Полный текст (75 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
صلى الله عليه وسلم نأكل ونحن نمشي ونشرب ونحن قيام، قال الغزالي ﵀ الجمع بينهما أن الاكل في السوق تواضع وترك تكلف من بعض الناس فهو حسن من بعض الناس وخرق مرؤة من بعضهم فهو مكروه وبهذا ظهر أنهم فهموا أن الكراهة ارشادية لا دينية في الأكل والشرب معا.
مُشمِسِ الماء فيهِ النَهيُ مُحتَمَلُ ... وَنَصُّهُ يَعضُدُ الإرشادَ فامتَثِلِ
وَإِن يَطبُخوا زالَت كَراهَتُهُ ... أعني بِهِ جامداً عَنهُ فَلا تَحِلِ
يكره شر الماء المشمس لما اختلفوا في الكراهة هل هي ارشادية أو دينية والصحيح إنها دينية ونص الشافعي ﵁ يدل على أنها ارشادية فإنه قال لا أكره المشمس وقد كرهه كاره من جهة الطب فهذه عبارة الشافعي وروى المزني أنه قال لا أكره المشمس إلا أنه يكره من جهة الطب واعترض عليه الصيدلاني بأن هذه ليست عبارة الشافعي ولو طبخ بالمشمس طعام زالت الكراهة أن كان الطعام جامدا قاله الماوردي.
فَمُ المَزادَةِ مَكروهٌ فَدِعهُ فَقَد ... يَأتيكَ مِن داخِل نَوعٌ مِنَ الدَخلِ
المزادة القربة (نهى رسول الله ﷺ عن الشرب من فم السقا) لأنه قد يخرج من فم المزادة ما ينغص الشرب أو يؤذي الشارب من قش ونحوه
стр. 37
ولأنه يغير رائحة فمها ولأنه يملأ البطن ريحا كما قال ابن الجوزي في طبه قال اعني ابن الجوزي ينبغي أن لا يشرب الانسان الماء حتى ينحدر الطعام من البطن الاعلى ثم انظر ما يرويك فاشرب الطفله فذلك اصلح لبدنك وأقوى لمعدتك واهضم لطعامك فإن الاكثار من الماء ابارد يبرد ويرطب ويضعف الحرارة الغريزية والعطش يجفف الجسم ويظلم البصر.
وَماءُ قَومٍ عَصَوا بِالعَقرِ رَبَهُمُوا ... وَكَذَبوا صالِحاً بِن عَنهُ وَاعتَزِلِ
اكفَى قُدورَكَ وَاطرَح ما بِهِ عَجَنوا ... إلى النَواضِحِ وَاليحمورُ وَالجَمَل
وَبِئرُ ناقَتَهُم فيها الشِفا فَكُن ... في عُلوِها ماتِحاً أو مايح السُفُلِ
ماء آبار ثمود يكره شربه والطبخ به وكذا العجن وينبغي اراقة ما طبخ به وطرح ما عجن به إلى النواضح وهي البقر واليحمور لغة في الحمار ولاسبب فيه أنه ماء مغضوب عليه ويستثنى من ذلك بئر الناقة فلا يكره شرب مائها والماتح بالتاء المثناة فوق من ينزح الماء من أعلا البئر والمايح بالمثناة من تحت من ينزح الماء من أسفل البئر.
وَقَومُ لُوطٍ لَهُم في حُكمِ مائِهِمى ... فَخَل آثارَهُم وَاقصِد إلى حَولِ
غَطا جَهَنَمَ بَحرُ المِلحِ قالَ فَلا ... يَجوزُ طَهي بِهِ باديَ السَنا عَلى
أعني بِهِ وَلَهُ الفاروقُ عَنهُ رَووا ... كذا اِبنُ عَمرو وَعَنهُ الجَمرُ في عَذلِ
ديار قوم لوط مغضوب عليها ويكره استعمال مائها وأما ماء بحر الملح فقال عبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو لا يجوز الطهارة بمائة لأنه غطاء لجهنم فهو مغصوب والدليل على أن جهنم تحت الملح وأنه غطاء لها قوله تعالى: (اِِغرِقوا فادخُلوا ناراً) واتفق الجمهور على جواز الطهارة به للحديث الصحيح.
وَقيلَ شُربٌ فَكُل ما شِئتَ مُنبَسِطاً ... وَبَعدَ شُربٍ فَدَع لِلهَضمِ وَامتَثِل
وَفي الآَنا لا تَتَنَفَس وَاحتَرِم أبداً ... نَفخُ الطَعامِ وَكُن في الحازِدا مَهلٌ
وَانظُر فَمُ الكُوزِ قَبلَ الشُربِ وَانتَحِ في ... وَفَت التَنَفُسِ وَاترُك ذي دَغَلِ
стр. 38
قال الغزالي في (الاحياء) إدخال الطعام على الطعام أنه يكره من جهة الطب إذا شرب على ما أكله أولا فأما قبل الشرب فله أن يأكل ما شاء ولا يضره ذلك فإن شرب فليصبر إلى هضم الطعام الأول ويكسره التنفس في الآنا ونفخ الطعام ليبرد فإذا كان الطعام حارا صبر حتى يبرد وإذا أتي بكوز فلينظر إلى حلقه قبل الشرب فقد يكون فيه شيء يؤذيه ويستحب تنحية رأسه عن الكوز عند إرادة التنفس ولا يتنفس داخل الكوز ولا ينفخ في الماء وإذا شرب فليقلل من الشرب وليشرب قليلا قليلاً قال بعضهم اتفق سبعون حكيما على أن كثرة النوم من شرب الماء.
وَلا تُكن نافِخاً لِتَسلَخَها ... فَعَن عَليَّ رَووا النَهي فامتَثِلِ
وَأن تَكُن جازِراً فامنَعهُ عادَتُهُ ... كَما نَهاه الرِضى فازجُر وَلا تَهِلِ
نقل الحليمي هذا في المنهاج عن علي ﵁ أنه رأى اللحم كالطعام فكره نفخه ونهى القصابين عن نفخ الشاة قبل السلخ والجازر هو القصاب بالصاد المهملة وبالباء الموحدة في آخره.
وَثُلُثُ الشُربِ أَنفاساً وَسَمِ عَلى ... كُلِ الثَلاثِ لِتحوي زاكيَ العَمَلِ
لا تَكثُرِ الشُربَ في وَسَطِ الطَعامِ سِوى ... إِن كُنتَ في غَصَةٍ فاشرِ بِهِ لِلبُلَلِ
أو كُنتَ ظَمآنَ صالِ فالتَمسهُ فَقَد ... نَصُ الأطبا عَلى نَفي بِلا عُلَلِ
وَشُربُكَ الماءُ مُصاً فِعلُهُ حَسنٌ ... داءُ الكِبادِ رَووا مِن عَلى مُنتَهِل
стр. 39
في عَبِكَ اللَبَنُ الصافي في حُصولِ غداً ... بِغَضٍ عَنِ الماءِ وَالاقواتِ فاكتَفِلِ
يستحب شرب الماء على ثلاثة انفاس يسمي الله في كل نفس ويحمده في آخره قال الغزالي ﵀ تقول في آخر الأول الحمد لله وفي آخر الثاني الحمد لله رب العالمين وآخر الثالث الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم وإذا كان في أثناء الأكل فينبغي له ترك الشرب إلا أن يغص بلقمة فيشربه للحاجة قال الغزالي في الأحياء إذا صدف عطشه فإنه يستحب له الشرب من جهة الطب قال يقال إنه دباغ إذا صدف عطشه فإنه يستحب له الشرب من جهة الطب قال يقال أنه دباغ المعدة وإذا شرب الماء مصه لقوله ﷺ : (مَصّوا الماء مصاً وَلا تَعُبوه عباً فإن الكباد من العب) ن والكُباد بضم الكاف وفتح الباء الموحدة قيل وجع الكبد والمنتهل الشارب وهو الشرب الأول ويستحب عب اللبن لأنه طعام وفي الحديث (إن كان شيء يغني عن الطعام والشراب فهو اللبن) والعرب تجتزي عن الطعام والشراب باللبن.
وَالتَمرُ وَالماءُ قالوا الاسودان هُما ... فاقصِد إلى حِفظِ ما قَد جاءَ في المَثلِ
وَالابيَضانِ فَقالوا التَمرُ مَعَ لَبَن ... فَقَلَبوا واحِداً كَالعَصرِ في الأَصلِ
العرب تقول التمر والماء الاسودان واللبن والتمر الابيضان غلبوا التمر على الماء واللبن على التمر كما غلبوا العصر على الظهر فقالوا العصران للظهر والعصر وكما قالوا لأبي بكر وعمر العمران والليل والنهار العصران قال الشاعر:
وَامطَلهُ العَصرَين حَتى عَينُ ... وَيَرضَى بِنِصفِ الدينِ وَالأَنفُ راغِمُ
قال الخطابي في قوله ﷺ لبعض أصحابه صل العصرين إنهما العصر والصبح قال غلب العصر على الصبح قال وعندي انهما سيما بذلك لأنهما
стр. 40
يفعلان في طرفي العصرين وهما الليل والنهار فلا تغلب، قال الحموي في (شرح التنبيه) سميت العصر عصرا لأنها تعاصر وقت المغرب وفي هذا نظر لأن وقت العشاء أيضا يمتد إلى وقت الصبح ويظهر أن العصر أنما سميت عصرا لأنها تفعل في آخر النهار وآخر النهار عصارته إذ عصارة الشيء بقية وتسمية الصبح والعصر بالعصرين لأنهما صلاتي العصرين لأن كل واحدة من عصر وليستا من عصر واحد لأن اليوم في اللغة أنما يكون من طلوع الشمس.
أكَلَ التَناهُلُ فيه البَرّ في حَضَرٍ ... وَرِفقُ سَفَراتي في الحَملِ والأَكلِ
أَكلَ الزَهيلُ مَعَ المَفهومِ مَغفِرَةً ... خَلطُ الوَصي بِمالِ الطِفلِ لَم يَبَل
التناهل أن يخلط القوم ازوادهم في السفر أو في الحضر ويأكلون وتسمى المخارجة في الحضر وهو أن يدفع كل إنسان شيئا ويشتروا به طعاما وهو محبوب لقوله تعالى: (فابَعَثوا أَحَدَكُم بِوَرِقِكُم هَذَهِ إِلى المَدينَةِ فَلَيَنظُر أَيُها أَزكَى طَعاماً فَليَأتِكُم بِرزقٍ مِنهُ) الكهف، وقال ﷺ (اجتمعوا على طعامكم يبارك لكم فيه) وهي للمسافر أيضا مستحبة لأن ينالهم رفق في حمل الزاد وحفظه ولا نظر الحاكون بعضهم أكثر أكلا من بطن لأن هذا متسامح به عادة ويجوز للوصي خلط زاده بزاد الطفل اليتيم وغيره قاله في الروضة.
وَإِن خُتِمَت بِملحٍ وَابتَدَأَت بِهِ ... كَفيتُ كُلَ دا مِن فِعلٍ مُتَصَلِ
من سورة الخَوفِ وَالإِخلاصِ فَضلُ غَناً ... بَعدَ الطَعامِ وَأمنُ الخائِفِ الوَجَلِ
قال علي ﵁ من ابتدأ غداه بالملح أيضا قال الغزالي وفي قرأة سورة
стр. 41
الخوف وسورة الاخلاص بعد الطعام أمانا من ضرره.
مِن تُخمَةٍ شَهِدَ اللَهُ العَظيمُ شَفت ... أن تَتلُها قال كَعبٌ حالَةَ الأكلِ
في مختصر حلية الأولياء عن كعب الاحبار ﵁ قال من قرأ شهد الله أنه لا إله إلا الله إلى آخر الآية عند الأكل أمن التخمة من ذلك الطعام.
أبو نَعيمٍ رَوى التَخليلَ في خَبرِ ... عَن سَيدِ الرُسُلِ فالزَم سُنَةَ الرُسُلِ
عَلى مَلائِكَةٍ شَقَت رَوابِجَهُ ... فانهَض وَتُف الَّذي قَد قَر في الخَلَلِ
فَإِن قَلعتَ طَعاماً فاطرحهُ سِوى ... قَلعُ اللِسانِ فَكُل لا كُرهَ في الأكلِ
عَليه نَصُ الإِمامِ الشافِعي فَخُذ ... وَغَسلُ فَمٍ رَوُوا عَن أَهلِ بَيتٍ عَلي
وَلا تَخلُل بِعودٍ قَط مِن قَصبِ ... تَرى تَأكُل فَمَ غَيرِ مُندَمِلِ
وَقَد نَهى عُمرٌ عَن ذاك فاعِلُهُ ... وَوَجهُ المَنعِ لِلأَفاقِ بِالرُسُلِ
عَن عُودٍ خَوصٍ وَريحانِ كَذاكَ نُهوا ... َوعودُ في طِبِ لَبيتِ علَى
روى أبو نعيم في (تاريخ اصبهان) عن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: (تخللوا فإنه نظافة والنظافة تدعوا إلى الإيمان والإيمان مع صاحبه في الجنة) . وقال ﷺ : (نقوا أفواهكم بالخلال فإنها
стр. 42
مسكن الملكين الحافظين الكابتين) وإن مدادهما الريق وقلمهما اللسان وليس شيء أشد عليهما من بقايا الطعام في الفم وإذا قلع بالخلال طعامه استحب طرحه وكره ابتلاعه وإن قلعه بلسانه لم يكره ابتلاعه نص عليه الشافعي ﵁ وذكر الغزالي ﵀ أن غسل الفم بعد الطعام مستحب رواه في الاحياء عن أهل البيت ﵈ وينبغي استحباب ابتلاع ما به لما فيه من أثر الطعام كما يستحب لعِق الاصابع وابتلاع ما يتعلق من الطعام بين الأسنان بلسانه قال الحليمي في (المنهاج) ويكره الخلال بعود القصب لأنه يفسد لحم الانسان وروي أنه عمر ﵁ رأى رجلا بأسنانه تأكل فسأله عنه وذكر أنه تخلل بعود قصب فنهاه عن ذلك وكتب إلى الآفاق ينهانهم عن الخلال بالقصب وفي طب أهل بيت النبي ﷺ كراهة الخلال بالقصب أيضا وكراهة الخلال بعود الرمان والريحان والسواك بهما لأنهما يثيران عرق الجذام وفيه كراهة الخلال بعود الخوص أيضا.
داوِم عَلى أكلِ وَترٍ مِن الثِمارِ تَرى ... بِهِ الدَو السِحرُ النافِثُ الغُسلِ
أحدى وَعشرينَ مِن حُمرِ الزَبَيبِ فَكُلُ ... في كُلِ يَومٍ كَفيتَ كُلُ البِلا فَكُل
стр. 43
قال في الاحياء داوم على أكثل وتر من التمراي وتر كان يكفى شر السحرة ولن يضره سحر من أكل سبع تمرات في أي وقت كان قتلت كل داية في بطنه ومن أكل كل يوم احدى وعشرين زبيبة حمرا لم ير في بدنه داء أبدا.
وفي طب أهل بيت النبوة أن النبي ﷺ : (الزبيب الأحمر يطفىء المزينة بالوصب ويطيب النفس) .
قال ابن الجوزي في (طبه) الزبيب صديق المعدة والكبد يجيد الذهن وينفع من قد اجتمعت في بطنه اخلاط بلغمية إلا أنه يحرق الدم ودفع ضرره بالخيار.
وَخَمسَةٌ قَد رَوُوا تَعجيلَها حَسنٌ ... وَفي سِواها تاني واسعَ في مَهلِ
تَزويجِ كُفؤٍ وَمَيتَ هاكَ ثالِثُها ... دَفعُ الديونِ وَتُب لِلَهِ مِن زُلَلِ
وَالخامِسُ الضَيفُ إِن يَأتِيَكَ في نُزلِ ... فَكُن لَهُ بِالقُرى بِالجِدِ وَالعَجَلِ
ذكر في الإحياء أنه تستحب المبادرة إلى خمسة أشياء تزويج الكفؤ ودفن الميت ودفع الديون والتوبة والضيف يعجل له الطعام وهو القرى بكسر القاف يقال إنها مروية عن النبي ﷺ قال الله تعالى عن إبراهيم: (فَراغَ إلى أَهلِهِ فَجاءِ بِعِجلٍ سَمين) والروغان الذهاب بسرعة قيل ولأَجل عجلته سمي ولد البقرة عجلا.
وَسَبعَةٍ قوَةِ الإِبصارِ فَأتِ بِها ... بِلا مُراءٍ تَجِد نَفعاً بِلا دَخلِ
اِلبَس نَظيفَ ثِيابٍ وَاطرَح دَنَساً ... وَانظُر إِلى خُضرَةٍ في وَجهٍ ذي كُحُلِ
стр. 44
وَاجلِس إِلى كَعبَةٍ تُهدى لِناظِرِها ... حالَ الجُلوسِ ثواباً زاكيَ العَمَلِ
وَجَريَةُ الماءِ وَانظُر في السَماءِ تَرى ... دَفعَ الهُمومِ مَعَ السَوداءِ وَامتَثلِ
وَكُحلِ العَينِ عِندَ النَومِ مِن حَجرٍ ... تَسبِق بِهِ نَظَرَ الزَرقأ وَلا تَحِل
هذه سبعة تقوي البصر نقل في الاحياء عن الشافعي ﵁ أربعة تقوي البصر لبس نظيف الثياب والنظر إلى الخضرة والجلوس مستقبل القبلة والكحل عند النوم من حجر يعني بالاثمد وفي الحديث (عليكم بالاثمد فإنه ينور البصر وينبت الشعر) قال بعضهم اختص الاثمد بهذا لأنه من الجبل الذي تجلا عليه الحق لموسى فلما وقع عليه نور الحق صار دكا واحترق بنور الحق وصار أسود وصار لما وقع عليه من النور ينور البصر وفي رواية الامام أحمد بن حنبل مرفوعا (عليكم بالاثمد المروح فإنه ينور البصر وينبت الشعر والمروح المطيب) وروى الحافظ أبو نعيم في تاريخ اصبحان عن ابن عباس رضي العنهما أن النبي ﷺ قال: (ثلاثة يجلين البصر: النظر إلى الخضرة والنظر إلى الوجه الحسن والنظر إلى الماء الجاري) قال الغزالي عن القزويني في كتاب (عجايب المخلوقات) في
стр. 45
النظر إلى السماء عشر فوايد وذكر من جملتها أن النظر إلى السماء يصرف الهم ويذهب السوداء.
وَلَحظُ فَرجُ النِساءِ لِلضَوءِ مَنقَصَةٌ ... وَلَحظُ مُستَقذِرٍ يُفضي إِلى كَلَلِ
قال الشافعي ﵁ النظر إلى فرج المرأة يضعف البصر وكذا الجلوس مستدبر الكعبة وكذا النظر إلى القاذورات قال وثلاثة تزيد في العقل مجالسة العلماء والصالحين وترك الكلام فيما لا يعنيه قال ﷺ : (من حسن اسلام المرء تركه ما لا يعنيه) أي يهمه فلا ينبغي الكلام إلا عند الحاجة إليه وكما أنه لا ينبغي السكوت عند الحاجة كذلك لا ينبغي الكلام عند الحاجة إلى السكوت وقد جمعت الثلاث في بيتين:
ثَلاثَةٌ زادَت العَقلَ التَمامَ فَدَع ... فَضلَ الكَلامِ لَكِن في الناسِ ذا فَضلٍ
وَاجلِس إلى صالِحٍ تَحوي بِهِ زِلَفاً ... وَاجلِس إلى عالِمٍ يَدعوكَ لِلعَمَلِ
قد سبق شرحها والله سبحانه أعلم.
وَاربَع قوَةَ الأبدانِ فَأتِ بِها ... طَيبٌ وَلَحمٌ وَماءُ عُد لِلغَسلِ
стр. 46
بِلا جِماعٍ مِنَ الكَتانِ رابعُها ... ثوبٌ عَلى بَدنِ جَسدٍ أي غيرَ مُنسَدِلِ
هذه الأربعة منقولة عن الشافعي ﵁ الغسل من غير جماع واستعمال الطيب وأكل اللحم ولبس الكتان على الجسد قوله غير منسدل هو حشو أي غير طويل لأن السنة تقصير الثياب.
كَبيرٌ مُعزٍ حَوى السَوداءِ نورٌ حَوى ... جَلبَ الهٌمومِ مَعًَ النُسيانِ لِلِرجلِ
وَيُفسِدُ الدَمَ فاقبِل عَن أضِ شَقَةٍ ... عَمرو بِن بَحرٍ رَوى عَن طِبِ ذي فَضلِ
نقل الحافظ واسمه عمرو بن بحر في كتاب (الحيوان) أن لحم المعز يورث السوداء والنسيان ويجلب الهم للإنسان ويفسد الدم وهذا في كبير المعز وأما الصغير منه فنقل في (الأحياء) عن حكيم أنه رأى شخصا سمينا فقال أرى عليك قطيفة (أي حلة) من نسل أضراسك قال مما هي قال من أكل لباب الخبز والبر وصغار المعز والدهن يدهن البنفسج ولبس الكتان.
البَيهَقي رَوى لَحمَ البَقيرِ أذى ... وَالشَحمُ مِنها شِفاءُ الداءِ وَالعُلَلِ
وَالسَمنُ فيه شِفاءٌ وَاعمُد إلى دَربٍ ... فاشرب لَهُ لَبناً وَالبَولُ مِن إِبِلِ
البقير بفتح البالغة في (السنن الكبير) أن النبي ﷺ قال: (في البقر لحمها داء وشحمها دواء وسمنها شفاء) والدرب بفتح الدال والراء المهملتين ثم بالموحدة في آخرة.
стр. 47
جاء في الحديث (أبوال الابل والبانها شفاء من الدرب) والدرب قال بعضهم هو نوع من الاسهال يسبب تخمة أو هيفة فإذا شرب الإنسان أبوال الإِبل وألبانها أخرج المادة التي في البطن فإذا أخرجها انقطع الاسهال وحصل الشفاء.
وَواظب الرأسِ بِالتَسريحِ مَعَ ذَقنٍ ... تَكفي البِلا وَتَحوي فٌسحَةَ الأَجلِ
وَبيضُ قُمَلٍ وَطَبوعٍ عِلاجُهُما ... دُخانٌ زَنجَفرَهُم بَحرٌ وَلا تَحٍلُ
روى أبو نعيم في (تاريخ أصبحان) أن النبي ﷺ قال: (من سرح لحيته ورأسه كل يوم وليلة عوفي من أنواع البلا وزيد في عمره) وأما بيض القمل هو الصوأن الذي يلتصق وكذلك الطبوع الذي يحصل في الذهن وشعر الجسد ولا يكاد يزال إلا بعسر وبيض القمل هو الصبيان الذي في الشعر والطبوع قمل أحمر وأسود يلصق بالجلد والشعر وعلاجه صعب ومتى تبخر من عليه طبوع بزنجفر ذهب عنه وقد حرب هذا مرارا فصح ذلك وهو الصواب.
بَعضُ الشيوخِ ذكيٌ هَضمُ اللُحومِ أتى ... بِأكلٍ عَظمٌ فَخذٌ عَن نَقلٍ ذي فَضلِ
اِثنانِ قَد أكلا كَبشَينِ وَارتَهَنا ... وَزادَ أعَرفُهُم بِالعَظمِ مِن أَكلِ
فَآكِلُ اللَحمِ وافَتهُ مَنِيتُهُ ... وَآكِلُ العَظمِ أضحَى مخور الأَجَلِ
стр. 48
حكى شيخنا الشيخ ضياء الدين ﵀ أنه برأ شخصين اترهنا على أكل كبشين وأن أحدهما التزم أن يأكل كبشه بعظمه وكان ذلك للعلم أن أكل العظم يهضم الطعام فأكله بعظمه فعاش وأما الآخر فأكل اللحم وحده فمات.
وَالأَكلُ في مَسجِدٍفانقُل إِباحَتَهُ ... إِن لَم تُلَوِث وَلَم تَأكُل مِنَ البَصَلِ
وَلا مِنَ الثَومِ وَالكُراثِ طَبخُهُما ... أزالَ كُرهاً وَقُم عَن حَشوَةِ الفِجلِ
الأكل في المسجد مباح بشرط أن لا يلوث المسجد وأن لا يأكل فيه ثوما ولا بصلا ولا كراثا ولا ماله رائحة كريهة فإن طبخت هذه الأمور زالت الكراهة.
وجاء في رواية رواها الطبراني في (معجمه) الحاق الفجل بالثوم والبصل.
وَإِن يَكُن أَبخَرَ فَأمنَعهُ مَسجِدَنا ... كَما نَهى عُمَرُ المَجذومُ وَامتَثِلِ
إذا كان بالانسان بخر محكم فلا شك أن رائحة فمه تزيد عن رائحة فم أكل الثوم والبصل وهذ مع ظهوره كان الشيخ ولي الدين الملوي ﵀ يفتى به ويمنعه من المسجد والمجذوم ومن به صنان متحكم كالأبخر.
روي عن عمر ﵁: أنه رأى جارية مخذومة تطوف بالبيت فقال يا أمة الله لو جلست في بيتك لا تؤذي الناس فتركت الطواف ولزمت بيتها فلما مات عمر ﵁ قيل لها إن الذي نهاك قد مات فاخرجي وطوفي فقالت ما كنت لاطيعه حيا واعصيه ميتا.
كُل سُمُوماً بِروثِ البَطنِ صَفرت ... في بَحرِ مذهَبِنا ذا النَقلِ وَهوَ جَلي
بِعُسرٍ تَمييزُهُ كالدُودِ في قَصَبِ ... أو في الجُبنِ وَدودِ الخَل لا تَهِلِ
قال الروياني في (البحر) يجوم أكل السمك الصغير وفي بطنه الروث لأن الأولين لم يكونوا يتتبعوه ويخرجوا ما في بطنه ولا يكلفون الناس تتبعه وهذا واضح وقد صحح
стр. 49
(الرافعي) جواز ابتلاع السمكة حية مع أن في بطنها الروث وهذا كما يجوز أكل دود الجبن والقص والفاكهة معها والجبن بضم الجيم والباء وتشديد النون لغة في الجبن.
وَقتُ الضَرُورَةِ كُل مِن مَيتَةٍ حُرِمَت ... حِفظَ الحَياةٍ ولا تَشبِع مِنَ الدَغلِ
إِلا تإِذا لَم تُوقِع أكلَةً قُرِبَت ... أو خِفتَ ضَراً وَكُل وَاحمِل عَلى مَهلِ
الميتة إن كان حلالا حالة الاختيار فواضح والميتات التي تحل من غير ذكاة خمسة السمك والجراد والجنين والصيد إذا مات بثقل الجارحة فأكل هذه الأربعة حلال وما عداها حرام إلا دود الجبن والفاكهة فإنه يؤكل معها ولا يؤكل منفردا على الأصح وأكل الميتة حال الضرورة مباح إذا خاف على نفسه موتا أو مرضا إن لم يأكل فيجب الأكل على الصحيح حفظا للحياة ولا يجوز أن يأكل منها زيادة على ما يحفظ الحياة ويقيم صلبه للمشي ولا يحل الشبع إلا إذا لم يتوقع حلالا قريبا أو خاف الضر على نفسه بسبب انقطاعه عن الرفقة إن لم يشبع ويجوز أن يتزود من الميتة إن لم يكن أمامه طعام حلال على الأصح في الروضة.
لأَكلِ الحَبَةِ السودا حُصولَ شَفاً ... مِن كُلِ داءٍ هي الشونيزُ خُذ وَكُل
تَنفي البَرايدَ وَالأخلاطَ عَنكِ إذا ... أكَلتَها بِالجنى مِن نَحلَةِ العَسلِ
لِلمُصطفى في السَماءِ قالَت مَلائِكَةٌ ... مُر بِالحِجامَةِ شاكيَ الداءِ وَالعِلَلِ
ما مَرَ في مَلأ إِلا وَقالَ لَهُ مُر ... أَمَةُ لَكَ فَلتَحجُم وَتَمتَثِلِ
في سابِعِ العَشرِ أو مُرهُم بِتاسِعَةٍ ... أو بعَدَ عِشرينَ في الحادي بِلا حَولِ
في الصحيح: (الحبة السوداء شفاء من كل داء إلا السام) والسام الموت وإذا أكلت بالعسل قطعت البرايد والاخلاط والشونيز بضم الشين المعجمة والنون ثم بالياء المثناة تحت ثم بالزاي في آخره هو الكمون الاسود على الصحيح المشهور ويوضحه قوله ﷺ في الحبة السوداء: (وهي التي تنبت في الملح) يعني في الأرض المالحة لأنها أكثر ما تنبت في الأرض السبخة المالحة وحديث الحجامة في (مختصر حلية الأولياء) بهذا المعنى ورواه البيهقي في
стр. 50
(السنن الكبرى) الأمر بها في السابع عشر والتاسع عشر والحادي والعشرين.
وَأَغمِس ذُباباً هَوى فَالغَمسُ فيهِ شِفا ... نَصُ الحَديثِ أتَى بِالغَمسِ فامتَثِلِ
وَلِلزَنابيرِ هذا الحُكم إن وَقَعَت ... كَذا البَعوضُ وَخُلُص نَحلَةَ العَسَلِ
خُصُ العُمومِ بِأَمرِ الغَمسِ إِن حُيِيت ... بِالنَهي عَن قَتلِها تَرمي مَعَ النَبلِ
إذ وقع الذباب في الطعام والشراب استحب غمسه لقوله ﷺ : (إذا وقع الذباب في شراب بأحدكم أو قال في طعامه فليغمسهس كله ثم ليطرحه فإن في أحد جناحيه داء والآخر شفاء وأنه يتقي بالداء) .
قال الحافظ اسم الذباب يقع عند العرب على كل الزنابير والنحل والبعوض وغيرها وحينئذ يستدل بالحديث على استحباب غمس الجميع إذا وقعت في طعام أو شراب أو عسل ونحوه فإن قيل تلك حقيقة لغوية وقوله ﷺ وإن كان عام بالألف واللام فإنه يحتمل أن يراد به ما كان مألوفا عندهم مما يخالطهم وحينئذ فإسم الذباب قد خص بالبعض وصار فيه حقيقة عرفية كما اختص اسم الدابة بالفرس والبغل والحمار والحقيقة العرفية مقدمة على اللغوية واللغوية والدليل على أنها حقيقة شرعية ما رواه الحافظ (أو نعيم) في (تاريخ أصبهان) أ، النبي ﷺ قال: (الذباب كلها في النار إلا النحلة فإنها في الجنة) .
وقال علي رضي الله تعالى عنه في العسل (أنه حذقة ذبابة) إذا علم ذلك
стр. 51
فظاهرة استحباب غمسها مطلقا وإن كانت حية وافضى ذلك إلى موتها بالغمس إلا أنه ينبغي تخليصها من غير غمس لنهيه ﷺ عن قتل النحلة ويكون هذا مخصصا للأول ويجب على هذا تخليص النحل ولو وقع الذباب وانغمس بنفسه فظاهر تعليل الحديث يرشد إلى عدم استحباب غمسه ثانيا ويحتمل أن يكون إلحاقه كالميت الغريق لأن ما تعبدنا فيه بفعل لا يسقط التعبد إلا بذلك الفعل ولو كان غمس جناحي الدابة دون جميعها فليحتمل الاكتفاء بهما لحصول الشفاء سفي الجناح الآخر ويحتمل المنع.
بَعضُ التَصانيفِ فيهِ عِدةٌ ذُكِرَت ... بِفِعلِها يَحصُلُ النِسيانُ لِلرِجلِ
بِأكلِ حِمضٍ وَطولٍ مَعَ سَهرِ ... عَلى اِنتِصابٍ بِطولِ الكُلِ في النَفلِ
وَطَرحُ قُحلٍ مَشى بَينَ ما قَطَرَت ... وَالمَشيُ في طَرفِها فاقصِد إِلى حَولِ
وَكَثرَةُ الوَطىءِ مَعَ أَكلِ السَمينِ وَمَعَأَكلِ المَزالِحِ وَالعِصيانِ في العَمَلِ
كَذا الحِجامَةُ في عُنُقٍ عَلى صَرَرٍ ... وَالبولُ في راكِدٍ وَالعِصيانُ في العَمَلِ
كَذا التَقهَقةُ وَالإِنصاتُ مِن لَقَطِ ... وَلوحُ قَبرٍ ذُلا تَقراهُ وامتَثِلِ.
هذه خمسة عشر ذكرها بعض الحنفية في تصنيف له يذكر فيه أدابا بالعالم والمتعلم وذكرها غيره متفرقة قوله في البيت ومشي بين ما قطرت يعني بين الجملين المقطورين والجمال المقطورة والمشي في طرفها أجر الله تعالى العادة بأن هذه الأمور تورث النسيان وذكر في الكتاب المذكور أشياء تورث الفقر وقد جمعتها بقولي.
وَيورِثُ الفَقرَ أيضاً عِدَةٌ ذُكِرَت ... مِني فَخذٌ عَدَها وَاحفَظ عَلى مَهلِ
النَومُ عِريانَ أو أكلٌ عَلى حَدَثِ ... وَتَركُ كِنسي وَحرقُ القِشَرِ مِن بَصَلِ
وَالكَنسُ في اللَيلِ لا تَقعُد عَلى عَتَبِ ... اُخرُج قُمامَتِكُم واطرَحن عَلى الزَبَلِ
وَالمَشيُ قَد أَمّ شيخٌ أو نِداءُ أَبُ ... بِالإِسمِ وَادعُ لَهُ يَحصُل عَلى عَمَلِ
стр. 52
وَالغُسلُ بِالطينِ والتوزابَ قَد ذَكرَوا ... وَالابتِكارُ إلى الأَسواقِ مِن عَجَلِ
وَالإِمتِشاطِ بِمَكسورٍ سَنابِلُها ... خِياطَةُ الثَوبِ مَلبوساً رَواهُ جَلي
كَذا التَسرولُ في حالِ القِيامِ كَذا ... لُفِ العِمامَةَ أن تَعقُد مِنَ المَلَلِ
كَذا التَوسُعُ وَالتعتيرُ مِن أَكَلِ ... تَركُ اللُبابِ بِلا لَقَطٍ مِنَ الكَسَلِ
تَركُ الأَواني بِلا تَخميرها وَكَذا ... طَفى السِراجِ بِنَفخِ الفَمِ عَنهُ جَلي
كَذا الوُضوءِ عَلى بَيتِ البُرازِ كَذا ... تَركُ الفروضِ مَعَ التَفريطِ في النَفلِ
وَمَس وَجهًكَ بِالاثوابِ دِعهُ وَمِن ... رَوى بِها مِسحَةٌ ضِعفُهُ بِالعِلَلِ
هذه أيضا ذكرها في آداب العالم والمتعلم شخص من الحنفية قوله والنوم عريان يعني تحت السماء أما التجرد من الثياب والتستر بالكساء والرداء ونحوه فهو سنة كما سيأتي قوله والأكل على الحدث الذي ذكره الأكبر وعن قوله أخرج قمامتكم الوسخ الحاصل من حنس البيت لأن تركها يورث النقر قوله وادع لها أي ادع لأبويك فترك الدعاء لها يورث الفقر والتواب لغة في التراب.
وروى عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ : كان له منديل ينشف بها لكنه طعن في هذه الرواية
وَإِن أكلتَ فَنِم بَعدَ الغِداءِ وَقُم ... بَعدَ العِشاءِ تَمشي ثُمَّ نَم وَكُل
وَقتُ الغِداءِ لِوَقتِ الفَجرِ أَولُهُ ... إِلى زَوالٍ بِهِ وَقتَ العِشاءِ يَلي
مازَادَ عَن نِصفٍ ما يَكفي الفَتى شَبعاً ... بِهِ الغِداءَ وَالعِشاءَ فَذَرهُ وَامتَثِل
لِنِصفِ لَيلٍ بِهِ وَقتَ السُحورِ فَكُل ... وَنَعَم تَمُر رَوُوا عَن سَيدِ الرُسُلِ
يستحب من جهة الطب النوم بعد الغداء والمشي بعد العشاء ولو مائة خطوة قالت العرب تعشى وتمشي وتغد واصله وتمدد ولكنه اقتصر على أحد الداليه كما اقتصر على أحد الطائية في قوله تعالى: (لَقَد ذَهَبَ إٍِلى أَهلِهِ يَتَمَطى) وَإِنما أصله يَتَمَطَط قال بعضهم إذا أراد النوم بعد الغداء اضطجع على جنبه الأيمن قليلا ثم اضطجع على
стр. 53
الأيسر فنام قال الرافعي يدخل وقت الغداء بطلوع الفجر ويمتد إلى الظهر ويليه وقت العشاء ويمتد إلى نصف الليل ويليه وقت السحور إلى الفجر الثاني فلو حلف لا يتغدى حنث بالأكل قبل الزوال ولم يحنث بما بعده ولو حلف لا يتعشى حنث بالأكل بعد الزوال ولو حلف لا يتسحر حنث بالأكل بعد نصف الليل ويستحب السحور على تمر لقوله ﷺ : (نعم السحور التمر) ولأن الصائم إذا أفطر على تمر وسحر به كان في ذلك مستعملا للحلاوة في أول أكله وآخره وفيه تفاؤل بحسن أعماله وقبول صيامه ثم الحنث بالغداء والعشاء بأكل زيادة عن نصف ما يكفيه عادة ذكره الرافعي في الإيمان.
وَقَبلَ نَومٍ تَخلا إنَّ فيه شِفاءُ ... حَبسُ الخَبيثينِ بِالادواءِ في شُغُلِ
يستحب من جهة الطب أن يعرض نفسه على الخلاء قبل النوم فإن في حبسها داء ويقال إن البول إذا حبس أفسد ما حوله قال افلاطون من عرض نفسه على الخلاء قبل النوم دامت له حسن صورته والداء بالدال المهملة يجمع على ادواء والدواء الذي يستعمل للأمراض يجمع على ادوية التي يكتب منها تجمع على دوا وهذه أبيات في آداب النوم.
أوكي السَقا وَخَمرُ كُلِ آَنِيةٍ ... وَغطِ بِئراً وَاطفي مورِثَ الشُعَلِ
وَاضمُم مَواشيكَ وَاغلُق بابَ دارَكُموا ... وَضُم صِبيانَكُم في الحرز وَاتَكِل
وَاغسِل يَديكَ تُطِع آَمالُهُ غَمراً ... وَغَسلُ فَمٍ أتَى وَالأَمرُ فيهِ جَلِى
وَإِن تَنُم جَنَباً أو حائِضٌ طُهُرَت ... سِنُ الوَضُوءِ تَوضَأ وَاسغِ في البَدلِ
يستحب قبل النوم ايكاء السقاء يعني القربة وإيكاؤها ربط فمها ويستحب تخمير الأواني التي فيها طعام وما في معناها والبئر يستحب تغطيتها ويستحب
стр. 54
اطفاء النار كالمصباح وغيره ويستحب ضم المواشي وهم الدواب جمع ماشية ويستحب غلق الباب وضم الصبيان لقوله ﷺ : (إذا كان جنح الليل فكفوا صبيانكم فإن الشياطين تنتشر واغلقوا الباب واذكروا اسم الله فإن الشيطان لا يفتح بابا مغلقا واوكوا قربكم واذكروا اسم الله وخمروا آنيتكم واذكروا اسم الله ولو أن تعرضوا عليها واطفئوا مصابيحكم) وجنح الليل بكسر الجيم وضمها ظلامه وقوله ﷺ أي تجعلوه عرضا ويستحب غسل الكفين والفم من أثر الطعام لقوله صلى الله عليهوسلم: (من نام وفي يديه غمر فأصابه شىء فلا يلومن إلا نفسه) .
وَعِندَ نَومٍ تَجَرُداً أوصي عَن عَرَضِ ... أَو الدُيونَ وَتُب لِلَهِ مِن زُلَلِ
وَنُم إِلى قِبلَةٍ بِالطُهرِ عَن حَدَثِ ... وَاختُم كَلاماً مَضى بِالذكرِ وَالعَمَلِ
عَلى اليَمينِ فَنُم بِسمِ الإِلَهِ وَقُلأَيضاً عَلَى مِلَةِ المُختارِ بِالذِكرِ وَالعَمَلِ
هذه آداب تتعلق بحالة النوم فيستحب عند النوم أشياء منها التعري عند النوم نقل الشيخ أبو عبد الله بن الحاج إن التجرد من الثياب سنة لأن النوم في الثياب يقطعها ويدنسها وقد نهى رسول الله ﷺ عن اضاعة المال، ومنها يستحب إذا كان له مال أن يوصي فيه لقوله ﷺ :
стр. 55
(ما حق امرء مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلة إلا ووصيته مكتوبة عند رأسه) ومنها يستحب أداء الديون لأنه ربما مات فتبقى ذمته مرهونة أي معوقة عن دخول الجنة حتى يوفي عنه ومنها يستحب أن ينام إلى القبلة على طهارة فإن كان جنبا استحب له أن يغتسل وإن لم يغتسل توضأ فإن فقد الماء تيمم ومنها يستحب تجديد التوبة من سائر الذنوب قبل النوم وللتوبة ثلاثة شرائط إن كانت عن ذنب بينه وبين الله الاقلاع والندم والعزم أن لا يعود فإن تعلقت بآدمي جب رابع وهو رد الظلامة حتى لا تصح التوبة من الغصب حتى يرد المغصوب
стр. 56
ولا من الغيبة حتى يعلم المستغاب بما قال عنه ليقتص او يعفو والدليل على اعتبار الأربعة قوله تعالى: (وَالَّذينَ إِذا فَعَلوا فاحِشَةً أَو ظَلَموا أَنفُسَهُم ذَكَروا اللَهَ فاستَغفَروا لِذنوبِهِم، ومَن يَغفِرُ الذُنوبَ إلا اللَهَ وَلَم يُصروا عَلى ما فَعلوا ... الآية) ففي قوله تعالى ذكروا الله دليل على اعتبار الندم لأن من ذكر الله تعالى ندم على فعله وفي قوله تعالى: (لَم يُصِروا عَلى ما فَعَلوا) دليل على بقية الشروط فَيُؤخَذ منه عدم الإصرار على العود وعدم الإصرار على أخذ مال الغير وذلك بأن لا يصر على عدم الرد ثم الشرط إن يعزم على أن لا يعود مع القدرة فإن عزم على أن لا يعود لعجزه كمن وجب ذكره بعدما زنى أو عجز عن السرقة لقطع يده فعزم على عدم العود لعدم قدرته لم تصح توبته ولو غصب مال شخص وابلغه توقفت التوبة على آدائه حتى يجب عليه الإست كساب ويؤدي نقلوا ذلك عن (أبي الفضل العراوي) من أصحابنا وهو ظاهر لكن ذكر في الروضة أنه من جنى على إنسان فوجب عليه القصاص لم تتوقف صحة توبته على تسليم نفسه ليقتص منه سواء رجى العفو أم لا بل تصح توبته من القتل في حال تغييبه وعلله بأن قال لأن القتل معصية محدودة وهذا بعينبه جار في مسالة الغصب لأن الغصب وإتلاف المال معصيتان محدودتان فصحت التوبة منهما كالقصاص، ولأن القصاص مسبب عن الجناية وكذلك لزوم المال والسبب لا يتوقف على المسبب بخلاف العكس فظهر ضعف ما قاله العراوي نقلا ومعنى قال السبكي في (التذكرة) التوبة تنقسم إلى ما يتعلق بحق الله تعالى على الخصوص وإلى ما يتعلق بحق الله وحق الآدميين أما ما يتعلق بحق الآدمي فينقسم إلى ما تصح التوبة عنه دون الخروج عن حق الآدمي وإلى ما لا تصح دونه أما ما تصح دونه فهو كل ما يتصور فيه حقيقة الندم مع
стр. 57
دوام وجوب حق الآدمي كالقتل الموجب للقصاص فيصح الندم عليه من غير تسليم القاتل نفسه ليستقاد منه فإذا ندم صحت توبته في حق الله تعالى ومنعه القصاص لمستحق معصية مجرد ولا تقدح في التوبة فلم تستدع في نفسها خروجا عنها وتوبة منها.
وأما ما يصح دونه فكالإغتصاب لا يصح عليه مع بقاء اليد عليه وكذلك ظلامات العباد ولا تصح التوبة منها إلا بعد ردها أو ضمان قيمة ما أتلفه منها إن أمكنه ذلك، فإن تعذر عليه لومه العزم على أدائه إن أمكنه ذلك وصحت توبته وذهب بعض العلماء إلى أن توبته تصح فيما بينه وبين الله تعالى وذلك بان يرد المغصوب إلى صاحبه كما لا يتضمن ترك الرد لمال زيد فإذا التوبة تر ما لعمرو وأما ما يتعلق بحق الله فترك الطاعات وشرب المسكرات وأما ما يتعلق بهما جميعا فكقذف المحصنات فهل تصح التوبة منه أما من لم يسلم نفسه للحد فيه خلاف فمن رأى أنه حق لله صحح التوبة ومن رأى أنه حق لآدمي فمن قاسه على القتل صح التوبة ومن قاسه على الغصب لم تصح التوبة منه.
كلامه رحمه الله تعالى وذكر أيضا في حد التوبة إنها ندم لأجل ما وجب له الندم قال وإنما قلنا ذلك لأن من ندم على مقارفة سيئة لاضرارها به في المال وسقوط المنزلة عند الناس فهو نادم غير تائب فلا بد من الندم على ما فاته من حقوق الله تعالى فبه تصح التوبة الشرعية.
وقال والتوبة في اللغة الرجوع من حال إلى حال يقال تاب وناب وأناب إذا رجع والتوبة من الله تعالى على العبد بأن يخلق التوبة في قلبه متفضلا عليه وأما بأن لا يخلق له القدرة على المعاصي بل يخلق له الكراهية لها والدواعي إلى الطاعة كما قال تعالى: (وَلَكِن اللَهَ حَبَبَ إِليكُمُ الإيمانَ وَزَينُهُ في قُلوبِكُم ... الآية) وإذا رجع العبد عن فعل المعصية بما خلق الله فيه من كراهتها واكتسب بالطاعة بخلق الله إياها وتزيينها في قلبه وأقداره عليها فقد تاب فهذه توبة العبد وقد قيل مثل ذلك قوله تعالى: (ثم تاب عليهم ليتوبوا ... ) أي كره إليهم الكفر والفسوق والعصيان لأجل أن يتوبوبا أن الله هو التواب الرحيم قال السبكي وللتوبة وقتان أحدهما ما لم يفر غرقا قال الله تعالى: (وَلَيستِ التَوبَةُ لِلَذينَ يَعمَلونَ السَيئاتِ ... الآية) الثاني ما لم تطلع الشمس من مغربها قال الله تعالى: (هَل يَنظُرونَ إِلا أن تَأتِيَهُمُ المَلائِكَةُ أَو يَأتِيَ رَبُك ... الآية) .
стр. 58
يحتمل أن يكون المراد بالخير في الآية المداومة على الإيمان بعدم التبديل على أن تكون أو بمعنى الواو، ويستحب أن ينام إلى القبلة متطهرا عن الحدث وأن يكون آخر كلامه ذكر الله تعالى وأن ينام على الجانب الأيمن وأن يقول بسم الله وعلى ملة رسول الله ﷺ كما يقال حين يوضع الميت في قبره رواه ابن السني في عمل اليوم والليلة عن النبي ﷺ .
وَالنَومُ مُستَلقِياً جاءَت اِباحَتُهُ ... وَلِلنِساءِ كُرهُهُ في مِثلِ ذي فَضلِ
نَومُ الوُجوهِ بِهِ بُغضُ الإِلَهِ فَدًَع ... نَومُ الشَياطينِ لا تَحرِص عَلى كَسَلِ
وَالنَومُ في الشَمسِ صَيفاً داؤهُ ذَكروا ... وَالنَومُ في قَمرٍ قُمَّ عَنهُ وَاعتَزِل
نَومُ اليَسارِ بِهِ هَضمُ الطَعامِ أتى ... عَنِ الأَطباءِ فَطُب وَالنَدبُ فَانتَحِلِ
يَصفَرُ اللَونُ قالوا وَالرؤوسُ إذا ... مِن بَعدُ خِفتُها تَنحَطُ في الثِقَلِ
وَمَن يَنُم بَعضُهُ في الشَمسِ نامَ عَلى ... نَهى الرَسولُ فَنُم في الظِلِ في ظِلَلِ
النوم على أربع حالات الحالة الأولى النوم على اليمين وهو سنة وقد سبق الثانية، النوم مستلقيا بأن يجعل ظهره للأرض ووجه إلى السماء وهو مباح للرجال لما روي أن عمر ﵁ رأى رسول الله ﷺ مستلقيا في المسجد واضعا احدى رجليه على الاخرى قال الحليمي في المنهاج وهو مكروه في حق النساء لأن عمر بن عبد العزيز ﵁ رأى ابنته كذلك فنهاها الثالث النوم على الوجوه وهو نوم الشياطين وإخوانهم من الأنس وهو مكروه لأن النبي ﷺ رأى رجلا نام على بطنه فحركه وقال: (هذه ضجعة يبغضها الله) ولأن الكفار يسحبون على وجوههم وكذلك يعذبون الرابعة النوم
стр. 59
على اليسار وهو مستحب عند الأطباء لأنه يسرع هضم الطعام وقد سبق أنه من جهة الطب وينبغي عندهم أن يضطجع على الجانب الأيمن قليلا بعد الأكل ثم ينقلب على الجانب الأيسر قوله والندب فانتحل أي اختر من هذه الأنواع الأربعة ما هو مندوب وهو النوم على الشق الأيمن ولا ينظر إلى نوم الأطباء ولا إلى نوم غيرهم قال ابن الجوزي في طبه النوم في الشمس زمن الصيف يحرك الداء الدفين والنوم في القمر يحيل الألوان ويقلب اللون إلى الصفرة ويثقل الرأس قال ويكره أن ينام بعضه في الشمس وبعضه في الظل لنهيه ﷺ عن ذلك.
نَومُ الغَداةِ لِلرزقِ مَنقَصَةٌ ... بَعدُ العَصير يَمُدُ العَقلَ بِالخَبَلِ
قال الحليمي يكره نوم الغادة وهو أول النهار لقوله ﷺ : (الصبحية تذهب الرزق) قال ويكره بعد العصر لقوله ﷺ : (من نام بعد العصر وأصابه لمم فلا يلومن إلا نفسه) واللمم الجنون وسمي لمماً لأنه يلم بالشخص ويعتريه والخبل الجنون.
وَلا تَنُم في سُطوحٍ لا حَضيرَ لَهُ ... وَلا تَنُم خالِياً في البَيتِ وَاكتَفِلِ
قال الحليمي يكره أن ينام على سطح غير محوط لقوله ﷺ : (من نام على ظهر بيت ليس عليه ما يستره فمات فلا ذمة له) ويكره أن ينام الرجل
стр. 60
وحده في بيت قال الحليمي نهى رسول الله ﷺ أن ينام الرجل وحده أو يسافر وحده وقال: (لو يعلم الناس ما في الوحدة لم يمش راكب بليل وحده أبداً) قوله واكتفل أي كن في كفالة غيرك عند النوم أي في حراسته.
وَقيلَ ظَهيرٌ فَنَم مَعنى الحَديثِ كَذا ... قيلوا فَإِنَّ أخا الشيطانِ لَم يَقُلِ
ولا تَنَم في لِحافٍ قَد حَوى رَجُلاً ... وَلا صَبياً وَبِن عَن ذاكَ وَاعتَزِلِ
عَندَ التَجَرُدِ حُضِ النَهيَ بَعضُهُموا ... وَبَعضُهُم قالَ بِالتَعميمِ فانتَقِلِ
قال الزمخشري قوله ﷺ : (قيلوا فإن الشياطين لا تقيل) إن القيلولة هي النومة قبل الظهر ويحرم نوم اثنين تحت لحاف واحد لنهيه ﷺ عن المجامعة وهي نوم رجلين تحت ثوب واحد ثم قال النووي في شرح مسلم هذا إذا كانا متجردين عن الثياب وأطلق الرافعي التحريم وكذا النووي في الروضة وينبغي التحريم في نوم الأمرد مع الرجل مطلقا لغلبة وقوع المفسدة.
وَفي المَضاجِعِ فَرقُ صَبِيَةٍ بَلَغوا ... حَدُ الجِماعِ وزوجاً ذايقِ العَسَلِ
في الحديث (مروهم بالصلاة لسبع واضربوهم على تركها لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع) فعلى كل من الأبوين أن يفرق بين أولاده في المضاجع عند
стр. 61
النوم فيجعل لكل صبي وصبية فراشا وحده إذا بلغا حد الشهوات في الجماع.
قوله زوج ذايق العسل هو كناية عن لذة الجماع كما جاء في الحديث (متى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك) كنى بالعسيلة عن النطفة ثم عن لذة الجماع فهي المجاز فينبغي للأب أن يزوج ولده إذا بلغ حد الشهوة لئلا يعتاد الفاحشة.
وَلا تَنَم قَبلَ فَرضٍ خِفتَ ضيعت ... فَإِن ذاك حَرامٌ واضِحُ الخَلَلِ
وَالنَومُ قَبلَ العَشاءِ جاءَت كَراهَتُهُ ... فَدَع مَنامُك وَارعَ الفَرضَ وَامتثِل
وَالنَومُ في مَسجِدٍ جاءَت اِباحَتُهُ ... وَالكُرهَ عَن مالِكٍ خُذهُ بِلا جَدَلِ
يحرم النوم قبل أداء الفريضة إذا خشي فوتها حتى لو علم أنه إذا نام قبل الوقت لا يستيقظ حتى يخرج الوقت حرم النوم لأنه يفوت الواجب وهذا كما قالوا يجب السعي إلى الجمعة قبل الوقت على من داره بعيدة ويجب تعلم الفاتحة قبل الوقت لمن لا يمكنه التعلم بعد الوقت ويكره بعد دخول وقت العشاء النوم قبلها وكره مالك النوم في المساجد وعندنا مباح لأن عليا ﵁ نام في المسجد فجاءه النبى ﷺ وكان غضبانا على أهله فقال له: (قم أبا تراب) ولم ينهه عن ذلك.
وَلَم تَنَم بَينَ أقوامٍ عَلى سَهرٍ ... وَكُن أدوباً تُرى في الناسِ يَحِلُ
وَإِن نَعستَ فَقُم خَلي المَكانِ وَدُم ... دَفَعَ النُعاسُ بِما يَأتي مِنَ الحِيَلِ
لا ينبغي النوم بحضرة أقوام مستيقظين لأنه قد يخرج منه ريح فيشوش على الحاضرين ولأن فيه قلة مرؤة فإن غلب النعاس على شخص فينبغي له التحول إلى مكان آخر وقد جاء الأمر بالتحول في حديث.
في يَقَظَةٍ جَرَدَت فَضلٌ لِصاحِبِها ... أو نَومَةٌ جاءَ خَلفَ قَد حَلوه جلى
стр. 62
ذكر أبو طالب المكي في (قوت القلوب) كلاما في اليقظة إذا كانت مجردة عن ذكر الله تعالى وسائر العبادات هل هي أفضل من النوم أم النوم أفضل منها فقيل هي أفضل لأن النوم نقص وقيل النوم أولى لأنه قد يرى فيه البارىء جل وعلا والأنبياء والصالحين وليس الكلام في نوم يتقوى به على طاعة الله تعالى أو يترك به معصية.
حَقيقَةَ النَومِ قَد مازوا بِأربَعَةٍ ... في روضَةٍ عَدَها خُذها بِلا جَدَلِ
فَقَد الشُعورَ وَرُؤيا النَومِ ثالِثُها ... فَقَدُ السَماعِ وَالإِستِرخاء فاحتَفِلِ
اختلفوا في النوم فقيل ريح تأتي الإنسان إذا شمها ذهبت حواسه كما تذهب الخمر بعقل شاربها وقيل النوم إنعكاسُ الحواس الظاهرة إلى الباطنة حتى يصح أن يرى الرؤيا وللنوم أربع علامات عدها في الروضة الأولى فقد الشعور حتى لو مسه إنسان أو وقع على جسده ماء لم يحس به ولم يشعر الثانية أن يرى في منامه رؤيا الثالثة استرخاء الأعضاء فلو كان قابضا بكفه على دراهم ثم نعس فاستيقظ فوجها قد سقطت من يده من غير شعور بها دل على نومه الرابعة أن يخفى عليه كلام الحاضرين فلا يدري ما قالوا.
وَكَثرَةُ النَومِ نَقصٌ في الحَياةِ فَنُم ... ثُلُثَ الحَياةِ وَقُم بِالثُلُثِ وَاشتَغِلِ
وَإِن نَعَستَ فَدَع ثِقَلَ الصَلاةِ وَنَم ... وَاعمَل بِطَوقَكِ في الأَحوالِ اِبتَهِل
قال الغزالي ينبغي لكل أحد أن لا ينام في اليوم والليلة أكثر من ثمان ساعات لأنه إذا عاش ستين سنة يكون قد نام فيها عشرين سنة وينبغي أن يصرف ثلث ليله في الطاعات والثلث الأوسط في الصلاة وهذا التقدير كله مأخوذ من إخباره ﷺ عن داود ﵇ أنه كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه وذلك ثلث العمر قوله وإن نعست فدع إذا عرض للإنسان نعاس وهو يصلي أو يتلو كتاب الله فينبغي له قطع ما هو فيه والاشتغال بالنوم وقد جاء ذلك معللا بقوله ﷺ : (فإن أحدكم لا يدري لعله يستغفر فيسب نفسه) .
стр. 63
وَانفَض فِراشَكَ بَعدَ العودِ ... فَفِعلُهُ قَد حَوى نَوعاً مِنَ الأصلِ
يستحب للإنسان إذا فارق فراشه وعاد إليه أن ينفضه قبل أن ينام فيه لقوله ﷺ : (إذا أوى أحدكم الى فراشه فلينفضه بداخلة إزاره لا يدري ما خلفه بعده) .
إذا مَضى ثُلُثٌ خَلي الفِراشَ وَقُم ... إِلى النَوافِلِ وَالتَسبيحِ وَالعَمَلِ
يستحب لِلإِنسانِ إذا كان له ورد من الليل لأن العبادة فيه اشق على النفس ولأن غالب الناس ينام في ذلك الوقت وذاكر الله بين الغافلين كشجرة خضراء بين أشجار يابسة وهذه آداب تتعلق بالدعاء.
وَاجلِس إِلى قِبلَةٍ بِالحَمدِ مُبتَدِئاً ... وَبِالصَلاةِ عَلى المُختارِ وَالرُسُلِ
وَامدُد يَديكَ وَسَل فَاللَهُ ذو كَرمٍ ... وَاطلُب كَثيراً وَقُل يا مُنَجِحَ الأَسَلِ
بِبَسطِ كَفٍ خُذ الأَقوالَ ثالِثُها ... عِندَ البَلاءِ بِظَهرِ الكَفِ فابتَهِلِ
بِرَفعِ كَفٍ أم الأَطرافُ قَد ذَكَروا ... قَولينِ أًقواهُما رَفعٌ فَلا تَحِلِ
إنَّ السَماءَ قِبلَةُ الداعينَ فادعُ لَها ... كَما دَعى سادَةً فاختَرهُ وَانتَحِلِ
هذه آداب الدعاء منها أن يكون متطهرا جالسا إلى القبلة وأن يصلي على النبي ﷺ والأنبياء والمرسلين ويختم دعاؤه بالصلاة عليهم فإن الله يقبل الصلاتين ومن كرمه أن يقبل ما بينهما من الدعاء ويستحب أن يمد يديه لأن الله تعالى ذم أقواماً يقبضون أيديهم فقال: (وَيَقبِضونَ أَيديَهُم نَسوا اللَهَ فَنَسِيَهُم) قيل لا يمدونها في الدعاء، وقال ﷺ : (اِدعوا الله بِبُطونِ أَكُفُكُم فإذا فَرغتم فامسَحوا بِها وُجوهَكُم) وإذا دعى الله استحب له أن يعظم الرغبة لقوله
стр. 64
صلى الله عليه وسلم: (إذا دعا أحدكم فليعظم الطلبة فإنه لا يعظم على الله شيء) واختلفوا في كيفية مد اليدين عند السؤال فقيل يدع الله ببطون كفيه وقيل بظهورهما وقيل إن كان في سؤاله دفع البلاء دعا بظهرهما وإن كان في طلب حاجة سأل ببطنهما واختلفة في استحباب رفع بصره إلى السماء هل هو أفضل من جعل وجهه إلى الارض كما يفعل المصلي أم لا؟ قولين الراجح الأول لأن السماء قبلة الداعين ولأن النبي ﷺ هكذا دعا يوم بدر قوله وانتحل أي اختر هذا المذهب قال الغزالي يستحب أن يقول قبل الدعاء سبحان ربي العلي الأعلى الوهاب ثلاثا ثم يدعو وروى سلمة بن الأكوع (أن النبي ﷺ كان يستفتح دعاءه بقوله سبحان ربي العلي الاعلى الوهاب ثلاثا) .
وَابدأ بِنَفسِكَ ثُمَّ الآلَ فادعُ لَهُم ... وَخُص صَحبَ رَسولِ اللهِ وَامتَثِلِ
سَبُ الروافض وَاذكُر فَضلَ سابِقِنا ... وَاطلُب لَهُم رَحمَةً تَسلَم مِن الدَغَلِ
وَاخصُص أباكَ وَبَر الأم وادعُ كَما ... قَد رَبياكَ صَغيراً بارِحَ العُلَلِ
يستحب للداعي إذا دعا أن يبدأ بنفسه لقوله تعالى: (فَاستَغفِر لِذَنبِكَ وَلِلمُؤمِنينَ وَالمُؤمِناتِ) ولقوله ﷺ : (أفضل الدعاء دعاء المرء لنفسه) ولقول الأعرابي في الصحيح اللهم اغفر لي ومحمد ولا تشرك معنا أحدا فبدأ بنفسه ويستحب الدعاء والترضي عن الصحابة ﵃ بالرحمة
стр. 65
والرضوان لقوله تعالى: (وَالَّذينَ جاءوا مِن بَعدِهِم يَقولونَ رَبَنا اِغفِر لَنا وَلإِخوانَنا الَّذينَ سَبَقونا بِالإِيمان) ويستحب الدعاء للأبوين ذكروا أنه يورث الفقر ويستحب برهما برهما بالصدقة عنهما فإن الله تعالى يجعل أجرها لأبويه ويكتب له مثل ذلك قال الشافعي ﵁ يستحب لمن تصدق بصدقة أن يجعلها عن أبويه فإن الله تعالى يكتب أجرها لأبويه ويكتب له مثل ذلك.
وَعَم كُلُ أخٍ وَالمُسلِمينَ تَجِب ... فاللَهُ ذو سَعَةٍ يُعطي بِلا مَلَلٍ
يستحب للإنسان بعدما يدعو لنفسه أن يدعو لجميع المسلمين لما روي أن النبي ﷺ والله في عون العبد مادام في عون أخيه ولما روي أن النبي ﷺ رأى رجلا يدعو لنفسه فقال له اعمم فإن العموم والخصوص كما بين السماء والأرض والبر بفتح الباء الموحدة من أسماء الله تعالى ومعناه الكثير العطاء مأخوذ من البر وهو العطاء الواسع وهو الذي يعطي بلا ملل أي لا يسأم من العطاء لأنه إنما يمتنع من العطاء من يخشى الفقر وذلك محال على البارئ جل وعلاه في الحديث (لا يمل الله حتى تملوا) .
وَلا تَكُن ذا اِعتِداءٍ في الدُعاءِ تَنَل ... بُغضَ الآلهِ وَراعي العَدلِ إذ تَسِلِ
المُعتدي في الدُعاءِ شَخصٌ يَصِح بِهِ ... وَطالَبَ مِنزِلاً كالمُرسَلينَ عَلى
أَو طالِبٍ فَوقَ حَقٍ في ظَلامَتِهِ ... الجَورُ ظُلمٌ فَلا تَطلُب سِوى المَثَلِ
стр. 66
قال الله تعالى: (اُدعوا رَبَكُم تَضَرُعاً وَخُفيَةً إِنّهُ لا يُحِبُ المُعتَدين..) فسر بعضهم الإعتداء برفع الصوت ويدل عليه قوله تعالى: (وَلا تَجهَر بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِت بِها وَابتغِ بَينَ ذلِكَ سَبيلا..) قيل نزلت في الدعاء وقال تعالى: (إِذ نادَى رَبُهُ نِداءً خَفِيا ... ) وفسر الاعتداء أيضاً بأَن يطلب في دعائه ما لا يتأتى الوصول إليه كمن يطلب منازلا كمنازل الأنبياء وفسر أيضا بالمظلوم إذا دعا على من ظلمه لا يجوز أن يطلب زيادة على قدر الظلامة فليس لمن شتم أو ضرب أو غصب منه مال أن يدعو على ظالمه بأخذ روحه أو بهلاك جميع أمواله بل طريقة أن يقول اللهم كافه أو قابلهم اللهم عليك به وهذا التفسير الأخير ذكره القرافي وهو موافق لظاهر قوله تعالى: (فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ... ) وفي مسند الإمام أحمد عن عبد الله بن مغفل أنه سمع إبنا له يقول اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتها عن يمين فقال يا بني إسئل الله وتعوذه من النار فإن سمعت رسول الله ﷺ يقول: (سيكون بعدي قوم من هذه الأمة يعتدون في الدعاء والطهور) .
وَما سَأَلتَ تَمَهَل في طُلابِكَ هو ... وَلا تَعجَل وَكُن في النَجحِ ذا مَهلِ
ينبغي للداعي أن لا يستبطىء الاجابة فيترك الدعاء لقوله ﷺ : (يستجاب لأحدكم ما لم يعجل يقول دعوت فلم يستجب لي) ويستحب له تكرير دعائه وهو معنى قوله:
كَرِر دُعاكَ لا تَترُكهُ مِن ضَجرِ ... قَد يفتَحُ القَرعُ باباً سُدَ بِالقُفلِ
قالت رابعة العدوية لصالح المزي وكان يقول كثيرا من آدمن قرع باب يوشك أن يفتح له فقالت رابعة إلى متى تقول من اغلق هذا حتى يستفتح فقال صالح شيخ جهل وامرأة علمت وقر اشرت إلى قول رابعة في هذا البيت.
هذا وَبابُ الذي تَدعوه مُنفَتِحُ ... عَلى الدَوامِ فَطِب يا واسِعَ الأمَلِ
стр. 67
الإِسمُ الأَعظَمُ قيلَ الله قَد نَسَبوا ... لِقُطبٍ جيلانُهُم فاطلُب بِهِ تَنَل
أو اِسمُهُ الحَيُ وَالقَيومُ سَلهُ تُجَب ... بِاللَهِ وَالحيُ وَامتَثِلِ
وَقيلَ أَخفاهُ رَبُ العَرشِ خالِقُنا ... بِكُلِ أسمائِهِ فاطلُب بِها وَسَل
اختلفوا في الاسم الأعظم على أقوال قال الشيخ عبد القادر الجيلان قطب وقته أنه الله قال وإنما يستجاب لمن أكل الحلال وطهر قلبه من الغش والاوناس وقيل إنه الحي القيوم لأنه قد كرر في آية الكرسي وفي سورة آل عمران وفي طه في قوله تعالى: (وَعَنَتِ الوُجوهُ لِلحيِ القَيوم) وقيل أخفاه الله تعالى في أسمائه كما أخفى ليلة القدر في رمضان حتى تجتهد الناس في العبادة وكما أخفى الرجل الصالح في الخلق حتى يظن الناس ببعضهم خيرا وكما أخفى ساعة الاجابة في يوم الجمعة حتى يكثر الطالب، وكما أخفى رضاه في الطاعة حتى لا يشغل بطاعة وإن قلت وكما اخفى سخطه في المعصية حتى لا يستهان بمعصية وينبغي للإنسان أن يقول في دعائه (اللهم إني أسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العليا فإنها تشمل الاسم الأعظم وغيره وروى الإمام أحمد أن النبي ﷺ سمع رجلا يدعو في دعائه اللهم إني أسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العليا فإنها تشمل الاسم الأعظم وغيره وروى الإمام أحمد أن النبي ﷺ سمع رجلا يدعو يقول في دعائه اللهم إني أسألك إنك أنت الله الذي لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد فقال ﷺ : (هذا سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا سئل به اعطي وإذا دعي به أجاب) وعن أنس بن مالك ﵁ قال: كان رجل على عهد رسول الله ﷺ يتجر من الشام إلى المدينة ومن المدينة إلى الشام ولا يصحب القوافل توكلا منه على الله تعالى قال فبينما هو آت من الشام يريد المدينة إذ عرض له لص على فرس فصاح بالتجر قف قال فوقف التاجر فقال انظرني حتى أتوضأ وأصلي وأدعو ربي عزوجل قال افعل ما بدا لك فتوضأ التاجر وصلى أربع ركعات ثم رفع يديه إلى السماء فكان من دعائه أن قال يا ودود يا ذا العرش المجيد يا سيد يا معيد يا فعال لما يريد أسألك بنور وجهك الذي ملأ أركان عرشك وأسألك بقدرتك التي قدرت بها على خلقك وبرحمتك التي وسعت كل شيء لا إله إلا أنت يا مغيث اغثني ثلاث مرات فلما فرغ من دعائه إذا بفارس على فرس اشهب عليه ثياب خضر وبيده حربة من نور فلما نظر اللص إلى الفارس ترك التاجر ومر نحو الفارس فلما
стр. 68
دنا منه شد الفارس على اللص فطعنه أرداه عن فرسه ثم جاء إلى التاجر فقال له قم فاقتله فقال له التاجر من أنت فما قتلت أحدا قط ولا تطيب نفسي بقتله قال فرجع الفارس إلى اللص فقتله ثم رجع إلى التاجر وقال له اعلم إني ملك من السماء الثالثة حين دعوت الأولى سمعنا لأبواب السماء قعقعة فقلنا أمر حدث ثم دعوت الثانية ففتحت أبواب السماء ولها شرر كشرر النار ثم دعوت الثالثة فهبط جبريل علينا من قبل السماء وهو ينادي من لهذا المكروب فدعوت ربي أن يوليني قتله واعلم يا عبد الله إنه من دعا بدعائك هذا في كل كربة وكل شدة وكل نازلة فرج الله عنه وأغاثه قال وجاء التاجر سالما غانما حتى دخل المدينة وجاء إلى النبي ﷺ فأخبره بالقصة وأخبره بالدعاء فقال له النبي ﷺ : (لقد لقنك الله أسماءه الحسنى التي إذا دعي بها أجاب وإذا سئل بها أعطى) وعن محمد بن خزيمة قال لما مات أحمد بن حنبل كنت بالاسكندرية فاغممت فرأيت في المنام أحمد بن حنبل وهو يتبختر فقلت يا أبا عبد الله أي مشية هذه قال مشية الخدام في دار السلام فقلت ما فعل الهك بك قال غفر لي وتوجني والبسني نعلين من ذهب وثقال يا أحمد هذا بقولك القرآن كلامي ثم قال يا أحمد أدعني بتلك الدعوات بلغتك عن سفيان الثوري وكنت تدعو بها في دار الدنيا فقلت يا رب كل شيء بقدرتك على كل شيء اغفر لي كل شيء ولا تسألني عن شيء فقال يا أحمد قد غفرت لك كل شيء ولا اسألك عن شيء هذه الجنة فادخلها فدخلتها.
كل الدعاء به قد نال فاعله ... إحدى ثلاث أتت عن سيد الرسل
في الحديث (ما من مسلم يدع الله تعالى إلا أعطاه إحدى ثلاث إما أن يعجل ما سأل أو يدخر له الثواب في الآخرة أو يدفع عنه من البلاء بقدره وإليه أشار بقوله:
وَدَعوةٌ عُجِلَت ما رامَ طالِبُها ... وَدَعوةٌ أُخرَت دُخرٍ إِلى أَجلِ
وَدَعوةٌ حُرِزَت دَفعُ البَلاءِ فَكُ، ... بِبِسطِ كَفٍ وَرا الأَزمانِ في شُغُلِ
стр. 69
في الحديث إن الله حي كريم يستحي إذا مد العبد إليه يديه أن يردها من غير أن يجعل منها ما سأل.
في رَأي جَمهورِهِم أَكلُ الحَلالِ أَتَى ... شَرطُ القُبولِ فَطِب في الشُربِ وَالأَكلِ
وَعِندَ بَعضٍ بِلا شَرطٍ ويُعضِدُهُ ... إجابَةُ اللَهِ سُرَ الخَلقُ في الأَزَلِ
لَما دُعِيَ رَبَهُ إِبليسُ أُنظُرهُ ... بِئسَ القَرينِ مِنهُ مِن عَلى وَجَلِ
ذهب الجمهور إلى أن شرط قبول الدعاء أكل الحلال لقوله ﷺ لسعد: (أطب كسبك تستجب دعوتك) وذكر النبي ﷺ الرجل يقول يا رب يا رب ومطعمه حرام وملبسه حرام وقد غذي بالحرام فأنى يستجاب له قال القشيري وقد قيل (الدعاء مخ العبادة) وسنامها لقم الحلال وذهب بعضهم على أن هذا لا يدل منع القبول وإنما يدل على استبعاد القبول قالوا ذلك أن الله تعالى أعطى إبليس مسألته حين قال (أنظرني إلى يوم يبعثون) وإذا استجيب لإبليس وهو شر الخلق فغيره أولى وما أحسن ما قال بعضهم في دعائه الهي إن كنت غير مستاهل لمعروفك فأنت أهل الفضل علي والكريم ليس يقع كرمه على مستحقه وقال بعضهم الهي كيف أخرج وقد عصيتك وكيف أحزن وقد عرفتك وكيف أدعوك وأنا عاصي وكيف لا أدعوك وأنت كريم.
دُعاءُ مُضَطَرُنا تَرجي إجابَتُهُ ... بِلا شُروطٍ كَذا المَظلومِ في الدُولِ
كَذا اليَتيمُ وَقَد قالوا وَدعَوتُهُ ... تَسري إلى اللَهِ في ليلٍ عَلى عَجلِ
دعاء المضطر ترجى إجابته ويسميى دعاء الحال أيضا وهو أن يكون صاحبه مضطرا لا بد له أن يدعو مما يدعو لأجله وذلك كمن أشرف على الغرق.
ومن إبتلا ببلاء ونحوه قال الله تعالى: (أَمَن يُجيبُ المُضَطَر إذا دَعاهُ وَيَكشِفُ السُوء) وكذا دعوة المظلوم مستجابة ينتصر بها ممن ظلمه وقد ورد أن دعوة المظلوم تحمل على الغمام ويقول الله تعالى: (لأََنصُرَنّكَ وَلو بَعدَ حين) قال
стр. 70
النبي ﷺ لمعاذ: (واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب) قال بعضهم في هذا الحديث إشارة إلى أن دعوة المظلوم تصعد إلى الله تعالى بنفسها وغيرها من الأعمال ترفعه الملائكة قال ق الله تعالى: (إَليهِ يَصعَدُ الكَلِمُ الطَيب ... ) يعني قول لا إله إلا الله ثم قال تعالى: (وَالعَملُ الصالِحُ يَرفَعُهُ) وحكى في مختصر الحلية عن بعضهم أن دعوة اليتيم مستجابة وأنها تسري إلى الله تعالى والناس نيام وللدعاء أوقات يستجاب فيها الدعاء يتكرر السنة وأوقات تتكرر كل يوم وليلة وأوقات مختصى بالأحوال فأما الأوقات التي تتكرر كل سنة فخمس ليال قال الشافعي ﵁ يستجاب الدعاء ليلة الجمعة وليلتي العيدين وليلة النصف من شعبان قالت عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: (إن الله ينزل ليلة النصف من شعبان فيعتق من النار عدد معزى أو قال عدد الشعر معزى كلب وتنزل أزراق السنة ويكتب الحاج ولا يترك أحدا إلا غفر له إلا قاطع رحم أو مشارك أو مشاحن ذكره الاسماعيلي في معجمه واول ليلة من رجب أو مشارك أو مشاحن ذكره الاسماعيلي في معجمه وأول ليلة من رجب والذي يتكرر كل يوم وليلة الدعاء بعد الآذان وكذا عند قيام الناس إلى الصلاة وإسواء الصفوف وبعد نصف الليل في كل ليلة وعند فطر الصائم قال ﷺ : (للصائم عند فطره دعوة مستجابة) والذي يختص ببعض الأحوال الدعاء عند التقاء صفوف الحرب وعند نزول المطر وقد جمعنا هذه الابيات.
بَعدَ الآذان وَنِصِفَ اللَيلِ فادعُ تَجب ... وَعِندَ غَيثٍ وَصفُ الحَربِ وَالعَملِ
المراد بالعمل الصلاة.
وَليلُ خَمسٌ مِنَ الأَيامِ فادعُ بِهِ ... تَرى القُبولَ وَعَنهُ قَط لا تَحِل
خُذ نِصفَ شَعبانَ وَالعيدَينِ رابعُها ... يَومَ العُروبَةِ لا تَترُك مِنَ المَلَلِ
وَلَيلُ أولٌ يَومَ هَل مِن رَجَبِ ... وَفيهِ نَصٌ أَتَى لِلشافعي جَليُ
يوم العروبة يوم الجمعة كانت العرب تسمية بذلك لأنهم كانوا يجتمعون فيه
стр. 71
وفي يوم الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مسلم قائم يصلي يسأل الله تعالى شيء ألا أعطاه كما جاء في الحديث واختلفوا فيها على أقوال قيل أخفاها الله في اليوم وقيل أول النهار وقيل بل آخر النهار لأن الله تعالى خلق آدم بعد العصر ولأن اليمين يغلظ بعد عصر الجمعة قال اِبن الحاج في المدخل وهذا قول الأكثرين قال وكانت فاطمة ﵂ ترويه عن أبيها محمد ﷺ قال النووين ﵁ والصواب ما ثبت في صحيح مسلم عن أبي موسى الأشعري رضي الله نه أن النبي ﷺ قال هي ما بين أن يجلس الإمام على المنبر إلى أن يسلم من الصلاة قال شيخنا الإمام جمال الدين ﵀ قال القاضي عياض ساعة الإجابة ساعة مختطفة أي لحظة يسيرة منحصرة فيما بين أن يجلس الإمام على المنبر إلى سلامه من الصلاة وكلام النووي يقتضي أنها تمتد من حين الجلوس إلى السلام وليس كذلك قال النووي في الروضة صرت عادة الخطباء الجهال الوقوف على المنبر والدعاء قبل الجلوس ظنا منهم أن ساعة الإجابة دخلت وهو خطأ فإنها تدخل بالجلوس.
وَقتَ الإِجابَةِ في صُبحِ العُروبَةِ أو ... وَقتَ الغُروبِ وَذا عَن أكَثرِ نَقلٍ
قالَ النَواوي وَالتَصويبَ قَد حَصِرَت ... مِنَ الجُلوسِ إلى التَسليمِ فابتَهِل
وَعَن عِياضٍ فَقُل في لَحظَةٍ خَطِفَت ... تَقليلُها قَد أَتَى عَن سَيدِ الرُسُلِ
فِطرُ الصِيامِ كِلاهو دَعوَةٌ سَمِعَت ... فاطلُب بِها جَنَةَ الفِردوسِ لا تَحِلٍِ
في الحديث (للصائم عند فطره دعوة مستجابة) وقد تقدم شرح هذه الأبيات:
стр. 72
وَقالَ قَومٌ وَهَت في العِلمِ رُتبَتُهُم ... تَركُ الدُعاءِ لَهُ التَرجيحُ في العَمَلِ
قالوا وَفي تَركِهِ التَسليمُ ثُمَّ لَهُ ... فَضلُ الرِضى بِالقُضى بِالتَركِ لا تَقُل
وَفي الَّذي ذَكروا حِرمانَ تابِعِهِم ... وَما رَشادُ الوَرَى في رَأي مُعتَزِلِ
الدعاء مطلوب وهو سلاح المؤمن قال الله تعال: (فَما اسِتَكانوا لِرَبِهِم وَما يَتَضَرَعون..) وقال تعالى: (أَمَن يُجيبُ المُضَطَرَ إذا دَعاهُ..) وقال تعالى: (إِنّهُم كانوا يُسارِعونَ في الخَيرات وَيَدعونَنا رَغباً وَرَهباً..) وقال تعالى: (وَإِذا سَأَلَكَ عِبادي عَني فإِني قريب أُجيبُ دَعوَةِ الدَاعي إِذا دَعان) وقال ﷺ (الدعاء مخ العبادة) فالأتيان به عبادة أولى من تركها وفي الدعاء اظهار الفاقة وذل العبودية وقد قال أبو جازم الأعرج لأن احرم الدعاء أشد علي من أن احرم الإجابة وفي الحديث من لم يدع الله غضب عليه وانشدوا في هذا المعنى:
اللَهُ يَغضَبُ أَن تَركتَ سُؤالَهُ ... وَبَني آدَمَ حينَ يُسئَلُ يَغضَبِ
وقوم قالوا السكون والخمود تحت جريان الحكم إثم والرضى بما سبق من اختيار الحق أولى قال الواسطي اختيار ما جرى لك في الأزل أولى وخير من معارضة الوقت وقد قال ﷺ خبرا عن الله : (مَن شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين) وقال قوم يختلف الدعاء بحسب الأوقات والأحوال والمشهور الأول وقال قوم يدعو في الضراء ولا يدعو في السراء وقال قوم لا يدعو أصلا.
أرغَبُ إِلى الله وَاطلُب فَضلَ رَحمَتِهِ ... لِمَن أَساءَ وَمَن راعاكَ بِالنَحلِ
يستحب الدعاء لكل أحد والدعاء مستحب للإنسان لنفسه ولإِخوانه والدعاء لمن أساء إليك أولى لأن فيه مقابلة بالحسنة السيئة وهذه أدعية جمعتها من كتاب النسائي كان النبي ﷺ يتعوذ بها متفرقة فجمعتها رجاء النف بها. بسم الله الرحمن الرحيم (اللهم إني أعوذ بِكَ أَن أَزلَ أو اُزَل أو أضِل أَو أُضَل أو أَظلَمَ أو
стр. 73
أُظلِم أو أَجهَل أو يُجهَل عَلي أو أكسب خطيئة أو ذنب لا تغفره) (اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع ومن قلب لا يخشع ومن نفس لا تشبع ومن دعاء لا يسمح) (اللهم إن أعوذ بك من الهم والحزن والعجز والكسل والجبن والبخل وضلع الدين وغلبة الرجال وأعوذ بك من المغرم والمأثم ومن الجبن والهرم وأن أرد إِلى أرذل العمر وأعوذ بك من سوء الكبر وعذاب جهنم وعذاب القبر وضيقة الصدر وفتنة الغير وفتنة الدنيا وفتنى المحيا والممات وفتنى المسيح الدجال) (اللهم إني أعوذ بك من غلبة العدو وأعوذ بك من البرص والجذام وسيء الاسقام ومن عين الجان وعين الأنس) (اللهم إني أعوذ بك من التردي والهم والفرق والحرق وأعوذ بك من أن يتخبطني الشيطان عند الموت وأعوذ بك أن اقتل في سبيلك مدبرا وأعوذ برضاك من سخطك وبعفوك من عقابك وأعوذ بك من ضيق المقام يوم القيامة وأعوذ بك منك) (اللهم اغفر لي واهدني وارزقني وعافني) (اللهم آت نفسي تقواها وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها اللهم إني أعوذ بك من شر سمعي وشر بصري وشر لساني وشر قلبي وشر منيتي) (اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبؤ لك بنعمتك علي وأبؤ بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلى أنت) ، (اللهم اغسل خطاياي بالماء والثلج والبرد ونق
стр. 74
خطاياي بالماء والثلج والبرد كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس قوله وأنا على عهدك أي الذي اخترته علي في صلب آدم وهو (الست بربكم قالوا بلى) قوله وأعوذ بك من شر ما استعاذ من شر المني لأنه إذا حبس مع الانسان هيج عنده شهوة الجماع وربما أدى ذلك إلى الزنا واستعاذ ﷺ من ذلك وإن كان معصوما من الزنا وغيره ليشرح لأمته ويعلمهم الدعاء والبخل بفتح الخاء وتسكينها والرواية بالغة للتناسب قوله أبؤ بذنبي أي أعترف به وأبؤ بنعمتك اعترف بها فانعم علي بالعفو والمغفرة قوله وأعوذ بك معناه أعوذ بك من شر ما قضيت وقيل إشارة إلى التوحيد وذلك أنه ﷺ استعاذ أولا بالضد عن الضد واستعاذ بالرضى من السخط وبالمعافاة من العقوبة ولما كان البارىء تعالى لا ضد له فلم يصح أن يقول أعوذ بك من غيرك لانتفاء الضد والشريك فرجع فقال أعوذ بك منك فائدة هذه الأدعية الواردة عنه ﷺ وعن الصالحين إنما دونها العلماء ليعلمها العبد في الدعاء ولا يخترع دعاء من قبل نفسه مع إمكان الدعاء بها لأنها دعوات قد شهد لها بالقبول للداعي وما شهد لها بالقبول يبعده رده ويرجى إجابته ولهذا المعنى قالوا يكره للحاج أن يلتقط الأحجار التي يرمي بها من الرمي لأنه يقال إنما تقبل منها رفع وما لم يتقبل ترك من الرمي فهو مشهود له بالرد وعدم القبول فلا ينبغي الرمي به وقوله تعالى: (وَذا النونِ إِذ ذَهَبَ مُغاضِباً فظن أن لن نقدر عليه.. الآية) إلى قوله المؤمنين إشارة إلى أن المؤمن إذا سأل الله تعالى بهذا الدعاء عند الكرب نجاه الله تعالى كما نجا يونس حين قال ذلك وقد قال ﷺ لأصحابه: (قولوا لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين) (قولوا رَبُنا ظَلمنا أنفُسنا.. الآية) قولوا رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي وأشار ﷺ إلى أن الأولى دعوة يونس وإلى أن الثانية دعوة آدم ﵇ وإلى أن الثالثة دعوة موسى ﷺ وعليهم أجمعين.
وَبعدَ صَلى عَلى المُختارِ نَحوَ صَلى ... وَصَلِ صَلاتَكَ بِالتَسليمِ في الأَصلِ
يستحب للداعي إذا أفرغ من دُعائِهِ أَن يُصَلي عَلى النَبي ﷺ ويفتح دعاءه فإن
стр. 75
الله يقبل الصلاتين ومن كرمه أن لا يرد ما بينهما ويستحب أن يسلم على النبي ﷺ مع الصلاة عليه.
مِنَ البَسيطِ أتَى هَذا القَصيدَ فَخُذ ... وَاقصُد لِتُنَظِمَ أتَى مِن شَعرٍ مُرتَجِلِ
لإِبنِ العِمادِ قُريضُ الشِعرِ مِن حَكَمِ ... تَنفي مِنَ الجَهلِ عَن طاقٍ وَمُنتَعِلِ
أَو دَعِيةَ حُكماً أضحَى بِها حُكماً ... فاختَرهُ مُنتَحِلاً تُكسى مِنَ الحُلَلِ
وَبَعدَ قولي لِرَبي كُلَ مَحمَدَةً ... صَلى الإِلَهُ عَلى المُختارِ في الطِفلِ
وَالمُصطفينَ وَكُلَ الرُسُلِ بَلِغهُم ... رَبي السَلامُ سَلاماً زاكِيَ العَملِ
والحمد لله أولا وآخراً وباطنا وظاهرا ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم.
والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق وكان الفراغ من كتابة هذه النسخة المباركة يوم الاثنين المبارك الموافق لعشر خلت من شهر جمادى الأولى سنة ألف ومائتي وتسعة وسبعين بعد الهجرة على يد افقر عبد لله تعالى محمد زغلول بن علي زغلول الأبياني غفر الله له ولوالديه ولإخوانه ولجميع المسلمين أجمعين أجمعين، آمين.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.