Полный текст (421 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
الصَّيدَ في عِرِّيسةِ الأسد، لأن الصيدَ مفعول وفي عِرِّيسةِ جارٌّ مع المجرور، فإذا ثبت هذا ظهر منهُ أنه لا بدَّ لك في هذا الضرب من الشَّبَه من جملة صريحة أو حكم الجملة، فالجملة الصريحة قولك: أخذَ القوسَ باريها وحكم الجملة أن تقول: هذا منك كالرَّقم في الماء، وكالقابض على الماء، فتأتي باسم الفاعل، وذَاك أنّ المصدر واسمَ الفاعل ليسَا بجُملتين صريحاً ولكن حكم الجملة قائم فيهما، وهو أنك أعملتهما عَمَل الفعل، ألا ترى أنك عدَّيتهما على حسب ما تعدَّى الفعل؟ وخصائص هذا النوع من التمثيل أكثر من أن تضبط، وقد وقفتك على الطريقة
فهذا أحد الوجوه التي يكون الشَّبه العقلي بها حاصلاً لك من جملة من الكلام، وأظنّه من أقوى الأسباب والعِلَل فيه، وعلى الجملة، فينبغي أن تعلم أن المثَل الحقيقي، والتشبيه الذي هو الأوْلَى بأن يسمَّى تمثيلاً لبُعده عن التشبيه الظاهر الصريح، ما تجدُه لا يحصل لك إلا من جملة من الكلام أو جملتين أو أكثر، حتى إنّ التشبيه كلما كان أوغل في كونه عقليّاً محضاً، كانت الحاجة إلى الجملة أكثر،
стр. 107
ألا ترَى إلى نحو قوله : " إنَّمَا مَثَلُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بهِ نَبَاتُ الأرْضِ مِمَِّا يَأْكُلُ النَّاسُ والأنْعَامُ حَتَّى إذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنُّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أتَاهَا أمْرُنَا لَيْلاً أوْ نهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْس " " يونس: ٤٢ "، كيف كثُرت الجُمل فيه؟ حتى إنك تَرَى في هذه الآية عَشْرَ جمل إذا فُصِّلت، وهي وإن كان قد دخل بعضُها في بَعْض حتى كأنها جملةٌ واحدة، فإن ذلك لا يمنعُ من أن تكون صُور الجمل معنا حاصلةً تشير إليها واحدةً واحدةً، ثم إنّ الشَبَه مُنْتَزع من مجموعها، من غير أن يمكن فَصْلُ بعضها عن بعض، وإفرادُ شطر من شطر، حتى إنك لو حذفت منها جملةٌ واحدةٌ من أيّ موضع كان، أخلَّ ذلك بالمغزى من التشبيه، ولا ينبغي أن تعدَّ الجُمل في هذا النحو بعَدِّ التشبيهات التي يُضَمّ بعضها إلى بعض، والأغْراض الكثيرة التي كل واحدٍ منها منفردٌ بنفسه، بل بعدّ جُمَلٍ تُْنسَق ثانيةٌ منها على أوَّلةٍ، وثالثةٌ على ثانية، وهكذا، فإنّ ما كان من هذا الجنس لم تترتّب فيه الجمل ترتيباً مخصوصاً حتى يجب أن تكون هذه سابقةً وتلك تالية والثالثة بعدهما، ألا ترى أنك إذا قلت: زيد كالأسد بأساً، والبحر جُوداً، والسيفِ مضاءً، والبدرِ بَهَاءً، لم يجب عليك أن تحفظ في هذه التشبيهات نِظاماً مخصوصاً؟ بل لو بدأتَ بالبدر وتشبيهه به في الحسن، وأخّرتَ تشبيهه بالأسد في الشجاعة، كان المعنى بحاله، وقولُهُ:
النَّشْرُ مِسْكٌ والوجوهُ دنا ... نيرُ وأطْرَافُ الأكُفِّ عَنَمْ
стр. 108
إنما يجبُ حُفْظُ هذا الترتيب فيها لأجل الشِّعر، فأمّا أن تكون هذه الجمل متداخلةً كتداخل الجمل في الآية، وواجباً فيها أن يكون لها نَسقٌ مخصوص كالنسق في الأشياء إذا رُتِّبت ترتيباً مخصوصاً كان لمجموعها صُورةٌ خاصّةٌ مقرَّرة فلا. وقد يجيءُ الشيء من هذا القَبِيل يُتوهَّم فيه أن إحدى الجملتين أو الجمل تنفرد وتُستعمَل بنفسها تشبيهاً وتمثيلاً، ثم لا يكون كذلك عند حُسن التأمل، مثال ذلك قوله:
كما أَبْرقَتْ قوماً عِطَاشَاً غمامةٌ ... فلما رَجَوها أقْشَعَتْ وتَجَلَّتِ
هذا مَثَلٌ في أن يظهر للمضطرِّ إلى الشيء، الشديدِ الحاجةِ إليه، أمارةُ وجوده، ثم يفوته ويبقى لذلك بحسرة وزيادة تَرَح، وقد يمكن أن يقال: إن قولك: أبرقت قوماً عطاشاً غمامة، تشبيهٌ
стр. 109
مستقلٌّ بنفسه، لا حاجة به إلى ما بعده من تمام البيت في إفادة المقصود الذي هو ظهور أمرٍ مُطمع لمن هو شديد الحاجة، إلاّ أنه وإن كان كذلك، فإن حقَّنا أن ننظر في مغزى المتكلم في تشبيهه، ونحن نعلم أن المغزى أن يصلَ ابتداءً مُطمعاً بانتهاءٍ مُؤْيس، وذلك يقتضي وُقوفَ الجملة الأَوَّلة على ما بعدها من تمام البيت، ووِزانُ هذا أن الشرط والجزاء جملتان، ولكنا نقول: إنّ حكمَهما حكمُ جملة واحدة، من حيث دخل في الكلام معنًى يربط إحداهما بالأخرى، حتى صارت الجملة لذلك بمنزلة الاسم المفردِ في امتناع أن تحصل به الفائدة، فلو قلت: إن تأتني وسكتَّ، لم تفدْ كما لا تفيد إذا قلت: زيد وسكتَّ، فلم تذكر اسماً آخر ولا فعلاً، ولا كان منويّاً في النفس معلوماً من دليل الحال، ثم إن الأمرَ، وإن كان كذلك، فقد يجوز أن تُخرج الكلام عن الجزاء فتقول: تأتيني، فتعود الجملة على الإفادة، لإغنائك لها عن أن ترتبط بأخرى، وإزالتك المعنى الذي أوجب فَقْرَها إلى صاحبة لها، إلا أن الغرض الأوّل يبطُل والمعنى يتبدَّل، فكذلك الاقتصار على الجملة التي هي: أبرقت قوماً عطاشاً غمامةٌ، يخرج عن غَرَض الشاعر، فإن قلتَ: فهذا يَلْزَمُك في قولك: هو يصفو ويكدر، وذلك أن الاقتصار على أحد الأمرين يُبطل غرضَ القائل، وقَصْدَهُ أن يصف الرجل بأنه يجمع الصفتين، وأن الصفاء لا يدوم، فالجواب أن بين الموضعين فرقاً، وإن كان يغمُضُ قليلاً، وهو أن
стр. 110
الغرض في البيت أن يُثبت ابتداءً مطمعاً مُؤْنِساً أدَّى إلى انتهاء مؤيسٍ مُوحش، وكونُ الشيء ابتداءً لآخرَ هو له انتهاءٌ، معنًى زائد على الجمع بين الأمرين، والوصفِ بأن كلَّ واحدٍ منها يوجد في المقصود، وليس لك في قولك يصفو ويكدر، أكثرُ من الجمع بين الوصفين، ونظيرُ هذا أن تقول هو كالصُّفو بعد الكدر، في حصول معنًى يجِبُ معه رَبْطُ أحد الوصفين بالآخر في الذكر ويتعيَّن به الغَرض، حتى لو قلت: يكدُر ثم يصفو، فجئت بثُمَّ التي توجب الثاني مرتَّباً على الأوَّل، وأنّ أحدهما مبتدأ والآخر بعده، صرتَ بالجملة إلى حد ما نحن عليه من الارتباط، ووجوبِ أن يتعلَّق الحكم بمجموعهما، ويُوجَد الشَبه إن شَبَّهتَ ما بينهما، على التشابك والتداخلُ، دون التباين والتزايُل، ومن الواضح في كون الشَّبه معلَّقاً بمجموع الجملتين، حتى لا يقع في الوَهْم تَمَيُّز إحداهما على الأخرى قولهُ: بلغني أنك تُقدّم رِجلاً وتؤخّر أخرى، فإذا أتاك كتابي هذا فاعتمدْ على أيّهما شئت والسَّلام، وذلك أن المقصود من هذا الكلام: التردُّدُ بين الأمرين، وترجيحُ الرأي فيهما، ولا يُتصوّر التردُّد والترجيح في الشىء الواحد، فلو جَهَدت وَهْمَك أن تتصور لقولك: تقدّم رجلاً معنى وفائدةً ما لم تقل: وتؤخّر أخرى، أو تَنْوِهِ في قلبك، كلَّفت نفسَك شطَطَاً،
стр. 111
وذكر أبو أحمد العسكري أن هذا النحوَ من الكلام يُسمّى: المماثلة، وهذه التسمية تُوهم أنه شيءٌ غيرُ المراد بالمَثل والتمثيل وليس الأمر كذلك، كيف وأنت تقول مَثَلُك مَثَلُ مَن يقدم رجلاً ويؤخِّر أخرى؟ ووِزَانُ هذا أنك تقول زيدٌ الأسدُ، فيكون تشبيهاً على الحقيقة وإن كنت لم تُصرّح بحرف التشبيه ومثله أنك تقول أنت ترقم في الماء، وتضرب في حديد بارد، وتنفخ في غير فَحَم، فلا تذكر ما يدلُّ صريحاً على أنك تشبّه، ولكنك تعلم أن المعنى على قولك أنت كمن يرقم في الماء، وكمن يَضْربُ في حديدٍ بارد، وكمن ينفخ في غير فَحَم، وما أشبه ذلك مما تجيء فيه بمشَّبهٍ به ظاهرٍ تقع هذه الأفعال في صلة اسمه أو صفته
واعلم أن المَثَل قد يُضرَبُ بجُمَلٍ لا بدَّ فيها من أن يتقدّمها مذكورٌ يكون مشبَّهاً به، ولا يمكن حذفُ المشبَّه به والاقتصار على ذكر المشبَّه، ونقلُ الكلام إليه حتى كأنه صاحبُ الجملة، إلا أنه مشبَّهٌ بمن صفته وحكمه مضمون تلك الجملة بيان هذا أن قول النبي ﷺ : النَّاسُ كإبلٍ مِئة لا تكادُ تجدُ فيها راحلةً، لا بدّ فيه من المحافظة على ذكر المشبَّه به الذي هو الإبل، فلو قلت: الناس لا تجد فيهم راحلة أو لا تجد في الناس راحلة، كان ظاهرَ التعسُّف، وها هنا ما هو أشدُّ اقتضاءً للمحافظة على ذكر ما تُعَلَّق الجملة به وتُسنَد
стр. 112
إليه، وذلك مثلُ قوله : " إنَّمَا مَثَلُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا كََمَاءٍ أنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ " " يونس: ٤٢ "، لو أردت أن تحذف الماء الذي هو المشبَّه به، وتنقل الكلام إلى المشبَّه الذي هو الحياة، أردتَ ما لا تحْصُل منه على كلام يُعقَل، لأن الأفعال المذكورة المحدَّثَ بها عن الماء، لا يصحّ إجراؤها على الحياة فاحفظ هذا الأصل فإنك تحتاج إليه، وخصوصاً في الاستعارة، على ما يجيء القول فيه إن شاء الله تعالى، والجملة إذا جاءت بعد المشبَّهِ به، لم تخلُ من ثلاثة أوجه أحدها أن يكون المشبَّه به معبَّراً عنه بلفظ موصولٍ، وتكون الجملة صِلة، كقولك أنت الذي من شأنه كَيْتَ وكيت، كقوله تعالى: " مَثَلَهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَّمَا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ " " البقرة: ٧١ "، والثاني أن يكون المشبَّه به نكرةً تقع الجملة صفةً له، كقولنا أنت كرجل من أمره كذا وكذا، وقول النبي ﷺ : " النَّاسُ كإبِلٍ مِئةٍ لا تجد فيها رَاحلة "، وأشباه ذلك، والثالثُ أن تجيء مبتدأةً، وذلك إذا كان المشبَّه به معرفةً، ولم يكن هناك الذي، كقوله تعالى: " كَمَثَلِ العَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتَاً " " العنكبوت: ١٤ ".
стр. 113
فصل في مواقع التمثيل وتأثيره
واعلم أنّ مما اتفق العقلاءُ عليه، أن التمثيل إذا جاءَ في أعقاب المعاني، أو بَرَزَتْ هي باختصار في مَعرِضه، ونُقِلت عن صُوَرها الأصلية إلى صورته، كساها أُبَّهةً، وكَسَبها مَنْقَبةً، ورفع من أقدارها، وشَبَّ من نارها، وضاعف قُواها في تحريك النُّفوس لها، ودعا القُلوب إليها، واستثار لها من أقاصي الأفئدة صبابةً وكلَفاً، وقَسَر الطِّباع على أن تُعطيها محبّة وشَغَفاً، فإن كان مدحاً، كان أبْهَى وأفخم، وأنبلَ في النفوسَ وأعظم، وأهزَّ للعِطْف، وأسْرع للإلف، وأجلب للفَرح، وأغلب على المُمْتَدَح، وأوجب شفاعة للمادح، وأقضى له بغُرِّ المواهب المنائح، وأسْيَر على الألسن وأذكرَ، وأولى بأن تَعْلَقه القلوب وأجدر، وإن كان ذمّاً، كان مسُّهُ أوجعَ، ومِيسَمُه ألذع، ووقعُه أشده، وَحدُّه أحَدّ، وإن كان حِجاباً، كان بُرهانه أنور، وسلطانه أقهر، وبَيَانه أبْهر، وإن كان افتخاراً، كان شَأْوُه أمدّ، وشَرَفه أجَدّ، ولسانه أَلَدّ، وإن كان اعتذاراً، كان إلى القَبُول أقرب، وللقلوب أخْلَب، وللسَّخائم أسلّ، ولغَرْب الغَضَبْ أفلَّ، وفي عُقَد العُقود أَنْفَث، وعلى حُسن الرجوع أَبْعث،
стр. 114
وإن كان وعظاً، كان أشْفَى للصدر، وأدعى إلى الفكر، وأبلغ في التنبيه والزَّجر، وأجدر بأن يُجلِّيَ الغَيَاية، ويُبصِّر الغاية، ويُبرئ العليل، ويَشْفِي الغليل، وهكذا الحُكْم إذا استقريتَ فنُونَ القول وضروبَهُ، وتتبّعت أبوابَهُ وشُعوبه، وإن أردت أن تعرف ذلك وإن كان تِقِلّ الحاجة فيه إلى التعريف، ويُستغنَى في الوقوف عليه عن التوقيف فانظر إلى نحو قول البحتري:
دانِ على أيدي العُفاةِ وشَاسِعٌ ... عن كل نِدٍّ في النَّدَى وَضَرِيبِ
كالبدرِ أفرط في العلوِّ وضَوْءُه ... لِلْعُصْبة السَّارينَ جِدُّ قَريبِ
وفكِّر في حالك وحالِ المعنى معك، وأنت في البيت الأول لم تَنْتَهِ إلى الثاني ولم تتدبّر نُصرته إيّاه، وتمثيله له فيما يُملي على الإنسان عيناه، ويؤَدِّي إليه ناظراه، ثم قِسْهُما على الحال وقد وقفتَ عليه، وتأمّلتَ طَرَفَيْه، فإنك تعلم بُعْد ما بين حالتيك، وشدَّة تَفَاوتهما في تمكُّن المعنى لديك، وتحبُّبِه إليك، ونُبْلِه في نفسك، وتوفيرِه لأُنْسِك، وتحكُم لي بالصدق فيما قلت، والحقِّ فيما ادَّعيتُ وكذلك فتعهَّدِ الفرقَ بين أن تقول: فلان يكُدُّ نفسه في قراءَة الكتب ولا يفهم منها شيئاً وتسكت، وبين أن تتلوا الآية، وتُنشد نحو قول الشاعر:
زَوَامِلُ للأَشْعارِ لاَ عِلْمَ عندهُمْ ... بِجَيِّدها إلاّ كَعِلْمِ الأَبَاعِرِ
لَعَمْرُك مَا يَدْرى البَعِيرُ إذا غَدَا ... بأَوْسَاقه أو راحَ مَا فِي الغَرائِر
والفصل بين أن تقول أرى قوماً لهم بَهاء ومنظر، وليس هناك مَخْبَرٌ، بل في الأخلاق دِقّة، وفي الكرم ضَعْفٌ وقلّة وتقطع الكلام، وبين أن تُتبعه نحوَ قول الحكيم أما البيتُ فحسنٌ، وأما السَّاكن فرديء، وقولَ ابن لَنكك:
في شجَر السَرْوِ منهمُ مَثَلٌ ... لَهُ رَواءٌ ومَا لَهُ ثَمَرُ
وقول ابن الرُّومي:
فغَدا كالخِلاف يُورِقُ للعَي ... ن ويَأْبَى الإثمارَ كُلَّ الإباءِ
стр. 115
وقول الآخر:
فَإنْ طُرَّةٌ رَاقَتْكَ فانظُرْ فرُبَّمَا ... أمَرَّ مَذاقُ العُودِ والعُودُ أَخْضَرُ
وانظر إلى المعنى في الحالة الثانية كيف يُورق شجَرهُ ويُثمر، ويفترُّ ثغرُه ويبسِم، وكيف تَشْتار الأرْيَ من مذاقته، كما ترى الحسن في شارته، وأنشِدْ قولَ ابن لنكك:
إذَا أخو الحُسْنِ أَضْحَى فِعْلُهُ سَمِجاً ... رأيتَ صُورتَهُ من أقبحِ الصُوَر
وتبيَّن المعنى واعرف مقدراه، ثم أنشِد البيت بعده:
وهَبْكَ كالشَّمْسِ في حُسنِ ألم تَرَنَا ... نَفِرُّ منها إذا مَالَتْ إلى الضَّرَرِ
وانظر كيف يزيد شرفه عندك، وهكذا فتأمّل بيت أبي تمام:
وإذا أراد اللهُ نَشْرَ فَضِيلةٍ ... طُوِيَتْ أتاحَ لها لِسانَ حَسُودِ
مقطوعاً عن البيت الذي يليه، والتَّمثيل الذي يؤدّيه، واستقص في تعرُّف قيمته، على وضوح معناه وحُسن بِزّته، ثم أتبِعه إياه:
لَوْلاَ اشتِعَالُ النَّارِ فيما جاورَتْ ... مَا كان يُعرَف طِيبُ عَرْفِ العُودِ
وانظر هل نَشَر المعنى تمام حُلّته، وأظهر المكنون من حُسنه، وزِينته،
стр. 116
وعَطَّرك بعَرْف عوده، وأراك النضرة في عوده، وطلع عليك من طلع سُعوده، واستكمل فَضْلَه في النفس ونُبْلَه، واستحقّ التقديم كُلّه، إلا بالبيت الأخير، وما فيه من التمثيل والتصوير، وكذلك فرَق في بيت المتنبي:
ومَنْ يكُ ذا فمٍ مُرٍّ مريضٍ ... يَجِدْ مُرّاً به الماءَ الزُّلالاَ
لو كان سلك بالمعنى الظاهر من العبارة كقولك: إن الجاهل الفاسد الطبع يتصوّر المعنى بغير صورته، ويُخيَّل إليه في الصواب أنه خطأ، هل كنت تجد هذه الرَوعة، وهل كان يبلغ من وَقْم الجاهل ووَقْذه، وقمعه ورَدْعه والتهجين له والكشف عن نَقْصه، ما بَلغ التمثيلُ في البيت، وينتهي إلى حيث انتهى، وإن أردت اعتبارَ ذلك في الفنّ الذي هو أكرم وأشرف، فقابلْ بين أن تقول: إن الذي يعظ ولا يَتَّعظ يُضِرُّ بنفسه من حيث ينفع غيره، وتقتصرَ عليه وبَين أن تذكر المَثَل فيه على ما جاء في الخبر من أن النبي ﷺ قال: " مَثَلُ الّذي يعلِّم الخيرَ ولا يَعْمَلُ به، مثلُ السِّراج الذي يضيء للناس ويُحرق نفسه "، ويروي: مَثَلُ الفتيلة تُضيء للناس وتُحرق
стр. 117
نفسها. وكذا فوازنْ بين قولك للرجلِ تعِظُه إنك لا تُجْزَى السيئة حسنةً، فلا تَغُرَّ نفسك وتُمسِك، وبين أن تقول في أثره إنكَ لا تجني من الشَّوك العِنَب، وإنما تحصُدُ ما تزرع، وأشباه ذلك. وكذا بين أن تقول لا تُكلِّمِ الجاهل بما لا يعرفه ونحوه، وبين أن تقول لا تنثُر الدُّرَّ قُدَّام الخنازير أو لا تجعلِ الدُّرَّ في أفواه الكلاب، وتُنشد نحو
стр. 118
قول الشافعي ﵀
" أأنثُر دُرّاً بين سَارِحَة الغَنَمْ " وكذا بين أن تقول: الدنيا لا تدوم ولا تبقى، وبين أن تقول: هي ظلٌّ زائل، وعارِيَّةٌ تُستردُّ، ووديعة تُسترجَع، وتذكر قول النبي ﷺ : " مَنَْ في الدنيا ضيفٌ وما في يديه عاريَّة، والضيفُ مرتحِلٌ، والعاريَّة مُؤَدّاة "، وتُنشد قولَ لبيد:
стр. 119
ومَا المَال والأهْلُونَ إلاّ وَدِيعةٌ ... وَلاَ بُدَّ يوماً أن تُرَدَّ الوَدَائعُ
وقول الآخر:
إنَّما نِعمةُ قومٍ مُتْعةٌ ... وحَياةُ المَرءِ ثَوبٌ مُسْتَعار
فهذه جملة من القول تُخبر عن صِيَغ التمثيل وتُخبر عن حال المعنى معه، فأما القولُ في العِلّة والسبب، لِمَ كان للتمثيل هذا التأثير؛ وبيانِ جهته ومأتاه، وما الذي أوجبه واقتضاه، فغيرها، وإذا بحثنا عن ذلك، وجدنا له أسباباً وعِلَلاً، كلٌّ منها يقتضي أن يَفخُمَ المعنى بالتمثيل، وينبُلَ ويَشرُفَ ويكمل، فأَوَّلُ ذلك وأظهره، أنّ أُنْس النفوس موقوفٌ على أن تُخرجها من خفيٍّ إلى جليٍّ، وتأتيها بصريح بعد مكنىٍّ، وأن تردَّها في الشيء تُعلِّمها إياه إلى شيء آخر هي بشأنه أعلم، وثقتُها به في المعرفة أحكم نحو أن تنقُلها عن العقل إلى الإحساس وعما يُعلَم بالفكر إلى ما يُعلم بالاضطرار والطبع، لأن العلم المستفادَ من طرق الحواسِّ أو المركوز فيها من جهة الطبع وعلى حدِّ الضرورة، يفضلُ المستفاد من جهة النَّظر والفكر في القوة والاستحكام، وبلوغ الثقة فيه غاية التمام، كما قالوا: ليس الخَبرُ كالمُعاينة، ولا الظنُّ كاليقين،
стр. 120
فلهذا يحصل بها العِلم هذا الأُنْسُ أعني الأُنس من جهة الاستحكام والقوة، وضربٌ آخر من الأُنس، وهو ما يوجبه تقدُّمُ الإلْف، كما قيل:
مَا الحُبُّ إلاّ للحبيب الأوَّلِ
ومعلومٌ أن العلم الأوّل أتى النفسَ أوّلاً من طريق الحواسّ والطباع، ثم من جهة النظر والرَّويَّة، فهو إذَنْ أمسُّ بها رَحِماً، وأقوى لديها ذِمَماً، وأقدم لها صُحْبة، وآكدُ عندها حُرمة وإذْ نقلتَها في الشيء بمَثَله عن المُدرَك بالعقل المحض وبالفكرة في القلب، إلى ما يُدرَك بالحواسّ أو يُعلَم بالطَّبع، وعلى حدّ الضرورة، فأنت إذن مع الشاعر وغير الشاعر إذا وقع المعنى في نفسك غيرَ ممثَّلٍ ثم مَثَّلَه كمن يُخبر عن شيء من وراء حجاب، ثم يكشف عنه الحجاب ويقول: ها هو ذا، فأبصِر تجده على ما وصفتُ. فإن قلت إن الأُنْس بالمشاهدة بعد الصفة والخبر، إنما يكون لزَوال الرَّيْب والشكّ في الأكثر، أفتقول إن التمثيل إنما أُنِسَ به، لأنه يصحّح المعنى المذكور والصفة السابقة، ويُثبت أن كونَها جائزٌ ووجودَها صحيحٌ غيرُ مستحيل، حتى لا يكون تمثيلٌ إلا كذلك، فالجواب إن المعاني التي يجيء التمثيل في عَقِبها على ضربين
стр. 121
غريب بديع يمكن أن يخالَف فيه، ويُدَّعَى امتناعُه واستحالُة وجوده، وذلك نحو قوله:
فإن تَفُقِ الأنَامَ وأنت منهم ... فَإنَّ المِسكَ بعضُ دَمِ الغَزَالِ
وذلك أنه أراد أنه فاق الأنام وفاتهم إلى حدٍّ بَطَل معه أن يكون بينه وبينهم مشابهةٌ ومقاربةٌ، بل صار كأنه أصلٌ بنفسه وجنسٌ برأسه، وهذا أمرٌ غريب، وهو أن يتناهى بعض أجزاء الجنس في الفضائل الخاصّة به إلى أن يصير كأنه ليس من ذلك الجنس، وبالمدَّعِي له حاجة إلى أن يصحّح دعواه في جواز وجوده على الجملة إلى أن يجيء إلى وجوده في الممدوح، فإذا قال: فإن المسك بعض دم الغزال، فقد احتجّ لدعواه، وأبان أن لما ادّعاه أصلاً في الوجود، وبرّأ نفسه من ضَعَة الكذب، وباعَدها من سَفَه المُقدِم على غير بصيرة، والمتوسِّع في الدعوى من غير بيّنة، وذلك أن المسك قد خرج عن صفة الدم وحقيقته، حتى لايُعَدُّ في جنسه، إذ لا يوجد في الدم شيء من أوصافه الشريفة الخاصة بوجه من الوجوه، لا ما قلّ ولا ما كثُر، ولا في المسك شيء من الأوصاف التي كان لها الدم دماً البتة. والضرب الثاني أن لا يكون المعنى الممثَّل غريباً نادراً يُحتاج في دعوى كونه على الجملة إلى بيّنة وحُجّة وإثبات، نظير ذلك أن تنفيَ عن فعل من الأفعال التي يفعلها الإنسان الفائدة، وتدَّعِيَ أنه لا يحصل منه على طائل، ثم تمثّله في ذلك بالقابض على الماء والرَّاقم فيه، فالذي مثّلتَ ليس بمنكرٍ مستبعَدٍ، إذ لا يُنكَر خطأ الإنسان في فعله أو ظنّه وأمله وطَلَبه، ألا ترى أن
стр. 122
المَغْزَى من قوله:
فأصبحتُ من لَيْلَى الغداةَ كقابضٍ ... على الماءِ خَانَتْهُ فُروجُ الأصابِعِ
أنَّه قد خاب في ظنّه أن يتمتّع بها ويَسْعَد بوصلها، وليس بمنكر ولا عجيب ولا ممتنع في الوجود، خارج من المعروف المعهود، أن يخيب ظنُّ الإنسان في أشباه هذا من الأمور، حتى يُستشهَدَ على إمكانه، وتُقام البيّنة على صدق المدَّعِي لوِجْدَانه، وإذا ثبت أن المعاني الممثَّلة تكون على هذين الضربين، فإن فائدة التمثيل وسببَ الأُنس في الضرب الأول بَيّنٌ لائح، لأنه يُفيد فيه الصِّحة وينفي الرَّيْب والشكَّ، ويُؤْمِن صاحبه من تكذيب المخالِف، وتهجُّم المنكرِ، وتَهَكُّم المعترض، وموازنتُه بحالة كَشْفِ الحجاب عن الموصوف المُخبَرِ عنه حتى يُرَى ويُبصرَ، ويُعلَم كونهُ على ما أثبتته الصِّفة عليه موازنةٌ ظاهرة صحيحة، وأمّا الضرب الثاني فإن التمثيل وإن كان لا يفيد فيه هذا الضرب من الفائدة، فهو يفيد أمراً آخَرَ يجري مجراه، وذلك أن الوصفَ كما يحتاج إلى
стр. 123
إقامة الحجة على صحة وجوده في نفسه، وزيادةِ التثبيتِ والتقرير في ذاته وأصله، فقد يحتاج إلى بيانِ المقدار فيه، ووضعِ قياس من غيره يكشِف عن حَدّه ومبلغِه في القوة والضعفِ والزيادةِ والنقصانِ، وإذا أردت أن تعرفَ ذلك، فانظر أوّلاً إلى التشبيه الصريح الذي ليس بتمثيل، كقياس الشيء على الشيء في اللون مثلاً: كحنَك الغراب، تريد أن تُعرِّف مقدار الشدة، لا أن تُعرِّف نفس السواد على الإطلاق، وإذا تقرر هذا الأصل، فإن الأوصاف التي يُرَدُّ السامع فيها بالتمثيل من العقل إلى العيان والحسّ، وهي في أنفسها معروفةٌ مشهورة صحيحة لا تحتاج إلى الدلالة على أنها هل هي ممكنة موجودةٌ أم لا فإنّها وإن غَنِيَتْ من هذه الجهة عن التمثيل بالمشاهدات والمحسوسات، فإنها تفتقر إليه من جهة المقدارِ، لأن مقاديرَها في العقل تختلف وتتفاوت، فقد يقال في الفعل: إنه من حال الفائدة عل حدودٍ مختلفة في المبالغة والتوسط، فإذا رجعتَ إلى ما تُبصِرُ وتُحسّ عرفتَ ذلك بحقيقته، وكما يوزن بالقسطاس، فالشاعر لمّا قال: " كقابض على الماء خانته فروج الأصابع "؛ أراك رؤيةً لا تشكُّ معها ولا ترتاب أنه بلغ في خَيبة ظنّه وَبَوار سَعْيه إلى أقصى المبالغ، وانتهى فيه إلى أبعد الغايات، حتى لم يَحْظَ لا بما قلَّ ولا ما كثر، فهذا هو الجواب، ونحن بنوع من التسهُّل والتسامح، نقع على أن الأُنس الحاصل بانتقالك في الشىء عن الصفة والخبر إلى العيان ورؤية البصر، ليس له سببٌ سوى زَوَال الشكّ والرَّيْب،
стр. 124
فأما إذا رجعنا إلى التحقيق فإنَّا نعلم أن المشاهدة تُؤثِّر في النفوس مع العلم بصدق الخبر، كما أخبر الله تعالى عن إبراهيم ﵊ في قوله: " قَالَ بَلَى ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي " " سورة البقرة: ٦٢ "، والشواهد في ذلك كثيرة، والأمر فيه ظاهرٌ، ولولا أن الأمر كذلك، لما كان لنحو قول أبي تمام:
وطُولُ مُقَامِ الَمَرْءِ في الحيِّ مُخْلِقٌ ... لِدِيبَاجتَيْهِ فاغْتَرِبْ تتجدَّدِ
فإنِّي رَأَيتُ الشَّمْسَ زِيدَتْ محبّةً ... إلى النّاس أنْ لَيْسَتْ عليهم بسَرْمَدِ
معنى، وذلك أنَّ هذا التجدُّد لا معنى له، إذا كانت الرؤية لا تفيد أُنْساً من حيث هي رؤية، وكان الأنس لنَفْيها الشَّكَّ والرَّيب، أو لوقوع العلم بأمر زائدٍ لم يُعْلَمْ من قبل، وإذا كان الأمر كذلك، فأنت إذا قلت للرجل أنت مُضيعٌ للحَزْم في سعيك، ومخطئٌ وجهَ الرشاد، وطالبٌ لما لا تناله، إذا كان الطَّلب على هذه الصفة ومن هذه الجهة، ثم عقّبْتَهُ بقولك وهل يحصل في كفِّ القابض على الماء شيء مما يقبض عليه؟، فلو تركنا حديث تعريف المقدارِ في الشدة والمبالغة ونَفْي الفائدة من أصلها جانباً بقي لنا ما تَقْتَضيه الرُّؤية للموصوف على ما وُصف عليه من الحالة المتجدِّدة، مع العلم بصدق الصفة يُبيّن ذلك، أنه لو كان الرجل مثلاً على طرفِ نَهَرٍ في وقتِ مخاطبةِ صاحبهِ وإخباره له بأنه لا يحصل من سعيه على شيء، فأدْخل يده في الماء وقال: انظر هل حَصَل في كفيّ من الماء شيء؟ فكذلك أنت في أمرك،
стр. 125
كان لذلك ضرب من التأثير زائد على القول والنطق بذلك دون الفعل، ولو أن رجلاً أراد أن يضرب لك مثلاً في تنافي الشيئين فقال: هذا وذاك هَلْ يجتمعان؟، وأشار إلى ماء ونارٍ حاضرَين، وجدتَ لتمثيله من التأثير ما لا تجده إذا أخبرك بالقول فقال: هل يجتمع الماءُ والنار؟، وذلك الذي تفعل المشاهدةُ من التحريك للنفس، والذي يجب بها من تمكُّن المعنى في القلب إذا كان مستفادهُ من العيان، ومتصرَّفهُ حيث تتصرَّف العينان وإلاّ فلا حاجة بنا في معرفة أن الماء والنار لا يجتمعان إلى ما يؤكده من رجوع إلى مشاهدة واستيثاق تَجْربة، وممّا يدلُّك على أن التمثيل بالمشاهدة يزيدك أُنْساً، وإن لم يكن بك حاجةٌ إلى تصحيح المعنى، أو بيان لمقدار المبالغة فيه، أنك قد تعبّر عن المعنى بالعبارة التي تؤدِّيه، وتبالغ وتجتهد حتى لا تدع في النفوس مَنْزَعاً، نحو أن تقولَ وأنت تصفُ اليوم بالطول: يومٌ كأطْول ما يُتوهَّم وكأنّه لا آخرَ له، وما شاكل ذلك من نحو قوله:
في لَيْلِ صُولٍ تَنَاهَى العَرْضُ والطُّولُ ... كأنَّمَا ليلُهُ باللَّيْل مَوْصُولُ
فلا تجد له من الأُنس ما تجده لقوله:
ويَومٍ كَظِلِّ الرُّمْح قَصَّر طُولَهُ
стр. 126
على أن عبارتك الأولى أشدُّ وأقوى في المبالغة من هذا فظِلّ الرُّمح على كل حال متناهٍ تُدرك العينُ نهايته، وأنت قد أخبرت عن اليوم بأنه كأنه لا آخرَ له، وكذلك تقول: يومٌ كأقصر ما يُتصوّر وكأنَّه ساعةٌ وكَلَمْحِ البَصَرِ وكلا ولاَ، فتجد هذا مع كونه تمثيلاً، لا يُؤْنسك إيناسَ قولهم: أيامٌ كأباهيم القَطَا، وقول ابن المعتزّ:
بُدِّلتُ من ليلٍ كظِلِّ حصاةِ ... لَيْلاً كَظلِّ الرُمح غيرَ مُوَاتِ
وقول آخر:
ظَلِلْنَا عند بابِ أبي نُعَيْمِ ... بيومٍ مِثْلِ سَالِفةِ الذُّبابِ
وكذا تقول: فلانٌ إذا همَّ بالشيء لم يُزل ذاك عن ذكره وقلبه، وقَصَرَ خواطره على إمضاء عزمه، ولم يشغَله شيء عنه، فتحتاط للمعنى بأبلغ ما يمكن، ثم لا ترى في نفسك له هِزَّة، ولا تُصادف لما تسمع أرْيحيّةً، وإنما تسمَعُ حديثاً سَاذجاً وخبراً غُفْلاً، حتى إذا قلت:
إذا هَمَّ أَلْقَى بَيْنَ عَيْنيه عَزْمَهُ
стр. 127
امتلأت نفسك سروراً وأدركتك طرْبَة كما يقول القاضي أبو الحسن لا تملك دفعها عنك، ولا تَقُلْ إن ذلك لمكان الإيجاز، فإنه وإن كان يوجب شيئاً منه، فليس الأصْلَ له، بل لأنْ أراك العزمَ واقعا ًبين العينين، وفَتَحَ إلى مكان المعقول من قلبك باباً من العين، وها هنا إذا تأمّلنا مذهبٌ آخر في بيان السبَب المُوجِب لذلك، هو ألطفُ مأخذاً، وأمكنُ في التحقيق وأولى بأن يُحيط بأطراف الباب، وهو أنَّ لتصوير الشبه من الشيء في غير جنسه وشكله، والتقاط ذلك له من غير مَحِلّته، واجتلابه إليه من الشِّقِّ البعيد، باباً آخر من الظَّرف واللُّطف، ومذهباً من مذاهب الإحسان لا يخفى موضعه من العقل، وأُحْضِرُ شاهداً لك على هذا: أن تنظر إلى تشبيه المشاهدات بعضها ببعض، فإن التشبيهات سواءٌ كانت عامّية مشتركَة، أم خاصّية مقصورةً على قائلٍ دون قائِل تراها لا يقع بها اعتدادٌ، ولا يكون لها موقع من السامعين، ولا تهُزُّ ولا تُحرِّك حتى يكون الشبه مُقَرَّراً بين شيئين مختلفين في الجنس، فتشبيه العين بالنَّرجِس، عامّيٌّ مشترَكٌ معروف في أجيال الناس، جارٍ في جميع
стр. 128
العادات، وأنت ترى بُعدَ ما بين العينين وبينه من حيث الجنس وتشبيهُ الثريّا بما شُبّهَت به من عُنقود الكرم المنوِّر، واللجام المفضَّض، والوِشاح المفصَّل، وأشباه ذلك، خاصّيٌّ، والتبايُن بين المشبَّه والمشبَّه به في الجنس على ما لا يَخْفَى، وهكذا إذا استقريت التشبيهات، وجدتَ التباعدُ بين الشيئين كلما كان أشدَّ، كانت إلى النفوس أعجب، وكانت النفوسُ لها أطرب، وكان مكانُها إلى أن تُحِدث الأريحيّة أقرب، وذلك أن موضعَ الاستحسان، ومكانَ الاستظراف، والمُثيرَ للدفين من الارتياح، والمتألِّفَ للنافر من المَسرة، والمؤلِّفَ لأطراف البَهْجة أنك ترى بها الشيئين مِثْلَيْن متباينين، ومؤتلفين مختلفين، وترى الصورة الواحدة في السماء والأرض، وفي خِلقة الإنسان وخِلال الروض، وهكذا، طرائفَ تنثالُ عليك إذا فصّلتَ هذه الجملة، وتتبّعت هذه اللَّحمة، ولذلك تجد تشبيهَ البَنَفْسَج في قوله:
ولازَوَرْدِيّةٌ تزهُو بزُرقتها ... بين الرّياض على حُمْرِ اليواقيت
كأنّها فوق قاماتٍ ضَعُفنَ بها ... أوائلُ النار في أطراف كبريت
أغربَ وأعجبَ وأحقَّ بالوَلُوع وأجدرَ من تشبيه النرجس: بمداهن دُرّ حشوهن عقيق، لأنه أراك شبهاً لنباتِ غَضٍّ يَرِفُّ، وأوراقٍ رطبةٍ ترى
стр. 129
الماءَ منها يشِفُّ، بلهَب نارٍ في جسمٍ مُسْتَوْلٍ عليه اليبسُ، وبَادٍ فيه الكَلَف. ومَبْنَى الطباع وموضوعُ الجِبِلَّة، على أن الشيء إذا ظهر من مكان لم يُعْهَد ظهوره منه، وخرج من موضعٍ ليس بمعدِنٍ له، كانت صَبَابةُ النفوسِ به أكثر، وكان بالشَّغَف منها أجدر، فسواءٌ في إثارة التعجُّب، وإخراجك إلى روعة المستغربِ، وُجودُك الشيءَ من مكان ليس من أمكنته، ووجودُ شيءٍ لم يُوجَد ولم يُعرَف من أصله في ذاته وصفته، ولو أنه شَبَّه البنفسج ببعض النبات، أو صادف له شبهاً في شيء من المتلوّنات، لم تجد له هذه الغرابة، ولم ينل من الحسن هذا الحظ، وإذا ثبت هذا الأصل، وهو أنَّ تصويرَ الشَّبه بين المختلفين في الجنس، مما يحرِّك قُوَى الاستحسان، ويُثير الكامن من الاستظراف، فإن التمثيل أخَصُّ شيء بهذا الشأن، وأسبقُ جارٍ في هذا الرهان، وهذا الصَّنيع صناعته التي هو الإمام فيها، والبادئ لها والهادي إلى كيفيتها، وأمرُه في ذلك أنك إذا قصدت ذكر ظرائفه، وعَدَّ محاسِنه في هذا المعنى، والبِدَعِ التي يخترعها بحِذْقِه، والتأليفاتِ التي يصل إليها برفقِه، ازدحمتْ عليك، وغمرتْ جانبيك، فلم تدرِ أيَّها تذكر، ولا عن أيِّها تعبِّر، كما قال:
إذا أتاها طالبٌ يَسْتَامُها ... تَكاثرتْ في عينه كِرَامُها
стр. 130
وهل تشكُّ في أنه يعمل عمل السحر في تأليف المتباينين حتى يختصر لك بُعْدَ ما بين المشرق والمغرب، ويجمع ما بين المُشئِمِ والمُعْرِق، وهو يُرِيكَ للمعاني الممثَّلة بالأوهام شَبَهاً في الأشخاص الماثلة، والأشباح القائمة، ويُنطق لك الأخرس، ويُعطيك البيان من الأعجم، ويُريك الحياةَ في الجماد، ويريك التئامَ عين الأضداد، فيأتيك بالحياة والموت مجموعين، والماءِ والنارِ مجتمعين، كما يقال في الممدوحِ هو حياة لأوليائه، موت لأعدائه، ويجعل الشيء من جهةٍ ماءً، ومن أخرى ناراً، كما يقال:
أنا نارٌ في مُرْتَقَى نَظَرِ الحا ... سِدِ، ماءٌ جارٍ مع الإخوان
وكما يجعل الشيء حُلواً مُرّاً، وصاباً عسلاً وقبيحاً حسَنَاً، كما قال:
حَسَنٌ في وجوه أعدائه أَقْ ... بحُ من ضَيْفه رأتْه السوامُ
ويجعل الشيء أسود أبيضَ في حال، كنحو قوله:
له منظَرٌ في العين أبيضُ ناصعٌ ... ولكنّه في القلب أسودُ أسفعُ
ويجعل الشيء كالمقلوب إلى حقيقة ضدّه، كما قال:
غُرَّةٌ بُهْمَةٌ ألا إنما كُنْ ... تُ أغَرَّ أيَّام كنتُ بَهِيمَا
ويجعل الشيء قريباً بعيداً معاً، كقوله:
стр. 131
" دانٍ على أيدي العُفاةِ وشَاسِعٌ " وحاضراً وغائباً، كما قال:
أيا غائباً حاضراً في الفؤادِ ... سَلامٌ على الحَاضرِ الغائبِ
ومشرّقاً مغرّباً، كقوله:
لَهُ إليكم نفسٌ مُشرِّقةٌ ... أن غابَ عنكم مُغَرِّباً بَدَنُهْ
وسائراً مقيماً، كما يجيء في وصف الشعر الحسن الذي يتداوله الرواة وتتهاداه الألسن، كما قال القاضي أبو الحسن:
وجوّابةِ الأُفْقِ موقوفةٍ ... تسيرُ ولَمْ تَبرحِ الحَضْرَةْ
وهل يخفى تقريبه المتباعدين، وتوقيفه بين المختلفين، وأنت تجد إصابة الرجل في الحجّة، وحُسن تخليصه للكلام، وقد مُثِّلت تارةً بالهناء ومعالجة الإبل الجَرْبَى به، وأُخرَى بحزِّ القصّاب اللحم وإعماله السكّين في تقطيعه وتفريقه في قولهم " يَضَع الهِنَاء مَوَاضِع النُقْبِ
стр. 132
ويصيب الحزَّ وويطبِّق المَفْصِل "، فانظر هل ترى مزيداً في التناكر والتنافر على ما بين طِلاَء القطران، وجنس القول والبيان ثم كرِّرِ النظر وتأمَّلْ كيف حصل الائتلاف، وكيف جاء من جمع أحدهما إلى الآخر، ما يأْنَس إليه العقل ويحمَده الطبع؟ حتى إنّك لربما وجدتَ لهذا المَثَل إذا وردَ عليك في أثناء الفصول، وحين تبيّن الفاضل في البيان من المفضول قبولاً، ولا ما تجدُ عند فَوْحِ المسك ونشْرِ الغَالية، وقد وقع ذكرُ الحزّ والتطبيق منك موقعَ ما ينفى الحزازات عن القلب، ويُزيل أطباقَ الوحشة عن النفس، وتكلُّفُ القول في أن للتمثيل في هذا المعنى الذي لا يُجارَى إليه، والباعَ الذي لا يُطاوَل فيه، كالاحتجاج للضَّرورات، وكفى دليلاً على تصرُفه فيه باليد الصَّنَاع، وإيفائه على غايات الابتداع، أنه يُريك العدمَ وجوداً والوجودَ عدماً، والميّت حيّاً والحيَّ ميّتاً أعني جَعْلَهم الرجلَ إذا بقي له ذكر جميلٌ وثناءٌ حَسَنٌ بعد موته، كأنه لم يمت، وجَعَلَ الذكرِ حياةٌ له، كما قال: " ذِكْرُ الفتَى عُمْرُه الثَّانِي "؛
стр. 133
وحُكْمَهُمْ على الخامِل الساقطِ القدرِ الجاهل الدنيء بالموتِ، وتصييرَهُمْ إياه حين لم يكن ما يؤثَر عنه ويُعْرَف به، كأنه خارجٌ عن الوجود إلى العدم، أو كأنه لم يدخل في الوجود، ولطيفةٌ أخرى له في هذا المعنى، هي، إذا نظرتَ، أعجبُ، والتعجُّب بها أحقُّ ومنها أوجب، وذلك جعلُ الموت نفسِه حياةً مستأنفة حتى يقال: إنه بالموت استكمل الحياة في قولهم فلان عاش حين مات، يُراد الرجل تحمله الأبيّةُ وكرم النفس والأنَفَة من العار، على أن يسخو بنفسه في الجود والبأس، فيفعل ما فعل كعب بن مامة في الإيثار على نفسه، أو ما يفعله الشجاع المذكور من القتال دون حَرِيمه، والصبر في مواطن الإباء، والتصميم في قتال الأعداء، حتى يكون له يومٌ لا يزال يُذكَر، وحديثٌ يعاد على مَرِّ الدهور ويُشْهَر، كما قال ابن نباتة:
بأَبِي وأمّي كُلُّ ذِي ... نَفْسٍ تَعافُ الضَّيْمَ مُرَّةْ
تَرْضَى بأن تَرِد الرَّدَى ... فَيُمِيتها ويُعيش ذِكْرَهْ
стр. 134
وإنه لَيأتيك من الشيء الواحد بأشباهِ عِدة، ويشتقّ من الأصل الواحد أغصاناً في كل غصن ثَمَرٌ على حِدَة، نحو أن الزَّند بإيرائه يُعطيك شَبَه الجواد، والذكيِّ الفَطِنِ، وشَبَه النُجح في الأمور والظفر بالمراد وبإصلادِه شَبَه البخيل لا يعطيك شيئاً، والبليد الذي لا يكون له خاطر يُنتج فائدةً ويُخرج معنًى وشَبَه من يخيب سَعْيُه، ونحو ذلك ويعطيك من القمر الشهرة في الرجل والنباهة والعِزَّ والرفعة، ويعطيك الكمال عن النقصان، والنقصان بعد الكمال، كقولهم هلا نَمَا فعاد بدراً، يراد بلوغ النَجْل الكريم المبلغَ الذي يُشبِه أصلَه من الفضل والعقل وسائر معاني الشرفِ، كما قال أبو تمام:
لَهَفِي على تلك الشواهد مِنْهُما ... لو أُمْهلَتْ حتى تَصِيرَ شمائلاَ
لَغدا سكونهما حجًى وصِباهما ... كَرَماً وتلك الأريحيّة نائلاَ
إنّ الهلالَ إذا رأيتَ نُمُوَّهُ ... أَيقنتَ أن سيصيرُ بدراً كاملاَ
وعلى هذا المثل بعينه، يُضرَب مثلاً في ارتفاع الرجل في الشرف والعزّ من طبقة إلى أعلى منها، كما قال البحتري:
شَرَفٌ تزيَّدَ بالعراق إلى الذي ... عهِدُوه بالبَيْضاء أو بِبَلَنْجَرَا
مِثْلَ الهلال بدَا فلم يَبْرَحْ به ... صَوْغُ اللَّيالي فيه حتى أقمَرا
стр. 135
ويعطيك شَبَه الإنسان في نَشْئِه ونَمائه إلى أن يبلغ حدَّ التمام، ثم تراجُعِه إذا انقضت مُدَّة الشباب، كما قال:
المرءُ مِثْلُ هلالٍ حين تُبصرهُ ... يبدو ضئيلاً ضعيفاً ثم يَتَّسِقُ
يَزدادُ حتّى إذا ما تَمَّ أعْقَبه ... كَرُّ الجديدين نقصاً ثم يَنْمَحِقُ
وكذلك يتفرَّع من حالتي تمامه ونُقصانه فروعٌ لطيفة، فمن غريب ذلك قولُ ابن بابك:
وأعَرْتَ شَطْرَ المُلك ثَوْبَ كماله ... والبدرُ في شَطْر المَسافَةِ يكمُلُ
قاله في الأستاذ أبي علي، وقد استوزره فخرُ الدولة بعد وفاة الصاحب وأبا العباس الضبيّ وخلع عليهما وقولُ أبي بكر الخوارزمي:
أراك إذا أيسرتَ خَيَّمتَ عندنا ... مقيماً وإن أعسرتَ زُرتَ لِمَامَا
فما أنت إلا البدرُ إن قَلَّ ضَوءهُ ... أَغَبَّ وإن زَادَ الضياءُ أقَامَا
المعنى لطيف، وإن كانت العبارة لم تساعده على الوجه الذي يجب، فإن الإغباب أن يتخلل وقتَي الحضور وقتٌ يخلو منه، وإنما يصلح لأن يراد أن القمر إذا نقص نورُه، لم يُوال الطلوع كل ليلة، بل يظهر في بعض الليالي، ويمتنع من الظهور في بعض، وليس الأمر كذلك، لأنه على نقصانه يطلع كل ليلة حتى يكون السِّرارُ، وقال ابن بابك في نحوه:
كذا البدرُ يُسْفِرُ في تِمِّه ... فإن خاف نَقْص المَحَاقِ انْتَقَبْ
стр. 136
وهكذا يُنظر إلى مقابلته الشَّمسَ واستمداده من نورها، وإلى كون ذلك سببَ زيادته ونقصه وامتلائه من النور والائتلاق، وحصولهِ في المُِحَاق، وتفاوُتِ حاله في ذلك، فتُصاغ منه أمثَالٌ، وتُبَيَّن أشباهٌ ومقاييس، فمن لطيف ذلك قول ابن نباتة:
قد سَمِعْنا بالعِزِّ من آلِ ساسا ... نَ ويُونانَ في العُصور الخوالِي
والملوكِ الأُلَى إذا ضاع ذِكْرٌ ... وُجِدُوا في سوائر الأمثالِ
مَكْرُماتٌ إذا البليغُ تعاطَى ... وَصْفَها لم يجدْهُ في الأقوال
وإذا نحن لم نُضِفْه إلى مد ... حِكَ كانت نهايةً في الكمال
إن جمعنَاهُمَا أضرَّ بها الجم ... عُ وضاعت فيه ضَياعَ المُحال
فهو كالشمس بُعْدُها يملأ البَدْ ... ر وفي قُرْبها ُمحاقُ الهلالِ
وغير ذلك من أحواله كنحو ما خرج من الشَّبَه من بُعده وارتفاعه، وقُرب ضَوئِه وشُعاعه، في نحو ما مضى من قول البحتري: " دانٍ على أيدي العفاة " البيتين. ومن ظهوره بكل مكان، ورؤيته في كل موضع، كقوله:
كالبدرِ من حيثُ التَفَتَّ رَأَيتَه ... يُهدَي إلى عينيك نوراً ثاقبَا
стр. 137
في أمثال لذلك تكثر، ولم أعرِضْ لما يُشبَّه به من حيث المنظر، وما تُدركه العين، نحو تشبيهِ الشيء بتقويس الهلالِ ودقّته، والوجه بنوره وَبَهْجته، فإنّا في ذكر ما كان تمثيلاً، وكان الشَّبه فيه معنويّاً.
فصلٌ آخر
وإن كان مِمَّا مَضَى، إلا أن الأسلوب غيره، وهو أن المعنى إذا أتاك ممثَّلاً، في الأكثر ينجلي لك بعد أن يُحْوِجك إلى غير طلبه بالفكرة وتحريك الخاطرِ له والهِمَّة في طلبه، وما كان منه ألطف، كانت امتناعه عليك أكثر، وإباؤه أظهر، واحتجابُه أشدُّ، ومن المركوز في الطبع أن الشيء إذا نيل بعد الطلب له أو الاشتياق إليه، ومعاناة الحنين نحوه، كان نَيله أحلَى، وبالمزِيَّة أولى، فكان موقعه من النفس أجلّ وألطف، وكانت به أضَنَّ وأَشْغَف، ولذلك ضُرب المثل لكل ما لَطُف موقعه ببرد الماء على الظمأ، كما قال:
وهُنَّ يَنْبِذْنَ من قَوْلٍ يُصِبْنَ بِهِمَوَاقِعَ الماءِ مِنْ ذِي الغُلَّةِ الصَّادِي
وأشباه ذلك مما يُنال بعد مكابدة الحاجة إليه، وتقدُّم المطالبة من النفس به، فإن قلت فيجب على هذا أن يكون التعقيد والتعمية وتعمُّد
стр. 138
ما يَكْسِب المعنى غمُوضاً، مشرِّفاً له وزائداً في فضله، وهذا خلافُ ما عليه الناس، ألا تراهم قالوا إن خَيْر الكلام ما كان معناه إلى قلبك أسبق من لفظه إلى سمعك، فالجواب إني لم أُرد هذا الحدَّ من الفِكْرِ والتعب، وإنما أردت القدر الذي يحتاج إليه في نحو قوله:
فإن المِسْكَ بعضُ دمِ الغَزَالِ
وقوله:
ومَا التأنيثُ لاِسْمِ الشمسِ عَيْبٌ ... ولا التذكيرُ فَخْرٌ للهلالِ
وقوله:
رأيتُك في الذين أَرَى مُلُوكاً ... كأنَّك مُسْتَقيمٌ في مُحالِ
وقول النابغة:
فإنَّك كاللَّيل الَّذِي هو مُدْرِكي ... وَإنْ خِلْتُ أنّ المُنْتَأَى عَنْكَ وَاسِعُ
وقوله:
فإنك شمسٌ والملوكُ كواكبٌ ... إذَا طَلَعتْ لم يَبْدُ منهنّ كَوْكَبُ
وقول البحتري:
стр. 139
ضَحوكٌ إلى الأبطال وهو يَرُوعهم ... وللسيف حدٌّ حين يَسْطُو وَرَوْنَقُ
وقول امرئ القيس: " بمُنْجَرِدٍ قَيْدِ الأوابد هَيْكَلِ " وقوله:
ثم انصرفتُ وقد أَصَبْتُ ولم أُصَبْ ... جَذَعَ البَصِيرةِ قَارِحَ الإقدامِ
فإنك تعلم على كل حالٍ أن هذا الضرب من المعاني، كالجوهر في الصَدَف لا يبرز لكَ إلاّ أن تشُقَّه عنه، وكالعزيز المُحْتجب لا يُريك وجهه حتى تستأذِن عليه، ثم ما كلُ فكر يهتدي إلى وجهِ الكَشْفِ عمَّا اشتمل عليه، ولا كُلّ خاطر يؤذَن له في الوصول إليه، فما كل أحد يفلح في شقّ الصَدَفة، ويكون في ذلك من أهل المعرفة، كما ليس كلُّ من دنا من أبواب الملوك، فُتحت له وكان:
مِنَ النَّفَرِ البِيضِ الَّذِينَ إذَا اعتَزَوْاوهابَ رجالٌ حَلْقَةَ البَابِ قَعْقَعُوا
أو كما قال:
تَفَتَّحُ أبوابُ الملوك لِوجهه ... بغير حِجَابٍ دُونَهُ أو تَملُّقِ
стр. 140
وأما التعقيد، فإنما كان مذموماً لأجل أن اللفظ لم يرتَّب الترتيبَ الذي بمثله تحصُل الدَّلالة على الغرض، حتى احتاج السامع إلى أن يطلبَ المعنى بالحِيلة، ويسعى إليه من غير الطريق كقوله:
ولذا اسمُ أغطية العيون جفونُها ... من أنّها عَمَلَ السيوفِ عواملُ
وإنما ذُمَّ هذا الجنس، لأنه أحوجك إلى فكر زائد على المقدار الذي يجب في مثله، وكَدَّكَ بسُوء الدَّلالة وأودع لك في قالب غير مستوٍ ولا مُمَلَّس، بل خشِنٍ مُضرّس حتى إذا رُمْتَ إخراجَه منه عَسُر عليك، وإذا خرج خرج مُشوَّه الصورة ناقصَ الحُسن، هذا وإنما يزيدك الطلبُ فرحاً بالمعنى وأُنْساً به وسروراً بالوقوف عليه إذا كان لذلك أهلاً، فأمّا إذا كنتَ معه كالغائص في البحر، يحتمل المشقّة العظيمة، ويخاطر بالروح، ثم يُخرج الخرَزَ، فالأمرُ بالضدّ مما بدأتُ به، ولذلك كان أحقَّ أصناف التعقُّد بالذم ما يُتعبك، ثم لا يُجدي عليك، ويؤرِّقك ثم لا يُورق لك، وما سبيله سبيلُ البخيل الذي يدعوه لؤمٌ في نفسه، وفساد في حسّه، إلى أن لا يرضى بضَعَته في بُخْله، وحِرمان فضله، حتّى يَأْبَى التواضع ولين القول، فيتيه ويشمخ بأنفه، ويسوم المتعرِّض له باباً ثانياً من الاحتمال تناهياً في سُخفه أو كالذي لا يُؤيسك من خيره في أول الأمْرِ فتستريحَ إلى اليأس، ولكنه يُطمِعُك ويَسْحَب على المواعيد الكاذبة، حتى إذا
стр. 141
طال العناء وكثر الجهد، تكشَّف عن غير طائل، وحصلتَ منه على نَدَمٍ لتَعبك في غير حاصل، وذلك مثل ما تجده لأبي تمام من تعسُّفه في اللفظ، وذهابه به في نحوٍ من التركيب لا يهتَدِي النحو إلى إصلاحه، وإغراب في الترتيب يعمَي الإعرابُ في طريقه، ويَضِلُّ في تعريفه، كقوله:
ثَانِيه في كَبِد السَّمَاء ولم يكن ... لاثنين ثانٍ إذ هُما فِي الغَارِ
وقوله:
يَدِي لمن شاءَ رَهْنٌ لَمْ يَذُق جُرَعاً ... مِنْ رَاحتَيْكَ دَرَى ما الصَّابُ والعَسلُ
ولو كان الجنس الذي يوصف من المعاني باللطافة ويُعَدّ في وسائط العُقود، لا يُحوِجك إلى الفكر، ولا يحرِّك من حِرصك على طلبه، بمنعِ جانبه وببعض الإدلال عليك وإعطائك الوصل بعد الصدّ، والقرب بعد البعُد، لكان باقلَّي حارٌ وبيتُ معنًى هو عين القلادة وواسطة العقد واحداً، ولَسقط تفاضُلُ السامعين في الفهم والتصوّر والتبيين، وكان كلُّ من روى الشعر عالماً به، وكلُّ من حَفِظه إذا كان يعرف اللغة على الجملة ناقداً في تمييز جيّده من رديئه، وكان قول من قال:
زَوَامِلُ للأشعارِ لا عِلْمَ عِنْدهُم ... بجيِّدها إلا كَعِلْمِ الأباعِرِ
стр. 142
وكقول ابن الرومي:
قلتُ لمن قال لي عرضتُ على الأخ ... فَشِ مَا قُلتَه فَمَا حَمِدهْ
قَصرَّتَ بالشعر حين تَعرِضُهُ ... على مُبينِ العمَى إذا انتَقَدَهْ
مَا قَالَ شعراً ولا رواهُ فلا ... ثَعْلَبَهُ كان لا ولا أَسَدَهْ
فإن يَقُل إنّني رويتُ فكالدَّف ... ترِ جهلاً بكلّ ما اعتَقَدهْ
وما أشبه ذلك، دعوَى غير مسموعةٍ ولا مؤهَّلةٍ للقبول، فإنما أرادوا بقولهم ما كان معناه إلى قلبك أسبقَ من لفظه إلى سمعك، أن يجتهد المتكلم في ترتيب اللفظ وتهذيبه وصيانته من كل ما أخلّ بالدَّلالة، وعاق دون الإبانة، ولم يريدوا أن خير الكلام ما كان غُفْلاً مِثْلَ ما يتراجعه الصبيانُ ويتكلَّم به العامّة في السوق. هذا وليس إذا كان الكلامُ في غاية البيان وعلى أبلغ ما يكون من الوُضوح، أغناك ذاك عن الفكرة إذا كان المعنى لطيفاً، فإن المعانيَ الشريفة اللطيفةَ لا بُدَّ فيها من بناءِ ثانٍ على أوّل، وردِّ تالٍ على سابق، أفَلستَ تحتاج في الوقوف على الغرض من قوله: " كالبَدْرِ أُفْرطَ فِي العُلُوِّ " إلى أن تعرف البيت الأول، فتتصوَّر حقيقة المرادِ منه ووجه المجاز في كونه دانياً شاسعاً، وترقم ذلك في قلبك، ثم تعود إلى ما يعرِضُ البيت الثاني عليك من حَالِ البدر، ثم تقابل إحدى الصورتين بالأخرى، وتردّ البَصَرَ من هذه إلى
стр. 143
تلك، وتنظر إليه كيف شَرَطَ في العلوِّ والإفراطَ، ليشاكل قوله شاسع، لأن الشُّسُوع هو الشديد البُعد، ثم قَابَله بما لا يشاكله من مراعاة التناهي في القرب فقال " جِدُّ قريب " فهذا هو الذي أردتُ بالحاجة إلى الفكر، وبأنَّ المعنى لا يحصُل لك إلا بعد انبعاثٍ منك في طلبه، واجتهادٍ في نيله، هذا وإن توقفت في حاجتك أيها السامع للمعنى إلى الفكر في تحصيله، فهل تشكّ في أن الشاعر الذي أدّاه إليك، ونشر بَزَّه لديك، قد تحمّل فيه المشقّة الشديدة، وقطع إليه الشُّقة البعيدة، وأنه لم يصل إلى دُرِّه حتى غاص، ولم ينل المطلوب حتى كابدَ منه الامتناع والاعتياص؛ ومعلومٌ أن الشيء إذا عُلم أنه لم يُنَل في أصله إلا بعد التَّعب، ولم يُدرَك إلا باحتمال النَّصَب، كان للعلم بذلك من أمره من الدعاء إلى تعظيمه، وأخْذِ الناس بتفخيمه، ما يكونَ لمباشرة الجهد فيه، وملاقاةِ الكرب دونه، وإذا عثرتَ بالهُوَيْنَا على كنزٍ من الذهب، لم تُخرجك سُهولةُ وجوده إلى أن تَنْسَى جملةً أنه الذي كدَّ الطالب، وحمّل المتاعب، حتى إن لم تكُنْ فيك طبيعةٌ من الجُود تتحكَّم عليك، ومحبّة للثناء تستخرج النفيس من يديك كان من أقوى حجج الضَّنّ الذي يخامر الإنسان أن تقول: إن لم يكدَّني فقد كدَّ غيري، كما يقول الوارث للمال المجموع عفواً إذا لِيمَ على بخله به، وفرطِ شُحّه عليه: إن لم يكنْ كَسْبِي وكدَّي، فهو كَسْب أبي وجدي، ولئن لم ألْقَ فيه عناءً، لقد عانَى سَلَفِي فيه الشدائد، ولقُوا في جَمْعِهِ الأمَّرين، أفأضيِّع ما ثَمَّرُوه، وأُفَرِّق ما جمعوه،
стр. 144
وأكون كالهادم لما أُنفِقَتِ الأْعمارُ في بنائه، والمُبيد لما قُصِرت الهمَمُ على إنمائه؟، وإنك لا تكاد تجد شاعراً يعطيك في المعاني الدقيقة من التسهيل والتقريب، وردّ البعيد إلى المألوف القريب، ما يُعْطي البحتريُّ، ويبلغ في هذا الباب مبلغه، فإنه لَيروض لك المُهْرَ الأرِنَ رياضةَ الماهر، حتى يُعْنِق من تحتك إعناقَ القارِح المذلَّل، وينزِعَ من شِمَاس الصعب الجامح، حتى يلين لك لِينَ المنقاد الطَّيع، ثمَّ لا يمكن ادعاءُ أنَّ جميع شعره في قلّة الحاجة إلى الفكر، والغِنَى عن فضل النظر، كقوله:
فُؤادِي مِنكَ ملآنُ ... وسِرّي فِيك إعلانُ
وقوله:
عَن أيِّ ثَغْرٍ تَبتَسِمْ
وهل ثَقُل على المتوكل قصائدُه الجيادُ حتى قلَّ نشاطه لها واعتناؤه بها، إلا لأنَّه لم يفهم معانيها كما فهم معانيَ النوع النازل الذي انْحَطَّ له إليه؟ أتُراك تستجيز أن تقول إن قوله
стр. 145
" مُنَى النَّفْسِ في أسماءَ لَوْ يَسْتَطِيعُها " من جنس المعقَّد الذي لا يُحمَد، وإن هذه الضَّعيفة الأسْر، الواصلة إلى القلوب من غير فكر، أوْلى بالحمد، وأحقّ بالفضل. هذا والمعقَّد من الشعر والكلام لم يُذَمَّ لأنه مما تقعُ حاجةٌ فيه إلى الفكر على الجملة، بل لأنّ صاحبه يُعْثِرُ فِكرَك في متصرَّفه، ويُشيكُ طريقك إلى المعنى، ويُوعِّر مذهبَك نحوه، بل رُبّما قَسَّم فكرَك، وشعَّب ظَنَّك، حتى لا تدري من أي تتوصّل وكيف تطلب. وأمّا الملخَّص فيفتح لفكرتك الطريقَ لمستوى ويمهَّده، وإن كان فيه تعاطُفٌ أقام عليه المنار، وأوقد فيه الأنوار، حتى تسلكُه سلوكَ المتبين لوِجهته، وتقطعَهُ قَطْعَ الواثق بالنُّجْح في طِيِّته، فترِدَ الشريعة زرقاءَ، والروْضة غنّاءَ، وصادفت نهجاً مستقيماً، مذهباً قويماً، وطريقةً تنقاد، وتبيّنت لها الغاية فيما ترتاد؟ فقد قيل: قُرَّةُ العين، وسَعَة الصدر، ورَوْحُ القلب، وطِيب النفس، من أربعة أمور الاستبانة للحجّة، والأُنس بالأحبّة، والثَّقة بالعُدّة، والمعاينة للغاية، وقال الجاحظ في أثناء فصل يذكر فيه ما في الفكر والنظر من الفضيلة: وأين تقع لذّةُ البهيمة بالعَلُوفة، ولذّة السَّبُع بلَطْع الدَّم وأكلِ اللحم، من سرور
следующие страницы →