← История

История · id 8184

أخبار الراضي بالله والمتقي لله = تاريخ الدولة العباسية

الصولي

Полный текст (285 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

ركعتين خفيفتين قرأ في الثانية الحمد وقل هو الله أحد وخطب بكلمات يسيرة، وصاروا من غد إلى الجامع الشرقي فوثبوا بالقاضي وما تركوه يخطب، فانصرف مفلتا من أيديهم، وأمر الوزير أن يفتتح الخراج في هذا الشهر فضج الناس من ذلك. ومات في هذا الشهر أبو منصور ابن جبر النصراني، وما اصطفى بن يعقوب النصراني صاحب بيت مال الخاصة من قبل مؤنس الخادم، وورد تابوت ابن دولة الحسن بن علي ابن محمد بن الفرات إلى بغداد من الشام، وذكرت عنه في ولايات تولاها أمور قبيحة من الظلم. وغرق القاضي ابن كاس فأخرج وبقي أياماً ومات. وشغب العامة لغلاء السعر في مسجد الرصافة ودخل الجند في طلبهم إلى الصحن فصعدوا إلى السطوح وغتوا الفرسان بالحجارة حتى هربوا وحارب الجند العامة يوم السبت بباب الطاق فأخذ السلطان جماعة فضربهم بالسياط وأدراهم. وأشار الوزير بأن يسعر المكوك من الدقيق بثلاثة دراهم فما نفع ذلك. ونادى بأن يتعامل الناس بالغليظ من الدارهم والممسوح طلباً للرفق بهم. ووقع بين الحجرية والساجية في صفر خلاف فمشى بينهم قوم فاصطلحوا. وقلد في هذا الشهر الحسن بن عبد الله من تكريت إلى آمد، وفورق على مال واستقام أمره، وأزيل عنه من بالموصل، ومات في يوم الخميس للنصف من ربيع الأول هارون بن المقتدر بالله أبو عبد الله وكان كاملاً في عقله وأدبه وأظهر الراضي حزناً شديداً عليه، وقال لنا هذا على أنه كان يسعى على هذا الأمر ويكاتبه فيه جماعة منهم ابن ياقوت

стр. 72

وقال لي: كنت أعرف محلك منه أفرثيته بشيء؟ فقلت نعم إنما انتظرت الإستئذان في إنشاده فقال جئني به في غد وأنشدنيه مفرداً، ثم أمر بإدخالي إليه من غد وكنت بكرت قبل حضور أهل نوبتي فأدخلني فأنشدته: تَعَزَّ يا خَيْرَ الْوَرَى عَنْ أخٍ ... لَمْ يَشُبِ الإِخْلاَصَ بالَّلبْسِ كَانَ صَدِيقاً وافِراً وُدُّهُ ... صَدَاقَةَ الأَنْفُسِ والجِنْسِ تَعَزَّ عَنْهُ بِنَبِيِّ الهُدَى ... مَحَمَّدٍ أُدْخِلَ فِي الرَّمْسِ وَهُوَ حَبِيبُ اللهِ في أرْضِهِ ... مؤيَّداً بالْوَحي والْقُدْسِ سَمَّاكَ بِالرَّاضي لِتَرْضَى بِمَا ... تُسْلِفُ مِنْ أَمْرٍ ومَا تُنْسى قَدْ أَنْذَرَ الدَّهْرُ تَصَارِيفُهُ ... بِأَلْسُنٍ ناطِقَةٍ خُرْسِ يُخْبِرُنَا عَنْ مَوْتِهِ كَوْنُهُ ... بِغَيْرِ إِذْكَارٍ وَلا حَدْسِ كَانَ نَسِيباً لإِمامِ الْهُدَى ... بَالْوُدِّ والألْفَةِ والأُنْسِ ونِسْبَةُ الجِسْمِ شَتَاتٌ إذَا ... لَمْ تتآلفْ نِسْبُةُ النَّفْسِ وَكَانَ فَرْعاً ذَاكِياً غُصْنُهُ ... مُهَذَّباً مِنْ خَيْرِ ما غَرْسِ وَكَانَ في السُّودَدِ ذَا هِمَّةِ ... وَكَانَ في النِّعْمَة ذَا غَمْس أَرْسَى عَلَيْهِ دَهْرُهُ مِثْلَ مَا ... أَرْسَى عَلَى سَاكِنَةِ الرَّسِّ

стр. 73

إِنْ صُرِفَ الدهر إلَى مَضَى ... عَادَ سُرُورُ النَّاسِ ذَا عَكْسِ حَوادِثُ الأَيَّامِ شَقَّاقَةٌ ... تُقَرِّبُ الْمَأَتَمَ بالْعُرْسِ يَعْتَقبُ الْمَرْءُ بِها حَالُهُ ... بِوَطْئِهِ الْحَزْنَ إلَى الْوَعْسِ مَنْ عَزَّ بالدُّنْيَا هَفَا قَلْبُهُ ... وَعَاد مِنْهُ النُّورُ ذا طَمْسِ وَزالَ في تَلْوينَها عَقْلُهُ ... وَغَالُهُ طَيْفٌ مِنَ اللَّقْسِ مَنِيَّةٌ إِنْ لَمْ تُفَاجِ الْفَتَى ... كَانَتْ لَهُ بِالسُّقْمِ ذَاتَ مَسِّ لَهفِي عَلَيْهِ وَقَلِيلٌ لَهُ ... لَهْفِي وهَلْ يَرْجِعُ لِي أَمْسِ ي لَهْفِي عَلَى مُنْتَخَبٍ حِلْمُهُ ... أَرْجَحُ مِنْ رَضْوَى وَمِنْ قُدْسِ وأَيْنَ الأُولَى كَانُوا شَمُوسَ الْوَرَى ... لُيُوثَ حَرْبٍ غَيْرَ مَا شُمْسِ جَرَى عَلَى السُّودَدِ مِنْهُمْ كَمَا ... شُيِّدُ بُنْيَانٌ عَلَى أسِّ فافْرِسْ لَهُ صَبراً يُزِيلُ الأَذَى ... فَالدَّهْرِ للإِنْسَانِ ذُو فَرْسِ يَنْعَمُ مِنْهُ جِسْمُهُ تَارَةً ... ثُمَّ تَرَاهُ جَاسِيَ الْجَسِّ فَلَمْ تَزْلْ فَوْقَ المُلُوكِ الأُولَى ... مِنْ عَرَبٍ سَادُوا ومَنْ فُرْسِ مَنْ لاَ يَرَى حُبَّكَ فَرْضاً فَما ... أَدَّى فُروضَ اللهِ في الْخَمْسِ فداؤُكَ النَّاسُ جَمِيعاً عَلَى ... رَغْمِ عَدُوٍّ لِحَزٍ شَكِسِ

стр. 74

فالْخَلْقُ وارد مِنْ رِفْهٍ إلَى الْ ... مَوْتِ وَذِي عَشْرٍ وذِي خَمْسِ أَوَّلُهُمْ مَنْتَظِرٌ آخرّاً ... فَهُوَ عَلَيْهِ الدَّهْرَ ذُو حَبْسِ حَتَّى يَجِئُوا وَكِفَاتٌ لَهُمْ ... وَلاَ يُرَى لِلْقَوْمِ مِنْ حِسِّ وَبَعْثُهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَا كُلِّهِ ... لِخَابِلِ الجِنَّةِ والإِنْسِ تَخْشَعُ أَصْوَاتُهُمْ خِيفَةً ... فَلاَ تُنَاجِي بِسَوَى الْهَمْسِ دَاعِي المَنَايَا خَاطِبٌ كُفْوَهُ ... كَخِطْبَةِ المْعُتَامِ لِلْعِرْسِ يَسْمُو إِلَى الأَنْفُسِ فِي قُدْرَةٍ ... مُنَكِّباً عَنْ سَاقِطٍ جِلْسِ تَلْعَبُ بِالْمَرْءِ اللَّيَالِي كَمَا ... قَدْ تَلْعَبُ الأَقْلاَمُ بِالنَّقْسِ تُرْضِعُ بالإِنْعَامِ ذَا عزَّةٍ ... يُقْطَمُ بِالْبُؤْسِ وَبِالتَّعْسِ تُتْبِعُ نُعَمَاهَا بِبَأْسَائِهَا ... وَيَعْقِبُ الصِّحَّةُ بالنُّكْسِ فَالحُرُّ فِيها أَبداً حَائِرٌ ... مِنْ سَوْمِهَا الْغَالِي عَلَى مَكْسِ يُتْعِبُ فِيهَا أَبداً جِسْمَهُ ... وإنَّمَا الرَّاحَةُ كاَلخَلْسِ يَخْدَعُ فِيها بِالْمُنَى نَفْسَهُ ... وَوافِدُ الْمَوْتِ بِهِ مُرْسِي يَنْسَى الَّذِي يأَتِي بِهِ صَرْفُهَا ... والآمِلُ الغَرَّارُ قَدْ يُنْسِي تَلْبِسُهُ مِنْ طَمَعِ غَفْلَةٌ ... بِالْمَطْعَمِ المَلْذُوذِ وَالُّلبْسِ

стр. 75

فَأَسْلَمَ اللهُ إِمَامَ الْهُدَى ... فَمَا عَطَاءُ الدَّهْرِ بِالنَّحْسِ كُلُّ الْوَرَى أَنْتَ وَكُلٌّ يُرَى ... عَبْدَكَ مِنْ عالٍ ومِنْ نِكْسِ بَقَاؤُكَ الْفَوْزُ لَنَا وَالْغِنَى ... نُصْبِحُ فِيهِ مِثْلَ ما نُمَسْي شَوىً صُرُوفُ الدَّهْرَ مَا لَمْ تُصِبْ ... فِي الرَّطْبِ إِنْ عَاثَتْ وفِي اليَبْسِ مَنْ تاجَرَ الدَّهْرَ بِلاَ صَرْفِهِ ... فَصَارَ مِنْ رِبْحٍ إلَى وَكْسِ فَأَسْلَمَ الكُلَّ فَلاَ بَأْسَ أَنْ ... يُرْزَأَ في السُّدْس وفي الخُمْسِ إِن غَيَّبَ الْبَدْرَ كُسُوفٌ فَقَدْ ... لاَحَتْ بِسَعْدٍ غُرَّةُ الشَّمْسِ مَا طَالِعُ الأُمَّةِ يَا سَيِّدِي ... إِذَا خَطَاكَ الْخَطْبُ بِالْبَخْسِ فما فرغت من الإنشاد حتى بكا بكاء شديداً، ثم قال لي أنت كنت حديثتني أن المأمون قال لمحمد بن عباد المهلبي لما مات أخوه أبو عيسى، وكان أحب الناس إليه: يا محمد حال القدر دون الوطر. قلت له قد كان ذاك، فقال والله ما كان المأمون لأبي عيسى بأشد حباً مني لهارون ولا أَصح نية فيما روى عنه. ودفن هارون في داره بقرب الجسر، وحضره يومه الوزير والقواد، وكل نزع سيفه ومنطقه إلى أن دفن بعد العصر وانصرفوا فقال بعد ذلك: لولا أني لا أدرك ثأري لقتلت بختيشوع الطبيب، سقى أخي هارون درهم سقمونيا حتى قتله ورمى بكل ما في جوفه! وإن كان المشئوم ما تعمد ذلك، ولكنه أعمى القلب،

стр. 76

قصير العلم بليد الفكر، مرزوق في أيامه، محظوظ. وأشاع الناس بأن ابن رايق يريد الصعود من واسط إلى بغداد ولحقه الناس من بغداد، فظن الساجية والحجرية أن ذلك بمكاتبة الراضي. فتكلموا في ذلك فكتب إليه لا تجيء ووجه بما كرد وينال وعبد الله بن علي كاتب نسيم، يناشدونه في مقامه وقدموا من عنده يوم الخميس لست خلون من شهر ربيع الآخر. ومات في هذا الوقت علي بن العباس النوبختي وقد قارب ثمانين سنة وكان حسن الأدب والشعر وكان ابنه الحسين يكتب لابن رايق ويدبره أمره. وقد شيخ هاشمي من سر من رأى يقال له إبراهيم بن عبد الصمد بن موسى فحدث واجتمع إليه، وذكروا أنه ولد سنة أربع وعشرين ومائتين، وكان عنده علو إسناد مفقود في وقته، الموطأ عن مالك عن أبي مصعب الزبيري وروى عن أبي سعد الأشج وعبد الجبار بن العلاء العطار. فتكلم الناس في سماعة والتهبت له سوق ثم طفئت ورجع إلى سر من رأى. واستحق الساجية والحجرية، فطالب الوزير مياسير التجار بأموال يعجلونها، ويكتب لهم بها سفاتج فاستتروا. وضرب ابن جبير الدقاق، وأخذ منه مال وأمر منكان ينزل بسور المدينة أن ينتقل لتباع المنازل. ووجه الحسن بن عبد الله بمائة كر دقيقاً، يفرق بسر من رأى وبغداد على الأشراف والضعفى ففرح به الناس وصدرت زواريق كثيرة للتجار فصلح السعر. وبلغ الحجرية والساجية أن بدراً الخرشني

стр. 77

والمؤنسية والرجالة قد عزموا بأمر السلطان، فتنكروا لهم فخرج بدر ومن معه إلى الصحراء يوم الثلاثاء، لثلاث خلون من جمادى الأولى وقالوا كيف صار الساجية والحجرية يأخذون المال وقت استحقاقهم ونحن نؤخر بقسم المال بيننا! وصار الحجرية والساجية إلى الحلبة وأقاموا بها واستظهر السلطان بعض الاستظهار ببعض اليلبقية والهارونية وغلمان أم المقتدر. ثم إن الحجرية والساجية أخرجوهم عن الدار، وصار الخرشني إلى مسجد الجامع بالرصافة فضرب خيمة هناك وتبعه جعفر بن ورقاء ولؤلؤ وغيرهم. وكان الراضي قد اختص جعفراً وشاوره فحسن أثره في رأيه وفضله. وقال الساجية والحجرية للراضي: قد أشاع الناس أنا محاصروك فأخرج فصل الجمعة بالناس ليزول ذلك. فخرج فصلى بالناس في مسجد الدار، وما علم به الناس. وقال للحجرية وللساجية أنتم خاصتي وثقاتي، وسفر جعفر بن ورقاء بين الناس فأصلح الأمر. ووعد الناس بأن الخليفة يصلي بهم في الجمعة الثانية فما تخلف أحد، وما كنت أنا علمت بصلاته أول جمعة فحضرت في الثانية ووجدت إسحاق بن المعتمد حاضراً فدخلنا المقصورة وخرج الراضي فعلاً المنبر ووقعت عينه علينا فخطب فأوجز ونزل وصلى بالناس فقرأ سورة الجمعة في أول ركعة وفي الثانية سبح اسم ربك الأعلى أتم قراءة وأحسنها ودخل وانصرفنا. فابتدأت أعمل شعراً أصف فيه

стр. 78

خطبته، فوافتني رقعة بخطه وفيها: أبقاك الله يا محمد قد لحظك طرفي وأنا أخطب وأنت إلى جانب إسحاق قريب مني، غير بعيد عني فعرفني على تحري الصدق واتباع الحق كيف ماسمعت وهل تهجن الكلام بزيادة فيه أو اختل بنقص منه أو وقع ذلك في لفظه أو إحالة في معناه جارياً فيه على عادتك في حال الإمرة غير مقصر عنها للخلافة إن شاء الله فكتبت إليه جواب الرقعة بعد أن أتممت القصيدة. أمير المؤمنين أدام الله دولته وأطال في الملك مدته أجل خطراً وقدرا، وأسنى مجداً وفخراً. وأوسع خاطراً وفكراً من أي يبلغ خاطب خطابته أو يروم بليغ بلاغته أو يدرك فيها واصف صفته إلا بما تناله طاقته وتبلغه غايته. ولما وصل إلى عبده سؤاله عن حسن ما وعاه وسمعه وجليل ما حفظه ولقنه من كلامه في خطبته وتصرفه في حسنه عجز عن بلوغ كنهه لسانه ولم يؤده شرحه وبيانه ففزع في وصف ذلك إلى قول من كان أقوم بوصف مثله وأشد استقلالاً به وأحسن أداء له وهو حسان بن ثابت في وصف كلام جده عبد الله بن عباس نضر الله وجهه وصلى على روحه فإنه قال فيه: إذَا قَالَ لَمْ يَتْرُكْ مَقَالاً لِقَائِلٍ بِمُنْتَظِمَاتٍ لاَ نَرَى بَيْنَهَا فَصْلا كَفَى وشَفَى مَا فِي النُّفُوسِ فَلَمْ يَدَعْ لِذِي إِرْبَةٍ فِي الْقَوْلِ جِدّاً وَلاَ هَزْلا يَقُولُ مَقَالاً لاَ يَقُولُونَ مِثْلَهُ كَنَحْتِ الصَّفَا لَمْ يُبْقِ مِنْ غَايَةٍ فَضْلا

стр. 79

وقد عمل عبد أمير المؤمنين أبياتاً في وصف ذلك جعل أمام مدحه تشبيباً لم يخله من تشبيه مبتدع ومعنى منتزع، إذ كان الأمر قد تقدم إليه أن يجعل ذلك في صدور قصائده، وأوائل مدائحه وهو يأمل أن يقع من استحسان سيده بحسب تفضله عليه، واصطناعه أياه والأبيات: أَسُرُّكِ يَا مُنَايَ وَلاَ أَسُوكِ ... وأَنْفِي بِالْهَوَى عَرَضَ الشُّكُوكِ وأَحْمِيكِ الَّذِي تَخْشِينَ مِنْهُ ... كما يَحْمِيكِ مِنْ عَارٍ أَخُوكِ لَقَدْ بُلِّغْتُ فِيكِ مَدَى الْمَنَايَا ... وَما بَلَغَتْ مَدَى عَشْرٍ سُنُوِكِ أرَى الْهِجْرَانِ مِنْكِ يُحِيلُ صُبْحِي ... وَمَا أَذْنَبْتُ لَيْلاً ذَا حُلُوكِ وَدَهْرُ الْوَصْلِ يحكْيِ لِي رَبِيعاً ... يُشَابِهُ نَبْتُهُ خَلَى الْهَلُوكِ رِياضٌ نُمْرِجُ الأَلْحَاظُ فِيهَا ... مَنَوَّرَةُ الأَعالي وَالسُّمُوكِ بَهَارٌ قَدْ حَكَى الْعُشَّاقَ لَوْناً ... عَلَى قُضُبٍ حَكَتْهُمْ في النُّهُوكِ وَوَرْدٌ مِثْلُ خَدٍّ مِنْكِ رَاضٍ ... جِوَارَ فَمٍ تَبَسَّمَ عَنْ مُسُوكِ وَيَضْحَكُ أَقحُوَانٌ فِيهِ يَحْكِي ... لَنَا ثَغْراً تَكَشَّفَ عَنْهُ فُوكِ تَطَلَّعَ بَيْنَ ذَاكَ وَبَيْنَ هَذَا ... شَقَائِقُ مِثْلُ أَعْرَافِ الدُّيُوكِ مَدَاهِنُ مِنْ عَقِيقٍ نَظَّمَتْهَا ... يَدَا خَرْقَاءَ وَاهِيَةِ السُّلُوكِ حَلَفْتُ بِغُرَّةِ الرَّاضِي فإِنِّي ... أَرَاهُ حَقِيقَةً فَوْقَ الْمُلُوكِ

стр. 80

بأخَّاذٍ لِمَا يُرْجَى ألُوفٍ ... وعَيَّافٍ لِمَا يُخْشَى تَرُوكِ عَبُوسٍ في انِتْهَاكِ الْمُلْكِ فَظٍّ ... وطَلْقٍ في مَذَاهِبِهِ ضَحُوكِ نَهُوضٍ بِالْخُطُوبِ إِذَا اعْتَرَتْهُ ... فَرَامَا هَبَّةَ السَّيفِ الْبَتُوكِ عَشِيقُ الْمُلْكِ جَاءَ بِلاَ كِتَابٍ ... يُرَجَّى الْوَصْلُ مِنْهُ وَلاَ أَلُوكِ فَمَنْ للْبُخْلِ يُمْسُك ما حَوَاهُ ... فَمَا هُوَ بالْبَخِيلِ ولاَ الْمَسُوكِ أَجَلُّ النَّاس آرَاهُ وَعلْماً ... مَقَالٌ لَيْسَ يُقْرَنُ بِالأُفُوكِ وَمَا أَحْياهُ منْ سُنَن تَعَفَّتْ ... فَدَارَ صَلاَ حُهَا دَوْرَ الدَّمُوك رَكُوبٌ للْمَنَابِرِ سَارَ قَصْداً ... إلَيْهَا وَهِيَ حَائِرَةُ السُّلُوكِ فَذَكَّرنَا مَقَالٌ مِنْهُ فَصْلٌ ... مَقَالَ الْمُصْطَفَى بِحِرَى تَبُوكِ فأَطْلَعَ مِنْهُ شَمْسُ الْمُلْكِ سَعْداً ... وَكَانَتْ نَحْسَةً بِشَفَا الدُّلُوكِ لأَعْتَمِدَنَّ سَيْرَ الْمَدْحِ فِيهِ ... بإِرِقَال يَبَرُّ عَلَى الرُّتُوكِ أَحُوكُ مِنَ الْقَصَائِدِ وَشْيَ مَدْحٍ ... تُفَضِّلُهُ عَلَى الْوَشْيِ الْمَحُوكِ لَقَدْ فَتَكَ الزَّمَانُ بِسُوءِ حَالِي ... فَأنْقِذْنِي مِنَ الزَّمَنِ الْفَتُوكِ فتأخر الجواب عني بيومين، ثم وافت رقعة يقول فيها قد استحسنت الشعر غاية الإستحسان، ورأيتك تكلفت فيه ما لا يجب عليك من لزوم الواو في أرداف القافية ورأيت المدح مليحاً قد وقع كله في

стр. 81

القسم ورأيت في صدر الأبيات في نهاية الحسن، تقدمت فيها كل من وصف ما وصفت، وخاصة بيت البهار لتشبيهه شيئين فيه. وقد تأملت البيت الأخير وأنفذت إليك في هذا الوقت ما تبنى به المنهدم من حالك، إلى أن تنجلي الهبوة التي نحن فيها إن شاء الله. ومع الرقعة صرة ديباج مختومة بخاتم راغب الخادم، فيها ثلاثمائة دينار. وتنكر الساجية والحجرية للوزير، بعد أن صالحوا الخرشني، ورجع الجميع إلى منازلهم، وانحدر الوزير إلى دار السلطان بأرزاقهم، فعرفهم أن لا مال عنده، فوثبوا به وقبضوا عليه، والسلطان يراهم. فوثب ودخل وأمر راغباً يتسلم الوزير ويكون في يده، وأن لا تجري جناية عليه. ونهب الناس داره ودار ابنه الملاصقة لداره، وطرحوا فيها النار، ونهب جماعة من كتابه. وأحضر أبو علي عبد الرحمن بن عيسى في هذا اليوم، فولى الوزارة وهو يوم الاثنين لأربع عشرة ليلة من جمادى الأولى بعد أن عرض السلطان الوزارة على علي بن عيسى واستعفاه فأعفاه. وكان من العجائب المشهورة أن دار ابن مقلة أحرقت في مثل اليوم الذي أمر فيه بإحراق دار سليمان بن الحسن بباب محول، وفي مثل ذلك الشهر بينهما حول كامل، وظهر في عشية هذا اليوم سليمان ابن الحسن والخصيبي

стр. 82

واستوحش الخرشني الساجية والحجرية. وتحول فنزل دار الحسن بن هارون، وشغل عن العامة فعاثوا، ثم صار إليه جماعة من الحجرية فحلفوا له أنه واحد منهم فرضى ورجع إلى داره وكتب على حيطان ابن مقلة: أحْسَنْتَ ظَنَّكِ بِالأَيَّامِ إِذْ حَسُنَتْ وَلَمْ تَخَفْ سُوءَ مَا يَأْتِي بِهِ الْقَدَرُ وَسَالْمَتْكَ اللَّيَالِي فَاغْتَرَرْتَ بِهَا وَحِينَ تَصْفُو اللَّيالِي يَحْدُثُ الْكَدْرُ وتحته صنع بدارك مثل ما صنعت بدار سليمان. وحول ابن مقلة إلى دار الوزير أبي عبد الرحمن، فأحسن إليه وسلمه إلى هنكر وما كرد ليكون في أيديهما، ويناظره سليمان في الأموال بحضرتهما في يوم الأحد لثمان ليال بقين من جمادى الأولى في دار النوشري بقرب الحبس. واتصل بالسلطان أن أبا الفتح بن ياقوت قد حبب جماعة محمد الأولياء وحملهم على الفتك بالخليفة والبيعة لأخيه عبد الواحد، فقبض عليه بين يدي الخليفة، وثب به الخدم وحبسوه في حجرة لأربع ليال بقين من جمادى الأولى. وصرف الخرشني عن شرطة بغداد لليلتين بقيتا من جمادى الأولى، وولوا كاجو الجانب الغربي، وجعل الجانب الشرقي إلى أبي الفتح تتج الحجري وأخيه أبي الفوارس سخرباس شركة بينهما. وناظر سليمان ابن مقلة وانفرد له ابن الحارث فلقى ابن مقلة منه

стр. 83

عنتا وأعطى خطه بمال يقال إنه ألف ألف دينار، عنه وعن جميع أسبابه، أربعمائة ألف دينار منها معجلة ثم لم يحمل شيئاً فحرك السلطان علي بن عيسى وأخاه الوزير في ضمان ابن مقلة، فوجها بالخصيبي فقرر الأمر على نحو الأول، على أن تقوم ضياعه وتؤخذ، وينجم الباقي في سنتين. وعز الخبز والدقيق فلم يوجد أياماً ببغداد، ووقع في الناس طاعون عظيم فتفانوا ببغداد وما سواها. وضرب الخصيبي ابن مقلة ضرباً مبرحاً، وأحاله على جماعة منهم ابن المغلس الفقيه فاعترف بخمسة آلاف دينار عنده لابنه أبي الحسين وأمر بحملها فحملها، ومات في تلك الليلة من سكتة عرضت له، وكان فقيهاً على مذهب داود جدلاً موسراً، وذلك لأربع خلون من جمادى الآخرة. وفي هذا الشهر رخصت الأسعار، وبلغت الساجية والحجرية أن السلطان على الخروج إلى الموصل. فقالوا هذه حيلة علينا، وقالوا لجعفر بن ورقاء هذا عملك ثم بطل ذلك. وتوفي يوم السبت لأربع خلون من رجب أبو محمد العلوي الرملي ﵀، ولو قلت إني ما رأيت أفضل منه في دينه وزهده وكرمه، لما خفت إثما. ودفن ببراثا وكان من لم يلحق الصلاة عليه يصلي على قبره أياماً. وطلب سعيد بن عمرو بن سنكلا - عند ابي الحسن علي بن عيسى وعند أخيه أبي علي - ما كان يجده عند غيرهما فعز ذلك عليه ولم يستحلا

стр. 84

أن يمدا إلى أموال الناس، فحمل الراضي على عزلهما، فقبض على عبد الرحمن يوم الاثنين لست خلون من رجب. وخلع على أبي جعفر محمد بن القاسم الكرخي وولى الوزارة، وكانت مدة أيام عبد الرحمن خمسين يوماً، وسلم ابن مقلة إليه ليناظره، ووجدت له خزانة في دار ريطة فيها ذهب وفضة ومتاع يساوي نحو مائتي ألف دينار وقبض على أبي عبد الله بن عبدوس وصودر على مائتي ألف دينار، فتكلم سعيد بن عمرو في حطيطته والوزير يخالفه حتى شرق الأمر بينهما، فكان ذلك سبب زوال الكرخي وأدى ثمانين ألف دينار وأطلق. وصودر علي بن عيسى وأخوه، وصرفا إلى منازلهما من دار الوزير، ومات أبو بكر بن مجاهد القارئ يوم الجمعة للنصف من شعبان، ولم ير مثله ولا أرى هو مثل نفسه في علمه وخلف مالا صالحاً وورد تابوت جحظة من واسط، وكان شخص إلى ابن رايق. فيا بعد ما بين الأثنين، على أن جحظة كان أحذق الناس بصناعته، وكان له شعر صالح، وكان يروي أخباراً عمن رأى، ومات أيضاً قريض المغني، غلام محمد بن داود في هذا الوقت. وقبض على عبد الله بن يونس، وعلي ابن شبيب وطولبا بأموال فلم يوجد عندهما ماظنه من يسعى بهما، فأخذ الساعي بابن يونس مال وكان كالشريك له. وصودرا على شيء يسير وأطلقا. وصودر ابن مقلة في شهر رمضان على مائة ألف دينار فإذا أداها أطلق، وضمن المال عنه ابن قرابة وحوله إلى داره. وتحقق ابن قرابة بأمر الوزير

стр. 85

الكرخي وغلب عليه، وورد الخبر في شهر رمضان بقتل ياقوت قتله غلمان اللوش البربري فاضطرب الحجرية فوجه الراضي يحلف أن ذلك قد ساءه، وما كان له إِذن. وضج الحنبلية فيه من أمر ابن شنبوذ، فحمل إلى دار السلطان ونوظر، والسلطان يسمع من وراء حجاب وتاب وحبس، واستتر الوزيرالكرخي يوم الاثنين لثمان خلون من شوال وأحضر سليمان بن الحسن فخلع عليه للوزارة وانصرف إلى منزله يوم الخميس لإحدى عشرة ليلة خلت من شوال. وفي هذا الشهر مات المعروف بزنجي الكاتب، وكان مقدماً في الكتبة مذ أيام أحمد بن محمد بن الفرات وهو الذي اصطنعه، وكان كاجو وينال انحدر إلى ابن رايق فوصلهما ورجعا ثم انحدر كاجو وما كرد وتكنجور وصافي قواد الساجية، وانحدر معهم أبو جعفر بن شيرزاد والحسن بن هارون وأبو بكر بن الصيرفي انحدروا بخلع السلطان على ابن رايق ليكون أمير الأمراء، فوافت الأخبار إلى بغداد يوم الجمعة لسبع خلون من ذي الحجة بأن ابن رايق قبض على قواد الساجية فحبسهم وحبس معهم الحسن بن هارون، وتقطع أصحابهم وفروا وسلبوا ونهبوا. وورد كتاب ابن رايق يعتد على السلطان بقتله أعداءه المارقة الطغاة قرئ على المنابر، ووافى بغداد لؤلؤ غلام المتهشم والياً الشرطة من قبل ابن رايق، فتسلم يوم الخميس لثمان بقين من ذي الحجة وبث خلفاءه فيه وعزل تتج وسخرباس، ودخل ابن رايق بغداد يوم السبت

стр. 86

لست بقين من ذي الحجة، وخلع عليه ونزل في الحلبة في دار السلطان وطالبه بالخروج إلى واسط ليتم تدبيره ويريحه من الحجرية. وورد خبر الطير من فاتك بأن صغار الساجية قصدوا داره لكبسها واستخراج قوادهم منها، وأنه رمى إليهم برءوسهم واستبقى الحسن بن هارون وصافيا وكان ابن رايق أنفذ محمد بن يحيى بن شيرزاد وقت قبضه على الساجية إلى بني البريدي في اشياء بينه وبينهم. سنة خمس وعشرين وثلاثمائة خرج الراضي إلى واسط لليلتين خلتا من المحرم، فوصل إلى واسط يوم الأربعاء لخمس خلون من المحرم، وابتدأ ابن رايق في عرض الحجرية فلم يصبروا على ذلك، واجتمعوا فحاربوه لأيام بقين من المحرم، وكانوا مستظهرين عليه حتى خرج بجكم كميناً عليهم، فوضع السيف فيهم فولوا منهزمين وأسر من رؤسائهم جماعة فيهم خمارجور أسر وبه ثلاث عشرة ضربة وسلحجور ويمن القرواني وبه ضربة قد ذهبت بإحدى عينيه وفارس بن ينال، وغرق خلق منهم وتقطعوا في الصحارى وسلبهم أهل القرى وقتلوهم. وكتب إلى لؤلؤ بالقبض على من ببغداد منهم وإحراق منازلهم وغنم بجكم وأصحابه غنيمة عظيمة من دوابهم وسلاحهم وأموالهم، وكان أبو الحسين علي بن محمد البريدي قد وافى واسط فأوصله ابن رايق إلى الراضي حتى خاطبه، وولاهم الأهواز والبصرة، وخلع عليه ابن رايق الخلع التي كان الراضي خلعها عليه

стр. 87

حين ظفر بالحجرية وركب معه، ورجع السلطان إلى بغداد فدخلها يوم الاثنين لثمان خلون من صفر وقد ابن رايق معه فنزل دار مؤنس نزل بجكم دار محمد بن خلف النيرماني بشريعة سوق الدواب، ونزل القرامطة في البصلية وتفرق باقي أصحابه. وكان الحجرية ببغداد قد حاربوا لؤلؤاً قبل قدوم الخليفة فحاربهم في رحبة العامة من بعد العصر إلى المغرب فظفر بهم وتفرقوا وكان ابنا الصلحى قد نظرا في الأمور لكتبتهما لابن رايق، فلما قدم فسد أمرهما ودار أمر ابن رايق على الحسين بن علي النوبختي، وهو الذي دبر له جميع ما مضى وبلغه هذه الحال. ومات الجريري المحدث أبو أحمد لسبع خلون من المحرم. ومات القاضي ابن أبي الشوارب يوم الأربعاء لاثنتي عشرة ليلة خلت من المحرم. ومات بسر من رأي إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي المحدث الذي كان قدم بغداد وخلع علي بجكم ليوم الاثنين لسبع خلون من شهر ربيع الآخر، وولي إمارة بغداد وعقد له لواء لولاية المشرق إلى خراسان. وخلع على لؤلؤ لإمارة الكوفة، وخلع على عمر بن محمد لقضاء القضاة. وصلح أمر أبي علي بن مقلة لأنه طرح نفسه على ابن روح النوبختي فكلم له الحسين بن علي بن العباس كاتب ابن رايق فأصلح أمره، وأوصله إلى الأمير فأمره بفتح بابه. ومات ابن نزار في النصف من شهر ربيع الأول، وفيه تقلد الخصيبي أزمة جميع الدواوين وخلع على ينال وولي الجبل وجرد

стр. 88

جماعة من الحجرية مع هنكر للجبل واستحلفوا وأطلقت أرزاقهم فخرجوا إلى الدسكرة وهو نحو خمسمائة، فأوقعوا بأكراد وأعراب فغنموا غنيمة عظيمة ثم مضوا إلى بني البريدي فغلظ ذلك على السلطان وأمر بالنداء أنه إن وجد أحد من الحجرية بعد ثلاث قتل. ولحق من كان بقي من الساجية ببغداد بالموصل بأصحابهم فإن من كان منهم ببغداد في وقت الحادثة على قوادهم لحق بالحسين بن عبد الله بالموصل وأحسن إليهم وأرزقهم وصرفهم، فلحق بهم من كان ببغداد، وكان من رؤسائهم بالموصل شفيع الخف. ومات في شهر ربيع الآخر أبو بكر بن أبي الأزهر، وزعم أن مولده سنة ثلاث وثلاثين ومائتين، وكذبه أصحاب الحديث لادعائه السماع من أبي كريب وسفيان بن وكيع وإسحاق بن الضيف ونظرائهم. ووافى القرمطي الكوفة في آخر شهر ربيع الآخر فخرج ابن رايق لثلاث خلون من جمادى الأولى إلى مضربه بالياسرية في أحسن عدة وأكمل زي ومعه بجكم وأحمد بن نصر القشوري وجماعة من القواد ونفذ بجكم في المقدمة إلى القصر فوجدوا لؤلؤاً ولحقهم ابن رايق ومعه بجكم إلى النعمانية، ثم رحلوا إلى واسط ليزيلوا أمر ابن البريدي. ومات ابن ميسر المحدث بواسط وكان سيداً. ومات أبو يوسف كاتب أم المقتدر يوم الخميس لثلاث عشرة ليلة خلت من جمادى الآخرة.

стр. 89

وأمر بلعن البريديين ببغداد، وأشهد الراضي القضاة والعدول على نفسه أن قد رد أمر البريديين في حربهم أو تركهم أو لعنهم أو مقاطعتهم إلى ابن رايق وأنه يرضى كل شيء يعمله في أمرهم وطلب أسبابهم ببغداد وكتب على أملاكهم صوافي. وقلد لؤلؤ بغداد يوم السبت خلون من رجب وخلع عليه. وصار إليه من عمل الكوفة إلى بغداد، ومن الأنبار إلى بغداد، ومن النعمانية إلى بغداد. ومات إبراهيم الجاثليق يوم الأحد لثلاث عشرة ليلة خلت من شعبان وقبض أبو عبد الله الكوفي على ابن شيرزاد لتسع بقين من شعبان وظفر بفتنة جارية البريدي فعذبها ابن مقاتل، فقالت له وهو يعذبها يا ابن مقاتل من الرفش إلى العرش. وصار ابن رايق إلى دجلة البصرة فواقعه أصحاب البريدي فهزموهم وصارت البصرة لهم خالصة. وقطع أمر ابن شيرزاد على تسعين ألف دينار بخمسة وعشرين ألف دينار منها ضياع، وما بقي فبعضه معجل وبعضه مؤجل وأطلق إلى منزله لست بقين من رمضان وتألف لؤلؤ العيارين وأصحاب العصبية وأثبت بعض العيارين. ووصل أبو الفتح الفضل بن جعفر بن فرات إلى بغداد في شوال. ووصل إلى الخلفية، واستوزر يوم الخميس لسبع خلون منه. وكان بجكم قد هزم البريديين وملك الأهواز فصاروا إلى البصرة والأبلة وأقاموا بها ومعهم قوادهم وأكثر رجالهم قبل هذا الوقت

стр. 90

وصار فاتك حاجب ابن رايق إلى دجلة البصرة ليأخذ البصرة فلقيه بالمفتح إقبال فهزمه ورده إلى الجامدة. ومات شيخ مسند يعرف بالزعفراني، نزل دار عمارة وانحدر الوزير والقاضي عمر بن محمد والكوفي في ذي القعدة إلى واسط، إلى ابن رايق. ومات أبو مزاحم موسى بن عبيد الله بن يحيى في ذي الحجة، وكان عنده إسناد ليس بالرفيع. ورجع الوزير إلى بغداد ولم يلق ابن رايق لأنه خاف أن يطالبه بمال. ودخل الكوفي بغداد لاثنتي عشرة ليلة خلت من ذي الحجة، خليفة لابن رايق فجمع مالاً وخرج إليه لثلاث بقين من ذي الحجة. سنة ست وعشرين وثلاثمائة رجع القاضي عمر بن محمد إلى بغداد لليلتين من المحرم. ونزل الوزير داره التي على دجلة بين القصرين، ووجه إلي يأمرني أن أحمل إليه كتاب الكتاب الذي ألفته فاستحسنه، وكان جميع من يدخل إليه ممن يأنس به ويعلم أنه يفهم يقول له: لقد سرني أنه بقي في الزمان من يحسن أن يؤلف مثل هذا! ووصلني بثلاثمائة دينار وأعطى الحشم رزقه وألحق اسمي بهم وأطل رزقي وزاده في جملة المال وكان ابن مقلة قد أخرجني من جملتهم وأفردني لما جالسه ابنا المنجم وشعثاني عنده فكاتبته بأشعار يغفر بها الكبائر من الذنوب فما عطف علي! منها أني مدحته بقصيدة ما مدح بمثلها قط، فما استمع الشعر مني، فأنفذته على

стр. 91

يد أبي بكر بن الخياط النحوي، فلما قرأه قالا له قد هجاك في القصيدة فقال ابن الخياط أين الهجاء من هذه القصيدة. قالا قوله: مَا عَلَى الأَرْضِ مَادِحٌ لَكُمُ قَبْ ... لِي وَحَقِّي مَا بَيْنَكُمْ مَهْضُومُ وأنت فقد مدحك قبله عبيد الله بن عبد الله، وابن بسام فكيف صار هو أول من مدحك فقال ابن الخياط إنما عنى الرجل ما على الأرض ما بقي أحد مدحكم قبلي، ولم يقل ما تحت الأرض، وأعانه أبو عبد الله أخو الوزير وناظر فيه على حق وصواب، وهو لا يسمع إلا قولهما قال فلم يكن لنا حيلة. وأنا أذكر الشعر وإن كان طويلاً لخصال: منها أنه حسن، ومنها أنه ما مدح بمثل، ومنها تكذيب من زعم أني هجوته فيها وهو: أَنَا منْ بَيْنِ ذَا الْوَرَى مَظْلُومُ ... وَإِذَا مَا خَصَّمْتُهُمْ مَخْصُومُ تَتَخطَّانِيَ الْحُظُوظُ فَاسَى ... ومَكَانِي منْ عِلْمِهِمْ مَعْلُومُ كَمْ تُرَى في الزَّمَانِ مِثْلِيَ حَتَّى ... لَمْ يَرْمُنِي الْوَزِيرُ فِيمَنْ يَرُومُ قَدْ تَعَدَّانِيَ اخْتِيَارُ كَرِيمٍ ... وَهُوَ طَبٌّ بالاخْتِيَارِ عَلَيْمُ وَهُوَ أَعْلَى الْكُفَاةَ مَجْداً وفَضْلاً ... إنَّ ذَا ما عَلِمْتُ حَظٌّ جَسِيمُ لَيْسَ هذا إِلاَّ لتَأْخِيرِ حَظٍّ ... حَقُّه حينَ يُنْصَفُ التَّقْدِيمُ لَسْتُ أشْكُو أَبَا الْحُسَيْنِ وَحَاشا ... هُ لَهُ دُونَ ذَلِكَ التَّعْظِيمُ

стр. 92

أَنَا لَوْ لُمْتُهُ وَقَدْ خُصَّ غَيْرِيبِدُنُوٍّ مِنَ الْوَزِيرِ مُليمُ أَتُرَانِي أَخْلَلْتُ بالعِلْمِ حَتَّى ... شَدَّ مِنِّي التَّحْلِيلُ وَالتَّحْرِيمُ لَوْ رَمَى بِي الزَّمَانُ عِزَّاً تَلِيداً ... لَمْ يَرُضْنِي الذَّكَاءُ وَالتَّعْلِيمُ كَيْفَ نُجْلِي عَلَيْهِ أَبْكَارَ لَفْظٍ ... وَلَهُ في الأَنَامِ مِثْلِي ندِيمُ أَتَظُنُّ النِّدَامَ تَرْضَى بِهذَا ... لاَ ومُحْيِي العِظَامَ وَهِيَ رَمِيمُ أَيْنَ مَنْ جَالَسَ الخَلائِفَ قَبْلِي ... وَافِرٌ حينَ تُسْتَخَفُّ الْحُلُومُ طَائِرِي سَاكنٌ وفكْرِي عَزُوفٌ ... عَنْ فُضُولِ الْمُنَى وَلَحْظِي سَلِيمُ وكَلاَمِي قَدْرُ الكِفَايَة إِلاَّ ... شَرْحُ علْمٍ وَجَانِبي مُسْتَقِيمُ فأَعِينُوا عَلَى الزَّمانِ بِعَدْوِي ... إِنَّ ذَنْبَ الزَّمَانِ عِنْدِي عَظِيمُ لِيَ عِدَاتٌ طَيْرُ التَّقَاضِي عَلَيْهَا ... طَلَباً لِلنَّجَاحِ مِنْكُمْ تَحُومُ وَالْوَزِيرُ الصَّغِيرُ فِيَهَا زَعِيمٌ ... بالَّذِي أَرْتَجِي وَنعْمَ الزَّعِيمُ هِيَ دَيْنٌ عَلَيه وَهُوَ مَلِيءٌ ... مُنْصِفٌ مِنَ العِدَى وَدَهْرِي ظَلُومُ لِعَليٍّ عَلَى الأنَامِ اعتِلاَءٌ ... حَادِثٌ مِنْ جَلاَلِهِ وَقدِيمٌ وَرَثَ الْمَجْدَ مِنْ غَطَارِفَ شُمٍّ ... غُرَرٍ لاَ يُعَدُّ فِيهِمْ بَهِيمُ فَهُوَ يَنْحُو الْوَزِيرَ فِي كُلِّ فَضْلٍ ... لَيْسَ يَنْحُو الكَرِيمَ إِلاَّ كَرِيمُ

стр. 93

أَنْفُسٌ تَعْشِقُ الْمَكَارِمَ وَقفاً ... فَرَّقَتْهَا عَلَى ائْتِلافِ جُسُومُ فعَلَيٌّ مُحَمَّدُ بنُ عَليٍّ ... طَابَ فَرْعَاهُمَا وَطَابَ الأُرُومُ ذَاكَ بَدْرٌ لَنَا وَهَذا هِلاَلٌ ... ذَا هَوَاءٌ لَنَا وَهذَا نَسِيمُ لَمْ تَلِدْ مِثْلَهُ الْمُلُوكُ كَمَالاً ... فَهُوَ ثَأْرٌ مِنَ الْعَدُوّ مُنِيمُ مَنْطِقً يَشْغَلُ اللِّحَاظَ بِحُسْنٍ ... فَهُوَ ثَاوٍ عَلَيْهِ لَيْسَ يَرِيمُ تَسْتَرِدُّ الْعُيُونُ حُسْناً إليهِ ... مِثْلَ مَا يَسْتَرِدُّ دَيْناً غَرِيمُ وَنَفَاذٌ يَقْرِي الْوَلِيَّ سُرُوراً ... وَيَرُدُّ الْعَدُوَّ وَهُوَ كَظِيمُ لَوْ تَمَنَّاُه وَالدٌ مَا عَدَاهُ ... وَإِلَيْهِ فِي أَمْرِهِ التَّحْكِيمُ لَمْ يُمَحِّضْ بِمِثْلِهِ مُقْرَبُ الدَّهْ ... رِ وَلاَ اسْتَامَ شِبْهَهُ مَنْ يَسُومُ لَوْ يُحَابَى النُّجُومُ فِي طَالِعِ الْمَجْ ... دِ لَقُلْنَا حَابَتْهُ فِيهِ النُّجُومُ لَيْسَ يَأْتِي بِمِثْلِهِ الدَّهْرُ فَضْلاً ... هُوَ عَنْ ذَاكَ غَيْرَ شَكٍّ عَقِيمُ كُلُّ رَهْنٍ فِي سُؤْدَدٍ أَغْلَقُوهُ ... فَلَهُ السَّبْقُ فِيهِ وَالتَّسْلِيمُ أَنْتُمُ يَا بَنِي عَلِيٍّ نُجُومٌ ... لِلْوَرَى فِي الضِّياء لَيْسَتْ تَغِيمُ خَيَّمَتْ فِيكُمُ مَحَاسِنُ حَظٍّ ... لاَحَ مِنْهَا لِلنَّاسِ دُرٌّ عَظِيمُ قَلَمٌ جَامِعُ بَيَاناً وَحُسْناً ... مَا حَوَى فِيهِ مِثْلَكُمْ إِقْلِيمُ

стр. 94

تَتَباهَى بِهِ القَرَاطِيسُ حُسْناً ... مِثْلَ وَشْيٍ تَرُوقُ مِنْهُ الرُّقُومُ وكَلامٌ كَأَنَّهُ زَهَرُ الرَّوْ ... ضِ بَدَتْ لِلنُّجُومِ مِنْهُ نُجُومُ قَدْ أَحَاطَتْ بِهِ عُيُونُ المَعَانِي ... وأضَاءَتْ في جَانِبَيْهِ الظُّلُومُ لَكُم إِنْ تَسْقِهِ الْجُودَ جَوْدٌ ... وَاقِعٌ دُرَاهُ وَخِصْبٌ مُلِيمُ وَسَحابٌ مِنَ النَوالِ وِسَاعٌ ... ضَاقَ عَنْهُ سَحابُهُ المَرْكُومُ مَدْحُكُمْ وَاجِبٌ عَلَيَّ كَفَرْضٍ ... لَيْسَ فِيهِ لَغْوٌ وَلاَ تَأْثِيمُ لَيْسَ لِي في تأَخُّرِي عَنْكُمُ ذَنْ ... بٌ مِنْ أَجْلِهِ مَهْمُومُ كُلَّمَا جئْتُ حَالَ دُونِي حِجَابٌ ... وَتَعالَتْ لَهُ عَلَيَّ الْهُمُمُ كُسِرَتْ دُنِيَ الْحَوَاجِبُ غَمْزاً ... وَبَدَا للْعُيُونِ لَمْحٌ ذَمِيمُ لَمَعتْ لِي بِخُلَّبِ الْوَمْضِ مِنْها ... بِنَوَاحِيَّ بِهِ لِحَاظٌ سَقِيمُ فَكَأَنِّي لَدَيْهِمُ شَخْصُ بَوٍّ ... لَمْ تُعَطَّفُ عَلَيْهِ ظِئْرٌ رَءومُ طَبْعُهُم ظَاهِرُ القَساوَةِ فَظٌّ ... لَيْسَ فِيهِمْ مَعَ الْبَلاءِ رَحِيمُ لَيْسَ لِي فِي الْوُصُولِ وَقْتُ اخْتِصَاصٍ ... وكَذَا فِي الْعُمُومِ مَالِي عُمُومُ فَأُسِيمُ الْكُرُوبَ فِي مَسْرَحِ الْقَلْ ... بِ وَمَرْعَى الْحِجَابِ مَرْعَى وَخِيمُ

стр. 95

مَالَهَا مَشْرَبٌ عَلَيْهِ مَعَ الظِّمْ ... ءِ وَوِرْدِ الإِخْمَاسِ إلاَّ الْحَمِيمُ وَالَّذِِي يُوجِبُ الْمَدِيحَ لِشَرْحِي ... جَمُّهُ الْفَاءُ وَالنَّبَاتُ الْجَمِيمُ لاَ تَكُرُّوا عَلَيَّ فِيهِمْ مَلاَماً ... فَعَذَابُ الْحِجَابِ عِنْدِي أَلِيمُ وكَذَا جَاءَ في التَّلاوَةِ نَصَّاً ... لَيْسَ بَعْدَ الْحِجَابِ إلاَّ الجَحِيمُ كُلُّهُمْ فِي أَوَانِ إِذْنِ عَدُوٌّ ... وَصَدِيقٌ فِي غَيْرِ إِذْنٍ حَمِيمُ وَنِيَامٌ عَنْهُمْ كَنَوْمةَ أَهْلِ ال ... كَهْفِ لَوْلاَ وَصِيدُهُمْ وَالرَّقِيمُ لَمْ يَلْدْهُمْ جِوَارُ سَعْدٍ كَمَا قَا ... لَ جَرِيرٌ وكُلُّهْمُ مَرْكُومُ مَا أُعَلِّي عَلَيْهِمُ اللَّوْمَ لكِنْ ... مُلْزِمِي فِيهِمُ المَلاَمَ ذَمِيمُ وَعَطَايَاكَ إِنَّهَا فَيْضُ بَحْرٍ ... إنَّ شَيْطَانَ مَنْعِهِمْ لَرَجِيمُ أَمِنَ الحَقِّ أَنْ يَجِفَّ ثَرَى رَبْ ... عِي مِنْكُم وغَيْثُهُمْ مَسْجُومُ لِيَ مِنْ غَيْثِهِ رَذَاذٌ وَطَلٌ ... وَلِغَيْرِي الأَجَشُّ مِنْهُ الْهَزِيمُ نَامَ حَظِّي فَأَيْقَظُوهُ بِجُودٍ ... إِنَّهُ بَعْدَ بَدْئِكُمْ تَتْمِيمُ قَدْ تَشَكَّيْتُ مَا أُلاَقِي إِلَيْكُمْ ... مِثْلَ مَا يَشْتَكِي الْوَصِيَّ يَتِيمُ كُلُّ مَنْ أَخْطَأْتْهُ رَحْمَةُ عَطْفٍ ... مِنْ نَدَاكُمْ وَأُنْسكُمْ مَزْحُومُ فِي زَمَانٍ طَرَّزْتُمُوهُ بِجُودٍ ... وَهُوَ لَوْلاَكُمُ زَمَانٌ لَئِيمُ

стр. 96

لِي بِكُمْ حُرْمَةٌ ثَلاثِينَ عَاماً ... غَيْرَ أَنِّي مُبَاعَدٌ مَرْجُومُ لَيْسَ لِي مِنْكُمُ اخْتِصَاصٌ بِأُنْسٍ ... بَلْ أُرَى ظَاعِناً وَغَيْرِي مُقِيمُ مَا عَلَى الأَرْضِ مَادِحٌ لَكُمُ قَبْ ... لِي وَحَقِّي ما بَيْنَكُمْ مَهْضُومُ حينَ سَيْفُ الْمَدِيح مُدَرَّعُ الْغِمْ ... دِ لَدَيْكُم مَا سَلَّهُ التّ؟ صْمِيمُ لِيَ مِنْهُ وَخْدُ الْمَسِيرِ وَنَصٌّ ... وَلَغِيرِي خِنَافُهُ وَالرَّسِيم وَعُيُونُ الآمالِ تُطْرَفُ عَنْكُمْ ... مَالَهَا نَحْوَكُمْ لِحَاظٌ تَدُومُ مِدَحِي سَبَّقٌ وإِذْني سُكَيْتٌ ... مَا قَضَى مِثْلَ ذَا الْقَضَاءِ سَذُومُ مِدَحٌ مُلَّكْت رِقَابَ الْمَعَانِي ... عُطِّلَتْ مِنْ حَلْيِهِنَّ الرُّسُومُ شَغَلَتْها عُلاَكُمُ مِنْ مَغانٍ ... سَئِمَتْ مَرَّها عَلَيْها السَّمُومُ فَهُوَ زَيْنٌ لِمُرْتَجِيكُمْ وَعِزٌّ ... وَنُجُومٌ عَلَى عِدَاكُمْ رُجُومَ وَلآلٍ لَكُمْ يُضِيءُ سَنَاها ... وَنُحُوسٌ لشانئيكُمْ حُسُوم حَرَّمَ اللهُ أَنْ يَكُونَ جِنابِي ... مُجْدِباً مِنْ نَدَاكُمُ وَالْحَرِيمُ ضَامَنِي الدَّهْرُ باجْتنَابِكُمُ قُرْ ... بِي وَمَنْ ضَامَهُ الزَّمَانُ مُضِيمُ أَنْصفُونِي فِي نَظْمِ مَا قُلْتُ فِيكُمْ ... هَلْ يُدَانِيهِ لُؤْلُؤٌ مَنْظُومُ هُوَ لَفْظٌ تَحَكَّمَ الطَّبعُ فِيهِ ... مِثْلُهُ لا عَدِمْتُكُمْ مَعْدُومٌ

стр. 97

وَتَخَطَّى عِرَاصَكُمْ بُؤْسُ دهْرٍ ... وَثَوَتْهَا مَسِرَّةٌ وَنَعِيمُ كُلُّكُمْ فِي مُعَجَّلِ الدَّهْرِ والآ ... جِلِ جَمُّ الْعُلَى مُعَافىً سَلِيمُ وبلغَ الراضي أمر القصيدة، فقال اكتبها لي حتى أنظر فيها، فلما قرأها قال لي: أنت والله معهم في هذا كما قال البحتري: إذَا مَحاسِنِيَ اللاَّئِي أُدِلُّ بِها ... كَانَتْ ذُنُوبِي فَقُلْ لِي كَيْفَ أَعْتَذرُ عَلَيَّ نَحْتُ الْقَوَافِي مِنْ مَعادِنِها ... ومَا عَلَى لَهُمْ أَنْ تَفْهَمَ الْبَقَرُ فما نفعني ذلك شيئاً بل ضرني. وإلى وقتي هذا أنا في خمار كأسهما التي أعدداها لي، فما يقبل علي من ولياً به عني وأحمد الله. وفي المحرم أمر رجل يعرف بالحواجبي، على خال سنكلا نصراني يعرف بأبي عمرو بن شريح بمعروف فشكا ابن سنكلا بعبد الله إلى الراضي فأمر بالقبض على الحواجبي، وأمر بإحضاره الدار، وأن يضرب بالسياط. فما زال إسحاق بن المعتمد وما زلت معه نكلمه فيه ونعلمه أن قتل هذا عظيم وسمع ضجة، فقال لذكي الحاجب: ما هذا؟ قال أهل باب الطاق في أمر الحواجبي. فقال لئن زادوا لأخرجنه إليهم مصلوباً هذا لم يرض أن وثب على كاتبي حتى تخطى إلى ذكرى فوجهنا وصرفناهم، ولم نزل حتى أمر بحبسه، وأفلت من غير ذلك وبلغ هذا البربهاري فعاتبني فيه وخاصمني، وجاءني أصحاب الحواجبي يشكروني فقلت أعفوني من هذا فإني في بلاء عظيم، وتكلم فيه كل جليل فما نفع. وشاورني أصحابه فعرفتهم أن الراضي لا يفعل

стр. 98

إلا ما يريده ابن سنكلا، وأشرت بأن يقصدوه في أمره فكلموه فيه غدوة يوم فأطلق في عشيته. وخرج الراضي معه الوزير متنزهاً وخرجنا معه فسار من الجانب الشرقي حتى حارتي بُزُوغَى ثم عبر إليها فأقام يومين ورجع. وورد لعشر خلون من المحرم رجل يعرف بالخلنجي كان يحمل الخريطة إلى مكة ويسبق بالأخبار فأخبر بسلامة الناس وتمام الحج. ومات يوم الأحد لإحدى عشرة ليلة بقيت من المحرم موسى من ولد الرضا، وكان من أسن ولد الحسين ﵇ في وقته، ونودي في الطريق بحضور جنازته، وكان من الزهد والطهارة على طريقة سلفه ﵃ وعنه. وكثر الضجيج من تعنت أصحاب لؤلؤ للناس ووضع الجبايات. عليهم وإغرامهم، فعزل عن شرطة بغداد، ووليها محمد بن بدر الشرابي يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة بقيت من صفر. ومات شيخ بالكوفة محدث مسند، يعرف بسوداني كان عنده عن أبي كريب وعباد بن يعقوب، ووافى رسول ملك الروم بهدايا كثيرة منها صياغات وثياب ديباج ومقارم وآنية ذهب، طريفة الصياغة، فجلس الراضي يومهاً فعرضها علينا، ووهب لنا أكثرها، وما كان شيء ألذ عنده من شيء يهبه وطعام يؤكل بين يديه ما بخل بشيء قط، وما سمع بأكمل جود منه. وورد الخبر بوقعة كانت لابن رايق إلى دجلة البصرة، ودخل

стр. 99

نهر معقل فوافى البصرة، فعجل بعض أصحابه، فطرح حريقاً في جزيرة حيال البصرة، وكان يبلغ أهل البصرة أنه يريد قتلهم وإحراق بلدهم وخاطب بذلك بعض رؤساء البصرة ممن قصده، فلما رأى ذلك أهل البصرة أعانوا البريديين فهزم ابن رايق وأفلت هو وبجكم من أن يؤخذ ورجع إلى دجلة البصرة فعسكر بموضع يعرف بعسكر أبي جعفر حيال نهر معقل، فلما طال الأمر عليه رحل صاعد إلى واسط. وركب ابن الراضي في شعر ربيع الأول إلى أجمة بالثريا يطلب فيها خنازير، وركبنا معه فرأينا في الموكب فرساناً لا نعرفهم فطاف ساعة، ثم عدنا معه فتغدى وكان النهار قصيراً وصلينا الظهر وركب، فرأينا الفرسان قد زادوا وأنكرهم الحاجب ووافى محمد بن بدر الشرابي في مائة فارس، فلما رآه الفرسان تفرقوا فلم نر منهم أحداً فصاد خنزيرا وانصرفنا فقال لنا بعد من أي شيء أفلتنا يوم الخنازير، وإنا لبين يديه في الحجرة التي كان يجلس فيها، ونحن أربعة وكذا كانت نوبتنا إذ أدخل رجل مشدود العينين بذراعية وخف، فلما أقيم بين يديه قال مالنا نحن قرامطة فقال له الراضي يا بن الفاعلة: لو كنت محتاجاً لعذرتك، ولكن من رشحك لهذا قد أغناك وجعل إليك نقابة، ومولك فك الكلب النابح، فضربوا فكه وهو يقول: بتربة المقتدر ارحمني وإذا هو أبو عبد الله بن المنتصر والمنتصر جده. ثم قال له الراضي: والله ما طلبت

стр. 100

هذا الأمر فأما إذ دفعت إليه فوالله لا طلبه أحد في أيامي ساعياً علي فعاش. ثم أمر به فنحي وأدخل بيتاً حيال بركة السباع فعرفنا من الغد أنه قتل في ليلته، وأخذ جماعة بسببه فحبسوا منهم المعروف بالزهري وابن أبي الحناء وإبراهيم وغيرهم. ثم حدثنا الراضي بعد ذلك قال كان الفرسان الذين رأيتموهم بالثريا قد عزموا على الفتك بنا فلما جاء ابن بدر يئسوا فمضوا فقال واحد منهم لبعض من كان ندبه لهذا: لقد مددت يدي إلى سيفي مرات لأضربه به يعنيني فقال فهلا فعلت لعنك الله وأراد قائل هذا أن يكون وزيراً لابن المنتصر، وهو يريضه لهذا منذ مدو وقد أغناه ثم قرأ علينا رقعة جاءته من أبي علي بن مقلة: العجب من اتهام الناس إياي بسبب هذا الأمر، وتعجب الراضي من جهل من اتهمه بهذا الأمر أقرأنا جوابه إليه يصدقه في قوله، وبأنه ما سمع ما ذكره ولا وقف عليه إلا من رقعته وَيُسَكِّنُ منه. وأمر يطلب أولئك الفرسان نظفر ببعضهم فآمنهم ووصلهم، وفرق بينهم، وسمع كلام كل واحد منهم مفرداً، فحدثنا أنهم عرفوه كيف جرى الأمر من أوله إلى آخره حتى وقف على صحته، وجعل الراضي يوري عن ذكر الفاعل لهذا إذا حضرت جماعتنا، ويصرح به إذا حضر من يثق به منا واتصل هذا الخبر بابن رايق فقدم في آخر شعر ربيع الأول، وتلقاه ابنا الراضي، وأظهر أنه قلق لما جرى وخاف أن يسعى في مثله لبعده عن مولاه، وإنما جاء لضيق المال

стр. 101

واستحقاق الجند وأن بجكم أقبل إلى واسط فلم يحب الاجتماع معه، ولم يزل يطالب الوزير بالمال وهو يجمعه له، وأخذت في هذا الوقت من الراضي آنية ذهب وفضة فضربت. أنفذ ابن رايق إلى بجكم من المال ما قدر عليه وزوج لوزير الفضل بن جعفر ابنه بابنة ابن رايق. وزوج أبا بكر بن طغج بابنة له أخرى وكان الوليمة في ذلك الوقت وخطب القاضي عمر بن محمد بحضرة الخليفة للجميع خطبة واحدة وكان مهر أبي بكر بن طغج ثلاثين ألف دينار ومهر ابن رايق نصفها وعزم الوزير على الخروج إلى الشام واستخلاف أبي بكر عبد الله بن علي النِّفَّري على العرض وإمضاء الأمور بالحضرة، فخرج لثلاث خلون من شعر ربيع الآخر وهجم بعقب خروجه على أبي عبد الله بن عبدوس وطولب بمال عظيم. ثم تقرر أمره على خمسة عشر ألف دينار أخذت منه بألوف منها جارية مغنية كانت له وترك له من أجلها الباقي. وقبل هذا بمديدة ما اشترى ابن رايق من ابنة عبد الله ابن حمدون جارية زوجة محمد بن عبد الله ابن حمدون جارية مغنية يقال لها شرين بأربعة عشر ألف دينار، فاستعظم الناس ذلك، وتسلمت الجارية، وحمل المال من عند أبي الحسن البريدي، وحملت هي إلى واسط. وطولب محمد بن يحيى بن شيرزاد بمال فحمل اثنتي عشر ألف دينار. وقبض على أبي إسحاق القراريطي واتهم بأنه تضمن أبا عبد الله الكوفي وابني مقاتل بمال عظيم، فسلم إلى أحمد بن علي الكوفي فجرى عليه من المكروه ما لم يجر مثله على أحد، حتى ظن الناس أنه تلف.

стр. 102

وغضب الراضي على جليسه محمد بن عبد الله بن حمدون أبي جعفر واتهمه بكلام بعض خدمه، وما كان لذلك أصل كما ظنه. وأمر ألا يوصل إليه فاختلت نوبتنا وكنا أربعة به فبقي إسحاق بن المعتمد والعروضي وأنا. ثم حدثنا بأنه فعل به ذلك لاتهامه إياه بتعريف ابن رايق ما يجري في مجلسه بسبب الجارية المشتراة منهم، وأنها سبب الوصلة بينهم، وكان يبلغه أن ابن حمدون يعاشر ابن رايق إذا خرجت نوبته. وكان انحراف الراضي عن ابن رايق في هذا الوقت يتبين في طرفه وقوالب لفظه، ثم صرح بذلك لي وللعروضي من بين الناس، فكنا نعتذر لابن حمدون من أمر الخادم الذي كان هو أعلم ببطلانه ثم نحلف له أنه مثلنا في جميع أموره مأمون السر والعلانية. إلى أن وثق بذلك، وتقرر عنده. وكان ابن رايق قد كلم الراضي في الرضا عنه فلم يجبه، وكتب ابن حمدن إلى الراضي بأبيات يعتذر فيها وهي: أَطَارَ الكَرَى عَنْ مُقْلَتَيَّ التَّعَتُّبُوَجَمْجَمْتُ مَا أَلْقَاهُ وَالْحُزْنُ يَعْزُبُ وَحُمِّلْتُ مَا بَيْنَ الْجَوَانِحِ وَالْحَشَاجَوىً غَيْرَ ما يُدْعَى لَهُ الْمُتَطَلِّبِ وَيُوشِكُ أَنْ يَدْعُو بيوْمِ مَنِيَّتِي ... سَرِيعاً إِلَى الأَعْدَاءِ نَاعٍ مُطَرِّبُ وَقَدْ عَلِمَ اللهُ: الَّذِي دُونَ عِلْمِهِعُلُومُ الْعِبَادِ فَهُوَ أَعْلَى وأَغْلَبُ

стр. 103

بَرَائِيَ مِمَّا ظُنَّ إِنِّي اقْتَرَفْتُهُوَهَلْ يَغْمُرُ الإِحْسَانُ حُرَّاً فَيُذْنِبُ فَقُلْتُ كَمَا قَالَ الْمُقَدَّمُ قَوْلُهُلِنَنْقِمَ وَالأَمْثَالُ تُجْرَى وَتُضْرَبُ أَتَانِي أَبَيْتَ اللَّعْنَ أنَّكَ لُمْتَنِيوَتِلْكَ الَّتِي أَهْتَمُّ مِنْهَا وَأَنْصَبُ فَإِنْ أَكُ مَظْلُوماً فَعَبْدٌ ظَلَمْتَهُ ... وإنْ تَكُ ذَا عَتْبٍ فَمِثْلُكَ يَعْتِبُ وقررت أنا والعروضي في نفس الراضي عند وصول هذه الأبيات أن ابن رايق ليس بالصافي النية لابن حمدون، وعرفنا سبب ذلك فرضي وقال: قولوا له يسأل ابن رايق أن يكلمني في أمره أو يكاتبني فإنه يقبح أن أرضى عنه بغير مسئلته بعد أن كلمني في ذلك فأبيت عليه فكاتبه ابن رايق فأجابه وعاد إلى أمره. وظن الراضي أن ابن رايق قد اتهمه بتغير، له فدعاه إلى الزبيدية فأكل بين يديه مع ابنيه على مائدة كانت عن يمنة الراضي، وأكلنا نحن على مائدة أخرى، عن يساره وجعل يبره بالشيء يرفع من بين يديه. ثم جالسه على النبيذ ومد له بشارته حتى سمع وشرب. وخلع عليه وقت الظهر خلعة وشيء مثقلة بالذهب ومعممة كذلك، فجلس فيها ساعة. ثم خلع عليه عند العصر وقت انصرافه خلعة أخرى انصرف فيها بعد أن شرب نبيذاً كثيراً. واستكتب بجكم بواسط على بن خلف في جمادى الأولى. وزاد أمر البربهاري وأصحابه، فكتب ليه ابن رايق رقعة يحذره فيها وينذره فأظهر القبول وتضمن ترك المعاودة.

стр. 104

ورد رسول ملك الروم مع الوزير وقت خروجه بهدايا، وأجيب إلى الفداء وأمر الوزير أن يتم أمره من مال الشام، وحضر الناس الفداء وأخرج الراضي خادمه راغباً لحضور ذلك. وتحرك بعض عياري المخرم في أمر السعر، وكلم بقال في سوق الثلاثاء بعض أصحاب ابن رايق في شيء تجاذ باله فغضب ابن رايق من ذلك وأمر أصحابه فأحرقوا حوانيت كثيرة في سوق الثلاثاء إلى ناحية المخرم، وفعل فعلاً استقبحه الناس وكرهه الراضي وحقده عليه، وكان هذا في شعبان. وصودر شفيع المقتدري على أربعة آلاف دينار مصادرة ثانية. وتوفي أبو القاسم الحسن بن روح النوبختي يوم الأربعاء لاثنتي عشرة ليلة بقيت من شعبان. وكان الراضي ربما ذكره بأن الإمامية يحملون إليه الأموال، فنرد عنه ونكذب، فيقول لنا: وما في هذا؟ والله لوددت أن مثله ألفاً تحمل الإمامية أموالها إليه فيفقرهم الله ولا أكره غنى هؤلاء من أموالهم. ومات رجل يعرف بالطبري بدار كعب وخل مالاً عظيماً، وكان له أخر بطبرستان وابن أخ ببغداد فوجه ابن رايق فحمل من داره وحوانيته مالاً ومتاعاً كثيراً. فتكلم الناس في ذلك، ودخل العروضي وهو يلي المواريث ولاه الراضي إياها. وكان مرضياً ثقة فيها فعرفه أمر الرجل فأنكر الراضي ما فعله ابن رايق وأنفذ إليه بما أقلقه فأمره برد جميع ما أخذ إلى موضعه. وظفر بالدلا فحبس في دار ابن رايق ثم

стр. 105

أفلت وظفر به بعد مدة وقتل. وتحدث الناس في شوال بأن رقة ابن مقلة جاءت إلى الراضي يتضمن فيها ابن رايق وابني مقاتل بألفي دينار، وأنه يقبض عليهم بحيلة قريبة إذا أمر بغير كلفة، فوجه إليه الراضي: مثل هذا الأمر العظيم، والوقوف على ما يدبر فيه لا يجيء بالرقاع فصر إلى حتى تعرفني الوجه فيه، ويتفق الرأي على ما يعمل به. فصار إلى ذكي الحاجب ليلاً سراً فأعلم الراضي بأمره، فأمر الراضي بحبسه، وفي نفسه عليه أمر ابن المنتصر، وأنه الذي ريضه للخلافة. وكتب الخصيبي من وقته رقعة إلى ابن رايق يعلمه أن ابن مقلة عند الراضي، وأنه قد تضمن به وبابن مقاتل وأنه يستوزره، فركب ابن رايق مع قواده وجيشه إلى الدار، وقال: لا أبرح إلا تسليم ابن مقلة إلى. فأخرج فقطعت يده اليمنى، وانصرف ورد إلى محبسه بعد أن ناشده الله ألا يفعل ذلك، وأن ينفيه إلى حيث رأى فأبى إلا الفعل القبيح، الذي لم يأت أحد مثله. ونودي في جانبي بغداد بأن السلطان قد رضي عن بني البريدي وأسبابهم وأطلق ابن رايق لبناء دورهم. وبلغ ابن رايق أن بجكم يصعد إلى بغداد لطلب أرزا أصحابه وكان قدم قبله الترجمان في المطالبة بالمال، فلم يرجع بما أحب فخرج مصاعداً. فخرق ابن رايق نهر ديالي، وفعل أفعالاً كانت

стр. 106

سبباً لبثق النهروان الذي خربت به الدنيا وافتقر الناس وغلت الأسعار إلى وقتنا هذا، وصار إلى الدار فضرب خيمة في الحلبة وأسكنها قواده. ووافى بجكم نهر دَيَالَى يوم الأحد لإحدى عشرة ليلة خلت من ذي القعدة. وحاربه ابن رايق فاحتال بجكم إلى أن عبَّر بعض أصحابه، وانهزم ابن رايق وأصحابه وجاء إلى السلطان ليدخل إليه فغلقت الأبواب دونه فصار إلى داره فحمل ما قدر عليه وخرج ومعه بدر الخرشني، وصاح الناس: هذا عقاب من الله لك، لاستكتابك الكوفي وتسليطك إياه على الناس. وكان قد استكتبه، وعزل به الحسين بن علي بن العباس النوبختي بعد أن بلغه المنزلة التي بلغها برأيه وتدبيره وهو الذي احتال على الساجية ودبر أمر الحجرية فصار ابن رايق إلا أوَانَا ثم خفي أثره. وكاتب السلطان بدراً الخرشني فرجع. واستتر الكوفي وابنا مقاتل ببغداد. ووصل بجكم إلى الراضي يوم الثلاثاء وخلع عليه يوم الخميس سبع خل وقال له: قد جعلتك أميراً وعقد له لواء له فقال: يا مولاي ما أريد إلا أن تزاح علتي في أرزاق أصحابي وقت استحقاقهم، ونزل في دار مؤنس. وأخذ لابن رايق ابن صغير فجربه إلى بجكم فبكى حين رآه وأجرى عليه جراية واسعة، ونودي إن من دل على الكوفي وابني مقاتل فله عشرة آلاف درهم، ومن وجد واحد منهم عنده فقد حل دمه وماله. وعقد لبجكم على المشرق وأشير على الراضي أن

стр. 107

يضم إلى حاجبه جيشاً من جيش الحضرة وقوادهم، وأن يفرد ما لم عن مال أصحاب بجكم وأن يوجهوا بكتاب الجيش ليحصوا أصحاب بجكم، ويحصلوا مبلغ مالهم ويعرفوا الراضي حتى يثبته عنده ولا يزيد أحد فيه شيئاً إلا بإذن منه فما قبل الراضي ذلك إلا في أمر حاجبه ولا في جيش بجكم، فما مضى لبجكم شهران حتى زاد أصحابه وزاد فيهم من اثبت بعشرين ألف دينار في السنة وأكثر، وجرى أمره على ذاك إلى أن قتل. وكان هذا مما عتب على الراضي إغفاله وظفر بالكوفي فحمل إلى الدار، وحمله غلام لذكي الحاجب يقال له خير، فرجمته العامة وأرادوا قتله فدفع خير عنه، وقال: تذهبون بمال السلطان فوصل به إلى الدار بعد تعب شديد، وصودر على مال وشملته عناية ابن سنكلا. وما رأيت أحداً قط ملك من حسن رأي صاحبه ما ملكه ابن سنكلا من الراضي وقد علم الله أني ما قصرت في تقريظ الكوفي عند الراضي وتعريفه كفايته وأمانته، وأنه بخلاف ما عليه العمال من التصون والاجتزاء بالقليل، مما رأيته في ولايته، بعد أن كان محسناً إلى معنياً بي، عرف لي ذلك على طول الجوار وقديم المودة. وأخذ بجكم من مضحك كان لابن رايق يعرف بأبي الخير خمسة عشر ألف دينار. ووصل أصحاب البريديين إلى واسط، وقرب القرامطة منهم على وفاق وأمر عقدوه بينهم، ومات أبو طالب الكاتب وكان محدثاً يروي عن أبي موسى الراضي، وأحمد بن يحيى

стр. 108

السوسي، وتوفي يوم الجمعة للنصف من ذي الحجة ومولده سنة سبع وثلاثين ومائتين. ووجدت أم ابن رايق فصودرت على عشرة آلاف دينار. وكان ابن القشوري أحمد بواسط حين زال عنها إقبال فورد كتابه يزعم أن البريديين يريدون واسط فوجه إليه بأبي نصر الترجمان في جماعة. ووجد يهودي مع مسلمة وكان غلاماً لجهبذ يهودي لابن خلف فضربه صاحب الشرطة بحضرة اليهودي في يوم جمعة، فافتتن البلد لذلك وكان الأمر قبيحاً. سنة سبع وعشرين وثلاثمائة خرج الراضي بالله في سحر يوم الثلاثاء لثلاث خلون من المحرم يريد س من رأي ليشخص منها إلى الموصل لمحاربة الحسن بن عبد الله وخرج بجكم في هذا اليوم وخرجنا مع الراضي فكان بجكم ينزل بين يديه بقليل وتعبث أهل عسكره بالناس وتأذى الراضي بذلك، وكان قبل خروجه يذكر أمره ونهوضه ويقول: لا بد لي منه. فنشير عليه ألا يفعل ذاك، وكان ممن يوافقني على الرأي في تركه الخروج عمر بن محمد القاضي فلم يلتفت إلى قول أحد ولا أظهر ما أراده وما عزم عليه. وأمر الراضي أن يكون عبد الله بن علي البغوني خليفة الوزير الفضل بن جعفر خارجاً معه وأن يكون عبيد الله بن محمد الكلوذاني خليفة الوزير على الأعمال والأموال مقيماً ببغداد. وأخرج أحمد بن علي الكوفي إلى تربة أم المقتدر ليؤذي ما فورق

стр. 109

عليه. وكرهت العامة خروج السلطان إلى الموصل لمحبتهم للحسن بن عبد الله وعنايته بإنفاذ الدقيق إليهم ولبره بالأشراف وما يتصدق على الضعفى بسر من رأى وبغداد، ولكفاية أخيه على الناس أمر الثغور والغزو، وعنايته بغزو الصايفة وغيرها. وخرج القاضي عمر بن محمد الراضي واستخلف ابنه يوسف ابن عمر على بغداد مكانه. فركب إلى جامع الشرقي فقضى وقرأ السجلات وركب معه جميع العدول وحضر محمد بن بدر الشرابي صاحب الشرطة مجلسه ونثر عليه دراهم ودنانير في غير موضع، فوصل الراضي إلى سر من رأى وأنفق في أصحاب بجكم نفائس منيفة كان أعدها لنفسه ولهوه، وظن الناس أنه سيقيم بسر من رأى وينفذ بجكم إلى الموصل فإن احتاج إليه لحق به وإلا أقام بمكانه، وجعل كل من يصل إليه يشير عليه بذلك. وورد عليه الخبر بتحرك أمر ابن رايق وأنه يكاتب الناس للوثوب ببغداد فظننا مع ذلك أنه لا يبرح وانطلقت الألسن لأجل ذلك بالمشورة عليه ألا يبرح من سر من رأى وكان أشد الناس كراهة لخروجه ورحيله القاضي عمر بن محمد وذكي الحاجب، فكنا نجتمع على ما نقوله. وورد كتب الحسن بن عبد الله وإلى الراضي وإلى بجكم يتضمن لهما أكثر مما ظن أنه يبذله له وكتبه بذلك متصلة إلى القاضي وهو يتولى إيصالها عنه وينفذ الجواب، وكان يقرئني كل شيء يرد فأقام الراضي أياماً بسر من رأى وطمعنا في رجوعه، واتفقت مع القاضي على أن يكلم

стр. 110

الراضي كل واحد منا إذا خلا به ورأى وجهاً للكلام، فوصلت إليه بسر من رأى يوماً وحدي قبل أن يحضر أهل نوبتي فقلت يا أمير المؤمنين إن العبد المتفق لا يملك كتمان ما بقلبه لمولاه، ولا يدخر النصح. وما على المولى شيء من أن يسمع قول عبده، فإن كان صواباً أمضاه، وإن كان خطأ جعله بمنزلة ما لم يسمعه. فضحك وقال: هات ما عندك، فقلت: إن الناس يتحدثون بأن العسكر الذي رحلت قد رحلت لتزيله أشبه بعساكر الإسلام من العسكر الذي تقصده به من قوم لا يرون طاعتك وأشبه بعساكر آبائك. وقد تحدثوا بأن الحسن قد بذل أكثر مما أريد منه فإن رأي سيدنا أن يقبل هذا ويرجع إلى دار ملكه ويزول ما يخافه من وثوب ابن رايق فإنه غير مأمون. وكان الراضي قد أمر بأن ينادى على ابن رايق، ويطلب فكبست مواضع كثيرة - ومع هذا فإن الحسن بن عبد الله قد نظر إلى أقرب الناس من قبلك وهو قاضيك فجعله السفير له، والضامن عنه وإنه يلقاه فيتصرف بجميع ما يريده. وهاهنا أيضاً أمر آخر، قال: وما هو؟ قلت: إذا يئس الحسن من قبول سيدنا لما بذل لم نأمن أن يصرف أمره إلى غيره، ويلقى نفسه عليه ويتقرب إليه، ويحظيه ببعض ما بذله، فيجعله صنيعة له ومادة لدهره وعدة لجدته ويكلم من يلقى نفسه عليه سيدنا في أمره ويسأله له ما يريده فيقبل قوله ويهب له أمره، فيحظى بما أردنا أن نحظى به - أعرض ببجكم - فما رأيته أطال الفكر عند شيء سمعه أكثر مما أطاله بعقب
следующие страницы →