَهُ، فَصِرْنَا مِنْ حَيْثُ نُجَوِّزُ الْعَقْدَ نُبْطِلُهُ، فَلَا يَجُوزُ. وَأَمَّا فِي الْأَمَةِ فَلَمْ يَقْتَرِنْ بِالْعَقْدِ مَا يُوجِبُ بُطْلَانَهُ، لِأَنَّهُ إذَا أَجَازَ الْعَقْدَ صَارَتْ رَقَبَتُهُ مِلْكًا لِمَوْلَى الْأَمَةِ، فَلَا يَفْسُدُ النِّكَاحُ، فَلَمْ يَقْتَرِنْ بِالْعَقْدِ مَا يُوجِبُ بُطْلَانَهُ، فَمِنْ حَيْثُ نُجَوِّزُهُ لَا نُبْطِلُهُ فَجَوَّزْنَاهُ. ١٢١ - لِلرَّجُلِ أَنْ يُزَوِّجَ أَمَةَ ابْنِهِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُزَوِّجَ عَبْدَ ابْنِهِ. وَالْفَرْقُ أَنَّ فِي الْعَبْدِ يَلْزَمُهُ ضَمَانٌ وَهُوَ الْمَهْرُ مِنْ غَيْرِ بَدَلٍ يَدْخُلُ فِي مِلْكِ الِابْنِ، فَلَمْ يَجُزْ، كَمَا لَوْ تَبَرَّعَ بِشَيْءٍ مِنْ أَمْوَالِهِ.

стр. 97

وَأَمَّا فِي الْأَمَةِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ ضَمَانٌ، وَهُوَ التَّسْلِيمُ بِبَدَلٍ يَثْبُتُ حَقُّ الِابْنِ فِيهِ، فَجَازَ، كَمَا لَوْ بَاعَ مَالَهُ. ١٢٢ - إذَا أَذِنَ لِعَبْدِهِ بِأَنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأَةً، فَتَزَوَّجَ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ، لَا يَجُوزُ. وَلَوْ أَذِنَ لَهُ فِي أَنْ يَشْتَرِيَ عَبْدًا، فَلَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ عَبِيدًا، وَيَصِيرُ مَأْذُونًا فِي جَمِيعِ التِّجَارَاتِ. وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمَأْذُونَ يَتَصَرَّفُ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ بِفَكِّ الْحَجْرِ، وَقَدْ فُكَّ الْحَجْرُ فِي نَوْعٍ مِنْ التِّجَارَةِ فَعَمَّ جَمِيعَ الْأَنْوَاعِ، لِأَنَّ فَكَّ الْحَجْرِ لَا يَخْتَصُّ بِنَوْعٍ، كَفَكِّ الْحَجْرِ بِالْبُلُوغِ. وَأَمَّا فِي النِّكَاحِ فَلَيْسَ يَتَصَرَّفُ بِفَكِّ الْحَجْرِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَجُوزُ مَعَ بَقَاءِ الْحَجْرِ؛ لِأَنَّ الْمَحْجُورَ عَلَيْهِ لِلْبَيْعِ إذَا تَزَوَّجَ جَازَ، وَكَذَلِكَ الْمَرِيضُ، فَصَارَ تَصَرُّفُهُ بِالْأَمْرِ، وَالْأَمْرُ لَا يَقْتَضِي التَّكْرَارَ، فَلَا يَعْدُو مَا أُمِرَ بِهِ كَالْوَكِيلِ، وَلِأَنَّ تَزَوُّجَ جَمِيعِ النِّسَاءِ لَا يَجُوزُ، فَصَارَ قَوْلُهُ: تَزَوَّجْ لَفْظَ عُمُومٍ لَا إطْلَاقٍ وَالْمُرَادُ بِهِ الْخُصُوصُ، فَانْصَرَفَ إلَى أَخَصِّ الْخُصُوصِ، وَأَخُصُّهُ الْوَاحِدَةُ.

стр. 98

وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْبَيْعُ، لِأَنَّ شِرَاءَ الْعَبِيدِ الْكَثِيرَةِ بِالْعَقْدِ يَجُوزُ، فَصَارَ هَذَا لَفْظَ إطْلَاقٍ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ الْخُصُوصَ، فَلَا يَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى الْوَاحِدِ. ١٢٣ - إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ وَهِيَ مَعْرُوفَةُ النَّسَبِ: هَذِهِ ابْنَتِي، وَأَصَرَّ عَلَى ذَلِكَ، لَا تَقَعُ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا. وَلَوْ لَمْ تَكُنْ مَعْرُوفَةَ النَّسَبِ وَأَصَرَّ عَلَى ذَلِكَ، وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ. وَالْفَرْقُ أَنَّ قَوْلَهُ: هَذِهِ ابْنَتِي، لَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي إيقَاعِ التَّحْرِيمِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ، وَإِنَّمَا هُوَ جَحْدٌ لِلْعَقْدِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْعَقْدُ عَلَى ابْنَتِهِ، فَصَارَ كِنَايَةً عَنْ ارْتِفَاعِ الزَّوْجِيَّةِ، وَالْكِنَايَةُ لَا تَعْمَلُ إلَّا بِقَرِينَةٍ، فَإِذَا لَمْ تَكُنْ مَعْرُوفَةَ النَّسَبِ وَأَصَرَّ عَلَيْهِ، فَقَدْ وُجِدَتْ الْقَرِينَةُ، وَهِيَ الْإِصْرَارُ، وَلَمْ يُوجَدْ مَا يُكَذِّبُهُ فَوَقَعَتْ الْبَيْنُونَةُ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا كَانَتْ مَشْهُورَةَ النَّسَبِ؛ لِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ كِنَايَةٌ وَلَا يَعْمَلُ إلَّا بِقَرِينَةٍ، وَلَمْ تُوجَدْ الْقَرِينَةُ، لِأَنَّ الْقَرِينَةَ هَاهُنَا الْإِصْرَارُ، فَظَاهِرُ ثُبُوتِ نَسَبِهَا مِنْ الْغَيْرِ يُبْطِلُ الْإِصْرَارَ، فَصَارَ تَكْذِيبُ الظَّاهِرِ إيَّاهُ كَتَكْذِيبِهِ نَفْسَهُ، وَلَوْ قَالَ: كَذَبْتُ، فَإِنَّهُ لَا يَقَعُ التَّحْرِيمُ، كَذَلِكَ هَذَا.

стр. 99

إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ: هِيَ أُخْتِي أَوْ ابْنَتِي، وَهِيَ غَيْرُ مَشْهُورَةِ النَّسَبِ، ثُمَّ قَالَ: أَوْهَمْت؛ صُدِّقَ، وَلَا تَقَعُ الْفُرْقَةُ. وَإِنْ قَالَ لِأَمَتِهِ: هَذِهِ ابْنَتِي أَوْ أُخْتِي، ثُمَّ قَالَ: أَوْهَمْت، لَا يُصَدَّقُ عَلَى ذَلِكَ. وَالْفَرْقُ أَنَّ قَوْلَهُ لِامْرَأَتِهِ: هَذِهِ ابْنَتِي، جَحْدٌ لِلْعَقْدِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ عَلَى الِابْنَةِ لَا يَجُوزُ، وَجَحْدُ الْعَقْدِ لَا يَرْفَعُ الْعَقْدَ، فَبَقِيَ الْعَقْدُ بَيْنَهُمَا، وَإِنَّمَا هُوَ كِنَايَةٌ فِي التَّحْرِيمِ، فَإِذَا قَالَ: أُوهِمْتُ، لَمْ تُوجَدْ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى التَّحْرِيمِ، فَلَا يَقَعُ شَيْءٌ، كَمَا لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ. وَأَمَّا فِي الْأَمَةِ فَقَوْلُهُ: هَذِهِ ابْنَتِي، لَيْسَ بِجَحْدٍ لِلْعَقْدِ؛ لِأَنَّ كَوْنَهَا بِنْتًا لَهُ لَا يَمْنَعُ مِنْ جَوَازِ عَقْدِهِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ جَحْدًا لِلْعَقْدِ لِأَنَّ كَوْنَهَا أَمَةً لَهُ صَارَ مُتَصَرِّفًا فِيهِ وَالتَّصَرُّفُ فِي الْعَقْدِ بِمَا لَا يَجُوزُ بَقَاءُ الْعَقْدِ مَعَهُ أَوْجَبَ رَفْعَهُ، فَوَقَعَ الْعِتْقُ بِقَوْلِهِ، فَإِذَا قَالَ: أَوْهَمْتُ، بَعْدَ وُقُوعِ الْعِتْقِ، لَمْ يُصَدَّقْ. ١٢٥ - إذَا أَرْضَعَتْ الْمَرْأَةُ الْكَبِيرَةُ الصَّغِيرَةَ، وَتَعَمَّدَتْ الْفَسَادَ فَسَدَ النِّكَاحُ، وَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْكَبِيرَةِ بِنِصْفِ الصَّدَاقِ. وَلَوْ زُفَّتْ إلَيْهِ غَيْرُ امْرَأَتِهِ فَوَطِئَهَا فَغَرِمَ الْمَهْرَ، لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الَّذِي غَيَّرَهَا وَزَفَّهَا إلَيْهِ.

стр. 100

وَالْفَرْقُ أَنَّ الْكَبِيرَةَ تَعَمَّدَتْ فِي النَّسَبِ، وَأَدَّى ذَلِكَ إلَى إلْزَامِهِ نِصْفَ الْمَهْرِ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ تَرْتَدَّ الصَّغِيرَةُ بَعْدَ بُلُوغِهَا، فَيَفْسُدُ النِّكَاحُ بَيْنَهُمَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِرِدَّتِهَا فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، فَهِيَ لَمَّا أَرْضَعَتْهَا فَقَدْ قَرَّرَتْ هَذَا النِّصْفَ مِنْ الْمَهْرِ عَلَيْهِ فَغَرِمَتْ لَهُ ذَلِكَ النِّصْفَ، كَشَاهِدَيْ الطَّلَاقِ إذَا رَجَعَا قَبْلَ الدُّخُولِ. وَأَمَّا فِي الزِّفَافِ فَلَمْ يُتَعَمَّدْ إلْزَامُهُ الْمَهْرَ، لِأَنَّ الْمَهْرَ وَجَبَ بِالْوَطْءِ لَا بِالزِّفَافِ، وَهُوَ لَمْ يَتَعَمَّدْ فِي الْوَطْءِ، فَصَارَتْ الْجِنَايَةُ حَاصِلَةً مِنْ غَيْرِ فِعْلِهِ، فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ. أَوْ نَقُولُ إنْ كَانَ جَانِيًا فِي الزِّفَافِ وَالْوَطْءِ، إلَّا أَنَّهُ سَلَّمَ لِلْوَاطِئِ بَدَلَ مَا ضَمِنَ وَهُوَ الْوَطْءُ، فَلَا يَرْجِعُ بِمَا ضَمِنَ عَلَى غَيْرِهِ؛ لِأَنَّا لَوْ ضَمَّنَّاهُ لَأَدَّى إلَى أَنْ يُسَلِّمَ لَهُ بَدَلَ مَا ضَمِنَ مَرَّتَيْنِ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ. ١٢٦ - النَّاشِزَةُ بَعْدَ مَا قَبَضَتْ مَهْرَهَا لَا نَفَقَةَ لَهَا فِي مُدَّةِ النُّشُوزِ. وَلَوْ لَمْ تَقْبِضْ مَهْرَهَا فَمَنَعَتْ نَفْسَهَا، اسْتَحَقَّتْ النَّفَقَةَ. وَالْفَرْقُ أَنَّهَا قَدْ اسْتَوْفَتْ الْمَهْرَ، فَلَزِمَهَا تَسْلِيمُ النَّفْسِ، فَإِذَا نَشَزَتْ فَقَدْ تَعَدَّتْ فِي مَنْعِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فَمُنِعَ مَا بِإِزَائِهِ مِنْ الْبَدَلِ، كَالْمُشْتَرِي إذَا

стр. 101

امْتَنَعَ مِنْ تَسْلِيمِ الثَّمَنِ يُمْنَعُ مَا بِإِزَائِهِ مِنْ الْمَبِيعِ، كَذَا هَذَا. وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا لَمْ تَقْبِضْ الْمَهْرَ، لِأَنَّهَا لَمْ تَتَعَدَّ فِي الْمَنْعِ، وَالْمَنْعُ إذَا كَانَ بِحَقٍّ لَا يُوجِبُ سُقُوطَ النَّفَقَةِ، كَالْمَنْعِ لِأَجْلِ الْحَيْضِ. وَجْهٌ آخَرُ: أَنَّهُ عُدِمَ تَسْلِيمَ الْمُنْتَفَعِ بِالْعَقْدِ مِنْ النَّاشِزَةِ، فَلَا تَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ، كَمَا لَوْ كَانَتْ صَغِيرَةً. وَأَمَّا الْمَانِعَةُ لِأَجْلِ الْمَهْرِ فَلَا يُعْدَمُ التَّسْلِيمُ مِنْهَا؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ تَقُولُ: سَلِّمْ الْمَهْرَ لِأُسَلِّمَ الْبُضْعَ، وَالْعَجْزُ جَاءَ مِنْ قِبَلِهِ فِي الِاسْتِيفَاءِ، حَيْثُ عَجَزَ عَنْ تَسْلِيمِ الْمَهْرِ، فَصَارَ عَجْزُهُ عَنْ تَسْلِيمِ بَدَلِهِ كَعَجْزِهِ عَنْ اسْتِيفَائِهِ، وَلَوْ كَانَ عِنِّينًا أَوْ مَرِيضًا لَمْ تَسْقُطْ عَنْهُ النَّفَقَةُ، كَذَلِكَ هَذَا. ١٢٧ - إذَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَأَخْبَرَتْهُ امْرَأَتُهُ أَنَّهَا أَرْضَعَتْهُ، لَا يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُفَارِقَهَا. وَبِمِثْلِهِ لَوْ تَنَزَّهَ عَنْ تَزَوُّجِهَا فِي الِابْتِدَاءِ بِقَوْلِهَا فَهُوَ أَفْضَلُ. وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمِلْكَ قَدْ حَصَلَ فِي الظَّاهِرِ، فَلَا يَجُوزُ إبْطَالُهُ إلَّا بِمَا يَبْطُلُ بِهِ الْإِمْلَاكُ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى شَيْئًا فَجَاءَ آخَرُ وَادَّعَى أَنَّهُ لَهُ، يُسْتَحَبُّ لَهُ تَسْلِيمُهُ إلَيْهِ، وَلَا يُؤْمَرُ بِهِ، كَذَلِكَ هَاهُنَا. وَلَيْسَ كَذَلِكَ فِي الِابْتِدَاءِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ مِلْكٌ فِي الظَّاهِرِ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ صَادِقَةً فَلَا يَحْصُلُ، وَيَكُونُ الْوَطْءُ حَرَامًا، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ كَاذِبَةً

стр. 102

فَأَوْرَثَ قَوْلُهَا شُبْهَةً، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﵇: «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إلَى مَا لَا يَرِيبُكَ» ، فَهَاهُنَا يَرِيبُهُ الْقَوْلُ، فَيَجِبُ أَنْ يَدَعَهُ. ١٢٨ - إذَا أُعْتِقَتْ أُمُّ الْوَلَدِ فَلَا نَفَقَةَ لَهَا فِي الْعِدَّةِ. وَإِذَا طَلُقَتْ الْحُرَّةُ فَلَهَا النَّفَقَةُ. وَالْفَرْقُ أَنَّ عِدَّةَ أُمِّ الْوَلَدِ عِدَّةُ مَاءٍ، لَا عِدَّةُ فِرَاشٍ، بِدَلِيلِ أَنَّ لِلْمَوْلَى أَنْ يُزَوِّجَهَا مِنْ غَيْرِهِ مَتَى شَاءَ مِنْ غَيْرِ عِدَّةٍ، وَلِأَنَّهَا لَوْ وَجَبَتْ بِالْمَوْتِ كَانَتْ بِالْأَشْهُرِ، وَإِذَا كَانَتْ عِدَّةَ مَاءٍ صَارَ كَالنِّكَاحِ الْفَاسِدِ، وَالْعِدَّةُ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ لَا تُوجِبُ النَّفَقَةَ، كَذَلِكَ هَذَا. وَأَمَّا عِدَّةُ الْحُرَّةِ فَإِنَّهَا عِدَّةُ زَوَالِ الْمِلْكِ وَالْفِرَاشِ وَهُوَ مِنْ حُقُوقِ الْفِرَاشِ، فَصَارَ كَنَفْسِ الْفِرَاشِ، وَنَفْسُ الْفِرَاشِ يُوجِبُ النَّفَقَةَ، كَذَلِكَ هَذَا. ١٢٩ - تَجِبُ نَفَقَةُ الْوَلَدِ وَالزَّوْجَةِ مَعَ الْإِعْسَارِ. وَنَفَقَةُ ذَوِي الْأَرْحَامِ لَا تَجِبُ مَعَ الْإِعْسَارِ.

стр. 103

وَالْفَرْقُ أَنَّ نَفَقَةَ الزَّوْجَةِ إنَّمَا تَجِبُ بِإِزَاءِ تَسْلِيمِ النَّفْسِ، بِدَلِيلِ أَنَّهَا لَوْ نَشَزَتْ لَا تَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ، وَمَا كَانَ وُجُوبُهَا - لَا عَلَى وَجْهِ الْبِرِّ - لَا يَخْتَلِفُ بِالْيَسَارِ وَالْإِعْسَارِ، كَالثَّمَنِ فِي الْبَيْعِ، وَكَذَلِكَ الْوَلَدُ مُسَلَّمٌ إلَيْهِ حُكْمُ الْعَقْدِ، فَصَارَ كَالزَّوْجَةِ. وَأَمَّا سَائِرُ الْأَقْرِبَاءِ فَإِنَّمَا تَجِبُ نَفَقَتُهُمْ عَلَى طَرِيقِ الْمُوَاسَاةِ وَالْبِرِّ وَالصِّلَةِ، فَلَا يُخَاطَبُ الْمُعْسِرُ بِذَلِكَ؛ إذْ هُوَ تَبَرُّعٌ، وَالْمُعْسِرُ لَا يُخَاطَبُ بِالتَّبَرُّعَاتِ. ١٣٠ - إذَا أَخَذَتْ الْمَرْأَةُ نَفَقَةَ شَهْرٍ فَلَمْ تُنْفِقْهَا، ثُمَّ جَاءَ الشَّهْرُ الثَّانِي وَهُوَ مَعَهَا، فَلَهَا أَنْ تُطَالِبَهُ بِنَفَقَةِ الشَّهْرِ الثَّانِي. وَلَوْ أَخَذَ وَاحِدٌ مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ نَفَقَةَ شَهْرٍ فَلَمْ يُنْفِقْهَا حَتَّى جَاءَ الشَّهْرُ الثَّانِي، لَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ نَفَقَةَ الشَّهْرِ الثَّانِي. وَالْفَرْقُ أَنَّهَا اسْتَغْنَتْ بِمَا عِنْدَهَا عَنْ مَالِ الزَّوْجِ، وَنَفَقَةُ الزَّوْجَةِ تَجِبُ مَعَ الْغِنَى، فَجَازَ أَنْ تَجِبَ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ نَفَقَةُ ذَوِي الْأَرْحَامِ، لِأَنَّهُ اسْتَغْنَى بِمَا عِنْدَهُ عَنْ مَالِ الْقَرِيبِ، وَنَفَقَةُ ذَوِي الْأَرْحَامِ لَا تَجِبُ مَعَ الْغِنَى، كَمَا لَوْ كَانَ غَنِيًّا فِي الْأَصْلِ. ١٣١ - نَفَقَةُ الْعِدَّةِ يَصِحُّ الْإِبْرَاءُ عَنْهَا وَنَفَقَةُ الزَّوْجِيَّةِ لَا يَصِحُّ الْإِبْرَاءُ عَنْهَا. وَالْفَرْقُ أَنَّ سُقُوطَ نَفَقَةِ الْمُعْتَدَّةِ مِنْ مُوجَبِ مُضِيِّ الْمُدَّةِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ إذَا مَضَتْ مُدَّةُ الْعِدَّةِ فَإِنَّ النَّفَقَةَ تَسْقُطُ، وَمَا كَانَ مِنْ مُوجَبِ مُضِيِّ الْمُدَّةِ صَحَّ تَعْجِيلُهُ

стр. 104

بِالشَّرْطِ، كَالدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ إذَا عُجِّلَ قَبْلَ الْأَجَلِ صَحَّ، كَذَا هَذَا. وَأَمَّا الْمَنْكُوحَةُ فَسُقُوطُ نَفَقَتِهَا لَيْسَ مِنْ مُوجَبِ مُضِيِّ الْمُدَّةِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ مَضَتْ فَإِنَّ النَّفَقَةَ لَا تَسْقُطُ، فَصَارَ هَذَا إبْرَاءً عَمَّا سَيَجِبُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ قَبْلَ وُجُودِ سَبَبِهِ، فَلَا يَجُوزُ، كَمَا لَوْ قَالَ: أَبْرَأْتُكِ عَنْ كُلِّ دَيْنٍ يَجِبُ لِي عَلَيْكِ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ، كَذَا هَذَا. ١٣٢ - إذَا أَخْرَجَ الْمَوْلَى الْأَمَةَ مِنْ بَيْتِ الزَّوْجِ قَبْلَ الطَّلَاقِ ثُمَّ طَلَّقَهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُعِيدَهَا إلَى بَيْتِهِ لِيُطَالِبَ بِالنَّفَقَةِ. وَالنَّاشِزَةُ إذَا طَلَّقَهَا جَازَ لَهَا أَنْ تَعُودَ وَتَأْخُذَ النَّفَقَةَ. وَالْفَرْقُ أَنَّ التَّسْلِيمَ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ عَلَى الْمَوْلَى، بِدَلِيلِ أَنَّ الْمَوْلَى لَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ بِحَالٍ، وَلَمْ يُوجَدْ تَسْلِيمُ نَفْسٍ مُنْتَفَعٍ بِهَا وَلَمْ يُوجَدْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا فَلَا يَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْحُرَّةُ؛ لِأَنَّ التَّسْلِيمَ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهَا، بِدَلِيلِ أَنَّهَا تُجْبَرُ عَلَى التَّسْلِيمِ وَهِيَ، مِنْ أَهْلِ التَّسْلِيمِ، فَقَدْ عَادَتْ إلَى تَسْلِيمِ نَفْسٍ مُنْتَفَعٍ بِهَا، فَاسْتَحَقَّتْ النَّفَقَةَ، وَإِنْ كَانَ النَّفْسُ غَيْرَ مُنْتَفَعٍ بِهَا، كَمَا لَوْ مَرِضَتْ الْحُرَّةُ. ١٣٣ - إذَا ادَّعَتْ الْمَرْأَةُ أَنَّ الزَّوْجَ مُوسِرٌ، وَأَنْكَرَ الزَّوْجُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ وَيَلْزَمُهُ نَفَقَةُ الْمُعْسِرِينَ.

стр. 105

وَإِنْ ادَّعَتْ فِي دَيْنٍ لَهَا عَلَيْهِ مِنْ ثَمَنِ مَبِيعٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَقَالَ: أَنَا مُعْسِرٌ، فَلَا يُصَدَّقُ عَلَى كَوْنِهِ مُعْسِرًا وَيُحْبَسُ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَرْأَةِ، وَفِي الْمَهْرِ رِوَايَتَانِ وَالْفَرْقُ أَنَّ فِي النَّفَقَةِ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ إقْرَارٌ بِدُخُولِ بَدَلِهِ فِي مِلْكِهِ؛ لِأَنَّ النَّفَقَةَ لَا تَجِبُ بَدَلًا عَمَّا هُوَ مَالٌ، وَإِنَّمَا تَجِبُ عَلَى طَرِيقِ الصِّلَةِ بَدَلًا عَنْ تَسْلِيمِ النَّفْسِ، وَهُوَ لَيْسَ بِمَالٍ، وَلَمْ يَكُنْ بِالشُّرُوعِ فِي الْعَقْدِ مُقِرًّا بِحُصُولِ مَالٍ لَهُ بِإِزَاءِ مَا يُوجَبُ عَلَيْهِ، فَصَارَتْ تَدَّعِي الْيَسَارَ، وَهُوَ يُنْكِرُ، وَالْأَصْلُ فِي النَّاسِ الْإِعْسَارُ، فَمَنْ ادَّعَى مَا يُوَافِقُ الظَّاهِرَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فِي سَائِرِ الدُّيُونِ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ وُجُوبُهَا بِحَقِّ الْعَقْدِ وَالْعَقْدُ يَقْتَضِي بَدَلًا عَمَّا هُوَ مَالٌ، فَصَارَ بِالشُّرُوعِ فِي الْعَقْدِ مُقِرًّا بِأَنَّهُ مَالِكٌ لِمُبْدَلِهِ وَهُوَ مَالٌ فَصَارَ كَمَا لَوْ أَقَرَّ الْيَسَارَ، فَإِذَا قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: أَنَا مُعْسِرٌ، لَمْ يُصَدَّقْ، وَكَذَلِكَ الْمَهْرُ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ هُوَ بَدَلٌ عَمَّا لَيْسَ بِمَالٍ، فَلَمْ يُقِرَّ أَنَّهُ حَصَلَ فِي مِلْكِهِ بِإِزَاءِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ مَالٌ، فَصَارَتْ تَدَّعِي عَلَيْهِ الْيَسَارَ، وَهُوَ يُنْكِرُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، كَمَا لَوْ ادَّعَى عَلَيْهِ مَالًا مِنْ جِهَةِ الْكَفَالَةِ، وَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ظَاهِرُ دُخُولِهِ فِي الْعَقْدِ إقْرَارٌ بِكَوْنِهِ قَادِرًا عَلَى تَسْلِيمِ بَدَلِهِ، فَصَارَ بِقَوْلِهِ: أَنَا مُعْسِرٌ، مُدَّعِيًا خِلَافَ الظَّاهِرِ، فَلَا يُصَدَّقُ. ١٣٤ - الْمُعْتَدَّةُ إذَا طَاوَعَتْ ابْنَ زَوْجِهَا فِي الْعِدَّةِ لَا تَسْقُطُ نَفَقَتُهَا. وَلَوْ ارْتَدَّتْ سَقَطَتْ.

стр. 106

وَالْفَرْقُ أَنَّهَا قَدْ سَلَّمَتْ نَفْسَهَا مُنْتَفَعًا بِهَا عَلَى حُكْمِ الْعَقْدِ وَذَلِكَ التَّسْلِيمُ بَاقٍ فِي الْعَقْدِ، وَبِالْمُطَاوَعَةِ لَمْ يَبْطُلْ ذَلِكَ التَّسْلِيمُ، فَبَقِيَ حُكْمُ ذَلِكَ التَّسْلِيمِ فَبَقِيَتْ النَّفَقَةُ. وَأَمَّا إذَا ارْتَدَّتْ فَقَدْ أَبْطَلَتْ ذَلِكَ التَّسْلِيمَ؛ لِأَنَّهَا تُخْرَجُ مِنْ مَنْزِلِ الزَّوْجِ، وَتُحْبَسُ لِتَتُوبَ، وَإِذَا عُدِمَ التَّسْلِيمُ الْمُنْتَفَعُ بِهِ مُنِعَتْ النَّفَقَةُ. ١٣٥ - إذَا كَانَتْ الْأَمَةُ فِي بَيْتِ الزَّوْجِ، ثُمَّ طَلَّقَهَا، ثُمَّ أَخْرَجَهَا الْمَوْلَى، ثُمَّ عَادَتْ إلَى بَيْتِ الزَّوْجِ، اسْتَحَقَّتْ النَّفَقَةَ. وَلَوْ كَانَتْ فِي وَقْتِ الطَّلَاقِ فِي بَيْتِ الْمَوْلَى، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ تَعُودَ ابْتِدَاءً إلَى بَيْتِ الزَّوْجِ لَمْ تَسْتَحِقَّ النَّفَقَةَ. وَالْفَرْقُ أَنَّهَا إذَا كَانَتْ فِي مَنْزِلِ الزَّوْجِ وَقْتَ الطَّلَاقِ فَأُخْرِجَتْ ثُمَّ عَادَتْ، فَهَذَا التَّسْلِيمُ بِنَاءً عَلَى التَّسْلِيمِ الْأَوَّلِ وَاسْتِدَامَةً لَهُ، بِدَلِيلِ أَنَّ مَا تَسْتَحِقُّ هَاهُنَا مِنْ النَّفَقَةِ مِثْلُ مَا تَسْتَحِقُّهُ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى، فَصَارَ كَأَنَّ ذَلِكَ التَّسْلِيمَ لَمْ يَزُلْ كَذَلِكَ وَلَوْ لَمْ يَزُلْ ذَلِكَ التَّسْلِيمُ اسْتَحَقَّتْ النَّفَقَةَ، كَذَا هَذَا. وَإِذَا كَانَتْ فِي وَقْتِ الطَّلَاقِ فِي مَنْزِلِ الْمَوْلَى، ثُمَّ أَرَادَتْ الْعَوْدَ إلَى مَنْزِلِهِ، فَهَذَا التَّسْلِيمُ لَمْ يُبْنَ عَلَى تَسْلِيمٍ آخَرَ، فَصَارَ هَذَا ابْتِدَاءَ تَسْلِيمٍ غَيْرَ مُسْتَحَقٍّ فِي نَفْسٍ غَيْرِ مُنْتَفَعٍ بِهَا، فَلَا يُسْتَحَقُّ لَهُ النَّفَقَةُ، كَمَا لَوْ كَانَتْ نَاشِزَةً ثُمَّ

стр. 107

عَادَتْ فِي الْعِدَّةِ. ١٣٦ - إذَا تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إذْنِ الْمَوْلَى، ثُمَّ أُعْتِقَ، نَفَذَ ذَلِكَ الْعَقْدُ. وَلَوْ أَذِنَ لَهُ فِي التَّزْوِيجِ، لَمْ يَنْفُذْ ذَلِكَ الْعَقْدُ مَا لَمْ يُجِزْ الْعَقْدَ الْأَوَّلَ وَالْفَرْقُ أَنَّ عَقْدَ الْعَبْدِ يَنْفُذُ فِي حَقِّهِ، وَإِنَّمَا امْتَنَعَ نَفَاذُهُ، لِحَقِّ الْمَوْلَى فَإِذَا أُعْتِقَ فَقَدْ زَالَ حَقُّ الْمَوْلَى فَصَارَ الْحَقُّ لَهُ فَنَفَذَ ذَلِكَ الْعَقْدُ فِي حَقِّهِ. وَأَمَّا إذَا أَذِنَ لَهُ فِي التَّزْوِيجِ، فَالْإِذْنُ لَمْ يُزِلْ حَقَّ الْمَوْلَى؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لِلْمَوْلَى فِي الْحَالَيْنِ قَبْلَ الْإِذْنِ وَبَعْدَهُ، فَلَمْ يَصِرْ الْحَقُّ لِلْعَبْدِ، فَلَمْ يَنْفُذْ، إلَّا أَنَّهُ بِالْإِذْنِ مَلَكَ ابْتِدَاءَ الْعَقْدِ فَمَلَكَ الْإِجَازَةَ كَالْحُرِّ. ١٣٧ - إذَا أَذِنَ لِعَبْدِهِ فِي أَنْ يَتَزَوَّجَ عَلَى رَقَبَتِهِ، فَتَزَوَّجَ حُرَّةً لَمْ يَجُزْ. وَلَوْ زَوَّجَ أَمَتَهُ مِنْ رَجُلٍ، ثُمَّ خَالَعَ عَلَى رَقَبَتِهَا مِنْ زَوْجِهَا صَحَّ الْخُلْعُ، وَلَا تَدْخُلُ الرَّقَبَةُ فِي مِلْكِ الزَّوْجِ. وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمَوْلَى أَمَرَهُ بِالْعَقْدِ عَلَى رَقَبَتِهِ، وَعَقْدُ النِّكَاحِ لَا يُعَرَّى عَنْ بَدَلٍ، فَإِذَا تَزَوَّجَ حُرَّةً، فَلَوْ جَوَّزْنَا الْعَقْدَ، لَمْ يَخْلُ إمَّا أَنْ يَجُوزَ عَلَى رَقَبَتِهِ، أَوْ بِمَهْرِ الْمِثْلِ، أَوْ بِالْقِيمَةِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقَعَ بِالرَّقَبَةِ؛ لِأَنَّهُ يُقَارِنُ الْعَقْدَ مَا يُبْطِلُهُ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْقِيمَةُ مَعْقُودًا عَلَيْهَا، وَلَا مَهْرَ الْمِثْلِ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْهُ أَنْ يَعْقِدَ

стр. 108

بِهِ، وَمُخَالَفَةُ الْمَوْلَى فِي الْبَدَلِ الَّذِي أَمَرَ بِهِ يُوجِبُ فَسَادَ الْعَقْدِ، كَمَا لَوْ أَمَرَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى مِائَةِ دِرْهَمٍ، فَتَزَوَّجَ عَلَى مِائَةِ دِينَارٍ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ، كَذَلِكَ هَذَا. وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْخُلْعُ، لِأَنَّ عَقْدَ الْخُلْعِ يَجُوزُ أَنْ يُعَرَّى عَنْ بَدَلٍ، فَإِذَا خَلَعَهَا عَلَى رَقَبَتِهَا فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَقَعَ عَلَى رَقَبَتِهَا، أَوْ الْقِيمَةِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقَعَ عَلَى رَقَبَتِهَا؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ يَمْلِكُهَا فَيَفْسُدُ النِّكَاحُ؛ فَيَفْسُدُ الْخُلْعُ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقَعَ عَلَى الْقِيمَةِ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى مُخَالَفَةِ الزَّوْجِ فِيمَا قَبْلَ عَقْدِ الْخُلْعِ، كَمَا لَوْ قَالَ: خَلَعْتُكِ عَلَى أَلْفٍ، فَقَالَتْ: قَبِلْتُ بِخَمْسِمِائَةٍ فَعُرِّيَ عَقْدُ الْخُلْعِ عَنْ الْبَدَلِ، وَخُلُوُّ الْعَقْدِ عَنْ الْبَدَلِ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْعَقْدِ، وَهُوَ الْخُلْعُ، كَمَا لَوْ قَالَ: خَلَعْتُكِ عَلَى خَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ. ١٣٨ - إذَا تَزَوَّجَ الْعَبْدُ أَمَةً عَلَى رَقَبَتِهِ بِإِذْنِ الْمَوْلَى، وَعَلَى الْعَبْدِ دَيْنٌ أَلْفُ دِرْهَمٍ، فَإِنَّهُ يُبَاعُ الْعَبْدُ فَيَضْرِبُ الْأَمَةَ بِمَهْرِهَا وَالْغُرَمَاءَ بِدَيْنِهِمْ فِي الثَّمَنِ. وَلَوْ قَتَلَ الْعَبْدُ رَجُلًا عَمْدًا، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ أَلْفُ دِرْهَمٍ، فَصَالَحَهُمْ الْمَوْلَى مِنْ الدَّمِ عَلَى رَقَبَتِهِ فَالْغُرَمَاءُ أَحَقُّ بِثَمَنِ الْعَبْدِ، وَسَقَطَ الْقِصَاصُ. وَالْفَرْقُ أَنَّ دَمَ الْعَمْدِ فِي خُرُوجِهِ عَنْ حَقِّ الْمَوْلَى، لَيْسَ بِمَالٍ يُطْلَبُ؛ لِأَنَّهُ عُقُوبَةٌ، وَلِأَنَّ شُهُودَ الْعَفْوِ عَنْ الْقِصَاصِ إذَا رَجَعُوا لَا يُغَرَّمُونَ، وَالْمَرِيضُ إذَا عَفَا فِي مَرَضِ مَوْتِهِ لَا يُعْتَبَرُ مِنْ ثُلُثِهِ، فَصَارَ وُجُوبُ حَقِّ الْمَوْلَى بِبَدَلٍ غَيْرِ مُتَقَوِّمٍ، فَكَأَنَّهُ وَهَبَ رَقَبَتَهُ مِنْهُ، فَلَا يَضْرِبُ مَعَ الْغُرَمَاءِ.

стр. 109

وَأَمَّا فِي النِّكَاحِ فَالْبُضْعُ فِي دُخُولِهِ فِي الْمِلْكِ مُتَقَوِّمٌ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْأَبَ إنْ زَوَّجَ ابْنَهُ الصَّغِيرَ امْرَأَةً بِمَهْرِ مِثْلِهَا يَجُوزُ عَلَيْهِ. فَقَدْ وَجَبَ الْمَالُ عَلَى الْعَبْدِ بِبَدَلٍ مُتَقَوِّمٍ دَخَلَ فِي حَقِّهِ، فَصَارَ وُجُوبُ الْحَقِّ بِبَدَلٍ مَعْلُومٍ مُتَقَوِّمٍ، فَجَازَ أَنْ يَضْرِبُوا بِهِ، كَمَا لَوْ بَاعَ مِنْ الْعَبْدِ شَيْئًا. فَإِنْ قِيلَ: الْمَرِيضُ لَوْ صَالَحَ مِنْ دَمِ نَفْسِهِ عَلَى مَالٍ لَا يُحْسَبُ مِنْ ثُلُثِهِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ دَمَ الْعَمْدِ مَالٌ مِنْ وَجْهٍ، كَمَا أَنَّ الْبُضْعَ مَالٌ مِنْ وَجْهٍ. وَالصَّوَابُ أَنْ يُغَيِّرَ الْعِبَارَةَ، فَيُقَالُ فِي دَمِ الْعَمْدِ: لَمَّا صَالَحَ الْمَوْلَى عَلَى رَقَبَتِهِ صَارَ الْقَتْلُ مُوجِبًا مَالًا، فَصَارَ كَمَا لَوْ كَانَ الْقَتْلُ خَطَأً فَدُفِعَ بِهِ، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ مَنَعَهُ الدَّيْنَ، وَيَكُونُ الْغَرِيمُ أَوْلَى بِهِ، كَذَلِكَ هَذَا، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ الْحَقُّ وَاجِبًا عَلَى الْعَبْدِ فِي الْحُكْمِ، بِخِلَافِ النِّكَاحِ لِمَا بَيَّنَّا. ١٣٩ - وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا تَزَوَّجَ مُكَاتَبَةً عَلَى جَارِيَةٍ، وَدَفَعَهَا إلَيْهَا ثُمَّ طَلَّقَ الْمُكَاتَبَةَ ثُمَّ تَزَوَّجَ تِلْكَ الْجَارِيَةَ قَبْلَ الرَّدِّ إلَيْهِ لَمْ يَجُزْ. وَلَوْ تَزَوَّجَهَا قَبْلَ الطَّلَاقِ ثُمَّ طَلَّقَ الْمُكَاتَبَةَ، لَمْ يَفْسُدْ نِكَاحُ الْجَارِيَةِ. وَالْفَرْقُ أَنَّ الطَّلَاقَ لَا يُوجِبُ فَسْخَ الْعَقْدِ، وَيَعُودُ نِصْفُ الْمَهْرِ إلَى الزَّوْجِ، وَإِنَّمَا يُوجِبُ فَسَادَ مِلْكِهَا فِي نِصْفِهِ، وَثَبَتَ لَهُ حَقُّ الِارْتِجَاعِ، فَإِذَا تَزَوَّجَهَا قَبْلَ الطَّلَاقِ، فَقَدْ صَحَّ الْعَقْدُ، وَبِالطَّلَاقِ طَرَأَ لَهُ حَقُّ مِلْكٍ عَلَى امْرَأَتِهِ، وَحَقُّ الْمِلْكِ إذَا طَرَأَ عَلَى الْعَقْدِ لَا يَرْفَعُهُ، كَالْعِدَّةِ إذَا قَارَنَتْ ابْتِدَاءَ الْعَقْدِ يَمْنَعُ

стр. 110

انْعِقَادَهُ وَلَا يَمْنَعُ بَقَاءَهُ عَلَى الصِّحَّةِ إذَا طَرَأَتْ عَلَيْهِ. ١٤٠ - وَلَوْ زَوَّجَ الْمَوْلَى أَمَتَهُ بِرِضَاهَا مِنْ رَجُلٍ بِغَيْرِ رِضَا الزَّوْجِ، وَخَاطَبَ عَنْ الزَّوْجِ مُخَاطِبٌ، فَأُعْتِقَتْ، فَلَمْ تَنْقُضْ الْعَقْدَ حَتَّى أَجَازَ الزَّوْجُ النِّكَاحَ، جَازَ وَلَا خِيَارَ لَهَا. وَلَوْ زَوَّجَهَا الْمَوْلَى بِغَيْرِ رِضَاهَا، فَأُعْتِقَتْ، فَأَجَازَ الزَّوْجُ النِّكَاحَ لَمْ يَجُزْ مَا لَمْ تَرْضَ هِيَ. وَالْفَرْقُ أَنَّ الْعَقْدَ الْمَوْقُوفَ إنَّمَا يَجُوزُ تَنْفِيذُهُ فِي الْحَالَةِ الَّتِي تَقْبَلُ ابْتِدَاءَ الْعَقْدِ فِيهَا، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ بَاعَ عَبْدًا لِغَيْرِهِ، ثُمَّ مَاتَ، ثُمَّ أَجَازَ صَاحِبُهُ الْبَيْعَ لَمْ يَجُزْ، وَلَوْ تَزَوَّجَ أَمَةً بِغَيْرِ إذْنِ مَوْلَاهَا، ثُمَّ تَزَوَّجَ حُرَّةً، ثُمَّ أَجَازَ الْمَوْلَى، لَا يَجُوزُ، فَإِذَا كَانَ الْمَوْلَى زَوَّجَهَا بِرِضَاهَا فَيَجُوزُ ابْتِدَاءُ الْعَقْدِ بِرِضَاهَا، فَجَازَ أَنْ يَنْفُذَ الْعَقْدُ الْمَوْقُوفُ، فَتَمَّ الْعَقْدُ فِي حَالِ الْحُرِّيَّةِ فَلَا خِيَارَ لَهَا. وَأَمَّا إذَا كَانَ بِغَيْرِ رِضَاهَا فَلَا يَجُوزُ ابْتِدَاءُ الْعَقْدِ عَلَيْهَا بِغَيْرِ رِضَاهَا، فَلَا يَنْفُذُ الْعَقْدُ الْمَوْقُوفُ فِيهَا، وَصَارَ الزَّوْجُ بِالْإِجَازَةِ مُبْتَدِئًا عَقْدًا، فَإِذَا أَجَازَتْهُ جَازَ، وَإِلَّا فَلَا. ١٤١ - الْمَوْلَى إذَا زَوَّجَ عَبْدَهُ امْرَأَةً فَأُعْتِقَ لَا خِيَارَ لَهُ فِي الْفَسْخِ. وَلَوْ زَوَّجَ أَمَتَهُ فَعَتَقَتْ فَلَهَا الْخِيَارُ.
следующие страницы →