Полный текст (285 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
وَكَزُوهُ ليَلْحقُوهُ فَآبُوا ... بِقَصِيرٍ عنِ المَدَى مَوْكُوز
حُرِموا الطَّبْعَ صاغرينَ فَسَارُوا ... منْ طَريق إليَهْ غيرِ مَجُوزِ
عَجَبٌ والقَضادُ يَقْعِد ذا الْقُ ... وَّةِ عَنْ خُطْوِةِ الضَّعِيفِ الْعَجِيز
كيف يحوِي التَّجْويدَ صاحبُ قَلْبٍ ... مُوَجعٍ من تَأَسُّفٍ مَوْحُوز
لا أَرَى كارعاً لَهُمْ في إناء ... لا ولا في بحارِهِمْ ذا نُهُوز
ليس لي غَلَّةٌ تَحَصَّلُ ممَّا ... في موازينهم ولا في قَفيز
لاَ وَلاَ في أَرضهم قِيدُ شِبْرٍ ... في وِهادٍ لَهُمْ ولا في نُشُوز
دَرَّةُ العُزْرِ هامِيَاتٌ عَلَيْهِمْ ... وَلَنَا دَرَّةُ القَطُوعِ الْعَزُوز
غَرَّزُوا أَرجُلَ الطَّمَاعَةِ فِي رُكْ ... بٍ أَخَسَّتْ مِقْدَارَهُمْ وغُرُوزِ
لَوْ يكونُ التَّجْويدُ دارَ ثَوَاءٍ ... لَمْ يَجوزُوا منها مدى الدَّهْلِيْزِ
قُلْتُ إِذْ جُوِّزَتْ بغَيْر انْتِقَاب ... لَكِ حَظٌّ الْقِنَاعِ فِينا فجُوزي
فازَ مْنُهْم جَمَاعَةٌ بأَناسٍ ... واتِّكَالِي عَلَيْكَ في التَّفْويز
لَسَتُ أَرْجُو سواكَ بعدَ إلهي ... عِنْدَ تَقْصِيدِهِمْ ولا التَّرجِيز
وَوَزِيرَيْنِ جَهَّزِانِي بجُودٍ ... تَعَّشَانِي بذَلِكَ التَّجْهِيزِ
стр. 37
حِينَ عَيَّ الزَّمانُ عن ذِكْرِ حَظِّي ... جَبَرَاً فاقَتِي بِجَودٍ وجِيز
أَنتَ أَدْرَى بالشِّعْر من قائلِيهِ ... فاقضِ فِيهِ بالْحَزْم والتَّعْجيز
وكذا العِلْمُ بالمحرَّكِ والسَّا ... كِنِ في نَحْوِهِمْ وبالمَهْمُوز
لَيْس إلاَّ الَّذي يَضُمُّهُمُ المَجْلِسُ للإِنْتِحالِ والتَّمْييز
فَهُمُ قَوْقَ مَنْ يَرَى قَوْلَ حَقٍّ ... غيرَ مُسْتَنْكَرٍ ولا مَنْهُوز
فأَجِزْنِي بِقَدْرِ علمِكَ بالأَشْ ... عار يا خَيْرَ مُنْعِمٍ ومُجيز
بِدَنانِيرَ لا أَحَالُ على الْجِهْ ... بِذِ فيهَا وَلاَ عَلَى كتُبْ رُوز
وَرَغِيفُ النَّدِّ الَّذي عَصَبُوني ... هِ وأَكْرِمْ بِذَاكَ مِنْ مَجْنُوز
غَلَبَتْني عَلَيْهِ أَيْدِي نِهَابٍ ... نَهزَتْهُ بحَظِّهَا المَنْهُوز
سَبَقَتْني إليه سَبْقَ ذئابٍ ... خاطِفَاتٍ بِهِزَّةٍ وأَزِيزِ
كان خَتْلاً منهم كَخْتَل الحَواريِّ ... سَيْفِ الله ذِي الرَّدى جُرْمُوز
لو خَشِينَا الْبِدَارَ مِنهُمْ لَعِثْنا ... فيهِم كاللُّيُّوثِ فِي الأَمْعُوزِ
ثُمَّ آبوا بجانِبٍ طَيِّب النَّشْ ... رِ وَأُبْنا بِجانِبٍ مَحْبوز
لَهْفَ نفسي عليه مُلْقىً كَتُرْسٍ ... وافرِ الحَرْف مُشْرفٍ التَّفْريز
فَدُموعي من التَّأَسُّف تَجْري ... جَرْيَ وَفْرَاءَ وافياتِ الخُرُوز
стр. 38
جَمَزَتْنِي فَوايِتُ الحظِّ منْهُ ... وابلاَئِي منْ حَظِّيَ الْمجمُوز
قَدْ رَأَى سَيِّدِي وُقُوفِيَ حَيْرا ... نَ كَمُصْمِي الرَّمْيَةِ الْمَتْرُوز
فابْقَ يَا سَيِّدي بَقاءَ ثَبِيرٍ ... غَيْرَ ما مَزْعِجٍ ولاَ مَحْقُوز
وتَمَلَّ السُّرُورَ سائِرَ مُلْكٍ ... غَيْرَ مُسْتَنْقَصٍ ولاَ مَبْرُوز
تَتَخطَّى مداسَ كلِّ إِمامٍ ... قاهرَ العزِّ غَيْرَ مَا مَعزُوز
فلما أَنشدته إياها استحسنها وقال ما أعرف زائية مثلها بل لا أعرف زائية إلا للشماخ، وتلك عجوز وهذه شابة، ثم عوضني أحسن تعويض بصلة وند وعنبر.
ولما جاء بجكم وهزم ابن رائق قال لنا ما أحسن هذه الأبيات، في المعنى الذي نحن فيه وأنشدنا:
إذا قُلْتُ يَبْرَا بَعْضُ داء عَشِيرَتِي ... تَلاَقَتْ غَوَاةٌ واسْتَجَدَّ نُشُور
كما نُشَرْت مَخْشيَّةُ العَرِّ بَعْدَ مَا ... عَلاَ اللَّوْنَ بُرْءٌ ظَاهرٌ وطُرُور
ومَولَى عَصانِي واسْتَبَدَّ بِرَأْيِهِ ... كما لَمْ يُطِعُ بالْبَقَّتَيْنِ قَصيرُ
فَلَمَّا رأَى أَنْ شَتَّ أَمْري وَأَمْرُه ... ووَلَّتْ بأَعْجازِ الأُمُور صُدُورُ
تَمَنَّى حُبَيْشٌ أَنْ يَكُونَ أَطاعَنِي ... وَقَدْ حَدَثَتْ بَعْدَ الأُمُورِ أَمُور
كذا أنشدني تمنى حبيش ثم قال أتعرف مثله؟ قلت لا ولكن نحوه
стр. 39
لطارق بن ديسق اليربوعي:
إذَا أَنْتَ جاوَرْتَ أَمْرَأَ السَّوْءِ لم تَزَلْ غوائِلُهُ تأَتيكَ منْ حَيْثُ لاَ تَدْرِي
وفِينَا وإِنْ قيلَ اصْطَلَحْنا تَضَاعُنٌ ... كما طُرَّ أَوْبارُ الجِرابِ عَلَى النَّشْر
ثم قلت إن سيدنا أطال الله بقاه نشأ في حجر الصواب، فمن أي له تمنى حبيش؟ فقال لي من حيث لا يطيف براوية عيب، فقلت لو أن أبا عمرو بن العلاء روى هذه لكان أَخطأ ناسه فقال: إن الطبري يقول هذا في كتاب تاريخه فقلت له: الطبري ليس في الغريب مثله في غيره روى الأَصمعي وأبو عبيدة وابن الأعرابي وأبو عمرو الشيباني
تمنى نييشاً أن يكون أطاعني
ومعناه أنه تمنى شيئاً بعد ما فاته يقال رأى هذا نييشاً إذا رآه في آخره وقد فات، قال بلال بن جرير:
كَمْ نَاصِحٍ قَدْ قالَ لي وَمَا وَشَا ... إِنَّكَ لَمْ تَنْأَشْ لِوَصْلِ مَنْأَشَا
يقول لم تطلبه في أَوله وأنشدته:
تَنَاءَتْ عَنْكُمُ عُدُسُ بْنُ زَيْدٍ ... فَلَمْ يَعْرِفْكُمْ إلاَّ نُيَيْشَا
يريد إلا أخيراً فقال لي فلعل الوراق أَخطأ عليه قلت لا ولكن الطبري رأى نبيشاً في كتاب ولم يدر ما هو فظنه حبيشاً اسم رجل وهذا الشعر لنهشل بن جزي النهشلي وهو في الخزانة فوجه فطلبه فلم بحده
стр. 40
فقلت له وهذا أيضا عجب، يتحدث الناس بأَن سيدنا مع جلاله علمه وعلو نعمته عمل خزانة كتب كما عمل متقدمو الخلفاء، طلب فيها شعر هذا الشاعر المشهور فلم يوجد قال فما الحيلة وقد شغلنا بغيرها عنها؟ قلت كتب عبيدك لك فتبتدئ في عمل الأشعار من الخزانة، تبدأ بمضر ثم ربيعة ثم اليمن، فما لم يكن فيها حملة عبيدك من كتبهم، وما كان سماعا لعبيدك أو شيئاً لايعتاضون منه، نسخة وراقوك الذين تجري عليهم. وجلده مجلدو الخزانة فسكت المفكر. فقلت له إن الذي قلته ليس لشيء أجتلبه إنما هو حيف على كتبي، ولكنى آنف أن يتحدث الناس بشيء يفعله سيدنا لا يكون في نهاية الجلالة. فقال ويحك فإذا جاء ما يشغل كيف نصنع؟ قلت يجعل سيدنا هذه الخزانة للأميرين، ويقتصر على ما يريد النظر فيه، قال أما هذا فنعم فأمر بإِخراجِ الكتب إليه يوماً يوما، وأجلسنا فميزناها وقسمها بين يديه، بين أبنيه واقتصر على ما أراد ووهب لنا الباقي فاقتسمناه. وكان أكثره ما يباع وزنا.
تفسير الأبيات
النشر: أن يجرب البعير فيبرأ غير برء تام، وتبقي بقية من جربه أي قليل فينبت وبره عليه فيكون ظاهره برء وباطنه سقم، يريد الشاعر وكذلك نحن ظاهرنا جميل وصلح، وباطننا شر وحقد ونحوه:
وقدْ يَنْبُتُ الْمَرْعَى عَلَى دِمَنِ الثَّرَى وَتَبْقَى حَزَارَاتُ النُّفُوسِ كما هِيَا
وهو النشر بفتح الشين، وإنما يسكنها الشاعر لضرورة الشعر.
стр. 41
ثم لم يرض حتى سأل القاضي عن هذا، فقال رواه الطبري على خطأ والصولي كثير السماع فمن هذا لا يحكي إلا صواباً. حدثني القاضي بذلك وقال لنا الراضي بالله كأني بالناس يقولون أرضي هذا الخليفة بأن يدبر أمره عبد تركي، حتى يتحكم في المال ويتفرد بالتدبير؟ ولا يدرون أن هذا الأمر أفسد قبلي، وأدخلني فيه قوم بغير شهوتي، فسلمت إلى ساجية وحجرية يتسحبون علي ويجلسون في اليوم مرات، ويقصدونني ليلاَ.
ويريد كل واحد منهم أن أخصه دون صاحبه، وأن يكون له بيت مال وكنت أتوقى الذماء في تركي الحيلة عليهم إلى أن كفاني الله أمرهم.
ثم دبر الأمر ابن رائق فدبره أشد تسحباً في باب المال منهم، وانفرد بشربه ولهوه. ولو بلغه وبلغ الذين قبله أن على فراسخ منهم فرسانا قد أخذوا الأموال واجتاحوا الناس فقيل لهم اخرجوا إليهم فرسخا لطلبوا المال وطالبوا بالاستحقاق، وربما أخذوه ولم يبرحوا ويتعدى الواحد منهم أو من أصحابهم على بعض الرعية، بل على أسبابي وآمر فيه بأمر فلا يمتثل ولا ينفذ ولا يستعمل، وأكثر ما فيه أن يسألني فيه كلب من كلابهم فلا أملك رده، وإن رددته غضبُوا وتجمعوا وتكلموا فلما جاء هذا الغلام جاء من لا يقول لي صنعتك أو أجلستك كما كانوا يقولون بل اجترأنا عليه بالاصطناع، ووجدته إن تعدى أحد من أصحابه لم يرض إلا بقتله والمبالغة في عقوبة. وإن بلغه أن عدوا قد تحول في ناحية نهض إليه فسبق خبره من غير اعتساف لي بطلب مال ولا تلبث لوفاء استحقاق، فرضيت ضرورة به وكان أوفق وأحب إلي ممن قبله، وكان
стр. 42
الأجود أن يكون الأمر كله لي كما كان لمن مضى قبلي، ولكن لم يجر القضاء بهذا لي! وكان دعا بجكم مرات ما منها مرة إلا وهو ينفق عليه في خلعه.
وما يحمله معه عشرين ألف دينار وزيادة عليها من صواني ذهب وفضة وعنبر وند ومسك وكافور وبلور.
وعلم أن عادته في داره وحشمه ألا يشرب الماء إذا جاءه حتى يذوقه بين يديه الذي جاء به يصب منه في إناء معه فيشربه ثم يناوله إياه فكان يستعمل الراضي معه هذا إذا حمل إليه لون وضع بين يدي الراضي أولا فأكل منه ثم وضع بين يدي بجكم وكذلك النبيذ وجميع ما يوضع بين يديه، وكان يستعفيه من هذا فلا يعفيه.
ولقد قبل في آخر دعوة دعاه فخذه ويده فضمه الراضي إليه وأخرج من إصبعه خاتمين فوضعهما في إصبعه أحدهما يشبه الجبل في حمرته وكبره، فنظر ابن حمدون إليّ ونظرت إليه واغتممنا أن يكون الجبل في يد غيره ففطن لنا، فلما انصرف بجكم قال لنا قد رأيت نظركما وقت الخاتم وأحسبكما ظننتماه الجبل ليس به ولكنه أقرب فص في الدنيا شبهاً به.
ولقد قال لي بجكم بعد موت الراضي، وأنا معه بواسط، وعلى رأسه من خدم الراضي جماعة، إن هؤلاء حدثوني أن الراضي أراد أن يقبض على في بعض دعواته، أفكان كذا؟ فقلت له: الأمير يعلم أن الراضي لا يرجى في هذا الوقت ولا يخاف، وبالله ما استبنا منه ذلك في حال
стр. 43
صحوه ولا سكر ولا جده ولا هزله. وما كان محباً للأمير مغتبطاً به، ولقد كان يتصنع في مدح ابن رائق حين كرهه ويقرظه ويصفه فما كان يخفى علينا ضميره فيه هذا من قبل أن يظهر لنا ما في نفسه عليه فقال لي صدقت والله وكذب هؤلاء، وما يدريهم؟ كان الأمر عندي كما قلت ثم حدثته بما قد ذكرته من قول الراضي أنا أعلم أن الناس يقولون.. فضحك وقال ما كان إلا نهاية في عقله ودهائه وملقه - يريد بجكم هذه وإن لم يلفظ بهذا اللفظ - ولكني أعتب عليه بأنه كان شديد الجبن يؤثر لذته وشهوته على رأيه. فعجبت والله من عقل بجكم، جاء والله بعيبيه اللذين ما كان فيه غيرهما ثم حدثته أنا كنا نقف على مكاتبته الأمير سراً ليأذن له في المصير إلى بغداد ويشكو إليه ما كان يجري عليه من ابن رائق فيكتب إليه.
عليك بالوفاء لمن اصطنعك، وأحسن إليك، إلى أن كتب إليه الأمير أعوذ بالله أن يكون مولاي يريد قتلي كما يريده ابن رائق لأنه أعطاني جيشاً بمال معلوم ثم لم يوفني استحقاقهم، وهذا يبقى على دمي، وأنه لما ورد عليه كتاب الأمير بهذا كتب إليه: والله ما أحب أن يتأذى بشيء أقل جندك وأتباعك لموضعك عندي، وما يستحقه شجاعتك ومناصحتك فكيف أحب ما ذكرته فيك وإذ صار الأمر إلى هذا، وجعلت وصيتي لك بالتمسك بالوفاء وحسن العهد سبباً لزوال أمرك فما أحب هذا افعل ما يصلحك.
فلما قرأ الأمير هذا الكتاب أقبل إلى بغداد. فقال كان كذا والله
стр. 44
ماجئت حتى جاءني هذا الكتاب، قلت ثم وقفنا في وقت من الأوقات أن الأمير اتهمه بأنه كاتب في أمره بعض من يصلح للمكاتبة في مثله وأن ذلك اتصل به فوجه إلى الأمير قد علمت الحال التي كنت عليها لابن رائق في كراهتي له في آخر أيامه وما أجرى إليه مما يستوجب به إزالة أمره ومكاتبتك لي بما كاتبت، فإن كنت مع تلك الحال أذنت لك في مكروهه، أو تغير عليه مع سخطي وغضبي فإني سأكاتب فيك على بعد ما بينكما، وأنا في هذا الوقت مغتبط بك راض بجميع فعلك وأمرك فضحك بجكم فقال كذا كان وأزال هذا جميع ما بقلبي مما توهمته وعلمت أنه صادق فيه.
قال الصولي: وما رأيت الراضي يقرظ أحداً تقريظه الأمير أبي بكر محمد بن طغج فإنه كان يصفه ويرضى جميع ما هو عليه، وإذا جاءته هدية من قبله استحسن جميعها وفرق علينا منها، وكان يقول إذا ذكره رجل كبير العقل حسن الطاعة، يشبه أجلاء الموالي الماضين وما أدري بما أكافئه، ثم أمر فكتبت عنه كتب بأنه قد سماه الأخشاذ وأمره أن يسميه به جميع الناس.
ولما جاءته هديته في آخر أيامه التي كان فيها الخدم الذين يغنون ويرقصون قال لقد خصني بما لم يملك مثله خليفة قط - وكان ربما قال بغير حضرة من لا يثق به - لو كان مثله عندي وكان جيشه مكان هذا الجيش! فإنه أشبه بجيش آبائي، واشد تمسكاً بطاعتي.
ولقد ذكره يوماً فقرظه ووصفه وكان قد تغير لابن رائق تغيراً أبداه
стр. 45
لي وللعروضي حتى يقرئنا رقاعاً له إليه وجواباته له، وربما أقرأنا أهاجي قد هجاه بها.
فقال بعقب وصفه للأمير الأخشاذ وذمة لمن ذم كيف كنت حدثتني عن عمارة بن عقيل مع خالد بن يزيد الشيباني، وتميم بن خزيمة بن خازم التميمي؟ فقلت له: حدثني القاسم بن إسمعيل أن عمارة حدثه أنه أضاق فصار إلى تميم بن خزيمة وهو تميمي من رهطه، فسأله فاعتل فجاء إلى خالد ابن يزيد الشيباني وهو من ربيعة بعيد النسب منه فسأله فأعطاه وأكرمه واعتذر إليه فقال عمارة يفضل خالداً عليه:
أَأَتْرُك إنْ قَلَّتْ دَرَاهِمُ خَالِدٍ ... زِيَارَتَهُ إِنِّي إِذاً لمُلِيم
فَلَيْتَ بِثَوْبَيهِ لَنَا كَانَ خَالِدٌ ... وكَانَ لِبَكْرٍ بِالثَّرَاءِ تَميمُ
فَيُصْبِحُ في قَوْمِي أَغَرُّ مُحَجَّلٌ ... وَيُصْبِحُ فِي بَكْرٍ أَغمُّ بَهِيمُ
ولعمارة أهاج في تميم ومدخ لخالد بن يزيد كثيراً.
فقال لي الراضي لما سمع هذا فليت! يريد فليت لي الأخشاذ بابن رائق، وهذا ظريف مما كان يقوله ولكنه ينبئ عن جميعه، وكذلك صنعت في أشياء اختصرتها لئلا يطول الكتاب بها.
ولم يزل الراضي ذكياً عاقلاً مذ كان صبياً قرأ يوماً أبياتاً من الشعر في الغزل، فقال لي اعمل في نحوها فعملت:
يا مَلِيحَ الدَّلاَلِ رِفْقاً بصَبٍّ ... يَشْتَكي منْكَ جَفْوَةً وملاَلاَ
стр. 46
نطق السُّقْمُ بالَّذِي كانَ يُخْفِي ... فَسِل الجسْمَ إِنْ أَرَدْتَ سُؤَالاَ
قَدْ أَتَاهُ في النَّوْمِ مِنْكَ خَيالٌ ... فرآهُ كما اشْتَهِيْتَ خَيالاَ
يَتَحَامَاهُ للضَّنَى أَلْسُنُ الْعَذْ ... ل فَأَضْحَى لاَ يَعْرِفُ العُذَّالاَ
فقال لي سأعمل في نحوها فتنحى وأخذ دواة وعمل بحضرتي:
قلْبِيَ لاَ يَقْبَلُ المحَالاَ ... وَأَنْتَ لاَ تَبْذُلُ الوِصَالاَ
ضَلَلْتُ في حُبِّكُمْ فَحَسْبي ... حَتَّى مَتَى أَتْبَعُ الضَّلالا
قَدْ زارَنِي مِنْكُمْ خَيالٌ ... فَزدْتُ إِذْ زَارَنِي خَيالاَ
رَأَى خَيالاً علَى فرَاشِي ... وما أُرَاهُ رأَى خَيالا
فلحن هذا الشعر بعض الطنبوريين، وغنى فيه فحدثه يوماً مضحك كان يدخل إليه، أنه حضر مجلساً غنى فيه بهذا الشعر فقال هو هذا لسيدنا الأمير. فقال كاتب كان في المجلس هو لفظ الصولي وشعره فحلفت على ذلك فأقام على قوله. فقال له عرفني هذا الكاتب فظن أنه يريد سواد فيه فقال لعلك وهمت أني غضبت من قوله لا والله ولكني استحسنت عليه بالشعر لأن الصولي علمني الشعر وأنا أتبع ألفاظه وأنحو مذهبه فلما قال هذا ما قال وهو لا يعرف حقيقة أمري علمت أنه لم يقل هذا إلا عن علم بالشعر فأحببت بذلك أن أحسن إليه، إذ كانت فيه هذه الفضيلة، فعجبت من حسن عقله وتمييزه.
стр. 47
وكنا يوماً بين يدي الراضي، وهو يشرب فلغط الجلساء فجذب الدواة والدرج وكتب فيه شيئاً وناولنيه فإذا فيه:
لما بَرِمْت بِراحِي وانْقَضَى الأَدَبُ ... قَرَنْتُها بِأُناسٍ شانَهُمْ إِرَبُ
تراهُمُ الدَّهْرُ لاَ يَرْوُونَ من لغط ... علَى المُدام فلا الْتَذُّوا وَلاَ شَرِبوا
ولم يزل الراضي نحو سنتين من خلافته، لا يشرب النبيذ ونشر به نحن بين يديه. وربما شرب الجلاب وأنا مصوب له ذلك مساعد عليه حتى أغواه أصحابنا فقال: إني أعطيت الله عهداً أن لا أشربه أبدا
وكتب رقعة بلفظه بيمينه وعرضها على الفقهاء، فوجد رخصه فوجه بألف دينار إلى لأتصدق بها عنه وشرب: وقال لي يوماً أنشدني تشبيب قصيدتك البائية في ابن فرات فإنه عندي أحسن تشبيب سمعته قط فأنشدته:
سَيِّدِي أَنْتَ إِنَّني بِكَ صَبٌّ ... بَيْنَ أَيدِي الْهُمُوم والشَّوْق نَهْبُ
وشَفِيعِي إِلَيْكَ أَنِّي مُحبٌ ... وقَدِيماً أَحِبُّ مَنْ لاَ يُحِبُّ
بَعَثَ الحُبُّ لي سَقاماً فَأَعْدَى ... بِيَ حُزْناً مداوماً ما يَغِبُّ
لَيْس لي نَيَّةٌ أُسَلِّي بها النَّفْ ... س لِمَا قَدْ رَأَى وَلاَ لِيَ قَلْبُ
ضَاعَ صَبْرِي وَأَخْلَفَتْنِي ظُنُونٌ ... كاذِباتٌ يَلَذُّها مَنْ يَصَبُّ
غَيْرَ أنِّي أُرِحْتُ مِنْ قَوْلِ لاَحِ ... هُوَ هَمٌّ عَلَى الفُؤادِ وكَرْبُ
стр. 48
عَذَلَ العَاذِلُونَ فِيكَ وقالُوا ... ما عَلَى منْ أَحَبَّ مثلَكَ عَتْبُ
لكَ خَدٌّ مُوَرَّدُ اللَّوْن سَهْلٌ ... وَفَمٌ طَيِّبُ الْمُجَاجَةِ عَذْبُ
وجَبينٌ تَلأَلأَ الحُسْنُ فيه ... كهِلالٍ تكَشَّفَتْ عَنْهُ حُجْبِ
وجَفونٌ مُفَتَّراتٌ مِرَاضٌ ... وحديثُ الْمُؤَنَّثِ اللَّفْظِ رَطْبُ
وقَوامٌ للرِّيح فيهِ احْتِكَارٌ ... يَتَثَنَّى الغُصْنِ شَطْبُ
أَخْصَبَ الحُسْنُ في جميعكَ إلاَّ ... أَنَّ حظِّي منْ كُلِّ ذَلكَ جَدْبُ
لَهْفَ نفسي عَلَيْكَ لو أَنْصَفَ الْح ... ب لَذَلَّ الغَداةَ لي منْكَ صَعْبُ
لا أُسَمِّيك خَيفَةً بلْ أَعدِّي ... عنك طَرْفاً دُمُوعُهُ فيكَ سَكْبُ
وعَدَدْتَ الْهَوَى عَلَيَّ ذُنوباً ... إِنْ يَكُنْ ذَا فَحُسْنُ وجهك ذَنْبُ
أيمر الزمان صَفْحاً عَلَيْنا ... لَمْ يُنَلْ طائلٌ ولم يُقْضَ نَحْبُ
ظَلَمَتْنِي كظُلْمِكَ السِّنُّ حَتَّى ... شَابَ رَأْسِي ودَعْوَةُ الشَّيْبِ سَبُّ
سَلَبَتْني ثَوْبَ الشَّباب الثَّلاَثُو ... نَ وللشَّيْب بَعْدَ ذَلِكَ سَلْبُ
وأحالَتْ دُهْمَاً عَلَى الرَّأْسِ شُهْباً ... لَيْسَ يَجِزي بِخَيْلِهِ اللَّهْوِ شُهْب
إِنْ يَكُنْ سَارَ عَامداً لِدِمَشْقٍ ... وطَوانِي كَمَا طَوَى الشَّمْسَ غَرْب
فهوَ للْقَلْب حيثُ ما مال ذِكْرٌ ... وهُوَ للطَّرْف حيثُ ما دار نُصْبُ
стр. 49
حُسْنُ رَأْيِ الْوَزِيرِ عَوَّض فيه ... فَهُو للْجُودِ الْمَكارمِ رَبُّ
وهي طويلة فجلس طويلاً، ثم أنشدني ما عمل ولم يقطعه بعد فإذا هو:
أُشهِدُ اللهَ أَنَّني بكَ صَبٌّ ... لِفَؤَادِي من شِدَّة الوَجْدِ وَجْبُ
حارَ في الجِسْمِ يَوْمَ ودَّعْتَ دَمْعٌ ... فاضَ منْهُ مَعَ التَّسُتُّرِ غَرْبُ
يا عَلِيلاً فَدَتْهُ مِنِّيَ نَفْسٌ ... بَيْنَ أَيْدِي الإِشْفاق والشَّوْقِ نَهْبُ
سَلَبَ الْقَلْبَ وَالْمُنَى وَافدُ السَّ ... نِّ وقَدْ كانَ قَبْلَهُ لِيَ قَلْبُ
إنْ أَمِتْهُ في هَواكَ قالمَوْتُ دائِي ... أَنْتَ فِي الْبُعْدِ للَّواحِظِ نُصْبُ
فَوَقَتْكَ الرَّدَى حُشَاشَةُ نَفْسٍ ... لَمْ يَجْرِها مِنَ التَّبَاعُدِ قُرْبُ
ثم قال لي قد أغرت عليك، فقلت له إن رأى سيدي أن ينعم على ويقطع علمه لهذا الأبيات، ففعل. ثم قال لي بعد عرفني بما أردت بقطعي الأبيات؟ قلت إن أبياتي جهدت نفسي حتى جاء تشبيهها كما وصفه سيدنا وترجل أبياتاً فينشدها الناس معها فيرون أبياتي أجود، وما أحب أن يرى الناس لعبد شيئاً أفضل مما يملكه مولاه من أشباهه.
وحدثني الراضي قال لما قتل القاهر مؤنساً وبليق وابن بليق أنفذ رءوسهم إلى مع الخدم يهددوني بذلك وأنا في حبسه لأني كنت في حجر مؤنس، ففطنت لما أراد قلت ليست إلا مغالطته، فسجدت شكراً لله وأظهرت للخدم من السرور ما حملهم على أن جعلوا التهدد بشارة
стр. 50
وجعلت أشكره وأدعو له فرجعوا بذلك وكتبت إليه:
بَقِيتَ أَمِيرَ المُؤْمنينَ عَلَى الدَّهْرِ بِرَغْمِ الأَعادِي نافِذَ النَّهْى والأَمْرِ
شفَيْتَ غَليلاً كَانَ لَوْلاَكَ قاتِلاً وخَفَّفْتَ هَمّاً ضَاقَ عَنْ حَمْلِهِ صَدْرِي
وقُمْتَ بحقِّ الله في قَتْلِ مَعْشَرٍ ... سَعَوْا فِي الْبِلادِ بالفْسَادِ وبالكُفْرِ
وثَأَرِ أخٍ سادَ الأَنامَ وَلَمْ تَكُنْ ... لتَغْفُل عَنْ ثَأْرٍ عِرَاكٍ وَلاَ دَثْرِ
وَلَسْتَ بلَيْثٍ أَفْلَتَتْهُ فَرِيسَةٌ ... وقد عَلِقَتْ بالنَّابِ منْهُ وبالظُّفْر
ولاَ حيَّةٍ يَنْجُو بنَفْثٍ لَدِيغُها ... ولاَ صارِمٍ يَهْوِي لضَرْبٍ ولاَ يَبْرِي
فعِشْتَ لِدِينِ اللهِ تَجْبُرُ وَهْنَهُ وَبُلِّغْتَ أَقْصَى مَا هَوِيتَ منَ الْعُمْرِ
ويا لَيْتَنِي أُسِعدتُ فيكَ بنَظْرَةٍ ... أُوَفِّي بهَا حَقَّ الْمَحامِدِ وَالشُّكْرِ
فلما قرأها دعاني فقال ما شفيتك فأظهرت السرور وأكثرت الدعاء فنفعني والله ذلك عنده، وحال عما أراده بي إلى غيره.
وكان الراضي وعدني وهو أمير أن يشرب ليلة، وأنا أحتال في المصير إليه سراً، فصرت إلى داره بالمخرم ليلاً فلم أصل، واشتغل بزائر زاره فلم يشرب، وكتب إلي من الغد:
وَلَيْلَةٍ منْ سيِّئاتِ الدَّهْر ... توقَّدَ الشَّوْقَ بها فِي صَدْرِي
تَوَقُّدَ النَّارِ بِذاكِي الجْمر ... أُنْسيتُ ما أَشْرَبه لِذِكْرى
стр. 51
مُغْرًى بِنسيانِي وطُولِ هَجْرِي ... ذَا سَطُوَةٍ وَنَخْوَةٍ وكَبْرِ
وَقُدْرَةٍ يَجْهَلُ فِيهَا قَدْرِي ... ثُمَّ أَتَى مُزْوَرَةً بِالْعُذْرِ
أَفْديه منْ وافٍ ومِنِ ذِي غَدْرِ ... يَبْخَلُ عَنِّي بِقَليلٍ نَزْرِ
فاعْذِرْ فَهذا خَبَري وَأَمْرِي ... مَتَى أَرَى سِرِّي يَحُثُّ جَهْرِي
بِوَصْلِ بَدْرٍ فَاضِحٍ لِلْبَدْرِ ... يُسْكرُنِي باللَّحْظِ قَبْلَ سُكْرِي
يا طالباً قَتْلِي لغَيْرِ وَتْرٍ ... يَهْنِيكَ هَجْرٌ منْكَ يُفْنِي عُمْرِي
ولما هزم بجكم لابن رائق وخرج إلى الشام، وصار أميراً مكانه دعاني الراضي فأنشدني:
أَبَعْدَ مَا قَدْ الدَّهْرَ أَشْطُرَهُ ... مُحَارباً لخُطُوبٍ حُكْمُها جَارِي
وفَلَّقَتْ حِيَلِي هَامَ الرِّجالِ أُرَى والغَيْبُ يُخْمِدُ مَا أَذْكَيْتُ مِنْ نَارِ
صَمِمْتُ عنْ صَبَواتٍ يسْتَجيبُ لها ... ناسٌ بأَوْتَارِ لَهْوٍ ثَأْرَ أَوْتارِ
وَفَلَّ لَذَّاتِ لَهْوِي جَيْشُ عَارَفتِي ... وَقَلَّمَ العَزْمُ مني نَقْرَ أَوْتَارِي
حتَّى رَحضَتُ بتَحْريضِي العَدُوَّ عَلَى قَتْلِ الْعَدُوِّ ثِيَابَ الذُّلِّ وَالْعَارِ
كذاكَ منْ تُنْهضُ السَّادَاتُ هَمَّتَهُ لاَ يْغْمِضُ الْعَيْنَ مَغْلُوباً عَلَى ثَارِ
وَرُبَّ خَطْبٍ دجَا ذَلَّ الجبَانُ لَهُ ... وقَدَ فرَاه بُأنيابٍ وأَظفْار
لم يَحْتَنِكْ لَيْلُهُ حَتَّى صَدَعْتُ لَهُ صُبْحاً مِنَ الرَّأْي لا يَعْشَي بِهِ السَّارِي
стр. 52
فَقُلْ لمَنْ يُلْهِبُ الإِهمالُ غُرَّتَهُ ... اسْتَغْنِ عَنْ صِدْقِ إيقاعٍ بِإنْذارِ
وَلاَ تُمِرَّنَّ حَبْلاً لِلْخِلاَفِ فَقَدْ ... رأيتَ نَقْضِي وإِحْكامِي لإِمْرارِي
لا تَبْسُطَّن رِماحاً لاَ زِجاجَ لَها ... إلى سُيُوفٍ مُطيحاتٍ بِأَعْمارِ
فإِنَّها حينَ تُدْنِيهَا لمِلْحَمَةٍ ... تَبْرِي بكُلِّ رقِيقِ الحَدِّ بَتَّار
وعِشْ بِنيَّةِ صِدْقٍ تَسْتَدِرُّ بِها ... رَسْلَ الحَيَاةِ بعُرْف لاَ بِإِنْكارِ
أَو فَاسْحَبْنَّ ذُيُولَ الذُّلِّ مقْتَسِراً وَانْظُرْ بطَرْفٍ خَفِيِّ اللَّحْظِ غَدَّارِ
لاَ يُخْرِمُ المَرْءُ فِي وِرْدٍ يُحَاوِلُهُ ... حتَّى يُوَجَّهَ فِيهِ وَجْهَ إِصْدارِ
ثم قال لي كيف تراه؟ فحلفت أنه ما قال في جودته خليفة قط ولكن فيه شيء يغيره، قال وما هو قلت قولك:
حتى رحضت بتحريضي العدو على ... قتل العدو.... ... ....
اجعله بتحريضي الولي على قتل العدو، فقال صدقت والله خرج الكلام على ما في نفسي فغيره فقال إنما عنيت ذهاب الساجية والحجرية بابن رائق، قلت أخاف أن يتأول أنه لبجكم وابن رائق لأنك عملته بعقب أمرهما قال صدقت وكنت عملت أبياتاً على قافية الشين:
غَشِيَتْنِي مِنَ الهُمُومِ غَواشٍ ... لِعَذُولٍ يَلُومُ فِيكَ ووَاشِ
لَوْ يُلاَقوا الَّذِي لَقِيتُ مِن الْوَجْ ... د لِشَوْقٍ بَيْنَ الجَوانِحِ نَاشِ
نَمَّ بِالسِّرِّ عِنْدُهُمْ دَمْعُ عَيْنِي إِنَّ سِرَّ المُحِبِّ بِالْدَّمْعِ فَاشِي
стр. 53
مَنْ عَذِيرِي لظَالِمٍ أَنَا مِنْهُ ... فِي زَمَانِ الوصَالِ لِلْهَجْرِ خَاشِي
أَخَذَ الْقَدَّ مَنْ قَضِيبٍ رَطِيبٍ ... وحكى أَعْيُنَ الظِّبَاءِ العِطاشِ
فأنشدتها الراضي في إمارته، فعمل في قافيتها ومعناها
نَحُولُ الْجِسْمِ مِنْ وَاشٍ ... وَدَمْعِي لِلهُوَى فَاشِي
لأَنِّي فِي زَمَانِ الْوَصْ ... لِ مِنْ هَجْرِكِ لِي خَاشِي
لإِصغَارِكَ لِلشَّكْوَى ... وَإِصْغَائِكَ لِلْوَاشِي
فَأَوْحَشْتَ بِإِدْنَاءٍ ... وَآنَسْتَ بِإِيحاشِ
عَرانِي سَقَمٌ نَاشٍ ... بهَجْرٍ مِنكُمُ نَاشِي
وعملت أيضاً:
حُبٌّ لأِحْمَدَ قَدْ فَشَا ... بَيْنَ الْجَوانِحِ والْحَشَا
يَهْتَزُّ فِي حَرَكَاتِهِ ... مِثْلَ الْقَضِيبِ إِذَا مَشَا
خَدَّاهُ مِنْ بَرَدِ الدُّجَا ... وَالْمُقْلَتَانِ مِنَ الرَّشَا
لَمَّا ظَفِرْتُ بِوَصْلِهِ ... وَمَلَكْتُ مِنْهُ مَا أشَا
أَحْلَى الْبَرِّيةِ أَوْ عَلَى ... عَيْنِ الَّذي يَهْوَى غِشَا
وتَنَاوَمَتْ عَيْنُ الرَّقِي ... بِ لَحَثِّ أَقْدَاحِ الْوِشَا
стр. 54
وفَشَا الحَدِيثُ بِحُبِّنا ... والحُبُّ يَحْسُنُ إِنْ فَشَا
عَبَثَ الْوُشاةُ بوَصْلِنَا ... حَسَداً فقُبِّحَ مَنْ وَشَا
فعمل هو:
أَقْرَحَ القَلْبَ والحَشَا ... مُفْتِنٌ لَحْظُهُ رَشَا
مَلَكَ الجِسْمَ حُبُّهُ ... فَبراهُ كَمَا يَشا
لا يُجازَى عَلَى الوِصَا ... لِ وَلاَ يَقْبَلُ الرِّشَا
شِئْتُ أَنْ يَرْحَمَ الْمُحِ ... بَّ وَهَيْهاتَ مَا أشَا
يا هِلاَلاً إِذَا بَدا ... وقَضِيباً إِذَا مَشَى
افْشِ وَصْلاً فإِنَّ هَجْ ... رَكَ لاَ كانَ قَدْ فَشا
وكان الراضي بالله وصلنا وهو في الزيديه، وأقام بها أياما وعملت له فيه قرية كما يعمل الملوك، أنفق عليها مال، ثم فرقها علينا ووهب لنا ثياباً. فلما عبر بلغه أن الناس تكلموا في إعطائه لنا وإسرافه في أمرنا فقال:
لاَ تَعْذِلِي كَرَمِي عَلَى الإِسْرافِ ... رِبْحُ المَحامِدِ مَتْجَرُ الأَشْرافِ
أَجْرِي كآبائِي الخَلاَئِفِ سَابِقاً ... وأَشِيدُ مَا قَدْ أَسَّسَتْ أَسْلاَفِي
إِنِّي مَن الْقَوْمِ الَّذيَنْ أَكُفُّهُمْ ... مُعْتادَةُ الإِخْلافِ والإِتْلافِ
ولما ملك بجكمَ واسط في آخر خروجه إليها وفعل بابن رايق ما
стр. 55
فعل وقتل، أنشدني الراضي:
ياعُمْدَةَ السُّلْطَانِ ... وَلَيْثَ هَذا الزَّمانِ
ومُشْتَرِي الحَمْدَ مِنِّي ... بأَوْفَرِ الأَثْمَانِ
فكَكْتَ أَسْرِيَ مِنْ ... كَفِّ طارِقِ الحَدَثَانِ
فصِرْتُ أَسْبقُ جَرْياً ... وقَدْ مَلَكْتُ عِنانِي
فأَنْتَ حَرْبُ عَدُويِّ ... وسَلْمُ مَنْ وَالاَنِي
والسَّيْفُ مِثْلُ لِسَانِي ... إِذَا تَعَايَا لِسَانِي
تَسُرَّني كُلَّ وَقْتٍ ... فِي غَيْبَةٍ وعِيَانِ
فَشُكْرُكَ الدَّهْرَ لاَ شُكْرُ ... غَيْرِكَ شَانِي
ومن كرم الراضي وشريف أخلاقه أن ابن حمدون كان يباري علي بن هارون المنجم في الشرب بين يديه، وإذا شرب أحدهما خماسية قبل صاحبه رفعها ليراها الراضي ففعل ذلك مراراً كثيرة، إلى أن ضجر الراضي فقال كأنها قوارير بول ترفع بين يدي طبيب وهو مع ذلك لحلمه وكرمه يضحك لما يفعلانه ويثيب عليه إلى أن فعلا ذلك يوماً فقال لهما وقد تلاحيا: لا عليكما الأمر عندي سواء في فعل جميعكم من زاد في شربه فإنما فعل ذلك سروراً بنا ونشاطاً لمجلسنا وإنما بقي على نفسه لخدمتنا وأحب به مطاولتنا فقبلنا الأرض بين يديه وحلفنا
стр. 56
أنه ما جلس مجلساً أكرم عشرة منه لعبيده، وأقبلنا عليهما فقلنا: أبقى لكما الآن شيء بعد هذا فقصرا عن كثير فعلهما ذلك مما تركاه في وقت: ومن كرمه أنه كان كلما أراد الشرب وضعت بين أيدينا صوان فيها خماسيات مطبوخ ومغاسل وكيزان ماء ليشرب كل واحد منا ما يريد، ولم يكن يفعل ذلك الخلفاء إلا خصوصاً بالواحد بعد الواحد، وبالجماعة في وقت من الدهر. وإن كان الخدم الشرابية يجيئون بالأَقْداح فيناولونها الجلساء فيشربونها ويردونها عليهم، وربما أرادوا من الخدم ماء لأقداحهم فيما كسونهم فيه، وكان يأمر بأن يوضع بين أيدينا الفواكه الرطبة واليابسة فننال منها كما ننال في بيوتنا، وما كانت الخلفاء تفعل بجلسائها ذلك إلا في الحين إن فعلوه.
وكان كثيراً يقول لكرمه ووفائه ومحبته أن يؤكل طعامه: أمر النبيذ إليكم اشربوا ما شئتم وأمر الأكل إلى لا بد من مطالبتكم به حتى تأكلوا معي، ويمدح من يزيد أكله بين يديه وينفعه ذلك عنده.
ولقد تعشينا ليلة بين يديه فجاءونا بخبز سيمذ كبار ما رأينا أحسن مما خبز فعزل العروضي رغيفاً وقال نوبتي في غد في بيتي، وقد استحسنت هذا الرغيف وأريد أكله في غد فاستبنت أنه قد سر لما فعل العروضي.
وجاءت جامات فيها بوارد فعزلت جاماً وقلت: ما ذقت والله أطيب من هذه الباردة وأنا كالشبعان وأريد أن آكلها في غد مع العروضي فإنا شريكان وفرغنا من الأكل وجلسنا ورفع الرغيف والجام، ثم وضع بين العروضي الرغيف بعينه وفوقه دراهم قد ملأته ووضع بين يديه
стр. 57
جام فيه دراهم مثل ما في الرغيف فضج الجلساء لذلك وسألوا أن يفعل بهم مثل ذلك فقال إلا أن هذين استطابا طعامنا فأزلا منه لغد ما يقصر عن كفايتهما فأحببنا أن نتمم أمرهما بما فعلناه ولم يكن لكم سبب في مثل هذا فنفعل بكم كما فعلناه بهما. فانصرفنا ولم يأخذ أحد شيئاً غيرنا وأعطينا الرغيف والجام كما رفعا، فكان في الجام ألفا درهم وكذلك على الرغيف.
ولما ورد قتل ياقوت على الحجرية اضطربوا اضطراباً شديداً واجتمعوا إلى الراضي بالله وقالوا قبضت على ابنه أبي بكر لغير ذنب فحبسته، ثم قبضت على أخيه أبي الفتح ثم كتبت إلى ابن البريدي في قتله، فجلس لهم وأحضر القاضي، وأحضر معه من العدول أبا الحسن الهاشمي بن أم شيبان، وابن عمه عبد الوهاب، وجلس الراضي لهم ليلا. فدخلوا إليه وهو على كرسي، فلغطوا وكان الصغار اشد كلاماً وأبسط ألسناً من كبارهم وقوادهم، فتركهم حتى تكلموا بكل ما أرادوه وأخرجوا ما في أنفسهم، ثم أقبل عليهم رابط الجأش ذرب اللسان فكلمهم أحسن كلام، وقال: إن كان هذا الأمر قد صح عندكم. فعرفوني من أي جهة صح لأعرفها كمعرفتكم؟ وإن كان ظنا فالظن يخطئ ويصيب ظننتم هذا بمجيء أخ البريدي أبي الحسن إلى الديار هذه الأيام وإنما كان يجئ بكتب أخيه يشكو معاملة ياقوت، ثم أخرج فصولاً من كتب، فدفعها إلى القاضي فقرأها عليهم، وفيها جوابات من ياقوت إلى ابن البريدي، وقد أنفذها ابن البريدي إليه ثم قال له
стр. 58
ما قبلت في ابن البريدي إلا رأى محمد بن ياقوت، والآن فقد وقفتم على الخبر، وأنا أعزلهم وأنفذ الجيوش إليهم، وأخرج معكم إن أردتم كلمهم القاضي وفرقهم.
وكنت وهو أمير بعد اعتللت في يوم نوبتي عنده، فكتبت رقعة اعتذر فيها بالعلة لتخلفي عن خدمته فوقع إلى:
وَصَلَتْ رَقْعَةٌ فَأَوْصَلَت الْوَحْ ... شَةَ لَمَّا أَتَتْ بِشَكْوَى الأَنِيسِ
بُدِّلَ الْقُرْبُ بِالبِعَادِ فَبُدِّلْ ... تُ بِيَوْمِ السُّرُورِ عُبُوسِ
فكتبت الجواب:
وَصَلَتْ رُقْعَةُ الأَمِيرِ الرَّئِيسِ ... غُرَّةِ الدَّهْرِ وَالخَطِيرِ النَّفِيسِ
فَأَزَالَتْ مَا كُنْتُ أَشْكُو وَأَهْدَتْ ... لِي نَعِيماً وَأَذْهَبَتْ كُلَّ بُوسِ
وَأَتى الشِّعْرُ مُبْرئاً وَشِفَاءً ... وَأَنِيساً يَفُوقُ كُلَّ أَنِيسِ
حَسَنَ اللَّفظ مُطْرباً كُلَّ من يَسْ ... مَعُ إِطْرَابَ زَابَدات الْكُؤُوسِ
قَدْ جَلاَهُ الطَّبْعُ الْمُغَاثُ بِحِذْقٍ ... لِعُقُولِ الْوَرَى جِلاَءَ الْعَرُوسِ
أضْحَكَ اللهُ بِالأَمِيرِ زَمَانِي ... وَلَقَدْ كَانَ قَبْلَهُ ذَا عُبُوسِ
صِرْتُ مُذْ قَدَّرَ الإِلَهُ جُلُوسي ... مَعَهُ سَيِّداً لِكُلِّ جَليسِ
ضَاقَ شُكْرُ الْعُبَيْدِ عَنْ برِّ مَوْلًى ... مِثْلَ ضِيقِ الغُفْرَانِ عَنْ إبْلِيسِ
стр. 59
وكنا يوماً نشرب بين يديه، فرأيت من ذكائه وسرعة خاطره ما جعلت أعجب منه، وذلك أنه سأل عن شعر فقال أحمد بن يحيى هو لدعبل فقلت أنا هو لمحمد بن الحجاج البغدادي فلاحاني، فقلت له: إن أَقرب من أنشدناه لمحمد أبوك عن أبي هفان، وكان ذكره في كتبه فأمسك وضحك الراضي، وقال فأنشدنيه، فأنشدته وهو مقبل علي يسمع:
زَمَنِي بِمَا طَابَ سُقِيَت زَمانَا ... ما كُنْتُ إلاَّ رَوْضَةً وَجِنَاناً
أَصْلَحْتَنِي بالجُودِ بَلْ أَفْسَدْتَني ... وتَرَكْتَنِي أَتَسَخَّطُ الإِحْسَانا
مَنْ جَادَ قَبْلَكَ كَانَ جُودُك فَوْقَهُ ... لَمْ أَرْضَ قَبْلَكَ كَائِناً مَنْ كانا
وليس الشعر هكذا، إنما قال:
من جاء بعدك كان جودك فوقه ... لم أرض بعدك كائنا من كانا
فلم استحسن أن أنشده بعدك في أول البيت وبعدك في آخره فأنشدته كما ذكرت، فقال: محمد بن يحيى الصولي يحيل الشعر إذا أنشده، ما كذا قيل، فقال له كيف الشعر فأنشده:
من جاد بعدك كان جودك فوقه ... لم أرض بعدك كائنا من كانا
ففطن أني قلبت اللفظ عمداً لما فيه، وأن هذا مما لم يفطن له أحمد فقال له: تلك رواية الصولي، وهذه روايتك أنت فقال كذا والله يا سيدي قال الشاعر، وكذا أنشدني أبي، فقال له: قد علمت كما أنشدك أبوك أيضاً لنفسه إن كنتم قريش فمه! فسكت وانقطع الكلام.
стр. 60
وكان إذا ذكر أبيات يحيى بن علي هذه يشتد غيظه ويقول أقوالاً يسمعها سائر الجلساء، لا أحب ذكرها، ويسرني منه بأن يقول قد شفي القلوب ابن المعتز بجوابه.
وأنشدني يوماً العروضي جواباً ليحيى في غير شعر عمله أحسن والله في بعضه، ولكني لا أذكره للطعن الذي فيه.
واعتللت وهو أمير فتأخرت عن خدمته، والنوبة التي كانت علي فكتب إلي رقعة فيها:
يا عَلِيلاً جَعَلَ السَّا ... عَةَ إِذْ غَابَ شُهُوراً
ولَقَدْ كَان بِهِ ال ... دَّهْرُ إذ جَاءَ قَصيراً
لِعُلُومِ لاَ أَرَى ال ... دَّهْرَ لَهُ فِيها نَظِيرا
صَرَفُ اللهُ الأذَى ... عَنْكَ ولقَّاكَ سُرُورا
فكتبت الجواب:
يا أَميراً ما رَأَيْنَا ... مثْلَهُ فَضْلاً أَميرَا
يا أَبا الْعَبَّاس يا شَمْ ... ساً ويا بَدْراً مُنيرَا
يَا كَبِيرَ الْعَقْلِ والْ ... آدابِ مُذْ كَانَ صَغِيرَا
والذي نكذب إن ... قسنا به يوماً نطير
قد أَتَى عيْدَكَ شِعْرٌ ... منْكَ خَلاَّهُ حَسِيَرا
стр. 61
بَعْدَ سَبْقِ مِنْ خَطَارِ ال ... شِّعْرِ مَنْ كَانَ خَطِيرَا
حَسَنُ اللَّفْظُ يَحاكِي ... رَصْفُهُ الدُّرَّ النَّثِيرَا
مَلأَ الجِسْمَ شِفَاءً ... وحَشَا الْقَلْبَ سُرُوراً
كَانَ مِنْ عَارِضِ شَكْ ... وايَ وَمِنْ دَهْرِي مَجيرَا
لَيْسَ ما يَذْخَرُهُ عِنْ ... دِي مِنَ الشُّكْرِ يَسيرَا
سَوْفَ أُهْدِي مِنْهُ رَوْضاً ... جَاوَرَتْ مِنْكَ غَدِيرَا
كَمْ عَسِيرٍ عَادَلِي مِنْ ... حُسْنِ نَعْمَاكَ يَسِيرَا
قَدْ يُرَى الْعَبْدُ وإنْ ... قَلَّ بِمَوْلاَهُ كَثِيرَا
سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة
مات في المحرم منها إبراهيم بن خفيف، صاحب ديوان النفقات وتقلد موضعه محمد بن يحيى بن شيرزاد، وتقلد الزمام عليه سعيد بن عمرو بن سنكلا. وفي الشهر ظهر ابن خزابة بعد استتار، وصودر على مال كثير، وضج الناس من غلاء السعر، وكان الخبز قد صار إلى أربعة أرطال بدرهم، وأظهر قوم من بني هاشم المصاحف وشكوا الجوع.
ومات إبراهيم بن حماد لسبع خلون من صفر، ودفن إلى جانب قبر إسماعيل بن إسحاق.
واحتبس القطر فنادى السلطان بخروج الناس للاستسقاء، فخرج
стр. 62
أهل الجانبين في يوم الأحد لثمان ليال خلون من شهر ربيع الأول، وخرج الناس الأئمة فصلوا بالناس ودعوا وانصرفوا.
ووافى كتاب قاضي اصبهان لأربع عشرة بقيت من شهر ربيع الأول بقتل مرداويج. وكان السبب فيه أنه جعل عسكره صنفين صنف منهم جيل وديلم وهم خواصه وأهل بلده الذين فتح بهم الري ونواحيها، ومنهم صنف أتراك وأهل خراسان، ثم استخص نفراً من الأتراك فوجد الديلم من ذلك وعاتبوه عليه، فقال إنما اتخذت الأتراك لأقيكم بهم، وأقدمهم يحاربون بين أيديكم، وأنتم خاصتي وأنا بكم ولكم، فبلغ ذلك الأتراك فأجمع رأيهم على قتله، فأوصوا الغلمان الصغار الذين في خدمته ووكدوا عليهم بالتركية أن يفتكوا به، فقتلوه في حمام، وجاءهم الذي واطأوهم على ذلك وأخرجوهم من الدار، وركبوا دوابه وساروا فاضطربوا فقالوا نجعل علينا رئيساً فرضوا ببجكم وأخذوا من داره مالا عظيماً وآنية فضة وذهب، وكان قد تكبر وتجبر ووضع التاج على رأسه مكللاً بأحسن الحب والياقوت وجلس على سرير فضة حواليه ذهب، وكان مرصعاً بجوهر وقال أنا أرد دولة العجم وأبطل دولة العرب، وصار بجكم والغلمان الذين معه إلى ابن رايق قبله أحسن قبول، وغمره بالإحسان وخلع علي غلام الراشدي بحمص وأعمالها.
وقبض السلطان على ابن شنبوذ لما رفع عليه من قراءته بما لا يجوز، وشهد عليه بشهادات فأحضر دار ابن مقلة وحضر ابن مجاهد
стр. 63
وجماعة من القضاة والفقهاء فنوظر، فتاب ورجع عن رأيه فكتبت رقعة نسختها: يقول محمد بن أحمد بن أيوب المعروف بابن شنبوذ إني كنت أقرأ حروفاً تخالف ما في المصحف المنسوب إلى عثمان ﵀، الذي اتفق عليه أصحاب رسول لله صلى الله عليه وعلى تلاوته، ثم بان لي أن ذلك خطأ فأنا منه تائب وعنه مقلع وإلى الله منه برئ، إذ كان مصحف عثمان هو الحق الذي لا يجوز خلافه.
وكتب بخطه في أسفل هذه الرقعة:
يقول محمد بن أحمد بن أيوب ما في هذه الرقعة صحيح وهو قولي واعتقادي، أشهد الله على ذلك ومن حضر، وقد كتبت هذه بخطي فمتى خالفت ذلك أو بان مني غيره، فأمير المؤمنين أطال الله بقاه في حل وتبرئه من دمي.
وكتب يوم الأحد لسبع خلون من شهر ربيع الآخر في سنة ثلاث وعشرين وذلك كله في مجلس الوزير أبي علي.
ودعا الأئمة في يوم الجمعة بالجانب الشرقي والغربي بعد دعائهم للراضي لابن ياقوت وقرظوه فبلغ ذلك الراضي فأنكره وأمر بأن يقلد مكان أبي عمر حمزة بن القاسم من ولد العباس بن محمد على الصلاة بجامع الجانب الغربي أبو جعفر عبد الله بن إسماعيل بن إبراهيم بن عيسى بن جعفر بن المنصور ويعرف بابن بريه، وأن يقلد مكان أبي الحسن أحمد بن الفضل بن عبد الملك من ولد العباس بن محمد أبو بكر
стр. 64
محمد بن الحسن بن عبد العزيز على الصلاة بالجامع الشرقي، وأن يقلد أخوه الصلاة بجامع السلطان.
وشغب المؤنسية في طلب الأرفاق وقطعت الجسور وأرجف الناس بابن ياقوت أنه قتل فركب في الجانبين وأزال الإرجاف بركوبه وسكن الناس.
وتوفي احمد بن عبد العزيز الجوهري صاحب عمر بن شبة بالبصرة لخمس بقين من شهر ربيع الآخر.
وقبض على محمد بن ياقوت يوم الاثنين لست خلون من جمادى الأولى، وعلى كاتبه أبي إسحاق القراريظي وعلى نجاح كاتبه على الجيش فقبض من ابن ياقوت على رجل كامل في عقل وعلم وشجاعة وصيانة وعفاف.
واجتمع الحجرية والساجية فقالوا: لا نرضى بأن يكون بدر الخرشنى واليآشرطة بغداد فسفر بينهم وبين بدر ورفق بهم حتى رضوا به بلغ السلطان أن أبا الفتح بن ياقوت يضرب الحجرية والساجية على الراضي، ليفتكوا به وتوقع البيعة لبعض إخوته فقبض عليه وهو بين يديه يخاطبه وكل بدوره فلم تنهب وحمل ما فيها ليلاً إلى دار السلطان.
وخلع الراضي على غلامه ذكي للحجبة يوم الثلاثاء لسبع خلون من جمادى الأولى وغضب صغار الحجرية لابن يانوت وقالوا يناظر بحضرتنا فإن وجب عليه شيء وإلا أطلق فداروهم حتى سكتوا وأمر بقبض ضياع ابني ياقوت، وحمل القراريطي على دار الوزير وأخذ خطه
стр. 65
بمال قيل أنه ثلاثة ألف ألف درهم أو أقل.
ومات ابن المشبع الشيعي، وكان يروى عن عمر بن شبة لليلتين بقيتا من جمادى الأولى. وفي جمادى الأولى خلع على أبي الحسين علي بن محمد لخلافة أبيه، وزاد أمر الحنبلية في هذا الوقت ونهبوا دكاكين بباب الشام لأن البربهاري مضى بعود أمر عبد الله بن أحمد بن حنبل وعاثوا في مربعة شبيب فأنكر السلطان ذلك وأمر بطلب الدلاء وابن رمضان فلم يوجدا.
وكان النوروز لثمان خلون من رجب، ووجه الراضي إلى أخيه العباس وأحضره الدار مع طائفة منهم أبو القاسم كاتب نازوك ثم أخرج العباس بين الظهر والعصر، وحضر الوزير والقاضي عمر ابن محمد وحضرنا، فكتب القاضي كتاباً بيده ولم يكتبه الوزير. وقال للقاضي في هذا شروط أنت بها أحذق وعليها أقوم. فكتب كتاباً حسناً عن حلف العباس ومن معه، أنه ما نكث ولا خرج عن طاعة.
وفي آخر جمادى ولى أبو العلاء سعيد بن حمدان أعمال ابن أخيه الحسن بن عبد الله فنفذ في خف من الجيش فأنزله داراً لهَ لما صار إلى الموصل وأطمعه في التسليم إليه، ثم قبض عليه وقتله غلمان الحسن وعظم ذلك على الوزير، وأصلح آلة للخروج، وحلف أنه لا بد له من أن يوقع به أو يصير إلى الحضرة، ويؤدي عشرة ألف ألف درهم.
وقبض على علي بن عيسى يوم الأربعاء لأربع بقين من رجب، جاء راغب الخادم فحمله إلى دار السلطان، ثم صاعد به إلى دار الوزير،
стр. 66
وأخذ خطه بخمسين ألف دينار.
وكان الأَصل في هذا أن الراضي زعم أن ابن حمدان الحسن وجه إليه بخمسة آلاف دينار على يد ابن طليب الهاشمي، ليوصلها إلى الراضي، فلم يفعل ذلك، فكان الراضي بعد نكبة علي بن عيسى يحلف أن علياً اختان الخمسة الألف، فكنت أقول له لو تأمل سيدنا هذا من أين وقع وأن علياً لا يمد عينه إلى خمسة آلاف دينار، وهو أبعد الناس عن هذا، وكنت أحدثه عنه بما أقدر إزالة ما وقع بقلبه، فلا يقبل إلى أن ضرني ذلك عنده وسعى بي قوم من الجلساء إلى الوزير فانحرف عني بعد ميل، وحرمني بعد إعطاء.
وكثر ضجيج بني هاشم في شكوى الضر وسودوا وجوههم ومنعوا الإمام يوم الجمعة بالجانب الغربي من الصلاة فصلى بعد جهد مخففاً للخطبة.
وتوفي آخر رجب أبو عبيدة القاسم بن إسماعيل المحاملي المحدث ودفن بمقابر الدير. ووجه الوزير إلى منازل أبي الفرج بن حفص وولده فكبسهم فيها، وطلبهم فلم يوجدوا فهدم دورهم وجمر نخيلهم، ونقل ما وجد لهم من الأثاث، وكان ذلك لرقعة زعموا وجدت فيها ابن حفص للوزير وجماعة معه بمال خطير.
وخرج الوزير مصاعداً إلى الحسن بن عبد الله لخمس خلون من شعبان، ومعه خلق من الحجرية والقواد، واستخلف على الحضرة ابنه أبا الحسين، وأطلق علي بن عيسى إلى منزله بعد أدائه المال، وانحدر
стр. 67
إلى ضيعته بالصافية لأيام خلت من شعبان، وانتقل والده إلى الصافية جمال بغداد، ومن لا يرى الناس مثله. ومات نسيم البشراني الخادم للنصف من شعبان فأمر الراضي أن يرد ما كان إليه إلى كاتبه أبي عمرو فأبى أن يقبل ذلك إلا برئيس من الخدم يكون الاسم له، وحشم الشراب ومن يخدم فيه مضمومون إليه، وهو يكفي الخدمة فجعل الراضي ذلك إلى زيرك الخادم القاهري.
وفي هذا الشهر خرج مفلح الأسود إلى بيت المقدس أشير عليه بذلك لكراهة الراضي مقامه بالحضرة، ولعهدي به وقد دخل ليودعه وهو يبكي ويضطرب. ويقبل الأرض. ويشكو أن فراقه لمولاه كفراقه لحياته. والراضي يقول هذا وجه كنت تحبه، وحيث ما كنت فأنت لي وقريب مني وعنايتي تلحقك. ثم خرج على كره منه.
وورد الخبر بدخول الوزير إلى الموصل أول يوم من شهر رمضان على اختيار عمل له. ومات أبو عبد الله بن المهتدي لليلتين خلتا من شهر رمضان، وكان قد حدث وكان فقيهاً مشهوراً، له حلقة يجتمع إليه الناس، وفي هذا الشهر قطعت يد رجل في ناحية بشرى المؤنسي وطيف به في الجانبين، ونودي عليه هذا جزاء من يسعى في الأرض فساداً لأنه اتهم جماعة من الحجرية كانوا يجتمعون في دار له بدرب النهر لبيعة يوقعونها، فقرر وضرب فقال أنا مقتول، فلم أوقع غيري فمني ووعد العفو فابتدأ يقر، فذكر جليلاً من الحجرية، وأراد أن يذكر غيره، فأمر الراضي بترك سؤاله وقال: ما حاجتي أن أفسد
стр. 68
بيات قوم إذا عرفتهم لم أجد من ينصرني عليهم ويعاونني لعلمهم بوقوفي على أمرهم فقيل له لا يذكر أحداً وهذا من جيد رأي الراضي، وكان قد حفظ عني أن المأمون لما قتل ابن عائشة وجد في منزله قماطر فيها مكاتبات بعض الجندله، فجلس وأحضرها وجمع الناس، وقال: أنا أعلم أن فيكم المستزيد والعاتب، وإن نظرت في هذه الكتب فسدت عليكم وفسدتم علي، وقد وهبت مسيئكم لمحسنكم، وأمر فأحرقت القماطر وأسفرت وجوه القوم واستصيب رأيه.
ووقع بالكرخ حريق عظيم في شوال أحرق العطارين والصيادلة وأصحاب المدهون والخزازين والجوهريين، وكان عظيماً، وقبل ذلك بقليل وقع حريق دونه في أصحاب الحناء والأشنان فآثاره باقية إلى وقتنا هذا، ما رد إلى حالته لما يتزايد في خراب البلد.
وانصرف الوزير من الموصل ولم يبلغ ما أراد فأقام بالبردان لثلاث بقين من شوال لنقضي كسوف الشمس، وكان لليلتين بقيتا من شوال ثم دخل في أول ذي الحجة وخلف بالموصل علي بن خلف بن طياب على الخراج، ويانساً المؤنسي على الحرب.
ووافى في هذا الوقت جميع من كان مع محمد بن خلف زوج أخت ابن الحواري بالخيل مفلولين هزمهم الديلم، فيهم ابن عمرويه وابن الفارقي.
وولى لؤلؤ طريق مكة، وكان غلاماً للمتهشم فخرج بالناس فلقيهم القرامطة يوم الأربعاء لإحدى عشرة ليلة خلت من ذي القعدة،
стр. 69
بطيزناباذ فقاتلهم اشد قتال، إلى أن خذله أصحابه وأصابته ضربات فطرح نفسه مع القتلى ثم دب ليلة الخميس إلى أن صار إلى الكوفة فاستتر. وكان من انقضاض الكواكب في ليلة الأربعاء التي قطع على الحاج في صبيحتها، فلم يفلت منهم أحد ما لم يعهد مثله بالكوفة وطيزباذ موضع الوقعة وكان عندنا ببغداد من ذلك ما لم نر مثله ولا سمعنا به قط واستؤسر ابن حاتم، وكان قد تقدم في قافلة الخوارزمية فقتلوا كلهم وصار إلى القرامطة ألفاً جمل عليها أصناف البز والأمتعة وأفلت القراريطي من حبس الوزير وتحدث الناس أنه أطعم الموكلين طعاماً فيه بنج.
وأحضر الراضي جعفر بن المكتفي فحبسه لشيء بلغه عنه ثم أخرجه إلينا مرات نسائله ونخاطبه، وأرسلت إلي والدته تسألني الكلام عنه فما بقيت غاية أنا والجلساء في ذلك حتى أطلقه، وذلك لما أوجب الله على من حق المكتفي، واصطناعه إياي وإحسانه إلي، وكثر الضجيج ببغداد لما نال الحاج ووثب العامة بأصحاب المعاوز في الطرق والمساجد، ونال الراضي من ذلك أمر عظيم، وصام أياماً وكان يقول: لو كان لي مال كمال المكتفي حين فعل ذكرويه بالحاج ما فعل، فطلبه بالجيش والأموال حتى قتله لما رضيت والله إلا أن أخرج بنفسي إلى البحرين. ولكن ما حيلتي في جند مستحثين، قد ملكوا الأمر دوني وعوز مال، وانخراق هيبة إلى الله أشتكي وبه استنصر.
والحجرية والساجية يعيبونه كل يوم حتى يجلس لهم مرات بالليل
стр. 70
والنهار لا يريده أحد منهم فيحتجب عنه. وصودر أبو يوسف كاتب أم جعفر المقتدر بالله، على أحد وعشرين ألف دينار، وحمل الحسن ابن هارون مالاً، وحمل جماعة منهم مصانعة عن أنفسهم، ووافى الحسن بن عبد الله من الموضع الذي كان صار إليه فولى نقيطاً المؤنسي نصيبين وقلد الديلمي القائد الذي كان معه بلد لأن من كان بالموصل لم يتجاوزها.
وأحضر في يوم الجمعة لثلاث عشرة خلت من ذي الحجة القاضي عمر بن محمد ومعه أبو أيوب السمسار فنظرا إلى ابن ياقوت ميتاً لا أثر فيه، وأنه مات حتف أنفه وصلى عليه آبو أيوب ودفن في مقبرة لهم في الشارع الأعظم فوق سوق السلاح. ومات أحمد بن محمد البستانبان المحدث وكان ينزل عند دار ابن الحواري، وولد سنة أربعين ومائتين وكان حافظاً للحديث في ذي الحجة.
وفي ذي الحجة طولب أبو الحسين علي بن محمد البريدي بمال فصودر على مائة ألف دينار عن جماعتهم نصفها معجل ونصفها مؤجل.
وأرجف الناس بأنه يسعى للخصيبي بالوزارة فطلب وكبست مواضع بسببه وجرد كاتبه ابن رمكة ليضرب من أجله فحلف أنه لا يعرف مكانه.
سنة أربع وعشرين وثلاثمائة
كان لبني هاشم وثوب في المحرم بإمام الجامع الغربي فخاتلهم حتى صلى
стр. 71
ركعتين خفيفتين قرأ في الثانية الحمد وقل هو الله أحد وخطب بكلمات يسيرة، وصاروا من غد إلى الجامع الشرقي فوثبوا بالقاضي وما تركوه يخطب، فانصرف مفلتا من أيديهم، وأمر الوزير أن يفتتح الخراج في هذا الشهر فضج الناس من ذلك. ومات في هذا الشهر أبو منصور ابن جبر النصراني، وما اصطفى بن يعقوب النصراني صاحب بيت مال الخاصة من قبل مؤنس الخادم، وورد تابوت ابن دولة الحسن بن علي ابن محمد بن الفرات إلى بغداد من الشام، وذكرت عنه في ولايات تولاها أمور قبيحة من الظلم. وغرق القاضي ابن كاس فأخرج وبقي أياماً ومات. وشغب العامة لغلاء السعر في مسجد الرصافة ودخل الجند في طلبهم إلى الصحن فصعدوا إلى السطوح وغتوا الفرسان بالحجارة حتى هربوا وحارب الجند العامة يوم السبت بباب الطاق فأخذ السلطان جماعة فضربهم بالسياط وأدراهم. وأشار الوزير بأن يسعر المكوك من الدقيق بثلاثة دراهم فما نفع ذلك. ونادى بأن يتعامل الناس بالغليظ من الدارهم والممسوح طلباً للرفق بهم. ووقع بين الحجرية والساجية في صفر خلاف فمشى بينهم قوم فاصطلحوا.
وقلد في هذا الشهر الحسن بن عبد الله من تكريت إلى آمد، وفورق على مال واستقام أمره، وأزيل عنه من بالموصل، ومات في يوم الخميس للنصف من ربيع الأول هارون بن المقتدر بالله أبو عبد الله وكان كاملاً في عقله وأدبه وأظهر الراضي حزناً شديداً عليه، وقال لنا هذا على أنه كان يسعى على هذا الأمر ويكاتبه فيه جماعة منهم ابن ياقوت
стр. 72
وقال لي: كنت أعرف محلك منه أفرثيته بشيء؟ فقلت نعم إنما انتظرت الإستئذان في إنشاده فقال جئني به في غد وأنشدنيه مفرداً، ثم أمر بإدخالي إليه من غد وكنت بكرت قبل حضور أهل نوبتي فأدخلني فأنشدته:
تَعَزَّ يا خَيْرَ الْوَرَى عَنْ أخٍ ... لَمْ يَشُبِ الإِخْلاَصَ بالَّلبْسِ
كَانَ صَدِيقاً وافِراً وُدُّهُ ... صَدَاقَةَ الأَنْفُسِ والجِنْسِ
تَعَزَّ عَنْهُ بِنَبِيِّ الهُدَى ... مَحَمَّدٍ أُدْخِلَ فِي الرَّمْسِ
وَهُوَ حَبِيبُ اللهِ في أرْضِهِ ... مؤيَّداً بالْوَحي والْقُدْسِ
سَمَّاكَ بِالرَّاضي لِتَرْضَى بِمَا ... تُسْلِفُ مِنْ أَمْرٍ ومَا تُنْسى
قَدْ أَنْذَرَ الدَّهْرُ تَصَارِيفُهُ ... بِأَلْسُنٍ ناطِقَةٍ خُرْسِ
يُخْبِرُنَا عَنْ مَوْتِهِ كَوْنُهُ ... بِغَيْرِ إِذْكَارٍ وَلا حَدْسِ
كَانَ نَسِيباً لإِمامِ الْهُدَى ... بَالْوُدِّ والألْفَةِ والأُنْسِ
ونِسْبَةُ الجِسْمِ شَتَاتٌ إذَا ... لَمْ تتآلفْ نِسْبُةُ النَّفْسِ
وَكَانَ فَرْعاً ذَاكِياً غُصْنُهُ ... مُهَذَّباً مِنْ خَيْرِ ما غَرْسِ
وَكَانَ في السُّودَدِ ذَا هِمَّةِ ... وَكَانَ في النِّعْمَة ذَا غَمْس
أَرْسَى عَلَيْهِ دَهْرُهُ مِثْلَ مَا ... أَرْسَى عَلَى سَاكِنَةِ الرَّسِّ
стр. 73
إِنْ صُرِفَ الدهر إلَى مَضَى ... عَادَ سُرُورُ النَّاسِ ذَا عَكْسِ
حَوادِثُ الأَيَّامِ شَقَّاقَةٌ ... تُقَرِّبُ الْمَأَتَمَ بالْعُرْسِ
يَعْتَقبُ الْمَرْءُ بِها حَالُهُ ... بِوَطْئِهِ الْحَزْنَ إلَى الْوَعْسِ
مَنْ عَزَّ بالدُّنْيَا هَفَا قَلْبُهُ ... وَعَاد مِنْهُ النُّورُ ذا طَمْسِ
وَزالَ في تَلْوينَها عَقْلُهُ ... وَغَالُهُ طَيْفٌ مِنَ اللَّقْسِ
مَنِيَّةٌ إِنْ لَمْ تُفَاجِ الْفَتَى ... كَانَتْ لَهُ بِالسُّقْمِ ذَاتَ مَسِّ
لَهفِي عَلَيْهِ وَقَلِيلٌ لَهُ ... لَهْفِي وهَلْ يَرْجِعُ لِي أَمْسِ ي
لَهْفِي عَلَى مُنْتَخَبٍ حِلْمُهُ ... أَرْجَحُ مِنْ رَضْوَى وَمِنْ قُدْسِ
وأَيْنَ الأُولَى كَانُوا شَمُوسَ الْوَرَى ... لُيُوثَ حَرْبٍ غَيْرَ مَا شُمْسِ
جَرَى عَلَى السُّودَدِ مِنْهُمْ كَمَا ... شُيِّدُ بُنْيَانٌ عَلَى أسِّ
فافْرِسْ لَهُ صَبراً يُزِيلُ الأَذَى ... فَالدَّهْرِ للإِنْسَانِ ذُو فَرْسِ
يَنْعَمُ مِنْهُ جِسْمُهُ تَارَةً ... ثُمَّ تَرَاهُ جَاسِيَ الْجَسِّ
فَلَمْ تَزْلْ فَوْقَ المُلُوكِ الأُولَى ... مِنْ عَرَبٍ سَادُوا ومَنْ فُرْسِ
مَنْ لاَ يَرَى حُبَّكَ فَرْضاً فَما ... أَدَّى فُروضَ اللهِ في الْخَمْسِ
فداؤُكَ النَّاسُ جَمِيعاً عَلَى ... رَغْمِ عَدُوٍّ لِحَزٍ شَكِسِ
стр. 74
فالْخَلْقُ وارد مِنْ رِفْهٍ إلَى الْ ... مَوْتِ وَذِي عَشْرٍ وذِي خَمْسِ
أَوَّلُهُمْ مَنْتَظِرٌ آخرّاً ... فَهُوَ عَلَيْهِ الدَّهْرَ ذُو حَبْسِ
حَتَّى يَجِئُوا وَكِفَاتٌ لَهُمْ ... وَلاَ يُرَى لِلْقَوْمِ مِنْ حِسِّ
وَبَعْثُهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَا كُلِّهِ ... لِخَابِلِ الجِنَّةِ والإِنْسِ
تَخْشَعُ أَصْوَاتُهُمْ خِيفَةً ... فَلاَ تُنَاجِي بِسَوَى الْهَمْسِ
دَاعِي المَنَايَا خَاطِبٌ كُفْوَهُ ... كَخِطْبَةِ المْعُتَامِ لِلْعِرْسِ
يَسْمُو إِلَى الأَنْفُسِ فِي قُدْرَةٍ ... مُنَكِّباً عَنْ سَاقِطٍ جِلْسِ
تَلْعَبُ بِالْمَرْءِ اللَّيَالِي كَمَا ... قَدْ تَلْعَبُ الأَقْلاَمُ بِالنَّقْسِ
تُرْضِعُ بالإِنْعَامِ ذَا عزَّةٍ ... يُقْطَمُ بِالْبُؤْسِ وَبِالتَّعْسِ
تُتْبِعُ نُعَمَاهَا بِبَأْسَائِهَا ... وَيَعْقِبُ الصِّحَّةُ بالنُّكْسِ
فَالحُرُّ فِيها أَبداً حَائِرٌ ... مِنْ سَوْمِهَا الْغَالِي عَلَى مَكْسِ
يُتْعِبُ فِيهَا أَبداً جِسْمَهُ ... وإنَّمَا الرَّاحَةُ كاَلخَلْسِ
يَخْدَعُ فِيها بِالْمُنَى نَفْسَهُ ... وَوافِدُ الْمَوْتِ بِهِ مُرْسِي
يَنْسَى الَّذِي يأَتِي بِهِ صَرْفُهَا ... والآمِلُ الغَرَّارُ قَدْ يُنْسِي
تَلْبِسُهُ مِنْ طَمَعِ غَفْلَةٌ ... بِالْمَطْعَمِ المَلْذُوذِ وَالُّلبْسِ
стр. 75
فَأَسْلَمَ اللهُ إِمَامَ الْهُدَى ... فَمَا عَطَاءُ الدَّهْرِ بِالنَّحْسِ
كُلُّ الْوَرَى أَنْتَ وَكُلٌّ يُرَى ... عَبْدَكَ مِنْ عالٍ ومِنْ نِكْسِ
بَقَاؤُكَ الْفَوْزُ لَنَا وَالْغِنَى ... نُصْبِحُ فِيهِ مِثْلَ ما نُمَسْي
شَوىً صُرُوفُ الدَّهْرَ مَا لَمْ تُصِبْ ... فِي الرَّطْبِ إِنْ عَاثَتْ وفِي اليَبْسِ
مَنْ تاجَرَ الدَّهْرَ بِلاَ صَرْفِهِ ... فَصَارَ مِنْ رِبْحٍ إلَى وَكْسِ
فَأَسْلَمَ الكُلَّ فَلاَ بَأْسَ أَنْ ... يُرْزَأَ في السُّدْس وفي الخُمْسِ
إِن غَيَّبَ الْبَدْرَ كُسُوفٌ فَقَدْ ... لاَحَتْ بِسَعْدٍ غُرَّةُ الشَّمْسِ
مَا طَالِعُ الأُمَّةِ يَا سَيِّدِي ... إِذَا خَطَاكَ الْخَطْبُ بِالْبَخْسِ
فما فرغت من الإنشاد حتى بكا بكاء شديداً، ثم قال لي أنت كنت حديثتني أن المأمون قال لمحمد بن عباد المهلبي لما مات أخوه أبو عيسى، وكان أحب الناس إليه: يا محمد حال القدر دون الوطر. قلت له قد كان ذاك، فقال والله ما كان المأمون لأبي عيسى بأشد حباً مني لهارون ولا أَصح نية فيما روى عنه. ودفن هارون في داره بقرب الجسر، وحضره يومه الوزير والقواد، وكل نزع سيفه ومنطقه إلى أن دفن بعد العصر وانصرفوا فقال بعد ذلك: لولا أني لا أدرك ثأري لقتلت بختيشوع الطبيب، سقى أخي هارون درهم سقمونيا حتى قتله ورمى بكل ما في جوفه! وإن كان المشئوم ما تعمد ذلك، ولكنه أعمى القلب،
следующие страницы →