← Каваид фикха

Каваид фикха · id 8182

الفروق للكرابيسي

الكرابيسي

Полный текст (659 стр.). Показаны 631–659 · переход к 636.

стр. 631

وَالْمَالُ ثَلَاثَةَ آلَافٍ فَاقْتَسَمُوا وَأَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ أَلْفًا ثُمَّ أَقَرَّ أَحَدُ الْوَرَثَةِ بِأَنَّ الْمَيِّتَ أَوْصَى لِفُلَانٍ بِالثُّلُثِ دَفَعَ لِلْمُوصَى لَهُ ثُلُثَ مَا فِي يَدِهِ وَلَوْ أَقَرَّ أَنَّ فُلَانًا أَخٌ لَهُ رَابِعٌ فَإِنَّهُ يَدْفَعُ لَهُ مَا فِي يَدِهِ. وَالْفَرْقُ أَنَّ إقْرَارَهُ عَلَى بَقِيَّةِ الْوَرَثَةِ لَا يَصِحُّ بِالْوَصِيَّةِ، فَصَارَ كَمَا لَوْ كَانَ الْوَرَثَةُ وَبَقِيَّةُ الْمَالِ لَمْ يَكُنْ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ إلَّا هَذَا الْقَدْرُ وَهُوَ الْأَلْفُ دِرْهَمٍ وَتَرَكَ ابْنًا وَأَقَرَّ بِأَنَّ الْمَيِّتَ أَوْصَى بِالثُّلُثِ لِرَجُلٍ دَفَعَ إلَيْهِ ثُلُثَ مَا فِي يَدِهِ، كَذَلِكَ هَذَا. وَأَمَّا فِي الْإِقْرَارِ بِالْأَخِ لَمْ يَنْفُذْ عَلَى سَائِرِ الْوَرَثَةِ، وَجُعِلَ كَأَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ مِنْ الْوَرَثَةِ إلَّا هَذَا الِابْنَ وَهَذِهِ الْأَلْفَ فَأَقَرَّ بِأَخٍ آخَرَ قُسِّمَ الْمَالُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، كَذَلِكَ هَذَا. ٧٤٧ - وَلَوْ أَوْصَى رَجُلٌ لِرَجُلٍ بِوَصِيَّةٍ فَلَا حُكْمَ لِلْقَبُولِ وَالرَّدِّ فِي حَيَاتِهِ. وَلَوْ أَوْصَى إلَيْهِ كَانَ الْقَبُولُ وَالرَّدُّ فِي حَالَ حَيَاتِهِ. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْوَصِيَّةَ لَهُ إيجَابُ الْحَقِّ لَهُ بَعْدَ الْمَوْتِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يُرَاعَى ثُلُثُ مَالِهِ عِنْدَ الْمَوْتِ، فَلَوْ جَعَلْنَا الْإِيجَابَ عِنْدَ الْعَقْدِ وَالتَّمْلِيكَ عِنْدَ الْمَوْتِ لَكَانَ تَعْلِيقُ التَّمْلِيكِ بِخَطَرٍ، وَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ، كَذَلِكَ هَذَا، وَإِذَا كَانَ الْإِيجَابُ عِنْدَ الْمَوْتِ رُوعِيَ الْقَبُولُ وَالرَّدُّ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْوَصِيَّةُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْإِيجَابَ عِنْدَ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ بِإِذْنِهِ،

стр. 632

وَإِذْنُهُ وُجِدَ بِالْعَقْدِ وَلَوْ جَعَلْنَا الْإِيجَابَ بِالْعَقْدِ وَالتَّسْلِيطَ عَلَى التَّصَرُّفِ عِنْدَ الْمَوْتِ لَكَانَ تَعْلِيقًا بِتَسْلِيطٍ عَلَى التَّصَرُّفِ بِخَطَرٍ، وَهَذَا جَائِزٌ، كَمَا لَوْ قَالَ: إذَا قَدِمَ فُلَانٌ فَأَنْتَ وَكِيلِي. فَإِنَّهُ يَصِحُّ، كَذَلِكَ هَذَا. وَإِنْ كَانَ الْإِيجَابُ عِنْدَ الْعَقْدِ كَانَ الْقَبُولُ وَالرَّدُّ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ. ٧٤٨ - إذَا أَوْصَى لِرَجُلٍ بِوَصِيَّةٍ أَوْ وَهَبَ شَيْئًا مِنْهُ فِي مَرَضِهِ. فَقَبِلَ ثُمَّ رَدَّ بَعْدَ الْمَوْتِ فَلَهُ ذَلِكَ. وَلَوْ وَهَبَ لَهُ شَيْئًا فِي حَالَةِ الصِّحَّةِ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَرُدَّهُ بَعْد الْمَوْتِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ. وَالْفَرْقُ أَنَّهُ إذَا مَلَكَهَا بَعْدَ الْمَوْتِ بِالْوَصِيَّةِ أَوْ فِي حَالِ الْمَرَضِ فَقَدْ مَلَكَهَا وَلَهُ حَقُّ مِلْكٍ فِيهَا، وَإِذَا رَدَّ عَلَى الْوَرَثَةِ أَعَادَهَا إلَى حَقِّ مِلْكِ الْمَيِّتِ، فَهُوَ بِالرَّدِّ يُعِيدُهَا إلَى مِلْكِ الَّذِي اسْتَفَادَ الْمِلْكَ مِنْهُ، فَجَازَ كَمَا لَوْ قَبِلَ فِي حَالِ الْحَيَاةِ وَرَدَّ فِي حَالِ الْحَيَاةِ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا مَلَكَهَا فِي حَالِ الصِّحَّةِ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهَا، وَحَقِيقَةُ الْمِلْكِ كَانَ ثَابِتًا لِلْوَاهِبِ فِيهِ، وَبَعْدَ الْمَوْتِ يَرُدُّهُ إلَى حُكْمِ مِلْكِهِ، وَلَيْسَ لِلْمَيِّتِ حَقِيقَةُ مِلْكٍ، فَلَمْ يُعِدْهُ إلَى الْمِلْكِ الَّذِي اسْتَوْجَبَهُ فَلَمْ يَجُزْ، كَمَا لَوْ أَرَادَ أَنْ يَرُدَّ عَلَى إنْسَانٍ آخَرَ فِي حَالِ حَيَاتِهِ

стр. 633

وَالْفَرْقُ أَنَّ بَعْدَ الْمَوْتِ حَالَةً يَصِحُّ قَبُولُ الْوَصِيَّةِ فِيهَا، وَإِذَا كَانَ وَقْتًا لِلْقَبُولِ كَانَ وَقْتًا لِلرَّدِّ، كَحَالَةِ الْحَيَاةِ وَالصِّحَّةِ فِي الْهِبَةِ مِنْ الصَّحِيحِ. وَأَمَّا إذَا وَهَبَ وَهُوَ صَحِيحٌ فَرَدَّ بَعْدَ الْمَوْتِ فَهَذِهِ حَالَةٌ لَا تَصِحُّ لِقَبُولِ هِبَةٍ وُجِدَتْ فِي حَالَةِ الصِّحَّةِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ وَقْتًا لِلْقَبُولِ لَمْ يَكُنْ وَقْتًا لِلرَّدِّ، فَصَارَ تَمْلِيكًا مُبْتَدَأً، فَإِنْ أَتَى بِمَا يَحْصُلُ بِهِ الْمِلْكُ صَحَّ وَإِلَّا فَلَا. ٧٤٩ - إذَا أَوْصَى بِجَارِيَتِهِ وَهِيَ ثُلُثُ مَالِهِ لِإِنْسَانٍ فَوَهَبَ لَهَا أَلْفَ دِرْهَمٍ فَالْجَارِيَةُ وَثُلُثُ الْأَلْفِ لِلْمُوصَى لَهُ. وَلَوْ بَاعَ جَارِيَةً أَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى جَارِيَةٍ فَوَهَبَ لَهَا أَلْفَ دِرْهَمٍ قَبْلَ التَّسْلِيمِ فَالْأَلْفُ لِلْبَائِعِ وَلِلزَّوْجِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ خَاصَّةً. وَالْفَرْقُ أَنَّ الشَّيْءَ إذَا أُلْحِقَ بِالْعَقْدِ اقْتَضَى أَنْ يُمْلَكَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَمْلِكُ الْأَصْلَ، وَالْمَبِيعُ قَدْ مُلِكَ بِالضَّمَانِ فَلَوْ أَلْحَقْنَا الْكَسْبَ بِالْعَقْدِ لَمْ يَكُنْ لَهُ حِصَّةٌ مِنْ الضَّمَانِ، فَيُؤَدِّي إلَى أَنْ يَمْلِكَهُ لَا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي مَلَكَ الْأَصْلَ وَهَذَا لَا يَجُوزُ فَلَا يُلْحِقُهُ بِهِ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ فِي بَابِ الْوَصِيَّةِ، لِأَنَّا لَوْ أَلْحَقْنَاهُ بِالْعَقْدِ يُمْلَكُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يُمْلَكُ الْأَصْلُ، لِأَنَّهُ يُعْتَبَرُ خُرُوجُهَا مِنْ الثُّلُثِ كَمَا يُعْتَبَرُ خُرُوجُ الْأَصْلِ مِنْ الثُّلُثِ فَجَازَ أَنْ يَلْحَقَ بِالْعَقْدِ عَلَى الْأَصْلِ.

стр. 634

وَوَجْهٌ آخَرُ: أَنَّ الْكَسْبَ لَا يَجُوزُ إفْرَادُهُ بِعَقْدِ الْبَيْعِ، فَلَمْ يَجُزْ إلْحَاقُهُ بِهِ، لِأَنَّ لِلزِّيَادَةِ حُكْمَ الْأَصْلِ كَالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْوَصِيَّةُ، لِأَنَّهُ يَجُوزُ إفْرَادُ الْكَسْبِ وَالْغَلَّةِ بِعَقْدِ الْوَصِيَّةِ، فَجَازَ إلْحَاقُهُ بِعَقْدِ الْوَصِيَّةِ. وَفَرْقٌ آخَرُ: أَنَّ الْكَسْبَ الَّذِي يُوجَدُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ جُعِلَ كَالْمَوْجُودِ فِي الْحَالِ فِي بَابِ الْوَصِيَّةِ، بِدَلِيلِ جَوَازِ عَقْدِ الْوَصِيَّةِ عَلَيْهِ وَبِدَلِيلِ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ خُرُوجُهُ مِنْ الثُّلُثِ فَصَارَ كَمَا لَوْ كَانَ مَوْجُودًا. وَلَيْسَ كَذَلِكَ فِي الْبَيْعِ، لِأَنَّ الْكَسْبَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فِي بَابِ الْبَيْعِ لَا يُجْعَلُ كَالْمَوْجُودِ فِي الْحَالِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إفْرَادُهُ بِالْعَقْدِ، وَإِذَا لَمْ يُجْعَلْ كَالْمَوْجُودِ فِي ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُجْعَلَ كَالْمَوْجُودِ فِي إلْحَاقِهِ بِالْعَقْدِ. ٧٥٠ - إذَا أَوْصَى بِأَحَدِ عَبْدَيْهِ لِإِنْسَانٍ ثُمَّ مَاتَ فَالْبَيَانُ إلَى الْوَرَثَةِ، فَأَيُّ عَبْدٍ عَيَّنُوهُ لَهُ كَانَ لَهُ. وَلَوْ أَعْتَقَ أَحَدٌ عَبْدَيْهِ بِغَيْرِ عَيْنِهِ، ثُمَّ مَاتَ وَلَمْ يُبَيِّنْ فَإِنَّهُ يُعْتَقُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ نِصْفُهُ. وَالْفَرْقُ أَنَّ نَفْسَ الْإِعْتَاقِ يُوجِبُ الْحَقَّ، إلَّا أَنَّ الْعِتْقَ فِي الذِّمَّةِ إلَى أَنْ يَصْرِفَهُ إلَى الْعَيْنِ، فَإِذَا مَاتَ سَقَطَتْ ذِمَّتُهُ، فَانْتَقَلَ إلَى الْعَيْنِ فَعَتَقَ نِصْفُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الِاسْتِحْقَاقِ، فَلَوْ خَيَّرْنَا الْوَرَثَةَ فِي التَّعْيِينِ لَخَيَّرْنَاهُمْ فِي تَعْيِينِ الْعِتْقِ الْمُوَقَّفِ فِي نِصْفِ حُرٍّ وَنِصْفِ عَبْدٍ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ.

стр. 635

وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْوَصِيَّةُ، لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ إيجَابُ الْحَقِّ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَبَعْدَ الْمَوْتِ الْمِلْكُ لِلْوَرَثَةِ، وَلِلْمَيِّتِ حَقٌّ فِيهِ، فَلَوْ خَيَّرْنَا لَخَيَّرْنَاهُ بَيْنَ تَمْلِيكِهِ فِي التَّمْيِيزِ وَهَذَا جَائِزٌ. ٧٥١ - وَلَوْ أَعْتَقَهُمَا الْمُوصَى لَهُ ثُمَّ عَيَّنَ الْوَرَثَةُ أَحَدَهُمَا عَتَقَ ذَلِكَ الْوَاحِدُ. وَلَوْ أَعْتَقَ الْمُوصَى لَهُ أَحَدَهُمَا بِعَيْنِهِ، ثُمَّ عَيَّنَ الْوَرَثَةُ لَهُ ذَلِكَ الْعَبْدَ لَمْ يُعْتَقْ عَلَيْهِ. وَالْفَرْقُ أَنَّهُ إذَا أَعْتَقَ أَحَدَهُمَا فَلِلْوَرَثَةِ خِيَارٌ فِي صَرْفِ مِلْكِهِ عَنْهُ إلَى غَيْرِهِ فَقَدْ أَعْتَقَ عَبْدًا، وَلِلْغَيْرِ فِيهِ خِيَارٌ فِي صَرْفِ عِتْقِهِ عَنْهُ إلَى غَيْرِهِ، فَلَمْ يُعْتَقْ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى عَبْدًا عَلَى أَنَّ الْبَائِعَ بِالْخِيَارِ، ثُمَّ أَعْتَقَهُ الْمُشْتَرِي فَإِنَّهُ لَا يُعْتَقُ، كَذَلِكَ هَذَا. وَأَمَّا إذَا أَعْتَقَهُمَا فَلَيْسَ لِلْوَرَثَةِ خِيَارٌ فِي صَرْفِ الْعِتْقِ عَنْهُمَا، فَصَارَ مُعْتِقًا مِلْكَهُ وَمِلْكَ غَيْرِهِ، فَنَفَذَ فِي مِلْكِ نَفْسِهِ، وَوَقَفَ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ، كَمَا لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ وَعَبْدِ غَيْرِهِ أَعْتَقْتُكُمَا. ٧٥٢ - إذَا قَالَ: أَوْصَيْت لِابْنَيْ فُلَانٍ بِثُلُثِ مَالِي، فَإِذَا لَيْسَ لَهُ إلَّا ابْنٌ وَاحِدٌ فَلَهُ نِصْفُ الْمَالِ. وَلَوْ قَالَ: أَوْصَيْت لِابْنَيْ فُلَانٍ عَمْرٍو وَخَالِدٍ بِثُلُثِ مَالِي. فَإِذَا لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ غَيْرَ عَمْرٍو كَانَ الثُّلُثُ كُلُّهُ لَهُ.

стр. 636

وَالْفَرْقُ أَنَّ قَوْلَهُ " لِابْنَيْ فُلَانٍ " لَفْظُ اشْتِرَاكٍ وَالِاشْتِرَاكُ قَدْ صَحَّ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ وُلِدَ لِفُلَانٍ ابْنٌ آخَرُ فَإِنَّهُمَا يَسْتَحِقَّانِ الثُّلُثَ، وَإِذَا صَحَّ الِاشْتِرَاكُ كَانَ لِلْمَوْجُودِ نِصْفُهُ، كَمَا لَوْ قَالَ: ثُلُثُ مَالِي بَيْنَ فُلَانٍ وَفُلَانٍ. وَأَحَدُهُمَا مَيِّتٌ فَلِلْبَاقِي نِصْفُ الثُّلُثِ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ قَوْلُهُ " عَمْرٍو وَخَالِدٍ "، لِأَنَّ اللَّفْظَ لَيْسَ لَفْظَ اشْتِرَاكٍ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ وُلِدَ لِفُلَانٍ ابْنٌ آخَرُ فَسُمِّيَ خَالِدًا لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا، فَقَدْ أَوْجَبَ الْجَمِيعَ لِعَمْرٍو وَأَشْرَكَ فِيهِ مَنْ لَا يَصِحُّ إشْرَاكُهُ فَلَمْ يُزَاحِمْهُ فِي الِاسْتِحْقَاقِ، فَبَقِيَ الْجَمِيعُ لَهُ كَمَا لَوْ قَالَ: أَوْصَيْت بِثُلُثِ مَالِي لِفُلَانٍ وَفُلَانٍ وَأَحَدُهُمَا مَيِّتٌ، فَالثُّلُثُ كُلُّهُ لِلْحَيِّ كَذَلِكَ هَذَا. ٧٥٣ - إذَا أَوْصَى لِرَجُلٍ بِجَارِيَتِهِ عَلَى أَنَّ مَا فِي بَطْنِهَا لِوَرَثَتِهِ عَلَى فَرَائِضِ اللَّهِ تَعَالَى ثُمَّ مَاتَ الْمُوصِي، ثُمَّ وَضَعَتْ الْجَارِيَةُ فَالْوَصِيَّةُ جَائِزَةٌ وَالْوَلَدُ لِلْوَرَثَةِ. وَلَوْ أَوْصَى بِعَبْدٍ وَاسْتَثْنَى الْخِدْمَةَ لِوَرَثَتِهِ لَا يَجُوزُ. وَالْفَرْقُ أَنَّهُ بِالِاسْتِثْنَاءِ مَنَعَ دُخُولَ الْجَنِينِ فِيهِ، وَأَوْجَبَ أَنْ يَكُونَ مِيرَاثًا وَالْوَلَدُ عَيْنٌ، وَتَوْرِيثُ الْأَعْيَانِ جَائِزٌ، فَلَوْ جَوَّزْنَا الِاسْتِثْنَاءَ لَمَلَّكْنَا الْوَرَثَةَ عَيْنًا، وَهَذَا جَائِزٌ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْخِدْمَةُ، لِأَنَّهُ بِالِاسْتِثْنَاءِ مَنَعَ دُخُولَ الْمَنْفَعَةِ فِي الْعَقْدِ،

стр. 637

وَأَوْجَبَ أَنْ يَكُونَ مِيرَاثًا، وَالْخِدْمَةُ لَيْسَتْ بِعَيْنٍ فِي الْعَقْدِ وَتَوْرِيثُ مَا لَيْسَ بِعَيْنٍ فِي الْعَقْدِ لَا يَجُوزُ، كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَ عَبْدًا ثُمَّ مَاتَ الْمُسْتَأْجِرُ لَمْ يُوَرَّثْ عِنْدَ الْخِدْمَةِ، كَذَلِكَ هَذَا. ٧٥٤ - وَلَوْ أَوْصَى بِصُوفِ غَنَمِهِ وَلَبَنِهَا يَتَنَاوَلُ الْمَوْجُودَ، وَأَمَّا مَا يَحْدُثُ فِي ثَانِي الْحَالِ لَمْ تَصِحَّ الْوَصِيَّةُ بِهِ. وَلَوْ أَوْصَى بِغَلَّةِ دَارِهِ وَعَبْدِهِ يَجُوزُ، وَيَنْصَرِفُ إلَى مَا يَحْدُثُ. وَالْفَرْقُ أَنَّهُ يَقِفُ بِعَقْدِهِ مَنَافِعَ عَقَارِهِ عَلَى اسْتِغْلَالِ غَيْرِهِ وَهَذَا جَائِزٌ كَمَا لَوْ وَقَفَ عَقَارَهُ عَلَى غَيْرِهِ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ الصُّوفُ وَاللَّبَنُ، لِأَنَّهُ يَقِفُ بِعَقْدِهِ مَنَافِعَ حَيَوَانِهِ مِنْ الصُّوفِ وَاللَّبَنِ عَلَى حَالِ اسْتِغْلَالِ غَيْرِهِ وَهَذَا لَا يَجُوزُ، كَمَا لَوْ وَقَفَ عَيْنَ الْحَيَوَانِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّهُ وَقَفَ مَا لَا يَتَأَبَّدُ، لِأَنَّ الْحَيَوَانَ لَا يَبْقَى بِخِلَافِ الْعَقَارِ. وَأَمَّا الْفَرْقُ بَيْنَ غَلَّةِ الْعَبْدِ وَخِدْمَتِهِ وَاللَّبَنِ وَالصُّوفِ: أَنَّ الْخِدْمَةَ جُعِلَتْ فِي الْحُكْمِ فِي عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ ثَمَنًا لَهُ بِمَنْزِلَةِ الْمَوْجُودِ، بِدَلِيلِ جَوَازِ الِاعْتِيَاضِ عَنْهَا، وَالْمَوْجُودُ بِالْمَوْجُودِ جَائِزٌ، كَذَلِكَ مَا هُوَ فِي حُكْمِهِ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ اللَّبَنُ وَالصُّوفُ، لِأَنَّهُ لَمْ يُجْعَلْ بِمَنْزِلَةِ الْمَوْجُودِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ

стр. 638

لَا يَجُوزُ الِاعْتِيَاضُ عَنْهُمَا بِحَالٍ، فَصَارَ مَعْدُومًا، وَتَمَلِّي وَتَمِيلك الْمَعْدُومِ لَا يَصِحُّ. ٧٥٥ - وَلَوْ أَوْصَى بِثَمَرَةِ بُسْتَانِهِ وَفِيهِ ثَمَرَةٌ مَوْجُودَةٌ فَمَا يَحْدُثُ فِيهِ لَا يَدْخُلُ فِي الْوَصِيَّةِ، مَا لَمْ يَقُلْ: أَبَدًا. وَفِي الْغَلَّةِ يَدْخُلُ فِيهَا الْمَوْجُودُ وَالْحَادِثُ. وَالْفَرْقُ أَنَّ حَقِيقَةَ اسْمِ الثَّمَرَةِ يَتَنَاوَلُ الْمَوْجُودَ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﷺ «مَنْ بَاعَ نَخْلًا مُؤَبَّرًا فَثَمَرَتُهُ لِلْبَائِعِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ» وَأَرَادَ بِالثَّمَرَةِ الْمَوْجُودَ دُونَ الْحَادِثِ، فَإِذَا كَانَتْ الثَّمَرَةُ مَوْجُودَةً انْصَرَفَ اللَّفْظُ إلَى حَقِيقَتِهِ، وَإِذَا كَانَتْ الْحَقِيقَةُ مُرَادَةً بِاللَّفْظِ خَرَجَ الْمَجَازُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُرَادًا، لِأَنَّ اللَّفْظَ لَا يُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ الْحَقِيقَةُ وَالْمَجَازُ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْغَلَّةُ، لِأَنَّ حَقِيقَةَ اسْمِ الْغَلَّةِ يَقَعُ عَلَى الْمَوْجُودِ وَالْحَادِثِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ وَكَّلَ وَكِيلًا بِدَفْعِ غَلَّاتِهِ كَانَ وَكِيلًا فِي الْمَوْجُودِ وَالْحَادِثِ

стр. 639

فَدَخَلَا جَمِيعًا فِي الْأَمْرِ فَتَنَاوَلَهُمَا. ٧٥٦ - إذَا أَوْصَى إلَى إنْسَانٍ فَلَمْ يَقْبَلْ الْوَصِيَّةَ حَتَّى مَاتَ الْمُوصِي، ثُمَّ بَاعَ وَاشْتَرَى شَيْئًا مِنْ تَرِكَتِهِ وَلَمْ يَعْلَمْ بِمَوْتِهِ صَارَ قَابِلًا لِلْوَصِيَّةِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ رَدُّهُ. وَلَوْ وَكَّلَ وَكِيلًا بِبَيْعٍ أَوْ شِرَاءٍ، وَلَمْ يَعْلَمْ بِالْوَكَالَةِ، فَبَاعَ وَاشْتَرَى فَإِنَّهُ لَا يَصِيرُ وَكِيلًا مَا لَمْ يَتَصَرَّفْ فِيهِ بَعْدَ الْعِلْمِ. وَالْفَرْقُ أَنَّ الْإِيجَابَ قَدْ تَمَّ مِنْ قِبَلِ الْمُوصِي بِمَوْتِهِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ هُوَ وَلَا وَارِثُهُ عَلَى إبْطَالِهِ، فَوَجَبَ لَهُ حَقُّ التَّصَرُّفِ، إلَّا أَنَّهُ وَقَفَ عَلَى قَبُولِهِ فَإِذَا تَصَرَّفَ بِمَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا وَالْقَبُولِ صَارَ رَاضِيًا، كَمَا لَوْ اشْتَرَى عَبْدًا عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ ثُمَّ بَاعَهُ صَارَ مُخَيَّرًا بِالْبَيْعِ، كَذَلِكَ هَذَا. وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْوَكَالَةُ، لِأَنَّ الْإِيجَابَ لَمْ يَتِمَّ مِنْ قِبَلِ الْمُوَكِّلِ، بِدَلِيلِ أَنَّ لِمُوجِبِهِ إبْطَالَهُ وَعَزْلَهُ، فَلَمْ يَصِرْ بِفِعْلِهِ مُجْبَرًا، كَمَا لَوْ اشْتَرَى عَبْدًا عَلَى أَنَّ الْبَائِعَ بِالْخِيَارِ، ثُمَّ بَاعَهُ الْمُشْتَرِي لَمْ يَجُزْ، لِأَنَّ الْإِيجَابَ لَمْ يَتِمَّ كَذَلِكَ هَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

стр. 640

[كِتَابُ الْمَأْذُونِ] ٧٥٧ - إذَا قَالَ لِعَبْدِهِ: إذَا أَدَّيْتَ أَلْفًا فَأَنْتَ حُرٌّ كَانَ مَأْذُونًا فِي التِّجَارَةِ، وَجَعَلَهُ بِمَعْنَى الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ. وَقَدْ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀: إذَا قَالَتْ الْمَرْأَةُ لِزَوْجِهَا: طَلِّقْنِي وَلَك أَلْفُ دِرْهَمٍ. لَمْ يُجْعَلْ بِمَعْنَى الشَّرْطِ، وَإِنَّمَا جَعَلَهُ إخْبَارًا حَتَّى لَوْ طَلَّقَهَا لَا يَلْزَمُهَا شَيْءٌ. وَالْفَرْقُ أَنَّ قَوْلَهُ: افْعَلْ وَلَك كَذَا. تَحْتَمِلُ مَعْنَى الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ، كَقَوْلِهِ: احْمِلْ هَذَا الشَّيْءَ وَلَك دِرْهَمٌ، أَوْ خِطْ هَذَا الثَّوْبَ وَلَك دِرْهَمٌ، فَإِذَا حَمَلَ أَوْ خَاطَ لَزِمَهُ الدِّرْهَمُ، وَيُحْتَمَلُ مَعْنَى الْإِخْبَارِ كَقَوْلِهِ: افْعَلْ ذَلِكَ وَأَنْتَ جَالِسٌ أَوْ قَائِمٌ أَوْ قَاعِدٌ. وَفِي مَسْأَلَةِ الْمَأْذُونِ لَا يَصِحُّ حَمْلُهُ عَلَى الْإِخْبَارِ، لِأَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ الْمَالَ وَقَدَّمَهُ عَلَى الْعِتْقِ اقْتَضَى حُصُولَ الْمَالِ قَبْلَ الْعِتْقِ، وَإِذَا لَمْ يَصِحَّ حَمْلُهُ عَلَى الْإِخْبَارِ جُعِلَ شَرْطًا، وَأَمَّا فِي الطَّلَاقِ فَلَمْ يُقَدَّمْ ذِكْرُ الْمَالِ فَلَمْ يَكُنْ الْمَقْصُودُ تَحْصِيلَ الْمَالِ، فَحُمِلَ عَلَى الْإِخْبَارِ، وَلَمْ يُجْعَلْ أَدَاءَ الْمَالِ شَرْطًا فِي وُقُوعِ الطَّلَاقِ، فَكَأَنَّهَا قَالَتْ: طَلِّقْنِي وَلَك أَلْفُ دِرْهَمٍ بِسَبَبٍ آخَرَ. ٨٥٨ - إذَا كَانَ لِرَجُلٍ عَبْدٌ مَأْذُونٌ فَقَالَ: اشْهَدُوا أَنِّي قَدْ حَجَرْتُ عَلَيْهِ رَأْسَ الشَّهْرِ كَانَ بَاطِلًا وَلَا يَصِيرُ مَحْجُورًا.

стр. 641

وَلَوْ وَكَّلَ وَكِيلًا ثُمَّ قَالَ: عَزَلْتُك رَأْسَ الشَّهْرِ كَانَ مَعْزُولًا إذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ. وَالْفَرْقُ أَنَّهُ لَمَّا وَقَّتَ الْعَزْلَ فَقَدْ خَصَّ الْإِذْنَ بِوَقْتٍ فَصَارَ كَتَخْصِيصِهِ بِنَوْعٍ، فَلَوْ خَصَّ بِنَوْعٍ عَمَّ جَمِيعَ الْأَنْوَاعِ، كَذَلِكَ إذَا خَصَّ بِوَقْتٍ عَمَّ جَمِيعَ الْأَوْقَاتِ. وَأَمَّا الْوَكِيلُ فَقَوْلُهُ عَزَلْتُك رَأْسَ الشَّهْرِ تَوْقِيتٌ لِلتَّوْكِيلِ بِشَهْرٍ فَصَارَ تَخْصِيصُهُ بِوَقْتٍ كَتَخْصِيصِهِ بِنَوْعٍ، وَقَدْ خَصَّ بِنَوْعٍ فَإِنَّهُ يَخْتَصُّ بِهِ وَلَا يَعْدُوهُ، فَكَذَلِكَ إذَا خَصَّ بِوَقْتٍ اخْتَصَّ بِهِ وَلَا يَعْدُوهُ. ٧٥٩ - إذَا قَالَ الْقَاضِي لِعَبْدِ الْيَتِيمِ: اتَّجَرَ فِي الْبُرِّ وَلَا تَعْدُهُ إلَى غَيْرِهِ، فَإِنِّي قَدْ حَجَرْتُ عَلَيْك أَنْ تَعْدُوَهُ إلَى غَيْرِهِ، كَانَ مَأْذُونًا لَهُ فِي جَمِيعِ التِّجَارَاتِ. وَلَوْ عَقَدَ عَقْدًا فِي غَيْرِ مَا أَمَرَهُ بِهِ فَرُفِعَ إلَيْهِ فَأَبْطَلَهُ، ثُمَّ رُفِعَ إلَى قَاضٍ آخَرَ نَفَذَ إبْطَالُهُ. وَالْفَرْقُ أَنَّ قَوْلَهُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى لَيْسَ بِقَضَاءٍ، لِأَنَّ الْقَضَاءَ يَخْتَصُّ بِالْمَوْجُودِ دُونَ الْمَعْدُومِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ: أَبْطَلْت كُلَّ عَقْدٍ يُعْقَدُ مُخْتَلَفًا فِيهِ

стр. 642

فَإِنَّهُ لَا يَبْطُلُ مَا لَمْ يَعْقِدْ فِيهِ بَعْدَهُ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ بِعَقْدٍ فَيُبْطِلُهُ بَعْدَهُ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ قَضَاءً كَانَ إذْنًا بِأَنْ يَعْقِدَ وَيَتَّجِرَ، وَالْإِذْنُ فِي التِّجَارَةِ يَعُمُّ وَلَا يَخُصُّ، كَمَا لَوْ وُجِدَ عَنْ الْمَالِكِ. وَإِذَا عَقَدَ عَقْدًا وَاحِدًا فِي غَيْرِ مَا أَمَرَهُ فَأَبْطَلَهُ كَانَ إبْطَالُهُ قَضَاءً، لِأَنَّهُ أَبْطَلَ شَيْئًا مَوْجُودًا، وَالْقَضَاءُ يَخْتَصُّ بِالْمَوْجُودِ، وَإِذَا كَانَ قَوْلُهُ قَضَاءً لَا إذْنًا، وَالْقَضَاءُ مِمَّا يَخْتَصُّ بِالْمَوْجُودِ فَاخْتَصَّ وَنَفَذَ فَإِذَا رَجَعَ إلَى قَاضٍ آخَرَ فَقَدْ رَجَعَ إلَيْهِ قَضَاؤُهُ، فَكَانَ عَلَيْهِ تَنْفِيذُهُ. ٧٦٠ - صَبِيٌّ مَحْجُورٌ بَاعَ عَبْدًا فَضَمِنَ عَنْهُ إنْسَانٌ الدَّرَكَ فِي أَصْلِ الْعَقْدِ، ثُمَّ قَبَضَ الْعَبْدَ مِنْهُ ثُمَّ اُسْتُحِقَّ الْعَبْدُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي فَالضَّمَانُ جَائِزٌ، وَيُؤْخَذُ الْكَفِيلُ بِالثَّمَنِ. وَلَوْ قَبَضَ الْعَبْدَ ثُمَّ ضَمِنَ الْمُشْتَرِيَ رَجُلٌ بِالدَّرَكِ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ ضَمَانُهُ. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ ضَمِنَ مَا يَقْبِضُهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَمَا يَقْبِضُهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَضْمُونًا عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ لَوْ أَذِنَ فِي التِّجَارَةِ كَانَ مَضْمُونًا عَلَيْهِ، فَإِذَا جَازَ أَنْ يَكُونَ مَضْمُونًا فِي الشَّرْعِ بِالْإِذْنِ جَازَ أَنْ يَصِيرَ مَضْمُونًا عَلَيْهِ بِالشَّرْطِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَضْمُونًا عَلَى الْقَابِضِ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ لَوْ قَالَ: ادْفَعْ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ إلَى

стр. 643

الْمَسَاكِينِ عَلَى أَنِّي ضَامِنٌ، فَإِنَّ الضَّمَانَ يَصِحُّ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَضْمُونًا عَلَى الْقَابِضِ، كَذَلِكَ هَذَا. وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا ضَمِنَ بَعْدَمَا قَبَضَ الْعَبْدَ مِنْ الْمُشْتَرِي، لِأَنَّهُ ضَمِنَ مَا قَبَضَ وَمَا قَبَضَ كَانَ غَيْرَ مَضْمُونٍ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَصِيرَ بِالْإِذْنِ مَضْمُونًا فَقَدْ ضَمِنَ غَيْرَ مَضْمُونٍ، فَلَمْ يَصِحَّ الضَّمَانُ، كَرَجُلٍ دَفَعَ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ إلَى الْمَسَاكِينِ ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ يَضْمَنُهَا؟ إنَّ الضَّمَانَ لَا يَصِحُّ كَذَلِكَ هَذَا. ٧٦١ - لَوْ أَمَرَ الْمَوْلَى قَوْمًا أَنْ يُبَايِعُوا عَبْدَهُ، وَالْعَبْدُ لَا يَعْلَمُ بِأَمْرِ الْمَوْلَى جَازَ بَيْعُهُ مِنْهُمْ إذَا بَايَعُوهُ. وَلَوْ قَالَ لِرَجُلٍ: اشْتَرِ عَبْدِي مِنْ فُلَانٍ، فَذَهَبَ وَاشْتَرَى وَلَمْ يَعْلَمْ الْوَكِيلُ بِالْأَمْرِ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ مِنْهُ. وَالْفَرْقُ أَنَّ الْحَاجَةَ إلَى الْإِذْنِ فِي مَسْأَلَةِ الْمَأْذُونِ لِحَقِّ مَنْ يُعَاقِدُهُ لَا لِحَقِّ الْعَبْدِ، لِأَنَّ عَقْدَ الْعَبْدِ مِنْ غَيْرِ إذْنٍ يَصِحُّ وَيَنْفُذُ فِي حَقِّ الْعَبْدِ، وَإِنَّمَا يَتَأَخَّرُ الطَّلَبُ بِضَمَانِهِ إلَى حَالَةِ الْعِتْقِ، وَإِذَا كَانَتْ الْحَاجَةُ إلَى الْإِذْنِ لِحَقِّهِمْ وَعَلِمُوا جَازَ، كَمَا لَوْ عَلِمَ الْكُلُّ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ مَسْأَلَةُ الْوَكَالَةِ، لِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَى إذْنِ صَاحِبِهِ فِي الْبَيْعِ لِحَقِّ الْوَكِيلِ حَتَّى تَتَعَلَّقَ الْعُهْدَةُ بِهِ، وَيَثْبُتَ لَهُ الرُّجُوعُ بِمُقْتَضَاهُ عَلَى الْآمِرِ، وَلَمْ يَعْلَمْ الْوَكِيلُ فَلَمْ تَتَعَلَّقْ الْعُهْدَةُ بِالْعَاقِدِ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِهِ كَانَ عَقْدًا بِغَيْرِ إذْنٍ

стр. 644

فَلَمْ يَجُزْ. ٧٦٢ - وَإِذَا أَشْهَدَ الرَّجُلُ أَهْلَ سُوقِهِ أَنَّهُ حَجَرَ عَلَى عَبْدِهِ الْمَأْذُونِ لَمْ يَصِرْ مَحْجُورًا إنْ لَمْ يَعْلَمْ الْعَبْدُ بِالْحَجْرِ. وَلَوْ أَذِنَ لِعَبْدِهِ الْمَحْجُورِ فِي التِّجَارَةِ بَيْنَ يَدَيْ أَهْلِ سُوقِهِ فَبَايَعُوهُ وَلَمْ يَعْلَمْ الْعَبْدُ كَانَ مَأْذُونًا. وَالْفَرْقُ أَنَّ الْإِذْنَ فِي التِّجَارَةِ فِيهِ نَوْعُ حَقٍّ لِلْعَبْدِ وَفِي الْحَجْرِ إبْطَالُ حَقِّهِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ حَتَّى يَتْبَعَ مِلْكَ الْمَوْلَى، فَلَا يَبْقَى عَلَيْهِ ضَمَانٌ بَعْدَ الْعِتْقِ، وَبِالْحَجْرِ يَبْطُلُ ذَلِكَ فَيَلْزَمُهُ بَعْدَ الْعِتْقِ، وَإِذَا كَانَ لِلْعَبْدِ فِيهِ حَقٌّ اُحْتِيجَ إلَى عِلْمِهِ فِي إبْطَالِ حَقِّهِ كَالْوَكِيلِ. وَلَيْسَ هَذَا كَالْإِذْنِ، لِأَنَّ الْإِذْنَ حَقُّ الْغُرَمَاءِ، لِأَنَّ الضَّرَرَ يَلْحَقُهُمْ إذَا عَاقَدُوهُ وَكَانَ مَحْجُورًا، فَإِنَّ الضَّمَانَ يَتَأَخَّرُ إلَى حَالَةِ الْعِتْقِ، وَلَيْسَ فِيهِ إبْطَالُ حَقٍّ لِلْعَبْدِ، فَجَازَ إذَا عَلِمُوا وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ إذْ لَيْسَ فِيهِ إبْطَالُ حَقِّهِ. ٧٦٣ - إذَا وَجَبَتْ عَلَى الْجَارِيَةِ الْمَأْذُونَةِ دُيُونٌ فَوَلَدَتْ بِيعَ وَلَدُهَا مَعَهَا فِي الدَّيْنِ.

стр. 645

وَلَوْ وَلَدَتْ أَوَّلًا ثُمَّ لَحِقَهَا دَيْنٌ لَا يُبَاعُ وَلَدُهَا. وَلَوْ وُهِبَتْ لَهَا هِبَةً أَوْ اكْتَسَبَتْ كَسْبًا قَبْلَ الدَّيْنِ أَوْ بَعْدَهُ قُضِيَ الدَّيْنُ مِنْ جَمِيعِ اكْتِسَابِهَا. وَالْفَرْقُ أَنَّ الدَّيْنَ تَعَلَّقَ بِرَقَبَتِهَا، بِدَلِيلِ أَنَّهَا تُبَاعُ فِيهِ، فَجَازَ أَنْ يَسْرِيَ إلَى الْوَلَدِ كَالتَّدْبِيرِ وَالِاسْتِيلَادِ إذَا وَلَدَتْ أَوَّلًا، فَلَمْ يَكُنْ الدَّيْنُ ثَابِتًا فِي الْأُمِّ وَقْتَ الْوِلَادَةِ، فَتَأَخَّرَ الْحَقُّ عَنْ الْوِلَادَةِ، وَالْحَقُّ الْمُتَأَخِّرُ لَا يَنْفُذُ فِي الْوِلَادَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ كَالتَّدْبِيرِ وَالِاسْتِيلَادِ. أَمَّا الْفَرْقُ بَيْنَ الْكَسْبِ وَالْوَلَدِ إذَا تَقَدَّمَا عَلَى الدَّيْنِ: أَنَّ الْعَبْدَ بِالْعَقْدِ يَلْزَمُ أَكْسَابه ضَمَانًا، وَيُوجِبُ الْحَقَّ فِيهَا، وَهُوَ يَمْلِكُ إيجَابَ الْحَقِّ فِيهَا، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ بَاعَهَا جَازَ، فَجَازَ ثُبُوتُ دَيْنِهِ فِيهِ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْوَلَدُ، لِأَنَّهُ بِإِيجَابِ الدَّيْنِ عَلَى نَفْسِهَا يَلْزَمُ الْوَلَدُ الْمَوْلُودُ قَبْلَ الدَّيْنِ ضَمَانًا، وَهُوَ لَا يَقْدِرُ عَلَى إيجَابِ الْحَقِّ فِيهِ، أَلَا تَرَى أَنَّهَا لَوْ أَرَادَتْ بَيْعَهُ أَوْ رَهْنَهُ لَمْ يَكُنْ لَهَا ذَلِكَ، فَصَارَ كَوَلَدِ غَيْرِهَا، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى إيجَابِ الْحَقِّ فِي وَلَدِ غَيْرِهَا، كَذَلِكَ هَذَا. ٧٦٤ - إذَا جَنَتْ أَمَةٌ جِنَايَةً ثُمَّ وَلَدَتْ وَلَدًا لَمْ يُدْفَعْ وَلَدُهَا مَعَهَا وَلَا تَثْبُتُ الْجِنَايَةُ فِي الْوَلَدِ. وَالْمَأْذُونَةُ إذَا رَكِبَتْهَا الدُّيُونُ فَوَلَدَتْ بِيعَ وَلَدُهَا مَعَهَا.

стр. 646

وَالْفَرْقُ أَنَّ الْجِنَايَةَ لَمْ تَتَعَلَّقْ بِعَيْنِهَا، وَإِنَّمَا تَجِبُ مَجْهُولَةً، أَلَا تَرَى أَنَّهَا تَجِبُ عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَعَاقِلَتُهَا مَوْلَاهَا فَوَجَبَتْ عَلَى الْمَوْلَى، وَإِذَا لَمْ يَتَعَيَّنْ الْحَقُّ فِي الْأُمِّ لَا يَسْرِي إلَى الْوَلَدِ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ الدَّيْنُ، لِأَنَّهُ تَعَيَّنَ فِي رَقَبَتِهَا، بِدَلِيلِ أَنَّهَا تُتْبَعُ بِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ، وَالْحَقُّ إذَا تَعَيَّنَ فِي الْأُمِّ سَرَى إلَى الْوَلَدِ كَالْكِتَابَةِ وَالتَّدْبِيرِ وَالِاسْتِيلَادِ. ٧٦٥ - الْعَبْدُ الْمَأْذُونُ إذَا اشْتَرَى وَبَاعَ فَرَكِبَتْهُ الدُّيُونُ، فَوَهَبُوهَا مِنْ الْعَبْدِ لَمْ يَكُنْ لِلْعَبْدِ الرُّجُوعُ عَلَى الْمَوْلَى بِمَا وَهَبُوهُ مِنْهُ. وَالْوَكِيلُ بِالشِّرَاءِ وَالْكَفِيلُ بِالثَّمَنِ إذَا وُهِبَ مِنْهُ الْمَالُ ثَبَتَ لَهُ الرُّجُوعُ عَلَى الْمُوَكِّلِ وَالْمَكْفُولِ عَنْهُ. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ رُجُوعَ الْعَبْدِ عَلَى الْمَوْلَى لِحَقِّ الْغُرَمَاءِ لَا لِحَقِّ نَفْسِهِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ وُجُوبِ الضَّمَانِ لَهُ عَلَى مَوْلَاهُ، وَإِذَا كَانَ الرُّجُوعُ لِحَقِّ الْغُرَمَاءِ وَقَدْ زَالَ حَقُّهُمْ زَالَ الرُّجُوعُ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْوَكِيلُ وَالْكَفِيلُ، لِأَنَّ ثُبُوتَ الرُّجُوعِ لَهُمَا لِحَقِّ أَنْفُسِهِمَا لَا لِحَقِّ الْغُرَمَاءِ، لِأَنَّ صِحَّةَ التَّوْكِيلِ بِضَمَانٍ مُنْعَقِدٍ بَيْنَ الْوَكِيلِ وَالْمُوَكِّلِ، بِدَلِيلِ أَنَّ مَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَضْمُونًا لَا يَصِحُّ التَّوْكِيلُ بِهِ، وَكَذَلِكَ نَفْسُ الْكَفَالَةِ تُوجِبُ ضَمَانًا عَلَيْهِ يُثْبِتُ لَهُ الرُّجُوعَ بِهِ عَلَيْهِ، وَإِذَا كَانَ ثُبُوتُ رُجُوعِ الْوَكِيلِ

стр. 647

لِحَقِّ نَفْسِهِ وَقَدْ مَلَكَ مَا عَلَيْهِ بِالْهِبَةِ فَصَارَ كَالْمِلْكِ بِالْأَدَاءِ، وَلَوْ أَدَّى لَرَجَعَ بِهِ عَلَيْهِ، كَذَلِكَ هَذَا. ٧٦٦ - عَبْدٌ بَيْنَ رَجُلَيْنِ، عَلَيْهِ أَلْفُ دِرْهَمٍ لِرَجُلَيْنِ، وَفِي يَدِهِ أَلْفُ دِرْهَمٍ، فَأَخَذَ أَحَدُ الْمَوْلَيَيْنِ الْأَلْفَ مِنْ يَدِهِ وَأَتْلَفَهُ، فَرَفَعَ إلَى الْقَاضِي، فَقَضَى لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْغَرِيمَيْنِ بِخَمْسِمِائَةِ دِرْهَمٍ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَدْفَعْ حَتَّى أَبْرَأَهُ أَحَدُ الْغُرَمَاءِ مِنْ دَيْنِهِ سَلَّمَ الْأَلْفَ كُلَّهُ لِلْآخَرِ. وَلَوْ أَنَّ رَجُلَيْنِ ادَّعَيَا دَارًا وَأَقَامَا الْبَيِّنَتَيْنِ، فَقَضَى الْقَاضِي لِكُلِّ وَاحِدٍ بِنِصْفِهَا ثُمَّ إنَّ أَحَدَهُمَا تَرَكَ دَعْوَاهُ لَا يُسَلَّمُ لِلْآخَرِ إلَّا النِّصْفُ. وَالْفَرْقُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ تَعَيَّنَ فِي نِصْفِ الدَّارِ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ أَثْبَتَ الْجَمِيعَ لِنَفْسِهِ وَالْعَيْنُ ضَاقَتْ عَنْ جَمِيعِهِمَا، فَصَارَ حَقُّ كُلِّ وَاحِدٍ نِصْفَهُ، فَإِذَا تَرَكَ أَحَدُهُمَا الدَّعْوَى لَمْ يَسْتَحِقَّ الْآخَرُ أَكْثَرَ مِنْ حَقِّهِ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْغَرِيمَانِ، لِأَنَّ حَقَّهُمَا ثَبَتَ فِي الذِّمَّةِ، وَالذِّمَّةُ تَسَعُ الْحُقُوقَ كُلَّهَا فَيَثْبُتُ لِكُلِّ وَاحِدٍ أَلْفٌ فِي ذِمَّتِهِ، وَتَعَذُّرُ اسْتِيفَاءِ بَعْضِهِ لَا يُسْقِطُهُ فَبَقِيَ حَقُّهُ بِكَمَالِهِ، فَإِذَا أَبْرَأَ أَحَدَهُمَا صَارَ كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ، وَقَدَرَ الْآخَرُ عَلَى اسْتِيفَاءِ جَمِيعِ دُيُونِهِ فَكَانَ لَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ. وَوَجْهٌ آخَرُ أَنَّ الْقَاضِيَ لَمَّا قَضَى بِنِصْفِ الدَّارِ فَقَدْ فَسَخَ عَقْدَهُ فِي بَعْضِهِ،

стр. 648

وَلِلْقَاضِي اجْتِهَادٌ فِي فَسْخِ الْعُقُودِ وَإِجَازَتِهَا، فَإِذَا فَسَخَ انْفَسَخَ، فَلَا يَعُودُ مِنْ غَيْرِ تَجْدِيدٍ. وَأَمَّا فِي مَسْأَلَةِ الدَّيْنِ فَلَيْسَ لِلْقَاضِي وِلَايَةٌ فِي إبْطَالِ الدَّيْنِ وَلَا اجْتِهَادٌ لَهُ فِيهَا، فَلَمْ يُبْطِلْ حَقَّ كُلِّ وَاحِدٍ عَمَّا اسْتَوْجَبَهُ فَبَقِيَ جَمِيعُ دَيْنِهِ إلَّا أَنَّهُ نُقِضَ لِأَجْلِ الْمُزَاحَمَةِ، وَقَدْ ارْتَفَعَتْ الْمُزَاحَمَةُ بِالْهِبَةِ فَسَلَّمَ الْجَمِيعَ لِلْآخَرِ، كَأَحَدِ الشَّفِيعَيْنِ إذَا سَلَّمَ الشُّفْعَةَ سَلَّمَ الْجَمِيعَ لِلْآخَرِ، كَذَلِكَ هَذَا. ٧٦٧ - الْعَبْدُ الْمَأْذُونُ إذَا رَكِبَتْهُ الدُّيُونُ فَبَاعَ شَيْئًا مِمَّا فِي يَدِهِ مِنْ مَوْلَاهُ بِمِثْلِ قِيمَتِهِ جَازَ. وَالْمَرِيضُ إذَا كَانَ عَلَيْهِ دُيُونٌ فَبَاعَ شَيْئًا مِنْ وَارِثِهِ بِمِثْلِ قِيمَتِهِ لَمْ يَجُزْ. وَالْفَرْقُ أَنَّ لِلْمَوْلَى أَنْ يَفْدِيَ عَبْدَهُ وَمَا فِي يَدِهِ بِقَضَاءٍ دَيْنًا وَيَمْلِكَهُ بِالْفِدَاءِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَضَى جَمِيعَ دَيْنِهِ مَلَكَ جَمِيعَ الرَّقَبَةِ، وَمَا فِي يَدِهِ فَهُوَ بِالْفِدَاءِ يَنْقُلُ حَقَّهُمْ مِنْ الْعَيْنِ إلَى الْبَدَلِ، فَسَلَّمَ لَهُ مَا فِي يَدِهِ بِالْفِدَاءِ لَا بِالشِّرَاءِ فَجَازَ أَنْ يُسَلَّمَ لَهُ. وَأَمَّا فِي الْمَرِيضِ فَالْوَارِثُ لَا يَمْلِكُ مَالَ مُوَرِّثِهِ مِنْ تَرِكَتِهِ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْوَارِثَ لَوْ قَضَى جَمِيعَ دَيْنِهِ فِي حَالِ حَيَاتِهِ لَمْ يَمْلِكْ شَيْئًا مِنْ تَرِكَتِهِ، فَإِذَا لَمْ يَمْلِكْهُ الْوَرَثَةُ بِالْفِدَاءِ صَارَ تَمْلِيكُهُ بِالشِّرَاءِ، وَفِي الشِّرَاءِ مِنْهُ تَخْصِيصٌ لَهُ بِالْعَيْنِ، وَالتَّخْصِيصُ بِالْعَيْنِ مِمَّا يَصِحُّ الْإِيصَاءُ بِهِ، فَإِذَا فَعَلَهُ فِي الْمَرَضِ كَانَ

стр. 649

وَصِيَّةً، وَلَا وَصِيَّةَ لِلْوَارِثِ فَلَمْ يَجُزْ. ٧٦٨ - إذَا كَانَ عَلَى الْمَأْذُونِ دِينٌ فَأَقَرَّ بِشَيْءٍ بِعَيْنِهِ فِي يَدِهِ أَنَّهُ لِفُلَانٍ جَازَ إقْرَارُهُ وَكَانَ أَوْلَى مِنْ الْغُرَمَاءِ. وَلَوْ أَقَرَّ الْمَرِيضُ بِعَيْنٍ فِي يَدِهِ لِإِنْسَانٍ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ لَمْ يَكُنْ الْمُقَرُّ لَهُ بِالْعَيْنِ أَوْلَى. وَالْفَرْقُ أَنَّ حَجْرَ الْمَرِيضِ آكَدُ مِنْ حَجْرِ الْمَأْذُونِ فِي حَقِّ الْغُرَمَاءِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ بَاعَ الْمَأْذُونَ بِمُحَابَاةٍ قَلِيلَةٍ جَازَ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يَجُوزُ بِالْمُحَابَاةِ الْكَثِيرَةِ أَيْضًا، فَجَازَ أَنْ يَنْفُذَ إقْرَارُهُ عِنْدَ ضَعْفِ الْحَجْرِ وَإِنْ لَمْ يَنْفُذْ عِنْدَ مَوْتِهِ. ٧٦٩ - وَإِذَا أَذِنَ لِعَبْدِهِ فِي التِّجَارَةِ فَقَالَ لِرَجُلٍ: أَقْرَرْتُ لَك بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَأَنَا مَحْجُورٍ عَلَيَّ، وَقَالَ ذَلِكَ الرَّجُلُ: كُنْت مَأْذُونًا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُقَرِّ لَهُ، وَيَلْزَمُهُ الْمَالُ. وَلَوْ أَنَّ صَبِيًّا بَلَغَ فَقَالَ: أَقْرَرْت لَك وَأَنَا صَبِيٌّ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، وَقَالَ الْمُقَرُّ لَهُ: لَا بَلْ أَقْرَرْتُ وَأَنْتَ بَالِغٌ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُقِرِّ. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ إقْرَارَهُ فِي حَالِ الْحَجْرِ يُوجِبُ الْمَالَ، إلَّا أَنَّهُ يَتَأَخَّرُ إلَى وَقْتِ الْحُرِّيَّةِ فَقَدْ أَقَرَّ بِوُجُوبِ الْمَالِ عَلَيْهِ فِي الْحَالِ فَادَّعَى تَأْخِيرَهُ إلَى غَايَةٍ، فَلَمْ يُصَدَّقْ عَلَى دَعْوَى الْأَجَلِ، كَمَا لَوْ قَالَ: لَك عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ، قَدْ أَجَّلْتنِي فِيهَا. وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا قَالَ: أَقْرَرْتُ وَأَنَا صَبِيٌّ، لِأَنَّ إقْرَارَهُ فِي حَالِ الصِّبَا لَا

стр. 650

يُوجِبُ الضَّمَانَ، فَلَمْ يُقِرَّ بِمَا يُوجِبُ الضَّمَانَ، وَإِنَّمَا أَضَافَ الْإِقْرَارَ إلَى حَالَةٍ لَوْ وُجِدَ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حُكْمٌ، كَذَلِكَ إذَا أَضَافَهُ إلَيْهِ. [فَصْلٌ اشْتَرَى الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ عَبْدًا فَأَجَازَهُ الْمَوْلَى] فَصْلٌ ٧٧٠ - إذَا اشْتَرَى الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ عَبْدًا فَأَجَازَهُ الْمَوْلَى جَازَ. وَلَوْ أَنَّ حُرًّا اشْتَرَى لِغَيْرِهِ عَبْدًا بِغَيْرِ إذْنِهِ فَأَجَازَهُ الْمُشْتَرَى لَهُ لَمْ يَجُزْ. وَالْفَرْقُ أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَقْدِرُ عَلَى إيجَابِ الْمِلْكِ لِنَفْسِهِ بِعَقْدِهِ إذَا كَانَ مَحْجُورًا، فَإِذَا عَقَدَ عَقْدًا لَمْ يَنْفُذْ عَلَيْهِ، فَوَقَفَ عَلَى إجَازَةِ الْمَوْلَى، فَإِذَا أَجَازَهُ جَازَ. وَفِي الْأَجْنَبِيِّ هُوَ يَقْدِرُ عَلَى إيجَابِ الْمِلْكِ لِنَفْسِهِ بِعَقْدِهِ، فَلَمَّا وَجَدَ الْعَقْدُ نَفَاذًا نَفَذَ عَلَى الْمُشْتَرِي، فَصَارَ يُجِيزُ الْعَقْدَ بَعْدَ نُفُوذِهِ، فَلَمْ تَعْمَلْ إجَازَتُهُ، كَمَا لَوْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ عَنْ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، ثُمَّ أَجَازَهُ لَمْ تَعْمَلْ إجَازَتُهُ، كَذَلِكَ هَذَا. ٧٧١ - الْمَأْذُونُ إذَا كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَبَاعَ شَيْئًا مِمَّا فِي يَدَيْهِ بِغَبْنٍ يَسِيرٍ جَازَ، وَكَذَلِكَ الْمُكَاتَبُ، وَكَذَلِكَ الْأَبُ وَالْجَدُّ وَالْوَصِيُّ وَالْقَاضِي إذَا بَاعُوا مَالَ الْيَتِيمِ وَكَذَلِكَ الْمُضَارِبُ وَشَرِيكُ الْعَنَانِ وَالْمُفَاوِضُ إذَا بَاعَ مِنْ أَجْنَبِيٍّ بِمُحَابَاةٍ يَسِيرَةٍ جَازَ. فَإِنْ بَاعَ الْمَأْذُونُ مِنْ مَوْلَاهُ بِغَبْنٍ يَسِيرٍ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ لَمْ يَجُزْ، وَكَذَلِكَ الْمُضَارِبُ إذَا بَاعَ مَالِ الْمُضَارَبَةِ مِنْ رَبِّ الْمَالِ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ لِلْمُضَارَبَةِ بِغَبْنٍ يَسِيرٍ لَمْ يَجُزْ،

стр. 651

وَكَذَلِكَ الْمَرِيضُ إذَا بَاعَ مَا فِي يَدَيْهِ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ بِغَبْنٍ يَسِيرٍ لَمْ يَجُزْ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسَائِلِ أَنَّ حَقَّ الْغُرَمَاءِ تَعَلَّقَ بِعَيْنِ مَالِ الْمَرِيضِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ أَرَادَ أَنْ يَتَبَرَّعَ بِهِ لَمْ يَجُزْ، وَكَذَلِكَ حَقُّ الْغُرَمَاءِ تَعَلَّقَ بِعَيْنِ مَا فِي يَدِ الْمَأْذُونِ، وَكَذَلِكَ الْمُضَارِبُ وَصَارَ الْمُضَارِبُ وَالْعَبْدُ وَالْمَرِيضُ مَحْجُورًا عَلَيْهِ فِي حَقِّ الْمَوْلَى وَرَبِّ الْمَالِ وَسَائِرِ النَّاسِ لَا تَلْحَقُهُ التُّهْمَةُ فِي حَقِّهِمْ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ تَصَرُّفُهُ مَعَ هَؤُلَاءِ عَلَى وَجْهِ نَقْلِ الْحَقِّ مِنْ مِلْكِ مَحَلٍّ إلَى مَحَلٍّ فَإِنْ نَقَلَ الْجَمِيعَ لَا تَلْحَقُهُ التُّهْمَةُ فَجَازَ، وَقَامَ الثَّانِي مَقَامَ الْأَوَّلِ، وَإِنْ نَقَلَ الْبَعْضَ دُونَ الْبَعْضِ لَحِقَتْهُ التُّهْمَةُ فِيهِ فَلَمْ يَجُزْ، فَإِذَا بَلَغَ بِغَبْنٍ يَسِيرٍ مِنْ هَؤُلَاءِ وَقَدْ نَقَلَ الْبَعْضَ دُونَ الْبَعْضِ فَلَحِقَتْهُ التُّهْمَةُ فَلَمْ يَجُزْ، وَأَمَّا إذَا بَاعُوا مِنْ الْأَجَانِبِ فَلَا تَلْحَقُهُمْ التُّهْمَةُ فِي حَقِّهِمْ، فَلَمْ يَكُنْ جَوَازُ تَصَرُّفِهِ بِحَقِّ النَّقْلِ، وَإِنَّمَا هُوَ بِحُكْمِ التِّجَارَةِ، فَإِذَا بَاعَ وَلَمْ تَلْحَقْهُ التُّهْمَةُ جَازَ. وَأَمَّا الْمَأْذُونُ وَالْأَبُ وَالْجَدُّ وَالْقَاضِي فَجَوَازُ تَصَرُّفِهِمْ لَيْسَ هُوَ عَلَى وَجْهِ النَّقْلِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا تَلْحَقُهُمْ التُّهْمَةُ فِي حَقِّ الْأَجَانِبِ وَإِنَّمَا لَهُمْ حَقُّ التَّصَرُّفِ عَلَى

стр. 652

وَجْهِ الِاحْتِيَاطِ، وَالِاحْتِيَاطُ مَا يَكُونُ مِنْ فِعْلِ التُّجَّارِ، وَهَذَا أُخِذَ عَلَيْهِ عِنْدَ التِّجَارَةِ، فَإِذَا بَاعَهُ بِهِ وَهُوَ مِمَّا يَكُونُ تَنَاوَلَهُ تَلْحَقهُ شَيْئًا وَلَمْ تَلْحَقْهُ التُّهْمَةُ جَازَ، وَإِذَا ظَهَرَ الْغَبْنُ وَهُوَ لَيْسَ يَأْخُذُ ثَمَنَهُ، فَصَارَ تَارِكًا لِلِاحْتِيَاطِ فَلَمْ يَجُزْ تَصَرُّفُهُ، وَأَمَّا إذَا بَاعَ الْمَأْذُونُ بِغَبْنٍ كَثِيرٍ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ يَجُوزُ، لِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ لِنَفْسِهِ بِفَكِّ الْحَجْرِ، فَصَارَ كَالْحُرِّ الصَّحِيحِ.

стр. 653

[كِتَابُ الدِّيَاتِ وَالْجِنَايَاتِ] ٧٧٢ - إذَا ضَرَبَ سِنَّ رَجُلٍ فَاسْوَدَّتْ فَقَالَ الضَّارِبُ: اسْوَدَّتْ مِنْ مَرَضٍ جَدَّ فِيهَا بَعْدَ ضَرْبِي وَكَذَّبَهُ الْمَضْرُوبُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَضْرُوبِ مَعَ يَمِينِهِ. وَلَوْ شَجَّهُ مُوضِحَةً فَصَارَتْ مُنَقِّلَةً، فَقَالَ الْمَضْرُوبُ: إنَّمَا صَارَتْ مُنَقِّلَةً مِنْ ضَرْبِك، وَقَالَ الضَّارِبُ: إنَّمَا صَارَتْ مُنَقِّلَةً مِنْ شَيْءٍ آخَرَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الضَّارِبِ. وَالْفَرْقُ أَنَّ السَّوَادَ إذَا وُجِدَ عَقِيبَ الضَّرْبِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ وَقَعَ مِنْهُ، فَإِذَا قَالَ: إنَّهُ وَقَعَ مِنْ غَيْرِهِ، فَقَدْ ادَّعَى خِلَافَ الظَّاهِرِ فَلَا يُصَدَّقُ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ الشَّجَّةُ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْمُوضِحَةَ لَا تَصِيرُ مُنَقِّلَةً بِنَفْسِهَا، لِأَنَّ الْمُنَقِّلَةَ أَنْ تَنْقُلَ الْعَظْمَ مِنْ مَحَلٍّ إلَى مَحَلٍّ آخَرَ، وَهُوَ لَا يَحْصُلُ بِغَيْرِ فِعْلِ أَحَدٍ، وَإِنَّمَا تَصِيرُ مُنَقِّلَةً بِفِعْلٍ آخَرَ، فَصَارَ الضَّارِبُ يَدَّعِي وَالظَّاهِرُ مَعَهُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، وَالْمَضْرُوبُ يَدَّعِي خِلَافَ الظَّاهِرِ فَلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ. ٧٧٣ - إذَا أَقَرَّ أَنَّهُ قَتَلَ رَجُلًا عَمْدًا، وَادَّعَى الْمَوْلَى الْخَطَأَ فَلَا شَيْءَ لِلْوَلِيِّ.

стр. 654

وَلَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ قَتَلَ رَجُلًا خَطَأً، وَادَّعَى الْوَلِيُّ أَنَّهُ قَتَلَهُ عَمْدًا لَزِمَهُ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ اسْتِحْسَانًا. وَالْفَرْقُ أَنَّهُ إذَا أَقَرَّ بِالْعَمْدِ وَادَّعَى الْوَلِيُّ الْخَطَأَ فَفِي زَعْمِ الْقَاتِلِ أَنَّ الْقِصَاصَ وَاجِبٌ وَلَوْ صَدَّقْنَا الْوَلِيَّ فَأَوْجَبْنَا الدِّيَةَ لَنَقَلْنَا الْقِصَاصَ إلَى الْمَالِ، بِقَوْلِ الْوَلِيِّ وَهَذَا لَا يَجُوزُ، كَمَا لَوْ اتَّفَقَا عَلَى الْعَمْدِ ثُمَّ أَرَادَ الْوَلِيُّ أَخْذَ الدِّيَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا أَقَرَّ بِالْخَطَأِ، لِأَنَّ فِي زَعْمِ الْمُدَّعِي أَنَّ الْقِصَاصَ وَاجِبٌ فَلَوْ أَوْجَبْنَا الدِّيَةَ لَنَقَلْنَا الْقِصَاصَ إلَى الْمَالِ بِقَوْلِ الْقَاتِلِ، وَهَذَا جَائِزٌ كَمَا لَوْ ادَّعَى الْقَاتِلُ فِي شُبْهَةٍ. ٧٧٤ - إذَا وُجِدَ الْقَتِيلُ فِي السَّفِينَةِ فَالْقَسَامَةُ عَلَى سُكَّانِ السَّفِينَةِ وَرُكَّابِهَا وَكُلِّ مَنْ فِيهَا، وَلَوْ وُجِدَ الْقَتِيلُ فِي الْمَحَلَّةِ فَالْقَسَامَةُ عَلَى أَهْلِ الْخُطَّةِ دُونَ السُّكَّانِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀. وَالْفَرْقُ أَنَّ حَقِيقَةَ الْيَدِ ثَبَتَتْ عَلَى السَّفِينَةِ، بِدَلِيلِ أَنَّهَا تَغْرَمُ بِالْغَصْبِ، وَيُمْكِنُ نَقْلُهَا وَتَحْوِيلُهَا، فَقَدْ ثَبَتَ لَهُمْ حَقِيقَةُ الْيَدِ فِيهَا فَاخْتَصُّوا بِالتَّصَرُّفِ فِي مَحَلِّ

стр. 655

الْقَتْلِ، فَاخْتَصُّوا بِتَحَمُّلِ الْقَسَامَةِ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْمَحَلَّةُ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ نَقْلُهَا أَوْ تَحْوِيلُهَا حَتَّى قُلْنَا لَا يَغْرَمُ الْعَقَارُ، بِالْغَصْبِ وَصَاحِبُ الْيَدِ هُوَ الْمُتَصَرِّفُ فِي الدَّارِ بِإِسْكَانِهِ فِيهَا، فَلَمْ يَخْتَصُّوا بِالتَّصَرُّفِ فِي مَحَلِّ الْقَتِيلِ، فَلَمْ يَخْتَصُّوا بِتَحَمُّلِ الْقَتْلِ. وَفَرْقٌ آخَرُ: أَنَّ تَدْبِيرَ الْمَحَلَّةِ وَالتَّصَرُّفَ فِيهَا إنَّمَا يَكُونُ إلَى أَرْبَابِ الْخُطَّةِ وَالسُّكَّانُ كَالْمُتَصَرَّفِينَ مِنْ جِهَتِهِمْ، فَصَارُوا كَالْعَبِيدِ وَالْمُكَاتَبِينَ، فَإِنَّ الْقَسَامَةَ لَا تَجِبُ عَلَى الْعَبِيدِ وَالْمُكَاتَبِينَ، كَذَلِكَ هَذَا. وَلَيْسَ كَذَلِكَ السَّفِينَةُ، لِأَنَّ التَّصَرُّفَ فِيهَا إنَّمَا يَكُونُ إلَى السُّكَّانِ وَالْمَلَّاحِينَ دُونَ الْمُلَّاكِ، بِدَلِيلِ أَنَّهَا تَجْرِي بِأَمْرِهِمْ وَهُمْ الْمُتَصَرِّفُونَ فِيهَا، فَاخْتُصُّوا بِتَحَمُّلِ مَا يَجِبُ فِيهَا، وَلِأَنَّهُ لَا حُكْمَ لِمَحَلِّ السَّفِينَةِ، بِدَلِيلِ أَنَّا لَوْ عَلَّقْنَا الْحُكْمَ بِالْمَحَلِّ لَأَبْطَلْنَاهُ، لِأَنَّ الْبَحْرَ لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ قَهْرِ أَحَدٍ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لِمَحَلِّهَا حُكْمٌ، صَارَ الْحُكْمُ لِلسَّفِينَةِ، وَالسُّكَّانُ هُمْ الْمُخْتَصُّونَ بِالتَّصَرُّفِ فِي السَّفِينَةِ، فَاخْتُصُّوا بِتَحَمُّلِ الْقَسَامَةِ وَالدِّيَةِ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْمَحَلَّةُ، لِأَنَّ لِمَكَانِ الدَّارِ حُكْمًا وَهُوَ دَارُ الْإِسْلَامِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَدْخُلُ تَحْتَ الْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ، وَحُكْمُهَا مُعَلَّقٌ بِأَهْلِ الْخُطَّةِ، وَالْحُكْمُ إذَا عُلِّقَ

стр. 656

بِجِهَةٍ فَمَا لَمْ تَنْقَطِعْ تِلْكَ الْجِهَةُ لَا يُنْقَلُ عَنْهَا إلَى غَيْرِهَا كَالْغَصْبِ. ٧٧٥ - إذَا قَطَعَ الرَّجُلُ مَفْصِلًا مِنْ أُصْبُعِ رَجُلٍ، وَاقْتَصَّ مِنْهُ وَبَرِئَ، ثُمَّ قَطَعَ أَحَدُهُمَا بَاقِي أُصْبُعِ صَاحِبِهِ فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ. وَلَوْ قَطَعَ يَدَ رَجُلٍ مِنْ الْمَفْصِلِ فَاقْتَصَّ مِنْهُ وَبَرِئَ، ثُمَّ إنَّ أَحَدَهُمَا قَطَعَ ذِرَاعَ صَاحِبِهِ مِنْ تِلْكَ الْيَدِ فَلَا قِصَاصَ فِيهِ وَإِنْ كَانُوا سَوَاءً. وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمُسَاوَاةَ مُعْتَبَرَةٌ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ، وَلَمْ يُوجَدْ فِي الذِّرَاعِ، لِأَنَّ الْمُسَاوَاةَ إنَّمَا تُعْرَفُ بِوُجُوبِ تَقْدِيرٍ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ، وَلَمْ يَرِدْ، فَلَمْ تُوجَدْ الْمُسَاوَاةُ، فَلَا يَجِبُ الْقِصَاصُ. وَفِي الْأُصْبُعِ وَرَدَ الشَّرْعُ بِتَقْدِيرٍ، لِأَنَّهُ يَجِبُ فِي الْمَفْصِلَيْنِ ثُلُثَا الدِّيَةِ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ بَدَلٌ مَعْلُومٌ، فَاسْتَوَيَا فِي أَنْفُسِهِمَا لِاسْتِوَاءِ بَدَلِهِمَا وَصِفَتِهِمَا، فَوَجَبَ الْقِصَاصُ بَيْنَهُمَا. ٧٧٦ - أَرْضٌ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ رَجُلَيْنِ أَوْقَفَ أَحَدُهُمَا دَابَّتَهُ فِيهَا بِغَيْرِ إذْنِ شَرِيكِهِ فَأَصَابَتْ إنْسَانًا بِيَدٍ أَوْ رِجْلٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ. وَلَوْ حَفَرَ فِيهَا بِئْرًا بِغَيْرِ إذْنِ شَرِيكِهِ فَوَقَعَ فِيهَا إنْسَانٌ فَمَاتَ ضَمِنَ نِصْفَ دِيَتِهِ. وَالْفَرْقُ أَنَّ لَهُ أَنْ يَرْتَفِقَ بِالْأَرْضِ الْمُشْتَرَكَةِ بِهَذَا الْقَدْرِ مِنْ غَيْرِ إذْنِ شَرِيكِهِ،

стр. 657

أَلَا تَرَى أَنَّ لَهُ أَنْ يَسْكُنَ نِصْفَ تِلْكَ الْبُقْعَةِ وَإِنْ لَمْ يَقْسِمْ أَيْضًا فَهُوَ بِالْإِيقَافِ غَيْرُ جَائِزٍ، وَإِذَا لَمْ يَجُزْ لَا يَغْرَمُ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْبِئْرُ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِأَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ حَفْرُ الْبِئْرِ فِي الْمَوْضِعِ الْمُشْتَرَكِ، لِأَنَّهُ بِالْحَفْرِ يَهْدِمُ الْأَرْضَ، فَصَارَ هَدْمُ السُّفْلِ كَهَدْمِ الْعُلْوِ، وَهَدْمُ الْعُلْوِ جِنَايَةٌ، كَذَلِكَ السُّفْلُ فَصَارَ مُتَعَدِّيًا فِيهِ فَغَرِمَ مَا تَلِفَ بِهِ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مِلْكٌ، وَإِذَا كَانَتْ الْجِنَايَةُ بِالْحَفْرِ وَالْحَفْرُ نِصْفُهُ فِي مِلْكِهِ وَنِصْفُهُ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ فَغَرِمَ نِصْفَهُ، وَلَمْ يَغْرَمْ النِّصْفَ الْبَاقِيَ. ٧٧٧ - إذَا رَمَحَتْ دَابَّةٌ وَهِيَ تَمْشِي فِي طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ، وَصَاحِبُهَا رَاكِبٌ عَلَيْهَا فَلَا ضَمَانَ عَلَى الرَّاكِبِ وَلَا يُجْعَلُ كَأَنَّهُ بَاشَرَ الْإِتْلَافَ بِنَفْسِهِ. وَقَالَ فِي الزِّيَادَاتِ: إذَا رَكِبَ مُشْرِكٌ وَسَاقَ دَابَّتَهُ وَسَيَّرَهَا فِي مُعَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ فَنَفَحَتْ الدَّابَّةُ وَصَاحِبُهَا رَاكِبُهَا فَنَفَحَتْ بِرِجْلِهَا أَوْ بِيَدِهَا فَقَتَلَتْ مُسْلِمًا لَمْ يُغَسَّلْ وَجُعِلَ كَأَنَّ الْمُشْرِكَ بَاشَرَ الْقَتْلَ بِنَفْسِهِ. وَالْفَرْقُ أَنَّهُ مُتَسَبِّبٌ فِي إتْلَافِهِ، وَكَوْنُهُ شَهِيدًا مُتَعَلِّقٌ بِوُجُوبِ سَبَبٍ مِنْ جِهَتِهِ يَقَعُ التَّلَفُ بِتِلْكَ الْجِهَةِ لَا بِمُبَاشَرَتِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ رَمَى هَذَا

стр. 658

الْكَافِرُ بِنَارٍ فَذَهَبَتْ يَمِينًا وَشِمَالًا فَأَحْرَقَتْ مُسْلِمًا لَمْ يُغَسَّلْ، لِكَوْنِهِ مُتَسَبِّبًا. وَأَمَّا فِي الضَّمَانِ فَإِنَّمَا يَجِبُ لِكَوْنِهِ مُتْلِفًا، وَلَمْ يُوجَدْ إتْلَافٌ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ أَوْقَدَ نَارًا فِي مِلْكِ نَفْسِهِ فَأَحْرَقَتْ مِلْكَ جَارِهِ لَمْ يَضْمَنْ، وَلَمْ يُجْعَلْ مُبَاشِرًا، كَذَلِكَ هَذَا، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ.

стр. 659

[مَسَائِل مُتَفَرِّقَة] ٧٧٨ - إذَا أُغْمِيَ عَلَى الْإِمَامِ لَمْ يَجُزْ لِلْقَوْمِ الِاسْتِخْلَافُ. وَإِذَا سَبَقَهُ الْحَدَثُ فَانْصَرَفَ وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ الْمَسْجِدِ بَعْدُ فَقَدَّمَ الْقَوْمُ رَجُلًا جَازَ. وَالْفَرْقُ أَنَّ الْإِمَامَ لَمَّا أُغْمِيَ عَلَيْهِ انْتَقَضَتْ طَهَارَتُهُ وَلَمْ يُمْكِنْهُ الِانْصِرَافُ عَقِيبَهُ وَقَدْ بَقِيَ عَلَى مَكَانِهِ بَعْدَ انْتِقَاضِ طَهَارَتِهِ، وَلَوْ سَبَقَهُ الْحَدَثُ وَلَمْ يَنْصَرِفْ وَمَكَثَ سَاعَةً فِي مَكَانِهِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، كَذَلِكَ هَذَا. وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا سَبَقَهُ الْحَدَثُ فَانْصَرَفَ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الْبِنَاءُ وَقَدْ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِ الِاسْتِخْلَافُ لِتَصِحَّ صَلَاةُ الْقَوْمِ، فَإِذَا لَمْ يَسْتَخْلِفْ صَارَ كَالْإِذْنِ لَهُمْ فَوَقَعَ اسْتِخْلَافُهُمْ وَلَوْ اسْتَخْلَفَ جَازَ، فَكَذَلِكَ الْقَوْمُ. [مَسْأَلَة رَجُلٌ وَكَّلَ رَجُلًا بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فَفَعَلَ غَيْرُهُ فَأَجَازَ الْمُوَكِّلُ] مَسْأَلَة ٧٧٩ - لَوْ أَنَّ رَجُلًا وَكَّلَ رَجُلًا بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فَفَعَلَ غَيْرُهُ فَأَجَازَ الْمُوَكِّلُ جَازَ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ. وَلَمْ يَجُزْ فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ هَكَذَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ ﵀. وَالْفَرْقُ أَنَّ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ يُجَوِّزَانِ تَدْبِيرَهُ، وَقَدْ وُجِدَ تَدْبِيرُهُ. وَأَمَّا فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ فَلَا يَحْتَاجَانِ إلَى تَدْبِيرٍ، بَلْ عُلِّقَ بِقَوْلِهِ، فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ: إنْ قُلْت أَنْتِ طَالِقٌ فَهِيَ طَالِقٌ، فَإِذَا قَالَ غَيْرُهُ فَأَجَازَهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ الْقَوْلُ بِالطَّلَاقِ، فَلَمْ يَفْعَلْ مَا أَمَرَهُ، فَلَمْ يَقَعْ