← История

История · id 8184

أخبار الراضي بالله والمتقي لله = تاريخ الدولة العباسية

الصولي

Полный текст (285 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

دينار كلها لي ولعيالي، ما لأحد فيها شيء إلا لأبي الحسين بن القشوري فإن صاحباً له يعرف بابن الرايض كان معه سرج له فتركه في داري وكان يسكن عندي ليرجع فيأخذه، فنهب فوالله ما اكتسيت ولا عيالي إلى وقتنا هذا، وإني لفقير مذ ذاك لا رزق لي ولا اتصال بمن يصلني وينفعني، أتقوت أثمان دفاتري وثمن بستان لي كان عيشي وجنتي، كل ذلك بشؤم مجاورة الترجمان لي. فسبحان من أفقرني وأغنى غيري من جيرانه حتى اعتقد به العقد وبعت عقدتي، وملك أمواله وذهب مالي!. وأعجب من هذا كله أني ظننته أنه سيترثى لي مما جرى علي إذا عرف أمري، فلما عاد إلى داره ناصبني العداوة، وأراد مني أن يملك ما يجاوره من دوري، ويتسع به وبعشر ثمنه، وأن يشتري بستاني بدوران وقد أعطيت به نحو عشرة آلاف درهم، فراسلني في ذلك مرات فقلت لأبي الحسين القشوري - ولم يكن معه من يشبهه دراية وفهماً - صاحبك هذا مجنون حين يعطيني هذا العطية. فقال لي: كذا قومه بعض جيرانك له. وزعم أنه أكثر ما أعطى به. قلت فلم لا تصدقه أنت؟ قال: الذي قال له ذاك أخص به مني، وآثر عنده. ولقد استدعى في أول ما جاورني مخالطتي وأن أنغمس في أموره فأبيت ذلك خوفاً من العواقب. ولقد كلفني غير مرة أن أشتري له أشياء وأكتبها باسمي أو اسم من أثق به لئلا يعلم أنه هو المشتري، فأبيت ذلك عليه منذ أيام بجكم، لما في مثل هذا من عاقبة السوء، ووجد غيري ممن يريد هذا ويتمناه ويتصنع له.

стр. 212

ولولا خوفي من إطالة الكتاب بما لا يحتاج الناس إليه، ولا يبالغون بعلمه لذكرت ما أتفرج به فإني كالمصدور، يستريح إلى النفث وكالإناء ينضح بما فيه. والحمد الله على كل حال وهو حسبي وعليه متكلي، وأقول ما قاله عبد الله بن طالب الكاتب وأنشدنيه لنفسه: أحَلْتُ بِرِزْقِي عَلَى رازِقِي ... وَوَكَّلْتُ أَمْرِي إِلَى خالِقِي وَقَدْ أَحْسَنَ اللهُ فِيما مَضَى ... كَذَلِكَ يُحْسِنُ فِيما بَقَي وقد أتيت على جميع ما كان من الحوادث في سنة تسع وعشرين إلى انقضائها. فلم يبق إلا ذكر من توفي فيها من أهل العلم الذين كان الناس ينتفعون بحياتهم، فأما الجهال فلا نبالي بأغنيائهم ولا فقرائهم. ومن أهل الشرف والفضل توفي ابن الفدان العلوي يوم الأحد لسبع خلون من شعبان وحمل فدفن بالحير. وقبل موته بأيام مات البربهاري، فسبحان من سر المؤمنين بموته وفجعهم بموت ابن الفدان وهو في وقته من أكرم الأشراف وأسمحهم كفاً. وتوفي القاضي أبو الأسود بن موسى بن إسحاق الأنصاري، وكان قد حدث. ومات أبو علي بن إدريس الحمال في آخر يوم من رجب، وكان من قدماء العدول وقد سمع حديثاً كثيراً، كنت أراه عند الحارث ابن أبي أسامة وكان يقدمه ويؤثره. ومات رجل يعرف بجعفر البارد وكان قد حدث، وسمع الناس

стр. 213

منه، ومات منهم رجل يعرف بالسواق في شوال. ومات منهم رجل يعرف بأبي عبد الله الأبلي، ومات المروزي المعروف بحامض رأسه، لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر رمضان، وقد سمع الناس منه حديثاً كثيراً. ومات لأربع بقين من ذي الحجة أبو بكر المعروف بابن بهلول الأزرق، وقد كان حدث وازدحم الناس عليه، وكان عالي السن وله إسناد. ثم دخلت سنة ثلاثين وثلاثمائة ألزم محمد بن القاسم الكرخي بيته، واستكتب ابن رايق أحمد بن علي الكوفي. ووافى من البصرة سفن كثيرة من سفن التمر، فرخص حتى بلغ الألف سبعة دنانير. وظهر عند إبراهيم بن أحمد بن إسماعيل صاحب خراسان ديلم فأخذوا وأفلت منهم قوم فقتلهم العامة، وظهر على كورتكين لثمان ليال خلون من المحرم في دور سليمان، فأوصل إلى ابن رايق فوبخه وسلمه إلى دار السلطان، وكاتبت أخته ابن رايق وسألته أن يؤمنها فآمنها، فصارت إلى أخيها كورتكين وطولبا بأموال، وضرب كورتكين، وأخذ منه مال قليل وقال كل شيء كنت أفيده كنت أعطيه الديالم. وقد صدق في هذا ما كان يدخر شيئاً. وانحدر ابن رايق إلى واسط لإحدى عشرة ليلة

стр. 214

خلت من المحرم بعد أن فرق على جلسائه جملة دنانير فكان ممن نادمه في ذلك الوقت على بن هارون المنجم فأمر له بألف دينار، وصرت أنا إليه لأودعه وهو في الزبيدية فقال لي ألست معي في هذا السفر؟ قلت إن أمر الأمير، فجذب الدواة ووقع لي بخمسمائة دينار بخطه فقلت لأبي عبد الله الكوفي إلى من هذه؟ فقال إلى أبي بكر بن مقاتل. وانحدر من ليلته وبكرت بالرقعة إلى ابن مقاتل فقال هذه مبهمة يعطي خمسمائة دينار مبهمة، ولو كانت إلي لخاطبني. فأخذتها وانحدرت من وقتي إلى المداين فعرضتها عليه فوقع: يا أبا بكر أطال الله بقاءك ادفع إليه خمسمائة دينار، فدفع إلي مائة وخمسين ديناراً، وقال أنا أدفع إليك الباقي بواسط فأضفت إلى ما أعطاني مثله، وتحملت وخرجت إلى واسط فما دفع إلى ابن مقاتل شيئاً، وكلما وقع إليه بتوقيع قال أفعل ونحن في إضافة إلى أن صالح البريديين وشخص عن واسط، ولزمتني مؤن أحوجتني إلى أن بعت شيئاً كان لي بالبصرة وأنفقته انتظاراً لوعده، فما وفى بشيء، ولا أطلق لي درهماً واحداً، فجئت إليه في اليوم الذي صاعد فيه وقد تقدمه ابن مقاتل إلى بغداد، فقلت أنهضني أعز الله الأمير إلى بغداد كما أخرجني أمرك عنها، قال الحقني بنهر سابس، فعلمت أنه لا يفعل شيئاً فجلست مضطراً. ووافى أبو الحسين فصرت إليه فأكرمني وقربني، وكذلك أبو يوسف وتكفل بأمري كله، ووصلني سراً وعلانية أبو القاسم عبد الله بن أبي عبد الله الوزير، وأما الوزير أبو عبد الله فإني لم أجده كما عهدت، على أني نكبت بعده، إلا أني

стр. 215

أرجع منه إلى عشرة ثم إن أبا الحسين لم يدعه حتى وصلني وأضاف إلى ذلك صلة منه، ووصلني أبو يوسف وأمرني بملازمته ووصفني وقال قد سألني أهل البصرة أن أقدمك عليهم، وزعموا أن علومهم مجتمعة عندك، فتضمنت له ذلك. وتغير الوزير وجعل يثلبني قوم عنده يختصون به، لست منهم في شيء، وخاصة لما شخص أبو الحسين يريد بغداد فإنه كان يكلمه في أمري ويقوم بنصرتي إلى أن حجبني أياماً، ثم أذن لي وأراد أن يمنعني من الجلوس في الجامع للناس، وتقدم بذلك إلى المعتمدي فقيل له إن الخلق كثير، وليس المنع من حديث رسول الله صلى الله عليه يحسن عند الناس. فأضرب عن ذلك وكنت أتأخر فيعتب علي وأحضر فيعنتنى فإن سأل عن شيء فأصبت فيه خالفني، وأعانته العصبة التي حوله فقال لي يوماً - ولولا أن ما أحكيه داخل في باب العلم والإفادة ما حكيته -: كم بالبصرة من قبيلة ليست بالكوفة، وكم بالكوفة من قبيلة ليست بالبصرة؟. فقلت بالبصرة المهالبة، والمسامعة، والجاروديون، وباهلة. وبالكوفة بنو أسد عدة مواضع وليس بالبصرة إلى مكان زعموا أنه سمي بغيرهم، وبها الإشاعثة. وبها المقيثون. فقال ذهب عليك الأعظم وبنو حمان بالكوفة وليس هم بالبصرة! فقلت بلى هم بالبصرة فقال كذبت، فقلت والله الذي لا إله إلا هو ما كذبت منذ عرفت قبيح الكذب، فقال يا يانس هات مائتي دينار فجاء بها في صرة، فقال إن كان

стр. 216

بالبصرة بنو حمان فهي لك وإلا غرمتك نصفها ووهبته، فقلت الوزير أعزه الله يتفضل علي ويهب لي أضعاف هذه وما كنت لآخذ على هذه الجهة شيئاً ولو كانت ألفي دينار ولكني أحدث الوزير أعزه الله بشيء يتفضل باستماعه ثم يأمر بما شاء، قال هات. قلت رميت وأنا صبي في سنة خمس وسبعين بالبصرة مع إنسان يعرف بابن طاهر الهاشمي وهو يعيش، فكان رمينا: خرجه عندي فأجذبه إلى العتيك وخرجه عنده فيجذبني إلى هدف بني حمان، ويحضرنا ألوف من الناس ولقد أنشدني ابن ذكرويه لنفسه: حِزْبُ الْعَلاءِ نَضَلْتُهُمْ فَتَرَحَّلُوا ... طابَ الرَّحِيلُ إلَى بَنِي حِمَّانِ هَذا أَبُو ساسانَ قَدْ أَشْجَاكُمُ ... ماذا لَقِيتُمْ مِنْ أَبِي ساسانِ وهؤلاء بنو المثنى وبنو عبد السلام، فأن شاء الوزير أن يستعلم هذا منهم فليفعل فما رد جواباً وأمر بدفع الدنانير. وقال لي يوماً من الذي أكل تمراً وهو رمد من إحدى عينيه فنهاه النبي صلى الله عليه، فقال إنما آكل من شق عيني الصحيحة؟ فقلت هذا صهيب، فقال أخطأت والله هذا عامر بن فهيرة. فقال له بعض من كان عنده وهو اليوم ببغداد: هذا مشهور عن عامر، فقلت أعز الله الوزير لا تلتفت إلى قول من لا يدري. حدثني عون بن محمد الكندي قال حدثنا عمرو بن عون قال أخبرنا عبد الله بن المبارك عن عبد الحميد بن صفي عن أبيه عن جده عن

стр. 217

صهيب قال قدمت على النبي صلى الله عليه وبين يديه خبز وتمر وقد رمدت إحدى عيني، فقال ادن فكل فجعلت آكل التمر فقال يا صهيب أتأكل التمر وبك رمد؟ فقلت إني أمضغ من الناحية الأخرى! فتبسم صلى الله عليه. وحدثني عون قال حدثنا يعقوب بن محمد قال حدثنا عاصم بن سويد عن ابن إسماعيل بن مجمع عن عبد الحميد بن زياد بن صهيب عن صهيب قال جئت والنبي صلى الله عليه في بيت كلثوم بن هرم بعد ما قدم من قباء بثلاث وبين أيديهم تمر أو زطب قد كاد يتمر وإحدى عيني شاكية فأكلت منه فقال لي رسول الله صلى الله عليه أتأكل التمر وبعينك ما بها؟ فقلت إنما آكل من شق عيني الصحيحة؟ فضحك رسول الله صلى الله عليه حتى بدت نواجذه. فقال أرني هذا في كتاب، فقلت ما معي أصل ثم قلت لمن يجيئني من أصحاب الحديث انظروا من عنده مسند فليجئني بمسند صهيب، فجاءوا به فحملته إليه. فقال له صاحب الكلام فلعله قد قال هذا لعامر أيضاً! فقلت هذا مسند عامر وهو كله ثلاثة أحاديث - وكنت قد استظهرت بأخذه - فنظر فلم يجد فيه شيئاً فذهب المعترض يتكلم فقال له حسبك، الكلام في هذا بعد ما وقفنا عليه قلة حياء وقحة، إلى غير هذا من أشباهه. ولما أراد أبو يوسف الرجوع من واسط إلى البصرة جذبني إليها ووعدني وتضمن لي ما يرغب في بعضه، فأعلمته أنه لا أصل معي من أصول الحديث ولا غيره وأني ألم ببغداد وأحمل ذلك معي وأقصد البصرة. فقال لي فلا

стр. 218

تقيمن بعدي بواسط ساعة واحدة، فعرفت أن تحت هذا الكلام ما هو أعرف به وأعلم، وأنه قد نصح لي فشيعته ثم صاعدت من وقتي إلى بغداد فوجدت أبا الحسين بها والخليفة خارج عنها فاستأذنت عليه فلم يأذن لي، وإذا كتاب الوزير قد ورد عليه: لا يدخلن الصولي إليك. فكنت مجفواً محجوباً، فلما شخص إلى بغداد احتجب إذ أستتر يوماً أو يومين لمعرفة الناس بكوني عندهم وثنائي عليهم، فكنت عند السيد الشريف أبي عبد الله الموساني ثم خرجت لتلقي سيف الدولة لأنه كان في حداثته يلزمني وقد قرأ علي علماً كثيراً. فجمع بعض جيراني بقصر عيسى جماعة من العيارين ووهب لهم دراهم وكان له سكان في مثل حمام ودكان وبثهم في نواحي بغداد يصيحون ألا إن الصولي قد خرج مع البريدي وكان هو مع ابن قرابة آفة الناس معه ووجه بهم إلى بستاني الذي بحضرة بستان حميد فكسروا دواليبه وجمروا نخله وهدموا أبنية أنفقت عليها ألفي دينار ولم يدعوا سقفاً ولا خزانة إلا نهبوه، وفعلوا مثل ذلك ببستان بدوران، وهو الذي كان لغج بن جاخ، وقد أنفق على أبنيته ألوف دنانير وما ترك فيه شيء، ورجعت من عكبرا فرأيت ذلك، وعلم به سيف الدولة، فقال ضع يدك على من شئت، فكرهت أن أصدقه عن الحال في فعل جاري، وجاءني أهل الناحية فعينوا لي جماعة فذكرتهم له، فأمر بقطع أيديهم فنظرت فإذا ما مضى لا يعود وما أفعله بهم يحقد على أمثالهم، وفي زمان يتصنع كل قوم بألوان ويحدث في الشهر منه دول، فأطلقت عنهم. فيا عجباً لقوم

стр. 219

حجبت عنهم وكان رئيسهم لي على هذه الحال، أتهم فيهم بهذه التهمة، ويفعل بي مثل هذا الفعل، ثم يضرني ذلك عند بعضهم إلى الآن!. قد قضيت وطراً من ذكرى حالي وإعلامي من يعلم حقيقتها، وما جرت عليه، تفرجاً بذلك واستراحة إلى شكواه إلى الناس. وأنا أعود إلى شرح الحوادث وما جرى إن شاء الله. ولما انقضى أمر الديالم وخلع على ابن رايق للإمارة ظهر أحمد بن علي الكوفي من استتاره فاستكتبه ابن رايق لنفسه والخليفة، وأراد أن يخلع عليه للوزارة فامتنع من قبول اسم الوزارة، وعمل ما كان يعمله الوزراء، ودبر أمر الناس كله أبو بكر محمد بن علي بن مقاتل، وصرف أبو جعفر محمد بن القاسم الكرخي إلى منزله فكانت وزارته للمتقي اثنين وثلاثين يوماً. وشخص ابن رايق إلى واسط فدخلها، وانحدر البريديون إلى البصرة، وكانت لابن رايق بواسط أمور عظام من تشاغله بالنبيذ ليله ونهاره، حتى أن رؤساء أصحابه لا يرونه إلا لحظة في كل مدة. وحضرت له دعوة عظيمة في يوم صادفه فيه بعض الأتراك إلى غير هذا مما يترك ذكره، ثم راسل البريديين وواقفهم على حمل، ورحل عن واسط إلى بغداد وتجدد لهم رأي في رد الوزارة إلى أبي عبد الله البريدي فعقد ذلك له في يوم الخميس للنصف من شهر ربيع الآخر، في هذه السنة، وهي سنة ثلاثين وثلاثمائة. واستخلف له بالحضرة على خدمة السلطان وتدبير الطساسيج أبو جعفر محمد بن شيرزاد، وحملت

стр. 220

الخلع إلى واسط، فلبسها الوزير، وركب فيها بين يدي داره وكنت أنا بواسط فقال لي: أعملت شيئاً في أمرنا هذا؟ فأنشدته شعراً والله ما مدح أحد منهم قط بمثله فيه وهو: هَنِيئاً لِلْوَزِيرِ قَضَاءُ دَيْنٍ ... بِهِ أَضْحَى الزَّمَانُ قَرِيرَ عَيْن وَعَوْدُ وِزارَةٍ سِيقَتْ إلَيْهِ ... كَعَوْدَةِ قُرْبِ حِبِّ بَعْدَ بَيْنِ أَبِي عَبْدِ الإلِهِ أَجَلَّ كَافٍ ... تَسَمَّحَ بِالنضُّارِ وَباللُّجَيْنِ وَيَهْنِي ذَاكَ يَعْقُوباً أَخَاهُ ... وَصِنْوَهُمَا الْكَرِيمَ أَبَا الْحُسَيْنِ هُمَا قَمَرَا الزَّمَانِ وَغُرَّتَاهُ ... مُرِيحاً الْمُلْكِ مِنْ عَارٍ وَشَيْنِ أَحَلاَّ مِنْهُ نُصْحاً وافْتِقَاداً ... مَصالِحَهُ مَحَلَّ النَّاظِرَيْن وَما كانَ الْفَسادُ وَقَدْ تَعَلَّى ... ليَخْفِضَهُ سِوَى إصْلاحِ ذَيْنِ وَيَهْنِي ذَاكَ عَبْدَ اللهِ فيه ... فَتاهُ فَهُوَ إحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ هلاَلٌ لَمْ تُبَدِّدَهُ اللَّيالِي ... فَيَنْقُصَهُ مُرُورُ الفَرْقَدَيْنِ تُرادِفُه السِّيادَةُ غَيْرَ وَانٍ ... وَيُشْبِهُهُ تَشَابُهَ قَرَّتَيْنِ كَما أَوْدَعْتَ سَطْراً مِنْ كِتابٍ ... ولَمْ تَنْقُطْهُ غَيْناً بَعْدَ عَيْنِ وَزِيرٌ مُقْبِلُ الأَيَّام عالٍ ... عَلَى أَعْدائِهِ طَلْقُ الْيَدَيْنِ يُهِيُن المَالَ بالأفضالِ جُوداً ... وَمَرْقَى الجُودِ صَعْبٌ غَيْرُ هَيْنِ

стр. 221

سَيَقْضِيهِ الزَّمانَ بِطُولِ عُمْرٍ ... وَتَمْلِيكُ الرِّياسَةِ كُلُّ دَيْنِ غَدَتْ خِلَعٌ عَلَيْهِ تَائهاتٌ ... بِعالِي النَّفْسِ عَالِي الذَّرْوَتَيْنِ جَلَتْ بِسَوادِها ظُلَمَ اللَّيالِي ... كَما تَجْلُو سَوادَ المُقْلَتَيْنِ بِمَنْطِقِهِ يَلُوحُ الحَلْى فِيهَا ... كَما لاَحَتْ نُجُومُ الشِّعْرَيَيْن تُباطُ مَعلِقٌ مِنْهَا رِقَاقٌ ... بِمَصْقُولٍ رَقِيقِ الشَّفْرَتَيْنِ كَرَأْيٍ مِنْهُ يَفْعَلُ في اللَّيالِي ... وَفِي الأَيَّامِ فِعْلَ النَّيِّرَيْنِ فَأَعْلَى اللهُ سَادَتَنَا جَمِيعاً ... وَأَبْقاهُمْ بَقاءَ الفَرْقَدَيْنِ وقَلَّمَ عَنْهُمْ ظُفُرَ المَنايَا ... بِقُرْبِ مُناهُمُ وَبِبُعْدِ حَيْنِ ومِلْكٍ لْلَوَرَى وَصَفاءِ دَهْرٍ ... يَرينَ عَلَى عِداهُمُ أَيَّ رَيْنِ فَكَمْ عُذِلُوا عَلَى إْفَراطِ بَرٍ ... فَمَا أصْغَوْا لِعَذْلِ العاذِلَيْنِ أَقولُ بِمَا عَلِمْتُ مَقالَ صِدْقٍ ... بَعِيدِ الشَّأْوِ مِنْ كَذِبٍ وَشَيْنِ لَقَدْ صَانُوا الوِزارَةَ بَعْدَ هَتْكٍ ... وَزانُوهَا وَكانَتْ غَيْرَ زَيْنِ بِرَأْيٍ مُسْتَنِيرٍ لِلْمَوالي ... وَصَعْبٍ لِلمْعُادِي غَيْرِ لَيْنِ وَأَقْلاَمٍ تُحَكَّمُ فِي الأَعادِي ... كَحُكْمِ السَّيْفِ وَالرُّمْحِ الرُّدَيْنِي وَيَغْنَى الرُّمْحُ فِيها عَنْ ثِقافٍ ... وَيَغْنَى السَّيْفُ عَنْ إِصْلاحِ قَيْنِ

стр. 222

وَتَخْفُقُ بِالذَّي نَهْواهُ كُتْبٌ ... تَكُونُ بِها صلاحُ الخْافِقَيْنِ تَرَى الأَقْدارْ مُصْعِدَةً إلَيْهِ ... تَسَحَّبُ بَيْنَ تَسْجِيَةٍ وَطَينِ ثَوابُكُمُ عَلَى إصْلاحِ مُلْكٍ ... ثَوابُ شُهُودٍ أَحْدٍ أَوْ حُنَيْنِ فَرَعْتُمْ فِي بَنِي الأَحْرارِ طَوْراً ... يَطُولُ الرَّعْنُ فيه ذا رُعَيْنِ وَزادَكُمُ مُحَمدَّكُمُ عُلُوّاً ... وَيَعْقُوبٌ شَرِيفُ الجْانِبَيْنِ وَرِثْتُمْ عَنْهُمَا كَرَماً وَفَضْلاً ... كَذَاكَ يَجِيءُ نَجْلُ الْفاضِلَيْنِ لَقَدْ أَصْلَحْتُمْ ما بَيْنَ دَهْرِي ... عَلَى رَغْمِ الْعدَى كَرَماً وَبَيني سَأَقَضِي فِي مَدِيحكُمُ حُقُوقاً ... كَمَا يُقْضَى حُقُوقُ الوْالِدَيْنِ فوصلني الجماعة على هذا وشكروني سوى الوزير، فإنه كان عنده بمنزلة أردإ الشعر وأوضع المدح. ثم رأى السلطان وابن رايق أن يحلوا ما عقدوه من أمر البريدي وينقضوا ما أبرموه، فخلع على أبي إسحاق محمد بن أحمد الإسكافي للوزارة، يوم الاثنين لإحدى عشرة ليلة خلت من جمادي الأولى، وصرف به أبو جعفر بن شيرزاد إلى منزله. وصح عند السلطان عزم البريدي على قصد الحضرة في جميع رجاله، وذلك لمهانة ابن رايق ومطالبة ألف من الأتراك البجكمية له بأرزاقهم فلم يحسن أن يتلافاهم وترفق بهم، حتى شذوا عنه ومضوا إلى البريدي

стр. 223

إلى واسط، وكان الترجمان يزعم أنه هو الذي أصلحهم له وأفسدهم على السلطان، فقووا نفسه وزينوا له ورود الحضرة، فركب المتقي الله الظهر في يوم الثلاثاء، ثاني اليوم الذي خلع على القراريطي فيه للوزارة وأمر بالنداء في العامة بلعن البريديين، وتحريضهم على قتالهم. وبين يديه مصاحف منشورة فسار من داره إلى الجسر وركب الماء وعاد إلى قصره وأمر بإصلاح العرادات والمنجنيقات حوالي داره، وحفر خندق والحاجب في الوقت سلامة. واستدعى ابن رايق العيارين، فكان ذلك خطأ من رأيه عظيماً. وخرج أبو الحسن علي بن محمد البريدي من واسط يوم الاثنين لليلتين خلتا من جمادي الآخرة ولما قرب من بغداد بلغ الخبز في عسكره رطلاً بدرهم ثم لم يوجد. وفتح العيارون السجون، وكان هذا من فعل ابن رايق توطئة لما يريد البريدي، لكثرة العيث من العامة وغلبتهم على التجار وأهل البيوتات. وعبر أصحاب البريدي نهر ديالي، فحاربهم القرامطة وبدر الخرشني ساعة ثم انهزموا. وفي الوقت الذي ركب الخليفة الماء من الجسر ورجع إلى قصره انقطع الجسر وانخلع الكرسي وهو مملوء بالنظارة، فغرق خلق كثير من رجال ونساء وصبيان. وفي يوم الخميس لسبع بقين من جمادي الآخرة انهزم جيش ابن رايق والعامة، وغرق من العامة بين يدي النجمي خلق كثير لا يضبطهم

стр. 224

العدد، وخرج الخليفة وابن رايق إلى باب الشماسية وتبعهم الناس فباتوا بالبردان. وغرق أبو محمد بن سلامة الحاجب وكان فتى نفيساً قد تأدب وسمع حديثاً كثيراً. وملك البريدي الدار، ووجه بابن أبي داود الأواني إلى الخليفة يحلف له أنه لا يريد إلا خدمته والانتهاء إلى ما يريده ويأمره به، فلم يلتفت إلى ذلك ورحل إلى سر من رأى، ولحقه الحسين بن سعيد بن حمدان في عسكره. ونزل أبو الحسين البريدي دار مؤنس الخادم، ووجه إلى خدم الدار فأحضرهم. وأمرهم بحفظ الحرم، ووعدهم أنه يجرى عليهم جراية واسعة، وضبط أبو عبد الله الأعمال كلها. ولقي الناس من الديالم وتنزلهم عليهم بلاء عظيماً، وقال بعض من عاين الأمر في ذلك الوقت: أي شيء كان أحسن من أن يوجه بألف فارس، ويضمن لهم مال حتى يردوا الخليفة وابن رايق فيجلس الخليفة في داره ويوسع عليه، وعلى حرمه وحشمه في النفقات، ويخلع على ابن رايق ويخرج إلى الشام على أجمل الحال، فيكون الظفر القبيح أحسن ظفر، وتحسن الأحدوثة. وركب السكري حاجب أبي الحسين البريدي ونادى ألا ينزل أحد من الجند على الحد فكف البلاء قليلاً. وخطب الخاطب يوم الجمعة فدعا للمتقي لله، ونودي إن وجد مع عامي سلاح قتل.

стр. 225

ووافت من ابن طغج هدية سرية للخليفة إلى الأنبار فلما علم بما جرى ردها إلى هيت، ورخصت الأسعار بمدينة السلام وسر الناس بذلك، وحصل السلطان بالموصل في رجب، وقد كان العباس بن شقيق صاحب أمير خراسان وافى فأقام بالنهروان حتى يؤذن له في الدخول فأذن له ووصل وجاء معه برأس ما كان الديلمي، وشهر في دجلة في غرة شهر ربيع الأول، وكان ركوب الخليفة إلى بثق النهروان يوم الثلاثاء لتسع خلون من شهر ربيع الأول فصلى عليه، فما انصرف جنده حتى تهور السكر وعاد البثق إلى حاله. ولما ملك جيش البريدي الدار نهبوا جميع ما وجدوا فيها، وداروا في صحونها، وفعلوا ما لم يفعله أحد قبلهم، فقد كان الخلفاء يقتلون بسر من رأى ودورهم محفوظة مصونة، ولما دخل الحاج بغداد في أول صفر سالمين دخل معهم أبو العباس أحمد بن سعيد بن عقبة الكوفي وكان أحفظ الناس للحديث وأكثرهم كتاباً له، فوعد الناس لجلوسه فجلس يوم السبت لست خلون، في مسجد الشرقية فأملى وقرئ عليه وجلس بعد ذلك في الجامعين الشرقي والغربي، وحدث وجلس في براثا مجلسين، وأملى فضائل كثيرة. وعز الدقيق بمدينة السلام فلم يوجد فبعث المتقي لله بأبي الفرج المالكي القاضي إلى الحسن بن عبد الله يأمره بإدرار حمل الدقيق، وقد كان المكوك بلغ ستة دراهم، فجاء الدقيق في شهر ربيع الآخر فصلح

стр. 226

السعر. وأخذ رجل يعرف الكرخي يقطع في طريق واسط حتى انقطع الطريق من أجله فقتل. وصرف القضاء من الجانبين ببغداد وتقلد القضاء بهما أبو الحسن أحمد بن إسحاق والخرقي لأيام بقين من شهر ربيع الآخر. وخلع عليه في يوم الخميس، فنزل في جامع الرصافة وقرأ عهده. وقيل للحسن بن عبد الله إن ابن رايق قد عزم على قتلك، فبادره ففتك به وقد عبر إليه. ووافى بغداد الخبر بقتله لأربع بقين من رجب وأن السلطان زاد الفارس عشرة دنانير، وزاد الراجل ديناراً، وقبضوا أرزاقهم على ذلك وتسحب الديالم على أبي الحسين البريدي، فلما رأى ذلك أمرهم باللحاق بواسط، وأن الوزير يريدهم فخرج أكثر رؤسائهم. وأخبر أبو الحسين البريدي أن جماعة من الأتراك قد عزموا على الفتك به. وأن الأمير أبا الوفاء توزون التركي رأس ذلك وصاحب التدبير فيه، وعلم توزون بأن الخبر قد فشا فبادر فكبس دار مؤنس ليلاً. ونقب فيها نقوباً كثيرة فلم يصل إلى ما أراد وحاربه الديلم وأصبح فكثر الجيش عله، ولم يخرج إليه من كان وعده أن يكون معه فصار إلى البردان ثم صار إلى عكبرا وقبض على العمال وأخذهم بجباية المال، فقصده جماعة من القواد فناوشهم فلما رأى كثرتهم صار إلى سر من رأى، وتأخرت أرزاق الديلم أياماً فصاروا إلى الشماسية وصاحوا: خليفة يا منصور، فوجه إليهم فأرضاهم وعادوا.

стр. 227

وولى ناصر الديلمي شرطة الجانب الشرقي مكان توزون فالتزم وأنصف. وتواترت الأخبار بإقبال السلطان إلى بغداد، وأن الأمير أبا الوفاء حركهم وقال كلوا الأمر إلى وكونوا من ورائي فأخرج البريدي المضارب إلى الشماسية ليقاتلهم، وعيد السلطان بحبة من طريق ووافى، الموصل تكريت وأخرج البريدي الأتراك والديلم إلى المضارب بباب الشماسية وأنفذ أبا طاهر القاضي، برسالة إلى السلطان، بأن يجيء إلى داره، وينصرف هو والجيش عنه فعاد بجواب لم يحبه البريدي. وهرب قائدان من قواد الديالمة في أربعمائة نفس إلى السلطان. ووجه البريدي بالترجمان من واسط في عدة ورجال، مدداً لأخيه أبي الحسين، فدخل بغداد يوم الثلاثاء لإحدى عشرة ليلة خلت من شوال واتهم ابن شقيق صاحب أمير خراسان بأنه يضرب الجيش فأنفذه إلى واسط بعد أن أراد حبسه وتقييده، فمنعه الأتراك من ذلك عصبية له. وخاف أبو الحسين البريدي أصحابه ولم يثق بهم فأرى الناس أنه مصاعد لقتال السلطان، ثم انحدر هو وأصحابه ليلاً ورمى بعضهم العامة. ووافى الحسن بن عبد الله بغداد ومعه مال أعده لعمارة بغداد وضياع السواد، وذهب لتوزون مال عظيم فعوضه الحسن من ذلك رزق عشرة آلاف دينار كل شهرين برسم المماليك، وضج الناس بالدعاء وضربت مائة قبة ودخل الخليفة بغداد يوم الاثنين لثلاث عشرة ليلة بقيت من شوال، وكان خروجه عنها يوم السبت، لسبع ليال بقين من جمادي

стр. 228

الآخرة فكانت غيبته ثلاثة أشهر وعشرين يوماً. وحمل البريدي عماله. معه حين انحدر وصادر بعضهم وقلد الأمير توزون جانبي بغداد، وخلع على أبي إسحاق القراريطي للوزارة في في يوم الاثنين، لست بقين من شوال. وقال الحسن بن عبد الله: مادة البريديين ضرائب التمر فتقدم بالنداء ألا يحمل أحد من التجار مالاً إلى أسفل فغلا الثمن وبلغ ما لم يبلغ مثله قط. ونزل الحسن وأخوه عند الشفيعي لينحدروا وغلت الأسعار فتشاءم الناس بتلك الأيام، وقالوا: كان الرخص مع البريدي. وخلع على الحسن ابن عبد الله وطوق وسور بسوارين وسمي ناصر الدولة. وخلع على أخيه أبي الحسن وعمل به مثل ذلك، ولقب سيف الدولة وقرئت الكتب وأنشئت بذلك. وصرف الحسن بدراً الخرشي وولى أبا بكر أحمد بن خاقان الحجبة وقد ذكرنا ذلك، وخرج أبو الحسين البريدي يريد بغداد، وخرج توزون في مقدمة السلطان ووقعت الحرب لليلة خلت من ذي الحجة بموضع يعرف بالجال أسفل المدائن، فانكشف جيش البريدي وكان سبب ذلك انهزام الترجمان وأسر جماعة أحدهم يانس وقد ذكرنا هذا. وشهر ناصر الدولة أسر البريديين في الجانب الغربي يوم

стр. 229

الجمعة، وصلى بجامع المدينة. وجرت بينه وبين الصيارف بمدينة السلام خطوب كثيرة في عيار الدنانير، حتى عمل عيار كالسندي أو مقارباً له، وزاد في سكة الدينار - عند ذكره محمد رسول الله - صلى الله عليه، كأنه زاد صلى الله عليه، والوفاء زيادة حسنة جميلة وفضيلة له في الدنيا والآخرة. وولى ناصر الدولة عيسى جال وكان في المستأمنة ميفارقين. ووافى سيف الدولة واسط، فأراد قوم من الديالمة أن يفتكوا به فظفر بهم فوجههم إلى بغداد في زورقين، فقتل بعضهم ممن أقر وحبس من لم يقر وسقطت خضراء مدينة المنصور في جمادي الآخرة فاغتم لذلك ولد العباس، وحدثني جماعة من التمارين أن ناصر الدولة خاطبهم فقال ما أعوض للضريبة على شيء سوى التمر، وبارك الله لكم في كل شيء غيره يعني ضريبة ما حصل ببغداد قالوا فقال له رجل إلى جانبه ونحن نسمع: والدبس فقال والدبس، فقال له والبسر فقال والبسر. وقال الذي أومأوا إليه أشرت بثلاثة ألوان فما قبلت مني: أشرت بأن يبادر الخليفة عند موت بجكم إلى واسط، وينفذ الجيوش إلى البصرة فلم يقبل، وأشرت بالقبض على تكينك وأخذ ماله وهو حم تام فلم يفعل. وأشرت بأن لا يوجه بابن شيرزاد إلى البريديين فإن ذهابه ينفعهم ويضرنا فلم يفعل، فجعلت على نفسي ألا أشير بشيء بعد هذا.

стр. 230

ولما استوزر محمد بن أحمد الإسكافي في المرة الأولى استخلف الحسن ابن أحمد الماوردي على النظر في أمر العمال وعلى سائر الأعمال، وقلد أحمد ابن نصر البازيان أبا علي الرقام إلى ما كان قلده إياه أحمد بن علي الكوفي من ديوان المغرب، وأقر الباقين على حالهم، إلا أبا عبيد الله بن عبد الوهاب فإنه قلده الدواوين التي كانت إلى جماعة من خواصه لاستئثاره عنده، ثم قلدها الأوارجي كاتب محمد بن علي بن مقاتل. هذا جميع ما كان من الحوادث في سنة ثلاثين وثلاثمائة ونذكر الآن من مات فيها. مات أبو عبد الله الحسين بن إسماعيل المحاملي القاضي يوم الخميس لثمان ليال بقين من شهر ربيع الآخر ونودي على حضور جنازته في جانبي بغداد، وما كان بقي على الأرض محدث أسند منه، مع صدقه وثقته وستره ﵀. ومات في صفر جعفر الدقاق لسبع خلون منه وكان حافظاً للحديث فسبحان من بعد في الستر والصدق بين الاثنين. وتوفي العباس بن المقتدر بالله يوم الخميس لإحدى عشرة ليلة بقيت من جمادي الآخرة. ومات أبو بكر الشافعي الفقيه صاحب علي بن عيسى يوم الجمعة لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول. ومات علي بن محمد بن عبيد الله الحافظ لثلاث عشرة ليلة خلت من شوال، وكان قد سمع حديثاً كثيراً، وكان مولده سنة اثنتين وخمسين ومائتين. وقد ذكرنا قتل ابن رايق، وورد الخبر بأن يانساً المؤنسي وعلي بن

стр. 231

خلف بن طياب قاتلا ابن مقاتل الصغير، المكنى أبا الحسن فقتلاه. انقضت سنة ثلاثين وثلاثمائة بأحداثها ثم دخلت سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة اشتد فيها ناصر الدولة على الذعار لعيثهم وإفسادهم فكحل وقتل وعاقب فاستوى البلد قليلاً. وأنفذ أحمد بن علي الكوفي للعمارة والنظر في مصالحها وليوافيه على المال المفرق على الجند. وقدم المرسوم بأنه سابق الحاج لثمان ليال خلون من المحرم وأخبر بأن بني هلال بن عامر بن صعصعة وقفوا بالحاج، فقتلوهم ونهبوهم. ودخل الحسن بن بويه الرى، وهزم ابن محتاج صاحب ابن إسماعيل بن أحمد. وفي المحرم من هذه السنة ضرب ناصر الدولة دنانير بعيار اختاره لم يضرب قط مثله إلا السندي بن علي. وكان الناس يكتبون على الدينار لا إله إلا الله من جانب محمد رسول الله من الجانب الآخر، ويذكرون بعده نعت الخليفة فزاد ناصر الدولة في السكة - بعد محمد رسول الله - صلى الله عليه، فكانت هذه عندي أجل منقبة لآل حمدان ما كان لهم مثلها تفرد بها ناصر الدولة. وبلغه مع ذلك أن الصيارف يربون رباء ظاهراً، فأحضرهم وحذرهم وأحلفهم، فتحسن قبيح أمرهم قليلاً.

стр. 232

وخلع على أبي عبد الله الحسين بن سعيد حمدان لثلاث عشرة ليلة بقيت من المحرم، وولى أرمينية وآذربيجان وعقد له لواء. وصاح المسجنون بناصر الدولة واستغاثوا إليه من الضر والجوع والسجن، إلى جانب داره. فتأذى بهم وجلس لهم جلوس غضبان فأطلق وقتل وقطع وكحل، وكل هذا من الإجراء عليهم، فأخلى السجون فلم يترك فيها أحداً. وخلع في أول صفر على العباس بن شقيق رسول نصر بن أحمد أخي إسماعيل وعقد لصاحبه لواء، فحمله غير منشور، ودفع إليه سيف وخلع سرية لصاحبه، وقد كانت لابن شقيق هذا خطوب من اتهام أبي عبد الله البريدي له وكتابه من واسط إلى أخيه ببغداد، أن يحذره فزعم العباس لما أفلت ورجع أنه أراد قتله، فمنعه وجود الأتراك من ذلك وأنه أخذ أكثر ما كان اشتراه لصاحبه من فاخر الثياب والفرش وغير ذلك، واحتج عليه بالإضافة والحاجة إلى مثل هذا. ثم إن ابن شقيق جد في الخروج إلى صاحبه، وقد كان ورد عليه الخبر بموته فاحتال أن كتب كتباً ونصب نبوخاً ببطلان موت صاحبه، خوفاً أن يعطف السلطان على ما بقي معه وما استنفده بعد فيأخذه، فخرج عن بغداد وتبعه ناس كثيرون، فاله ثلج في الطريق بقرب همذان، فمات أكثر الناس وذهبت أمتعتهم، وكان ابن شقيق أسوأهم حالاً. وورد الخبر بغلبة الروم على أرزن وميافارقين، ومجيئهم إلى دارا

стр. 233

وسبيهم الرجال والنساء، فعظم ذلك على الناس. وقصد ناصر الدولة المولدين من المرتزقة فأسقط أرزاقهم، ووفر المال على المقيمين بواسط لحرب البريديين، وأخرج كاتبه النصراني المعروف بسهلون إلى ابن طغج في صفر بهدايا كثيرة، وطلب مال للسلطان فخرج إلى هيت وركب البرية إلى دمشق، ومعه خلق عظيم فهلك أكثرهم ونهب ما كان معهم. وغلب البريديون على نواحي الجامدة، لخلاف وقع بين سيف الدولة، وبين توزون التركي. وصار أحمد بن بويه أبو الحسن الديلمي إلى دجلة البصرة، فأقام حيال نهر معقل يحارب البريديين، فوردت كتبهم على ناصر الدولة يسألون الصلح وأن يولوا ويقاطعوا على مال يحملونه، فلم يجابوا. وورد كتاب الديلمي يسأل مثل ذلك فأجيب إليه وأنفذت الكتب جوابات كتبه، وخلع طمعاً في أن يزيل أمر البريديين، واتصلت الحرب بينهم إلى أن استأمن إلى البريديين قائد للديلمي فحمل البريديون بين يديه مالاً عظيماً وأعطوه من الثياب والطيب وسائر ما يعطاه مثله. ما عظم وشاع ذلك واستعظم إلى أن خاف ابن بويه أن يستأمن من رؤساء عسكره، لما اتصل بهم من الخبر بما عمل بالمستأمن، فرحل راجعاً إلى الأهواز. وتحدث الناس بأن القرمطي الهجري ولد له مولود فأهدى إليه أبو عبد الله البريدي هدايا عظيمة فاخرة فيها مهد ذهب مرصع بالجواهر.

стр. 234

وزوج الخليفة المتقي ابنه أبا منصور بابنة ناصر الدولة في شهر ربيع الأول. ووقع الإملاك في يوم سبت، ووكل ناصر الدولة، أبا عبد الله بن أبي موسى العباسي في قبول ذلك عليه والقيام به عنه وجعل الصداق خمسمائة ألف درهم، وجعل النحلة مائة ألف دينار. وصاعد ابن الخليفة بعد الأملاك إلى ناصر الدولة إلى داره بباب خراسان فنثرت عليه بدرتا دنانير التقطها من كان معه وأصحاب ناصر الدولة، وتغدى عنده في اليوم الثالث جماعة من قواده وتجاره فرأيت الناس كالمجتمعين على أنه كان طعاماً ناقصاً عن المقدار، مقصر الشرط والكمال والآلة. وكثرت المتلصصة ببغداد وكبست دور المياسير، وخرج الناس عن بغداد هاربين إلى كل وجه، على انسداد طرقهم، ولو أمنوا لخرج أضعاف من خرج. وراسل أبو الحسين علي بن محمد بن مقلة ناصر الدولة، في أن يستوزره وضمن مالاً عظيماً، على أن يطلق يده على الناس، وأسمى قوماً منهم سلامة أخو نجاح وعبد الله بن علي النفري الكاتب، والقاضي ابن الأشناني، وأبو العباس الأصهباني، وابن بلال الدقاق حتى أتت التسمية على سبعين نفساً فيما يقال، فأجيب إلى ذلك مع ما ضمنه من مال أبي إسحاق محمد بن أحمد الإسكافي وأصحابه. ثم أخر ناصر الدولة أمر ابن مقلة واستوزر أبا العباس أحمد بن عبد الله الأصهباني، وهذا برأي أحمد بن علي الكوفي، فلم يكن له في

стр. 235

الوزارة إلا التسمية والكوفي ينظر في الأعمال والأموال، فكان على ذلك إلى أن هرب ناصر الدولة فصرفه المتقي لله صرفاً جميلاً، وأقره على ما كان في يده ن تدبير أمر ضياع والدته وضياعه، واستوزر أبا الحسين بن مقلة، وخلع عليه في شهر رمضان بعد خروج ناصر الدولة لولا أن ناصر الدولة لم يخرج، حتى نكب سلامة الحاجب وابن الأشناني القاضي وابن بلوا المعطى، وعذبه عذاباً شديداً ما سمع بمثله وذكر جماعة وسن من الضرائب على الناس ما لم يسمع بمثله. وأتى قبل ذلك على التمارين بأخذ أموالهم، فحدثني جماعة منهم قالوا دخلنا عليه هو بالقرب من مضربه، فقال لنا ما آخذ ضريبة إلا من التمر وأنتم أعلم وما لكم بعده، فسررنا بذلك قليلاً، فالتفت إليه بعض من يدبر أمره، فقال والدبس فقال والدبس، فقال له والبسر فقال والبسر، فأتى بقوله هذا علينا. وضيق ناصر الدولة على المتقي لله في نفقاته، وعلى أهل داره وانتزع ضياعه وضياع والدته فجعلها في جملته، واقتصر به على أجزاء يسيرة. وخاطب أبا الحسن بن أبي عمرو الشرابي في أمر السكنجبين بخطاب شهره الناس وتحاكوه، وقال إنما يكفي دار الخليفة خماسية سكنجين في كل يوم، ولأطالبنك بمال ما كنت تأخذه. وتحدث الناس من فعله هذا وصنعه بالخليفة، ما كثر به الشاكي له والداعي عليه، وتمنى الناس بني البريدي وغيرهم، مع ما نالهم من

стр. 236

الضر والضرائب والغلاء ونكبات الناس، وأخذ أموالهم. وشكى مع ذلك أن أمر الرفض قد علن ببغداد، فنادى مناد في جانبي بغداد عن السلطان ببراءة الذمة ممن سمع بذكر أحد من الصحابة بسوء. وأراد غلام من غلمان ناصر الدولة أن يسمه ففطن له، وزعموا أن سبب ذلك فاتك حاجب ابن رائق كان محبوساً في دار ناصر الدولة، وكان يعرف هذا الغلام فواطأه على ذلك وضمن له مالاً. وغلت الأسعار في جمادي الآخرة غلاء عظيماً، ومات الناس جوعاً ووقع فيهم الوباء، فكانوا يبقون على الطريق أياماً لا يدفنون حتى أكلت الكلاب بعضهم. وأنفذ ناصر الدولة حاجبه يرفع مدداً لأخيه على سيف الدولة ليمضي إلى الجامدة، وحدر معه أحمد بن علي الكوفي واتهم ابن جعفر الخياط بأنه كاتب البريديين فقبض عليه ناصر الدولة وأقطع الخليفة ضياعه فاستبشع أن يكون هو المقطع للخليفة، وأن يدون الكتب بذلك. وخرج الناس إلى المصلى يوم الاثنين مع الإمام ابن عبد العزيز الهاشمي. فدعوا الله وسألوه أن يكشف البلاء والضر عنهم. وفي جمادي هرب جماعة من رؤساء الديلم والبربر من بغداد إلى البريدي، فلم يتبعهم ناصر الدولة بطلب، وقال من اختار المقام معنا وإلا فليمض مضياً ظاهراً فما أحد يتبعه. وورد الخبر بقبول علي بن بويه خلع السلطان بفارس، ولبسه لها

стр. 237

وإحضاره القضاة والعدول ليشهدوا ذلك ويكتبوا به. وصحت الأخبار بموت نصر بن أحمد خراسان وأن ابنه نوح ابن نصر قام مقامه بعد أن تنازع هو وأخوه إسماعيل عند الاياس من أبيهما أمر الامرة فأفاق أبوهما، فأمر بقتل ابنه إسماعيل وأن يجدد البيعة لنوح، وأوصى أن يجلس في الثغور لقتال الأتراك ألف دابة من دوابه، وأعتق ألف غلام. وأرجف الناس بأن ابن طغج وافى دمشق لينفذ جيشاً لأخذ الموصل فكتب إليه السلطان في الرجوع إلى مصر فرجع. ووقعت منازعة بين الطالبيين والعباسيين في رجل طالبي زعموا أن أصحاب ابن عبد العزيز قتلوه، فجرت فيه خطوب ثم سكن الأمر وذلك في رجب. وكثر الجراد في هذا الوقت فصاده الناس، وانتفع الضعفاء بأكله وصيده، وكان نعمة من نعم الله جل وعلا. ووافى رسل صاحب خراسان إلى ناصر الدولة فحجبهم أياماً، ثم أدخلهم وقال لهم صاحبكم في يده نصف الدنيا، ينال السلطان ما ناله فلا يسعفه بمال ولا ينجده بجيش، ولم يروا عنده ما يحبون، ثم أجابهم بجواب جميل وصرفهم، وغلت الأسعار وعز كل شيء من سائر الأطعمة والملبوس. وقبض على أبي إسحاق القراريطي في رجب وعلى كاتبه ابن جبرويه وعلى خليفته أبي محمد الحسين بن أحمد المادراني وتولى مناظرتهم أحمد

стр. 238

ابن علي الكوفي وابن مقاتل بميل وحقد، وكان الكوفي عقد على المادراني كلاماً كلمه قبل هذا بمديدة بحضرة أبي إسحاق قال فيه ما شهره الناس من وضع منه وإزراء عليه، فصح عند ناصر الدولة إن المادراني ما ظلم أحداً قط في معاملة، ولا ارتفق من عمل ولا عامل فانصرف إلى بيته موقوراً بعد توكيل ومناظرة ومطالبة. وقد ذكرنا أنه خلع على أحمد بن عبد الله الأصهباني للوزارة برأي الكوفي، لأنه كان مستتراً عنده، وأرزق مائتي دينار في الشهر، وكانت الخلع عليه يوم الثلاثاء لاثنتي عشرة ليلة بقيت من رجب. وأغرى ابن مقاتل العمال بالناس، فأجروا معهم كل ظلم، وأراد فتح الخراج قبل وقته فضج الناس. فنودي بتأخير الافتتاح إلى النوروز المعتضدى ورفع الجور وإزالة الظلم فتنفس الناس قليلاً وما وقع وفاء بذلك. وكان ناصر الدولة يحمل في كل شهرين خمسمائة ألف دينار لاستحقاق من بواسط، وكان يضجره ذلك فيتكلم ويضج، وعقد عليه بما يتكلم به، إلى أن تحدث الناس أن يرصد بحيلة توقع عليه، فيا ليت ما كان يضر من تبرم رجل يحمل في كل شهرين هذا المال الجليل، ما الذي أريد منه حتى أو حشوه فخرج؟ وكان من أول ذلك أن المتقي لله ما أحب القبض على وزيره أبي إسحاق ولا أراده، فأرضوه بأن أقاموا مكانه كاتبه على ضياعه أبا العباس الأصبهاني، وأنفذ سيف الدولة من واسط في هذا الوقت جماعة من الديلم إلى بغداد، كان اتهمهم وخافهم.

стр. 239

وتواترت الأخبار باضطراب الأتراك على سيف الدولة وترك بعضهم الركوب إليه على فرط إحسانه إليهم. وإعطائه إياهم جميع ما يملكه من مال ودواب وثياب. ولم يناصح الأتراك في حرب البريديين، ولا أعانوا الديلمي عليهم حين جاء إلى فرات البصرة فأقام حيال نهر معقل. وضج الحشم إلى ناصر الدولة القبض على أبي إسحاق القراريطي، وأعلموه أنه لن يطلق لهم شيئاً، فقال قد أطلقت لكم ثلث رزق، وأحضر أبا إسحاق واشتد عليه في القول، فأحضره أبو إسحاق رقاعاً بخط المتقي لله بأنه قبض المال منه وأعطى من أراد اليسير منه واستبد بالباقي. فقال ناصر الدولة كيف اصنع أنا، أطلق مثل هذه الأموال الجليلة تحمل على نفسي، ومالي وظلم الناس، وهذا يهجنه ويقبح فعلي، ويغري بي حشمه وجنده. ووافق هذا ورود كتاب أخيه عليه بأن البريديين دخلوا الجامدة وأن الأتراك نهبوا جميع ما كان له من ذخيرة وسلاح ودواب، وما كان ذخره منذ أيام أبيه، وأنهم طلبوه فهرب في نحو مائتين من أصحابه إلى أن تلاحقوا به وأفلت، فغضب من ذلك وأمر من وقته فصوعد بالسفن التي فيها خزائنه. وقال لا أقمت ببغداد، فضج الناس من ذلك واجتمعوا إليه وسألوه ألا يباعد إلى الموصل فيضيع البلد فضمن لهم ألا يصاعد، وقال لحقتني ضجرة. وكان وجه في شعبان فطلب من الخليفة مالاً، وقال إنه يأخذ

стр. 240

مما أطلقه لحشمه وغلمانه، فيجمعه إلى ما يستفضله من نفقاته وغلاته، فما وجه إليه بشيء، فاستوحش كل واحد منهما من صاحبه. وطولب الناس بأداء الخراج في شعبان، ولم ينتظر بهم النوروز المعتضدى. وورد على ناصر الدولة دخول عدل حاجب بجكم نصيبين واستيلاؤه على الرحبة وأعمالها، فشغل ذلك قبله. وورد كتاب ياروخ بهزيمته البريديين وإخراجهم عن الجامدة. وضج الأشراف الغلوية من عاملهم أبي علي الحسن بن هارون الهمذاني على الكوفة وخاصة عمر بن يحيى وهو الرجل الفاضل المنتفع به الناس بماله وجاهه والناصب نفسه لهم حتى يحج بهم، ولولاه ما تم حج فعزل الحسن بن هارون، وولى المعروف بأبي بكر عبد الله بن عبيد الله البرجمالي. وكتب ناصر الدولة إلى ابن عمه أبي عبد الله الحسين بن سعيد يأمره بالاحتيال على عدل وقصده، فكبسه وأسره وابناً له وأنفذه إلى بغداد، فكحل وشهر على جمل في يوم الخميس لأربع بقين من شعبان، وألبس برنساً وابنه على جمل بين يديه على برنس، وكان في الموكب خلفه الوزير أبو العباس الأصبهاني والقاضي ابن الخرقي يتسايران. وكان يانس غلام البريدي في يد ناصر الدولة فتكاتبوا في أن يوجه به إليه، ويوجه البريدي بعيال توزون وابنه، وأن يقوم بذلك أبو علي عمر بن يحيى.

стр. 241

ووجه ناصر الدولة بأحمد بن علي الكوفي إلى واسط. ومعه من الاستحقاق أربعمائة ألف دينار فوجد الأتراك قد شغبوا، فرجع والمال معه، حتى عاد إلى ناصر الدولة، فدخل به بغداد أول يوم من شهر رمضان. وصرف أبو إسحاق القراريطي إلى منزله في آخر شعبان بعد أدائه أكثر ما فورق عليه. وضرب لناصر الدولة مضرب بباب الشماسية، واصطنع عيسى جال الديلمي فزاد في رزقه ألف دينار ووصله بألفي دينار. وزاد الفارس من أصحابه عشرة دنانير في رزقه، وزاد الراجل ديناراً. وعزم ناصر الدولة على الرحيل إلى الموصل فوجه إليه الخليفة أن يتوقف عليه ليصاعد معه، فكره ذلك وركب إليه الخليفة في يوم الخميس، فنزل إليه ناصر الدولة إلى دجلة حتى تلقاه وصعد معه إلى داره وقال له تتوقف يوماً على أو يومين فكأنه علق القول وانصرف. وأصبح الناس في يوم الجمعة لأيام خلت من شهر رمضان، وقد صاعد ناصر الدولة وقطع الجسر، وسار من الجانب الغربي، وتبعه جميع من كان في الجانب الغربي من أصحابه، ونفر ممن كان من أصحابه في الجانب الشرقي، فمضى بعضهم إلى سر من رأى، ورجع الترجمان وجماعة من الأتراك مع أخي ابن إسماعيل بن أحمد إلى الدار، وأرجف الناس أن الخليفة راسل الترجمان في القبض على ناصر الدولة والمجيء به الدار، فأمكنه غير مرة فلم يمكنه لأنه جاهل جبان.

стр. 242

وصعب على التجار خروج ناصر الدولة عن بغداد، ووافى سيف الدولة إلى المداين، ثم صار إلى بغداد فنزل في الجانب عند باب قطربل ووده إليه المتقي لله بثياب وطيب ودراهم لنفقته. وطالب الوزير ابن مقلة بأن يحمل إليه مالاً فكان يجمع ما قدر عليه فلما اجتمع حمله إليه ليعطي أصحابه واستوحش السلطان منه ثم رحل إلى القفس ولحق به إبراهيم بن أحمد الخراساني في نفر من أصحاب أخيه ببغداد. وورد الخبر عليه بأن أخاه ناصر الدولة وصل إلى الموصل سالماً فلحق به لا يلوي على شيء، فقيل إن جملة ما صار إليه من المال أربعمائة ألف درهم. ودخل الأمير يومئذ توزون بغداد في يوم الخميس لست بقين من شهر رمضان، وتلقاه أهل الدولة فدخل إلى الخليفة فسلم عليه ونزل الدار المعروفة بمؤنس وتأذى الناس بنزول الأتراك عليهم. ثم كان يوم الأربعاء فقبض توزون على كاتبه سعيد بن داود المسيحي وعلى أخيه فهد وابن خالته، فطالبهم بالأموال بضرب مبرح، وكان الترجمان حمله على ذلك واستكتب محمد بن القاسم. وخلع السلطان في يوم الاثنين لست خلون من شوال على الأمير توزون وصيره أمير الأمراء وأمر بتكنبته. وحرص توزون بالمتقي لله أن يتركه يصالح البريديين على مال يحملونه ويفرغه لابن حمدان فأبى عليه، وكان البريديون قد صاروا

стр. 243

إلى واسط فوجه بخمسمائة غلام في الظهر والماء إلى واسط. وقبض على ابن العزيز الهاشمي وجماعة من التجار والعدول وطولبوا بمال. وحدر الأمير توزون تكين الشيرزاذي إلى واسط، ووافى أبو دلف سيما الساجي إلى بغداد، وهو صاحب القرمطي الهجري ليأخذ مال الموافقة التي فورق القرامط عليها. وكبس أهل القطيعة في أول ذي القعدة فأخذ منهم عشرون كراً دقيقاً وأحيلوا بثمنه على الترجمان في أول ذي القعدة، ثم مضى جماعة من أصحاب توزون إلى القطيعة ليأخذوا دقيقاً كما كانوا أخذوا، فوثب بهم العامة وقتلوا نفسين وغلا السعر بهذا السبب، ودخل الحاج من خراسان وخرجوا مع ابن حاتم. وانحدر الأمير توزون إلى واسط وهرب البريديون، ونودي ببغداد من أراد الخروج إلى واسط فليخرج. وقبض المتقي على رجل يعرف بابن المطلب من أهل باب الطاق وحمله إلى داره وقيده وحبسه وقال له أنت رئيس الرافضة، ثم لم يتركه بعض خدمه حتى قتله من غير حجة تقوم عليه، ونفذ ابن أبي موسى الهاشمي في يوم الاثنين لست بقين من ذي القعدة برسالة السلطان إلى ناصر الدولة، ومعه تكين الماكاني وخادم من خدم الخليفة. واتصل قطع رجل يعرف بابن جمدي على السميريات النافذة إلى واسط والمصاعدة منها، وصار إليه من ذلك مال عظيم وأمتعة لها مقدار.

стр. 244

وفي ذي القعدة أقبل يوسف بن وجيه صاحب عمان من عمان، ومعه مراكب كثيرة فيها عدة وعديد، لتغليظ البريديين الضرائب على ما يحمل من البحر، فلقي البريدي في دجلة البصرة بقرب الأبلة، فهزمهم أول يوم ثم احتالوا بنار حملت في زيازب وجعلت في زجاج ورموا مراكبهم بها فانهزم وقتل خلق من أصحابه، وأسر بعض وأحرقت له ستة مراكب، وكانت هزيمتهم له في أول يوم من ذي الحجة سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة، وصرف الكرخي عن كتبة الأمير توزون واستكتب أبو إسحاق القراريطي ابن أبي الترجمان، وظفر بجماعة من أصحاب ابن جمدي فقتلوا وصلبوا. ودخل أخو الأمير توزون إلى تكريت ومعه جيشه فدخلها لثلاث عشرة ليلة بقيت من ذي الحجة، فنهبها ونهب زواريق كانت بها، فيها أمتعة التجار، وذبحوا بها من البقر والغنم نحو ألفين، ونهب الناس في سائر طرقهم إلى تكريت. وعزت الفاكهة ببغداد لأنهم أخذوها ظاهراً وباطناً وأجلوا أهل القرى. وركب الخليفة في يوم السبت، لتسع بقين من ذي الحجة الظهر إلى باب الشماسية ورجع في الماء فدعا الناس له. ووافى صافي غلام الأمير توزون يوم السبت لليلتين بقيتا من ذي الحجة بغداد من واسط فقبض على أبي إسحق القراريطي، وأخبر أن أبا جعفر محمد بن يحيى بن شيرزاد وافى واسط في زبازب كثيرة، كالهارب من يد البريديين لما اشتغلوا بمحاربة ابن وجيه، وأسرع السير فوجهوا في طلبه، فلحق واستكتب للأمير توزون، فاشتد ذلك على السلطان فأغروه بالقول فيه، فكاتبه

стр. 245

في صرفه فلم يقبل. ومن عجيب الأخبار، وما يستدل به على علو همة الأمير توزون أن أبا جعفر اختار له كاتباً، وأبو جعفر إذ ذاك يكتب لبجكم، فكأنه لم يرضه فقال له أبو جعفر أنا كاتبك فقال له وأنت تكتب لي ولكن ليس على هذه الجهة، ولا الآن! وتوفي في هذه السنة في غرة ذي القعدة منها سنان بن ثابت المتطبب وكان متقدماً في الطب وفي علوم أخر كثيرة. ثم دخلت سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة كان أول المحرم يوم الاثنين قعد فيه كازاذ كاتب أبي جعفر، وظهر أبو الحسن بن شيرزاد. وخرج أبو بكر محمد بن جعفر النقيب وصيغون المرداويجي في جماعة من أصحابهما إلى ناصر الدولة إلى الموصل، وانحدر صافي مع جماعة من الأتراك والديلم إلى واسط. وورد الخلنجي السابق بسلامة الحاج قدام الحج لسبع خلون من المحرم. وفي يوم أخذ سبعة من أصحاب ابن جمدى فضربوا وطيف بهم وقتلوا وصلبوا في الجسر، وقتل أيضاً رجل يعرف ببرغوث كان يقطع بناحية المزرقة. ووجه الترجمان وهو محمد بن ينال، وكان يلي الشرطة ببغداد والأمر كله له إلى الحسين العلوي الديلمي، فقبض عليه لأنه بلغه أنه يريد الفرار إلى ناصر الدولة.

стр. 246

ووافى اسكورج الديلمي بغداد يوم الثلاثاء لأربع عشرة ليلة بقيت من المحرم وهو أكبر قوادهم، وقلده الأمير عمل سر من رأى وعكبرى وأمره أن يكون بسر من رأى، فإن جاء أحد من ناحية ابن حمدان حاربه، والأمير توزون مقيم على أرز بالجامدة ليستنطقه. ووافى من عسكر البريديين إلى الأمير توزون في الأمان أبو المهدي البربري فأنفذه إلى بغداد، وأغارت خيل الروم على نواحي نصيبين، واستغاثوا بناصر الدولة فلم يغثهم، لأنه كان قد جرب خيانته مع ابن عمه أبي عبد الله ليصيروا إلى بغداد ليخرج الخليفة معهم. ووافى أبو جعفر محمد بن يحيى ابن شيرزاد بغداد لأربع بقين من المحرم فجلس في داره وجاءه الناس، وهو كاتب الأمير توزون فاستأمن بعض أصحاب اسكورج وصافى إلى واسط وأبو المهدي، وأبو طالب أخو المظفر بن حمدان الميدمان، وإبراهيم أخو الأمير توزون. واستتر أصحاب أبي جعفر بن شيرزاد، ووافى الحسين بن أبي العلاء بن حمدان في صفر، فنزل حيال الشماسية ومع أبي العلاء هذا عيسى جال الديلمي وأبو وائل ويروخ الناصري، فوجه إليه المتقي لله أن يدخل بغداد ليخرج معه فقال لم أومر بهذا، واستوحش وقال إن خرج إليّ أمير المؤمنين اليوم وإلا رجعت. وأشير على المتقي ألا يخرج عن بغداد فما تركه الترجمان، وكان قد استوحش من الأمير توزون لأشياء اختانها وتعدى فيها.

стр. 247

ولقد حدثني بعض الخدم أن بعض الرؤساء المتقي لله يا سيدي خروجك إلى ابن حمدان أشد على توزون من ضرب عنقه، وفي خروجك انحلال أمره وأعظم المكيدة له. ولا والله ما نصحوه وإنما خافوا على أنفسهم من توزون، فخوفوا الخليفة منه ولو كان معه من ذوي نصحه من كان يعرف حقيقة الرأي ما تركه يخرج. وذلك أن توزون ما خالفه في شيء أراده، وما زال ساعياً في مراده ومحبوبه، كان أمره جارياً مع البريدي ببغداد على أفضل إرادته فلأجل الخليفة ما احتال في أخذ البريدي، فلم يمكنه ذلك لخذلان قوم كانوا وعدوه أن يكونوا معه، فحارب ليله ونهاره ثم صار إلى سر من رأى وكتب إلى الموصل يشير بالانحدار إليه وأنه يتضمن حرب القوم فما فعلوا، حتى خرج إليهم فحشرهم وأنهضهم، وقد كان أشار بمصالحة البريدي، وأخذ أموال منه، ثم يكون بعد ذلك على رأس أمره، فأبى الخليفة عليه، فاتبع أمره وانحدر وكان كاتبه في الحيلة على بني حمدان، فأخرج سيف الدولة عن واسط فما الذي أوجب أن يستوحش منه؟. ولقد صرت إلى القاضي أبي الحسين، فقلت له إن هذا الخليفة ما يجالسنا، وزعم أنه لا يريد جليساً، يخالف الناس جميعاً في هذا إلى عصره، وليس له رزق على، ولكن نصحه واجب، وهو يقبل رأيك فاتق الله ولا تدعه يخرج، فإنه إن خرج لم يعد وخربت بغداد، وأضر بالعامة، فتضمن لي ذلك. وما ظننت أن أحداً فعل هذا معه غيري

стр. 248

حتى حدثني القاضي أبو عبد الله محمد بن عيسى أنه صار إليه فأشار عليه بمثل مشورتي فأبى الله إلا ما أراد. ولقد حدثني بعض الخدم ممن أثق به أن المتقي لله اضطرب من الخروج، فقال له الترجمان ومساعدوه على هذا الرأي: إنا قد تحدثنا بالقبض عليك فامتنعنا من ذلك، وأشرنا بالخروج عليك، وقد كشفنا الأمر لك. فلما سمع هذا خرج غداة يوم الخميس وركب على الظهر، ووافى الشماسية، وخرج معه وزيره علي بن محمد بن مقلة والحاجب أحمد بن خاقان ولؤلؤ صاحب الشرطة وأبو جعفر الخياط، وتبعه حاشية الدار وجماعة من وجوه البلد. وجلس المتقي لله في الخراقة، وتلاحق به من بقي من حاشيته وخرج معه قاضيه وأسبابه، وجاء ابن أبي العلاء وجميع من معه فقبلوا يده وعرفوه سرور ناصر الدولة بمصيره إليه. وركب الترجمان يوم الجمعة من الجانب الغربي بمطارد مذهبة ومعه أصحابه، وأودع جميع ما كان له قبل خروجه أياماً متوالية، حتى أودع أصناف النبيذ فوجد بعد ذلك فما بقي الله منه شيئاً. وصلى صاحب الصلاة بالناس في المعسكر يوم الجمعة لثلاث خلون من صفر، ومدت خراقات الخليفة بعد الصلاة ودخل الناس معه، وخلت بغداد واستوحش أهلها. وكتب الخليفة إلى صاحب الشرقية أحمد بن جعفر الزطي بكتاب

стр. 249

يأمره أن ينادي بما فيه فنادى أمير المؤمنين أطال الله بقاءه بالنداء ببراءة الذمة ممن فتح من العمال والمتصرفين شيئاً من الدواوين، أو نظر في الأعمال أو طالب بخراج أو تصرف في عمل من الأعمال السلطانية بعد شخوص أمير المؤمنين، فقد أحل بنفسه العقوبة الموجعة وهجم داره وإباحة ماله، فقد أحب أمير المؤمنين ترقية رعيته، والاحتياط لهم، وترك إعناتهم فليحذر المخالفون لذلك، وليلحق بأمير المؤمنين سائر عماله وأوليائه، ولا يتأخروا عن معسكره، وليبلغ سامع هذا النداء الغائب عنه فنودي من جانبي بغداد. ولم يدع المتقي لله بعض خدمه حتى ضرب يوم الجمعة قبل الصلاة عنق ابن المطلب، المتهم بالرفض، وكان ناصر الدولة وأسبابه يعنون به ورمى بجسمه في أزقة الشماسية فبكر الناس يوم السبت، فأخذوه وغسلوه وكفنوه بعد أن صلى عليه بمسجد براثا ودفن هناك. وضبط صاحب الشرقية عمله ضبطاً حسناً، وكذلك العروضي وهو إبراهيم بن شيخون وكان إليه الجانب الشرقي. ووافى من عسكر توزون بغداد جماعة فلحقوا بالخليفة، ووافى بغداد يوم الثلاثاء بشرى حاجب توزون واسكورج، وصاروا إلى دار أبي جعفر محمد بن يحيى بن شيرزاد، وظهر في داره فأمر ونهى وولى، وما التفت الناس إلى شيء مما أمر الخليفة بالنداء به. وكان الأمير وجه من واسط بالميدمان بن حمدان البريدي في جيش كثيف إلى ناحية المذار، فهزمه أصحاب البريدي، فوافى نحو

стр. 250

واسط منهزماً، وصلى الناس بسر من رأى يوم الجمعة في معسكره. ووافى بغداد ينال البكراني وتكيز الشيرزادي وأخو الأمير توزون، وجماعة من القواد فنزلوا باب الشماسية ومعهم طياراتهم وزبازبهم. ونزل السلطان تكريت ونفذ الترجمان ولؤلؤ وابن الخياط إلى الموصل على طريق البرية، لأخذ أرزاقهم وحدره إلى تكريت لمحاربة توزون، وكثرت الكبسات ببغداد في الليل دور المياسر. ووافى عكبرى ابن بلال من قواد ابن حمدان فكبس عكبرى وبها أصحاب اسكورج فقتل جماعة منهم وانهزموا وأقاموا بنواحي عكبرى فوجه اسكورج بخيل فهزمت ابن بلال وملكوا عكبرى. وظهر ابن جمدى العيار، وكان حمالاً بنواحي سوق الحديد باب درب الشوك بحضرة المزملة ثم صار لصاً ببغداد، فولاه أبو جعفر بن شيرزاد طريق واسط، وخلع عليه، وطالب أبو جعفر بن شيرزاد التجار بأموال فاستتر أكثرهم. وورد الحاج في النصف من صفر شاكرين لأبي علي محمد بن يحيى العلوي لحفظه لهم ورفقه بهم، وكانوا حجوا والوقت ضيق عليهم فمات أكثرهم في الطريق، ولولا أن الله أغاثهم في مصعدهم بسحابة أرسلها، فمطرت حتى عاشوا بها وعاشت جمالهم ما بقي منهم أحد. وكان رسول الله ابن طغج قد وافى بهدايا إلى ناحية الانبار، فلما علم بأمر السلطان صار إلى تكريت، فأوصل الهدايا إلى المتقي لله.
следующие страницы →