Полный текст (285 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
ووافى اسكورج الديلمي بغداد يوم الثلاثاء لأربع عشرة ليلة بقيت من المحرم وهو أكبر قوادهم، وقلده الأمير عمل سر من رأى وعكبرى وأمره أن يكون بسر من رأى، فإن جاء أحد من ناحية ابن حمدان حاربه، والأمير توزون مقيم على أرز بالجامدة ليستنطقه.
ووافى من عسكر البريديين إلى الأمير توزون في الأمان أبو المهدي البربري فأنفذه إلى بغداد، وأغارت خيل الروم على نواحي نصيبين، واستغاثوا بناصر الدولة فلم يغثهم، لأنه كان قد جرب خيانته مع ابن عمه أبي عبد الله ليصيروا إلى بغداد ليخرج الخليفة معهم.
ووافى أبو جعفر محمد بن يحيى ابن شيرزاد بغداد لأربع بقين من المحرم فجلس في داره وجاءه الناس، وهو كاتب الأمير توزون فاستأمن بعض أصحاب اسكورج وصافى إلى واسط وأبو المهدي، وأبو طالب أخو المظفر بن حمدان الميدمان، وإبراهيم أخو الأمير توزون.
واستتر أصحاب أبي جعفر بن شيرزاد، ووافى الحسين بن أبي العلاء بن حمدان في صفر، فنزل حيال الشماسية ومع أبي العلاء هذا عيسى جال الديلمي وأبو وائل ويروخ الناصري، فوجه إليه المتقي لله أن يدخل بغداد ليخرج معه فقال لم أومر بهذا، واستوحش وقال إن خرج إليّ أمير المؤمنين اليوم وإلا رجعت. وأشير على المتقي ألا يخرج عن بغداد فما تركه الترجمان، وكان قد استوحش من الأمير توزون لأشياء اختانها وتعدى فيها.
стр. 247
ولقد حدثني بعض الخدم أن بعض الرؤساء المتقي لله يا سيدي خروجك إلى ابن حمدان أشد على توزون من ضرب عنقه، وفي خروجك انحلال أمره وأعظم المكيدة له.
ولا والله ما نصحوه وإنما خافوا على أنفسهم من توزون، فخوفوا الخليفة منه ولو كان معه من ذوي نصحه من كان يعرف حقيقة الرأي ما تركه يخرج. وذلك أن توزون ما خالفه في شيء أراده، وما زال ساعياً في مراده ومحبوبه، كان أمره جارياً مع البريدي ببغداد على أفضل إرادته فلأجل الخليفة ما احتال في أخذ البريدي، فلم يمكنه ذلك لخذلان قوم كانوا وعدوه أن يكونوا معه، فحارب ليله ونهاره ثم صار إلى سر من رأى وكتب إلى الموصل يشير بالانحدار إليه وأنه يتضمن حرب القوم فما فعلوا، حتى خرج إليهم فحشرهم وأنهضهم، وقد كان أشار بمصالحة البريدي، وأخذ أموال منه، ثم يكون بعد ذلك على رأس أمره، فأبى الخليفة عليه، فاتبع أمره وانحدر وكان كاتبه في الحيلة على بني حمدان، فأخرج سيف الدولة عن واسط فما الذي أوجب أن يستوحش منه؟.
ولقد صرت إلى القاضي أبي الحسين، فقلت له إن هذا الخليفة ما يجالسنا، وزعم أنه لا يريد جليساً، يخالف الناس جميعاً في هذا إلى عصره، وليس له رزق على، ولكن نصحه واجب، وهو يقبل رأيك فاتق الله ولا تدعه يخرج، فإنه إن خرج لم يعد وخربت بغداد، وأضر بالعامة، فتضمن لي ذلك. وما ظننت أن أحداً فعل هذا معه غيري
стр. 248
حتى حدثني القاضي أبو عبد الله محمد بن عيسى أنه صار إليه فأشار عليه بمثل مشورتي فأبى الله إلا ما أراد.
ولقد حدثني بعض الخدم ممن أثق به أن المتقي لله اضطرب من الخروج، فقال له الترجمان ومساعدوه على هذا الرأي: إنا قد تحدثنا بالقبض عليك فامتنعنا من ذلك، وأشرنا بالخروج عليك، وقد كشفنا الأمر لك.
فلما سمع هذا خرج غداة يوم الخميس وركب على الظهر، ووافى الشماسية، وخرج معه وزيره علي بن محمد بن مقلة والحاجب أحمد بن خاقان ولؤلؤ صاحب الشرطة وأبو جعفر الخياط، وتبعه حاشية الدار وجماعة من وجوه البلد.
وجلس المتقي لله في الخراقة، وتلاحق به من بقي من حاشيته وخرج معه قاضيه وأسبابه، وجاء ابن أبي العلاء وجميع من معه فقبلوا يده وعرفوه سرور ناصر الدولة بمصيره إليه.
وركب الترجمان يوم الجمعة من الجانب الغربي بمطارد مذهبة ومعه أصحابه، وأودع جميع ما كان له قبل خروجه أياماً متوالية، حتى أودع أصناف النبيذ فوجد بعد ذلك فما بقي الله منه شيئاً.
وصلى صاحب الصلاة بالناس في المعسكر يوم الجمعة لثلاث خلون من صفر، ومدت خراقات الخليفة بعد الصلاة ودخل الناس معه، وخلت بغداد واستوحش أهلها.
وكتب الخليفة إلى صاحب الشرقية أحمد بن جعفر الزطي بكتاب
стр. 249
يأمره أن ينادي بما فيه فنادى أمير المؤمنين أطال الله بقاءه بالنداء ببراءة الذمة ممن فتح من العمال والمتصرفين شيئاً من الدواوين، أو نظر في الأعمال أو طالب بخراج أو تصرف في عمل من الأعمال السلطانية بعد شخوص أمير المؤمنين، فقد أحل بنفسه العقوبة الموجعة وهجم داره وإباحة ماله، فقد أحب أمير المؤمنين ترقية رعيته، والاحتياط لهم، وترك إعناتهم فليحذر المخالفون لذلك، وليلحق بأمير المؤمنين سائر عماله وأوليائه، ولا يتأخروا عن معسكره، وليبلغ سامع هذا النداء الغائب عنه فنودي من جانبي بغداد.
ولم يدع المتقي لله بعض خدمه حتى ضرب يوم الجمعة قبل الصلاة عنق ابن المطلب، المتهم بالرفض، وكان ناصر الدولة وأسبابه يعنون به ورمى بجسمه في أزقة الشماسية فبكر الناس يوم السبت، فأخذوه وغسلوه وكفنوه بعد أن صلى عليه بمسجد براثا ودفن هناك.
وضبط صاحب الشرقية عمله ضبطاً حسناً، وكذلك العروضي وهو إبراهيم بن شيخون وكان إليه الجانب الشرقي.
ووافى من عسكر توزون بغداد جماعة فلحقوا بالخليفة، ووافى بغداد يوم الثلاثاء بشرى حاجب توزون واسكورج، وصاروا إلى دار أبي جعفر محمد بن يحيى بن شيرزاد، وظهر في داره فأمر ونهى وولى، وما التفت الناس إلى شيء مما أمر الخليفة بالنداء به.
وكان الأمير وجه من واسط بالميدمان بن حمدان البريدي في جيش كثيف إلى ناحية المذار، فهزمه أصحاب البريدي، فوافى نحو
стр. 250
واسط منهزماً، وصلى الناس بسر من رأى يوم الجمعة في معسكره.
ووافى بغداد ينال البكراني وتكيز الشيرزادي وأخو الأمير توزون، وجماعة من القواد فنزلوا باب الشماسية ومعهم طياراتهم وزبازبهم.
ونزل السلطان تكريت ونفذ الترجمان ولؤلؤ وابن الخياط إلى الموصل على طريق البرية، لأخذ أرزاقهم وحدره إلى تكريت لمحاربة توزون، وكثرت الكبسات ببغداد في الليل دور المياسر.
ووافى عكبرى ابن بلال من قواد ابن حمدان فكبس عكبرى وبها أصحاب اسكورج فقتل جماعة منهم وانهزموا وأقاموا بنواحي عكبرى فوجه اسكورج بخيل فهزمت ابن بلال وملكوا عكبرى.
وظهر ابن جمدى العيار، وكان حمالاً بنواحي سوق الحديد باب درب الشوك بحضرة المزملة ثم صار لصاً ببغداد، فولاه أبو جعفر بن شيرزاد طريق واسط، وخلع عليه، وطالب أبو جعفر بن شيرزاد التجار بأموال فاستتر أكثرهم.
وورد الحاج في النصف من صفر شاكرين لأبي علي محمد بن يحيى العلوي لحفظه لهم ورفقه بهم، وكانوا حجوا والوقت ضيق عليهم فمات أكثرهم في الطريق، ولولا أن الله أغاثهم في مصعدهم بسحابة أرسلها، فمطرت حتى عاشوا بها وعاشت جمالهم ما بقي منهم أحد.
وكان رسول الله ابن طغج قد وافى بهدايا إلى ناحية الانبار، فلما علم بأمر السلطان صار إلى تكريت، فأوصل الهدايا إلى المتقي لله.
стр. 251
وكبس الروم رأس عين، فأخذوا جميع ما كان فيها ونهبوها ووجدوا فيها قوافل مصعدة ومنحدرة، فيها أمتعة لا يدري قيمتها فأخذت كلها، ونال المسلمين ما لم ينلهم مثله قط، فلما أراد العدو الرحيل أحرق البلد، وفتحت الحوالى لسنة اثنتين في شهر ربيع الأول، فلحق أهل الذمة خبط عظيم وظلم قبيح.
ووافى توزون بغداد فقدم جماعة من أصحابه إلى سر من رأى ووافى ملهم بن دينار الأسود المستأمن، وكان حاجب رافع القرمطي وانضم إلى ابن حمدان إلى حيال باب الشماسية فجعل يشتم توزون هو وأصحابه، فأمر توزون حينئذ بأن يصير إليه عسكر بخيمهم ومضاربهم إلى الجانب الغربي، ورجع ملهم إلى تكريت، ووافى الخبر لخمس بقين من شهر ربيع الأول بدخول البريدي واسط.
ووقع على التجار ببغداد ظلم عظيم وخبط شديد، وتهارب الناس وخرج عن بغداد جماعة من مياسير اليهود والمجوس إلى الشام وكاتب توزون البريدي ووافقه على مال بعينه فوجه إليه البريدي بمال، ووافى جميع من كان من جيش توزون في طريق واسط إلى معسكره بباب الشماسية، وفر بعض غلمان توزون إلى تكريت فركب فلحق بعضهم فقتل من كان قبض رزقه وفر، ومنَّ على من لم يقبض رزقه.
وانحدرت من عسكره زبازب إلى البريدي في الأمان من الديلم، وغلت الأسعار ببغداد وإمارة بغداد، من قبل أن يقدم توزون إلى هذا الوقت.
стр. 252
وأمر صافي غلامه وحاجبه، فوظف على أصحاب الشرطة أموالاً وأخذها.
ووجه ابن فتان بمائة جمل إلى تكريت عليها هدايا أكثرها فاكهة للسلطان.
ورحل توزون من معسكره إلى عكبرى يوم الثلاثاء لأيام بقين من شهر ربيع الآخر، وخلف بباب الشماسية أخاه وكيغلغ وارتمش في ثلاثمائة من الأتراك، ونودي ببغداد براءة الذمة ممن تخلف من الجند عن الأمير توزون، وأطلق دعلج العدل وهو من أجل الشهود لعشر بقين من شهر ربيع الآخر، بعد أن أدى مائة ألف درهم، وولى اسكورج إمارة بغداد.
وواقع القرامطة أصحاب ناصر الدولة بجماعة من الأتراك، كانوا طلائع لتوزون بنواحي سر من رأى، وقتلوا قائداً لهم فحمل في تابوت إلى بغداد ودفن فيها.
وعبر الأمير توزون من سر من رأى إلى جانب الغربي، ليكون مع ناصر الدولة على أرض واحدة، وكان ناصر الدولة لما وافى تكريت أعطى الناس أرزاقهم في شهر ربيع الآخر، وكان بتكريت نحو مائة وخمسين زورقاً فيها دقيق وحنطة وشعير وسقط وشحم وعسل وثياب وغير ذلك فأمنوا بناصر الدولة.
ولما قبض الناس أرزاقهم تقدم سيف الدولة فعسكر أسفل تكريت على الإسحاقي وأنفذ ناصر الدولة أبا منصور عبد الواحد بن المتقي لله
стр. 253
وحرمه إلى الموصل قبل الوقعة، وأراد إنفاذ المتقي معهم فكره ذلك واختار المقام مع ناصر الدولة، فأشفق عليه فقدمه إلى موضع يعرف بالأعمى فوق تكريت بستة فراسخ، وأقام ناصر الدولة فوق تكريت قليلاً بازاء الدير ووجه بقواده كلهم مع أخيه سيف الدولة منهم يروخ وعيسى جال والترجمان ولؤلؤ وأرسلان وإبراهيم بن أحمد بن أمير خراسان.
فواقع سيف الدولة توزون، يوم الأربعاء لخمس بقين من شهر ربيع الآخر، ثم تحاجزوا، وقد وقعت بأسكورج ضربات. ولم يشك سيف الدولة أنه ظافر لأنه قاتل في يومه ذاك أشد قتال، فبكر على القتال يوم الخميس لأربع بقين من الشهر. وكان سيف الدولة كمن بين قشير ونمير، ليخرجوا إذا احتدت الحرب على أصحاب توزون، فلما علق بعض القوم ببعض عطفت قشير ونمير على سواد سيف الدولة فنهبوه، تعصباً زعموا للمضرية على الربعية، فظن سيف الدولة أن توزون كاده بذلك، وكمن كميناً خلفه ليتبعه إلى تكريت، فرجع إليهم فوجد أعرابه وكمينه قد نهبوا سواده، فأوقع بهم فطاروا بين يديه.
وكان غلام سيف الدولة يمك التركي مما يلي دجلة في عدة، فمال عليهم توزون فهزمهم واقتطع نحو خمسمائة ديلمي، كانوا في الميسرة فاستأمنوا وأمرهم بطرح السلاح.
وكان شغل سيف الدولة بالأعراب سبب الهزيمة، وتقطر بيمك التركي غلام سيف الدولة فرسه فأسر.
стр. 254
ووجه توزون بالديالم إلى بغداد في زواريق، بعد أن قيد جماعة منهم.
وصار سيف الدولة إلى أعالي تكريت فوجد أخاه ناصر الدولة قد رحل وتلاحق به العسكر، فملك توزون تكريت ونزل بالدير الأعلى في المكان الذي كان فيه ناصر الدولة، ونهب أصحاب توزون تكريت حتى منعهم بنفسه ونهبوا زواريق شعير كانت لسيف الدولة وزواريق للتجار وحاز توزون أكثرها، وزواريق دقيق ففرقها على أصحابه وجمعهم، فقال لهم: أنا واحد منكم، وهذا الأمر أريده لكم.
وامتنع أبو جعفر ابن شيرزاد من الجلوس للناس قبل الوقعة بيومين. فلما جاءه الخبر جلس، وأمر بالنداء بما فتح الله على الأمير، وأنه ورد كتابه يجتهد في أن يرخص الأسعار بمدينة السلام.
ولما رحل ناصر الدولة إلى المنزل المعروف بالأعمى وجد الخليفة المتقي لله به، فرحله معه وأقام بالسن يوماً حتى تلاحق به أصحابه، ورحل إلى الجونية وقدم الخليفة قبله إلى الموصل، ثم لحق به وترك الجونية بعض غلمانه وبالسن طلائع له من القرامطة.
ولحق سيف الدولة بنمير وقشير فقتل منهم مقتلة عظيمة واسترجع بعض ما كان أخذوه، ولما اجتمع الناس بالموصل أعطاهم ناصر الدولة رزقة كاملة وأمر المعطين، ألا يحتسبوا بها عليهم. وصار إليه جماعة من عسكر توزون فقبلهم، وخلع عليهم ونزلهم بما أرادوا.
ولما عاث أصحاب توزون بتكريت ركب بنفسه فأخرجهم منها،
стр. 255
فكثر شكرهم له ثم رجع عليهم الأموال. فكثر دعاؤهم عليه، فكان كما قال مسلم بن الوليد:
وَلاَ غَرْوَ لَمْ تَدْرِكْكَ مِنَّي مَلاَمَةٌأَسَأْتَ بِنَا عَوْداً وَأَحْسَنْتَ بادِياً
وكما قال رجل في صديق له كان أحسن الناس فعلاً مبتدءاً، وأقبحهم آخراً، فقال فيه:
أَوَّلُهُ يُرْضِي وَلكِنَّهُ ... لاَ يُتْبِعِ الأَوَّلَ بِالآخرِ
سبحان الله ما أعجب البركة والحظوظ؟ هذا أبو جعفر محمد بن يحيى بن شيرزاد ما كتب لأحد قط إلا بلغ أعلى المراتب وأجل المنازل ما زال جد ابن الخال يعلو ما دام يكتب له، فلما تركه أدبر وانحل أمره، وكتب لبجكم فبلغه ما لم يبلغ أمير من المال والهيبة، وأصلح له قلوب أصحابه. وكتب لتوزون فبلغ به ما لم يظن الناس أن توزون يبلغه أبداً.
ووافى اسكورج بغداد يوم الثلاثاء لليلتين خلتا من جمادي الأول وهو أمير الشرطة.
ووافى قبله خمسمائة من الديالم الأسرى في زواريق، فكان توزون قد رد أمرهم إليه. فحبس بعضاً وبقي بعضاً وأطلق بعضاً.
ووافى إقبال الشيرزادي مع زواريق دقيق إلى بغداد، وبزواريق سقط فقيل هذا لابن حمدان وأخذ مستهلكاً.
وغمز بخزانة لأبي الحسين علي بن محمد بن مقلة بناحية سوق العطش فوجه أبو جعفر بن شيرزاد بابن جمدى، فأخذ جميع ما فيها ونزل ابن
стр. 256
جمدى داره بمربعة أبي عبد الله، وأخذ جميع ما كان فيها، وسفر في الصلح بين توزون وناصر الدولة على أن يرجع إلى داره ويحمل ابن حمدان إليه فضلاً مما كان على أن الإمارة تكون لعبد الواحد ابن المتقي لله، فكان ناصر الدولة أسرع الناس إجابة وأشهاهم لتمامه. فكره أخوه وأصحابه ذلك، وكرهه الخليفة. فقال لهم ناصر الدولة أنتم تهربون ولا تقفون، ومالكم عندي رزق إن عزمتم على القتال إلا بعد أن أعرف أمركم، وإلا فانصرفوا إلى حيث شئتم، فحلفوا له أنهم يجتهدون ولا يقصرون.
وورد الخبر عل توزون أن ناصر الدولة، على أن يواقعه وقعة ثانية وكان توزون في وقت هرب الترجمان قد قبض على ختنه المعروف بحبة التركي وحبسه وكان شجاعاً، فتكلموا فيه وضمنه أبو عمران موسى بن سليمان اصبهلان، فأخرجه وخلع عليه ووصله وحمله على دواب كثيرة ووهب له بغالاً، وسفر أبو عبد الله محمد بن أبي موسى في الصلح وأحبه واجتهد فيه، وهو من الرجال الزمان ومن أهل الخير مع ذلك وكثرة الصدقة واصطناع المعروف، فتردد في الصلح وقرب الأمر على يده، ثم عارضه قوم فأفسدوا الأمر.
وصح عزم الخليفة وناصر الدولة على محاربة توزون ثانية فصار سيف الدولة في الجيش كله إلى تكريت، لأيام خلت من رجب وبلغ توزون خبرهم، فشخص إليهم في عدته، فلما صافتهم الحرب استأمن ارتمش التركي، وهو من أجل قواده، وكان غلاماً لسيف الدولة
стр. 257
إلى سيف الدولة في جماعة من الأتراك فاضطرب عسكر توزون لذلك فخاف أن يهزم، فحمل عليهم في نحو ثلاثمائة غلام وحقق وحققوا معه، فما هابوا سيفاً ولا رمحاً حتى أزالوهم وهزموهم، فولوا هاربين وتبعهم ولم يوغل ولا أبعد، خوفاً على اضطراب باقي عسكره وسواده.
وقد كان ناصر الدولة قال لأصحابه: إن انهزمتم فلا يريني أحد منكم وجهه فما قبلوا ذلك، وصاروا إلى الموصل وأصحابهم معهم.
وظهر أبو جعفر، بعد أن كان استتر يوماً، وهنأه الناس بالفتح.
ورأى توزون أن يمضي إلى الموصل، وكاتب الخليفة بأنه عبده ولا خلاف عليه منه، فما قبل ذلك فرحل الأمير توزون إلى الموصل لا يلوي على شيء، وبلغ الخليفة وابن حمدان ذلك، فرحل إلى نصيبين، وحوى توزون الموصل وما فيها من الأطعمة وعسكر خارجها على أن يقصد نصيبين، ويوقع بمن فيها، وكتب إلى ابن حمدان في إنفاذ الخليفة إليه فكره الخليفة أن يصير إليه بعد ما فعله فأسرع من نصيبين إلى الرقة في أصحابه الذين خرجوا من بغداد معه، ومعه من الكتاب وزيره علي بن محمد مقلة وأبو إسحاق القراريطي وأحمد بن عبد الله الأصهباني والحسن بن هارون وأبو محمد الحسن بن أحمد المادراني وعبد الجبار بن الحسن النفري كاتب دار السلطان مستنجداً بابن طغج وكتب بذلك إليه.
وكتب الأمير توزون إلى أبي جعفر بن شيرزاد في اللحاق به فلحق به إلى الموصل واعتمد في خلافته ببغداد على أبي عبيد الله أحمد بن محمد
стр. 258
ابن عبد الوهاب، وعلى طازاذ بن عيسى النصراني، وكان رأى ناصر الدولة أن يرجع الخليفة إلى بغداد، ويفارق هو الأمير توزون على مال يحمله ويصرفه إلى بغداد، فخالفه المتقي لله، وخرج من أعماله معتمداً على ابن طغج أبي بكر الأخشيد.
وكاتب ناصر الدولة الأمير توزون في الصلح، وعلم توزون أنه أشار على المتقي لله بما أراده توزون فلم يقبل المتقي منه ولا تركه بعض من كان معه يقبل ذلك.
وسفر بين ناصر الدولة وبين توزون أبو عبد الله بن أبي موسى الهاشمي وأبو زكريا يحيى بن سعيد السوسي، ولما صار أبو جعفر إلى الموصل رأى أن الأموال الذي يحملها ابن حمدان أوفى مما يؤخذ من الموصل مع التغرب وانتشار الأعراب.
وكان خروج أبي جعفر من بغداد في شعبان، فتم أمر الصلح بين توزون وبين ناصر الدولة برأي أبو جعفر، وما زالت السفارة بينهما طول شهر رمضان سنة اثنتين وثلاثين، وتم الصلح في أول شوال ورجع توزون إلى بغداد وأبو جعفر معه، فكان دخوله إليها لإحدى عشرة ليلة خلت من شوال، وكان حرص أبي جعفر على الصلح لما بلغه من موافاة ابن بويه الديلمي إلى واسط، وأخذ الضرائب والخراج، وأن ابن بويه دخلها في شهر رمضان.
واتهم المتقي لله بمكاتبة ابن بويه بأن يصير إلى الحضرة، وصلحت سيرة ابن بويه بواسط، وخفف عنهم كاتبه محمد بن أحمد الصيمري
стр. 259
المكنى أبا جعفر من الضرائب، وعدل عليهم في الخراج.
وكان أمير بغداد أبو العباس اسكورج قد اصطنع ابن جمدى وأمل أن يرتدع ويقصر ويعرف به جميع المتلصصة، فكان يرسل أصحابه على الناس، فلهم في كل يوم حادثة عظيمة، وكبس وإغارة على الأموال. ووقف اسكورج على أنه أصل ذلك كله، وقيل الأمير توزون فيه غير مرة، وعرف أبو جعفر الأمير حقيقة خبره، فأمر به فضرب وسطه في دار الأمير توزون، وحمل إلى الجسر على جمل، ونودي عليه هذا ابن جمدى اللص فاعرفوه.
وظفر بجماعة من أصحابه فقتلوا وصلبوا، فسر الناس بذلك وقالوا ما أمنا على أنفسنا وأموالنا إلى الآن، بقتل ابن جمدى وأصحابه، وكثر الدعاء للأمير توزون، وكان قتله برأي أبي جعفر بن يحيى بن شيرزاد الكاتب.
وفاة البريدي
قد ذكرنا وثوب أبي عبد الله البريدي بأخيه يعقوب أبي يوسف وقبله له حين منعه، وكان ذلك في النصف من صفر سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة.
ووافى الخبر إلى بغداد أول يوم من ذي القعدة، سنة اثنتين بأن أبا عبد الله أحمد بن محمد بن يعقوب البريدي توفي لأيام بقيت من شوال سنة اثنتين بقولنج عرض له، وقام بالأمر أخوه أبو الحسين علي
стр. 260
ابن محمد أياماً، ثم أحس بأن جماعة من الغلمان والقواد قد عزموا على الفتك به، فهرب في الليل مع غلام له حتى خرج من سور البصرة من ناحية سيحان، ثم لحق بالقرامطة المقيمين بالجعفرية على فرسخ من البصرة فعرفهم نفسه وما جرى عليه، فحمل إلى البحرين ثم رد باختياره إلى البصرة، وكان أبو القاسم عبد الله بن أخيه قد ملك الأمر بعده، فلما وافى البصرة تكلم قوم في أمره بفنون فأبى أبو القاسم إلا أن يخيره ما يريد، فاختار الخروج من البصرة، فخرج ووافى بغداد، وذلك كله أو أكثره في سنة ثلاث وثلاثين ثلاثمائة.
ذكر قتل الترجمان
جملة أمره كان جباناً مضرباً منتقلاً، بخيلاً قصير الرأي رديء الاختيار، وكان سيف الدولة يتهمه بأنه هو الذي ضرب الأمير توزون عليه، حتى كان منه إليه بواسط ما كان، وأنه أطمع المتقي لله في الاحتيال على ناصر الدولة وراسله في ذلك، يحصله في داره فيطالبه بالأموال، وأن الرسل بينهما اختلفت بذلك.
ولقد أمكنه ذلك من ناصر الدولة مرات، خاصة عند قرب خروجه من بغداد فما اضطلع بذلك، ولا كانت له نفس تفي به، إلى أن خرج ناصر الدولة، وهو أوثق الناس به وعنده أنه في جملته ثم غدر به، فرجع وكان بالرقة قد تمكن من المتقي لله، يصل إليه متى أراد ويأكل معه ويسمع منه، وكان يثلب سيف الدولة. وكاتب
стр. 261
الأخشيد ابن طغج في إنفاذ جيش إلى الرقة لأخذ الخليفة من يد سيف الدولة فركب يوماً إلى سيف الدولة، وقال له قد ضرب الجند علي، فإن كان في نفسك شيء علي، فأنا بين يديك، وتغضب وزاد في الكلام، فنصحه سيف الدولة.
وقال له: لا يركب معك غيري، حتى يؤديك إلى منزلك، فركب وخرج من بابه وأغلق غلمان سيف الدولة باباً خلف سيف الدولة، وضربوا الترجمان - وكان خلفه - بالسيوف واحتزوا رأسه، وبلغ أمره الخليفة فغضب وتكلم، وقال: ابن رايق بالأمس، والترجمان اليوم! وأشير إليه ألا يعيد في هذا شيئاً وأن يرى سيف الدولة أن الذي حكاه حق، ويستصيب رأي الغمان فيما فعلوه.
وفاز جميع من كانت له عنده ودائع مال فهو في أيديهم، واعتل الأمير توزون في ذي القعدة علة صعبة شديدة من قولنج وغير ذلك، ثم أقاله الله ووهب له العافية فاستحجب فتاه صافياً، خلع عليه خلعاً، ركب فيها حتى رآه الناس.
ثم اتصل بتوزون أن الديلمي الذي بواسط يريد بغداد، فقدم مقدمته إلى المداين، وخرج في أثرهم وذلك في ذي القعدة لإحدى عشرة ليلة بقيت منه.
ووقع في هذا الشهر بالكرخ حريق عظيم من حد طاق التكك إلى السماكين، وعطف على أصحاب الكاغد وأصحاب النعال، وذهبت النيران بأمتعة البزازين وأموال خطيرة، وكان وقوع الحريق ليلاً
стр. 262
فبادر الناس ليخلصوا أمتعتهم فكان كل من أخرج شيئاً نهبه الخرابون ومن يعينهم من العيارين، فما وصل الناس إلى شيء من أمتعتهم.
وسار أحمد بن بويه الديلمي يريد بغداد، وحدر أبو جعفر إقبالاً غلامه في الماء ومعه الطيارات والزبازب، ليمنع الديلمي من الماء، وكان ذلك من أجل الآراء وكان ذلك سبب الفتح وهزيمة الديلمي، ووقعت الحرب في الجانب الغربي من حدود قباب حميد أياماً متوالية والأمير توزون يرى أن يستجرهم إلى قرب بغداد، لتقرب عليه الميرة إلى أن عبر بهم نهر ديالي، فصيره بينه وبينهم، وذلك برأي أبي جعفر بن شيرزاد، وجاء الديلمي حتى نزل حياله وهو بلا زاد، وقد ذبح جماله وجاع أصحابه ومنع مع ذلك من الماء، وكان المعروف بابن أبي علي اللص قد صار في جملة الديلمي.
وجمع أبو جعفر أموالاً فحملها إلى الأمير توزون فقويت بها نفوس أصحابه، وأثبت جماعة من العيارين فأنفذهم في الماء، ليرموا بالمقاليع، فكانوا يعطعطون بالديلم ويمنعونهم مع إقبال من الماء حتى هلكوا جوعاً وعطشاً، وعلم الأمير بما هم فيه من ذلك.
وأمر أبا الدفين الأعرابي أن يعبر إليهم، وعبر جماعة من الأكراد ومتسرعة من قواد الأمير توزون وغلمانه، فولى الديالم هاربين في الساعة الخامسة من يوم الأحد لأربع خلون من ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة.
واستأمن إلى الأمير جماعة من وجوه الديلم وقوادهم، وظفر
стр. 263
بجماعة منهم، وأخذ فيمن أخذ ابن قرابة العطار، فأمر الأمير توزون فيه بأمر عظيم، فتكلم فيه الحر الجليل أبو جعفر حتى تخلصه، وكان تخلص ابنه قبل ذلك، لأنه ذكروا أنه وجد له كتاب إلى أبيه، فيه ما لا يجوز فأمر الأمير بقتله حتى استنقذه أبو جعفر.
ولما اشتد أمر الديالم وظن الناس أن الأمر أهم، انتدب جماعة وعزموا على الفتك بأبي جعفر في داره والوثوب ببغداد، ليبادر جيش الأمير إلى منازلهم فيكون هزيمة ويركبهم الديالم.
واتصل خبرهم بأبي جعفر، فوجه بمن قبض على من وجد منهم وأحضر أبو العباس بن عبد الرحمن بن جعفر الخياط، والمعروف بابن أبي الرديني وطلب يمن البري فلم يوجد.
وهرب جماعة ذكروا في هذا الأمر، فوبخ أبو جعفر ابن الخياط وذكره إحسانه إليه وأنكر أنه فعل ذلك، فأمر بحبسهم بعد أن صح عنده أمرهم، فحلم ولم يسلمهم فيقتلوا، وكان هذا من فضله وتوقيه.
وكان ظفره بهؤلاء علامة للإقبال، لأنه أخذهم لليلتين خلتا من ذي الحجة، وهزم الديلمي بعد يومين.
ولقد اجتمعت على أبي جعفر في هذا الوقت أمور، لو اجتمعت على أوسع الناس صدراً وأشدهم بأساً وأكملهم شجاعة لبعل بها، ولم يتسع للفكر فيها، وكان يلجأ إلى هرب واستتار، فصبر على ذلك كله واضطلع به، حتى بلغه الله ما أراده وأظفره ببغيته.
منها مجيء الديلم إلى قرب بغداد في الجيش الذي لا يقام لمثله ومعه
стр. 264
كتب يقرأها على الناس بمكاتبة المتقي لله له يأمره بقصد بغداد، وذلك ما لا يكذب به أحد ممن سمعه لهرب الخليفة، وما أظهره من عداوته للأمير.
فمنها علة الأمير توزون، التي اشتدت في هذا الوقت، فما خرج عن بغداد إلا وهو عليل رقيد.
ومنها قلة المال وأنه لا يرجع إلى شيء معد ولا يقدر على استسلاف من التجار على شيء يرد، ولا مطالبة للمستظهرين منهم، بقرض، لئلا تنفر عامة البلد مع حاجته إلى تسكينهم وإلى الرفق بهم.
ومنها مجيء القرامطة إلى الكوفة يطالبون بمائة وخمسين ألف دينار، وورد المكنى بأبي دلف بغداد مستحثاً لذلك.
ومنها شذوذ الخليفة وتباعده إلى الرقة، يورى الناس أن توزون قد عصاه، وأراد إتلافه فيهرب منه، وأن الترجمان يهتف بذلك ويجاهر به ويكاتب الناس من أهل الشرق والغرب بمعونة الخليفة وإغاثته واستنقاذه.
ومنها أن ناحية ناصر الدولة التي كانت مغوثة بالأموال الموكفة والأقوات الواردة قد أفسدها الخليفة ومن معه، فانقطعت مواردها وغلت الأسعار بها ويئس الجند منها: إلى أشياء بعد هذا لعله لا يجوز ذكرها. فصبر أبو جعفر على هذا كله، حتى كشفه الله لمناصحته، ويمن تدبيره.
ومن أعجب العجب أن قوماً يظنون أنهم يقومون مقامه ويغنون
стр. 265
غناءه، وأن أعداءه يرجفون به ويحتالون المعايب له. وقد نسوا ما كان منه وما كان يعانيه ويقاسيه في هذا الوقت من الأمور والملابس بها. والله الذي لا إله إلا هو إنه بالرحمة له منها أولى من الاغتباط بها له ولا تعمل إلا على أن واحداً قام مقامه وفعل فعله، من أين يملك مثل طبعه حتى يجلس سائر نهاره وأكثر ليله، لا يأكل ولا يشرب ولا يتشاغل بشيء من جميع الملاذ التي لا يصبر الناس عن شيء واحد منها، ولا يحجب واحد عنه، ولا ينصرف ذو حاجة أتاه راضياً إما بقضائها وإما بوعد فيها يقنع به، وإما بولاية يرى نفعها على ما أمله من حاجته وملتمسه، أو تعويض له من ماله، بصدر رحب ووجه طلق وخلق واسع، لا يقدر المتخلق على مثله.
وسل أين من كتب لبجكم وهو في أدنى أمره فبلغ به أعلاه فربى بمعرفته، وتكهل الشاب بخدمته، وشاخ الكهل ولا يعرف غيره. فهو لجماعتهم كالوالد الحدب له هايب طائع.
ومن أين يوجد رجل ما كتب لأحد قط واتصل به إلا علت مرتبته، وزادت حالته وطغى يساره، ثم يكون مفارقته له فيه سبب حتفه وسقوط حاله.
هذا ابن الخال هارون، مازالت حالته متوسطة إلى أن كتب له فبلغ به أقصى ما يبلغه مثله، إلى أن تغير له وفارقه فساق نفسه إلى حينه.
ولقد حدثني بعض أسبابه أن كتاب أبي جعفر نفذ إليه مطلقاً بالرأي عليه بأن يقبل ما كاتبه به الراضي بالله ويرجع ويتركه حتى
стр. 266
يسعى له فيما يريد على رفق وتأيد فخالف وبادر.
وهذا الأمير بجكم، ما زال وهو يكتب له مصحح البدن بآمن الحال موفر الأصحاب، ما قتل أحداً من أتباعه ولا أنكر شيئاً من أمره، حتى قبض عليه وصادره، واستكتب غيره. ففسدت عليه حاشيته، وقتل جماعة منهم، وتندم على ذلك، وحالفه سقم في جسمه، فوالله ما قتل إلا وهو مستسقم فاسد المزاج.
ولقد كنت أقول لسنان بن ثابت ما ترى لون الأمير واستحالته والغلظ الذي يشكوه في جوفه؟ فيقول لي لعله يصلح إذا احتمى، قول آيس منه، فما عمره بعد مفارقته له مع تنغص عيشه إلا مديدة.
وهذا الأمير المظفر أبو الوفاء توزون، ما كان أصحابه قبل أن يكتب له يفي عدتهم بثلثي عدتهم في هذا الوقت، ولا نفقاته تفي بنصف بعضه في هذا الوقت، فهو بركة عليه في نفسه وجيشه واتساع نفقاته.
والله يعلم أن ما تحريت بقولي هذا إلا الحق والمناصحة ولا يراني الله - في شيء مما أرويه وأؤلفه - أريد صديقاً لصداقته، ولا رئيساً لإحسانه، ولا أتزيد على عدو لعداوته، ولما أعتقده من بغضه، ومن لزم الحق سلم في عاجله وآجله، وكان الله ولى توفيقه.
стр. 267
ذكر رجوع الأمير أبي الوفاء توزون
إلى داره، بعد هزيمة الديلمي وركوبه الظهر ورجوعه في الماء.
ولما فتح الله على الأمير المظفر أبي الوفاء توزون، وأظفره بالديلم وأقام في عسكره أياماً، وأنفذ في طلب المنهزمة من يقتل ويأسر، ولم يعجل برحيل ليتبين آخر أمر عدوه، وما زال هذا من فعل الحزمة ذي الرأي المصيب، والعزم الصحيح.
وأمر أصحابه بالرجوع إلى منازلهم، مسرورين بما صار إليهم من سلب الديالمة وسوادهم، بعد أن كثر عند الأمير على بعضهم، فما نفس بذلك عليهم، ولا سأل عنه، ولا عرض به.
ثم رحل إلى بغداد وركب على الظهر في يوم الأربعاء لسبع خلون من ذي الحجة، فمضى في شارع المخرم إلى الجسر، ودعا الناس له، ثم انصرف في الماء إلى داره، وكانت ركبته هذه ركبة ما ركب أحد مثلها قط إلى خليفة، لأنه كان بين يديه مائة جنيبة ودابة وبغل بالسروج المذهبة والمفضضة، وبين يديه وخلفه من الغلمان الأتراك، بألوان الثياب وأحسن السيوف والمناطق وأفره الدواب، وهم عدة، ما اجتمع لأحد منذ مدة طويلة مثلهم. وما من قائد من قواده بعد هذا إلا وهو مساو بعدته وعدته قربه لأجل أمراء النواحي وأصحاب الأطراف الممتنعين بها.
ووافى في ذي الحجة أبو علي الحسن بن هارون بغداد برسالة
стр. 268
الخليفة المتقي لله وكتابه إلى الأمير أبي الوفاء المظفر.
وهذا رجل من رؤساء كتاب الزمان ممن خدم الأمراء السادة، وهو حدث لم يتكهل فحسن خبره، وحمد أثره. كتب ليوسف بن ديوذاذ أبي الساج، وهو الأمير الذي لا تدفع شجاعته ولا يجهل قديمه ورياسته ولا يشك في عقله وأدبه ونفاذه في جميع الأمور، فبلغ به ومعه الغاية التي لا تبلغها الآمال وهو مع كتبته رابط الجأش قوى الشجاعة حسن الفروسية، شهد مع يوسف بن أبي الساج وقعة القرمطي بالكوفة، فما زال ضارباً بالسيف إلى أن علم بأمر صاحبه فحمى نفسه بإقدامه وغلمانه، حتى أفلت جريحاً.
وكتب لعلي بن يلبق وهو هني لا يعد، فجعل إليه بتلطفه أمر المغرب كله وشرطة بغداد وحجبة الخليفة، إلى أن خلط عليه فتركه، فآل أمره إلى ما آل إليه، وإنما ذكرت أمر ابن يلبق معه لشيء أجيء به بعد.
سمعت الراضي يقول في خلافته: إنما كتب الحسن بن هارون لابن يلبق رحمة من الله لنا لنبقى، ولولاه لقتلنا القاهر كلنا! ولكنه كان يمنع منا ويحمل ابن يلبق على المناضلة عنا والدفع عن أنفسنا، وكان يصفه كثيراً.
ولقد غنت ستارته يوماً بشعر مليح، فقال أتعرف هذا اللحن؟ قلت لا، قال فالشعر؟ قلت لا، قال هذا الشعر كتب به إلى الحسن بن هارون وعمل هذا اللحن فيه، وكان عنده بمنزلة لطيفة. فلما قدم برسالة الخليفة وكتابه بلطف للأمير ابن المظفر إلى أن جمع الناس عنده
стр. 269
في يوم الاثنين لإحدى عشرة ليلة بقيت من ذي الحجة، وفيهم خليفة القاضي أحمد بن إسحاق سهل بن إبراهيم والعدول، وأحضر من العدول من يحسن أن يتكلم بالفارسية، حتى أخذوا على الأمير ما رضي به من القول. وحضر الهاشميون ووقع الصلح، وانصرف الناس مسرورين، وأنفذ الحسن بن هارون كتاب الأمير إلى الخليفة. ومعه كتابه بما جرى، وانتظر الناس ورود الجواب.
وخلع الأمير على ينال المحتاجي يوم الاثنين لثلاث بقين من ذي الحجة، وولاه طريق خراسان، فخرج مبادراً في عدة واستظهار، واتصل به وهو يعبر نسا أن الأعراب قطعوا على قافلة فخرج مبادراً ولم ينتظر أصحابه استهانة بالأعراب، وكان قد أطلق لصاً يقال أبو الفرج بن مياح بعشرة آلاف درهم أخذها، وكان من حقه أن يقتل لقطعه الطريق فنظر إليه ابن مياح هذا، وهو في خف فطمع فيه وحرض عليه إلى أن انبرى له، فطعنه فقتله.
فسلط الله عليه اللص الذي أطلقه ظالماً لنفسه، عاصياً لله في إطلاقه حتى قتله، فورثه الأمير أبو الوفاء وأخذ غلمانه ودوابه وأثاثه وضياعه وولى مكانه الفتح اللشكري فطلب الأعراب فهربوا منه ولم يقفوا له.
وورد ابن الغمر صاحب القرمطي الذي كان أدخل أيام القاهر مشهوراً ببرنس مع الشريف أبي علي عمر بن يحيى العلوي بغداد مطالباً بمال المفارقة، فكتب له أبو جعفر بن شيرزاد على عمال الكوفة كل ذلك، ليأمن على الحاج وهو يعلم ما عليه في ذلك.
стр. 270
وكان أبو بكر النقيب قد هرب من بغداد إلى ناصر الدولة، قبل شخوص الخليفة عن بغداد فقبله أحسن قبول وخلع عليه وعلى ولده، وبلغ برزقه ألفي دينار، ومثلها لولده وغلمانه، ثم خرج مع الخليفة إلى الرقة، ثم رجع إلى ناصر الدولة فأقام يأخذ رزقه، ثم كاتب أبا جعفر في مصيره إلى الحضرة واحتال حتى قدم.
وكان أبو جعفر قد وجد على أسكروز الديلمي عامل الشرطة ببغداد في أشياء أنكرها عليه من أخذ الدراهم، وقبالة ثقيلة يلزمها ولاة الشرطة فكاتب الأمير فيه فعزله، وولى مكانه أبا بكر النقيب، وهذا في المحرم ثلاث وثلاثين وثلاثمائة.
ولما رجع الأمير أبو الوفاء من نهر ديالي ظافراً أنشد شعراً في وصف ما كان منه ومن أبي جعفر في العزم والرأي، فما وقع عند من حضر الموقع المرضي. فنطقوا بأجمعهم وقالوا لي: مثل هذا الخطب العظيم والفتح الجليل، لا يكون له مدح يشهره الناس ويرويه؟ فقلت في ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة.
نَعِمَ الْوَرَى بِسَوابِغِ النَّعْماءِ ... وَنَجَوْا مِنَ الْبأْساءِ والضَّرَّاءِ
عَضَدَ الآلهُّ أَبا الْوَفاءِ بِنَصْرِهِ ... عَضُدَ الخْلافَةِ سَيِّدَ الأُمَراءِ
فأُرِيحَ قَلْبِي مِنْ جَوَى الْبُرَحاءِ ... وَلَهيبِ نَارِ الْوَجْدِ وَالأدْواءِ
عَادَ الزَّمانُ إلىَ نَضارَةِ عَيْشِهِ ... وَأُزِيلَتِ الْبَأساءُ بالسَّرَّاءِ
قَدْ واصَلَ النَّصْر للتْابِعَ سَيْفُهُ ... كَوِصالِ حِبٍّ كارِهٍ لِجفَاءِ
стр. 271
فِي كُلِّ يَوْمٍ للأَعادِي وَقْعَةٌ ... مِنْهُ تُبِيدُهُمُ وَسَيْفُ فَناءِ
فَتَراهُمُ لَمَّا رَأَوْهُ مُقْبِلاً ... كَالشَّاءِ يَنْفُرِ مِنْ أُسُودِ ضِرَاءِ
صَرْعَى وَقَتْلَى وَالَّذِي فاتَ الرَّدَى ... مِنْهُمُ حَلِيفُ الذُّلِّ في الأُسَراءِ
ضَحِكَتْ بِه الأَيَّامُ بَعْدَ قُطُوبِها ... وَجَلا الضِّياءُ بِهِ دُجَى الظَّلْماءِ
فَصلُوا السُّرُور قَضَاءَ ما عايَنْتُمُوا ... بِالأَمْسِ مِنْ هَمٍّ وَمِنْ بُرَحاءِ
قَدْ عُوفِي اللَّيْثُ الْمُطِلُّ عَلى الغْدِا ... مِنْ كُلِّ مَا يَشْكُو مِنْ الَّلأْواءِ
وَأَتاهُ نَصْرٌ مِنْ إلهٍ مُنْعِمٍ ... يَقْضِي لَهُ أَبَداً بِخَيْرِ قَضاءِ
أَعْيَيْتَ حيلَتَهُمْ وَفُتَّ مَدَاهُمُ ... مِنْ غَيْرِ إِتْعابٍ وَلا إِعْيَاءِ
نَثَرَتْ سُيُوفُكَ بِالْفَضاءِ أَكُفَّهُمْ ... فَكَأَنَّهُمْ فِيهِ حَصَى الْبَطْحاءِ
وَعطَفْتَ خَيْلَكَ خاطِفاً أَرْوَاحَهُمْ ... مِنْ غَيْرِ إمْهَالٍ وَلا إِبْطاءِ
أَنْتَ الْمُعَظَّمُ فِي الزَّمانِ وَمَنْ لَهُ ... ذَلَّتْ رِقابُ السَّادَةِ الْعُظَماءِ
أَبَتِ الإمارَةُ أَنْ تَزَوَّجَ غَيْرَهُ ... مِنْ بَعْدِ ما خُطِبَتْ أَشَدَّ إِباءِ
وَعَصَى الْمَدِيحُ فَلَيْسَ يُعْطي طَاعَةً ... إلاَّ لَهُ فِي سُؤْدَدٍ وثَنَاءِ
يَلْهُو بِأَبْطالِ الرُجِّالِ شَجاعَةً ... لَهْوَ الْمُلاعِبِ فازَ بِالأهَوْاءِ
مَلِكٌ أَبَرَّ عَلَى الْمُلُوكِ بِبَأْسِهِ ... وَقَبُولِهِ مِنْ سَيِّدِ النُّصَحاءِ
стр. 272
أَحيا مُحَمَّدٌ بْنُ يَحْيى دَوْلةً ... بِصَحِيحِ عَزْمٍ صائِبِ الأراءِ
زَيْنُ الكِتابَةِ وَابْنُ مَنْ ذَلَّتْ لَهُ ... وَعَلَيْهِ قِدْماً كِتْبَةُ الْخُلَفاءِ
مِنْ بَعْدِ ما ظَنَّ الأَعادِي أَنَّهُ ... سَيَكُونُ مَنْ نَاوَاهُ ذا اسْتِعلاءِ
إذْ ساوَرَ الإسْلامَ سُقْمٌ قاتِلٌ ... لَوْ لَمْ يُدارِكْ سُقْمَهُ بِشِفاءِ
فَرَماهُمُ مِنْ رَأْيِهِ بِنَوافِذٍ ... تُهْدَى بِلا هادٍ إلَى الأَحْشاءِ
وَرَأَى حَبَالَى رَأْيِهِ شَرَكاً لَهُمْ ... فَهُوَوْا لَحْمئَتِهِ هُوىَّ دِلاءِ
في كارَ يُرْجَى عَيْنُ رَأْى مُجَرِّبٍ ... مَاضِي الْحُسامِ لِحَسْمِ هَذَا الدَّاءِ
سَلْ بِالأمِيرِ وَسَيْفِهِ مَنْ رَامَهُ ... أَوْ هاجَهُ فِي حَوْمَةِ الْيجَاءِ
ضِرْغامُهُ دَامي الأظَافِرِ كُلَّمَا ... عَرَتِ النَّوائِبُ مِن دَمِ الأَعْدَاءِ
فَكَأَنَّهُ فِي سَرْجِهِ يَوْمَ الْوغَا ... بَدْرٌ تَلأْلأَ فِي سُعُودِ سَمَاءِ
وكَأَنَّما قُوَّادُهُ مِنْ حَوْلِهِ ... مُسْتَلِئْمِيَن كَواكِبَ الْجَوْزاءِ
مُتَلَبِّسٌ جِلْبَابَ صَبْرٍ تَحْتَهُ ... قَلْبٌ كَمِثْلِ الصَّخْرَةِ الصَّمّاءِ
شَرَدَ الأَعادِي خَوْفُهُ فَكَأَنَّهُمْ ... خَرِقُ النَّعامِ بِقَفْرَةٍ بَيْدَاءِ
أَوْ كُدْرُ سِرْبِ قَطاً أَضَرَّ بِها الصَّدى ... فَتَساقَطَتْ عَطَشاً إلَى الأَحْشاءِ
стр. 273
عَطَفَ الرِّجالُ إلَيْهِمْ فَتَعَطَّفُوا ... لِلأْسْرِ وَالإِذْلالِ فِعْلَ نِساءِ
وَأَتَى الأَمِيرُ بِعِزَّةٍ وَمَهابَةٍ ... يَخْتالُ بَيْنَ غِنىً وَبَيْنَ غنَاءِ
خَصِبَتْ بِهِ بُغْدادُ بَعْدَ جُدُوبِها ... وَتَلَبَّسَتْ مِنْهُ ثِيابَ رَخاءِ
هذا وَفِي أَيَّامِ بَجْكَمَ كَمْ لَهُ ... مِنْ صِدْقِ عارِفَةٍ وَحُسْنِ بَلاءِ
تَسْوَدُّ أَيْدي غَيْرِهِ فِي حَرْبِهِ ... فَيُضِيئُها قَيدٍ لَهُ بَيْضاءِ
أَطْنابُ بَأْسِكَ يَوْمَ حَرْبِكَ عُلِّقَتْ ... لِعُلُوِّها بِكَواكِبِ الْعَوَّاءِ
فَضَلَتْ كَفَضْلِ بَنِي النَّبِيِّ وصَهْرِهِ ... فِي نُبْلِ قَدْرِهِمُ بَنِي الطَّلقَاءِ
فَرَقِيتَ فِي دَرَجَ الْمَعالِي صاعِداً ... تَعْلُو عَلَى الْعظُمَاءِ وَالْكُبَرَاءِ
ولما استكتب الأمير أبو الوفاء توزون أبا جعفر محمد بن يحيى، وقدم بغداد، دخلت إليه فأنشده:
عَذَلْتُ امْرَءاً فِي عِشْقِهِ لَيْسَ يَعْذُرِكْأمَا عَاشَ أنْ يَنْهاكَ عَنْهُ وَيَزْجُرُكْ
مَتَى لَمْ تَحْطِ خُبْراً بِما صَنَعَ الْهَوىبِمَنْ فارَقَ الأَحْبَابَ فَالدَّمْعُ يُخْبِرُكْ
أَما لَوْ بَلَوْتَ الْحُبَّ واقْتَادَكَ الْهوَىإلَى هَجْرِ مَحْبُوب لَقَلَّ تَصَبُّرُكْ
شَرِبْتُ كُؤُوسَ الْحُبِّ صِرْفاً ودُونَ ماشَرِبْتُ مِنَ الْمَمْزُوجِ ما لاَ يُسَكِّرُكْ
عَلَى الْيَمْنِ وَالتَّوْفِيقِ أُلْبِسْتَ خِلْعَةًبِها المُتَّقِي لِلِه بِالْحَقِّ يُؤْثِرُكْ
стр. 274
وَفِي خَصْرِها قاضٍ كَرَأْيكَ في الْعِدَا ... بِهِ تَنْقَضِي أَعْمَارُهُمْ وَيُعَمِّرُكْ
رَآكَ أَحَقَّ النّاسِ بالإِمْرَةِ الَّتي ... يَمازِجُ فِيها جَوْهَرَ الْمُلْكِ جَوْهَرُكْ
يُقَدَّمُ لْلمَقْدُورِ دَهْرٌ مُعانِدٌ ... سِواكَ إلَيْها ظالِماً وَيُؤَخِّرُكْ
إلَى أَنْ وَفا بِالْوَعْدِ فِيكَ أَبُو الوْفَافَكُلُّ أَمِيرٍ بِالصَّغارِ يُؤَمِّرُكْ
لَئِنْ كانَ لِلأَتْراكِ فَخْرٌ بِهاشِمٍفَقَدْ زادَهُمْ فِي الْبَأْسِ وَالفَخْرِ مَفْخَرُكْ
مَلَكْتَ فَمَلَّكْتَ الْمُنَى كُلَّ راغِبٍفَمَوْرِدُكَ الإِحْسانُ وَالحَقُّ مَصْدَرُكْ
إذا كاثَرَ الأَتْراكُ يَوْماً بِسَيِّدٍ ... فَما أحَدٌ فِي سالِفِ الدَّهْرِ يَكْثُرُكْ
وَمَنْ كانَ مِنْهُمْ مَاجداً مُتَقَدِّماًفَهُمْ رَهْطَكُ الْغُرُّ الكِرَامُ وَمَعْشَرُكْ
طُبِعْتَ عَلَى عَقْلٍ وَجُودٍ وَنَجْدَةٍ ... فَما تَسْتَطِيعُ الْحادِثاتُ تُغَيِّرُكْ
وَسِيّان فِي الأَعْداء مَخْبَرُكَ الَّذِي ... بِهِ يَنْصُرُ اللهُ الْوَليَّ وَيَنْصُرُكْ
وَهَلْ تَجِدُ الأَعْدَاءُ عِنْدَكَ غِرَّةًوَأَبْيَضُكَ الْمَوتُ المُرَجَّى وَأَسْمَرُكْ
وَما نَصَرَ اللهُ امْرَءاً أَنْتَ حَرْبُهُوَأَنّى لَهُ بِالنَّصْرِ وَاللهُ يَنْصُرُكْ
تَخَيَّرَكَ الْبارِي أَمِيراً مُظَفَّراً ... تَبارَكَ فِي تَدْبِيرِهِ مُتَخَيِّرُكْ
رَأَيْتُكَ لِلسُّلْطانِ مُحْييَ دَوْلَةٍفَهَذا اسْمُكَ الأَوْلَى بِوَصْفِكَ يُشْهِرُكْ
стр. 275
تَسَمَّ بِهِ تَكْبِتْ عَدُوّاً وَحاسِداًكما قَدْ تَسَمَّى قَبْلُ مَنْ لَيْسَ يَعْشُرُكْ
إذا الْتَفَّتِ الأَقْرانُ وَاحْتَدَمَ الوْغَافَسَيْفُكَ بِالنَّصْرِ الْقَرِيبُ يُبَشِّرُكْ
عُرِفْتَ بِإقْدامٍ وَفَتْكٍ وَجُرْأَةٍ ... فَما أَحَدٌ فِي كُلِّ ذَلِكَ يُنْكِرُكْ
وَإنْ جَرَّ يَوْماً عَسْكَراً ذُو تَجَمُّع ... فَسَيْفُكَ فَرْداً في قتَالِكَ عَسْكَرُكْ
تُدَبِّرُ في تُرْبِ السِّنين أُمُورَنا ... بِرَأْيٍ مُصِيبٍ وَالإلهُ يُدَبِّرُكْ
وَعَدْتُكَ هذَا لأَمْرَ مِنْ قَبْل كَوْنِهِوَوَعْدُكَ لِي بِالبذْلِ لاَ شَكَّ يُنْذِرُكْ
وَهذَا مَسِيحِيٌّ بقَوْلِي شاهِدٌ ... وَحَسْبِي بِهِ عَدْلاً بِوَعْدِكَ يُذْكِرُكْ
وَمَا زِلْتُ مُذْ عَايَنْتُ شَخْصَكَ دَائبِاًلَما نِلْتَهُ أُثْنى عَلَيْكَ وَأَشْكُرُكْ
لَقَدْ ظَفِرَتْ كَفَّاكَ بِالْمَالِ وَالْعِدابَرِأْي ابْنِ يَحْيَى الْقَرْمِ وَاللهُ يُظْفِرُكْ
وَثِقْتُ بِادْبارِ النُّحُوسِ عَنِ الوْرَى ... وَإقبْال سَعْدٍ حينَ صارَ يُدَبِّرُكْ
أَبُو جَعْفَرٍ فِي الرَّأْي وَالْعَقْلِ وافِرٌبِهِ اللهُ بَعْدَ الانِتقاصِ يُوَقِّرُكْ
سَيُورِدُكَ الْعَذْبَ الزُّلالَ مُجَرِّبٌعَليمٌ بِتَدْبِيرِ الوْرَى كَيْفَ يُصْدِرُكْ
لَقَدْ ظَفَرَتْ كَفّاكَ مِنْهُ بِفاصِلٍ ... بِهِ اللهُ مِنْ بَعْدِ القْلَيلِ يُكَثِّرُكْ
فَلا زَالتِ الأَيّامُ سِلْماً مُطِيعَةً ... تُوَقِّيكَ ما تَخْشاهُ فِيها وتَخَفْرُكْ
وَفُزْتَ بِما تَهْوى وَصالَتْ عَلَى الْعِدَاسُنُوكَ بِتَمْلِيكٍ عَلَيْهِمْ وَأَشْهرُكْ
стр. 276
سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة
وكان الناس قد سروا بولاية أبي بكر النقيب محمد بن جعفر، فنادى برفع المؤن واشترط ذلك، فلما استهل شهر المحرم طولب بسنة اسكورج فعقد على إبراهيم بن شمحور الفروقي الجانب الشرقي والصحراء والأبواب بسبعة آلاف درهم في كل شهر.
وتضمن محمد بن محمد تازى البيض وأعماله بثلاثة آلاف درهم، وعقدت الشرقية وما فيها من الأعمال على أحمد بن جعفر المعروف بابن الشرطي بثمانية آلاف سوى الاستثناءات فإنها خمسة آلاف درهم وضمنت دجلة والماصر الأعلى بخمسمائة دينار، وعقد القيار بألفي درهم، فصار الجميع نيفاً وثلاثين ألف درهم في الشهر.
فلقي الناس من ذلك عنتاً، وتعرم أصحاب الارياع والمصالح على الناس، والنقيب كاره لذلك لا يعرف مثله.
وكثرت الكبسات، ووثق اللصوص بالمصانعات والغرم، فكبسوا الناس ليلاً ولم يهابوا نهاراً، واجتمعوا فكان يوافي دار الرجل المقصود جيش اللصوص بالليل بالسيوف والنشاب، لو حوربوا لما وفاهم القليل.
واستلب كيس رجل يعرف بغلام ابن الأبواري الصيرفي مع المغرب، وفيه خمسة آلاف دينار ليلة الجمعة لأربع بقين من المحرم وكان الكيس على رأس حمال، فصاح الرجل والحمال، فرماهم الناس
стр. 277
بالآجر، ورماهم اللصوص بالنشاب، فتفرقوا عنهم، وبادروا ناحية دار علي بن عيسى، ونزلوا الشط إلى سميريات أعدت لهم، فأقر حارس الموضع أنهم أصحاب المعروف بابن بغرة النازل بدار الترجمان، في قصر عيسى، فأخذوا فأقر بعضهم أنه دفع المال إليه، وجحد هو أن يكون يعرف ذلك، وتعصب له بعض الأتراك وطاح المال.
وكان رجل يعرف بممراج استأمن من عسكر البريدي ومعه من اللصوص البطارقة الحذاق جماعة، فصار يخدم في دار أبي جعفر هو وأصحابه، يكبسون الناس ليلاً ويعترضونهم في دجلة ويجتمع هو وأصحابه وكاتبه البصراني المعروف بسكباج لعنه الله، على النفقات والقيان والأنبذة والفسق.
وكان معه كلابزي قواد وكان مع زباشي التركي كلابزي مثله، فتغايرا على قحبة وأعان كل واحد صاحبه، فجرت بينهما حرب وأمور قبيحة، ثم كانت خطوب، وقتل ممراج هذا والحمد لله.
وظهر سعيد بن داود المسيحي، وعاد أخوه إلى خدمة الأمير والتطبب له، وكان طيبه قديماً وذلك في المحرم.
ووجه ناصر الدولة بأبي عبد الله الحسين بن سعيد أبي العلاء مع غلام أبي بكر بن مقاتل إلى الشام، في جيش كثيف بعد أن أزاح عللهم لمحاربة ابن طغج ودفعه عن الشام، فمضى حتى تجاوز حلب فلقيه جيش ابن طغج الأخشيذ فهزموه وأسروا رجاله وغنموا أمواله، وولى هارباً في قلة يريد الرقة، فلما شارفها تقدم الخليفة المتقي لله بغلق أبوابها،
стр. 278
ومنعه من دخولها فأقام أياماً.
ووجه إلى الخليفة برسالة غليظة فأذن له ووبخه على تسريحه لقتال من لم يأمر بقتاله.
ووافى ابن طغج في أثره فخرج ابن عمه سيف الدولة وقد كان ابن عمه تنحى عن الرقة فأعطى المتقي لله مالاً وفرق على جميع من معه مالاً على أقدارهم، فأمسك بذلك أرماقهم، ولولا فعله ما كان بهم نهوض ثم رجع ابن طغج إلى حلب فيقال إنه أعطى الخليفة مائة ألف دينار سوى الآلة والثياب.
ووجه إلى الوزير بثلاثين ألف دينار، وإلى الحاجب أحمد بن خاقان بعشرة آلاف دينار، هذا تأدى إلينا ولم نشاهده.
وزاد غلاء السعر على الناس فشغبوا في الجانب الغربي يوم الجمعة وتكلموا بالعظائم، ومنعوا الإمام الصلاة، حتى انصرف أكثر الناس، ثم صلى الإمام بمن بقي صلاة خفيفة.
وخرج الأمير أبو الوفاء إلى البثق بنهر عيسى، ومعه قواده، ومال من خاص ماله مؤملاً سده، وذلك في أول المحرم فأقام أياماً عليه، واجتهد هو وأبو جعفر في النفقة، وإطلاق المال. ثم إن الله لن يأذن في ذلك، فحمل الماء أكثر العمل، واغتم الأمير لذلك غماً شديداً.
ولما وصل كتاب الحسن بن هارون إلى المتقي لله بما صنع، وجه المتقي لله بأحمد بن عبد الله بن إسحاق القاضي من الرقة إلى الأمير أبي الوفاء المظفر لتوكد الإيمان عليه، وموافقته على شرائط شرطها له،
стр. 279
ويشهد عدوله عليه، ووجوه الهاشميين.
فوصل القاضي إلى بغداد يوم الخميس، لأربع خلون من صفر سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة، ففعل جميع ما تقدم به المتقي لله إليه، وكان قد وجه معه بخلع، وطوق ذهب، ليخلعها على الأمير إذا فرغ ما بينه وبينه، ففعل هذا كله إلا أمر الخلع.
وأمر الأمير بعمارة دار الخليفة، وبناء ما استهدم منها، وكان يركب بنفسه حتى يشاهد ذلك ويعاينه، وكان في الرسالة أن يخرج الأمير إلى واسط، فقال: هذا لا أجيب إليه، يعمل على أبي ابن طغج إذا قرب من بغداد خرجت وتلقيته، وأزلت كل ما في نفسه، فإذا صار في داره أمرني بما شاء حتى أفعله، وإن خرجت ولم أره كنت عند الناس عاصياً! وامتنع من أن يلبس الخلع بحضرة الخليفة إذا رآه، وكتب القاضي إلى الخليفة بإحكامه له جميع ما أراد، وأشار عليه بالمبادرة إلى الحضرة.
وعظم أمر اللصوص، وكبس الناس في منازلهم وقتلهم، وأخذ أموالهم.
فولى الأمير أبو الوفاء الطوف رجلاً أعجمياً، وضم إليه جماعة فأفرط في أمر الطوف، وجرى إلى أشياء عظيمة، حتى تمنى الناس أنهم أعفوا منه.
ووجه الأمير بقوم من أصحابه، فأمرهم أن يكبسوا أهل الريف من النباذين والقوادين، وتعطيل ما يجري من أمر النباذين بدار الروم
стр. 280
بالجانب الشرقي، ونسب ذلك إلى الجاثليق، وان له عليهم قائماً، وأنه يرسل أهل نحلته فيعوز بهم، وصادره على خمسين ألف درهم بوساطة طازاذ وابن سنكلا، وعطف بعد ذلك على النباذين والقوادين، فحبس منهما وعاقب، وسكن أمر البلاء قليلاً.
وانكسف القمر ليلة السبت لثلاث عشرة ليلة خلت من صفر، وغاب كله.
وتحدث الناس بمجيء الخليفة المتقي لله إلى هيت، وخرج القاضي الخرقي إليه فعرفه جميع ما جرى، فسكن إلى ذلك ورجع القاضي إلى الأمير يعرفه فدخل بغداد يوم الثلاثاء للنصف من صفر.
وركبت مع أبي جعفر في الطيار، فأعلم الأمير أنه يتلقى الخليفة بالأنبار، فقدم الأمير الطيارات إلى باب الشماسية، وقال للقاضي تعبر بالخليفة من المزرقة وهي قرية بأعلى قطربل بفرسخين، حتى يدخل بغداد من الماء، ونصب الناس القباب بباب الطاق، وأخرج الأمير توزون أثقاله وجماله إلى باب الأنبار، وخرج يوم الأربعاء، وأقام في الطريق وسار يوم الخميس.
ولا والله ما سمعت بأعجب من أفعال المتقي لله كلها، أول خطئه، وتركه الرأي، وركوبه العوز: تركه دار مملكته، وخروجه عنها برأي الترجمان وأشباهه لغير سبب أوجب ذلك. ولا اضطرار دعا إليه. والأمير توزون إلى وقته ذاك مطيع له تابع لما يشتهيه، عالم
стр. 281
مع ذلك أن الصواب والرأي غير ما تكلفه.
فمن ذلك: أن الأمير أقام بواسط، ليستنطف الأموال بها، فكتب إليه: دع كل شيء، وصر إلي، ولعن الله المال! فراجعه فألح عليه فقدم، فخلع عليه وأمره. وأشار الأمير عليه أن يصالح بني البريدي إذ كانوا قد ظفروا بمجيئه بكثير من المال. وقال: نستعجل الأموال منهم، ونحن على أمرنا بعد ذلك. فخالفه، وقال لا بد من محاربتك لهم، وإزالة أمرهم، وكان رأي الأمير صواباً، في هذا فترك الرأي ولم يخالفه.
وانحدر هذا بعد أن قد كان كتب قبل ذلك بالإيقاع بسيف الدولة ليريحه الله هو بذلك من ناصر الدولة ببغداد، ولكرم الأمير توزون وحسن عهده، ما ترك سيف الدولة حتى جاء لأسباب دعاها له، ولو أراده ما فاته، ثم ما عامله من الخروج عن بغداد يرى الناس أنه فزع منه، وأن الأمير عاص له.
ثم ما حمل ابن حمدان عليه من محاربته مرة بعد مرة، على كراهة ابن حمدان للحرب، كل ذلك طمعاً من المتقي في إزالة الأمير عن مرتبته.
ومنها أنه كاتب صاحب خراسان يستنجده عليه، والأخشيذ بن طغج بمثل ذلك، كل هذا هو فيه ظالم للأمير توزون، ثم إقباله بعد ذلك حتى وضع يده في يده، ظن أن الأمير هو حدث أعجمي نسى هذا كله، والله لو فعل الرشيد هذا بالمأمون في حلمه وعقله، وهو
стр. 282
ابن له ما احتمله!.
وأعجب من ظنه بأنه لا ذنب له ونسيانه ما فعله: ذهاب الرأي عن جميع من معه ممن يدبره، وما ذهب على العقلاء، ولا على أهل الرأي. فلقد رأوا الذي فعله الأمير بالرأي قبل كونه.
أخر أمر المتقي لله
فكان قبض الأمير على المتقي لله يوم السبت لإحدى عشرة ليلة بقيت من صفر، وكان هذا كله غير علم أبي جعفر محمد بن يحيى بن شيرزاد ولا إطلاع عليه، ولا مشاورة له فيه، ولا علم به إلا في وقته.
ولما توثق من المتقي لله في المضرب، نهب أصحاب الأمير عسكره، فلم يفلت من جميع من كان معه أحد، وخرج قوم لتلقيه فنهبوا.
ووجه الأمير بصافي الخازن إلى دار ابن طاهر، لإحضار أبي القاسم عبد الله بن المكتفي بالله، وأخذ الخاتم من يد المتقي وسلمه إلى صافي.
فصار صافي إلى دار ابن طاهر، واستخرج عبد الله بن المكتفي بالله فألبسه ثياباً جاء بها معه ودفع الخاتم وقلد سيف حمايل، وصار إلى مضرب الأمير، فعقد له الأمر، وكحل المتقي لله فصاح فأمر أصحاب الدبادب فضربوا بها، فصاح فلم يسمع صياحه، بعد أن خلع نفسه وسلم الأمر إلى الخليفة عبد الله.
وكان هذا كله يوم السبت بالعشى، لإحدى عشرة ليلة بقيت من
стр. 283
صفر، بل وجه في طلب الخليفة أبي القاسم قبل أن يقبض على المتقي.
وكان المتقي لله لما قرب الأمير منه، ولقيه ركب فيه قبة نمور أهداها ابن طغج له، فلما رآه الأمير أكب على الأرض فقبلها بين يديه مرتين فقال له: اصعد معي، فلم يصعد وكان عديله خادم له، فلما سايره وصار إلى السندية أحدق به الديلم، فقبض بعضهم على لجام بغلته العمارية، وعدل به، فأنزل المضرب، وتسلمت دوابه وجنائبه التي كانت تقاد بين يديه، وأخذت خزائنه، ونهب عسكره كله.
وكان من أمره ما ذكرناه، فكانت خلافته ثلاث سنين وأحد عشر شهراً، أولها يوم الأربعاء، لعشر بقين من شهر ربيع الأول سنة تسع وعشرين وثلاثمائة. وآخرها يوم السبت لإحدى عشرة ليلة من صفر، سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة.
وما أعجب ما اتفق له من صحة الأخبار فيه، جاءت الرواية أن عمر الحادي والعشرين من أقل من ثلثي عمر الذي كان قبله وأكثر من نصفه، فكان كذلك.
وذكر بليناس في كتابه الذي ذكر فيه الكسوفات، وهو كتاب قديم قد ألف في قديم الدهر أمر ملك بابل فقال وأنا أحكي لفظه من كتابه، ومن طلب هذا الكتاب وجد ما ذكرته فيه على ما شرحته إن شاء الله.
قال بليناس: انظر إلى سر غامض في الكسوفات، إذا كانت الشمس في الميزان، ووقع كسوف القمر، وهو في الحمل، وزحل في
стр. 284
السرطان والمريخ في الجدي هلك ملك بابل.
فاتفق هذا الكسوف على هذه الصفة بعينها، فكان بين الكسوف وبين هلاك المتقي لله أسبوع.
ذكر عمال المتقي لله وقت زوال أمره
أمير الأمراء: المظفر أبو الوفاء توزون.
وكاتبه المدبر للأمور: أبو جعفر محمد بن يحيى بن شيرزاد. وعلى وزارته: أبو الحسين علي بن محمد بن مقلة.
وعلى شرطته ببغداد من قبل الأمير توزون: أبو بكر محمد بن جعفر النقيب. وعلى قضائه: أحمد بن عبد الله بن إسحاق الخرقي. وعلى كتبة ضياعه أبو العباس أحمد بن عبد الله الأصبهاني. وعلى الحسبة ببغداد: المعروف بالأسمر من أصحاب الأمير. وعلى حجبته: أبو العباس أحمد بن خاقان المفلحي، مولى أمير المؤمنين.
وإلى الأخشيذ أبي بكر أحمد بن طغج مولى أمير المؤمنين: مصر والشامات.
وإلى الحسن بن عبد الله بن حمدان أبي محمد: الموصل وديار ربيعة وديار بكر وقردى وبزيذى وبهذرا.
وإلى نوح بن نصر بن أحمد الخراساني: خراسان.
وبفارس والأهواز وكورما وقسمين ومناذر وسرق وأرجان:
стр. 285
علي بن بويه. وأصبهان: الحسن بن بويه الديلمي، وكانا يقيمان الخطبة له.
وعلى الصلاة بالجانب الشرقي بمسجدي الرصافة ودار السلطان: الحسن بن عبد العزيز العباسي وولده.
وعلى الصلاة بالجانب الغربي في الجامع بمدينة أبي جعفر المنصور: ابن بريه الهاشمي من ولد المنصور.
وعلى الصلاة بمسجد براثا: أبو الحسن أحمد بن الفضل بن عبد الملك الهاشمي وابنه.
تمت أخبار المتقي لله، وهو آخر ما عمله الصولي من أخبار الخلفاء.
والحمد لله العدل الذي لا يجور، وصلى الله على محمد وآله وسلم وهو حسبنا ونعم الوكيل.