← Каваид фикха

Каваид фикха · id 8182

الفروق للكرابيسي

الكرابيسي

Полный текст (659 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

بِعَيْنِهِ، فَيَجْعَلَهُ قِصَاصًا بِهِ صَارَ قِصَاصًا، سَوَاءٌ كَانَ الْكُرُّ الْمَغْصُوبُ بِحَضْرَتِهِمَا أَوْ لَمْ يَكُنْ. وَلَوْ أَوْدَعَهُ كُرًّا بَعْدَ الْعَقْدِ أَوْ قَبْلَهُ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَجْعَلَهُ قِصَاصًا لَمْ يَكُنْ قِصَاصًا إلَّا أَنْ يَكُونَ بِحَضْرَتِهِمَا، أَوْ يَرْجِعَ إلَى بَيْتِهِ فَتَصِلَ يَدُهُ إلَيْهِ. وَالْفَرْقُ أَنَّ السَّلَمَ يَقْتَضِي قَبْضَ مَضْمُونًا بَعْدَ الْوُجُوبِ الْمَقْبُوضِ، لِأَنَّ مَنْ لَهُ عَلَى إنْسَانٍ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ فِضَّةً فَقَضَاهُ عَشَرَةً صَارَ مَضْمُونًا عَلَى الْقَابِضِ، أَوْ لَمْ يَصِرْ قِصَاصًا بِمَالِهِ عَلَيْهِ، وَإِذَا أَسْلَمَ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ فِي كُرِّ حِنْطَةٍ ثُمَّ قَاصَّهُ بِهِ فَلَوْ قُلْنَا إنَّهُ يَجُوزُ لَصَارَ قَابِضًا بِالسَّلَمِ دَيْنًا، لَا مُقْتَصًّا لِلسَّلَمِ، وَقَضَاؤُهُ الدَّيْنَ بِهِ تَصَرُّفٌ مِنْهُ فِي الْمُسْلَمِ فِيهِ قَبْلَ الْقَبْضِ، تَصَرُّفُهُ فِيهِ لَا يَجُوزُ فَلَمْ يَصِرْ قِصَاصًا. وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا غَصَبَ، لِأَنَّهُ وُجِدَ قَبْضٌ مَضْمُونٌ بَعْدَ الْوُجُوبِ، فَصَارَ مُسْتَوْفِيًا السَّلَمَ مِنْهُ، فَجَازَ كَمَا لَوْ قَضَاهُ وَأَمَّا إذَا غَصَبَهُ قَبْلَ الْعَقْدِ فَلَمْ يُوجَدْ قَبْضٌ مَضْمُونٌ بَعْدَ وُجُوبِ حَقِّ الْقَبْضِ لَهُ، فَلَمْ يَصِرْ مُسْتَوْفِيًا لِلْمُسْلَمِ فِيهِ، وَإِنَّمَا كَانَ قَائِمًا فِي يَدِ الْغَاصِبِ فَهُوَ مَقْبُوضٌ مَضْمُونٌ فِي يَدِهِ، فَإِذَا قَاصَّهُ بِهِ صَارَ قَابِضًا لَهُ بِنَفْسِ الْمُقَاصَّةِ قَبْضًا مَضْمُونًا، فَصَارَ كَمَا لَوْ كَانَ فِي يَدِهِ فَسَلَّمَهُ إلَيْهِ فِي الْحَالِ. وَأَمَّا الْوَدِيعَةُ فَمَقْبُوضَةٌ غَيْرُ مَضْمُونَةٍ، فَلَمْ يُوجَدْ الْقَبْضُ الَّذِي

стр. 422

اقْتَضَاهُ الْعَقْدُ، فَلَمْ يَصِرْ قَابِضًا إلَّا أَنْ تَصِلَ يَدُهُ إلَيْهِ، فَإِذَا وَصَلَتْ صَارَ مَضْمُونًا عَلَيْهِ، فَقَدْ وُجِدَ الْقَبْضُ الَّذِي اقْتَضَاهُ الْعَقْدُ، فَصَارَ قَابِضًا. ٥٢٠ - وَيَنْعَقِدُ الْبَيْعُ بِلَفْظِ الْبَيْعِ وَالتَّمْلِيكِ وَكُلِّ لَفْظٍ يُفِيدُ مَعْنَى الْبَيْعِ، وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَنَّ الْمُفَاوَضَةَ لَا تَنْعَقِدُ إلَّا بِلَفْظِ الْمُفَاوَضَةِ. وَالْفَرْقُ أَنَّهُ إذَا قَالَ مَلَّكْتُك أَوْ أَعْطَيْتُك فَقَدْ أَتَى بِمَعْنَى الْبَيْعِ، فَصَارَ بَيْعًا، وَإِنْ لَمْ يَنْطِقْ بِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَتَى بِمَعْنَى الصَّدَقَةِ وَالْإِبَاحَةِ صَارَ صَدَقَةً وَإِبَاحَةً، وَإِنْ لَمْ يَنْطِقْ بِهِ وَهُوَ أَنْ يُعْطِيَ الْفَقِيرَ قِطْعَةً أَوْ يَنْتُرُ السُّكَّرَ عَلَى صَدَقَةٍ صَارَ مُبِيحًا لِمَنْ الْتَقَطَهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ دَفَعَ إلَى الْبَقَّالِ كِسْرَةً وَأَخَذَ فَاكِهَةً صَارَ بَيْعًا، وَإِنْ لَمْ يَنْطِقْ بِهِ، لِجَرَيَانِ الْعَادَةِ، وَلِأَنَّهَا رُبَّمَا تَقُومُ مَقَامَ اللَّفْظِ، كَذَلِكَ هَذَا. وَأَمَّا فِي الْمُفَاوَضَةِ فَلَمْ يَأْتِ بِمَعْنَى الْمُفَاوَضَةِ لِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ عَامٌّ لَا يَعْرِفُ مَعْنَاهُ إلَّا فَقِيهٌ، فَإِذَا لَمْ يَأْتِ بِمَعْنَى الْمُفَاوَضَةِ لَمْ تَصِرْ مُفَاوَضَةً. قَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ ﵀: " فَإِنْ كَانَ فَقِيهًا يَأْتِي بِجَمِيعِ مَعَانِي الْمُفَاوَضَةِ وَلَمْ يَتَلَفَّظْ بِلَفْظِ الْمُفَاوَضَةِ صَارَتْ مُفَاوَضَةً أَيْضًا، وَلَا رِوَايَةَ تَدْفَعُ هَذَا ".

стр. 423

رَوَى هِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ فِيمَنْ اشْتَرَى صَدَفَةً فَوَجَدَ فِيهَا لُؤْلُؤَةً أَوْ سَمَكَةً فَوَجَدَ فِيهَا لُؤْلُؤَةً فَهِيَ لِلْمُشْتَرِي. وَلَوْ اشْتَرَى دَجَاجَةً فَوَجَدَ فِيهَا لُؤْلُؤَةً فَهِيَ لِلْبَائِعِ. وَالْفَرْقُ أَنَّ اللُّؤْلُؤَةَ تَتَوَلَّدُ مِنْ الصَّدَفَةِ فَصَارَ كَبَيْعِ الطَّيْرِ وَالسَّمَكِ، وَأَمَّا السَّمَكُ فَاللُّؤْلُؤَةُ مِنْ عَلَفِهِ، لِأَنَّهُ يَأْكُلُ حَيَوَانَ الْبَحْرِ، وَالصَّدَفُ حَيَوَانٌ فَصَارَ كَسَمَكَةِ خَرَجَتْ مِنْ جَوْفِهِ. وَأَمَّا الدَّجَاجَةُ فَلَا تُخْلَقُ اللُّؤْلُؤَةُ مِنْهَا، وَلَا هِيَ مِنْ عَلَفِهَا فَلَا تُمَلَّكُ بِالْعَقْدِ عَلَيْهَا، كَمَا لَوْ اشْتَرَى صُنْدُوقًا فَوَجَدَ فِيهِ مَتَاعًا. ٥٢٢ - رَجُلٌ اشْتَرَى نِصْفَ عَبْدٍ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَاشْتَرَى رَجُلٌ آخَرُ النِّصْفَ الثَّانِي مِنْ ذَلِكَ الْعَبْدِ بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ، ثُمَّ بَاعَاهُ مُسَاوَمَةً بِثَلَاثِمِائَةِ دِرْهَمٍ أَوْ بِمِائَتَيْنِ فَالثَّمَنُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ. وَلَوْ بَاعَاهُ مُرَابَحَةً بِرِبْحِ دِرْهَمٍ كَانَ الرِّبْحُ وَالثَّمَنُ بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمُسَاوَمَةَ لَا تَحْتَاجُ إلَى مَضْمُونِ الْعَقْدِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ لِلْعَقْدِ ثَمَنٌ مَضْمُونٌ مِثْلَ أَنْ وُهِبَ لَهُ فَلَهُ أَنْ يَبِيعَهُ مُسَاوَمَةً، وَإِذَا لَمْ يُعْتَبَرْ مَضْمُونُ عَقْدِهِمَا صَارَ كَمَا لَوْ لَمْ يَشْتَرِيَاهُ وَلَكِنَّهُمَا وَرِثَاهُ فَبَاعَاهُ مُسَاوَمَةً، وَلَوْ

стр. 424

كَانَ كَذَلِكَ كَانَ الثَّمَنُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، كَذَلِكَ هَذَا. وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْمُرَابَحَةُ لِأَنَّ بَيْعَ الْمُرَابَحَةِ بَيْعٌ بِمَضْمُونِ الْعَقْدِ الْأَوَّلِ وَزِيَادَةٍ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ وَرِثَ شَيْئًا أَوْ وُهِبَ لَهُ لَمْ يَبِعْهُ مُرَابَحَةً، وَمَضْمُونُ عَقْدِهِمَا فِيهِ مُخْتَلِفٌ فَقُسِّمَ أَثْلَاثًا، فَانْقَسَمَ الثَّمَنُ أَثْلَاثًا.

стр. 425

[كِتَابُ الصَّرْفِ] ٥٢٣ - إذَا اشْتَرَى أَلْفَ دِرْهَمٍ بِمِائَةِ دِينَارٍ، وَلَيْسَ عِنْدَ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دَرَاهِمَ وَلَا دَنَانِيرَ، ثُمَّ اسْتَقْرَضَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِثْلَ مَا سَمَّاهُ فِي بَيْعِهِ، وَدَفَعَهُ إلَى صَاحِبِهِ قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا جَازَ. وَلَوْ بَاعَ كُرَّ حِنْطَةٍ بِكُرِّ شَعِيرٍ، وَلَيْسَ ذَلِكَ عِنْدَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا بَاعَ، ثُمَّ اسْتَقْرَضَا وَأَحْضَرَا وَسَلَّمَا فِي الْمَجْلِسِ لَمْ يَجُزْ، وَكَذَلِكَ الْحَيَوَانُ وَالْعُرُوضُ. وَالْفَرْقُ أَنَّ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ لَا يَتَعَيَّنَانِ فِي الْعَقْدِ، إذْ لَوْ عُيِّنَا لَمْ يَتَعَيَّنْ، لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَدْفَعَ مِثْلَ مَا عَيَّنَ، وَإِذَا لَمْ يَتَعَيَّنْ لَمْ يَمْنَعْ صِحَّةَ الْعَقْدِ، فَانْعَقَدَ الْعَقْدُ بِمَضْمُونٍ فِي ذِمَّتِهِمَا، إلَّا أَنَّهُ عَقْدُ صَرْفٍ، فَيَحْتَاجُ إلَى الْقَبْضِ فِي الْمَجْلِسِ، فَإِنْ وُجِدَ تَمَّ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْحِنْطَةُ وَالشَّعِيرُ، لِأَنَّهُمَا يَتَعَيَّنَانِ فِي الْعَقْدِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ بَاعَ قَفِيزَ حِنْطَةٍ بِعَيْنِهِ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُمْسِكَهُ وَيُسَلِّمَ قَفِيزًا مِثْلَهُ، لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، فَإِذَا تَغَيَّرَ فِي الثَّانِي تَعَيَّنَ الْعَقْدُ فِيهِ، وَيَصِيرُ كَأَنَّهُ بَاعَ ذَلِكَ الْعَيْنَ، وَلَمْ يَكُنْ فِي مِلْكِهِ، فَقَدْ بَاعَ مَا لَا يَكُونُ عِنْدَهُ، فَلَمْ يَجُزْ، وَالْأَصْلُ فِيهِ الْخَبَرُ.

стр. 426

إذَا قَالَ: أَسْلَمْت إلَيْك عَشَرَةَ دَرَاهِمَ، فَأَرَادَ أَنْ يَجْعَلَهُ قِصَاصًا بِمَا لَهُ عَلَيْهِ لَمْ يَجُزْ. وَلَوْ اشْتَرَى أَلْفَ دِرْهَمٍ بِمِائَةِ دِينَارٍ فَنَقَدَ الدَّنَانِيرَ، فَقَالَ لِلْآخَرِ: اجْعَلْ الدَّرَاهِمَ بِالدَّرَاهِمِ الَّتِي لِي عَلَيْك قِصَاصًا وَلَهُ عَلَيْهِ دَرَاهِمُ فَفَعَلَ ذَلِكَ جَازَ. وَالْفَرْقُ أَنَّ ابْتِدَاءَ عَقْدِ الصَّرْفِ بِمَا فِي الذِّمَّةِ جَائِزٌ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ فَقَالَ: اشْتَرَيْت مِنْك بِهَا دِينَارًا وَنَقَدَهُ فِي الْمَجْلِسِ، جَازَ وَإِذَا جَازَ ابْتِدَاءُ عَقْدِ الصَّرْفِ بِمَا فِي الذِّمَّةِ جَازَ صَرْفُ الْعَقْدِ إلَيْهِ كَمَا لَوْ اشْتَرَاهُ بِمِائَةٍ فِي كِيسٍ، جَازَ لَهُ أَنْ يَنْقُدَهُ مِنْ كِيسٍ آخَرَ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ فِي بَابِ السَّلَمِ لِأَنَّ ابْتِدَاءَ عَقْدِ السَّلَمِ بِمَا فِي الذِّمَّةِ لَا يَجُوزُ، فَلَمْ يَجُزْ صَرْفُ الْعَقْدِ إلَيْهِ، دَلِيلُهُ الْخَمْرُ وَالْخِنْزِيرُ وَإِذَا لَمْ يَجُزْ صَرْفُهُ إلَيْهِ فَإِذَا لَمْ يَنْقُدْهُ فِي الْمَجْلِسِ بَطَلَ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ. ٥٢٥ - إذَا اشْتَرَى عَشَرَةَ دَرَاهِمَ بِدِينَارٍ وَنَقَدَهُ الدِّينَارَ ثُمَّ اشْتَرَى مِنْهُ ثَوْبًا بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ فَصَارَ لَهُ عَلَيْهِ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ، فَقَالَ اجْعَلْهَا قِصَاصًا قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا لَمْ يَكُنْ قِصَاصًا وَإِنْ تَرَاضَيَا بِذَلِكَ. وَلَا يُشْبِهُ هَذَا قَوْلُهُ: اجْعَلْ الدَّرَاهِمَ بِالدَّرَاهِمِ الَّتِي لِي عَلَيْك قِصَاصًا،

стр. 427

وَلَهُ عَلَيْهِ دَرَاهِمُ فَفَعَلَ ذَلِكَ جَازَ. وَالْفَرْقُ أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى الدَّرَاهِمُ وَجَبَتْ عَلَى بَائِعِ الدَّنَانِيرِ بِعَقْدِ الصَّرْفِ، وَابْتِدَاءُ عَقْدِ الصَّرْفِ بِمَضْمُونٍ فِي الذِّمَّةِ جَائِزٌ، فَجَازَ صَرْفُ الْعَقْدِ إلَيْهِ، كَمَا لَوْ قَالَ: بِعْتُك بِعَشَرَةٍ مِنْ هَذَا الْكِيسِ، ثُمَّ نَقَدَهُ مِنْ كِيسٍ آخَرَ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْمَسْأَلَةُ الْأَخِيرَةُ، لِأَنَّ الدَّرَاهِمَ كَانَتْ وَاجِبَةً بَعْدَ عَقْدِ الصَّرْفِ ابْتِدَاءً، وَابْتِدَاءُ عَقْدِ الصَّرْفِ بِدَرَاهِمَ تَجِبُ فِي ثَانِي الْحَالِ لَا يَجُوزُ فَلَمْ يَجُزْ صَرْفُ الْعَقْدِ إلَيْهِ، كَالرَّصَاصِ وَالسَّتُّوقِ. ٥٢٦ - إذَا بَاعَ مِنْ رَجُلٍ عَبْدًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ إلَى شَهْرٍ عَلَى أَنْ يُوفِيَهُ إيَّاهُ بِالْبَصْرَةِ، كَانَ جَائِزًا، فَإِذَا حَلَّ فَلَهُ أَنْ يُطَالِبَهُ بِهِ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ شَاءَ جَازَ، وَإِنْ كَانَ شَيْئًا لَهُ حِمْلٌ وَمَئُونَةٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُطَالِبَهُ بِهِ إلَّا حَيْثُ شُرِطَ. وَلَوْ اشْتَرَى عَبْدًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ حَالَّةً عَلَى أَنْ يُوفِيَهُ إيَّاهُ بِالْبَصْرَةِ كَانَ هَذَا شَرْطًا فَاسِدًا. وَلَوْ أَقْرَضَهُ دَرَاهِمَ عَلَى أَنْ يُوفِيَهُ بِالْبَصْرَةِ كَانَ هَذَا الشَّرْطُ فَاسِدًا.

стр. 428

وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسَائِلِ أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى أَجَّلَ فِي الثَّمَنِ أَجَلًا مَعْلُومًا وَشَرَطَ لِنَفْسِهِ مَنْفَعَةً، وَهُوَ الْإِيفَاءُ بِالْبَصْرَةِ فَصَارَ كَمَا لَوْ شَرَطَ أَجْوَدَ أَوْ أَكْثَرَ. وَأَمَّا إذَا لَمْ يَقُلْ إلَى شَهْرٍ، وَقَالَ: عَلَى أَنْ يُوفِيَهُ بِالْبَصْرَةِ فَقَدْ شَرَطَ أَجَلًا مَجْهُولًا، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الْإِيفَاءُ بِهَا إلَّا بَعْدَ أَنْ يَأْتِيَهَا وَرُبَّمَا تَزِيدُ مُدَّةُ الْإِتْيَانِ بِهَا، وَرُبَّمَا تَنْقُصُ فَصَارَ مُشْتَرِيًا بِثَمَنٍ إلَى أَجَلٍ مَجْهُولٍ، فَلَمْ يَجُزْ. وَأَمَّا الْقَرْضُ إذَا شَرَطَ التَّسْلِيمَ، فَقَدْ شَرَطَ التَّسْلِيمَ بِالْبَصْرَةِ، فَصَارَ مُشْتَرِطًا فِيهِ أَجَلًا مَجْهُولًا، كَمَا بَيَّنَّا وَشَرَطَ لِنَفْسِهِ أَيْضًا مَنْفَعَةً، لِأَنَّهُ أَسْقَطَ خَوْفَ الطَّرِيقِ وَخَطَرَهُ عَنْ نَفْسِهِ، وَاشْتِرَاطُ الْأَجَلِ فِي الْقَرْضِ لَا يَجُوزُ، وَإِذَا شَرَطَ مَنْفَعَةً زَائِدَةً لَا يَجُوزُ، كَمَا لَوْ اشْتَرَطَ أَنْ يَرُدَّ أَجْوَدَ. وَأَمَّا الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا بَيْنَ مَا لَهُ حِمْلٌ وَمَئُونَةٌ وَمَا لَا حِمْلَ لَهُ وَلَا مَئُونَةَ، أَنَّ التَّسْلِيمَ فِيمَا لَهُ حِمْلٌ وَمَئُونَةٌ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَمَاكِنِ كَمَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَوْصَافِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ غَصَبَ مِنْ إنْسَانٍ مَا لَهُ حِمْلٌ وَمَئُونَةٌ بِبَلَدٍ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَرُدَّهُ عَلَيْهِ بِبَلَدٍ آخَرَ، لَمْ يُجْبَرْ عَلَى قَبُولِهِ، ثُمَّ لَوْ شَرَطَ

стр. 429

الثَّمَنَ بِصِفَةٍ فَأَرَادَ أَنْ يُسَلِّمَهُ إلَيْهِ بِصِفَةٍ أُخْرَى لَمْ يُجْبَرْ عَلَى قَبُولِهِ، كَذَلِكَ هَذَا. وَأَمَّا مَا لَا حِمْلَ لَهُ وَلَا مَئُونَةَ فَالتَّسْلِيمُ فِيهِ لَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَمَاكِنِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ اغْتَصَبَ مِنْ إنْسَانٍ شَيْئًا لَا حِمْلَ لَهُ وَلَا مَئُونَةَ بِبَلَدٍ فَأَرَادَ رَدَّهُ بِبَلَدٍ آخَرَ أُجْبِرَ عَلَى قَبُولِهِ، وَإِذَا كَانَ تَسْلِيمُهُ فِي هَذَا الْمَكَانِ وَفِي مَكَان آخَرَ لَا يَخْتَلِفُ اسْتَوَتْ الْأَمَاكِنُ كُلُّهَا فِيهِ، فَلَهُ أَنْ يُطَالِبَهُ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ شَاءَ. ٥٢٧ - إذَا كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ أَلْفُ دِرْهَمٍ فَدَفَعَ إلَيْهِ دَنَانِيرَ، وَقَالَ اصْرِفْهَا وَخُذْ حَقَّك مِنْهَا فَقَبَضَهَا، فَتَلِفَتْ عِنْدَهُ قَبْلَ أَنْ يَصْرِفَهَا فَإِنَّهَا تَهْلِكُ مِنْ مَالِ الدَّافِعِ. وَلَوْ رَهَنَ عِنْدَهُ شَيْئًا فَتَلِفَ عِنْدَهُ سَقَطَ دَيْنُهُ. وَالْفَرْقُ أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى قَبَضَهُ لِيَسْتَوْفِيَ الْحَقَّ مِنْ غَيْرِهِ، لِأَنَّهُ قَالَ اصْرِفْهَا ثُمَّ خُذْ حَقَّك مِنْهَا فَصَارَ أَمِينًا فِي الْعَيْنِ، كَمَا لَوْ أَجَرَ مِنْهُ عَبْدًا لَمَّا قَبَضَهُ لِيَسْتَوْفِيَ حَقَّهُ مِنْ مَنَافِعِهِ كَانَ أَمِينًا فِي الْعَيْنِ، كَذَلِكَ هَذَا. وَلَيْسَ كَذَلِكَ الرَّهْنُ، لِأَنَّهُ قَبَضَهُ لِيَسْتَوْفِيَ الْحَقَّ مِنْ عَيْنِهِ، بِدَلِيلِ أَنَّ مَا لَا يُمْكِنُ اسْتِيفَاءُ الْحَقِّ مِنْ عَيْنِهِ كَالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ لَا يَصِحُّ رَهْنُهُ

стр. 430

فَكَانَ مَضْمُونًا كَالْمَبِيعِ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي. ٥٢٨ - إذَا اسْتَهْلَكَ الْإِنْسَانُ إنَاءً مِنْ فِضَّةٍ، فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ إذَا كَانَ مِنْ الذَّهَبِ مَصُوغًا، فَلَوْ أَجَّلَهُ فِيهِ شَهْرًا جَازَ. وَلَوْ أَقْرَضَهُ دَرَاهِمَ ثُمَّ أَجَّلَهُ بِهَا شَهْرًا لَمْ يَجُزْ. وَالْفَرْقُ أَنَّ بَدَلَ الْإِنَاءِ دَيْنٌ مَضْمُونٌ يَجُوزُ الْإِبْرَاءُ عَنْهُ أَصْلًا، وَإِذَا جَازَ الْإِبْرَاءُ جَازَ التَّأْجِيلُ، لِأَنَّ الْإِبْرَاءَ إسْقَاطُ الطَّلَبِ لَا إلَى غَايَةٍ، فَإِذَا جَازَ ذَلِكَ فَلَأَنْ يَجُوزَ إلَى مُدَّةٍ أَوْلَى. وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْقَرْضُ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْإِبْرَاءُ عَنْ بَدَلِهِ، فَلَا يَجُوزُ التَّأْجِيلُ فِيهِ كَالْأَعْيَانِ الْمُودَعَةِ عِنْدِهِ. ٥٢٩ - إذَا بَاعَ سَيْفًا مُحَلًّى بِسَيْفٍ مُحَلَّى وَتَفَرَّقَا قَبْلَ الْقَبْضِ بَطَلَ، وَلَا يَجْعَلُ حِلْيَةَ هَذَا تُبْطِلُ ذَاكَ، حَتَّى لَا يُشْتَرَطَ التَّقَابُضُ فِي الْمَجْلِسِ، وَلَا يَبْطُلُ الْعَقْدُ وَلَوْ بَاعَ دِينَارًا وَدِرْهَمًا، بِدِرْهَمَيْنِ وَدِينَارٍ، جَعَلَ الدِّرْهَمَ بِالدِّينَارِ، وَالدِّينَارِ بِالدِّرْهَمَيْنِ حَتَّى لَا يَبْطُلَ الْعَقْدُ. وَالْفَرْقُ أَنَّ بَيْعَ السَّيْفِ الْمُحَلَّى بِالسَّيْفِ الْمُحَلَّى جَائِزٌ وَإِنَّمَا يَبْطُلُ بِتَرْكِ

стр. 431

الْقَبْضِ، وَنَحْنُ لَا نَحْتَالُ لِانْتِفَاءِ الْعُقُودِ، وَإِنَّمَا نَحْتَالُ لِتَصْحِيحِهَا، وَالْعَقْدُ قَدْ صَحَّ فَلَا ضَرُورَةَ بِنَا إلَى صَرْفِ الْجِنْسِ إلَى غَيْرِ الْجِنْسِ. وَفِي مَسْأَلَةِ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ لَوْ لَمْ يَصْرِفْ الْجِنْسَ إلَى غَيْرِ الْجِنْسِ لَأَبْطَلْنَا الْعَقْدَ أَصْلًا، وَظَاهِرُ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ مَحْمُولٌ عَلَى الصِّحَّةِ، فَمَتَى أَمْكَنَنَا أَنْ نَحْمِلَ الْعَقْدَ عَلَى جِهَةِ صِحَّةٍ حَمَلْنَا عَلَيْهِ لِيَصِحَّ الْعَقْدُ، وَيَحْصُلُ مَقْصُودُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ وَغَرَضُهُمَا. ٥٣٠ - إذَا اشْتَرَى سَيْفًا مُحَلًّى عَلَى أَنَّ فِيهِ مِائَةَ دِرْهَمٍ بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ وَتَفَرَّقَا وَتَقَابَضَا فَإِذَا فِي السَّيْفِ مِائَتَا دِرْهَمٍ، فَإِنَّهُ يَرُدُّ السَّيْفَ. وَلَوْ اشْتَرَى إبْرِيقَ فِضَّةٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ عَلَى أَنَّ فِيهِ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَتَقَابَضَا وَتَفَرَّقَا فَإِذَا فِيهِ أَلْفَا دِرْهَمٍ فَلِلْمُشْتَرِي أَنْ يَأْخُذَ نِصْفَهُ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ. وَالْفَرْقُ أَنَّ الشَّرْعَ جَعَلَ الْفِضَّةَ بِمِثْلِ وَزْنِهَا، بِدَلِيلِ قَوْلِ النَّبِيِّ ﵇ -

стр. 432

«الْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ مِثْلٌ بِمِثْلٍ يَدًا بِيَدٍ، وَالْفَضْلُ رِبًا» فَصَارَ جَعْلُ الشَّرْعِ إيَّاهَا بِمِثْلِ وَزْنِهَا كَجَعْلِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ، وَلَوْ تَعَاقَدَا وَبَاعَ مِنْهُ نِصْفَ إبْرِيقٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ صَحَّ، كَذَا هَذَا. وَلَوْ بَاعَ مِنْهُ نِصْفَ حِلْيَةِ سَيْفٍ لَمْ يَجُزْ، كَذَا هَذَا. ٥٣١ - إذَا اشْتَرَى إبْرِيقَ فِضَّةٍ عَلَى أَنَّ فِيهِ أَلْفَ دِرْهَمٍ بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ، فَوَجَدَ فِيهِ أَلْفَيْ دِرْهَمٍ، كَانَ كُلُّهُ لَهُ. وَلَوْ اشْتَرَى نُقْرَةَ فِضَّةٍ بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ عَلَى أَنَّ فِيهَا مِائَةَ دِرْهَمٍ، فَوَجَدَ فِيهَا مِائَتَيْ دِرْهَمٍ كَانَ لِلْمُشْتَرِي نِصْفُهَا. وَالْفَرْقُ أَنَّ الْوَزْنَ فِي الْإِبْرِيقِ صِفَةٌ، وَلَيْسَ بِتَقْدِيرٍ، بِدَلِيلِ أَنَّ إفْرَادَهُ بِالْعَقْدِ لَا يَجُوزُ، لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ: بِعْتُك وَزْنَ مِائَةِ دِرْهَمٍ مِنْ هَذَا الْإِبْرِيقِ لَمْ يَجُزْ، فَقَدْ زَادَتْ صِفَةُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، وَيَجُوزُ تَمَلُّكُهُ بِهَذَا الْبَدَلِ، فَسَلَّمَ إلَيْهِ الْجَمِيعَ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى ثَوْبًا عَلَى أَنَّهُ عَشَرَةُ أَذْرُعٍ، فَوَجَدَهُ أَحَدَ عَشَرَ ذِرَاعًا سَلَّمَ لَهُ الذِّرَاعَ الزَّائِدَ، كَذَلِكَ هَذَا.

стр. 433

وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَزْنُ النُّقْرَةِ لِأَنَّ الْوَزْنَ فِي النُّقْرَةِ تَقْدِيرٌ وَلَيْسَ بِصِفَةٍ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَجُوزُ إفْرَادُهُ بِالْعَقْدِ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ بِعْتُك وَزْنَ عَشْرِ دَرَاهِمَ مِنْ هَذِهِ النُّقْرَةِ جَازَ، فَقَدْ أَرَادَ تَقْدِيرَ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، وَالْعَقْدُ يَنْعَقِدُ بِمِقْدَارِهِ، فَإِذَا وُجِدَ أَكْثَرُ لَمْ يَتَنَاوَلْ الْعَقْدُ تِلْكَ الزِّيَادَةَ، فَوَجَبَ رَدُّهُ، كَمَا لَوْ قَالَ بِعْتُك هَذِهِ الصُّبْرَةَ عَلَى أَنَّهَا عَشَرَةُ أَقْفِزَةٍ، فَوَجَدَهَا أَحَدَ عَشَرَ لَزِمَهُ رَدُّ الْقَفِيزِ الزَّائِدِ، كَذَلِكَ هَذَا. ٥٣٢ - إذَا بَاعَ قَلْبَ فِضَّةٍ عَلَى أَنَّهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ فَوَزَنَ فَوَجَدَ وَزْنَهُ أَكْثَرَ قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا فَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ، إنْ شَاءَ أَخَذَهُ كُلَّهُ بِمِثْلِ وَزْنِهِ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهُ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِثْلَ وَزْنِ دَرَاهِمِهِ. وَلَوْ تَفَرَّقَا فَوَجَدَ وَزَنَهُ مِائَةً وَخَمْسِينَ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ ثُلُثَيْهِ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ. وَالْفَرْقُ أَنَّ الصَّفْقَةَ لَمْ تَتِمَّ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى لَمَّا لَمْ يَتَفَرَّقَا، وَالشَّرْعُ جَعَلَ الدَّرَاهِمَ بِمِثْلِ وَزْنِهِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ نِصْفَهُ فَقَدْ تُفَرَّقُ الصَّفْقَةُ عَلَى الْبَائِعِ قَبْلَ تَمَامِهِ وَالشَّرِكَةُ فِي الْقَلْبِ عَيْبٌ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ. وَأَمَّا إذَا تَقَابَضَا فَقَدْ تَمَّ الْعَقْدُ بِالْقَبْضِ، وَالْمُشْتَرِي يُفَرِّقُ الصَّفْقَةَ بَعْدَ تَمَامِ الْعَقْدِ، وَلَوْ أَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ الْجَمِيعَ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى أَنْ يَنْقُدَ الثَّمَنَ بَعْدَ التَّفْرِيقِ فِي الصَّرْفِ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ وَلِأَنَّ هَاهُنَا ثَبَتَ الْفَسْخُ مِنْ طَرِيقِ الْحُكْمِ، وَهُنَاكَ ثَبَتَ بِفِعْلِ الْمُشْتَرِي. .

стр. 434

ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ فِي رَجُلٍ لَهُ عَلَى رَجُلٍ أَلْفُ دِرْهَمٍ، وَكَذَلِكَ لِرَجُلٍ عَلَيْهِ خَمْسُونَ دِينَارًا، فَأَرْسَلَ إلَيْهِ رَسُولًا فَقَالَ قَدْ بِعْتُك الدَّنَانِيرَ الَّتِي لِي عَلَيْك بِالدَّرَاهِمِ الَّتِي لَك عَلَيَّ، فَقَالَ قَدْ قَبِلْت لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ شَيْئًا وَكَانَ بَاطِلًا. وَلَوْ أَرْسَلَ إلَيْهِ بِأَنِّي بِعْتُك عَبْدِي الَّذِي فِي مَكَانِ كَذَا بِكَذَا دِرْهَمًا فَقَبِلَ كَانَ جَائِزًا. وَالْفَرْقُ أَنَّ الرَّسُولَ سَفِيرٌ وَلَا يَتَعَلَّقُ حُقُوقُ الْعَقْدِ بِهِ، وَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِمَنْ وَقَعَ الْعَقْدُ لَهُ، وَهُمَا مُتَفَرِّقَانِ، وَالتَّفْرِيقُ عَنْ الْمَجْلِسِ لَوْ طَرَأَ عَلَى عَقْدِ الصَّرْفِ قَبْلَ الْقَبْضِ أَبْطَلَهُ، فَإِذَا قَارَنَ الْعَقْدَ أَوْلَى فَقَدْ قَارَنَهُ مَا يُبْطِلُهُ، فَمَنَعَ انْعِقَادَهُ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْبَيْعُ لِأَنَّ التَّقَابُضَ فِي الْمَجْلِسِ لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَافْتِرَاقُهُمَا مِنْ الْمَجْلِسِ لَوْ طَرَأَ عَلَى عَقْدِ الْبَيْعِ قَبْلَ الْقَبْضِ لَا يُبْطِلُهُ، فَإِذَا قَارَنَهُ لَا يُبْطِلُهُ أَيْضًا. وَجْهٌ آخَرُ: أَنَّ هَذَا دَيْنٌ بِدِينٍ، فَلَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يَتَقَابَضَا فِي الْمَجْلِسِ، وَلَمْ يُوجَدْ، وَفِي الْبَيْعِ هُوَ عَيْنٌ بِدَيْنٍ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ تَقَابُضٌ. وَلِهَذَا الْمَعْنَى قَالُوا إنَّهُ لَوْ نَادَاهُ مِنْ وَرَاءِ جِدَارٍ: بِأَنِّي بِعْتُك الدَّرَاهِمَ الَّتِي لِي عَلَيْك، بِالدَّنَانِيرِ الَّتِي لَك عَلَيَّ، لَمْ يَجُزْ، وَلَوْ نَادَاهُ: بِأَنِّي بِعْتُكَ عَبْدِي

стр. 435

فُلَانًا بِالدَّيْنِ الَّذِي لَكَ عَلَيَّ، جَازَ لِهَذَا الْمَعْنَى كَذَلِكَ هَذَا. ٥٣٤ - إذَا اشْتَرَى دِينَارًا بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ ثُمَّ قَامَا يَمْشِيَانِ وَلَمْ يَتَقَابَضَا لَمْ يَبْطُلْ الْعَقْدُ، وَلَهُمَا أَنْ يَتَقَابَضَا. وَرَوَى هِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ قَالَ لَوْ قَالَ الْأَبُ: اشْهَدُوا أَنِّي اشْتَرَيْتُ هَذَا الدِّينَارَ مِنْ ابْنِي الصَّغِيرِ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ، ثُمَّ فَارَقَ الْأَبُ قَبْلَ أَنْ يَزِنَ الْعَشَرَةَ فَهُوَ بَاطِلٌ، فَمُفَارَقَتُهُ إبْطَالُ الْعَقْدِ فِي الْأَبِ، وَلَمْ يَبْطُلْ مَعَ الْأَجْنَبِيِّ. وَالْفَرْقُ فِي الْعَاقِدَيْنِ أَمْكَنَ اعْتِبَارُ الْقَبْضِ بِالتَّفَرُّقِ بِالْبَدَنِ وَالتَّقَابُضِ، لِأَنَّهُ يُتَصَوَّرُ الْمُفَارَقَةُ بَيْنَهُمَا فَعَلَّقْنَاهُ بِهِ فَإِذَا مَشَيَا لَمْ يُوجَدْ التَّفَرُّقُ بِالْبَدَنِ فَلَمْ يَبْطُلْ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْأَبُ، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُ الْقَبْضِ بِالِافْتِرَاقِ، لِأَنَّهُ شَخْصٌ وَاحِدٌ، فَلَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ الْمُفَارَقَةُ، فَاعْتُبِرَ الْمُفَارَقَةُ عَنْ الْمَجْلِسِ إذْ لَوْ لَمْ يُعْتَبَرْ لَأَدَّى إلَى أَلَّا يَبْطُلَ وَإِنْ لَمْ يَقْبِضْ الْأَبُ لِلِابْنِ قَطُّ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ، فَإِذَا مَشَى الْأَبُ فَقَدْ فَارَقَ الْمَجْلِسَ فَبَطَلَ. ٥٣٥ - إذَا بَاعَ قَلْبَ فِضَّةٍ فِيهِ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ وَثَوْبًا بِعَشْرَيْنِ دِرْهَمًا، فَنَقَدَهُ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ، وَقَالَ نِصْفُهَا ثَمَنُ الْقَلْبِ، وَنِصْفُهَا مِنْ ثَمَنِ الثَّوْبِ ثُمَّ تَفَارَقَا، وَقَدْ قَبَضَ الثَّوْبَ وَالْقَلْبَ انْتَقَضَ الْبَيْعُ فِي نِصْفِ الْقَلْبِ.

стр. 436

وَلَوْ قَالَ هِيَ مِنْ ثَمَنِهِمَا جَمِيعًا، فَإِنَّهُ يَكُونُ مِنْ ثَمَنِ الْقَلْبِ خَاصَّةً، وَيَجُوزُ الْعَقْدُ. وَالْفَرْقُ أَنَّهُ إذَا قَالَ هُوَ مِنْ ثَمَنِهِمَا فَهُوَ تَفْسِيرُ مُوجَبِ الْعَقْدِ، لِأَنَّ الْعَقْدَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْمَقْبُوضُ مِنْهُمَا جَمِيعًا وَتَفْسِيرُ مُوجَبِ الْعَقْدِ لَا يُغَيِّرُ حُكْمَهُ، فَصَارَ وُجُودُ هَذَا الْقَوْلِ وَعَدَمُهُ سَوَاءً. وَلَوْ أَطْلَقَ وَلَمْ يَقُلْ مِنْ ثَمَنِهِمَا كَانَ مِنْ ثَمَنِ الْقَلْبِ، لِأَنَّ قَبْضَ حِصَّةِ الْقَلْبِ يُسْتَحَقُّ فِي الْمَجْلِسِ، فَانْصَرَفَ الْمَقْبُوضُ إلَيْهِ، كَذَلِكَ هَذَا. وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا قَالَ: نِصْفُهَا مِنْ ثَمَنِ الْقَلْبِ، لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِتَفْسِيرٍ مُوجِبٍ لِلْعَقْدِ لَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ نِصْفُهُ بِإِزَاءِ نِصْفِ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ مَقْسُومًا عَلَيْهِمَا عَلَى قَدْرِ قِيمَتِهِمَا، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ تَفْسِيرًا مُوجِبًا لِلْعَقْدِ لَمْ يَبْطُلْ تَفْصِيلُهُ فَانْعَقَدَ الْعَقْدُ بِتَفْسِيرِهِ فَصَارَ نِصْفُهُ مِنْ ثَمَنِ الثَّوْبِ وَنِصْفُهُ مِنْ ثَمَنِ الْقَلْبِ فَإِذَا افْتَرَقَا فَقَدْ افْتَرَقَا قَبْلَ قَبْضِ ثَمَنِ الْقَلْبِ، فَبَطَلَ الْعَقْدُ وَجَازَ فِيمَا قُبِضَ. ٥٣٦ - وَإِذَا بَاعَ سَيْفًا وَنَقَدَ بَعْضَ الثَّمَنِ، فَقَالَ: نِصْفُ هَذَا الثَّمَنِ مِنْ ثَمَنِ الْحِلْيَةِ وَنِصْفُهُ مِنْ ثَمَنِ السَّيْفِ وَتَفَرَّقَا لَمْ يَفْسُدْ الْعَقْدُ. وَلَا يُشْبِهُ هَذَا مَا مَضَى مِنْ الْقَلْبِ وَالثَّوْبِ، إذْ قَالَ نِصْفُهَا مِنْ ثَمَنِ الْقَلْبِ وَنِصْفُهَا مِنْ ثَمَنِ الثَّوْبِ أَنَّ الْعَقْدَ يَبْطُلُ فِي نِصْفِ الْقَلْبِ.

стр. 437

وَالْفَرْقُ أَنَّ الْقَلْبَ وَالثَّوْبَ عَيْنَانِ يَنْفَصِلَانِ، وَيُمْكِنُ إفْرَادُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْعَقْدِ، فَإِذَا جَازَ أَنْ يَنْفَصِلَا فِي الْعَقْدِ جَازَ أَنْ يَنْفَصِلَا فِي الْقَضَاءِ وَإِذَا انْفَصَلَ بَيْنَهُمَا فِي الْقَضَاءِ فَقَدْ قَضَى نِصْفَ ثَمَنِ الْقَلْبِ وَلَمْ يَقْبِضْ النِّصْفَ، فَبَطَلَ الْعَقْدُ فِي النِّصْفِ، وَجَازَ فِي النِّصْفِ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ فِي السَّيْفِ وَالْحِلْيَةِ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَنْفَصِلَانِ فِي الْعَقْدِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَفْرَدَ أَحَدَهُمَا بِالْعَقْدِ لَا يَجُوزُ وَإِذَا لَمْ يَنْفَصِلَا فِي الْعَقْدِ لَمْ يَنْفَصِلَا فِي الْقَضَاءِ، فَلَمْ يَنْعَقِدْ ذَلِكَ بِتَفْسِيرٍ، فَصَارَ كَأَنَّهُ أَطْلَقَ وَقَالَ هُوَ مِنْ ثَمَنِهِمَا جَمِيعًا، وَلَوْ قَالَ ذَلِكَ كَانَ جَمِيعُ الْمَقْبُوضِ مِنْ ثَمَنِ الْحِلْيَةِ، كَذَلِكَ هَذَا. ٥٣٧ - إذَا بَاعَ دَرَاهِمَ بِدَنَانِيرَ لَمْ يَثْبُتْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا خِيَارُ الرُّؤْيَةِ. وَلَوْ بَاعَ حِنْطَةً بِشَعِيرٍ يَثْبُتُ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا خِيَارُ الرُّؤْيَةِ وَالْفَرْقُ أَنَّ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ لَا يَتَعَيَّنَانِ فِي الْعَقْدِ إنْ عُيِّنَا، فَلَوْ أَثْبَتْنَا لَهُ خِيَارَ الرُّؤْيَةِ لَرَجَعَ بِمِثْلِهِ، فَلَا يَسْتَدْرِكُ بِالرَّدِّ بَدَلًا، فَلَا فَائِدَةَ فِي الرَّدِّ. وَالْحِنْطَةُ وَالشَّعِيرُ يَتَعَيَّنَانِ فِي الْعَقْدِ إذَا عُيِّنَا، فَلَوْ قُلْنَا يَثْبُتُ فِي الْبَيْعِ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ لَا يَسْتَدْرِكُ بِالرَّدِّ بَدَلًا، لِأَنَّهُ يَرْجِعُ فِيمَا بِإِزَائِهِ لَا بِمِثْلِهِ، فَلَهُ فِي الرَّدِّ فَائِدَةٌ، فَجَازَ لَهُ أَنْ يَرُدَّ. لِهَذَا الْمَعْنَى ثَبَتَ فِي الْبَيْعِ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ، وَلَا يَثْبُتُ فِي الْمَهْرِ لِأَنَّهُ يَرْجِعُ بِقِيمَةِ الْمَهْرِ، وَالْعَيْنُ أَعْدَلُ مِنْهَا، فَلَا يَسْتَدْرِكُ بِالرَّدِّ بَدَلًا، كَذَلِكَ هَذَا. ٥٣٨ - ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ فِي نَوَادِرِهِ: إذَا اشْتَرَى سَيْفًا مُحَلًّى بِمِائَةٍ،

стр. 438

وَحِلْيَتُهُ خَمْسُونَ دِرْهَمًا، وَتَقَابَضَا وَتَفَرَّقَا، ثُمَّ زَادَهُ دِينَارًا جَازَ، وَكَانَتْ الزِّيَادَةُ بِإِزَاءِ النَّصْلِ وَالْجَفْنِ. وَلَوْ اشْتَرَى سَيْفًا مُحَلًّى بِمِائَةٍ، وَحِلْيَتُهُ خَمْسُونَ دِرْهَمًا، ثُمَّ بَاعَهُ مُرَابَحَةً بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ، أَوْ بِدَهٍ يازده فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ، وَلَا يُجْعَلُ الرِّبْحُ بِإِزَاءِ الْجَفْنِ، لِيَصِحَّ الْعَقْدُ. وَالْفَرْقُ أَنَّ الزِّيَادَةَ تَلْحَقُ الْعَقْدَ، فَيَصِيرُ كَالْمَوْجُودِ وَقْتَ الْعَقْدِ، وَلَوْ بَاعَهُ السَّيْفَ الْمُحَلَّى ابْتِدَاءً بِالنَّصْلِ وَالزِّيَادَةِ جَازَ، كَذَلِكَ إذَا أَلْحَقَ الزِّيَادَةَ بِهِ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَيْعُ الْمُرَابَحَةِ لِأَنَّهُ أَوْجَبَ الزِّيَادَةَ مُرَابَحَةً عَلَى جَمِيعِ الْعَقْدِ الْأَوَّلِ، فَلَوْ أَلْحَقْنَا الرِّبْحَ بِالسَّيْفِ وَحْدَهُ لَصَارَ بَعْضُ الْعَقْدِ مُرَابَحَةً، وَبَعْضُهُ تَوْلِيَةً، فَلَمْ يَجُزْ، لِأَنَّهُ لَمْ يَشْرَعْ فِي التَّوْلِيَةِ، فَاسْتَحَالَ إلْزَامُهَا. ٥٣٩ - إذَا اشْتَرَى دَرَاهِمَ بِدَنَانِيرَ، وَقَبَضَ الدَّنَانِيرَ فَبَاعَهَا مِنْ آخَرَ، وَدَفَعَهَا إلَيْهِ، ثُمَّ إنَّ الْآخَرَ وَجَدَ بِهَا عَيْبًا فَرَدَّهَا عَلَى الْأَوْسَطِ بِغَيْرِ قَضَاءٍ وَقَبِلَهُ، فَلِلْأَوْسَطِ أَنْ يَرُدَّ عَلَى الْأَوَّلِ. وَلَوْ كَانَ مَكَانُ الدَّنَانِيرِ عُرُوضًا فَقَبِلَهُ بِغَيْرِ قَضَاءٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ. وَالْفَرْقُ أَنَّ الدَّنَانِيرَ لَا تَتَعَيَّنُ فِي الْعَقْدِ، وَإِنَّمَا يَقَعُ الْعَقْدُ عَلَى مِثْلِهَا فِي الذِّمَّةِ، ثُمَّ يَصِيرُ الْمَقْبُوضُ قَضَاءً عَمَّا فِي الذِّمَّةِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ رَدَّهَا بِعَيْبٍ فِي

стр. 439

الْمَجْلِسِ لَا يَنْفَسِخُ الصَّرْفُ بَيْنَهُمَا، وَإِذَا لَمْ يَمْلِكْ الْعِوَضَ بِالْعَقْدِ، وَإِنَّمَا مَلَكَ بِالْقَبْضِ، فَإِذَا رَدَّ انْفَسَخَ الْقَبْضُ بِالرَّدِّ فَعَادَتْ إلَى الْمِلْكِ الْأَوَّلِ، فَكَانَ لِمَنْ عَادَتْ إلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهَا. وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْعُرُوض لِأَنَّهَا تَتَعَيَّنُ فِي الْعَقْدِ، فَيَمْلِكُ عَيْنَهَا بِالْعَقْدِ، فَإِذَا رَدَّهَا بِغَيْرِ قَضَاءٍ وَقَعَ ابْتِدَاءُ تَمْلِيكٍ بَيْنَهُمَا عَلَى التَّرَاضِي، فَبَقِيَ الْعَقْدُ الْمَانِعُ مِنْ الرَّدِّ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ حَقُّ الرَّدِّ، وَلِهَذَا الْمَعْنَى قَالُوا إنَّهُ لَا تُرَدُّ الْعُرُوض بِالْعَيْبِ إلَّا بِقَضَاءٍ أَوْ بِرِضًا، وَتُرَدُّ الدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ بِالْعَيْبِ بِغَيْرِ قَضَاءٍ وَلَا رِضًا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 440

[كِتَابُ الشُّفْعَةِ] ٥٤٠ - إذَا كَانَ لِلدَّارِ شَفِيعَانِ فَسَلَّمَ أَحَدُهُمَا الشُّفْعَةَ لَمْ يَكُنْ لِلْآخَرِ إلَّا أَنْ يَأْخُذَهَا كُلَّهَا أَوْ يَدَعَهَا. وَلَوْ أَنَّ عَبْدًا قَتَلَ رَجُلَيْنِ فَعَفَا وَلِيُّ أَحَدِهِمَا لَمْ يَبْقَ لِلْآخَرِ () إلَّا نِصْفُ الرَّقَبَةِ. وَالْفَرْقُ أَنَّ الْعَبْدَ وَجَبَ لَهُمَا عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ عَنْ دَمِ الْمَقْتُولَيْنِ، بِدَلِيلِ أَنَّ عَبْدًا لَوْ قَتَلَ رَجُلًا وَامْرَأَةً وَعَبْدًا، ضَرَبَ كُلُّ وَاحِدٍ فِي رَقَبَتِهِ بِقَدْرِ دَيْنِهِ، فَصَارَتْ الرَّقَبَةُ مُسْتَحَقَّةً عَلَى وَجْهِ الْعِوَضِ عَنْ حَقِّهِ، وَمَا يُمْلَكُ عَلَى وَجْهِ الْعِوَضِ عَنْ مَالٍ لَا يَمْلِكُهُ اثْنَانِ كُلُّ وَاحِدٍ بِكَمَالِهِ، كَمَا لَوْ اشْتَرَيَا عَبْدًا لَا يَمْلِكُ كُلُّ وَاحِدٍ جَمِيعَهُ، فَلَمْ يَثْبُتْ حَقُّ كُلِّ وَاحِدٍ فِي الْجَمِيعِ، وَإِنَّمَا ثَبَتَ فِي نِصْفِهِ، فَإِذَا سَلَّمَ أَحَدُهُمَا حَقَّهُ وَأُسْقِطَ بَقِيَ حَقُّ الْآخَرِ فِي نِصْفِهِ. وَأَمَّا فِي الشُّفْعَةِ فَلَا يَأْخُذُ الدَّارَ بَدَلًا عَنْ حَقٍّ لَهُ، وَإِنَّمَا الشُّفْعَةُ بِسَبَبٍ يُسْتَحَقُّ بِهَا الْحَقُّ، فَأَشْبَهَتْ الْبُنُوَّةَ وَالْأُخُوَّةَ، ثُمَّ كُلُّ ابْنٍ يَسْتَحِقُّ جَمِيعَ الْمِيرَاثِ، وَيَرُدُّ إلَى النِّصْفِ لِلْمُزَاحَمَةِ، كَذَلِكَ هَذَا، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ دَمُ الْعَمْدِ لَمَّا لَمْ يُوجِبْ قَتْلُ الْعَمْدِ أَخْذَ الرَّقَبَةِ عَلَى طَرِيقِ الْعِوَضِ، لِأَنَّهُ لَا يُوجِبُ الْمَالَ، فَإِذَا عَفَا أَحَدُهُمَا عَنْ الدَّمِ كَانَ لِلْآخَرِ أَلَّا يَقْتُلَهُ بِخِلَافِ الْخَطَأِ، كَذَلِكَ هَذَا.

стр. 441

إذَا كَانَتْ الدَّارُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي وَقَالَ الْبَائِعُ: بِعْتُهَا إيَّاهُ بِأَلْفٍ وَاسْتَوْفَيْت الثَّمَنَ وَهُوَ أَلْفُ دِرْهَمٍ، وَقَالَ الْمُشْتَرِي: اشْتَرَيْتهَا بِأَلْفَيْ دِرْهَمٍ وَنَقَدْتُهُ الثَّمَنَ، لَمْ يَأْخُذْهَا الشَّفِيعُ إلَّا بِأَلْفٍ. وَلَوْ قَالَ بِعْتهَا إيَّاهُ وَاسْتَوْفَيْت الثَّمَنَ وَهُوَ أَلْفُ دِرْهَمٍ، وَقَالَ الْمُشْتَرِي اشْتَرَيْتهَا بِأَلْفَيْ دِرْهَمٍ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي، وَيَأْخُذُهَا الشَّفِيعُ بِأَلْفَيْ دِرْهَمٍ. وَالْفَرْقُ أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى إذَا قَالَ بِعْتهَا بِأَلْفٍ وَاسْتَوْفَيْت، فَقَدْ بَيَّنَ مِقْدَارَ الثَّمَنِ قَبْلَ الِاسْتِيفَاءِ، وَقَبْلَ الِاسْتِيفَاءِ الْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ فِي مِقْدَارِ الثَّمَنِ، فَقَدْ بَيَّنَ الثَّمَنَ فِي وَقْتٍ يُرْجَعُ فِي بَيَانِهِ إلَى قَوْلِهِ فَقُبِلَ قَوْلُهُ فِيهِ صَارَ الثَّمَنُ أَلْفَ دِرْهَمٍ، فَأَخَذَهَا الشَّفِيعُ بِهَا. وَفِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ إذَا قَالَ: بِعْت وَاسْتَوْفَيْت الثَّمَنَ وَهُوَ أَلْفٌ، فَقَدْ بَيَّنَ مِقْدَارَ الثَّمَنِ بَعْدَ الْإِقْرَارِ بِالِاسْتِيفَاءِ، وَبَعْدَ الِاسْتِيفَاءِ لَا يُرْجَعُ فِي بَيَانِ مِقْدَارِ الثَّمَنِ إلَى قَوْلِ الْبَائِعِ، فَقَدْ بَيَّنَ الثَّمَنَ فِي وَقْتٍ لَا يُرْجَعُ فِي بَيَانِهِ إلَى قَوْلِهِ فَاسْتَوَى وُجُودُ قَوْلِهِ وَعَدَمُهُ، وَلَوْ لَمْ يَقُلْ هُوَ شَيْئًا، وَقَالَ الْمُشْتَرِي: اشْتَرَيْتهَا بِأَلْفَيْنِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، كَذَلِكَ هَذَا. ٥٤٢ - الْمُشْتَرِي إذَا بَاعَ الدَّارَ مِنْ آخَرَ فَلِلشَّفِيعِ أَنْ يَأْخُذَهَا بِالثَّمَنِ الْأَوَّلِ، وَيَنْقُضَ الْبَيْعَ الثَّانِي

стр. 442

وَالْمَوْهُوبُ لَهُ إذَا بَاعَ الْمَوْهُوبَ مِنْ آخَرَ لَمْ يَكُنْ لِلْوَاهِبِ نَقْضُ الْبَيْعِ لِلرُّجُوعِ فِيهِ، وَكَذَلِكَ الْمُشْتَرِي شِرَاءً فَاسِدًا إذَا بَاعَ بَعْدَ الْقَبْضِ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ لِلْبَائِعِ نَقْضُ بَيْعِهِ. وَالْفَرْقُ أَنَّ الْبَائِعَ بَيْعًا فَاسِدًا أَوْ الْوَاهِبَ سَلَّطَ الْمُشْتَرِيَ وَالْمَوْهُوبَ لَهُ عَلَى التَّصَرُّفِ، فَتَصَرُّفُهُمَا وَقَعَ بِتَسْلِيطِهِ وَإِذْنِهِ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُمَا نَقْضُهُ، كَمَا لَوْ بَاعَ بَيْعًا صَحِيحًا. وَفِي الشُّفْعَةِ لَمْ يَتَصَرَّفْ بِتَسْلِيطِ الشَّفِيعِ وَأَمْرِهِ، وَحَقُّ الشَّفِيعِ مُتَقَدِّمٌ عَلَى حَقِّهِ، فَإِذَا بَاعَهُ فَقَدْ عَقَدَ عَلَى حَقِّهِ فَصَارَ كَمَا لَوْ عَقَدَ عَلَى مِلْكِهِ، وَلَوْ عَقَدَ عَلَى مِلْكِهِ كَانَ لَهُ إبْطَالُهُ، مِثْلَ أَنْ اسْتَحَقَّهُ، كَذَلِكَ إذَا عَقَدَ عَلَى حَقِّهِ كَانَ لَهُ أَخْذُهُ وَإِبْطَالُ تَصَرُّفِهِ. ٥٤٣ - وَإِذَا بَلَغَ الشَّفِيعَ شِرَاءُ نِصْفِ الدَّارِ فَسَلَّمَ الشُّفْعَةَ، ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ اشْتَرَى جَمِيعَهَا كَانَ لَهُ الشُّفْعَةُ. وَلَوْ بَلَغَهُ شِرَاءُ كُلِّ الدَّارِ فَسَلَّمَ الشُّفْعَةَ، ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ اشْتَرَى النِّصْفَ كَانَ تَسْلِيمُهُ جَائِزًا. وَالْفَرْقُ أَنَّ التَّبْعِيضَ فِي الدَّارِ الْوَاحِدَةِ عَيْبٌ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ اشْتَرَى دَارًا فَاسْتَحَقَّ نِصْفَهَا، فَلَهُ أَنْ يَرُدَّ الْبَاقِيَ وَيُقِلُّ رَغَائِبَ النَّاسِ فِيهِ، فَقَدْ سَلَّمَ مَعَ الْعَيْبِ فَلَا يَكُونُ تَسْلِيمًا مَعَ عَدَمِ الْعَيْبِ، كَمَا لَوْ أُخْبِرَ أَنَّ الثَّمَنَ أَلْفٌ،

стр. 443

ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّ الثَّمَنَ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ فَلَهُ الشُّفْعَةُ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا أُخْبِرَ بِشِرَاءِ الْكُلِّ فَسَلَّمَ، لِأَنَّ التَّبْعِيضَ عَيْبٌ كَمَا ذَكَرْنَا، فَقَدْ سَلَّمَ مَعَ عَدَمِ الْعَيْبِ، فَكَانَ تَسْلِيمًا مَعَ وُجُودِهِ، كَمَا لَوْ أُخْبِرَ بِأَنَّ الثَّمَنَ أَلْفٌ فَسَلَّمَ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّ الثَّمَنَ أَلْفَانِ لَمْ يَكُنْ لَهُ الشُّفْعَةُ، كَذَا هَذَا، وَلِأَنَّ النِّصْفَ دَاخِلٌ فِي الْجُمْلَةِ، فَتَسْلِيمُهُ الْجَمِيعَ تَسْلِيمٌ لِهَذَا النِّصْفِ الَّذِي بِيعَ، وَلَيْسَ الْأَوَّلُ، لِأَنَّ الْعَقْدَ عَلَى النِّصْفِ لَا يَتَنَاوَلُ الْعَقْدَ عَلَى الْجَمِيعِ، فَلَا يَكُونُ بِتَسْلِيمِ النِّصْفِ تَسْلِيمٌ لِلْجَمِيعِ. ٥٤٤ - إذَا اشْتَرَى دَارًا فَغَرِقَ بِنَاؤُهَا وَانْهَدَمَ، لَمْ يَكُنْ لِلشَّفِيعِ أَنْ يَأْخُذَ الْأَرْضَ إلَّا بِجَمِيعِ الثَّمَنِ. وَلَوْ غَرِقَ بَعْضُ الْأَرْضِ أَخَذَ الْبَاقِيَ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ. وَالْفَرْقُ أَنَّ الْبِنَاءَ صِفَةٌ لِلدَّارِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ تَبَعًا لِمُطْلَقِ الْعَقْدِ عَلَى الدَّارِ، وَفَوْتُ الصِّفَةِ فِي الْمَبِيعِ يُوجِبُ خِيَارًا، وَلَا يُوجِبُ غُرْمًا، كَالْمَبِيعِ فِي يَدِ الْبَائِعِ. وَأَمَّا بَعْضُ الْأَرْضِ فَلَيْسَ يَتْبَعُ لِلْبَعْضِ وَلَا هُوَ صِفَةٌ لَهُ، وَإِنَّمَا هُوَ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ الْمَبِيعِ، وَفَوْتُ نِصْفِ الْمَبِيعِ يُوجِبُ سُقُوطَ مَا بِإِزَائِهِ مِنْ الثَّمَنِ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى عَبْدَيْنِ فَفَاتِ أَحَدُهُمَا فِي يَدِ الْبَائِعِ، وَإِذَا فَاتَ بَعْضُ الثَّمَنِ أَخَذَهُ

стр. 444

بِالْبَاقِي. ٥٤٥ - لَيْسَ لِلْوَكِيلِ بِالْبَيْعِ أَنْ يَأْخُذَ مَا بَاعَهُ بِالشُّفْعَةِ لِنَفْسِهِ وَلِلْوَكِيلِ بِالشِّرَاءِ أَنْ يَأْخُذَ مَا اشْتَرَاهُ لِنَفْسِهِ بِالشُّفْعَةِ. وَالْفَرْقُ أَنَّ الْوَكِيلَ بِالْبَيْعِ الْتَزَمَ سَلَامَةَ الْمَبِيعِ لِلْمُشْتَرِي، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْخُذَهُ بِالشُّفْعَةِ فَهُوَ يُنَاقِضُ مَا أَوْجَبَهُ بِعَقْدِهِ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْوَكِيلُ بِالشِّرَاءِ، لِأَنَّهُ بِالْعَقْدِ اسْتَوْجَبَ الْحَقَّ لِنَفْسِهِ وَبِالْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ يَتَمَلَّكُهُ، وَيَسْتَوْجِبُهُ أَيْضًا، فَلَمْ يُنَاقِضْ مَا أَوْجَبَهُ فَجَازَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِهِ، وَلِهَذَا قُلْنَا إنَّ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَأْخُذَ مَا اشْتَرَى بِالشُّفْعَةِ، وَلَيْسَ لِلْبَائِعِ أَنْ يَأْخُذَ مَا بَاعَ بِالشُّفْعَةِ. ٥٤٦ - إذَا بَاعَ الْمَوْلَى دَارًا وَعَبْدُهُ الْمَدْيُونُ شَفِيعُهَا، فَشَهِدَ ابْنَا الْمَوْلَى أَنَّ الْعَبْدَ سَلَّمَ الشُّفْعَةَ لِلْمُشْتَرِي، وَالدَّارُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي فَشَهَادَتُهُمَا جَائِزَةٌ. وَلَوْ أَنَّ الْبَائِعَيْنِ لِلدَّارِ شَهِدَا بِأَنَّ الشَّفِيعَ سَلَّمَ الشُّفْعَةَ لِلْمُشْتَرِي، فَشَهَادَتُهُمَا بَاطِلَةٌ، وَلَا تُقْبَلُ، لِأَنَّهُ يُتَمِّمُ مَا أَوْجَبَ لِلْمُشْتَرِي بِعَقْدٍ، وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ ابْنَيْ الْبَائِعِ وَأَنَّهُ كَانَ يُتَمِّمُ مَا أَوْجَبَهُ أَبُوهُ. وَالْفَرْقُ أَنَّ الْبَائِعَيْنِ إذَا شَهِدَا عَلَى تَسْلِيمِ الشُّفْعَةِ لِلْمُشْتَرِي فَهُمَا يُصَحِّحَانِ فِعْلَ أَنْفُسِهِمَا فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا نَفْعٌ فِيهِ كَمَا لَوْ شَهِدَا بِالْبَيْعِ عَلَى الْمُشْتَرِي وَهُوَ يُنْكِرُ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمَا، لِأَنَّهُمَا يَحْكِيَانِ فِعْلَ أَنْفُسِهِمَا. وَلَيْسَ كَذَلِكَ الِابْنَانِ، لِأَنَّهُمَا لَا يُتَمِّمَانِ فِعْلَ أَنْفُسِهِمَا، وَإِنَّمَا تَبْطُلُ

стр. 445

شَهَادَتُهُمَا لِلتُّهْمَةِ عِنْدَ جَرِّ النَّفْعِ إلَى أَبِيهِمَا، وَلَا يَقَعُ لِأَبِيهِمَا نَفْعٌ فِي تَسْلِيمٍ لِلْمُشْتَرِي، فَخَلَتْ الشَّهَادَةُ عَنْ جَرِّ نَفْعٍ إلَى أَبِيهِمَا، وَعَنْ حِكَايَةِ فِعْلِ أَنْفُسِهِمَا، فَقُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا كَالْأَجَانِبِ. وَلِأَنَّ الْبَائِعَ كَانَ خَصْمًا فِيهِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ، فَصَارَ شَاهِدًا عَلَى مَا كَانَ خَصْمًا فِيهِ، فَلَمْ يُقْبَلْ، وَإِنْ خَرَجَ مِنْ الْخُصُومَةِ كَالْوَكِيلِ إذَا عُزِلَ ثُمَّ شَهِدَ، وَالِابْنُ لَمْ يَكُنْ خَصْمًا فِيهِ قَطُّ وَلَا مَنْفَعَةَ لِلْأَبِ فِيهِ، فَجَازَ أَنْ تُقْبَلَ شَهَادَتُهُ. ٥٤٧ - إذَا قَالَ قَدْ أَوْصَيْت بِدَارِي بَيْعًا لِفُلَانٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَمَاتَ الْمُوصِي، فَقَالَ فُلَانٌ قَدْ قَبِلْت فَالْبَيْعُ لَازِمٌ، وَلِلشَّفِيعِ الشُّفْعَةُ. وَلَوْ قَالَ بِعْتُ هَذِهِ الدَّارَ مِنْ فُلَانٍ، فَقَالَ بَعْدَ الْمَجْلِسِ قَدْ قَبِلْت لَا يَصِحُّ الْبَيْعُ، وَلَا تَجِبُ لِلشَّفِيعِ الشُّفْعَةُ. وَحُكِيَ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي بَكْرٍ الْجَصَّاصِ أَنَّهُ قَالَ: يَحْتَاجُ إلَى بَيْعٍ

стр. 446

جَدِيدٍ مِنْ جِهَةِ الْوَارِثِ أَوْ الْوَصِيِّ، فَالْمَسْأَلَةُ مَحْمُولَةٌ عَلَى هَذَا. وَكَانَ الْقَاضِي الْإِمَامُ ﵀ يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا وَيَقُولُ إنَّهُ جَعَلَ الْبَيْعَ تَبَعًا لِلْوَصِيَّةِ وَجَعَلَهُ فِي ضِمْنِهَا، وَأَضَافَهُ لِلْوَصِيِّ، إلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَإِضَافَةُ الْوَصِيَّةِ إلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ جَائِزٌ، وَجُعِلَ كَالْمُوجِبِ لَهُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ، كَذَلِكَ مَا هُوَ فِي ضِمْنِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَدْخَلَ الشَّيْءُ فِي ضِمْنِ عَقْدٍ تَبَعًا لَهُ، وَإِنْ كَانَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُفْرَدَ بِنَفْسِهِ كَمَا لَوْ قُلْنَا فِي ضَمَانِ الْمَجْهُولِ أَنَّهُ يَدْخُلُ فِي عَقْدِ الْمُفَاوَضَةِ تَبَعًا، كَذَلِكَ هَذَا، فَإِذَا قَبِلَ بَعْدَ الْمَوْتِ فَقَدْ مَلَكَ الدَّارَ بِعِوَضٍ، فَوَجَبَ لِلشَّفِيعِ الشُّفْعَةُ، وَإِنْ كَانَ الْعَقْدُ الَّذِي أَوْجَبَ لَهُ الدَّارَ عَقْدُ تَبَرُّعٍ، كَمَا لَوْ وَهَبَ بِشَرْطِ الْعِوَضِ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا أَوْجَبَ لَهُ الدَّارَ فَتَفَرَّقَا عَنْ الْمَجْلِسِ، ثُمَّ قَبِلَ، لِأَنَّهُ لَمْ يُجْعَلْ تَبَعًا لِغَيْرِهِ وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِمَا يَبْقَى حُكْمُهُ بَعْدَ الْمَجْلِسِ، فَبَطَلَ بِالتَّفَرُّقِ، وَصَارَ يَقْبَلُ بَعْدَ بُطْلَانِهِ، فَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حُكْمٌ، وَلَا يَجِبُ لِلشَّفِيعِ الشُّفْعَةُ. ٥٤٨ - إذَا اشْتَرَى الْمُضَارِبُ بِأَلْفِ الْمُضَارَبَةِ دَارَيْنِ تُسَاوِي كُلُّ وَاحِدَةٍ أَلْفًا فَبِيعَتْ دَارٌ إلَى جَنْبِ أَحَدِهِمَا فَلَا شُفْعَةَ لِلْمُضَارِبِ نَفْسِهِ فِيهَا. وَلَوْ اشْتَرَى دَارًا وَاحِدَةً بِأَلْفِ الْمُضَارَبَةِ تُسَاوِي أَلْفَيْ دِرْهَمٍ فَلِلْمُضَارِبِ أَنْ

стр. 447

يَأْخُذَ مَا بِيعَ بِجَانِبِهَا بِالْعَقْدِ لِنَفْسِهِ. وَالْفَرْقُ أَنَّهُ إذَا اشْتَرَى دَارَيْنِ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا تُسَاوِي أَلْفًا فَلَمْ يَمْلِكْ شَيْئًا فِي الدَّارَيْنِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ الرِّبْحُ إذْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الدَّارَيْنِ مَشْغُولَةٌ بِجَمِيعِ رَأْسِ الْمَالِ وَيَجُوزُ أَنْ يَشْغَلَ الْأَلْفُ الْوَاحِدِ مِنْ الْمَحَلَّيْنِ أَكْثَرَ مِنْ مِقْدَارِهِ، الدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ أَلْفُ دِرْهَمٍ وَكَفَلَ بِهِ كَفِيلٌ. فَلَا زَكَاةَ عَلَى الْكَفِيلِ فِي مِقْدَارِ الْأَلْفِ دِرْهَمٍ وَلَا عَلَى الْمَكْفُولِ عَنْهُ، وَالْأَلْفُ أَلْفٌ وَاحِدٌ وَشَغْلُ الْمَحَلَّيْنِ مِنْ وَاحِدٍ إلْغَاءٌ، كَذَلِكَ هَاهُنَا صَارَتْ كُلُّ دَارٍ مَشْغُولَةً بِرَأْسِ الْمَالِ، فَلَمْ يَظْهَرْ الرِّبْحُ فَلَا يَمْلِكُ الْمُضَارِبُ فِيهِمَا الشُّفْعَةَ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ الدَّارُ الْوَاحِدَةُ، لِأَنَّ الْمَحَلَّ مَحَلٌّ وَاحِدٌ، فَلَا يَشْتَغِلُ الْمَالُ الْوَاحِدُ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ أَكْثَرَ مِنْ مِقْدَارِهِ، فَصَارَ الْأَلْفُ مَشْغُولًا بِرَأْسِ الْمَالِ، وَظَهَرَ أَلْفٌ رِبْحٌ فَمَلَكَ الْمُضَارِبُ نِصْفَهُ، فَصَارَ جَائِزًا، فَوَجَبَتْ الشُّفْعَةُ. ٥٤٩ - إذَا طَلَبَ وَكِيلُ الشَّفِيعِ الشُّفْعَةَ، فَقَالَ الْمُشْتَرِي: إنَّ الشَّفِيعَ قَدْ سَلَّمَ الشُّفْعَةَ، وَأَرَادَ يَمِينَهٌ فَإِنَّهُ يُقَالُ لَهُ: سَلِّمْ الدَّارَ إلَى الْوَكِيلِ، ثُمَّ انْطَلِقْ وَاطْلُبْ يَمِينَ الشَّفِيعِ، وَكَذَلِكَ الْوَكِيلُ بِطَلَبِ الدَّيْنِ وَقَبْضِهِ إذَا

стр. 448

طَلَبَ الْمَالَ مِنْ الْغَرِيمِ، قَالَ الْغَرِيمُ: إنَّ الْمُوَكِّلَ أَبْرَأَنِي وَقَبَضَ الدَّيْنَ مِنِّي، وَأَرَادَ يَمِينَهٌ فَإِنَّهُ يُقَالُ لَهُ: سَلِّمْ الْمَالَ إلَى الْوَكِيلِ ثُمَّ انْطَلِقْ وَاطْلُبْ يَمِينَ الْمُوَكِّلِ. وَلَوْ أَنَّ الْوَكِيلَ بِالرَّدِّ بِالْعَيْبِ أَرَادَ أَنْ يَرُدَّ الدَّارَ عَلَى الْبَائِعِ بِالْعَيْبِ فَقَالَ الْبَائِعُ: إنَّ الْمُشْتَرِيَ وَهُوَ مُوَكِّلُك قَدْ رَضِيَ بِالْعَيْبِ، فَلَا أَقْبَلُ حَتَّى يَحْلِفَ، فَإِنَّهُ لَا يُقْضَى لَهُ بِالرَّدِّ حَتَّى يَحْضُرَ الْمُوَكِّلُ وَيَحْلِفَ، ثُمَّ يُرَدَّ عَلَيْهِ. وَالْفَرْقُ أَنَّ سَبَبَ وُجُوبِ تَسْلِيمِ الدَّارِ إلَى الْوَكِيلِ بِطَلَبِ الشُّفْعَةِ قَدْ وُجِدَ وَهُوَ عَقْدُ الْبَيْعِ، وَإِنَّمَا يَبْطُلُ ذَلِكَ بِالتَّسْلِيمِ، وَلَمْ يُعْلَمْ التَّسْلِيمُ، فَقَدْ وَجَبَ حَقُّ الْقَبْضِ لِلشَّفِيعِ حَالًّا، وَوَجَبَ لَهُ حَقُّ الْحَلِفِ عَلَى الْمُوَكِّلِ مُؤَجَّلًا، وَهُوَ بَعْدَ قُدْرَتِهِ فَلَا يَبْطُلُ حَقُّهُ الْمُعَجَّلُ لِحَقِّهِ الْمُؤَجَّلِ، كَمَا لَوْ كَانَ لَهُ عَلَى إنْسَانٍ دَيْنٌ مُؤَجَّلٌ وَلَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ مُعَجَّلٌ لَمْ يَبْطُلْ حَقُّهُ الْمُعَجَّلُ بِالْمُؤَجَّلِ، كَذَلِكَ هَذَا، وَكَذَلِكَ سَبَبُ وُجُوبِ تَسْلِيمِ الدَّيْنِ قَدْ ظَهَرَ وَهُوَ كَوْنُ الدَّيْنِ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا يَسْقُطُ بِمَعْنًى آخَرَ، وَلَمْ يُعْلَمْ كَمَا بَيَّنَّا. وَلَيْسَ كَذَلِكَ فِي الرَّدِّ بِالْعَيْبِ، لِأَنَّ سَبَبَ وُجُوبِ الرَّدِّ عَلَيْهِ كَوْنُهُ جَاهِلًا بِالْعَيْبِ وَقْتَ الشِّرَاءِ وَلَمْ يُعْلَمْ، فَسَبَبُ وُجُوبِ الرَّدِّ لَمْ يَظْهَرْ فَمَا لَمْ يَثْبُتْ لَمْ يَكُنْ لَهُ الْمُطَالَبَةُ بِالرَّدِّ كَالدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ مَا لَمْ يَحِلَّ لَا يَكُونُ لِلْوَكِيلِ حَقٌّ فِي الْقَبْضِ، كَذَلِكَ هَذَا. ٥٥٠ - وَإِذَا كَانَ الدَّرْبُ غَيْرَ نَافِذٍ وَفِي أَقْصَاهُ مَسْجِدُ خُطَّةٍ، بَابُ

стр. 449

الْمَسْجِدِ فِي الدَّرْبِ فِي ظَهْرِ الْمَسْجِدِ، وَجَانِبُهُ الْآخَرُ إلَى الطَّرِيقِ الْأَعْظَمِ، فَبَاعَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الدَّرْبِ دَارِهِ، فَلَا شُفْعَةَ لِأَهْلِ الدَّرْبِ إلَّا لِمَنْ يُجَاوِرَهَا بِالْجِدَارِ، لِأَنَّ الْمَسْجِدَ بِمَنْزِلَةِ الطَّرِيقِ النَّافِذِ. وَلَوْ كَانَ حَوْلَ الْمَسْجِدِ دُورٌ تَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الطَّرِيقِ الْأَعْظَمِ، كَانَ لِأَهْلِ الدَّرْبِ الشُّفْعَةُ بِالشَّرِكَةِ، لِأَنَّ الْمَسْجِدَ الْآنَ لَيْسَ بِطَرِيقٍ نَافِذٍ. وَالْفَرْقُ أَنَّهُ لَمَّا اخْتَطَّ الْإِمَامُ تِلْكَ الْبُقْعَةَ مَسْجِدًا لَمْ يَبْقَ لِأَحَدٍ فِيهِ مِلْكٌ، فَجُعِلَ كَأَنَّهُ تَرَكَ الْمَحَلَّ فَضَاءً، وَلَوْ تَرَكَ ذَلِكَ الْمَحَلَّ فَضَاءً كَانَ شَارِعًا، فَلَا يَجِبُ لَهُمْ الشُّفْعَةُ بِالشَّرِكَةِ فِي الطَّرِيقِ، كَذَلِكَ هَذَا. وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا كَانَ حَوْلَهُ دُورٌ، لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ حَوْلَهُ دُورٌ صَارَ كَمَا لَوْ تَرَكَ الْإِمَامُ تِلْكَ الْبُقْعَةَ فَضَاءً وَحَوْلَهُ دُورٌ، فَلَا يَكُونُ شَارِعًا، فَوَجَبَتْ لَهُمْ الشُّفْعَةُ بِالشَّرِكَةِ فِي الطَّرِيقِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ ذَلِكَ الْمَوْضِعُ مِلْكًا ثُمَّ اخْتَطَّهُ فَإِنَّهُ يَجِبُ لَهُمْ الشُّفْعَةُ لِأَنَّهُ حَيْثُ كَانَ مِلْكًا وَجَبَتْ لَهُمْ الشُّفْعَةُ بِالشَّرِكَةِ فِي الطَّرِيقِ، فَإِذَا أَعَادَ ذَلِكَ الرَّجُلُ تِلْكَ الْبُقْعَةَ مَسْجِدًا لَمْ تَبْطُلْ شَرِكَتُهُمْ، فَكَانَ لَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوهَا بِالشُّفْعَةِ بِالشَّرِكَةِ فِي الطَّرِيقِ. ٥٥١ - إذَا ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ حَقًّا فَصَالَحَهُ عَلَى دَارِ بَعْدَ الْإِقْرَارِ وَالْإِنْكَارِ، ثُمَّ تَصَادَقَا عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حَقٌّ، فَإِنَّهُ يَرُدُّ الدَّارَ عَلَى الْمُصَالَحِ، وَلِلشَّفِيعِ الشُّفْعَةُ فِيهَا. وَلَوْ اشْتَرَى دَارًا مِنْهُ بِحَقٍّ يَدَّعِيه عَلَيْهِ وَأَقَرَّ لَهُ بِهِ، ثُمَّ تَصَادَقَا عَلَى أَنَّهُ

стр. 450

لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهِ شَيْءٌ لَمْ يَجِبْ رَدُّ الدَّارِ عَلَيْهِ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ تَسْلِيمُ الثَّمَنِ وَلِلشَّفِيعِ الشُّفْعَةُ. وَالْفَرْقُ أَنَّ عَقْدَ الصُّلْحِ لَيْسَ بِعَقْدِ ضَمَانٍ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ صَالَحَ مِنْ أَلْفٍ عَلَى خَمْسِمِائَةٍ جَازَ، فَلَمْ يَنْعَقِدْ الْعَقْدُ بِمَضْمُونٍ فِي الذِّمَّةِ، وَإِنَّمَا انْعَقَدَ بِمَا لَهُ عَلَيْهِ، فَإِذَا تَصَادَقَا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهِ شَيْءٌ لَمْ يَصِرْ قِصَاصًا بِمَا لَهُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَجُزْ الصُّلْحُ، وَإِذَا لَمْ يَجُزْ وَجَبَ رَدُّ الدَّارِ إلَيْهِ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا بَاعَهُ بِالدَّارِ لِأَنَّ الْبَيْعَ عَقْدُ ضَمَانٍ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ بَاعَ أَلْفًا بِخَمْسِمِائَةٍ لَا يَجُوزُ، فَانْعَقَدَ بِمَضْمُونٍ فِي الذِّمَّةِ، ثُمَّ يَصِيرُ قِصَاصًا بِمَا لَهُ عَلَيْهِ فَإِذَا تَصَادَقَا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَلَمْ يَصِرْ قِصَاصًا فَبَقِيَ عَقْدُ شِرَاءٍ بِمَضْمُونٍ فِي ذِمَّةِ الْمُشْتَرِي، فَلَزِمَهُ تَسْلِيمُ الثَّمَنِ، إلَّا أَنَّ تَصَادُقَهُمَا فِي الْمَوْضِعَيْنِ يَجُوزُ فِي حَقِّهِمَا، وَلَا يَجُوزُ فِي حَقِّ الشَّفِيعِ، فَلَمْ يَبْطُلْ حَقُّ الشَّفِيعِ، وَلَهُ الْأَخْذُ بِالشُّفْعَةِ. ٥٥٢ - إذَا صَالَحَ مِنْ الشُّفْعَةِ عَلَى مَالٍ لَا يَجِبُ شَيْءٌ، وَبَطَلَتْ الشُّفْعَةُ. وَلَوْ صَالَحَ مِنْ الْكَفَالَةِ بِالنَّفْسِ عَلَى مَالِ لَمْ تَبْطُلْ الْكَفَالَةُ وَلَا يَجِبُ الْمَالُ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ. وَالْفَرْقُ أَنَّهُ لَمَّا صَالَحَ مِنْ الشُّفْعَةِ عَلَى مَالٍ فَقَدْ آثَرَ غَيْرَ الشُّفْعَةِ عَلَى الشُّفْعَةِ، فَكَانَ تَسْلِيمًا لِلشُّفْعَةِ كَمَا لَوْ طَلَبَ مِنْ الْمُشْتَرِي أَنْ يَبِيعَهُ مِنْهُ أَوْ يَهَبَهُ.

стр. 451

وَأَمَّا فِي بَابِ الْكَفَالَةِ فَقَدْ آثَرَ غَيْرَ الْكَفَالَةِ عَلَى الْكَفَالَةِ، وَإِيثَارُ غَيْرِ الْكَفَالَةِ لَا يُبْطِلُ الْكَفَالَةَ، كَمَا لَوْ طَلَبَ مِنْ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَصْلُ أَنْ يُعْطِيَهُ كَفِيلًا آخَرَ، أَوْ يَبِيعَ بِدَيْنِهِ شَيْئًا. ٥٥٣ - إذَا اشْتَرَى دَارًا وَلَهَا شَفِيعَانِ فَحَضَرَ أَحَدُهُمَا فَصَالَحَ الْمُشْتَرِي عَلَى أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ نِصْفَ الدَّارِ وَيُسَلِّمَ لَهُ النِّصْفَ، ثُمَّ حَضَرَ الشَّفِيعُ الْآخَرُ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْبَاقِيَ، فَيُسَلِّمَ أَوْ يَأْخُذَ نِصْفَ مَا فِي يَدِ الْآخَرِ، وَيَصِيرُ أَخْذُهُ نِصْفَ الدَّارِ شِرَاءً جَدِيدًا، وَصَارَ مُسَلِّمًا الشُّفْعَةَ فِي الْجَمِيعِ. وَلَوْ أَخَذَ أَحَدُ الشَّفِيعَيْنِ جَمِيعَ الدَّارِ ثُمَّ جَاءَ الشَّفِيعُ الْآخَرُ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ نِصْفَ الدَّارِ مِنْ يَدِهِ، وَلَا تَبْطُلُ شُفْعَةُ الْأَوَّلِ وَلَا الثَّانِي. وَالْفَرْقُ أَنَّ تَبْعِيضَ الْمَبِيعِ عَلَى الْمُشْتَرِي لَيْسَ مِنْ مُوجَبِ الْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَيْسَ لِلشَّفِيعِ تَبْعِيضُ الْمَبِيعِ عَلَى الْمُشْتَرِي، وَإِنَّمَا أَنْ يَأْخُذَ الْجَمِيعَ أَوْ يُسَلِّمَ الْجَمِيعَ، فَلَمْ يَكُنْ أَخْذُهُ لِلنِّصْفِ أَخْذًا عَلَى الشُّفْعَةِ، فَصَارَ ابْتِدَاءَ عَقْدٍ جَرَى بَيْنَهُمَا، فَكَأَنَّ أَحَدَ الشَّفِيعَيْنِ اشْتَرَى نِصْفَ الدَّارِ الَّتِي وَجَبَتْ لَهُ الشُّفْعَةُ فِيهَا، فَبَطَلَتْ شُفْعَتُهُ وَهُوَ شَفِيعٌ لِمَا اشْتَرَى فَلَهُ أَنْ يُمْسِكَ نِصْفَهُ، وَلِلشَّفِيعِ الْغَائِبِ نِصْفُهُ، وَالنِّصْفُ الَّذِي فِي يَدِ الْمُشْتَرِي صَارَ الْأَوَّلُ مُسَلَّمًا لِلشُّفْعَةِ فَأَخَذَهُ الثَّانِي. وَأَمَّا إذَا أَخَذَ أَحَدُ الشُّفَعَاءِ الْجَمِيعَ، ثُمَّ أَخَذَهُ الثَّانِي مِنْهُ فَالتَّبْعِيضُ عَلَى الشَّفِيعِ مِنْ مُوجَبِ الْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَيْسَ لِأَحَدِ الشَّفِيعَيْنِ أَنْ يَأْخُذَ

стр. 452

جَمِيعَ الدَّارِ، وَإِنَّمَا لَهُ أَنْ يَأْخُذَ النِّصْفَ، وَإِذَا كَانَ التَّبْعِيضُ مِنْ مُوجَبِ الْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ كَانَ أَخْذُهُ نِصْفَ الدَّارِ أَخْذًا عَلَى الشُّفْعَةِ، وَلَمْ يَجْعَلْهُ ابْتِدَاءَ عَقْدٍ، فَلَمْ يَصِرْ مُسَلِّمًا الشُّفْعَةَ فَكَانَ لِأَحَدِهِمَا النِّصْفُ، وَلِلْآخَرِ النِّصْفُ. ٥٥٤ - إذَا بَاعَ نِصْفَ الدَّارِ مِنْ رَجُلٍ فَجَاءَ جَارُ الدَّارِ فَأَخَذَهَا بِالشُّفْعَةِ، ثُمَّ قَاسَمَ شَرِيكَهُ فِي الدَّارِ ثُمَّ حَضَرَ شَفِيعٌ بِطَرِيقٍ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَنْقُضَ قِسْمَتَهُ. وَلَوْ أَنَّ دَارًا بِيعَتْ وَلَهَا شَفِيعَانِ فَأَخَذَاهَا بِالشُّفْعَةِ وَاقْتَسَمَاهَا بَيْنَهُمَا ثُمَّ جَاءَ الشَّفِيعُ الثَّالِثُ، كَانَ لِلثَّالِثِ أَنْ يَنْقُضَ الْقِسْمَةَ. وَالْفَرْقُ أَنَّ الْقِسْمَةَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى مِنْ مُوجَبِ الْعَقْدِ، بِدَلِيلِ أَنَّ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يُطَالِبَ الْبَائِعَ بِالْقِسْمَةِ، وَلِأَنَّهُ تَعَيَّنَ الْمَبِيعُ، وَتَعَيُّنُ الْمَبِيعِ حَقُّ الْعَقْدِ، وَمَا كَانَ مِنْ مُوجَبِ الْعَقْدِ فَتَوَلَّاهُ الْمُشْتَرِي لَمْ يَكُنْ لِلشَّفِيعِ نَقْضُهُ، كَمَا قُلْنَا فِي تَسْلِيمِ الثَّمَنِ وَقَبْضِ الْمُشْتَرِي وَغَيْرِهِ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ قِسْمَةُ الشَّفِيعَيْنِ، لِأَنَّ تِلْكَ الْقِسْمَةَ لَيْسَتْ مِنْ مُوجَبِ الْعَقْدِ، لِأَنَّهُمَا لَمْ يَتَعَاقَدَا عَقْدًا وَإِنَّمَا هِيَ مِنْ مُوجَبِ مِلْكِهِمَا، وَمَا لَا يَكُونُ مِنْ مُوجَبِ الْبَيْعِ فَإِذَا تَوَلَّاهُ الْمُشْتَرِي كَانَ لِلْبَائِعِ نَقْضُهُ كَبَيْعٍ آخَرَ. وَفَرْقٌ آخَرُ: أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى مِنْ حَيْثُ تُنْقَضُ الْقِسْمَةُ نُعِيدُهَا، لِأَنَّهُ يَجُوزُ

стр. 453

أَنْ يُقْسَمَ ثَانِيًا فَتَقَعُ تِلْكَ الْقِطْعَةُ فِي حِصَّتِهِ، وَالشَّيْءُ إذَا كَانَ مِنْ حَيْثُ يُنْقَضُ يُعَادُ فَلَا فَائِدَةَ فِي نَقْضِهِ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ فِي الشَّفِيعَيْنِ لِأَنَّا مِنْ حَيْثُ تُنْقَضُ تِلْكَ الْقِسْمَةُ لَا نُعِيدُهَا لِأَنَّا نَحْتَاجُ أَنْ نُفَرِّقَ عَلَى ثَلَاثَةٍ، فَلَا نُعِيدُ تِلْكَ الْقِسْمَةَ فَكَانَ فِي نَقْضِهَا فَائِدَةٌ فَجَازَ أَنْ يُنْقَضَ. وَفَرْقٌ آخَرُ: أَنَّا مِنْ حَيْثُ نَنْقُضُ الْقِسْمَةَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى، لَا نُلْحِقُ ضَرَرًا بِالشَّفِيعِ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ جَمِيعَ حَقِّهِ فِي مَحَلٍّ آخَرَ، فَجَازَ أَنْ لَا يُنْقَضَ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْمَسْأَلَةُ الْأُخْرَى، لِأَنَّ تَرْكَ نَقْضِ الْقِسْمَةِ يُؤَدِّي إلَى إلْحَاقِ ضَرَرٍ بِالشَّفِيعِ، لِأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَأْخُذَ حَقَّهُ فِي مَحَلٍّ آخَرَ فَتُفَرَّقُ الصَّفْقَةُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ فِي تَرْكِ الْقِسْمَةِ إلْحَاقُ ضَرَرٍ بِهِ جَازَ أَلَّا يَتْرُكَ الْقِسْمَةَ وَتُنْقَضُ كَيْ لَا يُؤَدِّيَ إلَى الضَّرَرِ. ٥٥٥ - إذَا بَاعَ دَارًا بِثَلَاثَةِ آلَافٍ وَهِيَ قِيمَتُهَا، وَوَارِثُ الْبَائِعُ شَفِيعُهَا فَأَخَذَهَا بِالشُّفْعَةِ، ثُمَّ مَرِضَ الْبَائِعُ فَحَطَّ عَنْ الْمُشْتَرِي مِنْ الثَّمَنِ أَلْفَ دِرْهَمٍ، ثُمَّ مَاتَ، وَلَا مَالَ لَهُ غَيْرُ الثَّمَنِ، فَالْحَطُّ بَاطِلٌ عَنْ الْمُشْتَرِي. وَلَوْ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ وَلَّى الْبَيْعَ وَارِثَ الْبَائِعُ، أَوْ بَاعَهَا مُرَابَحَةً مِنْهُ، ثُمَّ حَطَّ

стр. 454

الْبَائِعُ فِي مَرَضِهِ أَلْفًا عَنْ الْمُشْتَرِي جَازَ حَطُّهُ. وَالْفَرْقُ أَنَّ الشَّفِيعَ يَأْخُذُهُ بِإِيجَابِ الْبَائِعِ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْبَائِعَ لَوْ أَقَرَّ بِالْبَيْعِ وَأَنْكَرَهُ الْمُشْتَرِي كَانَ لِلشَّفِيعِ أَنْ يَأْخُذَ الدَّارَ بِالشُّفْعَةِ، وَبِدَلِيلِ أَنَّ لِلشَّفِيعِ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْ يَدِ الْبَائِعِ فَدَلَّ أَنَّ الشَّفِيعَ يَأْخُذُهُ بِإِيجَابِ الْبَائِعِ فَصَارَ أَخْذُ الشَّفِيعِ مِنْ جِهَةِ الْبَائِعِ، وَحَطُّهُ يَلْحَقُ عَقْدَهُ فَكَأَنَّ الْبَائِعَ أَوْجَبَهُ لِوَارِثِهِ، فَكَانَتْ وَصِيَّةً لِلْوَارِثِ، فَلَا يَجُوزُ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ التَّوْلِيَةُ وَالْمُرَابَحَةُ لِأَنَّ الَّذِي وَلَّاهُ الْمُشْتَرِي لَا يَأْخُذُهُ بِإِيجَابِ الْبَائِعِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ أَرَادَ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْ يَدِ الْبَائِعِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّمَا يَأْخُذُهُ بِإِيجَابِ الْمُشْتَرِي ابْتِدَاءً، وَالْبَالِغُ بِالْحَطِّ أَوْجَبَ الْحَقَّ لِلْمُشْتَرِي ثُمَّ إنَّ الْمُشْتَرِيَ أَوْجَبَ الْمُرَابَحَةَ وَالْمَوْلَى ابْتِدَاءً فَلَمْ يَكُنْ مُوجِبًا الْحَقَّ لِوَارِثِهِ، فَلَمْ يَكُنْ وَصِيَّةً لِلْوَارِثِ، فَجَازَ حَطُّهُ. ٥٥٦ - وَإِذَا سَلَّمَ الشَّفِيعُ الشُّفْعَةَ بَعْدَ الْبَيْعِ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِالْبَيْعِ فَتَسْلِيمُهُ جَائِزٌ. وَلَوْ سَاوَمَ الشَّفِيعُ الْمُشْتَرِيَ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِالشِّرَاءِ لَمْ تَبْطُلْ شُفْعَتُهُ. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ تَسْلِيمَ الشُّفْعَةِ صَرِيحًا إسْقَاطُ الْحَقِّ فَيَسْتَوِي فِيهِ الْعِلْمُ وَالْجَهْلُ، كَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَالْبَرَاءَةِ مِنْ الْعَيْبِ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْمُسَاوَمَةُ، لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِصَرِيحٍ فِي إبْطَالِ الشُّفْعَةِ، وَإِنَّمَا

стр. 455

يُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَى الْإِعْرَاضِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِالْبَيْعِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَجْعَلَ دَلِيلَ الْإِعْرَاض فَلَمْ تَبْطُلْ شُفْعَتُهُ. ٥٥٧ - إذَا اشْتَرَى دَارًا بِعَبْدٍ، ثُمَّ إنَّ الشَّفِيعَ أَخَذَ الدَّارَ مِنْ الْمُشْتَرِي بِقِيمَةِ الْعَبْدِ، ثُمَّ مَاتَ الْعَبْدُ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ الْبَائِعُ، فَإِنَّ تِلْكَ الْقِيمَةَ لِلْبَائِعِ، وَلَا يَكُونُ عَلَى الْمُشْتَرِي قِيمَةُ الدَّارِ. وَلَوْ اشْتَرَى دَارًا بِحِنْطَةٍ بِعَيْنِهَا وَقَبَضَ الدَّارَ ثُمَّ وَلَّى الْمُشْتَرِي الْبَيْعَ رَجُلًا آخَرَ وَقَبَضَ الثَّمَنَ، ثُمَّ تَلِفَتْ الْحِنْطَةُ، قَبْلَ التَّسْلِيمِ، فَإِنَّ الْبَائِعَ لَا يَأْخُذُ مِنْ الْمُشْتَرِي ذَلِكَ الثَّمَنَ، ذَلِكَ الَّذِي أَخَذَهُ مِنْ الشَّفِيعِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ لَهُ عَلَى الْمُشْتَرِي قِيمَةُ الدَّارِ. وَالْفَرْقُ أَنَّ الشَّفِيعَ يَأْخُذُهُ بِإِيجَابِ الْبَائِعِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَأْخُذُهُ مِنْ يَدِ الْبَائِعِ، وَبِدَلِيلِ مَا بَيَّنَّا قَبْلَ هَذَا، وَإِذَا كَانَ يَأْخُذُهُ بِإِيجَابِهِ فَقَدْ وُجِدَ الرِّضَا مِنْ الْبَائِعِ بِتَمْلِيكِ الْمُشْتَرِي إيَّاهُ بِذَلِكَ الثَّمَنِ الَّذِي أَخَذَهُ الشَّفِيعُ بِهِ، فَكَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ ذَلِكَ مِنْهُ لَا غَيْرُ كَمَا لَوْ وَكَّلَ وَكِيلًا بِبَيْعِ دَارِهِ فَبَاعَهَا وَأَخَذَ الثَّمَنَ فَلِلْمُوَكِّلِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ الثَّمَنَ لَا غَيْرُ، كَذَلِكَ هَذَا. وَلَيْسَ كَذَلِكَ فِي بَابِ الْبَيْعِ، لِأَنَّ الْمَوْلَى لَهُ الْبَيْعُ لَا يَأْخُذُهُ بِإِيجَابِ الْبَائِعِ، وَإِنَّمَا يَأْخُذُهُ بِإِيجَابِ الْمُشْتَرِي، بِدَلِيلِ مَا بَيَّنَّا قَبْلَ هَذَا، فَلَمْ يُوجِبْ الْبَائِعَ بِتَمْلِيكِ الْمُشْتَرِي إيَّاهُ ذَلِكَ الثَّمَنَ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ مَا رَضِيَ بِهِ

стр. 456

ثَمَنًا، وَهُوَ الْحِنْطَةُ، لِأَنَّهُ وَجَبَ عَلَيْهِ تَسْلِيمُ الْحِنْطَةِ، وَعَجَزَ عَنْ التَّسْلِيمِ، فَوَجَبَ أَنْ يَرُدَّ مَا بِإِزَائِهِ، وَهُوَ الدَّارُ الْمَبِيعَةُ، وَلَا يَقْدِرُ، لِأَخْذِ الشَّفِيعِ إيَّاهَا، فَغَرِمَ قِيمَتَهَا كَالْغَاصِبِ. ٥٥٨ - إذَا أُخْبِرَ الشَّفِيعُ بِأَنَّ الثَّمَنَ كُرُّ حِنْطَةٍ فَسَلَّمَ الشُّفْعَةَ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّ الثَّمَنَ كُرُّ شَعِيرٍ، قِيمَتُهُ مِثْلُ قِيمَةِ الْحِنْطَةِ، أَوْ أَقَلُّ أَوْ أَكْثَرُ، فَهُوَ عَلَى شُفْعَتِهِ. وَلَوْ أُخْبِرَ بِأَنَّ الثَّمَنَ أَلْفُ دِرْهَمٍ فَسَلَّمَ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّ الثَّمَنَ مِائَةُ دِينَارٍ وَقِيمَتَهُ أَلْفُ دِرْهَمٍ فَلَا شُفْعَةَ لَهُ. وَلَوْ أُخْبِرَ بِأَنَّ الثَّمَنَ عَبْدٌ أَوْ ثِيَابٌ قِيمَتُهَا أَلْفُ دِرْهَمٍ فَسَلَّمَ الشُّفْعَةَ، فَإِذَا الثَّمَنُ دَرَاهِمُ أَوْ دَنَانِيرُ قَالَ فِي الْأَصْلِ: فَهُوَ عَلَى شُفْعَتِهِ. قَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَحْمُولَةٌ عَلَى أَنَّ الثَّمَنَ دَرَاهِمُ أَوْ دَنَانِيرُ أَقَلُّ مِنْ قِيمَةِ الْعَبْدِ أَوْ الثِّيَابِ. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْحِنْطَةَ لَهُ مِثْلُ جِنْسِهَا فَلِلشَّفِيعِ أَنْ يَأْخُذَ بِمِثْلِهَا، فَإِذَا عَلِمَ أَنَّ الثَّمَنَ حِنْطَةٌ فَسَلَّمَ بِهِ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ شَعِيرٌ فَلَمْ يُسَلِّمْ الشُّفْعَةَ بِمَا وَجَبَ لَهُ حَقُّ الْأَخْذِ بِهِ، لِأَنَّ الرَّغَائِبَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَجْنَاسِ كَمَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الثَّمَنِ مِقْدَارُ الثَّمَنِ، لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَكُونُ عِنْدَهُ جِنْسٌ فَرَغِبَ فِي أَخْذِ

стр. 457

الدَّارِ، وَلَا يَرْغَبُ فِي أَخْذِهَا لِعَدَمِ جِنْسِ الثَّمَنِ عِنْدَهُ، فَصَارَ كَمَا لَوْ أُخْبِرَ بِأَنَّ الثَّمَنَ أَلْفٌ فَسَلَّمَ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّ الثَّمَنَ خَمْسُمِائَةٍ، فَهُوَ عَلَى شُفْعَتِهِ، كَذَلِكَ هَذَا. وَإِذَا أُخْبِرَ بِأَنَّ الثَّمَنَ دَرَاهِمُ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّ الثَّمَنَ دَنَانِيرُ فَهُمَا فِي الْحُكْمِ كَالْجِنْسِ الْوَاحِدِ، لِأَنَّهُمَا ثَمَنُ الْأَشْيَاءِ وَقِيَمُ الْمُتْلَفَاتِ، وَيَسْهُلُ نَقْلُ كُلِّ وَاحِدٍ إلَى صَاحِبِهِ فَجُعِلَ كَأَنَّهُمَا جِنْسٌ وَاحِدٌ وَقَدْ سَلَّمَ فِيمَا وَجَبَ لَهُ حَقُّ الْأَخْذِ بِهِ فَبَطَلَتْ شُفْعَتُهُ. وَأَمَّا إذَا أُخْبِرَ بِأَنَّ الثَّمَنَ عَبْدٌ فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ يَأْخُذُهُ مِنْهُ بِقِيمَةِ الْعَبْدِ فَإِذَا كَانَ مَا أُخْبِرَ بِهِ مِنْ الثَّمَنِ مِثْلَ قِيمَتِهِ، فَقَدْ سَلَّمَ لَهُ الشُّفْعَةَ بِمَا وَجَبَ لَهُ حَقُّ الْأَخْذِ بِهِ فَبَطَلَتْ شُفْعَتُهُ، وَإِنْ كَانَتْ الْقِيمَةُ أَقَلَّ فَلَمْ يُسَلِّمْ الشُّفْعَةَ بِمَا وَجَبَ لَهُ حَقُّ الْأَخْذِ بِهِ، فَبَقِيَتْ شُفْعَتُهُ، كَمَا لَوْ أُخْبِرَ بِأَنَّ الثَّمَنَ أَلْفٌ فَسَلَّمَ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّ الثَّمَنَ خَمْسُمِائَةٍ. ٥٥٩ - إذَا اخْتَلَفَ الشَّفِيعُ وَالْمُشْتَرِي فِي الثَّمَنِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي، وَلَا يَتَحَالَفَانِ. وَلَوْ اخْتَلَفَ الْوَكِيلُ وَالْمُوَكِّلُ فِي الثَّمَنِ يَحْلِفَا.

стр. 458

وَالْفَرْقُ أَنَّ الشَّفِيعَ لَمْ يَمْلِكْهُ بِعَقْدٍ مِنْ جِهَةِ الْمُشْتَرِي، وَلَا مِنْ جِهَةِ غَيْرِهِ، لِأَنَّهُ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي بَعْدُ، وَالتَّحَالُفُ لِدَفْعِ مِلْكٍ حَاصِلٍ بِالْعَقْدِ اخْتَلَفَا فِي بَدَلِهِ كَالْبَيْعِ، وَلَمْ يُوجَدْ فَلَا يَتَحَالَفَانِ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْوَكِيلُ وَالْمُوَكِّلُ لِأَنَّ الْمِلْكَ قَدْ حَصَلَ لِلْآخَرِ بِعَقْدِ الْوَكِيلِ، وَاخْتَلَفَا فِي بَدَلِهِ، فَجَازَ أَنْ يَتَحَالَفَا لِرَفْعِ ذَلِكَ الْمِلْكِ، كَالْمُشْتَرِي وَالْبَائِعِ.

стр. 459

[كِتَابُ الْقِسْمَةِ] ٥٦٠ - إذَا حَضَرَ اثْنَانِ مِنْ الْوَرَثَةِ، وَأَقَامَا الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْأَرْضَ مِيرَاثٌ لَنَا وَلِفُلَانٍ الْغَائِبِ، فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَقْسِمُهَا بَيْنَهُمَا، وَيَعْزِلُ نَصِيبَ الْغَائِبِ، وَيُوَكِّلُ وَكِيلًا لِحِفْظِهِ. وَلَوْ ادَّعَيَا شِرَاءً أَوْ مِلْكًا مُطْلَقًا، وَأَقَامَا الْبَيِّنَةَ، وَلَهُمَا شَرِيكٌ ثَالِثٌ، فَإِنَّ الْقَاضِيَ لَا يَقْسِمُهَا بَيْنَهُمَا. وَالْفَرْقُ أَنَّ التَّرِكَةَ مُبَقَّاةٌ عَلَى مِلْكِ الْمَيِّتِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يُقْضَى مِنْهَا دُيُونُهُ، وَتُنَفَّذُ مِنْهَا وَصَايَاهُ، وَلِلْقَاضِي وِلَايَةٌ عَلَى مَالِ الْمَيِّتِ، فَلَهُ أَنْ يُثْبِتَ عَنْهُ الْخَصْمَ، وَيَقْضِيَ عَلَيْهِ، أَلَا تَرَى أَنَّ رَجُلًا لَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى أَحَدِ الْوَرَثَةِ بِدَيْنٍ عَلَى الْمَيِّتِ نَفَذَ قَضَاؤُهُ عَلَى جَمِيعِ الْوَرَثَةِ، كَذَلِكَ هَذَا. فَإِذَا سَمِعَ الْبَيِّنَةَ مِنْهُمَا فَقَدْ جَعَلَ الْحَاضِرِينَ خَصْمًا عَنْ الْغَائِبِ، فَصَارَ كَمَا لَوْ كَانَ هُوَ حَاضِرًا فَصَحَّتْ الْقِسْمَةُ عَلَيْهِ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا ادَّعَيَا الشِّرَاءَ، لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلْقَاضِي وِلَايَةٌ عَلَى الْغَائِبِ، وَلَا عَلَى الْحَاضِرِينَ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُثْبِتَ عَنْ الْغَائِبِ خَصْمًا، فَلَوْ قَسَمَ لَكَانَتْ

стр. 460

قِسْمَتُهُ مِنْ غَيْرِ خَصْمٍ، فَيَكُونُ قَضَاءً عَلَى الْغَائِبِ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ. ٥٦١ - فَإِنْ حَضَرَ وَاحِدٌ مِنْ الْوَرَثَةِ، وَلَيْسَ فِي الْوَرَثَةِ إلَّا صَغِيرٌ وَوَارِثٌ كَبِيرٌ غَائِبٌ، فَأَقَامَ الْوَاحِدُ الْحَاضِرُ الْبَيِّنَةَ، فَإِنَّ الْقَاضِيَ لَا يَقْسِمُ بِبَيِّنَتِهِ حَتَّى يَحْضُرَ الْغَائِبُ. وَإِنْ حَضَرَ اثْنَانِ، وَأَقَامَا الْبَيِّنَةَ، وَالثَّالِثُ غَائِبٌ قَسَمَهَا بَيْنَهُمَا، وَيَعُودُ قَسْمُهُ عَلَى الْغَائِبِ، وَإِنْ كَانَ فِي الْوَرَثَةِ حَاضِرٌ كَبِيرٌ وَوَارِثٌ صَغِيرٌ فَلِلْقَاضِي أَنْ يُنَصِّبَ لِلصَّغِيرِ قَيِّمًا وَقَسَمَهَا بَيْنَهُمَا. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ مِنْ أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ: أَنَّ الْعَقَارَ لَا يُقْسَمُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ عَلَى مِيرَاثٍ عَنْ الْمَيِّتِ، وَالْبَيِّنَةُ لَا تُقْبَلُ إلَّا بِخَصْمٍ وَإِنْكَارٍ، فَإِذَا حَضَرَ وَاحِدٌ لَمْ يُوجَدْ شَرْطُ قَبُولِ الْبَيِّنَةِ، فَلَا يُقْسَمُ، وَعِنْدَهُمَا يُقْسَمُ بِغَيْرِ الْبَيِّنَةِ، إلَّا أَنَّ فِي الْقِسْمَةِ مَعْنَى الْمُنَاقَلَةِ فِيهَا، فَصَارَ كَالْبَيْعِ، وَالْبَيْعُ يَتِمُّ بِاثْنَيْنِ، وَلَا يَتِمُّ بِوَاحِدٍ (٣٨) كَذَلِكَ الْقِسْمَةُ. وَأَمَّا إذَا حَضَرَ اثْنَانِ فَقَدْ وُجِدَ شَرْطُ سَمَاعِ الْبَيِّنَةِ مِنْ حُضُورِ الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَسُمِعَتْ الْبَيِّنَةُ وَوُجِدَ مُوجِبٌ وَقَابِلٌ لِلْإِيجَابِ فَيَتِمُّ الْعَقْدُ بِهِمَا، وَأَمَّا إذَا كَانَ فِي الْوَرَثَةِ صَغِيرٌ فَلِلْقَاضِي وِلَايَةٌ عَلَى الصَّغِيرِ فَلَهُ أَنْ يُثْبِتَ عَنْهُ فَيُنَصِّبَ خَصْمًا فَيَكُونَ قَضَاءً عَلَى خَصْمٍ، فَكَأَنَّهُمَا كَبِيرَانِ حَضَرَا وَأَقَامَا بَيِّنَةً فَقُبِلَتْ.
следующие страницы →