Полный текст (659 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
وَالْفَرْقُ أَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَةِ صِفَتِهِ لِأَحَدِ شَيْئَيْنِ، إمَّا لِإِزَالَةِ الضَّرَرِ أَوْ لِإِلْحَاقِ ضَرَرٍ، وَفِي الْوَكَالَةِ الْحَاجَةُ إلَى مَعْرِفَتِهَا لِإِزَالَةِ الضَّرَرِ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ يَلْحَقُهُ لِكَوْنِ الدَّرَاهِمِ زُيُوفًا أَوْ بَهْرَجَةً، فَجَازَ أَنْ يَشْتَرِطَ إزَالَةَ جَمِيعِ جِهَاتِ الضَّرَرِ وَالْجَهَالَةِ، فَإِذَا لَمْ يَعْلَمْ صَاحِبُهُ فَعِنْدَهُ أَنَّ صَاحِبَهُ غَارٌّ لَهُ، وَكَذَلِكَ إذَا عَلِمَ وَاحِدٌ وَلَمْ يَعْلَمْ الْآخَرُ فَإِذَا لَمْ تَزُلْ جَمِيعُ جِهَاتِ الضَّرَرِ فَاعْتُبِرَ التَّسْمِيَةُ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ فِي الْبَائِعِ لِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَى مَعْرِفَةِ صِفَةِ الدَّرَاهِمِ لِزَوَالِ الضَّرَرِ؛ لِأَنَّ الضَّرَرَ يَلْحَقُهُ إذَا كَانَتْ الدَّرَاهِمُ زُيُوفًا أَوْ بَهْرَجَةً فَإِذَا عَلِمَ ذَلِكَ فَقَدْ زَالَ الضَّرَرُ سَوَاءٌ عَلِمَ أَنَّ صَاحِبَهُ عَلِمَ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ، وَإِذَا زَالَ جَمِيعُ جِهَاتِ الضَّرَرِ انْعَقَدَ الْعَقْدُ بِالْمَعْنَى دُونَ الْمُسَمَّى، وَوَقَعَ الْقَضَاءُ بِهِ، وَفِي السَّتُّوقَةِ لَمْ يَقَعْ الْقَضَاءُ بِهَا فَبَقِيَ الْمُسَمَّى وَاجِبًا.
٦٧٣ - إذَا قَالَ لِرَجُلٍ: آجِرْهُ دَارِي هَذِهِ بِعَبْدٍ، فَأَجَّرَهَا بِعَبْدٍ بِغَيْرِ عَيْنِهِ لَمْ يَجُزْ.
وَلَوْ قَالَ: تَزَوَّجْ لِي فُلَانَةَ عَلَى عَبْدٍ، أَوْ اخْلَعْ امْرَأَتِي عَلَى عَبْدٍ.
فَخَلَعَهَا أَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى عَبْدٍ بِغَيْرِ عَيْنِهِ جَازَ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الْإِجَارَةَ تُشْبِهُ الْمُعَاوَضَةَ وَالْعَقْدَ عَلَى الْمَالِ مِنْ وَجْهٍ، وَتُشْبِهُ الْعَقْدَ
стр. 562
عَلَى غَيْرِ الْمَالِ مِنْ وَجْهٍ، أَمَّا شَبَهُهَا بِالْمَالِ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْمَنَافِعَ تَصِيرُ مَالًا بِالْعَقْدِ عَلَيْهَا، وَتُشْبِهُ الْعَقْدَ عَلَى غَيْرِ الْمَالِ مِنْ حَيْثُ أَنَّهُ لَوْ غَصَبَ دَارًا فَسَكَنَهَا لَا يُوجِبُ الْأَجْرَ، وَلَوْ اسْتَأْجَرَ دَارًا بِدَارٍ لَمْ يَجِبْ لِلشَّفِيعِ فِيهَا شُفْعَةٌ، فَلَوْ قُلْنَا: إنَّهُ يَجُوزُ عَلَى حَيَوَانٍ بِغَيْرِ عَيْنِهِ؛ لَأَلْحَقْنَاهُ لِمَا لَيْسَ بِمَالٍ وَأَبْطَلْنَا شَبَهَهُ بِالْمَالِ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ فَيُوجَبُ مِنْ الشَّبَهَيْنِ.
أَوْ نَقُولُ: لَمَّا أَخَذَ شَبَهًا مِنْ الْأَصْلَيْنِ غَلَّبْنَا جِهَةَ الْمَالِيَّةِ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ يَقْبَلُ التَّحْوِيلَ وَالنَّقْلَ إلَى غَيْرِهِ، فَصَارَ كَالْمَالِ وَالْحَيَوَانِ لَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ بَدَلًا عَمَّا هُوَ مَالٌ كَالسَّلَمِ.
وَأَمَّا النِّكَاحُ فَالْبُضْعُ لَيْسَ بِمَالٍ، وَلَا يُشْبِهُ الْعَقْدَ عَلَى الْأَمْوَالِ بِوَجْهٍ، فَلَوْ جَوَّزْنَا عَلَى عَبْدٍ بِغَيْرِ عَيْنِهِ لَمْ يُؤَدِّ إلَى إبْطَالِ شَبَهِهِ بِالْمَالِ، فَجَوَّزْنَا عَلَى عَبْدٍ بِغَيْرِ عَيْنِهِ، وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: إنَّ الْمَنَافِعَ مَالٌ؛ لِأَنَّهَا تُسْتَفَادُ مِنْ الْمَالِ، وَإِنَّمَا لَا تُضْمَنْ بِالْغَصْبِ، لِأَنَّ الْيَدَ لَا تَثْبُتُ عَلَيْهِ، وَالْحَيَوَانُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ فِي الذِّمَّةِ بَدَلًا عَمَّا هُوَ مَالٌ، بِخِلَافِ الْبُضْعِ وَالدَّمِ الْعَمْدِ، فَإِنَّهُمَا لَيْسَا بِمَالٍ؛ لِأَنَّ الْحُرَّ لَيْسَ بِمَالٍ.
стр. 563
[كِتَابُ الْكَفَالَةِ وَالْحَوَالَةِ]
٦٧٤ - إذَا كَفَلَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ بِنَفْسِ رَجُلٍ عَلَى أَنَّ بَعْضَهُمْ كُفَلَاءُ عَنْ بَعْضٍ كَانَ لِلطَّالِبِ أَنْ يَأْخُذَ أَيَّهمْ شَاءَ بِنَفْسِ الْأَوَّلِ، وَأَيُّهُمْ دَفَعَ بِنَفْسِهِ إلَيْهِ بَرِيءَ هُوَ وَصَاحِبَاهُ.
وَلَوْ كَفَلَ رَجُلٌ بِنَفْسِ رَجُلٍ، وَكَفَلَ بِهِ آخَرُ فَدَفَعَهُ أَحَدُهُمْ إلَيْهِ لَمْ يَبْرَأْ صَاحِبُهُ.
وَالْفَرْقُ أَنَّهُمْ الْتَزَمُوا تَسْلِيمًا وَاحِدًا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى لَمَّا اشْتَرَكُوا فِي الضَّمَانِ لِاسْتِحَالَةِ أَنْ يَجِبَ تَسْلِيمُهُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ، وَصَارَ كُلُّ وَاحِدٍ كَالْآذِنِ لِصَاحِبِهِ فِي تَسْلِيمِهِ إلَيْهِ، فَإِذَا وَفَّاهُ أَحَدُهُمْ بَرِئُوا جَمِيعًا مَا لَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى التَّسْلِيمِ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ ضَمِنَ غَيْرَ مَا ضَمِنَهُ الْآخَرُ؛ لِأَنَّ تَسْلِيمَ النَّفْسِ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى حَتَّى تَنْفَصِلَ الْخُصُومَةُ، فَكُلُّ وَاحِدٍ ضَمِنَ غَيْرَ مَا ضَمِنَهُ الْآخَرُ فَلَا يَبْرَأُ بِتَسْلِيمِ مَا ضَمِنَهُ الْآخَرُ كَمَا لَوْ كَفَلَ كُلُّ وَاحِدٍ دَيْنًا عَلَى حِدَةٍ.
٦٧٥ - وَإِذَا كَفَلَ ثَلَاثَةٌ عَنْ رَجُلٍ عَلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ ضَامِنٌ عَنْ صَاحِبِهِ
стр. 564
فَأَدَّى أَحَدُهُمْ شَيْئًا مِنْهُ رَجَعَ عَلَى صَاحِبِهِ بِنِصْفِ مَا أَدَّى ثُمَّ رَجَعَا عَلَى الثَّالِثِ بِثُلُثِ مَا أَدَّى، وَكَذَلِكَ لَوْ كَاتَبَ عَبْدَيْنِ عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ وَجَعَلَ كُلَّ وَاحِدٍ كَفِيلًا عَنْ صَاحِبِهِ فَمَا أَدَّى أَحَدُهُمْ كَانَ لَهُ الرُّجُوعُ عَلَى صَاحِبِهِ بِنِصْفِ مَا أَدَّى.
وَلَوْ اشْتَرَيَا مِنْ رَجُلٍ عَبْدًا بِأَلْفٍ، وَضَمِنَ كُلُّ وَاحِدٍ الثَّمَنَ عَنْ صَاحِبِهِ، أَوْ كَانَ لِرَجُلَيْنِ عَلَى رَجُلٍ أَلْفُ دِرْهَمٍ وَكُلُّ وَاحِدٍ كَفِيلٌ عَنْ صَاحِبِهِ، فَمَا أَدَّى أَحَدُهُمَا لَا يَرْجِعُ عَلَى شَرِيكِهِ بِشَيْءٍ،. إلَّا أَنْ يَزِيدَ عَلَى النِّصْفِ فَحِينَئِذٍ يَرْجِعُ عَلَيْهِ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ فِي الْكَفَالَةِ الْجِهَةُ جِهَةٌ وَاحِدَةٌ هِيَ الْكَفَالَةُ، وَلَيْسَ بَعْضُهَا أَصْلًا وَبَعْضُهَا كَفَالَةً، فَإِذَا كَانَتْ الْجِهَةُ وَاحِدَةً اسْتَوَيَا فِيهِ، فَمَا أَدَّى أَحَدُهُمَا وَقَعَ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ صَاحِبِهِ فَرَجَعَ عَلَيْهِمَا، وَكَذَلِكَ فِي الْكِتَابَةِ الْجِهَةُ جِهَةٌ وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّ جَمِيعَ الْمَالِ مَضْمُونٌ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ بِالْكَفَالَةِ، إذْ لَوْ لَمْ يُجْعَلْ كَذَلِكَ لَكَانَ بَعْضُهُ أَصْلًا وَبَعْضُهُ كَفَالَةً، وَالْكَفَالَةُ بِمَالِ الْكِتَابَةِ لَا تَجُوزُ، فَاسْتَوَيَا فِيهِ، فَمَا أَدَّى أَحَدُهُمَا وَقَعَ عَنْ نَفْسِهِ وَصَاحِبِهِ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ فِي الشِّرَاءِ وَالدَّيْنِ؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ هُنَاكَ جِهَتَانِ بَعْضُهُ بِالْأَصْلِ وَبَعْضُهُ بِالْكَفَالَةِ عَنْ صَاحِبِهِ، فَإِذَا أَدَّى شَيْئًا وَقَعَ عَنْ الْأَصْلِ؛ لِأَنَّهُ
стр. 565
آكَدُ مِنْ الْفَرْعِ حَتَّى يَزِيدَ عَلَى النِّصْفِ، إذْ لَوْ جَعَلْنَا بَعْضَهُ عَنْ الْكَفَالَةِ لِيَرْجِعَ عَلَى شَرِيكِهِ لَكَانَ لِشَرِيكِهِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ بِمَا يُؤَدِّي، فَلَا فَائِدَةَ فِيهِ، فَجَعَلْنَاهُ مُؤَدِّيًا عَنْ نَفْسِهِ، فَإِذَا زَادَ عَلَى النِّصْفِ وَقَعَ عَنْ شَرِيكِهِ فَرَجَعَ عَلَيْهِ.
وَوَجْهٌ آخَرُ: أَنَّ فِي الْكَفَالَةِ وَالْكِتَابَةِ مِنْ حَيْثُ يَجْعَلُ أَدَاءَ بَعْضِ الْمَالِ عَنْ صَاحِبِهِ لَا يَقْدِرُ صَاحِبُهُ عَلَى أَنْ يَجْعَلَ أَدَاءَهُ عَنْهُ؛ لِأَنَّ جَمِيعَ الْمَالِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ بِالْكَفَالَةِ وَالْكِتَابَةِ مِنْ حَيْثُ لَهُ أَدَاءُ الْبَعْضِ عَنْهُ وَأَدَاءُ الْجَمِيعِ فَإِذَا أَدَّى بَعْضًا رَجَعَ عَلَيْهِ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الشِّرَاءُ وَالدَّيْنُ، لِأَنَّا لَوْ جَعَلْنَا لَهُ الرُّجُوعَ عَلَى صَاحِبِهِ فِيمَا دُونَ النِّصْفِ لَكَانَ لِصَاحِبِهِ أَنْ يَجْعَلَ عَنْهُ، فَيَقُولُ: إنْ جَعَلْتَهُ عَنْ كَفَالَتِهِ عَنِّي جَعَلْتُهُ عَنْ كَفَالَتِي عَنْك حَتَّى أَرْجِعَ عَلَيْكَ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَجْعَلَهُ عَنْهُ فَوَقَعَ الْأَدَاءُ عَنْ نَفْسِهِ فَإِذَا زَادَ عَلَى النِّصْفِ لَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَجْعَلَ صَاحِبَهُ أَدَّاهُ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إلَّا النِّصْفُ فَوَقَعَ عَنْ صَاحِبِهِ فَكَانَ لَهُ الرُّجُوعُ عَلَيْهِ.
٦٧٦ - الْكَفَالَةُ بِالنَّفْسِ وَالْمَالِ تَصِحُّ بِغَيْرِ رِضَا الْمَكْفُولِ عَنْهُ.
وَالْوَكَالَةُ عَنْ الْغَيْرِ بِغَيْرِ رِضَا الْمُوَكِّلِ لَا يَجُوزُ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ فِي الْوَكَالَةِ إيجَابَ حَقٍّ لِنَفْسِهِ عَلَى الْمُوَكِّلِ، وَهُوَ تَنْفِيذُ إقْرَارِهِ
стр. 566
وَبَيْعِهِ وَشِرَائِهِ أَوْ سَمَاعُ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ، وَإِيجَابُ الْحَقِّ عَلَى الْغَيْرِ بِغَيْرِ رِضَا الْغَيْرِ لَا يَجُوزُ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْكَفَالَةُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إيجَابُ حَقٍّ عَلَى الْغَيْرِ وَلَا فِي مِلْكِهِ وَإِنَّمَا هُوَ تَحَمُّلُ حَقٍّ مَضْمُونٍ عَنْهُ وَتَحَمُّلُ الْحَقِّ عَنْ الْغَيْرِ بِغَيْرِ رِضَاهُ جَائِزٌ كَمَا لَوْ قَضَى دَيْنَهُ.
٦٧٧ - إذَا كَانَ عَلَى الْعَبْدِ دَيْنٌ أَوْ الْمُدَبَّرُ، فَكَفَلَ بِإِذْنِ الْمَوْلَى عَنْ الْمَوْلَى بِمَالٍ، ثُمَّ أَعْتَقَهُ الْمَوْلَى، فَاخْتَارَ غُرَمَاءُ الْعَبْدِ اسْتِسْعَاءَ الْعَبْدِ، لَمْ يَكُنْ لِلْمَكْفُولِ لَهُ أَنْ يُشَارِكَهُمْ فِي تِلْكَ الْقِيمَةِ وَيَتْبَعُونَهُ بِدَيْنِهِمْ بَعْدَ الْمُعْتَقِ.
وَلَوْ كَانَ مَكَانَ الْعَبْدِ أُمُّ وَلَدٍ فَعَتَقَتْ، فَإِنَّ صَاحِبَ الْكَفَالَةِ يَسْتَسْعِيهَا مَعَ غُرَمَائِهَا.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الْعَبْدَ يَقْبِضُ رَقَبَتَهُ وَصِيَّةً، وَكَذَلِكَ الْمُدَبَّرُ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ خُرُوجُهَا مِنْ الثُّلُثِ، وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ يَسْعَى فِي جَمِيعِ قِيمَتِهِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ يَقْبِضُ رَقَبَتَهُ وَصِيَّةً، فَإِذَا كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَجَبَتْ السِّعَايَةُ لِأَجْلِ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْوَصِيَّةِ فَصَارَ بَقَاءُ تِلْكَ السِّعَايَةِ عَلَيْهِ كَبَقَاءِ
стр. 567
الرِّقِّ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَسْعَاةَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ بِمَنْزِلَةِ الْمُكَاتَبِ، وَإِذَا بَقِيَ الرِّقُّ صَارَ هَذَا دَيْنًا وَجَبَ عَلَى الرَّقِيقِ، فَكَانَ أَوْلَى مِنْ دَيْنِ الْمَوْلَى كَمَا لَوْ لَمْ يُعْتِقْهُ.
وَأَمَّا أُمُّ الْوَلَدِ فَإِنَّهَا لَا تَقْبِضُ رَقَبَتُهَا وَصِيَّةً، بِدَلِيلِ أَنَّهَا لَا تَسْعَى لِغَرِيمٍ وَلَا لِوَارِثٍ، فَلَمْ يَكُنْ الدَّيْنُ مُقَدَّمًا عَلَى عِتْقِهَا، إذْ لَا يَجِبُ اسْتِبْقَاءُ الرِّقِّ فِيهَا فَعَتَقَتْ، وَوُجُوبُ الدَّيْنِ عَلَيْهَا بِالْكَفَالَةِ، وَعَلَيْهَا دَيْنُ نَفْسِهَا، وَصَارَتْ كَحُرَّةٍ اجْتَمَعَتْ عَلَيْهَا دُيُونٌ، فَاشْتَرَكُوا جَمِيعًا فِي تِلْكَ الْقِيمَةِ.
٦٧٨ - إذَا كَفَلَ رَجُلٌ عَنْ رَجُلٍ بِمَالٍ وَلَمْ يُؤَدِّهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُطَالِبَ الْمَكْفُولَ عَنْهُ بِالدَّيْنِ، حَتَّى يُؤَدِّيَهُ.
وَالْوَكِيلُ بِالشِّرَاءِ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمُوَكِّلِ بِالثَّمَنِ قَبْلَ أَنْ يُؤَدِّيَ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ طَلَبَ الْمَكْفُولِ لَهُ لَمْ يَنْقَطِعْ عَنْ الْمَكْفُولِ عَنْهُ، بِدَلِيلِ أَنَّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِهِ، فَلَوْ جَوَّزْنَا أَنْ يَأْخُذَهُ بِهِ قَبْلَ الْأَدَاءِ لَوَجَّهَنَا عَلَيْهِ طَلَبَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ بِمَالٍ وَاحِدٍ وَهَذَا لَا يَجُوزُ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْوَكِيلُ؛ لِأَنَّ طَلَبَ الْبَائِعِ عَنْ الْمُوَكِّلِ سَاقِطٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمُوَكِّلِ؛ لِأَنَّ حُقُوقَ الْعَقْدِ تَتَعَلَّقُ بِالْعَاقِدِ، فَلَوْ أَوْجَبْنَا لَهُ الرُّجُوعَ لَمْ يُؤَدِّ إلَى أَنْ يَتَوَجَّهَ طَلَبَانِ بِمَالٍ وَاحِدٍ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ فَجَازَ.
٦٧٩ - وَلَوْ أَمَرَ رَجُلًا خَلِيطًا لَهُ أَنْ يَنْقُدَ فُلَانًا أَلْفَ دِرْهَمٍ عَنْهُ فَنَقَدَهُ أَلْفَ دِرْهَمٍ غَلَّةً أَوْ بَهْرَجَةً لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْآمِرِ إلَّا بِمِثْلِ مَا أَعْطَى.
وَلَوْ كَانَ مَكَانَ الْمَأْمُورِ كَفِيلٌ عَنْهُ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ رَجَعَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ بِحَقِّهِ.
стр. 568
وَالْفَرْقُ أَنَّ فِي الْخَلِيطِ وُجُوبَ الرُّجُوعِ عَلَيْهِ بِمَا يُؤَدِّي، لَا بِمَا يَمْلِكُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي ذِمَّتِهِ ضَمَانٌ قَبْلَ الْأَدَاءِ بِمِلْكِ الْمَالِ عَلَيْهِ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَمَرَهُ أَنْ يَنْقُدَ أَلْفًا فَنَقَدَ مِائَةً وَأَبْرَأهُ مِنْ الْبَاقِي أَوْ وَهَبَهُ لَهُ لَمْ يَرْجِعْ إلَّا بِمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَدَلَّ أَنَّهُ إنَّمَا يَرْجِعُ بِمَا يُؤَدِّي لَا بِمَا يَمْلِكُ، وَقَدْ أَدَّى الزُّيُوفَ وَالْغَلَّةَ فَرَجَعَ بِمَا أَدَّى، كَمَا لَوْ أَدَّى أَقَلَّ مِنْهُ فِي الْوَزْنِ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْكَفَالَةُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَرْجِعُ بِمَا يَمْلِكُ، لَا بِمَا يُؤَدِّي بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَصِيرُ الْمَالُ مَضْمُونًا عَلَيْهِ فِي ذِمَّتِهِ يَمْلِكُ عَلَيْهِ بَدَلَهُ وَبِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ وَهَبَ لَهُ تِسْعمِائَةٍ وَقَبَضَ مِائَةً رَجَعَ عَلَيْهِ بِمَا ضَمِنَ وَهُوَ الْأَلْفُ، فَدَلَّ أَنَّهُ يَرْجِعُ بِمَا يَمْلِكُ وَقَدْ مَلَكَ الْأَلْفَ بِمَا ضَمِنَ، فَوَجَبَ أَنْ يَرْجِعَ بِذَلِكَ، كَمَا لَوْ أَدَّى أَقَلَّ مِنْ الْوَزْنِ.
٦٨٠ - إذَا أَبْرَأَ الطَّالِبُ الْكَفِيلَ مِنْ الْمَالِ فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَ فَهُوَ بَرِيءٌ.
وَلَوْ أَبْرَأَ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَصْلُ فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَ كَانَ الْمَالُ عَلَيْهِ.
وَلَوْ وَهَبَ الْمَالَ مِنْ الْكَفِيلِ أَوْ الْأَصِيلِ فَأَبَيَا الْقَبُولَ لَمْ تَجُزْ الْهِبَةُ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ لَفْظَ الْإِبْرَاءِ لَيْسَ بِمَوْضُوعٍ لِلتَّمْلِيكِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ صَادَفَ عَيْنًا لَا يُفِيدُ التَّمْلِيكَ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: أَبْرَأْتُكَ مِنْ هَذِهِ الْعَيْنِ، لَمْ يَمْلِكْهُ، وَإِنَّمَا هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ إسْقَاطِ الْحَقِّ، وَفِي الْإِبْرَاءِ عَنْ الْحَقِّ بَعْدَ الْوُجُوبِ مَعْنَى التَّمْلِيكِ،
стр. 569
وَفِي إسْقَاطِ الضَّمَانِ فِي الْأَصْلِ بِفَسْخِ الْكَفَالَةِ إسْقَاطٌ دُونَ التَّمْلِيكِ، فَإِذَا قَالَ لِلْكَفِيلِ: أَبْرَأْتُك، حُمِلَ عَلَى فَسْخِ الْكَفَالَةِ مِنْ الْأَصْلِ حَتَّى تَمَحَّضَ إسْقَاطًا وَلَهُ فَسْخُ الْكَفَالَةِ فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ: فَسَخْتُ الْكَفَالَةَ مِنْ الْأَصْلِ، وَإِذَا حُمِلَ عَلَى فَسْخِ الْكَفَالَةِ صَارَ صَرِيحَ إسْقَاطِ الْحَقِّ، وَإِسْقَاطُ الْحَقِّ لَا يَرْتَدُّ بِالرَّدِّ، كَمَا لَوْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَأَعْتَقَ عَبْدَهُ، وَلِهَذَا قُلْنَا: إنَّهُ لَوْ أَخَذَ عَنْ الْكَفِيلِ فَرَدَّ الْأَصِيلَ بَقِيَ حَالًا لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ إسْقَاطًا مِنْ الْأَصْلِ فَارْتَدَّ بِالرَّدِّ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْأَصِيلُ، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ فِي حَقِّهِ قَوْلُهُ: أَبْرَأْتُك عَلَى فَسْخِ الْعَقْدِ الَّذِي وُجُوبُهُ وَإِسْقَاطُهُ مِنْ الْأَصْلِ، لِأَنَّهُ يَصِيرُ بَيْعًا بِلَا ثَمَنٍ، وَالْبَيْعُ بِغَيْرِ الثَّمَنِ بَاطِلٌ، وَإِذَا لَمْ يُمْكِنْ أَنْ يُجْعَلَ إسْقَاطًا مِنْ الْأَصْلِ جَعَلْنَاهُ إسْقَاطًا بَعْدَ الْوُجُوبِ فَيَكُونُ فِيهِ مَعْنَى التَّمْلِيكِ، وَالتَّمْلِيكُ يَرْتَدُّ بِالرَّدِّ كَالْبَيْعِ.
وَأَمَّا الْهِبَةُ فَهِيَ لَفْظُ تَمْلِيكٍ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ صَادَفَ عَيْنًا تُفِيدُ الْمِلْكَ، وَالتَّمْلِيكُ مِمَّا يَرْتَدُّ بِالرَّدِّ.
стр. 570
إذَا وَهَبَ الطَّالِبُ الْمَالَ لِلْكَفِيلِ فَقَبِلَهُ رَجَعَ بِهِ الْكَفِيلُ عَلَى الَّذِي عَلَيْهِ الْأَصْلُ، وَكَذَلِكَ الْمُحْتَالُ عَلَيْهِ.
وَلَوْ أَبْرَأَهُ لَمْ يَرْجِعْ بِهِ عَلَيْهِ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الْهِبَةَ عَقْدُ تَمْلِيكٍ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ صَادَفَ عَيْنًا لِمِلْكٍ أَفَادَ الْمِلْكَ، فَقَدْ مَلَّكَهُ مَا فِي ذِمَّتِهِ بِالْهِبَةِ، فَصَارَ كَمَا لَوْ مَلَكَهُ بِالْأَدَاءِ، وَلَوْ مَلَكَهُ بِالْأَدَاءِ لَرَجَعَ عَلَى صَاحِبِ الْأَصْلِ، كَذَلِكَ هَذَا.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْإِبْرَاءُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِتَمْلِيكٍ، وَإِنَّمَا هُوَ إسْقَاطٌ لِلْحَقِّ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ صَادَفَ عَيْنًا لَا يُفِيدُ الْمِلْكَ، فَصَارَ فَسْخًا لِلْكَفَالَةِ، وَإِسْقَاطًا لَهَا فَكَأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ، وَلَوْ لَمْ تَكُنْ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ، كَذَلِكَ هَذَا.
٦٨٢ - إذَا شَهِدَ شَاهِدٌ بِأَنَّهُ بَاعَهُ بِثَمَنٍ حَالٍّ، وَشَهِدَ شَاهِدٌ بِأَنَّهُ بَاعَهُ بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ، لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمَا.
وَلَوْ شَهِدَ شَاهِدٌ بِأَنَّهُ كَفَلَ بِأَلْفٍ حَالَّةٍ، وَشَهِدَ الْآخَرُ بِأَنَّهُ كَفَلَ لَهُ بِأَلْفٍ مُؤَجَّلَةٍ جَازَتْ شَهَادَتُهُمَا.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الْأَجَلَ إذَا شُرِطَ فِي الْبَيْعِ صَارَ صِفَةً لِلثَّمَنِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ: بِعْتُ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، فَقَالَ: قَبِلْتُ بِأَلْفٍ مُؤَجَّلٍ لَمْ يَجُزْ، فَقَدْ
стр. 571
شَهِدَ أَحَدُهُمَا بِعَقْدٍ غَيْرِ مَا شَهِدَ بِهِ الْآخَرُ، فَلَمْ يَجُزْ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْكَفَالَةُ؛ لِأَنَّ الْأَجَلَ شَرْطٌ مُلْحَقٌ بِالْعَقْدِ، فَإِذَا اتَّفَقَا عَلَى الْعَقْدِ، وَاخْتَلَفَا فِي شَرْطِهِ يُلْحَقُ بِهِ، فَلَمْ يَثْبُتْ الشَّرْطُ وَبَقِيَ الْعَقْدُ.
٦٨٣ - وَإِذَا كَفَلَ الْمَرِيضُ بِمَالٍ ثُمَّ مَاتَ وَلَا دَيْنَ عَلَيْهِ لَزِمَهُ مِنْ ثُلُثِهِ، وَلَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ كَفَلَ فِي الصِّحَّةِ لَزِمَهُ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ، إذَا لَمْ يَكُنْ لِوَارِثٍ أَوْ عَنْ وَارِثٍ.
وَلَوْ أَقَرَّ بِالْهِبَةِ أَوْ الْعِتْقِ فِي حَالِ الْمَرَضِ وَأَضَافَهُ إلَى حَالِ الصِّحَّةِ كَانَ مِنْ الثُّلُثِ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ فِي الْكَفَالَةِ مَعْنَى التَّبَرُّعِ؛ لِأَنَّهُ يُقْرِضُ الشَّيْءَ مِنْ ذِمَّتِهِ لِيَرْجِعَ عَلَيْهِ فِي الثَّانِي، فَصَارَ كَإِقْرَاضِ الْعَيْنِ، وَفِيهَا مَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَرْجِعُ بِمَا يُؤَدِّي، فَقَدْ أَخَذَ شَبَهًا مِنْ الْأَصْلِ: شَبَهًا بِالْمُعَاوَضَةِ مِنْ وَجْهٍ، وَشَبَهَ التَّبَرُّعِ مِنْ وَجْهٍ، فَلِشَبَهِهَا بِالتَّبَرُّعِ قُلْنَا: إذَا كَفَلَ فِي حَالِ الْمَرَضِ كَانَ مُحْتَسَبًا مِنْ الثُّلُثِ، وَلِشَبَهِهَا بِالْمُعَاوَضَةِ قُلْنَا: إذَا قَالَ: كَفَلْتُ فِي حَالِ الصِّحَّةِ صُدِّقَ وَلَزِمَهُ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ فَيَكُونُ فِيهِ تَوْفِيرُ حَظِّهِ مِنْ الشَّبَهَيْنِ.
стр. 572
وَأَمَّا الْعِتْقُ وَالْهِبَةُ فَتَمَحَّضَ تَبَرُّعًا، فَإِذَا وَهَبَ فِي الْحَالِ اُعْتُبِرَ مِنْ الثُّلُثِ، وَإِذَا أَقَرَّ أَنَّهُ وَهَبَ فِي الصِّحَّةِ فَقَدْ فَعَلَ بِمَا لَيْسَ لَهُ أَنْ يُبْدِئَهُ فَيَفْعَلَهُ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُقِرَّ بِهِ، فَلَا يُصَدَّقُ عَلَى التَّقْدِيمِ، فَجُعِلَ كَالْمُوجَبِ فِي الْحَالِ، فَاعْتُبِرَ مِنْ الثُّلُثِ.
٦٨٤ - لَا يُحْبَسُ الْوَالِدَانِ فِي دُيُونِ الْوَلَدِ. وَيُحْبَسَانِ فِي نَفَقَةِ الْوَلَدِ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ فِي تَوْجِيهِ الْحَبْسِ عَلَيْهِ إيجَابُ عُقُوبَةٍ عَلَى الْأَبِ، لِأَجْلِ مَالِ ابْنِهِ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ، كَمَا لَوْ سَرَقَ مَالَهُ لَا يُقْطَعُ، وَكَمَا لَوْ قَتَلَ عَبْدَهُ لَا يُقْتَلُ.
وَأَمَّا فِي النَّفَقَةِ فَلَوْ لَمْ يَحْبِسْهُ لَأَدَّى إلَى الْإِضْرَارِ بِالصَّبِيِّ إلَى أَنْ يَمُوتَ جُوعًا، فَفِي حَبْسِهِ تَوْجِيهُ عُقُوبَةٍ عَلَى بَدَنِهِ، لِأَجْلِ رُوحِ الصَّبِيِّ، وَهَذَا جَائِزٌ، كَمَا لَوْ قَتَلَ الْأَبُ ابْنَهُ، فَإِنَّهُ يُعَزَّرُ وَيُؤَدَّبُ، كَذَلِكَ هَذَا.
стр. 573
[كِتَابُ الصُّلْحِ]
٦٨٥ - إذَا تَهَايَآ فِي غَلَّةِ الدَّارَيْنِ فَفَضَلَتْ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا زِيَادَةُ غَلَّةٍ لَمْ يُشَارِكْهُ صَاحِبُهُ فِيهَا.
وَفِي الدَّارِ الْوَاحِدَةِ إذَا فَضَلَتْ الْغَلَّةُ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا زِيَادَةً عَلَى مَالٍ أَخَذَهُ شَرِيكُهُ شَارَكَهُ صَاحِبُهُ فِيهَا.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ التَّهَايُؤَ فِي الدَّارِ الْوَاحِدِ يَقَعُ تَمْيِيزًا وَقِسْمَةً وَاسْتِيفَاءً لِحَقِّهِ فَلَا يَكُونُ مُنَاقَلَةً، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ اُسْتُحِقَّ نَصِيبُ أَحَدِهِمَا لَا يُرْجَعُ عَلَى شَرِيكِهِ فِي نَصِيبِهِ بِشَيْءٍ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَقَدْ أَوْجَبَ بِعَقْدِهِ أَنْ يَسْتَوْفِيَ هُوَ مِنْ بَدَلِ الْمَنَافِعِ مِثْلَ مَا يَسْتَوْفِي صَاحِبُهُ، فَوَجَبَ الْمُضِيُّ عَلَى عَقْدِهِ، فَإِذَا اسْتَوْفَى أَحَدُهُمَا أَكْثَرَ مِمَّا اسْتَوْفَاهُ صَاحِبُهُ رَجَعَ بِهِ عَلَيْهِ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ فِي غَلَّةِ الدَّارَيْنِ، لِأَنَّ الْمُهَايَأَةَ عَلَى غَلَّةِ الدَّارَيْنِ تَقَعُ مُنَاقَلَةً وَلَا تَقَعُ اسْتِيفَاءً بِدَلِيلِ أَنَّهُمَا لَوْ تَهَايَآ ثُمَّ اُسْتُحِقَّ نَصِيبُ أَحَدِهِمَا رُجِعَ فِي حِصَّةِ شَرِيكِهِ بِحَقِّهِ، فَكُلُّ وَاحِدٍ نَقَلَ حَقَّهُ أَعْطَى إلَى مَا أَخَذَهُ، فَلَمْ يَبْقَ لَهُ حَقٌّ فِيهِ، فَسَوَاءٌ أَخَذَ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ لَا سَبِيلَ لَهُ عَلَيْهِ.
стр. 574
وَإِنْ تَهَايَآ فِي الْخِدْمَةِ عَلَى عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ وَاشْتَرَطَا عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا طَعَامَ جَارِيَتِهِ أَجْزَأَهُ اسْتِحْسَانًا.
وَإِنْ اشْتَرَطَا الْكِسْوَةَ لَمْ يَجُزْ، إلَّا أَنْ يُبَيِّنَ شَيْئًا مَعْلُومًا أَوْ كَانَتْ كِسْوَةً مِثْلَهَا مَعْرُوفَةً.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الطَّعَامَ الْمَشْرُوطَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِمَّا لَا يَبْقَى وَلَا يَسْلَمُ إلَى صَاحِبِهِ، فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ مَعْنَى التَّمْلِيكِ فَصَارَ إبَاحَةً، وَالْإِبَاحَةُ تَقْبَلُ مِنْ الْجَهَالَةِ مَا لَا يَقْبَلُهُ عَقْدُهُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ: كُلْ مِنْ مَالِي مَا شِئْتَ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَلَوْ أَنَّ رُفْقَةً خَلَطُوا الدَّرَاهِمَ لِيَشْتَرُوا الْمَأْكُولَ جَازَ، وَإِنْ جَازَ أَنْ يَأْكُلَ وَاحِدٌ أَكْثَرَ مِمَّا يَأْكُلُ الْآخَرُ فَجَازَ اشْتِرَاطُ الطَّعَامِ.
وَفِي الْكِسْوَةِ مَعْنَى التَّمْلِيكِ؛ لِأَنَّهُ يَبْقَى بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةِ الْمُهَايَأَةِ فَصَارَ مُشْتَرِطًا تَمْلِيكًا، وَتَمْلِيكُ الْمَجْهُولِ لَا يَصِحُّ، فَإِذَا بُيِّنَ صَارَ مَعْلُومًا فَجَازَ، فَإِنْ قِيلَ إنْ كَانَ فِيهِ مَعْنَى التَّمْلِيكِ وَجَبَ أَلَّا يَجُوزَ؛ لِأَنَّ التَّمْلِيكَ ثَوْبٌ مَوْصُوفٌ بِثَوْبٍ مَوْصُوفٍ لَا يَجُوزُ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ إذَا كَانَا مُعَيَّنَيْنِ، الْجَوَابُ مَا بَيَّنَّا.
٦٨٧ - إذَا صَالَحَ مِنْ دَمِ الْعَمْدِ عَلَى مَا فِي بَطْنِ أَمَتِهِ لَمْ يَجُزْ.
стр. 575
وَالْفَرْقُ أَنَّ دَمَ الْعَمْدِ يُوجِبُ الْمَالَ مِنْ وَجْهٍ، بِدَلِيلِ أَنَّ أَحَدَ الْأَوْلِيَاءِ إذَا صَالَحَ وَعَفَا يَنْتَقِلُ حَقُّ الْآخَرِينَ إلَى الْمَالِ، وَلَوْ كَانَ الْوَلِيُّ وَاحِدًا وَعَفَا عَنْ بَعْضِ الدَّمِ انْتَقَلَ الْبَاقِي مَالًا، وَالْقَاتِلُ إذَا صَالَحَ وَلِيَّ الْمَقْتُولِ عَنْ الدَّمِ عَلَى مَالٍ لَا يُعْتَبَرُ خُرُوجُهُ مِنْ الثُّلُثِ، فَصَارَ يَتَمَلَّكُ مَا فِي بَطْنِ أَمَتِهِ بِمَا لَهُ حُكْمُ الْمَالِ فَلَمْ يَجُزْ، كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً عَلَى مَا فِي بَطْنِ أَمَتِهِ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْجُعْلُ فِي الْخُلْعِ؛ لِأَنَّ الْبُضْعَ عِنْدَ خُرُوجِهِ عَنْ مِلْكِ الزَّوْجِ غَيْرُ مُتَقَوِّمٍ، بِدَلِيلِ أَنَّهَا لَوْ اخْتَلَعَتْ نَفْسَهَا فِي مَرَضِ مَوْتِهَا عَلَى مَالٍ اُعْتُبِرَ خُرُوجُهُ مِنْ الثُّلُثِ، كَالْهِبَةِ، فَقَدْ شُرِطَ الْجَنِينُ بَدَلًا عَنْ غَيْرِ مَالٍ فَجَازَ، كَمَا لَوْ أَوْصَى لَهُ بِمَا فِي بَطْنِ أَمَتِهِ.
أَوْ نَقُولُ الدَّمُ مُتَقَوِّمٌ فِي نَفْسِهِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَجِبَ الْعِوَضُ فِيهِ حُكْمًا، وَيَنْتَقِلَ إلَى الْمَالِ، فَجَازَ أَنْ يُعْتَبَرَ فِيهِ مَا يُعْتَبَرُ فِي عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ، حَتَّى لَا يَجُوزَ عَلَى الْجَنِينِ، كَمَا لَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى مَا فِي بَطْنِ أَمَتِهِ.
وَأَمَّا الْخُلْعُ فَالْبُضْعُ عِنْدَ خُرُوجِهِ عَنْ الْمِلْكِ غَيْرُ مُتَقَوِّمٍ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَنْتَقِلُ مَالًا بِنَفْسِهِ، وَلَا يَجِبُ الْبَدَلُ حُكْمًا، وَبِدَلِيلِ مَسْأَلَةِ الْمَرِيضِ فَأَشْبَهَ الْوَصِيَّةَ.
أَوْ نَقُولُ أَنَّ الْأَحْكَامَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِالْحَمْلِ مَوْقُوفَةٌ عَلَى الْوِلَادَةِ بِدَلَالَةِ
стр. 576
الْمِيرَاثِ وَالْوَصِيَّةِ لَهُ.
وَالنِّكَاحُ وَالصُّلْحُ لَا يَجُوزُ تَعْلِيقُهُمَا بِالشُّرُوطِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ الْبَدَلُ مِنْهَا مُتَعَلِّقًا اسْتِحْقَاقُهُ بِالْوِلَادَةِ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْخُلْعُ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ تَعْلِيقُهُ بِالشُّرُوطِ وَالْأَخْطَارِ، لِأَنَّهُ طَلَاقٌ فَجَازَ أَنْ يَكُونَ الْعِوَضُ فِيهِ مِمَّا يَقِفُ اسْتِحْقَاقُهُ عَلَى شَرْطٍ وَهُوَ الْوِلَادَةُ فَجَوَّزْنَاهُ.
٦٨٨ - إذَا صَالَحَ مِنْ دَمِ الْعَمْدِ عَلَى خَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ أَوْ حُرٍّ وَهُوَ يَعْرِفُهُ كَانَ عَفْوًا وَلَا دِيَةَ لَهُ عَلَيْهِ.
وَلَوْ كَانَ الدَّمُ خَطَأً فَصَالَحَ عَلَى هَذِهِ الْأَشْيَاءِ كَانَتْ عَلَيْهِ الدِّيَةُ.
وَالْفَرْقُ أَنَّهُ إنَّمَا رَضِيَ بِسُقُوطِ حَقِّهِ عَنْ الدَّمِ بِشَرْطِ أَنْ يُسَلِّمَ لَهُ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ، فَإِذَا لَمْ يُسَلِّمْ عَادَ إلَى مَا بِإِزَائِهِ وَبِإِزَائِهِ الدَّمُ، وَالدَّمُ إذَا سَقَطَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَعُودَ، كَمَا لَوْ عَفَا ثُمَّ اتَّفَقَا عَلَى إبْطَالِ الْعَفْوِ لَمْ يَعُدْ الْقِصَاصُ.
وَأَمَّا فِي الْخَطَأِ فَالْوَاجِبُ الدِّيَةُ وَهُوَ إنَّمَا رَضِيَ بِسُقُوطِ حَقِّهِ عَنْ الدَّمِ بِشَرْطِ أَنْ تُسَلَّمَ لَهُ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ، فَإِذَا لَمْ تُسَلَّمْ عَادَ إلَى مَا بِإِزَائِهِ، لِأَنَّ الْمَالَ إذَا سَقَطَ يَجُوزُ أَنْ يَعُودَ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى بِدَيْنٍ لَهُ عَلَيْهِ شَيْئًا ثُمَّ تَقَايَلَا الْبَيْعَ عَادَ الدَّيْنُ، كَذَلِكَ هَذَا.
стр. 577
إذَا قَتَلَتْ أَمَةٌ رَجُلًا خَطَأً وَلَهُ وَلِيَّانِ فَوَلَدَتْ فَصَالَحَ الْمَوْلَى أَحَدَ الْوَلِيَّيْنِ عَلَى أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ ابْنُ الْأَمَةِ بِحَقِّهِ مِنْ الدَّمِ فَهُوَ جَائِزٌ، وَهَذَا اخْتِيَارٌ مِنْهُ لِلنِّصْفِ الْبَاقِي، وَيَجِبُ عَلَيْهِ حِصَّةُ الْآخَرِ عَلَى الْمَوْلَى.
وَلَوْ صَالَحَ عَلَى نِصْفِ الْأَمَةِ الْجَانِيَةِ لَا يَكُونُ بِذَلِكَ مُخْتَارًا لِإِمْسَاكِ نِصْفِ الْأَمَةِ.
[وَالْفَرْقُ] لِأَنَّ حَقَّ الْمُصَالَحِ سَقَطَ بِالِابْنِ عَنْ نِصْفِهِ، وَحَقَّ الْآخَرِ ثَبَتَ فِي نِصْفِ الْأَمَةِ فَهُوَ مُخْتَارٌ إمْسَاكَ نِصْفِهَا، فَصَارَ كَمَا لَوْ قَالَ: اخْتَرْتُ نِصْفَهَا بِنِصْفِ الدِّيَةِ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا صَالَحَ أَحَدُهُمَا عَلَى نِصْفِ الْأَمَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجُزْ إمْسَاكُ شَيْءٍ مِنْ الْأَمَةِ، إذْ حَقُّ الْآخَرِ ثَابِتٌ فِي نِصْفِ الْبَاقِي، وَهُوَ لَوْ دَفَعَهُ إلَيْهِ كَانَ لَهُ، فَلَمْ يَصِرْ مُخْتَارًا، فَلَا يَلْزَمُهُ نِصْفُ الدِّيَةِ.
٦٩٠ - إذَا صُولِحَ مَنْ دَعْوَاهُ عَلَى عِدْلٍ زُطِّيٍّ لَمْ يَرَهُ، ثُمَّ صَالَحَ الْقَابِضَ الْآخَرَ فَرَدَّهُ عَلَى الثَّانِي بِقَضَاءٍ أَوْ بِغَيْرِ قَضَاءٍ لَيْسَ لِلثَّانِي أَنْ يَرُدَّهُ عَلَى الْأَوَّلِ بِخِيَارِ الرُّؤْيَةِ.
وَلَوْ رَدَّهُ عَلَيْهِ بِخِيَارِ الْعَيْبِ فَلَهُ أَنْ يَرُدَّهُ عَلَى الْأَوَّلِ بِالْعَيْبِ إذَا كَانَ الرَّدُّ بِقَضَاءٍ.
وَالْفَرْقُ أَنَّهُ أَوْجَبَ لِلثَّانِي الْحَقَّ مِنْ الْحِمْلِ الَّذِي وَجَبَ حَقُّهُ فِيهِ،
стр. 578
وَإِيجَابُ حَقِّ الْغَيْرِ فِيهِ آكَدُ فِي الْبَيْعِ مِنْ الرَّدِّ بِخِيَارِ الرُّؤْيَةِ، وَلَوْ رَدَّهُ فَرَضِيَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ الرَّدُّ، كَذَلِكَ هَذَا.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ خِيَارُ الْعَيْبِ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ لَمْ يُوجَبْ لَهُ الْحَقُّ فِي الْمَحِلِّ الَّذِي أُوجِبَ حَقُّ الثَّانِي فِيهِ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ ثَبَتَ فِي الْجُزْءِ الْفَائِتِ وَفِي بَدَلِهِ وَهُوَ فِي ذِمَّةِ الْمُشْتَرِي فَلَمْ يُوجَبْ الْحَقُّ فِيهَا فِي ذِمَّةِ الْبَائِعِ، وَإِذَا لَمْ يُوجَبْ الْحَقُّ فِي الْمَحِلِّ الَّذِي وَجَبَ حَقُّهُ فِيهِ لَمْ يَصِرْ مُسْقِطًا لِحَقِّهِ مِنْ الرَّدِّ فَبَقِيَ حَقُّهُ، فَإِذَا رَدَّ عَلَيْهِ كَانَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ كَمَا لَوْ بَاعَ شَيْئًا آخَرَ.
وَوَجْهٌ آخَرُ: أَنَّهُ لَمَّا صَالَحَهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَهُ تَمَّتْ الصَّفْقَةُ الْأُولَى فِيهِ، بِدَلِيلِ جَوَازِ مُصَالَحَةِ الثَّانِي وَلَوْلَا أَنَّهُ مَلَكَهُ وَتَمَّتْ الصَّفْقَةُ لَمَا جَازَ أَنْ يَمْلِكَهُ غَيْرُهُ، وَتَمَامُ الصَّفْقَةِ يُوجِبُ بُطْلَانَ خِيَارِ الرُّؤْيَةِ، كَمَا لَوْ رَآهُ وَقَبَضَهُ، أَوْ نَقُولُ بِالصُّلْحِ انْتَقَلَ الْمِلْكُ فِيهِ إلَى غَيْرِهِ، وَانْتِقَالُ الْمِلْكِ يُوجِبُ بُطْلَانَ خِيَارِ الرُّؤْيَةِ وَلَا يُوجِبُ بُطْلَانَ خِيَارِ الْعَيْبِ، كَمَا لَوْ مَاتَ فَوَرِثَهُ وَرَثَتُهُ.
٦٩١ - إذَا ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَأَنْكَرَهَا، ثُمَّ صَالَحَهُ عَلَى أَنْ بَاعَهُ بِهَا عَبْدًا فَهُوَ جَائِزٌ، وَهَذَا إقْرَارٌ بِالدَّيْنِ.
وَلَوْ قَالَ: صَالَحْتُك مِنْهَا عَلَى عَبْدٍ لَا يَكُونُ إقْرَارًا بِهَا.
стр. 579
وَالْفَرْقُ أَنَّ الْبَيْعَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ مَا بِإِزَائِهِ بَدَلًا مَضْمُونًا فَصَارَ قَوْلُهُ: بِعْتُكَ هَذَا الْعَبْدَ بِمَا تَدَّعِيه، إقْرَارًا بِأَنَّ مَا يَدَّعِيه مَضْمُونٌ، فَكَانَ إقْرَارًا.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ لَفْظُ الصُّلْحِ، لِأَنَّ الصُّلْحَ لَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ بِإِزَائِهِ وَهُوَ الْمُصَالَحُ عَنْهُ بَدَلٌ مَضْمُونٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ اقْتَضَى ذَلِكَ لَوَجَبَ أَنَّهُ إذَا صَالَحَ مِنْ الْأَلْفِ عَلَى خَمْسِمِائَةٍ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْأَلْفَ لَا يَكُونُ مَضْمُونًا بِخَمْسِمِائَةٍ، وَإِذَا لَمْ يَقْتَضِ بَدَلًا مَضْمُونًا لَمْ يَكُنْ دُخُولُهُ فِي الصُّلْحِ إقْرَارًا بِأَنَّ مَا بِإِزَائِهِ يَكُونُ مَضْمُونًا عَلَيْهِ فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ.
٦٩٢ - إذَا صَالَحَ مِنْ الدَّيْنِ عَلَى عَبْدٍ وَهُوَ مُقِرٌّ بِهِ وَقَبَضَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَبِيعَ الْعَبْدَ مُرَابَحَةً.
وَلَوْ اشْتَرَاهُ بِأَلْفٍ جَازَ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ مُرَابَحَةً.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ عَقْدَ الصُّلْحِ مَبْنَاهُ عَلَى الْمُسَاهَلَةِ وَالْحَطِّ وَالْإِبْرَاءِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ صَالَحَ مِنْ الْأَلْفِ عَلَى خَمْسِمِائَةٍ جَازَ، فَلَمْ يَعْلَمْ كَمْ لَاقَى الْعَبْدُ مِنْ الدَّيْنِ وَكَمْ حَطَّ، فَلَا يَصِلُ إلَى الْإِخْبَارِ عَنْ رَأْسِ الْمَالِ مِنْ غَيْرِ ظَنٍّ وَلَا حِرْزٍ فَلَا يَجُوزُ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَبْنَاهُ عَلَى الْحَطِّ وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى الِاعْتِيَاضِ
стр. 580
فَأَمْكَنَهُ الْإِخْبَارُ عَنْ رَأْسِ مَالِهِ مِنْ غَيْرِ ظَنٍّ وَلَا حِرْزٍ، فَجَازَ أَنْ يَعْقِدَ مُرَابَحَةً.
٦٩٣ - إذَا كَانَ لِرَجُلَيْنِ عَلَى رَجُلٍ مَالٌ (وَفِي يَدِهِ أَلْفُ دِرْهَمٍ) لِأَحَدِهِمَا أَلْفُ دِرْهَمٍ وَلِلْآخَرِ مِائَةُ دِينَارٍ فَصَالَحَاهُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ عَلَى أَلْفُ دِرْهَمٍ وَقَبَضَاهَا لَمْ يَجُزْ.
وَلَوْ كَانَتْ الْأَلْفُ وَالْمِائَةُ دِينَارٍ لِوَاحِدٍ فَصَالَحَهُ عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ جَازَ.
وَالْفَرْقُ أَنَّهُ جَعَلَ الْأَلْفَ بَدَلًا عَنْ الْأَلْفِ وَالْمِائَةِ دِينَارٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْضَ أَحَدُهُمَا بِسُقُوطِ حَقِّهِ إلَّا بِسَلَامَةِ بَعْضِ الْأَلْفِ لَهُ فَكَانَ فِيهِ قِسْمَةُ الْأَلْفِ دِرْهَمٍ عَلَى أَلْفٍ وَمِائَةِ دِينَارٍ فَكَانَ رِبًا؛ لِأَنَّهُ يَخُصُّ الْأَلْفَ أَقَلَّ مِنْهَا فَلَا يَجُوزُ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا كَانَا لِوَاحِدٍ، لِأَنَّهُ لَا يَقْسِمُ الْأَلْفَ عَلَى الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ، بَلْ يَجْعَلُ الْأَلْفَ مُسْتَبْقَاةً، وَالْمِائَةُ يَبْرَأُ مِنْهَا وَيُمْكِنُ أَنْ تُجْعَلَ هَكَذَا لِيَصْلُحَ الْعَقْدُ فَجَعَلْنَاهُ كَذَلِكَ.
٦٩٤ - إذَا طَعَنَ الْمُشْتَرِي بِعَيْبٍ فِي جَارِيَةٍ اشْتَرَاهَا فَصَالَحَ الْمُشْتَرِي
стр. 581
الْبَائِعَ عَلَى أَنْ قَبِلَ الْمَبِيعَ مِنْهُ مَعَ الْعَيْبِ وَثَوْبًا مَعَهَا وَيَرُدَّ عَلَيْهِ الثَّمَنَ فَهُوَ جَائِزٌ، فَإِنْ اسْتَحَقَّ مِنْ يَدِ الْبَائِعِ الْمَبِيعَ كَانَ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَأْخُذَ الثَّوْبَ مِنْ الْبَائِعِ.
وَلَوْ طَعَنَ الْمُشْتَرِي بِعَيْبٍ فَصَالَحَهُ الْبَائِعُ عَلَى عَبْدٍ وَدَفَعَهُ إلَيْهِ، ثُمَّ اسْتَحَقَّ الْمَبِيعَ فَإِنَّ الْعَبْدَ يُسَلَّمُ لِلْمُشْتَرِي بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الْبَائِعَ لَمَّا صَالَحَ عَلَى عَبْدٍ فَقَدْ أَلْحَقَ الْعَبْدَ بِعَقْدٍ قَائِمٍ فَالْتَحَقَ بِهِ فَصَارَ كَأَنَّهُمَا مَوْجُودَانِ وَقْتَ الْعَقْدِ، فَاسْتَحَقَّ أَحَدُهُمَا، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ بَقِيَ الْبَاقِي بِحِصَّتِهِ، كَذَلِكَ هَذَا.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى إذَا صَالَحَ الْبَائِعُ عَلَى أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ الْمَبِيعَ وَثَوْبًا مَعَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا رَدَّ عَلَيْهِ الْمَبِيعَ وَثَوْبًا مَعَهُ لَمْ يَبْقَ بَيْنَهُمَا عَقْدٌ، فَلَمْ يَصِرْ مُلْحَقًا بِعَقْدٍ قَائِمٍ فَالْتَحَقَ بِهِ فَصَارَ إنَّمَا جَعَلَ الثَّوْبَ بَدَلًا عَمَّا فَاتَ مِنْ الْمَبِيعِ، فَلَمَّا اسْتَحَقَّ تَبَيَّنَ أَنَّ الْغَائِبَ لَمْ يَكُنْ مَمْلُوكًا لِلْبَائِعِ مِنْ الْمُشْتَرِي الثَّوْبَ عَلَى غَيْرِ حَقٍّ مَوْجُودٍ، فَوَجَبَ أَنْ يَرُدَّ.
٦٩٥ - إذَا ادَّعَى فِي دَارِ دَعْوَى، فَصَالَحَهُ عَلَى خِدْمَةِ عَبْدٍ سَنَةً، فَلِصَاحِبِ الْخِدْمَةِ أَنْ يَخْرُجَ بِالْعَبْدِ مِنْ الْمِصْرِ إلَى أَهْلِهِ.
وَلَوْ اسْتَأْجَرَ عَبْدًا لِيَخْدُمَهُ، لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ بِهِ مِنْ الْمِصْرِ.
стр. 582
وَالْفَرْقُ أَنَّ فِي مُقَابَلَةِ الْخِدْمَةِ بَدَلٌ مُسْتَقِرٌّ وَهُوَ رَدُّ الْعَبْدِ الْمُسْتَأْجَرِ عَلَى الْمُؤَجِّرِ، فَلَوْ جَوَّزْنَا لِلْمُسْتَأْجِرِ السَّفَرَ بِهِ لَجَازَ أَنْ يَلْزَمَ الْمُؤَجِّرَ أَضْعَافُ قِيمَةِ مَا أَخَذَ مِنْ الْأُجْرَةِ عَلَى رَدِّهِ، فَيُؤَدِّي إلَى الْإِضْرَارِ بِهِ فَلِذَلِكَ لَمْ يَجُزْ لَهُ السَّفَرُ بِهِ، وَلِهَذَا قُلْنَا: أَنَّ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يُسَافِرَ بِالْعَبْدِ؛ لِأَنَّ رَدَّهُ عَلَيْهِ لَا عَلَى الرَّاهِنِ، فَلَا يُؤَدِّي جَوَازُ السَّفَرِ بِهِ إلَى إلْزَامِ غُرْمٍ لَمْ يَرْضَ بِهِ.
وَأَمَّا الْعَبْدُ الْمُصَالَحُ بِخِدْمَتِهِ فَلَيْسَ فِي مُقَابَلَةِ الْخِدْمَةِ مَالٌ مُسْتَقِرٌّ، فَلَوْ أَلْزَمْنَاهُ مُؤْنَةَ الرَّدِّ لَمْ تُؤَدِّ إلَى أَنْ يَلْزَمَهُ أَكْثَرُ مِمَّا أَخَذَ فَجَازَ كَمَا قُلْنَا فِي الرَّهْنِ، وَكَانَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ يَقُولُ: مَسْأَلَةُ الصُّلْحِ مَحْمُولَةٌ عَلَى أَنَّ الْمُدَّعِي كَانَ مُتَأَهِّبًا لِلسَّفَرِ وَيُخَاصِمُ، فَصَالَحَ عَلَى الْخِدْمَةِ، فَيَصِيرُ ذَلِكَ دَلَالَةً عَلَى أَنَّ رَبَّ الْعَبْدِ رَضِيَ بِإِخْرَاجِهِ، فَكَأَنَّهُ شَرَطَ ذَلِكَ، فَعَلَى هَذَا لَا يُحْتَاجُ إلَى الْفَرْقِ.
٦٩٦ - إذَا صَالَحَ مِنْ الشُّفْعَةِ عَلَى مَالٍ بَطَلَتْ الشُّفْعَةُ وَلَمْ يَجِبْ الْمَالُ.
وَلَوْ صَالَحَ مِنْ دَمِ الْعَمْدِ عَلَى مَالِ جَازَ الصُّلْحُ وَوَجَبَ الْمَالُ.
وَلَوْ صَالَحَ مِنْ الْكَفَالَةِ بِالنَّفْسِ عَلَى مَالِ لَمْ يَجُزْ الصُّلْحُ وَلَمْ يَجِبْ الْمَالُ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ مِلْكَ الْمُشْتَرِي فِي الدَّارِ بَعْدَ الصُّلْحِ مَعَ الشَّفِيعِ وَقَبْلَهُ سَوَاءٌ
стр. 583
فَلَمْ يَسْتَفِدْ بِالصُّلْحِ حَقًّا لَمْ يَكُنْ، وَالصُّلْحُ مِنْ غَيْرِ حَقٍّ لَا يَجُوزُ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الدَّمُ، لِأَنَّ مِلْكَ الْقَاتِلِ فِي الدَّمِ مُخَالِفٌ لِمَا كَانَ قَبْلَهُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مُبَاحَ الدَّمِ لِلْمَوْلَى، فَإِذَا صَالَحَ زَالَتْ الْإِبَاحَةُ وَأَسْقَطَ حَقَّهُ عَنْ التَّصَرُّفِ فِي نَفْسِهِ، فَلِذَلِكَ جَازَ الصُّلْحُ، وَإِذَا صَحَّ الصُّلْحُ وَالدَّمُ مِمَّا يَجُوزُ أَنْ يَنْتَقِلَ إلَى الْمَالِ بِنَفْسِهِ جَازَ أَنْ يَأْخُذَ عَنْهُ الْعِوَضَ.
وَفِي الشُّفْعَةِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَنْتَقِلَ مَالًا، وَلَا يُسْقِطُ حَقًّا يَجُوزُ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ، فَلَا يَصِحُّ أَخْذُ مَالٍ عَلَيْهِ.
وَفِي الْكَفَالَةِ لَا يَنْتَقِلُ مَالًا وَلَا يُسْقِطُ حَقًّا يَجُوزُ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ فَلَمْ يَجُزْ أَخْذُ الْعِوَضِ عَلَيْهِ كَالْوَكَالَةِ وَالْمُضَارَبَةِ.
стр. 584
[كِتَابُ الْإِكْرَاهِ]
٦٩٧ - إذَا أُكْرِهَ فَقِيلَ لَهُ لِأَقْتُلَنك أَوْ لَتَشْرَبَنَّ هَذَا الْخَمْرَ أَوْ لَتَأْكُلَنَّ هَذِهِ الْمَيْتَةَ أَوْ لَحْمَ الْخِنْزِيرِ فَلَمْ يَفْعَلْ حَتَّى قُتِلَ كَانَ آثِمًا.
وَلَوْ أُكْرِهَ عَلَى أَخْذِ مَالِ الْغَيْرِ فَامْتَنَعَ مِنْهُ حَتَّى قُتِلَ لَا يَكُونُ آثِمًا.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الْحَظْرَ فِي الْمَيْتَةِ وَالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْحَظْرُ يَرْتَفِعُ بِالْإِكْرَاهِ، بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِلا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩] فَصَارَ مُبَاحًا، فَقَدْ امْتَنَعَ عَنْ أَكْلٍ مُبَاحٍ حَتَّى قُتِلَ فَأَثِمَ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ مَالُ الْغَيْرِ؛ لِأَنَّ الْحَظْرَ فِيهِ لِحَقِّ الْمَالِكِ، وَحَقُّهُ يَبْقَى مَعَ الْإِكْرَاهِ فَيَبْقَى الْحَظْرُ، فَصَارَ يَمْتَنِعُ عَنْ الْمَحْظُورِ حَتَّى قُتِلَ، فَكَأَنَّ مَأْمُورًا، كَمَا لَوْ امْتَنَعَ عَنْ الزِّنَى أَوْ قَتْلِ إنْسَانٍ.
٦٩٨ - وَلَوْ أَكْرَهُوهُ عَلَى هِبَةِ جَارِيَةٍ لِرَجُلٍ وَدَفْعِهَا إلَيْهِ فَوَهَبَ وَدَفَعَ وَأَعْتَقَهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ جَازَ عِتْقُهُ عِنْدَ عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَةِ.
وَلَوْ بَاعَهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ لَمْ يَجُزْ.
стр. 585
وَالْفَرْقُ أَنَّ هَذَا عِتْقٌ صَادِرٌ عَنْ إكْرَاهٍ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْلَا الْإِكْرَاهُ وَإِلَّا لَمَا قَدِرَ الْمَوْهُوبُ لَهُ عَلَى الْإِعْتَاقِ، وَالْإِكْرَاهُ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْإِعْتَاقِ فَنَفَذَ
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْبَيْعُ، لِأَنَّهُ بَيْعٌ صَادِرٌ عَنْ الْإِكْرَاهِ فَلَمْ يَجُزْ، كَمَا لَوْ أُكْرِهَ عَلَى الْبَيْعِ، يُوَضِّحُهُ أَنَّهُ بِالْإِكْرَاهِ عَلَى الْهِبَةِ يَأْمُرُهُ بِأَنْ يَمْلِكَهُ، وَالْمِلْكُ تَسْلِيطٌ عَلَى جَمِيعِ أَنْوَاعِ التَّصَرُّفِ، فَكَأَنَّهُ سَلَّطَهُ عَلَى الْبَيْعِ مُكْرَهًا فَلَمْ يَجُزْ، وَفِي الْعِتْقِ جُعِلَ كَأَنَّهُ سَلَّطَهُ عَلَى الْعِتْقِ مُكْرَهًا فَأَعْتَقَ، كَذَلِكَ هَذَا.
٦٩٩ - لَوْ أُكْرِهَ عَلَى أَنْ يَبِيعَ عَبْدًا لَهُ بِأَلْفٍ فَبَاعَهُ بِأَكْثَرَ مِنْ أَلْفٍ جَازَ الْبَيْعُ بِالْكُلِّ.
وَلَوْ أُكْرِهَ عَلَى أَنْ يُقِرَّ بِأَلْفٍ فَأَقَرَّ بِأَكْثَرَ مِنْهَا جَازَ إقْرَارُهُ بِتِلْكَ الزِّيَادَةِ وَلَمْ يَجُزْ بِالْأَلْفِ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ فِي بَابِ الْبَيْعِ هُوَ غَيْرُ مُكْرَهٍ عَلَى تِلْكَ الزِّيَادَةِ، فَصَارَ رَاضِيًا بِذَلِكَ الْقَدْرِ، فَجَازَ الْعَقْدُ فِي ذَلِكَ الْجُزْءِ، وَإِذَا جَازَ فِي جُزْءٍ جَازَ فِي الْجَمِيعِ، إذْ لَوْ جَوَّزْنَا فِي بَعْضِهِ لَفَرَّقْنَا الصَّفْقَةَ عَلَيْهِ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ بَاعَ شَيْئًا عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ ثُمَّ أَجَازَ الْعَقْدَ فِي نِصْفِهِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ فِي جَمِيعِهِ، كَذَلِكَ هَذَا.
وَأَمَّا فِي بَابِ الْإِقْرَارِ فَهُوَ غَيْرُ مُكْرَهٍ عَلَى تِلْكَ الزِّيَادَةِ، فَجَازَ إقْرَارُهُ بِهَا، وَجَوَازُ إقْرَارِهِ فِي بَعْضِ مَا أَقَرَّ بِهِ لَا يَمْنَعُ بُطْلَانَهُ فِي الْبَاقِي، كَمَا لَوْ أَقَرَّ لِإِنْسَانٍ
стр. 586
بِأَلْفٍ وَخَمْسمِائَةٍ فَرَدَّ إقْرَارَهُ فِي خَمْسِمِائَةٍ وَادَّعَى الْأَلْفَ لَزِمَهُ الْأَلْفُ، كَذَلِكَ هَذَا.
٧٠٠ - لَوْ أُكْرِهَ عَلَى أَنْ يَبِيعَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَبَاعَ بِمِائَةِ دِينَارٍ قِيمَتُهَا أَلْفُ دِرْهَمٍ لَمْ يَجُزْ الْبَيْعُ اسْتِحْسَانًا.
وَلَوْ أُكْرِهَ عَلَى أَنْ يُقِرَّ لَهُ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَأَقَرَّ بِمِائَةِ دِينَارٍ قِيمَتُهَا أَلْفُ دِرْهَمٍ جَازَ إقْرَارُهُ بِهِ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ فِي بَابِ الْبِيَاعَاتِ جُعِلَتْ كَالْجِنْسِ الْوَاحِدِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُمَا ثَمَنُ الْأَشْيَاءِ وَقِيَمُ الْمُتْلَفَاتِ، وَالْبَيْعُ يَقْتَضِي ثَمَنًا فَصَارَ كَأَنَّهُ أَكْرَهَهُ عَلَى أَنْ يَبِيعَ بِجِنْسِ الدَّرَاهِمِ إكْرَاهًا عَلَى أَنَّ الْبَيْعَ بِجِنْسِ الدَّنَانِيرِ، وَصَارَ كَأَنَّهُ أَكْرَهَهُ عَلَى الْبَيْعِ مُطْلَقًا فَلَمْ يَجُزْ الْبَيْعُ، سَوَاءٌ بَاعَ بِالدَّرَاهِمِ أَوْ بِالدَّنَانِيرِ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْإِقْرَارُ؛ لِأَنَّهُمَا جِنْسَانِ مُخْتَلِفَانِ حَقِيقَةً وَإِنَّمَا جُعِلَا كَالْجِنْسِ الْوَاحِدِ فِي كَوْنِهِمَا ثَمَنًا، وَالْإِقْرَارُ لَيْسَ بِثَمَنٍ، فَلَمْ يُجْعَلَا كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ فَقَدْ عَدَلَ عَمَّا أَكْرَهَهُ عَلَيْهِ، فَصَارَ مُخْتَارًا فِي الدَّنَانِيرِ فَلَزِمَهُ.
فَإِنْ قِيلَ: لَوْ قَالَ: بِعْتُك هَذَا الْعَبْدَ بِأَلْفٍ، فَقَالَ: قَبِلْتُ بِمِائَةِ دِينَارٍ قِيمَتُهَا أَلْفُ دِرْهَمٍ لَمْ يَجُزْ، وَلَا يُجْعَلُ كَالْجِنْسِ الْوَاحِدِ، وَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدَ
стр. 587
شَاهِدٌ بِأَنَّهُ بَاعَهُ بِأَلْفٍ، وَشَهِدَ آخَرُ بِأَنَّهُ بَاعَهُ بِمِائَةِ دِينَارٍ قِيمَتُهَا أَلْفُ دِرْهَمٍ لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُمَا، كَذَلِكَ لَوْ اشْتَرَى بِدَنَانِيرَ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَبِيعَ مُرَابَحَةً عَلَى قِيمَتِهَا بِدَرَاهِمَ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: اشْتَرَيْتُ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، وَقَالَ الْبَائِعُ: بِعْتُهُ بِمِائَةِ دِينَارٍ فَإِنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ، وَلَوْ كَانَا كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ لَمَا ثَبَتَتْ هَذِهِ الْأَحْكَامُ، وَالْجَوَابُ مَا بَيَّنَّاهُ.
٧٠١ - إذَا أُكْرِهَ عَلَى الْبَيْعِ وَالتَّسْلِيمِ، فَبَاعَ وَسَلَّمَ، ثُمَّ بَاعَ الْمُشْتَرِي مِنْ غَيْرِهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ إنَّ الْمَالِكَ أَجَازَ أَحَدَ الْبَيْعَيْنِ جَازَ الْبَيْعُ الثَّانِي، وَكَذَلِكَ إذَا تَنَاسَخَتْهُ الْبَاعَةُ ثُمَّ أَجَازَ أَحَدَ الْبُيُوعِ جَازَ الْكُلُّ.
وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا بَاعَ مَالَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ، ثُمَّ بَاعَهُ الْآخَرُ مِنْ آخَرَ، وَالثَّالِثُ مِنْ رَابِعٍ، وَأَجَازَ صَاحِبُهُ أَحَدَ الْعُقُودِ لَمْ يَجُزْ جَمِيعُ الْعُقُودِ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ مَا أَجَازَاهُ وَكَذَلِكَ الْغَاصِبُ إذَا بَاعَ الشَّيْءَ الْمَغْصُوبَ مِنْ آخَرَ، وَبَاعَهُ الْمُشْتَرِي مِنْ آخَرَ فَأَجَازَ أَحَدَ الْبَيْعَيْنِ بَطَلَ الْآخَرُ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ مِنْ الْمُكْرَهِ عَقَدَ عَلَى مِلْكِ نَفْسِهِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ أَعْتَقَهُ نَفَذَ عِتْقُهُ فِيهِ، إلَّا أَنَّ لِغَيْرِهِ وَهُوَ الْبَائِعُ حَقُّ الْفَسْخِ فِيهِ، فَإِذَا أَجَازَهُ فَقَدْ أَسْقَطَ حَقَّ نَفْسِهِ، فَزَالَ الْمَانِعُ مِنْ نُفُوذِ الْعَقْدِ فَنَفَذَتْ الْعُقُودُ كُلُّهَا، كَمَا لَوْ اشْتَرَى عَبْدًا عَلَى أَنَّ الْبَائِعَ بِالْخِيَارِ وَبَاعَهُ مِنْ غَيْرِهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ بَاعَهُ الْمُشْتَرِي الثَّالِثُ وَسَلَّمَ ثُمَّ أَجَازَ الْبَائِعُ الْعَقْدَ الْأَوَّلَ جَازَتْ الْعُقُودُ كُلُّهَا، كَذَلِكَ هَذَا.
стр. 588
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْغَاصِبُ إذَا بَاعَ مَالَ الْغَيْرِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ لَمْ يَعْقِدْ عَلَى مِلْكِ نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا عَقَدَ عَلَى مِلْكِ غَيْرِهِ، وَهُوَ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ أَعْتَقَهُ لَا يَنْفُذُ عِتْقُهُ فِيهِ، فَقَدْ عَقَدَ عَلَى مِلْكِ غَيْرِهِ عُقُودًا، فَإِجَازَةُ وَاحِدٍ لَا تُوجِبُ إجَازَةَ الْآخَرِ، كَمَا لَوْ بَاعَ عَبْدَهُ وَجَارِيَتَهُ فَأَجَازَ بَيْعَ الْجَارِيَةِ وَلَمْ يُجِزْ بَيْعَ الْغُلَامِ، كَذَلِكَ هَذَا.
وَوَجْهٌ آخَرُ: أَنَّ الْمُشْتَرِيَ عَقَدَ لِنَفْسِهِ، بِدَلِيلِ أَنَّ بَدَلَهُ يَدْخُلُ فِي مِلْكِهِ عِنْدَ إجَازَتِهِ، وَإِذَا لَمْ يَقَعْ عَقْدُ الْمُشْتَرِي لِلْبَائِعِ، وَإِنَّمَا لَهُ حَقُّ الْفَسْخِ وَإِذَا رَضِيَ بِهِ وَأَجَازَهُ فَقَدْ أَسْقَطَ حَقَّهُ فَصَارَ كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَجَازَتْ الْعُقُودُ كُلُّهَا كَذَلِكَ هَذَا.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْغَاصِبُ، لِأَنَّ هَذِهِ الْعُقُودَ كُلَّهَا وَقَعَتْ لِصَاحِبِ الْمَالِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ إذَا أَجَازَهُ فَإِنَّهُ يَدْخُلُ بَدَلُهُ فِي مِلْكِهِ، فَأَيُّ وَاحِدٍ تَوَلَّاهُ وَأَجَازَهُ جَازَ وَبَطَلَ مَا سِوَاهُ، كَمَا لَوْ عَقَدَ عَلَى شَيْئَيْنِ لَهُ فَأَجَازَ الْعَقْدَ عَلَى أَحَدِهِمَا.
٧٠٢ - وَلَوْ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ مِنْ الْمُكْرَهِ بَاعَهُ مِنْ آخَرَ حَتَّى تَنَاسَخَتْهُ الْأَيْدِي ثُمَّ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ الْأَخِيرَ أَعْتَقَهُ، ثُمَّ أَجَازَ الْبَيْعَ لَمْ تَجُزْ إجَازَتُهُ، وَلِصَاحِبِهِ أَنْ يُضَمِّنَ أَيَّهمْ شَاءَ.
стр. 589
وَلَوْ بَاعَ عَبْدًا بَيْعًا فَاسِدًا فَبَاعَهُ الْمُشْتَرِي مِنْ آخَرَ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُضَمِّنَ الثَّانِيَ، وَلَهُ أَنْ يُضَمِّنَ الْأَوَّلَ لَا غَيْرُ.
وَجْهُ الْفَرْقِ أَنَّ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ الْمَالِكُ سَلَّطَ الْأَوَّلَ إلَى التَّصَرُّفِ حَتَّى بَاعَهُ وَسَلَّمَهُ فَصَارَ يَتَصَرَّفُ بِتَسْلِيطِهِ وَإِذْنِهِ فَيَبِيعُهُ مِنْ الثَّالِثِ بِإِذْنِهِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَضْمَنَهُ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْإِكْرَاهُ، لِأَنَّ الْإِكْرَاهَ يَمْنَعُ صِحَّةَ التَّسْلِيطِ فَلَمْ يَكُنْ بَيْعُهُ مِنْ الثَّانِي بِإِذْنِهِ وَتَسْلِيطِهِ فَصَارَ الْآخَرُ مُتَصَرِّفًا فِي مِلْكِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، فَكَانَ لَهُ أَنْ يَضْمَنَهُ
٧٠٣ - فَإِذَا ضَمِنَ أَحَدُ الْبَاعَةِ لَمْ تَجُزْ الْبُيُوعُ الْمَاضِيَةُ قَبْلَ ذَلِكَ، وَجَازَتْ الْعُقُودُ الَّتِي بَعْدَهَا وَلَوْ أَجَازَ أَحَدَ الْبُيُوعِ جَازَتْ الْعُقُودُ الَّتِي قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْإِجَازَةِ وَالتَّضْمِينِ أَنَّ التَّضْمِينَ يَتَمَحَّضُ تَمْلِيكًا، وَلَيْسَ فِيهِ مَعْنَى إسْقَاطِ حَقٍّ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَأْخُذُ مِنْهُ الْبَدَلَ لِمَا نَقَلَ الْمَالِكُ فِيهِ إلَيْهِ، فَصَارَ هَذَا تَخْصِيصًا لَهُ بِالتَّمْلِيكِ، فَاخْتَصَّ بِهِ، وَلَمْ يَجُزْ مَا قَبْلَهُ، كَمَا قُلْنَا فِي الْغَاصِبِ إذَا بَاعَ ثُمَّ أَجَازَ لَمْ تَجُزْ الْبُيُوعُ الْمَاضِيَةُ إلَّا أَنَّ الثَّانِيَ وَالثَّالِثَ نَفَاذُهُ مِنْ جِهَةِ الَّذِي أَجَازَ لَهُ، فَكَأَنَّهُ كَانَ مِلْكًا لَهُ فَنَفَذَ مَا بَعْدَهُ مِنْ الْعُقُودِ
وَأَمَّا الْإِجَازَةُ فَيَتَمَحَّضُ إسْقَاطُ الْحَقِّ، فَإِذَا أَجَازَهُ فَقَطْ أَسْقَطَ حَقَّ نَفْسِهِ، وَقَدْ عَقَدَ عَلَى مِلْكِ نَفْسِهِ عُقُودًا، وَإِنَّمَا امْتَنَعَ مِنْ نَفَاذِهِ لِعَدَمِ رِضَاهُ، فَإِذَا رَضِيَ جَازَ الْجَمِيعُ.
стр. 590
إذَا أُكْرِهَ عَلَى بَيْعِ عَبْدِهِ فَبَاعَهُ وَلَمْ يُسَلِّمْ، فَأَعْتَقَهُ الْمُشْتَرِي لَمْ يَنْفُذْ عِتْقُهُ، وَلَوْ قَبَضَهُ نَفَذَ عِتْقُهُ.
وَلَوْ اشْتَرَى عَبْدًا بِشَرْطِ الْخِيَارِ لِلْبَائِعِ وَقَبَضَهُ أَوْ لَمْ يَقْبِضْهُ ثُمَّ أَعْتَقَهُ لَمْ يَنْفُذْ عِتْقُهُ.
وَالْفَرْقُ أَنَّهُ إنَّمَا بَاعَ بِشَرْطِ الْخِيَارِ لِنَفْسِهِ لِئَلَّا يَتَمَلَّكَ عَلَيْهِ الْعَبْدَ مِنْ غَيْرِ رِضَاهُ، أَوْ لِكَيْ لَا يُفَوِّتَ مِلْكَهُ عَلَيْهِ إلَّا بِرِضَاهُ، فَلَمْ يَكُنْ مُسَلِّطًا لِلْمُشْتَرِي عَلَى التَّصَرُّفِ، فَإِذَا أَعْتَقَهُ فَلَوْ نَفَّذْنَاهُ لَأَزَلْنَا مِلْكَهُ بِغَيْرِ رِضَاهُ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْإِكْرَاهُ، لِأَنَّهُ لَمْ يَشْتَرِطْ لِنَفْسِهِ خِيَارًا، وَإِنَّمَا سَلَّطَهُ عَلَى التَّصَرُّفِ وَالْعِتْقِ وَإِكْرَاهُهُ عَلَى التَّسْلِيطِ عَلَى الْعِتْقِ لَا يَمْنَعُ نُفُوذَهُ، كَمَا لَوْ أَكْرَهَهُ عَلَى نَفْسِ الْإِعْتَاقِ لَا يَمْنَعُ نُفُوذَهُ، فَصَحَّ التَّسْلِيطُ فَعَتَقَ.
أَوْ نَقُولُ الْمَانِعُ مِنْ نُفُوذِ عِتْقِهِ خِيَارُ الْبَائِعِ، وَخِيَارُهُ بَعْدَ الْقَبْضِ بَاقٍ فَبَقِيَ الْمَانِعُ فَلَمْ يَجُزْ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ فِي مَسْأَلَتِنَا؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْ نُفُوذِهِ عَدَمُ الْقَبْضِ، فَإِذَا وُجِدَ زَالَ الْمَانِعُ فَنَفَذَ.
٧٠٥ - إذَا أُكْرِهَ بِوَعِيدِ تَلَفٍ حَتَّى حَصَلَ عِتْقُ عَبْدِهِ أَوْ طَلَاقُ امْرَأَتِهِ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا بِيَدِ رَجُلٍ، فَطَلَّقَ أَوْ أَعْتَقَ، ضَمِنَ الْمُكْرَهُ نِصْفَ الْمَهْرِ، وَقِيمَةَ الْعَبْدِ.
стр. 591
وَلَوْ شَهِدَ الشُّهُودُ بِأَنَّهُ جَعَلَ أَمْرَ امْرَأَتِهِ بِيَدِ هَذَا أَوْ عِتْقَ عَبْدِهِ، ثُمَّ أَعْتَقَ الْعَبْدَ وَطَلَّقَ الْمَرْأَةَ، ثُمَّ رَجَعُوا، فَإِنَّهُمْ لَا يَغْرَمُونَ شَيْئًا.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الْإِكْرَاهَ آكَدُ وَأَبْلَغُ مِنْ تَعَلُّقِ الضَّمَانِ بِهِ مِنْ الشَّهَادَةِ، بِدَلِيلِ أَنَّ فِي بَابِ الْإِكْرَاهِ يُجْعَلُ الْمُكْرَهُ كَالْمُبَاشِرِ فَيُنْقَلُ الْعَقْدُ إلَيْهِ وَلَا يُجْعَلُ فِي الشَّهَادَةِ كَذَلِكَ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَى الْمُكْرَهِ بِالْقَتْلِ، وَلَا يَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَى الشُّهُودِ إذَا رَجَعُوا، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ لِلْقَاضِي أَلَّا يَقْضِيَ بِشَهَادَةِ الشُّهُودِ، فَلَمْ يَكُونُوا مُلْجَئِينَ فَلَا يَنْتَقِلُ الْفِعْلُ إلَيْهِمْ بِخِلَافِ الْإِكْرَاهِ فَإِنَّ الْفِعْلَ يُنْقَلُ إلَيْهِ فَصَارَ مُبَاشِرًا بِنَفْسِهِ تَفْوِيتَ مِلْكِ غَيْرِهِ فَغَرِمَهُ، وَفِي الشَّاهِدِ تَسَبَّبَ وَلَمْ يُبَاشِرْ، فَإِذَا لَمْ يُبَاشِرْ إتْلَافَ مِلْكِ غَيْرِهِ لَمْ يَغْرَمْ.
٧٠٦ - لَوْ أُكْرِهَ بِوَعِيدِ تَلَفٍ عَلَى الْبَيْعِ، وَلَمْ يُؤْمَرْ بِالدَّفْعِ، فَبَاعَهُ وَدَفَعَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَى الَّذِي أَكْرَهَهُ شَيْءٌ.
وَلَوْ أُكْرِهَ بِوَعِيدِ تَلَفٍ عَلَى أَنْ يَهَبَهُ لَهُ، وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِدَفْعِهِ وَلَمْ يَنْهَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَوَهَبَهُ وَدَفَعَهُ، فَقَالَ لَهُ: قَدْ وَهَبْتُهُ لَكَ فَخُذْهُ، فَأَخَذَهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ فَهَلَكَ عِنْدَهُ، كَانَ الَّذِي أَكْرَهَهُ ضَامِنًا.
وَالْفَرْقُ أَنَّ مَقْصُودَهُ مِنْ الْبَيْعِ يَحْصُلُ بِنَفْسِ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَهُ مِنْ الْبَيْعِ التَّمْلِيكُ وَالْمِلْكُ فِي الْبَيْعِ يَحْصُلُ بِنَفْسِ الْعَقْدِ، فَلَمْ يَكُنْ الْإِكْرَاهُ عَلَى الْعَقْدِ إكْرَاهًا
стр. 592
عَلَى الْقَبْضِ وَالتَّسْلِيمِ، فَصَارَ مُسَلِّمًا بِاخْتِيَارِهِ، فَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ ضَمَانٌ وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْهِبَةُ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَهُ حُصُولُ الْمِلْكِ لَهُ وَالْمِلْكُ لَا يَحْصُلُ بِنَفْسِ الْعَقْدِ، وَإِنَّمَا يَحْصُلُ بِالْقَبْضِ عَلَى الْعَقْدِ، فَصَارَ إكْرَاهُهُ عَلَى الْعَقْدِ إكْرَاهًا عَلَى التَّسْلِيمِ فَكَانَ مُكْرَهًا عَلَيْهِ فَلَهُ أَنْ يَضْمَنَهُ.
٧٠٧ - لَوْ أَكْرَهَ رَجُلَيْنِ بِوَعِيدِ تَلَفٍ حَتَّى تَبَايَعَا وَتَقَابَضَا عَبْدًا، ثُمَّ أُكْرِهَ الْمُشْتَرِي بِوَعِيدِ تَلَفٍ حَتَّى قَتَلَ الْعَبْدُ عَمْدًا بِالسَّيْفِ فَلَا قِصَاصَ عَلَى الْمُكْرَهِ، وَلَكِنَّ الْبَائِعَ يُضَمِّنُ الْمُكْرَهَ قِيمَتَهُ.
وَلَوْ كَانَ أَكْرَهَهُمَا بِالْحَبْسِ عَلَى الْبَيْعِ، وَأُكْرِهَ الْمُشْتَرِي عَلَى الْقَتْلِ عَمْدًا فَلِلْبَائِعِ قِيمَةُ الْعَبْدِ عَلَى الْمُشْتَرِي، وَلِلْمُشْتَرِي أَنْ يَقْتُلَ الَّذِي أَكْرَهَهُ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الْإِكْرَاهَ بِالْحَبْسِ لَا يُوجِبُ نَقْلَ الْفِعْلِ فَلَمْ يُوجِبْ هَذَا الْفِعْلُ ضَمَانًا عَلَى الْمُكْرَهِ حَتَّى يَجِبَ لَهُ حَقُّ مِلْكٍ فِيهِ، فَلَمْ يَصِرْ شُبْهَةً فِي دَرْءِ الْقِصَاصِ، فَجَازَ أَنْ يَقْبِضَ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُخْرَى؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ أَوْجَبَ الضَّمَانَ عَلَى الْمُكْرَهِ، لِأَنَّ الْإِكْرَاهَ بِوَعِيدِ تَلَفٍ يُوجِبُ نَقْلَ الْفِعْلِ إلَى الْمُكْرَهِ، فَقَدْ وَجَبَ لِلْمُكْرَهِ حَقُّ مِلْكٍ فِيهِ، فَصَارَ شُبْهَةً، وَالشُّبْهَةُ تَدْرَأُ الْقِصَاصَ، وَلَا يَلْزَمُ الْغَاصِبَ إذَا قَتَلَ الْمَغْصُوبَ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ فَلَا يَلْزَمُنَا.
стр. 593
[كِتَابُ الْحَجْرِ]
٧٠٨ - قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ ﵀: إذَا قَالَ الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ: هَذَا أَخِي أَوْ عَمِّي لَمْ يَأْخُذْ الْقَاضِي بِقَوْلِهِ، وَلَا يُوجِبُ نَفَقَتَهُ فِي مَالِهِ مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ.
وَلَوْ قَالَ: هَذَا ابْنِي أَوْ هَذَا أَبِي صَدَّقَهُ الْقَاضِي، وَفَرَضَ لَهُ نَفَقَتَهُ فِي مَالِهِ
وَالْفَرْقُ أَنَّ نَسَبَ الْأَخِ وَالْعَمِّ لَا يَثْبُتُ بِقَوْلِهِ، فَلَوْ أَوْجَبْنَا لَهُمْ النَّفَقَةَ بِإِقْرَارِهِ لَأَوْجَبْنَاهَا بِقَوْلِهِ، وَإِيجَابُ الْحَقِّ فِي مَالِهِ بِقَوْلِهِ لَا يَجُوزُ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْوَلَدُ وَالْوَالِدُ؛ لِأَنَّهُمَا إذَا تَصَادَقَا ثَبَتَ النَّسَبُ بِقَوْلِهِمَا فَإِذَا أَوْجَبْنَا النَّفَقَةَ بِقَوْلِهِمَا لَمْ نُوجِبْهَا بِقَوْلِهِ، وَلَا بِقَوْلِ الْأَبِ، وَإِنَّمَا أَوْجَبْنَاهَا بِثُبُوتِ النَّسَبِ، وَهَذَا جَائِزٌ كَمَا لَوْ ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ.
٧٠٩ - إذَا بَلَغْتِ الْمَرْأَةُ مُفْسِدَةً فَاخْتَلَعَتْ مِنْ زَوْجِهَا بِمَالٍ جَازَ الْخُلْعُ، وَلَمْ يَجِبْ الْمَالُ، فَإِذَا صَارَتْ مُصْلِحَةً لَمْ تُؤْخَذْ بِذَلِكَ.
وَالْأَمَةُ إذَا اخْتَلَعَتْ نَفْسَهَا مِنْ زَوْجِهَا بِمَالٍ لَا يَجِبُ الْمَالُ فِي الْحَالِ، فَإِذَا أُعْتِقَتْ أُخِذَتْ بِذَلِكَ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الْأَمَةَ مَحْجُورٌ عَلَيْهَا لِحَقِّ الْغَيْرِ، وَإِنَّمَا امْتَنَعَ نَفَاذُهُ لِحَقِّ الْمَوْلَى، فَإِذَا أُعْتِقَتْ خَلَصَ الْحَقُّ لَهَا، وَزَالَ الْمَانِعُ فَلَزِمَهَا الْمَالُ، كَمَا لَوْ أَقَرَّتْ بِدَيْنٍ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْمَرْأَةُ لِأَنَّهَا مَحْجُورَةٌ لِحَقِّ نَفْسِهَا، فَلَمْ يَنْفُذْ قَوْلُهَا فِي حَقِّ نَفْسِهَا فَصَارَتْ كَالصَّغِيرَةِ وَالْمَجْنُونَةِ إذَا أَقَرَّتَا بِمَالٍ وَاخْتَلَعَتَا أَنْفُسَهُمَا مِنْ الزَّوْجِ
стр. 594
بِمَالٍ ثُمَّ بَلَغَ الصَّبِيُّ وَبَرِيءَ الْمَجْنُونُ لَا يَلْزَمُهُمَا الْمَالُ، كَذَلِكَ هَذَا.
٧١٠ - إذَا أَمَرَ الْمُصْلِحُ مُفْسِدًا بِبَيْعِ عَبْدِهِ، فَبَاعَ وَقَبَضَ الثَّمَنَ جَازَ بَيْعُهُ وَقَبْضُهُ.
وَلَوْ أَمَرَهُ بِالْبَيْعِ وَهُوَ مُصْلِحٌ، ثُمَّ فَسَدَ ثُمَّ قَبَضَ الثَّمَنَ لَمْ يَجُزْ قَبْضُهُ.
وَالْفَرْقُ أَنَّهُ إذَا أَمَرَهُ وَهُوَ مُصْلِحٌ فَقَدْ أَمَرَهُ بِعَقْدٍ يَتَعَلَّقُ حُقُوقُهُ بِهِ، وَبِقَبْضٍ تَتَعَلَّقُ عُهْدَتُهُ بِهِ، فَإِذَا قَبَضَ بَعْدَ الْحَجْرِ فَقَدْ قَبَضَ قَبْضًا لَمْ تَتَعَلَّقْ الْعُهْدَةُ بِهِ، فَلَمْ يَكُنْ قَبْضُهُ بِأَمْرِهِ، فَلَا يَجُوزُ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا أَمَرَهُ بِالْبَيْعِ بَعْدَ الْحَجْرِ لِأَنَّهُ أَمَرَهُ بِعَقْدٍ لَا يَتَعَلَّقُ حُقُوقُهُ بِهِ وَبِقَبْضٍ لَا يَتَعَلَّقُ عُهْدَتُهُ بِهِ، وَقَدْ قَبَضَ بِتِلْكَ الصِّفَةِ، فَصَارَ قَبْضُهُ وَاقِعًا بِأَمْرِهِ فَأَجْزَأَهُ.
٧١١ - إذَا بَاعَ الْمَحْجُورُ مَالَهُ بِثَمَنِ مِثْلِهِ، فَرُفِعَ إلَى الْقَاضِي أَجْزَأَهُ وَنَهَى الْمُشْتَرِيَ عَنْ دَفْعِ الثَّمَنِ إلَيْهِ، فَإِنْ دَفَعَ لَهُ لَمْ يَبْرَأْ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَدْفَعَ ثَمَنًا آخَرَ إلَى الْقَاضِي.
وَلَوْ وَكَّلَ وَكِيلًا بِالْبَيْعِ وَنَهَاهُ عَنْ قَبْضِ الثَّمَنِ، فَقَبَضَهُ فَإِنَّهُ يَصِحُّ قَبْضُهُ، وَلَا يُجْبَرُ الْمُشْتَرِي عَلَى دَفْعِ الثَّمَنِ مَرَّةً أُخْرَى.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمَحْجُورَ هُوَ الْعَاقِدُ وَحُقُوقُ الْعَقْدِ مُتَعَلِّقَةٌ بِهِ، وَقَبْضُ الثَّمَنِ مِنْ حُقُوقِ الْعَقْدِ، فَإِذَا نَهَاهُ الْقَاضِي فَقَدْ أَبْطَلَ حَقَّهُ عَنْ التَّصَرُّفِ لِفَسَادِهِ، وَلَهُ أَنْ يُبْطِلَ حُقُوقَهُ لِفَسَادِهِ، كَمَا يَمْنَعُهُ مِنْ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ.
لَيْسَ كَذَلِكَ الْمُوَكِّلُ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعَاقِدَ هُوَ، وَحُقُوقُ الْعَقْدِ مُتَعَلِّقَةٌ
стр. 595
بِهِ، وَقَبْضُ الثَّمَنِ مِنْ حُقُوقِهِ، فَوَجَبَ لَهُ قَبْضُهُ، فَصَارَ الْمُوَكِّلُ بِالنَّهْيِ يَبْطُلُ حَقُّهُ، وَلَيْسَ إلَيْهِ إبْطَالُ حَقِّ الْمُوَكِّلِ، كَمَا لَوْ نَهَاهُ عَنْ دَفْعِ الثَّمَنِ، فَلَا يَبْطُلُ حَقُّهُ وَيَصِحُّ قَبْضُهُ بَعْدَ ذَلِكَ، كَذَلِكَ هَذَا.
стр. 596
[كِتَابُ الْمُضَارَبَةِ]
٧١٢ - إذَا دَفَعَ إلَيْهِ أَلْفَ دِرْهَمٍ مُضَارَبَةً عَلَى مِثْلِ مَا شَرَطَ فُلَانٌ لِفُلَانٍ مِنْ الرِّبْحِ، فَإِنْ كَانَا عَلِمَا جَمِيعًا مَا شَرَطَ فُلَانٌ لِفُلَانٍ مِنْ الرِّبْحِ فِي مُضَارَبَتِهِ الَّتِي دَفَعَهَا إلَيْهِ فَهَذِهِ الْمُضَارَبَةُ جَائِزَةٌ بِمِثْلِ ذَلِكَ الشَّرْطِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمَاهُ أَوْ عَلِمَ أَحَدُهُمَا فَالْمُضَارَبَةُ فَاسِدَةٌ.
وَلَوْ بَاعَ مِنْ إنْسَانٍ شَيْئًا بِمِثْلِ مَا بَاعَهُ فُلَانٌ، وَالْمُشْتَرِي يَعْلَمُ بِمَا بَاعَهُ وَالْبَائِعُ لَا يَعْلَمُ جَازَ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْحَاجَةَ فِي صِحَّةِ عَقْدِ الْبَيْعِ إلَى مَعْرِفَةِ الْمُسْتَوْجِبِ لِلْبَدَلِ، لِيَدْرِيَ بِمَاذَا يُطَالِبُهُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ اشْتَرَى عَبْدًا آبِقًا عَنْ صَاحِبِهِ، وَهُوَ فِي يَدِهِ جَازَ، لِكَوْنِهِ قَادِرًا عَلَى قَبْضِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْبَائِعُ قَادِرًا عَلَى تَسْلِيمِهِ وَالْمُسْتَوْجِبُ هُوَ الْمُشْتَرِي فَإِذَا عَلِمَهُ فَقَدْ وَجَدَ مَعْرِفَةَ مَنْ اُحْتِيجَ إلَى مَعْرِفَتِهِ فِي صِحَّةِ الْعَقْدِ فَجَازَ.
стр. 597
وَفِي الْمُضَارَبَةِ كُلُّ وَاحِدٍ مُسْتَوْجِبٌ الرِّبْحَ، رَبُّ الْمَالِ بِرَأْسِ الْمَالِ، وَالْمُضَارِبُ بِالْعَمَلِ، فَاحْتِيجَ إلَى مَعْرِفَتِهِمَا جَمِيعًا، فَإِذَا لَمْ يَعْلَمَاهُ لَمْ يَجُزْ.
٧١٣ - إذَا دَفَعَ الْمَرِيضُ مَالًا مُضَارَبَةً إلَى إنْسَانٍ مُضَارَبَةً فَاسِدَةً فَعَمِلَ وَجَبَ لَهُ أَجْرُ الْمِثْلِ، وَالرِّبْحُ كُلُّهُ لِرَبِّ الْمَالِ، وَيُخَاصِمُ الْمُضَارِبَ سَائِرُ الْغُرَمَاءِ.
وَلَوْ اشْتَرَى الْمَرِيضُ شَيْئًا فَوَجَبَ عَلَيْهِ الثَّمَنُ كَانَ الْمُشْتَرِي أَحَقَّ بِالثَّمَنِ وَلَا يُضَارِبُهُ سَائِرُ الْغُرَمَاءِ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ حَقَّ الْغُرَمَاءِ لَا يَثْبُتُ فِي الْمَنَافِعِ، فَصَارَ وُجُوبُهُ بِبَدَلٍ لَمْ يَثْبُتْ حَقُّهُمْ فِيهِ، فَلَمْ يَكُنْ نَاقِلًا حَقَّهُمْ، فَصَارَ مُؤْثِرًا بَعْضُ الْغُرَمَاءِ عَلَى بَعْضٍ، فَلَمْ يَجُزْ، وَكَانَ لَهُمْ أَنْ يُشَارِكُوهُ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الثَّمَنُ، لِأَنَّهُ بِالشِّرَاءِ نُقِلَ حَقُّهُمْ نِصْفَيْنِ إلَى عَيْنٍ ثَبَتَ حَقُّهُمْ فِيهِ، وَلَهُ حَقُّ النَّقْلِ فَانْقَطَعَ حَقُّهُمْ عَنْ الثَّمَنِ فَكَانَ أَوْلَى بِهِ.
٧١٤ - إذَا اشْتَرَى الْمُضَارِبُ بِأَلْفِ الْمُضَارَبَةِ عَبْدًا فَجَنَى عَبْدُهُ جِنَايَةً خَطَأً لَمْ يَكُنْ لِلْمُضَارِبِ أَنْ يَدْفَعَهُ.
وَلَوْ اشْتَرَى الْعَبْدُ الْمَأْذُونُ عَبْدًا، فَجَنَى خَطَأً فَلَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمُضَارِبَ يَتَصَرَّفُ بِالْأَمْرِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ إذَا خُصَّ بِنَوْعٍ اخْتَصَّ
стр. 598
بِهِ، وَلَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَتَعَدَّى إلَى ذَلِكَ النَّوْعِ، فَدَلَّ أَنَّهُ يَتَصَرَّفُ بِالْأَمْرِ لَا بِفَكِّ الْحَجْرِ، وَقَدْ أُمِرَ بِالتِّجَارَةِ وَلَمْ يُؤْمَرْ بِغَيْرِهَا، وَالدَّفْعُ بِالْجِنَايَةِ لَيْسَ مِنْ التِّجَارَةِ، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ فِعْلُهُ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْمَأْذُونُ؛ لِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ بِفَكِّ الْحَجْرِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ إذَا أُذِنَ لَهُ فِي نَوْعٍ كَانَ إذْنًا فِي جَمِيعِ الْأَنْوَاعِ، فَصَارَ يَتَصَرَّفُ بِفَكِّ الْحَجْرِ فِي جَمِيعِ أَنْوَاعِ الْكَسْبِ، وَهَذَا مِنْ التَّكَسُّبِ فَجَازَ كَالْحُرِّ.
٧١٥ - إذَا دَفَعَ رَجُلٌ إلَى رَجُلٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ مُضَارَبَةً بِالنِّصْفِ عَلَى أَنَّ لِلْمُضَارِبِ - مَا عَمِلَ فِي الْمَالِ - أَجْرَ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ كُلَّ شَهْرٍ، فَعَمِلَ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ، فَرَبِحَ فَالرِّبْحُ عَلَى مَا اشْتَرَطَا، وَلَا أَجْرَ لَهُ.
وَلَوْ دَفَعَ أَرْضًا مُزَارَعَةً عَلَى أَنَّ لِلْعَامِلِ نِصْفَ الْخَارِجِ، وَأَجْرَ مِائَةِ دِرْهَمٍ فَعَمِلَ عَلَى هَذَا فَلَهُ أَجْرُ الْمِثْلِ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ فِي الْمُزَارَعَةِ شَرْطُ الْأَجْرِ بِإِزَاءِ الْعَمَلِ، وَشَرْطٌ بِإِزَاءِ الْعَمَلِ أَيْضًا بَعْضُ الْخَارِجِ، وَذَلِكَ يَكُونُ مُزَارَعَةً، وَالْأَوَّلُ إجَارَةٌ، فَقَدْ أَدْخَلَ عَقْدَ الْإِجَارَةِ فِي الْمُزَارَعَةِ فَكَانَ فَاسِدًا فَاسْتَحَقَّ أَجْرَ الْمِثْلِ.
وَأَمَّا الْمُضَارَبَةُ فَإِنَّمَا اشْتَرَطَ لَهُ الْأَجْرَ بِإِزَائِهِ لِتَسْلِيمِ النَّفْسِ فِي
стр. 599
الْمُدَّةِ، وَالرِّبْحُ مُشْتَرَطٌ بِإِزَاءِ الْعَمَلِ، وَهُمَا عَقْدَانِ مُخْتَلِفَانِ، فَفَسَادُ أَحَدِهِمَا لَا يُوجِبُ فَسَادَ الْآخَرِ، فَبَقِيَتْ الْمُضَارَبَةُ صَحِيحَةً، فَكَانَ الرِّبْحُ بَيْنَهُمَا عَلَى الشَّرْطِ.
وَوَجْهٌ آخَرُ: أَنَّ الْمُضَارَبَةَ أُجْرِيَتْ مَجْرَى الشَّرِكَةِ، وَالشَّرْطُ الْفَاسِدُ إذَا لَحِقَ بِعَقْدِ الشَّرِكَةِ بَطَلَ الشَّرْطُ، وَجَازَ الْعَقْدُ، كَمَا لَوْ شُرِطَ أَنْ يَكُونَ الرِّبْحُ بَيْنَهُمَا، وَالْوَضِيعَةُ عَلَى أَحَدِهِمَا، فَإِنَّ شَرْطَ الْوَضِيعَةِ فَاسِدٌ كَذَلِكَ هَذَا.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْمُزَارَعَةُ؛ لِأَنَّهَا أُجْرِيَتْ مَجْرَى الْإِجَارَاتِ، وَالشَّرْطُ الْفَاسِدُ إذَا لَحِقَ بِعَقْدِ الْإِجَارَةِ أَفْسَدَهُ، كَذَلِكَ هَذَا.
٧١٦ - إذَا قَالَ رَبُّ الْمَالِ لِلْمُضَارِبِ: اسْتَدِنْ عَلَيَّ، كَانَ مَا اسْتَدَانَهُ وَمَا اشْتَرَى بِالدَّيْنِ بَيْنَهُمَا عَلَى الْمُضَارَبَةِ.
وَلَوْ قَالَ: اسْتَدِنْ عَلَى نَفْسِك، كَانَ مَا اشْتَرَاهُ الْمُضَارِبُ بِالدَّيْنِ لَهُ خَاصَّةً، دُونَ رَبِّ الْمَالِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ إذَا قَالَ: اسْتَدِنْ عَلَيَّ، فَقَدْ أَمَرَهُ بِأَنْ يَشْتَرِيَ بِدَيْنٍ عَلَى رَبِّ الْمَالِ، وَوُجُوبُ الدَّيْنِ عَلَيْهِ لَا يَمْنَعُ مِنْ وُقُوعِ الشِّرَاءِ عَلَى حُكْمِ الْمُضَارَبَةِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ دَفَعَ إلَيْهِ مَالًا مُضَارَبَةً فَاشْتَرَى بِهِ شَيْئًا، ثُمَّ تَلِفَ الْمَالُ
стр. 600
وَجَبَ ضَمَانُهُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ، وَيَكُونُ الشِّرَاءُ وَاقِعًا عَلَى الْمُضَارَبَةِ، كَذَلِكَ هَذَا.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا قَالَ: اسْتَدِنْ عَلَى نَفْسِك؛ لِأَنَّهُ أَمَرَهُ أَنْ يَسْتَدِينَ عَلَيْهِ وَوُجُوبُ الدَّيْنِ عَلَى الْمُضَارِبِ يَمْنَعُ مِنْ وُقُوعِ الشِّرَاءِ، عَلَى حُكْمِ الْمُضَارَبَةِ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ خَالَفَ فِي الْمَالِ حَتَّى وَجَبَ الضَّمَانُ عَلَيْهِ، ثُمَّ اشْتَرَى شَيْئًا فَإِنَّ الشِّرَاءَ يَقَعُ لَهُ، لَا لِلْمُضَارَبَةِ، كَذَلِكَ هَذَا.
٧١٧ - وَإِذَا دَفَعَ إلَى رَجُلٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ مُضَارَبَةً فَاشْتَرَى بِهَا عَبْدًا يُسَاوِي أَلْفَيْ دِرْهَمٍ فَجَنَى الْعَبْدُ جِنَايَةً.
قَالَ فِي الزِّيَادَاتِ: الْفِدَاءُ عَلَيْهِمَا أَرْبَاعٌ، رُبْعٌ عَلَى الْمُضَارِبِ وَثَلَاثَةُ أَرْبَاعٍ عَلَى رَبِّ الْمَالِ، وَبَطَلَتْ الْمُضَارَبَةُ، وَالْفِدَاءُ يَجِبُ عَلَيْهِمَا.
وَأَمَّا النَّفَقَةُ فَإِنَّهَا تَجِبُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ خَاصَّةً.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا، عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ فِي الزِّيَادَاتِ: لِأَنَّا لَوْ أَوْجَبْنَا النَّفَقَةَ عَلَى الْمُضَارِبِ لَأَدَّى إلَى أَنْ يَحْصُلَ لِلْمُضَارِبِ الرِّبْحُ قَبْلَ حُصُولِ رَأْسِ الْمَالِ لِرَبِّ الْمَالِ، وَيَجُوزُ أَنْ تَنْقُصَ قِيمَتُهُ فَيَفُوتُ الرِّبْحُ وَالنَّفَقَةُ لِإِتْلَافِ رُبْعِ الْعَيْنِ، فَلَا يَمْلِكُهُ بِإِزَاءِ النَّفَقَةِ فَبَقِيَ الْمِلْكُ لِرَبِّ الْمَالِ، فَتَجِبُ النَّفَقَةُ عَلَيْهِ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْفِدَاءُ؛ لِأَنَّ الْفِدَاءَ يُقَابِلُ الْعَيْنَ، فَلَوْ مَلَّكْنَاهُ الرُّبْعَ
следующие страницы →