Полный текст (659 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
[كِتَابُ الْمُضَارَبَةِ]
٧١٢ - إذَا دَفَعَ إلَيْهِ أَلْفَ دِرْهَمٍ مُضَارَبَةً عَلَى مِثْلِ مَا شَرَطَ فُلَانٌ لِفُلَانٍ مِنْ الرِّبْحِ، فَإِنْ كَانَا عَلِمَا جَمِيعًا مَا شَرَطَ فُلَانٌ لِفُلَانٍ مِنْ الرِّبْحِ فِي مُضَارَبَتِهِ الَّتِي دَفَعَهَا إلَيْهِ فَهَذِهِ الْمُضَارَبَةُ جَائِزَةٌ بِمِثْلِ ذَلِكَ الشَّرْطِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمَاهُ أَوْ عَلِمَ أَحَدُهُمَا فَالْمُضَارَبَةُ فَاسِدَةٌ.
وَلَوْ بَاعَ مِنْ إنْسَانٍ شَيْئًا بِمِثْلِ مَا بَاعَهُ فُلَانٌ، وَالْمُشْتَرِي يَعْلَمُ بِمَا بَاعَهُ وَالْبَائِعُ لَا يَعْلَمُ جَازَ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْحَاجَةَ فِي صِحَّةِ عَقْدِ الْبَيْعِ إلَى مَعْرِفَةِ الْمُسْتَوْجِبِ لِلْبَدَلِ، لِيَدْرِيَ بِمَاذَا يُطَالِبُهُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ اشْتَرَى عَبْدًا آبِقًا عَنْ صَاحِبِهِ، وَهُوَ فِي يَدِهِ جَازَ، لِكَوْنِهِ قَادِرًا عَلَى قَبْضِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْبَائِعُ قَادِرًا عَلَى تَسْلِيمِهِ وَالْمُسْتَوْجِبُ هُوَ الْمُشْتَرِي فَإِذَا عَلِمَهُ فَقَدْ وَجَدَ مَعْرِفَةَ مَنْ اُحْتِيجَ إلَى مَعْرِفَتِهِ فِي صِحَّةِ الْعَقْدِ فَجَازَ.
стр. 597
وَفِي الْمُضَارَبَةِ كُلُّ وَاحِدٍ مُسْتَوْجِبٌ الرِّبْحَ، رَبُّ الْمَالِ بِرَأْسِ الْمَالِ، وَالْمُضَارِبُ بِالْعَمَلِ، فَاحْتِيجَ إلَى مَعْرِفَتِهِمَا جَمِيعًا، فَإِذَا لَمْ يَعْلَمَاهُ لَمْ يَجُزْ.
٧١٣ - إذَا دَفَعَ الْمَرِيضُ مَالًا مُضَارَبَةً إلَى إنْسَانٍ مُضَارَبَةً فَاسِدَةً فَعَمِلَ وَجَبَ لَهُ أَجْرُ الْمِثْلِ، وَالرِّبْحُ كُلُّهُ لِرَبِّ الْمَالِ، وَيُخَاصِمُ الْمُضَارِبَ سَائِرُ الْغُرَمَاءِ.
وَلَوْ اشْتَرَى الْمَرِيضُ شَيْئًا فَوَجَبَ عَلَيْهِ الثَّمَنُ كَانَ الْمُشْتَرِي أَحَقَّ بِالثَّمَنِ وَلَا يُضَارِبُهُ سَائِرُ الْغُرَمَاءِ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ حَقَّ الْغُرَمَاءِ لَا يَثْبُتُ فِي الْمَنَافِعِ، فَصَارَ وُجُوبُهُ بِبَدَلٍ لَمْ يَثْبُتْ حَقُّهُمْ فِيهِ، فَلَمْ يَكُنْ نَاقِلًا حَقَّهُمْ، فَصَارَ مُؤْثِرًا بَعْضُ الْغُرَمَاءِ عَلَى بَعْضٍ، فَلَمْ يَجُزْ، وَكَانَ لَهُمْ أَنْ يُشَارِكُوهُ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الثَّمَنُ، لِأَنَّهُ بِالشِّرَاءِ نُقِلَ حَقُّهُمْ نِصْفَيْنِ إلَى عَيْنٍ ثَبَتَ حَقُّهُمْ فِيهِ، وَلَهُ حَقُّ النَّقْلِ فَانْقَطَعَ حَقُّهُمْ عَنْ الثَّمَنِ فَكَانَ أَوْلَى بِهِ.
٧١٤ - إذَا اشْتَرَى الْمُضَارِبُ بِأَلْفِ الْمُضَارَبَةِ عَبْدًا فَجَنَى عَبْدُهُ جِنَايَةً خَطَأً لَمْ يَكُنْ لِلْمُضَارِبِ أَنْ يَدْفَعَهُ.
وَلَوْ اشْتَرَى الْعَبْدُ الْمَأْذُونُ عَبْدًا، فَجَنَى خَطَأً فَلَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمُضَارِبَ يَتَصَرَّفُ بِالْأَمْرِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ إذَا خُصَّ بِنَوْعٍ اخْتَصَّ
стр. 598
بِهِ، وَلَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَتَعَدَّى إلَى ذَلِكَ النَّوْعِ، فَدَلَّ أَنَّهُ يَتَصَرَّفُ بِالْأَمْرِ لَا بِفَكِّ الْحَجْرِ، وَقَدْ أُمِرَ بِالتِّجَارَةِ وَلَمْ يُؤْمَرْ بِغَيْرِهَا، وَالدَّفْعُ بِالْجِنَايَةِ لَيْسَ مِنْ التِّجَارَةِ، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ فِعْلُهُ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْمَأْذُونُ؛ لِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ بِفَكِّ الْحَجْرِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ إذَا أُذِنَ لَهُ فِي نَوْعٍ كَانَ إذْنًا فِي جَمِيعِ الْأَنْوَاعِ، فَصَارَ يَتَصَرَّفُ بِفَكِّ الْحَجْرِ فِي جَمِيعِ أَنْوَاعِ الْكَسْبِ، وَهَذَا مِنْ التَّكَسُّبِ فَجَازَ كَالْحُرِّ.
٧١٥ - إذَا دَفَعَ رَجُلٌ إلَى رَجُلٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ مُضَارَبَةً بِالنِّصْفِ عَلَى أَنَّ لِلْمُضَارِبِ - مَا عَمِلَ فِي الْمَالِ - أَجْرَ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ كُلَّ شَهْرٍ، فَعَمِلَ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ، فَرَبِحَ فَالرِّبْحُ عَلَى مَا اشْتَرَطَا، وَلَا أَجْرَ لَهُ.
وَلَوْ دَفَعَ أَرْضًا مُزَارَعَةً عَلَى أَنَّ لِلْعَامِلِ نِصْفَ الْخَارِجِ، وَأَجْرَ مِائَةِ دِرْهَمٍ فَعَمِلَ عَلَى هَذَا فَلَهُ أَجْرُ الْمِثْلِ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ فِي الْمُزَارَعَةِ شَرْطُ الْأَجْرِ بِإِزَاءِ الْعَمَلِ، وَشَرْطٌ بِإِزَاءِ الْعَمَلِ أَيْضًا بَعْضُ الْخَارِجِ، وَذَلِكَ يَكُونُ مُزَارَعَةً، وَالْأَوَّلُ إجَارَةٌ، فَقَدْ أَدْخَلَ عَقْدَ الْإِجَارَةِ فِي الْمُزَارَعَةِ فَكَانَ فَاسِدًا فَاسْتَحَقَّ أَجْرَ الْمِثْلِ.
وَأَمَّا الْمُضَارَبَةُ فَإِنَّمَا اشْتَرَطَ لَهُ الْأَجْرَ بِإِزَائِهِ لِتَسْلِيمِ النَّفْسِ فِي
стр. 599
الْمُدَّةِ، وَالرِّبْحُ مُشْتَرَطٌ بِإِزَاءِ الْعَمَلِ، وَهُمَا عَقْدَانِ مُخْتَلِفَانِ، فَفَسَادُ أَحَدِهِمَا لَا يُوجِبُ فَسَادَ الْآخَرِ، فَبَقِيَتْ الْمُضَارَبَةُ صَحِيحَةً، فَكَانَ الرِّبْحُ بَيْنَهُمَا عَلَى الشَّرْطِ.
وَوَجْهٌ آخَرُ: أَنَّ الْمُضَارَبَةَ أُجْرِيَتْ مَجْرَى الشَّرِكَةِ، وَالشَّرْطُ الْفَاسِدُ إذَا لَحِقَ بِعَقْدِ الشَّرِكَةِ بَطَلَ الشَّرْطُ، وَجَازَ الْعَقْدُ، كَمَا لَوْ شُرِطَ أَنْ يَكُونَ الرِّبْحُ بَيْنَهُمَا، وَالْوَضِيعَةُ عَلَى أَحَدِهِمَا، فَإِنَّ شَرْطَ الْوَضِيعَةِ فَاسِدٌ كَذَلِكَ هَذَا.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْمُزَارَعَةُ؛ لِأَنَّهَا أُجْرِيَتْ مَجْرَى الْإِجَارَاتِ، وَالشَّرْطُ الْفَاسِدُ إذَا لَحِقَ بِعَقْدِ الْإِجَارَةِ أَفْسَدَهُ، كَذَلِكَ هَذَا.
٧١٦ - إذَا قَالَ رَبُّ الْمَالِ لِلْمُضَارِبِ: اسْتَدِنْ عَلَيَّ، كَانَ مَا اسْتَدَانَهُ وَمَا اشْتَرَى بِالدَّيْنِ بَيْنَهُمَا عَلَى الْمُضَارَبَةِ.
وَلَوْ قَالَ: اسْتَدِنْ عَلَى نَفْسِك، كَانَ مَا اشْتَرَاهُ الْمُضَارِبُ بِالدَّيْنِ لَهُ خَاصَّةً، دُونَ رَبِّ الْمَالِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ إذَا قَالَ: اسْتَدِنْ عَلَيَّ، فَقَدْ أَمَرَهُ بِأَنْ يَشْتَرِيَ بِدَيْنٍ عَلَى رَبِّ الْمَالِ، وَوُجُوبُ الدَّيْنِ عَلَيْهِ لَا يَمْنَعُ مِنْ وُقُوعِ الشِّرَاءِ عَلَى حُكْمِ الْمُضَارَبَةِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ دَفَعَ إلَيْهِ مَالًا مُضَارَبَةً فَاشْتَرَى بِهِ شَيْئًا، ثُمَّ تَلِفَ الْمَالُ
стр. 600
وَجَبَ ضَمَانُهُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ، وَيَكُونُ الشِّرَاءُ وَاقِعًا عَلَى الْمُضَارَبَةِ، كَذَلِكَ هَذَا.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا قَالَ: اسْتَدِنْ عَلَى نَفْسِك؛ لِأَنَّهُ أَمَرَهُ أَنْ يَسْتَدِينَ عَلَيْهِ وَوُجُوبُ الدَّيْنِ عَلَى الْمُضَارِبِ يَمْنَعُ مِنْ وُقُوعِ الشِّرَاءِ، عَلَى حُكْمِ الْمُضَارَبَةِ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ خَالَفَ فِي الْمَالِ حَتَّى وَجَبَ الضَّمَانُ عَلَيْهِ، ثُمَّ اشْتَرَى شَيْئًا فَإِنَّ الشِّرَاءَ يَقَعُ لَهُ، لَا لِلْمُضَارَبَةِ، كَذَلِكَ هَذَا.
٧١٧ - وَإِذَا دَفَعَ إلَى رَجُلٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ مُضَارَبَةً فَاشْتَرَى بِهَا عَبْدًا يُسَاوِي أَلْفَيْ دِرْهَمٍ فَجَنَى الْعَبْدُ جِنَايَةً.
قَالَ فِي الزِّيَادَاتِ: الْفِدَاءُ عَلَيْهِمَا أَرْبَاعٌ، رُبْعٌ عَلَى الْمُضَارِبِ وَثَلَاثَةُ أَرْبَاعٍ عَلَى رَبِّ الْمَالِ، وَبَطَلَتْ الْمُضَارَبَةُ، وَالْفِدَاءُ يَجِبُ عَلَيْهِمَا.
وَأَمَّا النَّفَقَةُ فَإِنَّهَا تَجِبُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ خَاصَّةً.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا، عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ فِي الزِّيَادَاتِ: لِأَنَّا لَوْ أَوْجَبْنَا النَّفَقَةَ عَلَى الْمُضَارِبِ لَأَدَّى إلَى أَنْ يَحْصُلَ لِلْمُضَارِبِ الرِّبْحُ قَبْلَ حُصُولِ رَأْسِ الْمَالِ لِرَبِّ الْمَالِ، وَيَجُوزُ أَنْ تَنْقُصَ قِيمَتُهُ فَيَفُوتُ الرِّبْحُ وَالنَّفَقَةُ لِإِتْلَافِ رُبْعِ الْعَيْنِ، فَلَا يَمْلِكُهُ بِإِزَاءِ النَّفَقَةِ فَبَقِيَ الْمِلْكُ لِرَبِّ الْمَالِ، فَتَجِبُ النَّفَقَةُ عَلَيْهِ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْفِدَاءُ؛ لِأَنَّ الْفِدَاءَ يُقَابِلُ الْعَيْنَ، فَلَوْ مَلَّكْنَاهُ الرُّبْعَ
стр. 601
وَأَوْجَبْنَا عَلَيْهِ رُبْعَ الْفِدَاءِ، لَمْ يُؤَدِّ إلَى أَنْ يَحْصُلَ لَهُ رِبْحٌ قَبْلَ حُصُولِ رَأْسِ الْمَالِ لِرَبِّ الْمَالِ؛ لِأَنَّ الرِّبْحَ هُوَ أَنْ يَحْصُلَ لَهُ شَيْءٌ مِنْ الْمَالِ مِنْ غَيْرِ ضَمَانٍ يُقَابِلُهُ، وَهَا هُنَا يَمْلِكُهُ بِضَمَانٍ يُقَابِلُهُ.
وَوَجْهٌ آخَرُ: أَنَّ وُجُوبَ النَّفَقَةِ بِمَعْنًى يُضَمُّ إلَى رَأْسِ الْمَالِ، فَوَجَبَ عَلَى رَبِّ الْمَالِ، كَالثَّمَنِ لَوْ اشْتَرَى بِأَلْفِ الْمُضَارَبَةِ عَبْدًا ثُمَّ تَلِفَ الْأَلْفُ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ بِأَلْفٍ، كَذَلِكَ هَذَا.
وَأَمَّا الْفِدَاءُ فَوُجُوبُهُ بِمَعْنًى لَا يُضَمُّ إلَى رَأْسِ الْمَالِ، فَلَا يَجِبُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ، كَذَلِكَ هَذَا
٧١٨ - فَإِنْ فَدَيَا الْعَبْدَ بِأَلْفٍ خَرَجَ الْعَبْدُ كُلُّهُ عَنْ الْمُضَارَبَةِ، وَرُبْعُهُ مِلْكُ الْمُضَارِبِ وَثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ مِلْكُ رَبِّ الْمَالِ.
وَلَوْ كَانَ رَأْسُ الْمَالِ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَرَبِحَ فَصَارَ أَلْفَيْنِ، فَاشْتَرَى عَبْدًا بِأَلْفَيْنِ فَتَلِفَ الثَّمَنُ فِي يَدِهِ، فَإِنَّ رَبَّ الْمَالِ يَغْرَمُ أَلْفًا وَخَمْسمِائَةٍ، وَيَغْرَمُ الْمُضَارِبُ خَمْسِمِائَةٍ، وَيَدْفَعُهَا إلَى الْبَائِعِ، وَأَخَذَ الْعَبْدَ، فَيَكُونُ رُبْعُ الْعَبْدِ لِلْمُضَارِبِ خَاصَّةً، وَيَبْقَى ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ عَلَى الْمُضَارَبَةِ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الْفِدَاءَ لَيْسَ مِنْ مُوجَبِ عَقْدِ الْمُضَارَبَةِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ جَنَى الْعَبْدُ جِنَايَةً، وَفِي يَدِ الْمُضَارِبِ مِقْدَارُ مَا يَفْدِي لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَفْدِيَ، وَلَوْ فَدَى كَانَ مُتَطَوِّعًا فَقَدْ وَقَعَ التَّمْيِيزُ بِمَا لَيْسَ مِنْ مُوجَبِ الْمُضَارَبَةِ، فَانْفَسَخَتْ الْمُضَارَبَةُ
стр. 602
كَمَا لَوْ اقْتَسَمَا الْمَالَ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الثَّمَنُ؛ لِأَنَّ أَدَاءَ الثَّمَنِ مِنْ مُوجَبِ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ اشْتَرَى شَيْئًا وَفِي يَدِهِ مِنْ الْمَالِ مِقْدَارُ الثَّمَنِ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يُؤَدِّيَ الثَّمَنَ مِنْ غَيْرِ إذْنِ رَبِّ الْمَالِ، فَقَدْ وَقَعَ التَّمْيِيزُ بِمَا هُوَ مِنْ مُوجَبِ الْعَقْدِ، فَلَمْ يَرْفَعْ الْعَقْدَ، فَبَقِيَتْ الْمُضَارَبَةُ فِي ثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ الْعَبْدِ، وَرُبْعٌ بَدَلُ مَا نَقَدَ مِنْ مَالِهِ خَاصَّةً، فَسُلِّمَ لَهُ كَمَا لَوْ اشْتَرَى شَيْئًا.
стр. 603
[كِتَابُ الشُّرْبِ]
٧١٩ - إذَا كَانَ نَهْرٌ بَيْنَ قَوْمٍ لَهُمْ عَلَيْهِ أَرَضُونَ، وَلَا يَعْرِفُونَ كَيْفَ كَانَ أَصْلُهُ بَيْنَهُمْ، فَاخْتَلَفُوا فِيهِ، وَاخْتَصَمُوا فِي الشُّرْبِ فَإِنَّ الشُّرْبَ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ أَرَاضِيِهِمْ.
وَلَوْ كَانَتْ سَاحَةٌ بَيْنَ قَوْمٍ عَلَيْهَا مَمَرُّهُمْ، اخْتَلَفُوا فِيهَا فَإِنَّهَا تُقَسَّمُ عَلَى عَدَدِ الرُّءُوسِ، دُونَ عَدَدِ دُورِهِمْ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ تَصَرُّفَ صَاحِبِ الْأَرْضِ الْكَثِيرَةِ فِي الشُّرْبِ أَكْثَرُ مِنْ تَصَرُّفِ صَاحِبِ الْأَرْضِ الْقَلِيلَةِ، لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى إجْرَاءِ الْمَاءِ أَكْثَرَ مِمَّا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْآخَرُ، فَصَارَ لِكُلِّ وَاحِدٍ يَدٌ فِي الشُّرْبِ بِأَرْضِهِ، وَأَرَاضِي كُلِّ قَوْمٍ مُخْتَلِفَةٌ، فَحُقِّقَتْ يَدُهُ فِي الشُّرْبِ بِقَدْرِهَا، فَكَانَ أَوْلَى بِذَلِكَ الْقَدْرِ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الطَّرِيقُ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الدَّارِ الصَّغِيرَةِ يَحْتَاجُ إلَى الِاسْتِطْرَاقِ نَحْوَ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ صَاحِبُ الْكَبِيرَةِ، فَقَدْ اسْتَوَيَا فِي التَّصَرُّفِ، وَهُوَ سَبَبُ الِاسْتِحْقَاقِ، وَإِذَا اسْتَوَيَا فِي سَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ اسْتَوَيَا فِي الْمُسْتَحَقِّ، كَدَارٍ
стр. 604
فِي يَدِ رَجُلَيْنِ تَنَازَعَا فِيهَا قُسِّمَتْ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، كَذَلِكَ هَذَا.
٧٢٠ - نَهْرٌ بَيْنَ قَوْمٍ وَبَعْضُهُمْ غَائِبٌ، فَاصْطَلَحُوا عَلَى أَنْ يَقْسِمُوا لِكُلِّ رَجُلٍ شِرْبًا مُسَمًّى، فَقَدِمَ الْغَائِبُ فَلَهُ أَنْ يُبْطِلَ الْقِسْمَةَ، فَإِنْ كَانُوا أَوْفَوْهُ حَقَّهُ وَجَازُوهُ وَأَنَابُوهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ نَقْضُهُ.
بِخِلَافِ الدَّارِ بَيْنَ قَوْمٍ وَبَعْضُهُمْ غَائِبٌ، فَمَيَّزُوا نَصِيبَ الْغَائِبِ، ثُمَّ رَجَعَ فَلَهُ أَنْ يَنْقُضَ الْقِسْمَةَ.
وَالْفَرْقُ أَنَّا لَوْ نَقَضْنَا الْقِسْمَةَ فِي الشُّرْبِ لَأَعَدْنَا مِثْلَهَا؛ لِأَنَّهُ يَقَعُ لَهُ فِي الثَّانِي مِثْلُ مَا وَقَعَ لَهُ فِي الْأَوَّلِ، وَهُوَ يَوْمٌ مِنْ كَذَا يَوْمٍ، فَلَمْ يَكُنْ فَائِدَةٌ فِي الْقِسْمَةِ فَتُرِكَ.
وَأَمَّا فِي الدَّارِ فَمِنْ حَيْثُ يَفْسَخُ الْقِسْمَةَ لَمْ يُعِدْ مِثْلَهَا، لِجَوَازِ أَنْ يَقَعَ قِسْمُهُ جَانِبًا آخَرَ فَجَازَ أَنْ تُعَادَ الْقِسْمَةُ.
٧٢١ - إذَا بَاعَ شِرْبًا بِأَمَةٍ وَقَبَضَهَا، فَوَطِئَهَا رَجُلٌ بِشُبْهَةٍ، فَأَخَذَ الْعُقْرَ أَوْ قَطَعَ يَدَهَا فَأَخَذَ الْأَرْشَ، ثُمَّ مَاتَتْ الْجَارِيَةُ عِنْدَهُ ضَمِنَ قِيمَتَهَا، وَالْمَهْرُ وَالْأَرْشُ لَهُ.
وَلَوْ وَلَدَتْ وَلَدًا وَمَاتَتْ الْأُمُّ ضَمِنَ قِيمَةَ الْأُمِّ وَلَا يَكُونُ الْوَلَدُ لَهُ.
стр. 605
وَالْفَرْقُ أَنَّ الْأَرْشَ بَدَلُ جُزْءٍ مِنْهَا، وَكَذَلِكَ الْعُقْرُ وَالتَّضْمِينُ يُوجِبَانِ نَقْلَ الْمِلْكِ فِيهَا إلَيْهِ، وَالْأَجْزَاءُ لَا تَنْفَصِلُ عَنْ الْأُمِّ فِي نَقْلِ الْمِلْكِ لِاسْتِحَالَةِ أَنْ يَكُونَ الْأَصْلُ لِوَاحِدٍ وَالْيَدُ لِآخَرَ فَمَلَكَهَا بِجَمِيعِ أَجْزَائِهَا، فَكَانَ بَدَلُهَا لَهُ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْوَلَدُ؛ لِأَنَّ التَّضْمِينَ يُوجِبُ نَقْلَ الْمِلْكِ فِيهَا، وَالْوَلَدُ يَنْفَصِلُ عَنْ الْأُمِّ فِي نَقْلِ الْمِلْكِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَغْرُورَ يَسْتَحِقُّ رَقِيقًا، وَالْوَلَدُ يَكُونُ حُرًّا فَانْتِقَالُ الْمِلْكِ فِي الْأُمِّ لَا يُوجِبُ فِي الْوَلَدِ الْمِلْكَ، فَلَمْ يَمْلِكْ الْوَلَدَ، فَبَقِيَ عَلَى مِلْكِ صَاحِبِهِ فَسُلِّمَ إلَيْهِ.
٧٢٢ - نَهْرٌ بَيْنَ قَوْمٍ لَهُمْ عَلَيْهِ أَرَضُونَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَرْضٌ مَعْلُومَةٌ، فَأَرَادَ بَعْضُهُمْ أَنْ يَسُوقَ شِرْبَهُ إلَى آخَرَ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي ذَلِكَ النَّهْرِ شِرْبٌ فِيمَا مَضَى، فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ.
وَلَوْ كَانَ طَرِيقٌ بَيْنَ رَجُلَيْنِ، اشْتَرَى أَحَدُهُمَا بِجَنْبِ دَارِهِ دَارًا أُخْرَى فَأَرَادَ أَنْ يَفْتَحَ بَابَهَا فِي هَذَا الطَّرِيقِ كَانَ لَهُ ذَلِكَ إنْ كَانَ سَاكِنُ الدَّارَيْنِ وَاحِدًا. وَالْفَرْقُ أَنَّهُ فِي الشُّرْبِ يَسْتَوْجِبُ لِنَفْسِهِ حَقًّا زَائِدًا، بِدَلِيلِ أَنَّهُ عِنْدَ الِاخْتِلَافِ يُقَسَّمُ الشِّرْبُ عَلَى قَدْرِ الْأَرَاضِي، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَسُوقَهُ إلَى أَرْضٍ أُخْرَى لِيَسْتَوْجِبَ بِهِ حَقًّا زَائِدًا لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ.
стр. 606
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الطَّرِيقُ، لِأَنَّهُ لَا يَسْتَوْجِبُ لِنَفْسِهِ حَقًّا زَائِدًا؛ لِأَنَّ الطَّرِيقَ عِنْدَ الِاخْتِلَافِ تُقَسَّمُ عَلَى عَدَدِ الرُّءُوسِ، فَإِذَا كَانَ سَاكِنُ الدَّارِ وَاحِدًا فَلَمْ يَسْتَوْجِبْ بِهِ حَقًّا زَائِدًا فَكَانَ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ سَاكِنُ الدَّارَيْنِ مُخْتَلِفًا فَهُوَ يَسْتَوْجِبُ زَائِدًا لَا يُقَسَّمُ عَلَى عَدَدِ الرُّءُوسِ، فَلَا يَكُونُ لَهُ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
стр. 607
[كِتَابُ الْأَشْرِبَةِ]
٧٢٣ - لَا بَأْسَ بِبَيْعِ الْعَصِيرِ مِمَّنْ يَتَّخِذُهُ خَمْرًا. وَكُرِهَ بَيْعُ السِّلَاحِ فِي أَيَّامِ الْفِتْنَةِ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ تَحْرِيمَ الْخَمْرِ لِأَجْلِ الْمَرَارَةِ وَالشِّدَّةِ، وَلَا فِعْلَ لَهُ فِيهَا، وَإِنَّمَا يُجْرِيهَا اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ، فَلَمْ يَكُنْ نَفْسُ الْبَيْعِ إعَانَةً عَلَى مَحْظُورٍ فَجَازَ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ السِّلَاحُ؛ لِأَنَّ الْكَرَاهَةَ لِأَجْلِ اسْتِعْمَالِهِ مِنْ فِعْلِ الْمُشْتَرِي، فَصَارَ بِتَمْلِيكِ السِّلَاحِ مُعِينًا لَهُ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَحْظُورِ، وَالْإِعَانَةُ عَلَى الْمَحْظُورِ مَحْظُورٌ فَكُرِهَ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ السِّلَاحَ لَوْ كَانَ مِلْكًا لَهُ يُحَالُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ فِي أَيَّامِ الْفِتْنَةِ، وَتُزَالُ يَدُهُ، فَلَأَنْ يُحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ إذَا لَمْ يَكُنْ مِلْكًا لَهُ أَوْلَى.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْخَمْرُ؛ لِأَنَّ الْعَصِيرَ لَوْ كَانَ فِي يَدِ مَنْ يَتَّخِذُهُ خَمْرًا لَا يُحَالُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ؛ لِأَنَّا لَوْ مَنَعْنَاهُ لَمْ يَقْدِرْ أَحَدٌ أَنْ يَتَّخِذَهُ خَلًّا، لِأَنَّهُ لَا يَصِيرُ خَلًّا مَا لَمْ يَصِرْ خَمْرًا، فَإِذَا مَلَكَهُ لِأَجْلِ ذَلِكَ التَّصَرُّفِ لَمْ يُكْرَهْ لَهُ ذَلِكَ، كَمَا لَوْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ يَتَّخِذُ خَمْرًا.
٧٢٤ - إذَا خَافَ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ الْجُوعِ، وَمَعَ رَفِيقِهِ طَعَامٌ، فَأَبَى
стр. 608
أَنْ يُعْطِيَهُ لَا يَحِلُّ لَهُ قِتَالُهُ بِالسِّلَاحِ، وَيُقَاتِلُهُ بِغَيْرِ سِلَاحٍ.
وَإِنْ كَانَ فِي الْبِئْرِ مَاءٌ، وَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ، فَمَنَعَهُ صَاحِبُ الْبِئْرِ عَنْ الْبِئْرِ جَازَ لَهُ أَنْ يُقَاتِلَهُ بِالسِّلَاحِ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الطَّعَامَ مِلْكٌ لَهُ، وَلَهُ أَنْ يَدْفَعَ عَنْ مِلْكِهِ وَيُقَاتِلَ، وَلَوْ قُتِلَ كَانَ شَهِيدًا، بِدَلِيلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ» ، وَإِذَا كَانَ هُوَ شَهِيدًا كَانَ ذَاكَ ظَالِمًا لَهُ، فَكُرِهَ لَهُ أَنْ يُقَاتِلَهُ بِالسِّلَاحِ، وَقَدْ اُضْطُرَّ فِي إحْيَاءِ نَفْسِهِ إلَى مَالِهِ، فَكَانَ لَهُ أَنْ يُقَاتِلَهُ بِغَيْرِ السِّلَاحِ.
وَأَمَّا الْمَاءُ فَلَيْسَ بِمَمْلُوكٍ لَهُ، فَإِذَا مَنَعَهُ كَانَ مُتَعَدِّيًا فِي الْمَنْعِ، فَكَانَ لَهُ أَنْ يُقَاتِلَهُ بِالسِّلَاحِ، لِأَنَّ هَذَا حَقُّهُ، فَإِذَا مُنِعَ عَنْ حَقِّهِ كَانَ لَهُ أَنْ يُقَاتِلَهُ بِالسِّلَاحِ، كَمَا لَوْ قَاتَلَهُ عَلَى مَالٍ.
стр. 609
[كِتَابُ الرَّهْنِ]
٧٢٥ - الرَّهْنُ بِضَمَانِ الدَّرْكِ لَا يَصِحُّ، وَلَا يَتْلَفُ عَلَى الضَّمَانِ
وَلَوْ رَهَنَ مِنْهُ شَيْئًا بِعَشْرَةٍ يُقْرِضُهُ فِي ثَانِي الْحَالِ فَتَلِفَ تَلِفَ عَلَى الضَّمَانِ
وَلَوْ كَفَلَ بِضَمَانِ الدَّرْكِ جَازَ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ ضَمَانَ الدَّرْكِ غَيْرُ حَاصِلٍ فِي الْحَالِ، لِجَوَازِ أَنْ يَلْحَقَهُ دَرْكٌ أَوْ لَا يَلْحَقُهُ، فَقَدْ رَهَنَهُ بِغَيْرِ مَالٍ مَضْمُونٍ، فَلَمْ يَكُنْ مَضْمُونًا كَالرَّهْنِ الْوَدِيعَةِ وَالْعَارِيَّةِ، وَأَمَّا مَا يُقْرِضُهُ فِي ثَانِي الْحَالِ فَهُوَ مَضْمُونٌ؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ أَنْ يَكُونَ بِإِزَائِهِ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ فَهُوَ مَقْبُوضٌ عَلَى ضَمَانِ الْعَشَرَةِ، فَصَارَ مَضْمُونًا كَالْمَقْبُوضِ عَلَى السَّوْمِ.
وَأَمَّا الْكَفَالَةُ بِالدَّرْكِ فَهُوَ ضَمَانٌ بِمَا يُسْتَحَقُّ، وَالْكَفَالَةُ بِضَمَانٍ غَيْرِ حَاصِلٍ فِي الْحَالِ جَائِزٌ، كَمَا لَوْ قَالَ: مَا بَايَعْتُ فُلَانًا فَأَنَا لَهُ ضَامِنٌ فَإِنَّهُ يَجُوزُ، كَذَلِكَ هَذَا.
٧٢٦ - لَوْ رَهَنَ دَابَّتَيْنِ فَقَتَلَتْ إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى ذَهَبَ مِنْ الدَّيْنِ
стр. 610
بِحِسَابِ الْمَقْتُولَةِ.
وَلَوْ رَهَنَ عَبْدَيْنِ فَقَتَلَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ انْتَقِلْ مَا فِي الْمَقْتُولِ إلَى الْقَاتِلِ، وَلَا يَسْقُطُ شَيْءٌ مِنْ الدَّيْنِ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ فِعْلَ الدَّابَّةِ هَدَرٌ.
بِدَلِيلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «الْعَجْمَاءُ جُبَارٌ» فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ: مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ، وَلَوْ مَاتَ سَقَطَتْ حِصَّتُهُ، كَذَلِكَ هَذَا.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْعَبْدَانِ؛ لِأَنَّ فِعْلَ الْعَبْدِ لَا يَكُونُ هَدَرًا، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ قَتَلَ عَبْدًا أَجْنَبِيًّا تَعَلَّقَتْ جِنَايَتُهُ بِرَقَبَتِهِ، فَلَمْ يَكُنْ هَدَرًا، فَقَامَ مَقَامَ الْمَقْتُولِ، وَانْتَقَلَ مَا فِيهِ إلَيْهِ، كَمَا لَوْ قَتَلَهُ عَبْدٌ أَجْنَبِيٌّ.
стр. 611
إذَا رَهَنَ أَرْضًا مَزْرُوعَةً وَشَجَرَةً مُثْمِرَةً دَخَلَ الزَّرْعُ وَالثَّمَرُ فِي الرَّهْنِ.
وَلَوْ بَاعَ أَرْضًا مَزْرُوعَةً وَشَجَرَةً مُثْمِرَةً لَمْ يَدْخُلْ الزَّرْعُ وَالثَّمَرَةُ فِي الْبَيْعِ إلَّا بِالشَّرْطِ.
وَالْفَرْقُ أَنَّا لَوْ لَمْ نُدْخِلْ الثَّمَرَةَ وَالزَّرْعَ فِي الْعَقْدِ لَأَبْطَلْنَا الْعَقْدَ؛ لِأَنَّ لَهُ اتِّصَالًا بِعَيْنِ الرَّهْنِ، وَاتِّصَالُ غَيْرِ الرَّهْنِ بِعَيْنِ الرَّهْنِ يَمْنَعُ صِحَّةَ الرَّهْنِ لِلْإِشَاعَةِ، فَمِنْ حَيْثُ لَا يَدْخُلُ فِيهِ نُبْطِلُهُ فَنُدْخِلُهُ.
وَفِي الْبَيْعِ لَوْ لَمْ يَدْخُلْ فِي الْعَقْدِ لَمْ يُبْطِلْهُ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ مُتَّصِلٌ بِعَيْنِ الْمَبِيعِ، وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ الْإِشَاعَةَ لَا تُؤَثِّرُ فِيهِ.
٧٢٨ - إذَا اشْتَرَى شَيْئًا لَهُ حِمْلٌ وَمُؤْنَةٌ فَالْتَقَيَا فِي غَيْرِ الْبَلَدِ الَّذِي تَبَايَعَا فِيهِ يُكَلَّفُ الْبَائِعُ إحْضَارَ الْمَبِيعِ أَوَّلًا، ثُمَّ نُكَلِّفُ الْمُشْتَرِيَ إحْضَارَ الثَّمَنِ.
وَلَوْ رَهَنَ شَيْئًا لِرَجُلٍ لَهُ حِمْلٌ وَمُؤْنَةٌ، فَالْتَقَيَا فِي غَيْرِ الْبَلَدِ الَّذِي رَهَنَهُ فِيهِ، فَطَلَبَ دَيْنَهُ فَقَالَ: أَحْضِرْ الرَّهْنَ وَخُذْ دَيْنَك، فَلَيْسَ عَلَى الْمُرْتَهِنِ أَنْ يُحْضِرَ الرَّهْنَ، وَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ الدَّيْنَ مِنْ الرَّاهِنِ بَعْدَ أَنْ يَحْلِفَ بِاَللَّهِ مَا نَوَى رَهْنَك.
стр. 612
وَالْفَرْقُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُجْبِرْهُ عَلَى إحْضَارِ الْمَبِيعِ لَأَدَّى إلَى أَنْ يَسْقُطَ عَنْهُ ضَمَانُ التَّسْلِيمِ مَعَ بَقَاءِ الْعَقْدِ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ، كَمَا لَوْ بَاعَهُ الْمَبِيعَ قَبْلَ الْقَبْضِ لَمْ يَجُزْ.
وَأَمَّا فِي الرَّهْنِ فَلَوْ جَعَلْنَاهُ رَاضِيًا بِحِفْظِهِ فِي تِلْكَ الْبَلْدَةِ وَلَمْ يُجْبِرْهُ عَلَى إحْضَارِهَا لَأَدَّى إلَى أَنْ يَسْقُطَ عَنْهُ ضَمَانُ التَّسْلِيمِ مَعَ بَقَاءِ الْعَقْدِ، وَهَذَا جَائِزٌ، كَمَا لَوْ بَاعَهُ مِنْهُ أَوْ وَهَبَهُ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَلِأَنَّ فِي الْبَيْعِ مِلْكَ الْمَبِيعِ بِإِزَاءِ الثَّمَنِ، فَمِلْكٌ قَابَلَ مِلْكًا، وَتَسَلُّمٌ قَابَلَ تَسْلِيمًا، وَإِحْضَارٌ قَابَلَ إحْضَارًا، فَمَا لَمْ يُحْضِرْ أَحَدُهُمَا الْمَبِيعَ لَا يُجْبَرُ الْآخَرُ عَلَى إحْضَارِ الثَّمَنِ.
٧٢٩ - وَلَوْ رَهَنَ عِنْدَ إنْسَانٍ رَهْنًا وَجَعَلَهُ مُسَلَّطًا عَلَى بَيْعِهِ عِنْدَ حُلُولِ الدَّيْنِ فَلَمَّا حَلَّ الْأَجَلُ لَمْ يَجِدْ مَنْ يَشْتَرِيه بِالنَّقْدِ إلَّا بِوَكْسٍ فَبَاعَهُ بِالنَّسِيئَةِ جَازَ، فَإِنْ قَالَ الرَّاهِنُ: أَحْضِرْ الثَّمَنَ حَتَّى أُعْطِيَك دَيْنَك لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَيُقَالُ: أَدِّ الدَّيْنَ إلَى الْمُرْتَهِنِ فَإِذَا حَلَّ الْأَجَلُ أَخَذَ الثَّمَنَ حِينَئِذٍ وَدَفَعَهُ إلَيْك.
وَلَوْ قُتِلَ الْعَبْدُ، فَقُضِيَ بِقِيمَتِهِ عَلَى عَاقِلَةِ الْقَاتِلِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ، فَأَرَادَ الْمُرْتَهِنُ أَخْذَ دَيْنِهِ مِنْ الرَّاهِنِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ حَتَّى يُحْضِرَ الْقِيمَةَ إلَى الرَّاهِنِ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الْقِيمَةَ تَخْلُفُ الْعَيْنَ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ رَهَنَ عِنْدَهُ عَبْدًا قِيمَتُهُ أَلْفٌ
стр. 613
بِأَلْفٍ، فَصَارَ يُسَاوِي خَمْسَمِائَةٍ، فَقَتَلَهُ إنْسَانٌ فَضَمِنَ قِيمَتَهُ، ثُمَّ تَلِفَتْ تِلْكَ الْقِيمَةُ، وَسَقَطَ جَمِيعُ الدَّيْنِ، فَصَارَتْ الْقِيمَةُ كَالْعَيْنِ، وَلَوْ كَانَ الْعَيْنُ بَاقِيًا يُكَلَّفُ إحْضَارَهُ، كَذَلِكَ هَذَا.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الثَّمَنُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُفُ الْعَيْنَ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ رَهَنَ عِنْدَهُ عَبْدًا قِيمَتُهُ أَلْفٌ، وَسَلَّطَهُ عَلَى بَيْعِهِ، فَبَاعَهُ بِخَمْسِمِائَةٍ، ثُمَّ تَلِفَتْ الْخَمْسمِائَةِ لَمْ يَسْقُطْ جَمِيعُ الدَّيْنِ، فَلَمْ يَكُنْ الدَّيْنُ مُلَاقِيًا لِلثَّمَنِ، فَلَا يُكَلَّفُ إحْضَارَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقُومُ مَقَامَهُ.
٧٣٠ - إذَا رَهَنَ جَارِيَةً بِأَلْفٍ وَهِيَ تُسَاوِي أَلْفًا فَوَلَدَتْ وَلَدًا يُسَاوِي أَلْفًا، فَزَادَهُ الرَّاهِنُ عَبْدًا يُسَاوِي أَلْفًا، فَمَاتَتْ الْأُمُّ بَقِيَ الْوَلَدُ بِمِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ دِرْهَمًا، وَالْعَبْدُ الزِّيَادَةُ بِخَمْسِمِائَةٍ.
وَلَوْ مَاتَتْ الْأُمُّ أَوَّلًا ثُمَّ زَادَهُ الْعَبْدُ فَإِنَّ الْوَلَدَ يَكُونُ بِمِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ، وَالْعَبْدَ الزَّائِدُ بِمِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الْأُمَّ إذَا مَاتَتْ صَارَ لِلْوَلَدِ حِصَّةٌ مِنْ الضَّمَانِ مَوْقُوفَةٌ عَلَى الْفِكَاكِ، لِأَنَّهُ وُجِدَ مَا يُوجِبُ انْفِسَاخَ الضَّمَانِ؛ لِأَنَّا لَوْ لَمْ نَجْعَلْ لَهُ حِصَّةً لَوَجَبَ أَنْ يَأْخُذَ الرَّاهِنُ الْوَلَدَ مَجَّانًا، وَسَقَطَ جَمِيعُ الدَّيْنِ بِمَوْتِ الْأُمِّ، فَدَلَّ أَنَّ الْأُمَّ ذَهَبَتْ بِالْحِصَّةِ، وَبَقِيَتْ لِلْوَلَدِ حِصَّةٌ فَإِذَا أُلْحِقَتْ الزِّيَادَةُ الْتَحَقَ بِمَا فِي الْوَلَدِ مِنْ الضَّمَانِ.
стр. 614
وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا كَانَتْ الْأُمُّ حَيَّةً؛ لِأَنَّهُ لَا حِصَّةَ لِلْوَلَدِ مِنْ الضَّمَانِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مَا يُوجِبُ انْفِسَاخَ الضَّمَانِ، فَلَمْ يَصِرْ لِلْوَلَدِ حِصَّةٌ، فَصَارَتْ الزِّيَادَةُ لَاحِقَةً بِأَصْلِ الرَّهْنِ وَهِيَ الْجَارِيَةُ، فَصَارَ نِصْفُ الدَّيْنِ فِي الْجَارِيَةِ وَنِصْفُهُ فِي الزِّيَادَةِ، فَإِذَا وَلَدَتْ انْقَسَمَ مَا فِيهَا مِنْ الضَّمَانِ فِيهَا وَفِي وَلَدِهَا، فَصَارَ فِي الْوَلَدِ رُبْعُ الدَّيْنِ وَفِي الْأُمِّ رُبْعُهُ.
وَوَجْهٌ آخَرُ: وَهُوَ أَنَّهُ أَلْحَقَ الزِّيَادَةَ بِالْعَقْدِ، وَالْعَقْدُ بَاقٍ؛ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ وَهُوَ الْأُمُّ بَاقِيَةٌ فَالْتَحَقَتْ الزِّيَادَةُ بِالْعَقْدِ فَلَحِقَتْهَا فَانْقَسَمَ مَا فِيهَا مِنْ الضَّمَانِ نِصْفَيْنِ: نِصْفٌ فِي الزِّيَادَةِ، وَنِصْفٌ فِيهَا، فَلَمَّا وَلَدَتْ انْقَسَمَ مَا فِيهَا مِنْ الضَّمَانِ فِيهَا وَفِي وَلَدِهَا.
وَأَمَّا إذَا زَادَ بَعْدَ مَوْتِ الْأُمِّ فَالزِّيَادَةُ غَيْرُ مُلْحَقَةٍ بِالْعَقْدِ؛ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ قَدْ فَاتَ وَهِيَ الْأُمُّ، وَإِنَّمَا بَقِيَ نِصْفُ الضَّمَانِ فِي الْوَلَدِ فَقَدْ أَلْحَقَ الزِّيَادَةَ بِالضَّمَانِ، فَلَحِقَ مَنْ لَهُ الضَّمَانُ، إذْ الْمُرْتَهِنُ صَارَ مُسْتَوْفِيًا لِحِصَّةِ الْأُمِّ بِالْمَوْتِ، فَلَا يَصِحُّ إلْحَاقُ الزِّيَادَةِ بِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْوَلَدَ لَوْ مَاتَ قَبْلَ الْفِكَاكِ بَطَلَتْ الزِّيَادَةُ، وَفِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ لَوْ مَاتَ الْوَلَدُ لَبَقِيَتْ الزِّيَادَةُ رَهْنًا مَعَ الْأُمِّ.
٧٣١ - إذَا رَهَنَ عَبْدًا بِأَلْفٍ وَقَضَاهُ خَمْسَمِائَةٍ، ثُمَّ زَادَهُ جَارِيَةً ثُمَّ تَبَيَّنَ
стр. 615
الْخَمْسَمِائَةِ الَّتِي قَضَاهُ زُيُوفًا، أَوْ مُسْتَحَقَّةً كَانَتْ الزِّيَادَةُ مُلْحَقَةً بِالْخَمْسِمِائَةِ الْبَاقِيَةِ، وَلَوْ وَجَدَهَا سَتُّوقَةً أَوْ رَصَاصًا فَالزِّيَادَةُ رَهْنٌ بِالْأَلْفِ كُلِّهِ، فَجَعَلَ فِي الزِّيَادَاتِ الزُّيُوفَ وَالْمُسْتَحَقَّةَ فِي الرَّهْنِ سَوَاءً.
وَلَوْ اشْتَرَى عَبْدًا بِأَلْفٍ وَنَقَدَهُ الثَّمَنَ، ثُمَّ وَجَدَ الثَّمَنَ مُسْتَحَقًّا أَوْ رَصَاصًا فَلَهُ أَنْ يَسْتَرِدَّ الْمَبِيعَ فَيَحْبِسَهُ عَلَى الِاسْتِيفَاءِ، وَلَوْ وَجَدَهُ زُيُوفًا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَحْبِسَهُ فَجَعَلَ الْمُسْتَحَقَّةَ كَالسَّتُّوقَةِ فِي بَابِ الْبَيْعِ، وَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الزُّيُوفِ، وَفِي الرَّهْنِ سَوَّى بَيْنَهُمَا.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الْبَائِعَ إنَّمَا سَلَّمَ الْمَبِيعَ إلَيْهِ بِشَرْطِ أَنْ يُسَلِّمَ لَهُ الثَّمَنَ؛ لِأَنَّ سَلَامَةَ الْمَقْضِيِّ شَرْطٌ فِي سَلَامَةِ الْبَدَلِ لِلْمُشْتَرِي، فَإِذَا اسْتَحَقَّ لَمْ يُوجَدْ شَرْطُ سَلَامَةِ الْمَبِيعِ لَهُ فَكَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهِ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الرَّهْنُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ الزِّيَادَةِ سَلَامَةُ الْمَقْضِيِّ لَهُ، لِأَنَّ إلْحَاقَ الزِّيَادَةِ بِبَعْضِ الضَّمَانِ جَائِزٌ، وَالْمَقْضِيُّ لَهُ وَإِنْ اسْتَحَقَّ بَعْدَ ذَلِكَ فَحِينَ زَادَ حُكْمُهُ فَإِنَّ نِصْفَ الدَّيْنِ مَقْضِيٌّ، فَتَكُونُ الزِّيَادَةُ لَاحِقَةً بِخَمْسِمِائَةِ دِرْهَمٍ.
٧٣٢ - إذَا رَهَنَ جَارِيَةً بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَاعْوَرَّتْ وَوَلَدَتْ بَعْدَ الْعَوَرِ
стр. 616
فَالْوَلَدُ يَلْحَقُ بِالْجَمِيعِ وَجُعِلَ كَأَنَّ الْوِلَادَةَ كَانَتْ مُتَقَدِّمَةً عَلَى الْعَوَرِ.
وَلَوْ زَادَ فِي الرَّهْنِ بَعْدَ الْعَوَرِ فَالزِّيَادَةُ تَلْحَقُ الْبَاقِي فَتَكُونُ الْجَارِيَةُ الْعَوْرَاءُ وَالزِّيَادَةُ رَهْنًا بِخَمْسِمِائَةٍ.
وَلَوْ لَمْ تَعْوَرَّ وَلَكِنَّهُ قَضَى نِصْفَ الدَّيْنِ ثُمَّ زَادَ أَوْ وَلَدَتْ فَالزِّيَادَةُ وَالْوَلَدُ يَلْحَقَانِ الْبَاقِيَ مِنْ الدَّيْنِ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ صِحَّةَ الزِّيَادَةِ: بِالضَّمَانِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ هَلَكَ جَمِيعُ الرَّهْنِ لَمْ تَصِحَّ الزِّيَادَةُ، لِأَنَّهُ يَحْبِسُ الزِّيَادَةَ بِقَبْضٍ مُبْتَدَأٍ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مِنْ شَرْطِهَا وُجُوبُ الضَّمَانِ كَالْأَصْلِ، وَإِذَا كَانَتْ صِحَّتُهَا بِالضَّمَانِ لَحِقَتْ مَا فِيهِ الضَّمَانُ وَنِصْفُ الضَّمَانِ فَاتَ بِالْعَوَرِ فَلَحِقَتْ الزِّيَادَةُ الْبَاقِيَ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْوَلَدُ لِأَنَّ وُجُوبَ حَقِّ الْإِمْسَاكِ فِي الْوَلَدِ بِالْعَقْدِ لَا بِالضَّمَانِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ حِينَ يَحْدُثُ لَا يَكُونُ مَضْمُونًا حَتَّى لَوْ تَلِفَ لَا يَسْقُطُ شَيْءٌ مِنْ الضَّمَانِ، وَإِذَا كَانَ وُجُوبُهُ بِالْعَقْدِ وَالْعَقْدُ بَاقٍ الْتَحَقَ بِالْجَمِيعِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْعَقْدَ بَاقٍ وَإِنْ ذَهَبَ نِصْفُ الرَّهْنِ بِالِاعْوِرَارِ أَنَّ مَا فَاتَ بِالْعَوَرِ دَخَلَ فِي الْقَضَاءِ، وَمَا دَخَلَ فِي الْقَضَاءِ تَمَّ الْعَقْدُ فِيهِ، وَلَا يَنْحَلُّ الْعَقْدُ عَنْهُ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَهُمَا مِنْ عَقْدِ الرَّهْنِ اسْتِيفَاءُ الْحَقِّ مِنْ عَيْنِهِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَخْتَصُّ بِمَا يُمْكِنُ اسْتِيفَاءُ الْحَقِّ مِنْهُ، وَقَدْ حَصَلَ الِاسْتِيفَاءُ فَصَارَ مُتَمِّمًا الْعَقْدَ فِيهِ فَلَا يُوجِبُ انْحِلَالَهُ، فَلَحِقَتْ الزِّيَادَةُ الْجَمِيعَ.
стр. 617
وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا قَضَاهُ بَعْضَ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ مَا قَضَاهُ انْحَلَّ الْعَقْدُ عَنْهُ؛ لِأَنَّ قَضَاءَ بَعْضِ الدَّيْنِ يُوجِبُ فَسْخَ الْعَقْدِ عَمَّا بِإِزَائِهِ، وَلَا يُوجِبُ تَتْمِيمَهُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَضَى جَمِيعَ الدَّيْنِ انْحَلَّ الرَّهْنُ فَلَا يَلْحَقُ الْوَلَدَ مَا انْحَلَّ الْعَقْدُ عَنْهُ، وَأَمَّا الزِّيَادَةُ فَصِحَّتُهَا بِالضَّمَانِ، وَمَا انْحَلَّ زَالَ الضَّمَانُ عَنْهُ فَلَمْ يَلْحَقْهُ
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 618
[كِتَابُ الْوَصَايَا]
٧٣٣ - إذَا قَالَ: ثُلُثُ مَالِي لِفُلَانٍ وَفُلَانٍ. وَأَحَدُهُمَا مَيِّتٌ فَالثُّلُثُ كُلُّهُ لِلْحَيِّ.
وَلَوْ قَالَ: ثُلُثُ مَالِي بَيْنَ فُلَانٍ وَفُلَانٍ. وَأَحَدُهُمَا مَيِّتٌ فَلِلْحَيِّ نِصْفُ الثُّلُثِ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ " بَيْنَ " لَفْظُ اشْتِرَاكٍ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ إدْخَالُهُ عَلَى الْوَاحِدِ، فَإِذَا قَالَ: بَيْنَ فُلَانٍ وَفُلَانٍ، فَقَدْ أَشْرَكَ بَيْنَهُمَا فِي اللَّفْظِ، فَلَا يَجِبُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَّا نِصْفُهُ، فَلَا يَسْتَحِقُّ أَكْثَرَ مِنْ النِّصْفِ.
وَفِي مَسْأَلَتِنَا قَوْلُهُ: لِفُلَانٍ فَلَيْسَ بِلَفْظِ اشْتِرَاكٍ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَصِحُّ لِوَاحِدٍ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: ثُلُثُ مَالِي لِفُلَانٍ، وَسَكَتَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْجَمِيعَ، فَثَبَتَ أَنَّهُ لَيْسَ بِلَفْظِ اشْتِرَاكٍ، فَقَدْ أَوْجَبَ الْجَمِيعَ لِلْأَوَّلِ، وَالْوَاجِبُ لِلثَّانِي مُزَاحَمَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَوَّلِ، وَلَا يَصِحُّ وُجُودُ الْمُزَاحَمَةِ مِنْ الْمَيِّتِ، فَلَمْ يُوجَدْ نُقْصَانًا فِي الْجَارِيَةِ لِلْأَوَّلِ فَاسْتَحَقَّ الْجَمِيعَ.
٧٣٤ - إذَا أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لِفُلَانٍ وَلَهُ مَالٌ فَهَلَكَ ذَلِكَ الْمَالُ أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ ثُمَّ اكْتَسَبَ مَالًا فَلَهُ ثُلُثٌ مَالِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ.
وَلَوْ أَوْصَى بِثُلُثِ غَنَمِهِ فَهَلَكَتْ غَنَمُهُ قَبْلَ مَوْتِهِ، أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ غَنَمٌ فِي الْأَصْلِ، فَالْوَصِيَّةُ بَاطِلَةٌ، وَكَذَلِكَ الْعُرُوض كُلُّهَا.
стр. 619
وَالْفَرْقُ أَنَّ الْوَصِيَّةَ قَرِينَةُ الْإِرْثِ، بِدَلِيلِ أَنَّهَا تَجِبُ بِمَا يَجِبُ بِهِ الْإِرْثُ وَتَسْقُطُ بِمَا يَسْقُطُ بِهِ الْإِرْثُ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَوْجَبَ الْمِيرَاثَ فِي الْمَالِ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ [البقرة: ١٨٠] جَاءَ فِي التَّفْسِيرِ مَالًا فَقَدْ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ فَقَدْ عَقَدَ عَقْدًا لَهُ مِثَالٌ فِي الشَّرْعِ، فَانْصَرَفَ إلَى مَا لَهُ مِثْلٌ فِي الشَّرْعِ، وَمَا مِثْلَ لَهُ فِي الشَّرْعِ مِنْ إيجَابِ الْحَقِّ فِي الْمَالِ، وَهُوَ الْمِيرَاثُ يُرَاعَى مَالُهُ وَقْتَ الْمَوْتِ كَذَلِكَ فِي الْوَصِيَّةِ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ فِي الْغَنَمِ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ قَرِينَةُ الْإِرْثِ وَاَللَّهُ تَعَالَى لَمْ يُوجِبْ الْإِرْثَ فِي نَوْعٍ خَاصٍّ، فَإِذَا أَضَافَ إلَى نَوْعٍ خَاصٍّ وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ فَقَدْ أَوْجَبَ الْحَقَّ فِي مَعْدُومٍ، فَلَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ؛ وَلِأَنَّهُ إذَا أَوْصَى بِالْغَنَمِ فَقَدْ أَضَافَ الْوَصِيَّةَ إلَى جِهَةٍ خَاصَّةٍ، فَصَارَ الْمُرَادُ بِهِ الْمَوْجُودُ دُونَ الْحَادِثِ، كَمَا لَوْ وَكَّلَهُ بِقَبْضِ دَيْنِهِ الَّذِي عَلَى فُلَانٍ اخْتَصَّ بِالدَّيْنِ الْمَوْجُودِ عَلَيْهِ دُونَ الدَّيْنِ الْحَادِثِ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا قَالَ: بِثُلُثِ مَالِي؛ لِأَنَّهُ أَضَافَ الْوَصِيَّةَ إلَى جِهَةٍ عَامَّةٍ؛ لِأَنَّ الْمَالَ اسْمٌ لِمَا يُتَمَوَّلُ فَيَتَنَاوَلُ الْمَوْجُودَ وَالْحَادِثَ، كَمَا لَوْ وَكَّلَ وَكِيلًا بِقَبْضِ دُيُونِهِ وَرَفْعِ غَلَّاتِهِ يَتَنَاوَلُ ذَلِكَ الْإِذْنَ الْمَوْجُودَ وَالْحَادِثَ جَمِيعًا كَذَلِكَ هَذَا.
стр. 620
إذَا أَوْصَى فَقَالَ: لِفُلَانٍ شَاةٌ مِنْ مَالِي، وَلَيْسَ لَهُ غَنَمٌ فَالْوَصِيَّةُ جَائِزَةٌ، وَيُعْطَى لَهُ قِيمَةُ شَاةٍ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: لَهُ قَفِيزُ حِنْطَةٍ فِي مَالِي أَوْ ثَوْبٌ مِنْ مَالِي.
وَلَوْ قَالَ: لَهُ شَاةٌ مِنْ غَنَمِي أَوْ قَفِيزٌ مِنْ حِنْطَتِي، ثُمَّ مَاتَ، وَلَيْسَ لَهُ غَنَمٌ وَلَا حِنْطَةٌ فَالْوَصِيَّةُ بَاطِلَةٌ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ الْمِيرَاثَ فِي الْمَالِ، فَإِذَا أَوْصَى لَهُ بِشَاةٍ مِنْ مَالِهِ فَقَدْ عَقَدَ عَلَى مَالِهِ عَقْدًا لَهُ مِثَالٌ فِي الشَّرْعِ فَجَازَ إيجَابُ الْقِيمَةِ فِي مَالِهِ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا قَالَ: شَاةً مِنْ غَنَمِي؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُوجِبْ الْحَقَّ فِيهِ نَوْعٌ خَاصٌّ، فَإِذَا أَوْجَبَ فَقَدْ عَقَدَ عَقْدًا لَيْسَ لَهُ فِي الشَّرْعِ، فَكَانَ إيجَابَ مَجْهُولٍ فَلَمْ يَجُزْ.
وَفَرَّقَ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى الْعَجَمِيُّ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ إذَا قَالَ: شَاةٌ مِنْ مَالِي، لَا فَائِدَةَ فِي ذِكْرِ الْمَالِ فَلَغَا، فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ: أَوْصَيْتُ لِفُلَانٍ بِشَاةٍ، وَلَا شَاةَ لَهُ فَيُعْطَى قِيمَةَ شَاةٍ، كَمَا لَوْ قَالَ: أَوْصَيْتُ لِفُلَانٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ مِنْ مَالِي.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ قَوْلُهُ: شَاةٌ مِنْ غَنَمِي؛ لِأَنَّ فِي تَخْصِيصِ أَغْنَامِهِ فَائِدَةٌ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْوَرَثَةَ لَوْ أَرَادُوا أَنْ يَدْفَعُوا مِنْ غَنَمٍ غَيْرِهَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ ذَلِكَ فَلَمْ يُلْغَ ذِكْرُ الْغَنَمِ فَاخْتَصَّ بِمَا خُصَّ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ غَنَمٌ صَارَ ذَلِكَ وَصِيَّةً بِمَعْدُومٍ،
стр. 621
فَلَمْ يَصِحَّ، الدَّلِيلُ عَلَيْهِ إذَا قَالَ: وَصَّيْت لِفُلَانٍ بِالْأَلْفِ الَّتِي لِي فِي هَذَا الصُّنْدُوقِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ فِي الصُّنْدُوقِ شَيْءٌ لَمْ تَصِحَّ الْوَصِيَّةُ، كَذَلِكَ هَذَا.
٧٣٦ - إذَا أَوْصَى فَقَالَ: أَوْصَيْتُ بِسَالِمٍ لِفُلَانٍ، ثُمَّ قَالَ: أَوْصَيْتُ بِسَالِمٍ لِفُلَانٍ آخَرَ فَالْعَبْدُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ.
وَلَوْ قَالَ: الْعَبْدُ الَّذِي أَوْصَيْتُ بِهِ لِفُلَانٍ هُوَ لِفُلَانٍ.
كَانَ رُجُوعًا عَنْ الْوَصِيَّةِ الْأُولَى.
وَالْفَرْقُ أَنَّهُ لَمَّا قَالَ: الْعَبْدُ الَّذِي أَوْصَيْتُ بِهِ لِفُلَانٍ هُوَ لِفُلَانٍ، فَقَدْ تَعَرَّضَ لِلْعَبْدِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ وَصِيَّةً لَهُ فَلَوْ جَعَلْنَاهُ اشْتِرَاكًا لَأَلْغَيْنَا ذِكْرَ الْوَصِيَّةِ، وَلَا يَجُوزُ إلْغَاءُ اللَّفْظِ مَعَ إمْكَانِ إعْمَالِهِ، فَجُعِلَ نَقْلًا لِمَا أَوْجَبَ لِلْأَوَّلِ إلَى الثَّانِي رُجُوعًا.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْعَقْدِ الْأَوَّلِ، حَيْثُ لَمْ يَعُدَّ ذَلِكَ الْوَصِيَّةَ لَهُ، إنَّمَا أَوْجَبَ لِلثَّانِي مِثْلَ مَا أَوْجَبَ لِلْأَوَّلِ، فَكَانَ إشْرَاكًا، كَمَا لَوْ قَالَ: أَوْصَيْتُ بِثُلُثِ مَالِي لِفُلَانٍ، ثُمَّ قَالَ: أَوْصَيْتُ بِثُلُثِي لِفُلَانٍ آخَرَ، كَانَ إشْرَاكًا.
كَذَلِكَ هَذَا.
وَلِأَنَّهُ لَمَّا قَالَ: الْعَبْدُ الَّذِي أَوْصَيْتُ بِهِ لِفُلَانٍ هُوَ لِفُلَانٍ، فَقَدْ ذَكَرَ الْعَقْدَ
стр. 622
وَالْمَعْقُودَ عَلَيْهِ، وَنَقَلَهُ إلَى الثَّانِي فَلَمْ يَبْقَ فِي الْمَحِلِّ الْأَوَّلِ لَا عَقْدٌ وَلَا عَبْدٌ فَلَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا، كَمَا لَوْ قَالَ: رَجَعْتُ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا قَالَ: أَوْصَيْتُ بِسَالِمٍ لِفُلَانٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ الْعَقْدَ الْأَوَّلَ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ وَصِحَّةُ الْعَقْدِ الْأَوَّلِ بِذِكْرِ فُلَانٍ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ: أَوْصَيْتُ بِهَذَا الْعَبْدِ، لَمْ يَصِحَّ حَتَّى يُبَيِّنَ الْمُوصَى لَهُ، فَإِذَا قَالَ: أَوْصَيْتُ بِهِ لِفُلَانٍ لَمْ يَذْكُرْ مَا أَوْجَبَ بِهِ الْحَقَّ لِغَيْرِهِ فَلَمْ يَصِرْ فَاسِخًا لَهُ وَلَا رَاجِعًا، فَبَقِيَ الْعَقْدُ الْأَوَّلُ بِحَالِهِ فَاشْتَرَكَا فِيهِ.
٧٣٧ - إذَا قَالَ: الْعَبْدُ الَّذِي أَوْصَيْتُ بِهِ لِفُلَانٍ قَدْ أَوْصَيْتُ بِهِ لِفُلَانٍ، كَانَ رُجُوعًا وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: فَقَدْ أَوْصَيْتُ بِهِ لِفُلَانٍ.
وَإِنْ قَالَ الْعَبْدُ الَّذِي أَوْصَيْتُ بِهِ لِفُلَانٍ وَقَدْ أَوْصَيْتُ بِهِ لِفُلَانٍ آخَرَ كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ قَدْ حَرْفٌ يُبْدَأُ بِهِ فِي الْكَلَامِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] وَقَالَ ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾ [المجادلة: ١] فَقَدْ ابْتَدَأَ نَقْلُ الْعَقْدِ مِنْ الْأَوَّلِ إلَى الثَّانِي فَكَانَ رُجُوعًا، وَقَوْلُهُ فَقَدْ إبْقَاءٌ لِلصِّلَةِ، وَوُجُودُ حَرْفِ الصِّلَةِ
стр. 623
وَعَدَمُهُ بِمَنْزِلَةٍ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: قَدْ أَوْصَيْتُ.
وَأَمَّا إذَا قَالَ: وَقَدْ أَوْصَيْتُ.
فَالْوَاوُ لِلْعَطْفِ، وَلَا يَكُونُ الثَّانِي مَعْطُوفًا عَلَى الْأَوَّلِ إلَّا بَعْدَ بَقَاءِ الْأَوَّلِ، فَلَمْ يَكُنْ ذِكْرُهُ لِلثَّانِي رُجُوعًا عَنْ الْأَوَّلِ، فَصَارَ اشْتِرَاكًا، فَكَأَنَّهُ قَالَ: أَوْصَيْتُ بِهِ لَهُمَا، وَلَوْ قَالَ هَكَذَا كَانَ بَيْنَهُمَا، كَذَلِكَ هَذَا.
٧٣٨ - وَلَوْ أَوْصَى بِعَبْدِهِ لِإِنْسَانٍ ثُمَّ جَحَدَ الْوَصِيَّةَ لَهُ كَانَ رُجُوعًا.
وَقَالَ فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ: إذَا أَوْصَى بِعَبْدِهِ لِإِنْسَانٍ ثُمَّ قَالَ: اشْهَدُوا أَنِّي لَمْ أُوصِ بِذَلِكَ الْعَبْدِ لِفُلَانٍ، فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ رُجُوعًا.
وَالْفَرْقُ أَنَّهُ إذَا قَالَ: لَمْ أُوصِ فَقَدْ نَفَى وَصِيَّتَهُ لَهُ، وَلَهُ نَفْيُهَا فَصَارَ فَاسِخًا لَهَا، كَمَا لَوْ وَكَّلَ وَكِيلًا ثُمَّ جَحَدَ الْوَكَالَةَ صَارَ عَازِلًا، كَذَلِكَ هَذَا فَصَارَ الرُّجُوعُ فِي ضِمْنِ نَفْيِهِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: رَجَعْتُ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا قَالَ: اشْهَدُوا، لِأَنَّهُ لَمْ يَحْكِ نَفْيًا عَنْ نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا أَمَرَهُمْ بِالشَّهَادَةِ عَلَى النَّفْيِ، وَالْأَمْرُ بِالشَّهَادَةِ عَلَى نَفْيِ شَيْءٍ وَقَدْ وُجِدَ مَا كَانَ أَمْرًا بِكَذِبٍ، فَلَمْ يَعْمَلْ، فَاسْتَوَى وُجُودُهُ وَعَدَمُهُ، وَلَوْ لَمْ يَقُلْ لَبَقِيَتْ الْوَصِيَّةُ، كَذَلِكَ هَذَا.
٧٣٩ - وَإِذَا قَاسَمَ الْوَصِيُّ الْوَرَثَةَ، وَدَفَعَ إلَيْهِمْ حُقُوقَهُمْ، وَأَجَازَ حِصَّةَ الْوَصِيَّةِ، وَدَفَعَهَا فَسُرِقَتْ لَمْ يَرْجِعْ فِي مَالِ الْمَيِّتِ بِشَيْءٍ فِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ خَاصَّةً،
стр. 624
وَالْمُقَاسَمَةُ جَائِزَةٌ إذَا كَانَتْ الْوَصَايَا لِلَّهِ تَعَالَى.
وَأَمَّا إذَا كَانَتْ الْوَصِيَّةُ لِآدَمِيٍّ وَقَسَّمَ وَأَخْرَج نَصِيبَهُمْ ثُمَّ هَلَكَ قَبْلَ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِمْ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ فِي مَالِ الْمَيِّتِ، وَتَبْطُلُ قِسْمَتُهُ.
وَالْفَرْقُ لِمُحَمَّدٍ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْوَصَايَا إذَا كَانَتْ لِلَّهِ تَعَالَى فَالْوَصِيُّ يَنْفَرِدُ بِتَنْفِيذِهِ، فَيَنْفَرِدُ بِقِسْمَتِهِ، فَصَحَّتْ الْقِسْمَةُ، فَإِذَا هَلَكَ هَلَكَ مِنْ مَالِهِمْ، وَإِذَا كَانَتْ الْوَصِيَّةُ لِآدَمِيٍّ لَمْ يَنْفَرِدْ الْوَصِيُّ بِتَنْفِيذِهِ فَلَمْ يَنْفَرِدْ بِقِسْمَتِهِ، فَلَمْ تَصِحَّ قِسْمَتُهُ عَلَيْهِمْ، فَصَارَتْ الْقِسْمَةُ كَأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ، وَلِأَنَّ الْوَصَايَا إذَا كَانَتْ لِلَّهِ تَعَالَى، فَالْحَقُّ فِيهِ لِلْمَيِّتِ، وَلِلْوَصِيِّ وِلَايَةٌ عَلَيْهِ فَنَفَذَتْ قِسْمَتُهُ عَلَيْهِ.
وَإِذَا كَانَتْ الْوَصَايَا لِآدَمِيٍّ فَالْحَقُّ فِيهِ لِآدَمِيٍّ، وَهُوَ الْمُوصَى لَهُ، وَلَا وِلَايَةَ لِلْوَصِيِّ عَلَيْهِ، فَلَمْ تَنْفُذْ قِسْمَتُهُ عَلَيْهِ، فَصَارَتْ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ.
٧٤٠ - إذَا أَوْصَى بِخِدْمَةِ عَبْدِهِ لِرَجُلٍ فَقُتِلَ الْعَبْدُ، فَعَلَى الْقَاتِلِ قِيمَتُهُ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ، وَيَشْتَرِي بِهَا عَبْدًا آخَرَ يَخْدُمُهُ.
وَلَوْ اسْتَأْجَرَ عَبْدًا مِنْ إنْسَانٍ فَقُتِلَ بَطَلَتْ الْإِجَارَةُ، وَلَا يَشْتَرِي بِالْقِيمَةِ عَبْدًا آخَرَ يَخْدُمُهُ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ ابْتِدَاءَ الْوَصِيَّةِ بِخِدْمَةِ عَبْدٍ يُشْتَرَى جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَوْصَى بِأَنْ يَشْتَرِيَ عَبْدًا وَيَخْدُمَ فُلَانًا صَحَّ، فَلَمْ يَبْطُلْ مَا كَانَ بِانْتِقَالِهِ إلَى الْقِيمَةِ، وَبَقِيَ
стр. 625
الْعَقْدُ بِبَقَاءِ خَلَفِهِ، كَالْمَبِيعِ إذَا قُتِلَ فِي يَدِ الْبَائِعِ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْإِجَارَةُ؛ لِأَنَّ ابْتِدَاءَ عَقْدِ الْإِجَارَةِ عَلَى عَبْدٍ يُشْتَرَى لَا يَجُوزُ فَجَازَ أَنْ يَبْطُلَ مَا كَانَ، وَلِأَنَّ حَقَّ الْمُوصَى لَهُ فِي الْعَيْنِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ خُرُوجُهُ مِنْ الثُّلُثِ لَا الْمَنْفَعَةُ، فَسَرَى إلَى الْبَدَلِ، وَأَمَّا فِي الْإِجَارَةِ فَلَيْسَ حَقُّهُ فِي الْعَيْنِ، وَإِنَّمَا ثَبَتَ حَقُّهُ فِي الْمَنْفَعَةِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُبَيِّنْ مِقْدَارَ مُدَّةِ الْمَنْفَعَةِ لَمْ يَجُزْ وَإِنْ كَانَ الْعَيْنُ مَعْلُومًا، وَإِذَا لَمْ يَتَعَلَّقْ حَقُّهُ بِالْعَيْنِ لَمْ يَسِرْ إلَى الْبَدَلِ.
٧٤١ - إذَا قَتَلَ الْعَبْدُ الْمُوصَى بِخِدْمَتِهِ فَلَيْسَ لِلْمُوصَى لَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ الْقِصَاصَ وَلَا لِلْوَرَثَةِ، فَإِذَا اجْتَمَعُوا فَلَهُمْ ذَلِكَ، وَلَيْسَ لِلرَّاهِنِ أَنْ يَسْتَوْفِيَ الْقِصَاصَ وَلَا لِلْمُرْتَهِنِ فَإِذَا اجْتَمَعَا فَلَهُمَا اسْتِيفَاءُ الْقِصَاصِ، وَلَيْسَ لِأَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ أَنْ يَسْتَوْفِيَ الْقِصَاصَ فَإِذَا اجْتَمَعَا فَلَهُمَا الِاسْتِيفَاءُ.
وَلَيْسَ لِلْبَائِعِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ أَنْ يَسْتَوْفِيَ الْقِصَاصَ إذَا قُتِلَ الْمَبِيعُ فِي يَدِهِ، وَلَا لِلْمُشْتَرِي وَلَا إذَا اجْتَمَعَا قَبْلَ إجَازَةِ الْمُشْتَرِي وَرِضَاهُ، فَإِنْ أَجَازَ الْمُشْتَرِي إمْضَاءَ الْبَيْعِ فَلَهُ الِاسْتِيفَاءُ، وَإِنْ اخْتَارَ فَسْخَ الْعَقْدِ فَلِلْبَائِعِ أَنْ يَسْتَوْفِيَ، هَكَذَا ذَكَرَهُ الْكَرْخِيُّ عَنْ مُحَمَّدٍ، وَكَذَلِكَ عَبْدُ الْمُضَارَبَةِ إذَا قُتِلَ لَيْسَ لِلْمُضَارِبِ
стр. 626
وَلَا لِرَبِّ الْمَالِ أَنْ يَقْتَصَّ، وَلَا إذَا اجْتَمَعَا، وَكَذَلِكَ عَبْدُ الْمُكَاتَبِ وَالْعَبْدُ الْمَأْذُونُ إذَا كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَقُتِلَ لَيْسَ لِلْمَوْلَى وَلَا لِلْغُرَمَاءِ أَنْ يَقْتَضُوا وَلَا إذَا اجْتَمَعُوا.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسَائِلِ أَنَّهُ مِنْ حَيْثُ تَوَقَّفَ جَوَازُ اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ فِي الْمُوصَى بِخِدْمَتِهِ وَالْمَرْهُونِ وَالْمُشْتَرَكِ عَلَى رِضَا الْمُرْتَهِنِ وَالشَّرِيكِ وَالْمُوصَى لَهُ لَمْ يُؤَدِّ إلَى إبْطَالِ حَقِّهِ؛ لِأَنَّهُ فِي بَابِ الْوَصِيَّةِ إذَا قُتِلَ الْعَبْدُ يَنْتَهِي عَقْدُ الْوَصِيَّةِ، فَيَصِيرُ صَاحِبُ الْخِدْمَةِ مُسْتَوْفِيًا جَمِيعَ حَقِّهِ، وَلَا يَبْطُلُ حَقُّهُ بِالْقَتْلِ، كَمَا لَوْ مَاتَ الْعَبْدُ الْمُوصَى بِخِدْمَتِهِ وَكَذَلِكَ فِي الْمَرْهُونِ قَتْلُهُ يَكُونُ دُخُولًا فِي الِاسْتِيفَاءِ، فَيُجْعَلُ كَأَنَّهُ مَاتَ فِي يَدِهِ فَلَا يُؤَدِّي إلَى إبْطَالِ حَقِّهِ، وَكَذَلِكَ الْمُشْتَرِي بِقَتْلِهِ يَنْتَهِي مِلْكُهُ فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ مَاتَ، فَفِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ مِنْ حَيْثُ تَوَقَّفَ اسْتِيفَاءُ الْقِصَاصِ عَلَى رِضَا الْمُوصَى لَهُ، وَالْمُرْتَهِنِ وَالشَّرِيكِ لَا يُؤَدِّي إلَى إبْطَالِ حَقِّهِ فَأَوْقَفْنَا، فَإِذَا تَرَاضَيَا وَاجْتَمَعَا فَقَدْ اجْتَمَعَ صَاحِبُ الْمَالِ وَصَاحِبُ الْحَقِّ فَجَازَ أَنْ يَقْتُلَا.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ فِي الْمَسَائِلِ الْأُخَرِ؛ لِأَنَّا مِنْ حَيْثُ تَوَقَّفَ اسْتِيفَاءُ أَحَدِهِمَا عَلَى رِضَا الْآخَرِ يُؤَدِّي إلَى إبْطَالِ حَقِّهِ؛ لِأَنَّهُ إذَا قُتِلَ الْمَبِيعُ قَبْلَ التَّسْلِيمِ فَاتَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ، وَفَوَاتُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ قَبْلَ الْقَبْضِ يُوجِبُ بُطْلَانَ الْعَقْدِ، وَإِذَا بَطَلَ الْعَقْدُ
стр. 627
سَقَطَ حَقُّهُ، فَلَمْ يُؤَثِّرْ رِضَاهُ فِي اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ، فَمِنْ حَيْثُ يُشْتَرَطُ رِضَاهُ يُبْطِلُهُ، وَكَذَلِكَ عَنْ الْمُضَارَبَةِ إذَا قُتِلَ يَبْطُلُ حَقُّ الْمُضَارِبِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ لَهُ شَيْءٌ فَيَسْقُطُ رِبْحُهُ، وَفِي عَبْدِ الْمُكَاتَبِ يَبْطُلُ حَقُّ الْمُكَاتَبِ أَيْضًا، وَكَذَلِكَ فِي الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ إذَا قُتِلَ يَبْطُلُ حَقُّ غُرَمَائِهِ بِتَلَفِ الْعَيْنِ، فَمِنْ حَيْثُ تَوَقَّفَ عَلَى رِضَاهُ يَسْقُطُ حَقُّهُ فَلَا نُوقِفُ، فَاسْتَوَى وُجُودُ رِضَاهُ وَعَدَمُهُ وَلَوْ لَمْ يَرْضَ أَحَدُهُمَا بِاسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ لَمْ يَكُنْ لِلْآخَرِ أَنْ يَسْتَوْفِيَ، كَذَلِكَ إذَا اجْتَمَعَا، فَصَارَ هَذَا قَتْلًا لَمْ يُوجِبْ الْقَوَدَ فَوَجَبَتْ الدِّيَةُ.
٧٤٢ - إذَا أَوْصَى بِأَنْ يُعْتَق عَنْهُ نَسَمَةً فَأَعْتَقَهَا الْوَارِثُ عَنْ نَفْسِهِ، جَازَ عَنْ الْمَيِّتِ.
وَلَوْ أَعْتَقَهَا الْوَصِيُّ عَنْ نَفْسِهِ لَمْ يَجُزْ عَنْ الْمَيِّتِ وَلَا عَنْ نَفْسِهِ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الْوَارِثَ يَتَصَرَّفُ بِحَقِّ الْمِلْكِ، وَلِأَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى حُكْمِ مِلْكِ الْمَيِّتِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ ظَهَرَ عَلَيْهِ دَيْنٌ بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ، وَبِيعَ فِي الدَّيْنِ، وَلِلْوَارِثِ حَقُّ مِلْكٍ فِي أَمْلَاكِ الْمَيِّتِ، فَصَارَ تَصَرُّفُهُ بِحَقِّ الْمِلْكِ فَمُخَالَفَتُهُ جِهَةَ الْأَمْرِ لَا يَمْنَعُ نُفُوذَ تَصَرُّفِهِ، دَلِيلُهُ الرَّجُلُ إذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فِي حَالَةِ الْحَيْضِ.
стр. 628
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْوَصِيُّ، لِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ بِالْأَمْرِ لَا بِحَقِّ الْمِلْكِ، فَمُخَالَفَةُ جِهَةَ الْأَمْرِ يَمْنَعُ تَصَرُّفَهُ، كَمَا لَوْ وَكَّلَ وَكِيلًا بِأَنْ يُطَلِّقَ امْرَأَتَهُ لِلسُّنَّةِ فَطَلَّقَهَا لِلْبِدْعَةِ لَمْ يَقَعْ، كَذَلِكَ هَذَا.
٧٤٣ - لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَوْصَى لِي عَبْدِ غَيْرِهِ فَالْوَصِيَّةُ بَاطِلَةٌ، وَإِنْ أَجَازَ مَوْلَاهُ.
وَلَوْ وَكَّلَ عَبْدَ غَيْرِهِ جَازَتْ الْوَكَالَةُ وَيُكْرَهُ إذَا كَانَ بِغَيْرِ إذْنِ الْمَوْلَى، وَلَا يُكْرَهُ إذَا كَانَ بِإِذْنِ الْمَوْلَى.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمَوْلَى إذَا لَمْ يَأْذَنْ لَمْ يَجُزْ تَعَلُّقُ الْعُهْدَةِ بِهِ، وَإِذَا وَكَّلَهُ بِالْبَيْعِ وَبَاعَ خَرَجَ هُوَ عَنْ الْعُهْدَةِ، وَإِذَا خَرَجَ هُوَ عَنْ الْعُهْدَةِ تَعَلَّقَتْ الْعُهْدَةُ بِالْآمِرِ فَمِنْ حَيْثُ يَجُوزُ تَعَلُّقُ الْعُهْدَةِ بِهِ فَجَوَّزْنَاهُ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْوَصِيَّةُ؛ لِأَنَّهُ إذَا بَاعَ الْوَصِيُّ تَعَلَّقَتْ الْعُهْدَةُ بِهِ، وَخَرَجَ الْعَاقِدُ عَنْ الْعُهْدَةِ، فَوَجَبَ تَعَلُّقُ الْعُهْدَةِ بِمَنْ وَقَعَ الْعَقْدُ لَهُ، وَلَا يُمْكِنُ تَعْلِيقُ الْعُهْدَةِ بِمَنْ وَقَعَ الْعَقْدُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ مَيِّتٌ فَلَوْ جَوَّزْنَا وِصَايَتَهُ إلَى الْعَبْدِ بِغَيْرِ إذْنِ الْمَوْلَى، لَكَانَ إذَا بَاعَ لَمْ تَتَعَلَّقْ الْعُهْدَةُ بِهِ فَيُؤَدِّي إلَى أَنْ يَعْقِدَ عَقْدًا لَا تَتَعَلَّقُ الْعُهْدَةُ فِيهِ بِأَحَدٍ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ، وَلِأَنَّ الْوَصِيَّ يَتَصَرَّفُ
стр. 629
عَلَى الْوَرَثَةِ فَلَوْ جَوَّزْنَا الْوِصَايَةَ عَلَى عَبْدِ غَيْرِهِ، لَكَانَ لِلْوَارِثِ أَنْ يَشْتَرِيَهُ فَيَمْنَعَهُ مِنْ التَّصَرُّفِ عَلَيْهِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ وَصِيًّا.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْوَكَالَةُ؛ لِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ عَلَى الْآمِرِ لَا عَلَى غَيْرِهِ، وَقُدْرَةُ الْآمِرِ عَلَى مَنْعِ الْوَكِيلِ مِنْ التَّصَرُّفِ لَا تَمْنَعُ صِحَّةَ الْوَكَالَةِ، كَمَا لَوْ وَكَّلَ حُرًّا.
٧٤٤ - إذَا كَانَ الْوَارِثُ كَبِيرًا غَائِبًا، وَالْمُوصَى لَهُ كَبِيرٌ حَاضِرٌ فَقَاسَمَ الْوَصِيُّ الْمُوصَى لَهُ وَأَعْطَاهُ مِنْ الْمَالِ حِصَّتَهُ، وَقَبَضَ نَصِيبَ الْوَارِثِ، ثُمَّ تَلِفَ فِي يَدِهِ فَلَيْسَ لِلْوَارِثِ أَنْ يَضْمَنَهُ.
وَلَوْ كَانَ الْمُوصَى لَهُ غَائِبًا فَقَاسَمَ الْوَصِيُّ الْوَارِثَ وَأَعْطَاهُ حِصَّتَهُ، وَأَمْسَكَ حِصَّةَ الْمُوصَى لَهُ وَمَيَّزَهُ، وَتَلِفَ فِي يَدِهِ، فَلِصَاحِبِ الْوَصِيَّةِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْوَرَثَةِ بِثُلُثِ مَا بَقِيَ فِي يَدِهِ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمُوصَى لَهُ لَا يَمْلِكُ الشَّيْءَ عَلَى طَرِيقِ الْخَلَفِ عَلَى الْمَيِّتِ، وَإِنَّمَا يَمْلِكُهُ مِلْكًا مُبْتَدَأً، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَرُدُّ بِالْعَيْبِ، وَلَا يُرَدُّ عَلَيْهِ، فَصَارَ كَالْمُشْتَرِي مِنْ الْمَيِّتِ وَلَا وِلَايَةَ لِلْوَلِيِّ عَلَيْهِ، وَلَا يَجُوزُ قَبْضُهُ عَلَيْهِ، وَإِذَا لَمْ يَجُزْ قَبْضُهُ عَلَى الْمُوصَى لَهُ لَمْ تَصِحَّ الْقِسْمَةُ، فَإِذَا تَلِفَ تَلِفَ مِنْ الْجَمِيعِ، فَكَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ ثُلُثَ مَا بَقِيَ مِنْ يَدِ الْوَرَثَةِ.
стр. 630
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْوَارِثُ إذَا كَانَ غَائِبًا؛ لِأَنَّ الْوَارِثَ يَمْلِكُ الشَّيْءَ عَلَى طَرِيقِ الْخَلَفِ عَنْ الْمَيِّتِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَرُدُّ بِالْعَيْبِ وَيُرَدُّ عَلَيْهِ وَالْوَصِيُّ يَقُومُ بِمَالِ الْمَيِّتِ فَجَازَ قَبْضُهُ فَصَارَ كَمَا لَوْ كَانَ حَاضِرًا فَقَبَضَ نَصِيبَهُ، ثُمَّ تَلِفَ فِي يَدِهِ وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ، لَا يَرْجِعُ فِي حِصَّةِ الْوَصِيِّ عَلَى الْمُوصَى لَهُ بِشَيْءٍ، كَذَلِكَ هَذَا.
٧٤٥ - الْوَصِيُّ إذَا احْتَالَ بِدَيْنٍ مِنْ غَرِيمٍ أَمْلَأَ مِنْهُ جَازَ اسْتِحْسَانًا
وَلَوْ أَنَّ الْمَرِيضَ احْتَالَ بِدَيْنٍ لَهُ عَلَى وَاحِدٍ عَلَى إنْسَانٍ آخَرَ فَإِنَّهُ يَجُوزُ مِنْ الثُّلُثِ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الْوَصِيَّ أَبْسَطُ يَدًا فِي بَابِ التَّصَرُّفِ فِي مَالِ الْمَيِّتِ مِنْ الْمَرِيضِ فِي مَالِهِ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْمَرِيضَ لَوْ بَاعَ مَالَهُ بِغَبْنٍ يَسِيرٍ لَا يَجُوزُ إذَا كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ، وَلَوْ بَاعَهُ مِنْ وَارِثِهِ لَا يَجُوزُ، وَالْوَصِيُّ لَوْ بَاعَ مَالَ الْمَيِّتِ بِغَبْنٍ يَسِيرٍ أَوْ بَاعَهُ مِنْ وَارِثِ نَفْسِهِ جَازَ، فَجَازَ أَلَا يُجْعَلَ تَبَرُّعًا فِي مَالِ الْمَيِّتِ مِنْ الْوَصِيِّ، وَيُجْعَلَ تَبَرُّعًا مِنْ الْمَرِيضِ.
٧٤٦ - إذَا كَانَ الْوَارِثُ ابْنَيْنِ وَالْمَالُ أَلْفَيْنِ أَوْ الْوَرَثَةُ ثَلَاثَ بَنِينَ
стр. 631
وَالْمَالُ ثَلَاثَةَ آلَافٍ فَاقْتَسَمُوا وَأَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ أَلْفًا ثُمَّ أَقَرَّ أَحَدُ الْوَرَثَةِ بِأَنَّ الْمَيِّتَ أَوْصَى لِفُلَانٍ بِالثُّلُثِ دَفَعَ لِلْمُوصَى لَهُ ثُلُثَ مَا فِي يَدِهِ وَلَوْ أَقَرَّ أَنَّ فُلَانًا أَخٌ لَهُ رَابِعٌ فَإِنَّهُ يَدْفَعُ لَهُ مَا فِي يَدِهِ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ إقْرَارَهُ عَلَى بَقِيَّةِ الْوَرَثَةِ لَا يَصِحُّ بِالْوَصِيَّةِ، فَصَارَ كَمَا لَوْ كَانَ الْوَرَثَةُ وَبَقِيَّةُ الْمَالِ لَمْ يَكُنْ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ إلَّا هَذَا الْقَدْرُ وَهُوَ الْأَلْفُ دِرْهَمٍ وَتَرَكَ ابْنًا وَأَقَرَّ بِأَنَّ الْمَيِّتَ أَوْصَى بِالثُّلُثِ لِرَجُلٍ دَفَعَ إلَيْهِ ثُلُثَ مَا فِي يَدِهِ، كَذَلِكَ هَذَا.
وَأَمَّا فِي الْإِقْرَارِ بِالْأَخِ لَمْ يَنْفُذْ عَلَى سَائِرِ الْوَرَثَةِ، وَجُعِلَ كَأَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ مِنْ الْوَرَثَةِ إلَّا هَذَا الِابْنَ وَهَذِهِ الْأَلْفَ فَأَقَرَّ بِأَخٍ آخَرَ قُسِّمَ الْمَالُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، كَذَلِكَ هَذَا.
٧٤٧ - وَلَوْ أَوْصَى رَجُلٌ لِرَجُلٍ بِوَصِيَّةٍ فَلَا حُكْمَ لِلْقَبُولِ وَالرَّدِّ فِي حَيَاتِهِ.
وَلَوْ أَوْصَى إلَيْهِ كَانَ الْقَبُولُ وَالرَّدُّ فِي حَالَ حَيَاتِهِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْوَصِيَّةَ لَهُ إيجَابُ الْحَقِّ لَهُ بَعْدَ الْمَوْتِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يُرَاعَى ثُلُثُ مَالِهِ عِنْدَ الْمَوْتِ، فَلَوْ جَعَلْنَا الْإِيجَابَ عِنْدَ الْعَقْدِ وَالتَّمْلِيكَ عِنْدَ الْمَوْتِ لَكَانَ تَعْلِيقُ التَّمْلِيكِ بِخَطَرٍ، وَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ، كَذَلِكَ هَذَا، وَإِذَا كَانَ الْإِيجَابُ عِنْدَ الْمَوْتِ رُوعِيَ الْقَبُولُ وَالرَّدُّ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْوَصِيَّةُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْإِيجَابَ عِنْدَ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ بِإِذْنِهِ،
стр. 632
وَإِذْنُهُ وُجِدَ بِالْعَقْدِ وَلَوْ جَعَلْنَا الْإِيجَابَ بِالْعَقْدِ وَالتَّسْلِيطَ عَلَى التَّصَرُّفِ عِنْدَ الْمَوْتِ لَكَانَ تَعْلِيقًا بِتَسْلِيطٍ عَلَى التَّصَرُّفِ بِخَطَرٍ، وَهَذَا جَائِزٌ، كَمَا لَوْ قَالَ: إذَا قَدِمَ فُلَانٌ فَأَنْتَ وَكِيلِي.
فَإِنَّهُ يَصِحُّ، كَذَلِكَ هَذَا.
وَإِنْ كَانَ الْإِيجَابُ عِنْدَ الْعَقْدِ كَانَ الْقَبُولُ وَالرَّدُّ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ.
٧٤٨ - إذَا أَوْصَى لِرَجُلٍ بِوَصِيَّةٍ أَوْ وَهَبَ شَيْئًا مِنْهُ فِي مَرَضِهِ. فَقَبِلَ ثُمَّ رَدَّ بَعْدَ الْمَوْتِ فَلَهُ ذَلِكَ.
وَلَوْ وَهَبَ لَهُ شَيْئًا فِي حَالَةِ الصِّحَّةِ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَرُدَّهُ بَعْد الْمَوْتِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ.
وَالْفَرْقُ أَنَّهُ إذَا مَلَكَهَا بَعْدَ الْمَوْتِ بِالْوَصِيَّةِ أَوْ فِي حَالِ الْمَرَضِ فَقَدْ مَلَكَهَا وَلَهُ حَقُّ مِلْكٍ فِيهَا، وَإِذَا رَدَّ عَلَى الْوَرَثَةِ أَعَادَهَا إلَى حَقِّ مِلْكِ الْمَيِّتِ، فَهُوَ بِالرَّدِّ يُعِيدُهَا إلَى مِلْكِ الَّذِي اسْتَفَادَ الْمِلْكَ مِنْهُ، فَجَازَ كَمَا لَوْ قَبِلَ فِي حَالِ الْحَيَاةِ وَرَدَّ فِي حَالِ الْحَيَاةِ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا مَلَكَهَا فِي حَالِ الصِّحَّةِ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهَا، وَحَقِيقَةُ الْمِلْكِ كَانَ ثَابِتًا لِلْوَاهِبِ فِيهِ، وَبَعْدَ الْمَوْتِ يَرُدُّهُ إلَى حُكْمِ مِلْكِهِ، وَلَيْسَ لِلْمَيِّتِ حَقِيقَةُ مِلْكٍ، فَلَمْ يُعِدْهُ إلَى الْمِلْكِ الَّذِي اسْتَوْجَبَهُ فَلَمْ يَجُزْ، كَمَا لَوْ أَرَادَ أَنْ يَرُدَّ عَلَى إنْسَانٍ آخَرَ فِي حَالِ حَيَاتِهِ
стр. 633
وَالْفَرْقُ أَنَّ بَعْدَ الْمَوْتِ حَالَةً يَصِحُّ قَبُولُ الْوَصِيَّةِ فِيهَا، وَإِذَا كَانَ وَقْتًا لِلْقَبُولِ كَانَ وَقْتًا لِلرَّدِّ، كَحَالَةِ الْحَيَاةِ وَالصِّحَّةِ فِي الْهِبَةِ مِنْ الصَّحِيحِ.
وَأَمَّا إذَا وَهَبَ وَهُوَ صَحِيحٌ فَرَدَّ بَعْدَ الْمَوْتِ فَهَذِهِ حَالَةٌ لَا تَصِحُّ لِقَبُولِ هِبَةٍ وُجِدَتْ فِي حَالَةِ الصِّحَّةِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ وَقْتًا لِلْقَبُولِ لَمْ يَكُنْ وَقْتًا لِلرَّدِّ، فَصَارَ تَمْلِيكًا مُبْتَدَأً، فَإِنْ أَتَى بِمَا يَحْصُلُ بِهِ الْمِلْكُ صَحَّ وَإِلَّا فَلَا.
٧٤٩ - إذَا أَوْصَى بِجَارِيَتِهِ وَهِيَ ثُلُثُ مَالِهِ لِإِنْسَانٍ فَوَهَبَ لَهَا أَلْفَ دِرْهَمٍ فَالْجَارِيَةُ وَثُلُثُ الْأَلْفِ لِلْمُوصَى لَهُ.
وَلَوْ بَاعَ جَارِيَةً أَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى جَارِيَةٍ فَوَهَبَ لَهَا أَلْفَ دِرْهَمٍ قَبْلَ التَّسْلِيمِ فَالْأَلْفُ لِلْبَائِعِ وَلِلزَّوْجِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ خَاصَّةً.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الشَّيْءَ إذَا أُلْحِقَ بِالْعَقْدِ اقْتَضَى أَنْ يُمْلَكَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَمْلِكُ الْأَصْلَ، وَالْمَبِيعُ قَدْ مُلِكَ بِالضَّمَانِ فَلَوْ أَلْحَقْنَا الْكَسْبَ بِالْعَقْدِ لَمْ يَكُنْ لَهُ حِصَّةٌ مِنْ الضَّمَانِ، فَيُؤَدِّي إلَى أَنْ يَمْلِكَهُ لَا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي مَلَكَ الْأَصْلَ وَهَذَا لَا يَجُوزُ فَلَا يُلْحِقُهُ بِهِ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ فِي بَابِ الْوَصِيَّةِ، لِأَنَّا لَوْ أَلْحَقْنَاهُ بِالْعَقْدِ يُمْلَكُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يُمْلَكُ الْأَصْلُ، لِأَنَّهُ يُعْتَبَرُ خُرُوجُهَا مِنْ الثُّلُثِ كَمَا يُعْتَبَرُ خُرُوجُ الْأَصْلِ مِنْ الثُّلُثِ فَجَازَ أَنْ يَلْحَقَ بِالْعَقْدِ عَلَى الْأَصْلِ.
стр. 634
وَوَجْهٌ آخَرُ: أَنَّ الْكَسْبَ لَا يَجُوزُ إفْرَادُهُ بِعَقْدِ الْبَيْعِ، فَلَمْ يَجُزْ إلْحَاقُهُ بِهِ، لِأَنَّ لِلزِّيَادَةِ حُكْمَ الْأَصْلِ كَالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْوَصِيَّةُ، لِأَنَّهُ يَجُوزُ إفْرَادُ الْكَسْبِ وَالْغَلَّةِ بِعَقْدِ الْوَصِيَّةِ، فَجَازَ إلْحَاقُهُ بِعَقْدِ الْوَصِيَّةِ.
وَفَرْقٌ آخَرُ: أَنَّ الْكَسْبَ الَّذِي يُوجَدُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ جُعِلَ كَالْمَوْجُودِ فِي الْحَالِ فِي بَابِ الْوَصِيَّةِ، بِدَلِيلِ جَوَازِ عَقْدِ الْوَصِيَّةِ عَلَيْهِ وَبِدَلِيلِ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ خُرُوجُهُ مِنْ الثُّلُثِ فَصَارَ كَمَا لَوْ كَانَ مَوْجُودًا.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ فِي الْبَيْعِ، لِأَنَّ الْكَسْبَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فِي بَابِ الْبَيْعِ لَا يُجْعَلُ كَالْمَوْجُودِ فِي الْحَالِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إفْرَادُهُ بِالْعَقْدِ، وَإِذَا لَمْ يُجْعَلْ كَالْمَوْجُودِ فِي ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُجْعَلَ كَالْمَوْجُودِ فِي إلْحَاقِهِ بِالْعَقْدِ.
٧٥٠ - إذَا أَوْصَى بِأَحَدِ عَبْدَيْهِ لِإِنْسَانٍ ثُمَّ مَاتَ فَالْبَيَانُ إلَى الْوَرَثَةِ، فَأَيُّ عَبْدٍ عَيَّنُوهُ لَهُ كَانَ لَهُ.
وَلَوْ أَعْتَقَ أَحَدٌ عَبْدَيْهِ بِغَيْرِ عَيْنِهِ، ثُمَّ مَاتَ وَلَمْ يُبَيِّنْ فَإِنَّهُ يُعْتَقُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ نِصْفُهُ. وَالْفَرْقُ أَنَّ نَفْسَ الْإِعْتَاقِ يُوجِبُ الْحَقَّ، إلَّا أَنَّ الْعِتْقَ فِي الذِّمَّةِ إلَى أَنْ يَصْرِفَهُ إلَى الْعَيْنِ، فَإِذَا مَاتَ سَقَطَتْ ذِمَّتُهُ، فَانْتَقَلَ إلَى الْعَيْنِ فَعَتَقَ نِصْفُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الِاسْتِحْقَاقِ، فَلَوْ خَيَّرْنَا الْوَرَثَةَ فِي التَّعْيِينِ لَخَيَّرْنَاهُمْ فِي تَعْيِينِ الْعِتْقِ الْمُوَقَّفِ فِي نِصْفِ حُرٍّ وَنِصْفِ عَبْدٍ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ.
стр. 635
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْوَصِيَّةُ، لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ إيجَابُ الْحَقِّ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَبَعْدَ الْمَوْتِ الْمِلْكُ لِلْوَرَثَةِ، وَلِلْمَيِّتِ حَقٌّ فِيهِ، فَلَوْ خَيَّرْنَا لَخَيَّرْنَاهُ بَيْنَ تَمْلِيكِهِ فِي التَّمْيِيزِ وَهَذَا جَائِزٌ.
٧٥١ - وَلَوْ أَعْتَقَهُمَا الْمُوصَى لَهُ ثُمَّ عَيَّنَ الْوَرَثَةُ أَحَدَهُمَا عَتَقَ ذَلِكَ الْوَاحِدُ.
وَلَوْ أَعْتَقَ الْمُوصَى لَهُ أَحَدَهُمَا بِعَيْنِهِ، ثُمَّ عَيَّنَ الْوَرَثَةُ لَهُ ذَلِكَ الْعَبْدَ لَمْ يُعْتَقْ عَلَيْهِ.
وَالْفَرْقُ أَنَّهُ إذَا أَعْتَقَ أَحَدَهُمَا فَلِلْوَرَثَةِ خِيَارٌ فِي صَرْفِ مِلْكِهِ عَنْهُ إلَى غَيْرِهِ فَقَدْ أَعْتَقَ عَبْدًا، وَلِلْغَيْرِ فِيهِ خِيَارٌ فِي صَرْفِ عِتْقِهِ عَنْهُ إلَى غَيْرِهِ، فَلَمْ يُعْتَقْ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى عَبْدًا عَلَى أَنَّ الْبَائِعَ بِالْخِيَارِ، ثُمَّ أَعْتَقَهُ الْمُشْتَرِي فَإِنَّهُ لَا يُعْتَقُ، كَذَلِكَ هَذَا.
وَأَمَّا إذَا أَعْتَقَهُمَا فَلَيْسَ لِلْوَرَثَةِ خِيَارٌ فِي صَرْفِ الْعِتْقِ عَنْهُمَا، فَصَارَ مُعْتِقًا مِلْكَهُ وَمِلْكَ غَيْرِهِ، فَنَفَذَ فِي مِلْكِ نَفْسِهِ، وَوَقَفَ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ، كَمَا لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ وَعَبْدِ غَيْرِهِ أَعْتَقْتُكُمَا.
٧٥٢ - إذَا قَالَ: أَوْصَيْت لِابْنَيْ فُلَانٍ بِثُلُثِ مَالِي، فَإِذَا لَيْسَ لَهُ إلَّا ابْنٌ وَاحِدٌ فَلَهُ نِصْفُ الْمَالِ.
وَلَوْ قَالَ: أَوْصَيْت لِابْنَيْ فُلَانٍ عَمْرٍو وَخَالِدٍ بِثُلُثِ مَالِي. فَإِذَا لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ غَيْرَ عَمْرٍو كَانَ الثُّلُثُ كُلُّهُ لَهُ.
следующие страницы →