Полный текст (421 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
حتى يُنبئ عن مساواة ما في إحدى الكفتين ما في الأخرى، فكما لا يُتصور في تلك الصفة زيادةٌ ونقصان، حتى يكون كثيرُها مذموماً وقليلها محموداً، كذلك الحكم في الصِّفة التي تحصل للكلام بإجرائه على حكم النحو ووَزْنِهِ بميزان، فقول أبي بكر الخوارزمي: " والبُغْضُ عِنْدِي كثرةُ الإعراب " كلامٌ لا يُحصَل منه على طائل، لأنّ الإعراب لا يقع فيه قلة وكثرة، إن اعتبرنا الكلام الواحد والجملة الواحدة، وإن اعتبرنا الجُمُل الكثيرةَ وجعلنا إعراب هذه الجملة مضموماً إلى إعراب تلك، فهي الكثرة التي لا بدّ منها، ولا صلاح مع تركها، والخليقُ بالبُغْض مَنْ ذَمَّها وإن كان أراد نحو قول الفرزدق:
وَمَا مِثْلُه في النّاس إلاَّ مملَّكاً ... أبو أمِّه حيٌّ أبُوه يُقَارِبُهُ
وما كان من الكلام معقَّداً موضوعاً على التأويلات المتكلَّفة، فليس ذلك بكثرةٍ وزيادة في الإعراب، بل هو بأن يكون نَقْصاً له ونقضاً أولى، لأن الإعراب هو أن يُعرب المتكلم عما في نفسهُ ويبيّنه ويوضِّح الغرض ويكشفَ اللَّبْسَ، والواضعُ كلامه على المجازفة في التقديم والتأخير زائلٌ عن الإعراب، زائغٌ عن الصواب، متعرّض للتلبيس والتعمية، فكيف يكون ذلك كثرةً في الإعراب؟ إنما هو كثرة عناءٍ على من رام أن يردَّه إلى الإعراب، لا كثرة الإعراب،
стр. 72
وهذا هو كالاعتراض على طريق شجون الحديث، ويُحتاج إليه في أصل كبير، وهو أن من حق العاقل أن لا يتعدَّى بالتشبيه الجهةَ المقصودةَ، ولا سيما في العقليات، وأرجع إلى النَّسَق، مثال " الأصل الثالث "، وهو أخذ الشبه من المعقول للمعقول، أوَّل ذلك وأعمُّه تشبيهُ الوجودِ من الشيءٍ مرةً بالعدمَ، والعدمِ مرةً بالوجود، أمّا الأول: فعلى معنى أنه لما قَلَّ في المعاني التي بها يظهر للشيء قَدْرٌ، ويصير له ذِكْرٌ، صار وُجوده كلا وجود، وأمّا الثاني فعلى معنى أن الفاني كان موجوداً ثم فُقِد وعُدم، إلا أنه لما خلّف آثاراً جميلةً تُحيي ذكرَه، وتُديم في الناس اسمه، صار لذلك كأنه لم يُعدَم، وأما ما عدَاهما من الأوصاف فيجيء فيها طريقان: أحدهما: هذا وذلك في كلّ موضع كان موضوع التشبيه فيه على ترك الاعتداد بالصفة، وإن كانت موجودة، لخلوِّها مما هو ثمرتها والمقصودُ منها، والذي إذا خَلَتْ منه لم تستحق الشَّرَف والفضلَ. تفسير هذا: أنك إذا وصفت الجاهل بأنه مّيت، وجعلت
стр. 73
الجهل كأنه موتٌ، على معنى أن فائدة الحياة والمقصود منها هو العلم والإحساس، فمتى عَدِمَهما الحيُّ فكأنه قد خرج عن حُكمْ الحيّ، ولذلك جُعل النَّوم موتاً، إذ كان النائم لا يشعر بما بحضرته، كما لا يشعر الميِّت
والدرجة الأولى في هذا أن يقال: فلان لا يعقل وهو بهيمة وحمار وما أشبه ذلك، مما يحطُّه عن معاني المعرفة الشريفة، ثم أن يقال: فلان لا يعلم ولا يَفْقَهُ ولا يحسُّ، فيُنفَى عنه العلم والإحساس جملةً لضعف أمره فيه، وغلبة الجهل عليه، ثم يُجعَل التعريضُ تصريحاً فيقال: هو ميّتٌ خارجٌ من الحياة وهو جماد، توكيداً وتناهياً في إبعاده عن العلم والمعرفة، وتشدُّداً في الحكم بأنْ لا مطمع في انحسار غَيَاية الجهل عنه، وإفاقته مما به من سَكْرة الغيّ والغَفْلة وأن يُؤثِّر فيه الوعظ والتنبيهُ، ثم لما كان هذا مستقراً في العادة، أعني جَعْلَ الجاهِل ميِّتاً، خرج منه أن يكون المستحقُّ لصفة الحياة هو العالمَ المتيقظ لوَجْه الرُّشد، ثم لمّا لم يكن علمٌ أشرف وأعلى من العِلم بوحدانية الله تعالى، وبما نزّله على النبيّ ﷺ ، جُعل من حصل له هذا العلم بعد أن لم يكن، كأنه وَجَد الحياة وصارت صفةً له، مع وجود نور الإيمان في قلبه، وجُعل حالته السابقةُ التي خلا فيها من الإيمان كحالة الموت التي تُعدَم معه الحياة، وذلك قوله تعالى: " أَوَ مَنْ كَانَ مَيْتَاً فَأَحْيَيْنَاهُ " " الأنعام: ٢٢١ "، وأشباه ذلك، من هذا الباب قولهم: فلان حيٌّ وحيُّ القلب يريدون أنه ثاقبُ الفهم جيِّد النظر، مستعدٌّ لتمييز الحق من الباطل فيما يَرِد عليه، بعيدٌ من الغفلة
стр. 74
التي كالموت ويذهبون به في وجه آخر، وهو أنه حَرِكٌ نافذٌ في الأمورِ غيرُ بطيءِ النهوض وذلك أن هذه الأوصاف من أمارات الصحة واعتدال المزاج وتوقُّد نار الحياة، وهذا يصلح في الإنسان والبهيمة، لأنه تعريض بالقدرة والقوة، والمذهب الأول إشارة في العلم والعقل، وكلتا الصفتين أعني القدرة والعلم مما يشرف به الحيُّ، ومما يضادُّه الموتُ وينافيه، ولما كان الأمْرُ كذلك صار إطلاق الحياة مرة عبارةً عن العلم، وأخرى عن القدرة وإطلاقُ الموت إشارةً إلى عدم القدرة وضعفها تارةً، وإلى عدم العلم وضعفه أخرى، والقول الجامع في هذا: أنّ تنزيلَ الوُجود منزلة العدَم إذا أريد المبالغة في حطّ الشيء والوَضْع منه وخروجِه عن أن يُعتدَّ به، كقولهم: هو والعدم سواء معروفٌ متمكن في العادات، وربما دعاهم الإيغال وحُبُّ السَّرَف إلى أن يطلبوا بعد العدم منزلةً هي أدْوَن منه، حتى يقعُوا في ضرب من التهوّس، كقول أبي تمام:
وأنت أنْزَرُ من لا شيءَ في العددِ
стр. 75
وقال ابن نُبَاتَةَ:
مازِلْتُ أعطِفُ أيَّامِي فتمنَحُني ... نَيلاً أدَقَّ من المعدومِ في العدَمِ
ويتفرع على هذا إثبات الفضيلة للمذكور بإثبات اسم الشيء له، ويكون ذلك على وجهين:
أحدهما: أن تريد المدحَ وإثباتَ المَزِيَّة والفضل على غاية المبالغة، حتى لا تحصل عليه مزيداً، فإذا أردتَ ذلك جعلتَ الإثبات كأنه مقصور عليه لا يُشارَك فيه، وذلك قولك: هذا هو الشيء وما عداه فليس بشيءٍ، أي: إن ما عداه إذا قيس إليه صَغُر وحَقُر حتى لا يدخل في اعتداد، وحتى يكونَ وِجْدَانه كفِقْدَانهُ، فقد نزّلت الوجود فيمن عدا المذكور منزلةَ العدم، وأما أن يكون التفضيل على توسُّط، ويكون القصدُ الإخبار بأنه غير ناقص على الجملة، ولا مُلْغًى منزَّل منزلةَ المعدوم، وذلك قولك: هذا شيءٌ، أي: داخل في الاعتداد، وفي هذه الطريقة أيضاً تفاوُتٌ، فإنك تقول مرةً: هذا إمَّا لا، شيءٌ، تريد أن تقول: إن الآخر ليس بشىء ولا اعتداد به أصلاً، وتقول أخرى: هذا شيء، تريد: شيءٌ له قَدْرٌ وخَطَر، وتجرِي لك هذه الوجوه في أسماء الأجناس كلها تقول: هذا هو الرجل ومَنْ عَداه فليس من الرجولية في شيء،
стр. 76
وهذا هو الشعر فحسب، تبالغ في التفضيل، وتجعل حقيقة الجنسية مقصورةً على المذكور، وتقول: هذا رجلٌ تريد: كاملٌ من الرجال، لا أن مَنْ عَدَاه فليس برجل على الكمال، وقد تقول: هذا إمّا لا، رَجلٌ، تريد: يَستحقّ أن يُعَدَّ في الرجال، ويكون قصدُك أن تشير إلى أنّ هناك واحداً آخرَ لا يدخل في الاعتداد أصلاً ولا يستحق اسم الرجل، وإذا كان هذا هو الطريقَ المَهْيَع في الوَضْع من الشيء وتركِ الاعتداد به، والتفضيل له والمبالغة في الاعتداد به، فكل صفتين تضادّتا، ثم أُريد نَقص الفاضلة منهما، عبّر عن نقصها باسم ضدّها، فجُعلت الحياة العارية من فضيلة العلم والقدرة موتاً، والبصر والسمعُ إذا لم ينتفع صاحبهما بما يَسْمَع ويُبْصِر فلم يَفْهم معنى المسموع ولم يعتبر بالمُبصر أو لم يعرف حقيقته عمًى وصَمَمَاً، وقيل للرجل: هو أعمى أصمُّ، يراد أنه لا يستفيد شيئاً مما يسمع ويُبصر، فكأنه لم يسمع ولم يبصر، وسواءٌ عبّرت عن نقص الصفة بوجود ضدّها، أو وصفِها بمجرَّد العدم، وذلك أنّ في إثبات أحد الضدّين وصفاً للشيء، نفياً للضدّ الآخر، لاستحالة أن يوجدا معاً فيه، فيكون الشَّخص حيّاً ميّتاً معاً، أصمَّ سمعياً في حالة واحدة، فقولك في الجاهل: هو ميّت، بمنزلة قولك: ليس بحيّ، وأن الوجود في حياته بمنزلة العَدم. هذا هو ظاهر المذهب في الأمر والحكم إذا أُطلق القولُ، فأما إذا قُيِّد كقوله:
стр. 77
" أَصَمُّ عَمَّا سَاءَه سَمِيعُ " فَتُثْبَتُ له الصفتان معاً على الجملة، إلاّ أن مرجع ذلك إلى أن يقال إنه كان يفقد السمع في حال ويعود إليه في حال أو أنه في حقّ هذا الجنس فاقد الإدراك مسلوبه، وفيما عداه كائن على حكم السميع، فلم يثبت له الصمم على الجملة، إلاّ للحكم بأن وجود سَمْعه كالعدم، إلا أن ذلك في شيء دون شيء، وعلى التقييد دون الإطلاق، فقد تبيَّن أن أصل هذا الباب تنزيل الموجود منزلة المعدوم، لكونه بحيث لا يعتدُّ به وخلِّوه من الفضيلة، والطريق الثاني في شَبَه المعقول من المعقول: أن لا يكون على تنزيل الوُجود منزلة العدم، ولكن على اعتبار صفة معقولةٍ يُتصوَّر وُجودها مع ضِدّ ما استعرتَ اسمه، فمن ذلك أن يراد وَصْفُ الأمر بالشدة والصعوبة، وبالبلوغِ في كونه مكروهاً إلى الغاية القُصْوَى، فيقال: لَقِيَ الموت، يريدون لَقَي الأمر الأشدَّ الصعب الذي هو في كراهة النَّفس له كالموت، ومعلومٌ أنَّ كون الشيء شديداً صعباً مكروهاً صفةٌ معلومةٌ لا تُنافي الحياة، ولا يُمْنَع وجودها معه، كما يُمنَع وجود المَوت مع الحياة ألا ترى أن كراهة الوتِ موجودةٌ في الإنسان قبل
стр. 78
حصوله، كيف وأكرهُ ما يكون الموت إذا صَفَتْ مشاعر الحياة، وخَصِبتْ مسارح اللذّات، فكلما كانت الحياةُ أمكن وأتمّ، كانت الكراهة للموت أقوى وأشدّ، ولم تخفَّ كراهته على العارفين إلا لرغبتهم في الحياة الدائمة الصافية من الشوائب، بعد أن تزول عنه هذه الحياة الفانية ويُدركهم الموت فيها، فتصوُّرُهم لذّة الأمْن منه، قلَّل كراهتهم له، كما أن ثقةَ العالم بما يُعْقِبه الدواءُ من الصحة، تُهوّن عليه مَرَارَته، فقد عبْرت ها هنا عن شدّة الأمر بالموت، واستعرته له من أجلها، والشّدةُ ومحصُولُها الكراهة، موجودة في كل واحد من المستعار له والمستعار منه فليس التشبيه إذَنْ من طريق الحُكْم على الوجود بالعدم، وتنزيل ما هو موجود
كأنه قد خَلَعَ صفة الوجود، وذلك أن هذا الحكم إنما جرى في تشبيه الجهل بالموتِ، وجعل الجاهل ميّتاً من حيث كان للجهل ضدٌُّ يُنافي الموت ويضادُّه وهو العلم، فلما أردتَ أن تبالغ في نفي العلم الذي يجب مع نفيه الجهلُ، وجعلتَ الجهلَ موتاً لتُؤْيس من حصول العلم للمذكور، وليس لك هذا في وصف الأمر الشديد المكروه بأنه موت، ألا ترى أن قوله: هـ قد خَلَعَ صفة الوجود، وذلك أن هذا الحكم إنما جرى في تشبيه الجهل بالموتِ، وجعل الجاهل ميّتاً من حيث كان للجهل ضدٌُّ يُنافي الموت ويضادُّه وهو العلم، فلما أردتَ أن تبالغ في نفي العلم الذي يجب مع نفيه الجهلُ، وجعلتَ الجهلَ موتاً لتُؤْيس من حصول العلم للمذكور، وليس لك هذا في وصف الأمر الشديد المكروه بأنه موت، ألا ترى أن قوله:
لا تحسَبَنَّ المَوْتَ مَوْتَ البِلَى ... وإنما الموتُ سُؤالُ الرجالْ
لا يفيد أنّ للسُّؤَال ضدّاً ينافي الموت أو يضادّه على الحقيقة، وأن هذا القائل قصد بجعل السؤال موتاً نَفْىَ ذلك الضدّ، وأن يُؤْيِس من وجوده وحصوله، بل أراد أن في السؤال كراهة ومرارةً مثل ما في الموت، وأن نفس الحرّ تنفِرُ عنه كما تنفر نفوسُ الحيوان جملةً من الموت، وتطلبُ الحياةَ ما أمكن في الخلاص منه،
стр. 79
فإن قلتَ: المعنى فيه أن السؤال يَكْسِب الذُلَّ ويَنْفي العِزَّ، والذليلُ كالميت لفقد القدرة والتصرّف، فصار كتسميتهم خُمول الذكر موتاً، والذكرَ بعد الموت حياةً، كما قال أمير المؤمنين علي ﵁: مات خُزَّان المالِ، والعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مَفْقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة، قلتُ: إني آنَسُ أنهم لم يقصدوا هذا المعنى في السؤال، وإنما أرادوا الكراهة، ولذلك قال بعد البيت الذي كتبته:
كِلاَهما موتٌ، ولكنَّ ذَا ... أشدُّ مِنْ ذاك لذُلّ السُّؤالْ
هذا وليس كل ما يعبِّر عنه بالموت لأنه يُكْرَه ويَصْعُب ولا يستسلم له العاقل إلاّ بعدَ أن تُعْوِزَه الحِيَلُ فإنه يُحْمل هذا المَحْمَل، وينقادُ لهذا التأويل، أترى المتنبي في قوله:
وقد مُتّ أمْسِ بها مَوْتَةً ... ولا يَشْتَهِي الموتَ مَنْ ذَاقَهُ
أراد شيئاً غير أنه لقي شِدّةً، وأمَّا العبارة عن خمول الذكر بالموت، فإنه وإن كان يدخل في تنزيل الوجود منزلة العدم، من حيث يقال: إن الخامل لمّا لم يُذكَر ولم يَبِنْ منه
стр. 80
ما يُتحدَّث به، صار كالميت الذي لا يكون منه قولٌ، بل ولا فعل يدلُّ على وجوده فليس دخوله فيه ذلك الدخولَ، وذلك أن الجهل يُنافي العلم ويضادُّه كما لا يخفى، والعلم إذا وُجد فَقَدْ وُجدت الحياةُ حَتْمَاً واجباً، وليس كذلك خمولُ الذكر والذكرُ، لأنه ليس إذا وُجد الذكرُ فقد وُجدت الحياة، لأنك تُحدِّث عن الميت بأفعاله التي كانت منه في حال الحياة، فيَتَصَوَّر الذكرُ ولا حياة على الحقيقة، ولا يُتَصَوَّر العلم ولا حياة على الحقيقة. وهكذا القول في الطرف الآخر، وهو تسميةُ مَنْ لا يَعلم ميّتاً، وذلك أن الموت ها هنا عبارة عن عَدَم العلم وانتفائه، وعدم العلم على الإطلاق، حتى لا يوجد منه شيء أصلاً، وحتى لا يصحّ وجوده، يقتضي وجود الموت على الحقيقة ولا يمكن أن يقال إنّ خمولَ الذكر يوجب الموت على الحقيقة، فأنت إذن في هذا تُنزّل الوجود منزلةَ العدم على وجهٍ لا ينصرف إلى الحقيقة ولا يصير إليها،، وإنما يُمثَّل ويُخيَّل، وأما في الضرب الأول وهو جعلُ من لا يعلم ميِّتاً ومن يعَلم هو الحيّ فإنك تلاحظ الحقيقة وتشير إليها وتحطِب في حَبْلها فاعرفه. وأمَّا قولهم في الغنيّ إذا كان بخيلاً لا ينتفع بماله: إنّ غناه فقر، فهو في الضرب الأول أعني تنزيلَ الوجود منزلة العدم لتعرّى الوجود مما هو المقصود منه، وذلك أن المال لا يُراد لذاته، وإنما يُراد للانتفاع به في الوجوه التي تعدُّها العقلاء انتفاعاً، فإذا حُرم مالكه هذه الجدوى وهذه الفائدة، فملْكُه له وعدم الملك سواء، والغِنَي إذا صُرف إلى المال، فلا معنى له سوى مِلْك الإنسان الشيء الكثير منه، ألا تراه يُذكَر مع الثروة فيقال: غنيٌّ مُثْرٍ مُكثر؟ فإذا تبين بالعلة التي مضت أنه لا يستفيد بمِلْكه هذا المالَ معنًى،
стр. 81
وأن لا طائل له فيه، فقد ثبت أن غِناه والفقرَ سواء، لأن الفقر أن لا يملك المال الكثير، وأمّا قول اللُؤَماء: إن انتفاعه في اعتقاده أنَّه متى شاء انتفع به، وما يجد في نفسه من عزّة الاستظهار، وأنه يُهاب ويُكْرم من أجله، فمن أضاليل المُنَى، وقد يُهان ويُذَّلُّ ويُعَذَّب بسببه حتى تُنْزَع الروح دونه، ثم إن هذا كلامٌ وضعه العقلاء الذين عرفوا ما الانتفاع، وهذا المخالفُ لا يُنكر أن الانتفاع لو عُدم كان مِلكه الآن لمالٍ وعَدَمُ ملكه سواءٌ، وإنما جاء يتطلّب عُذْراً، ويُرخِي دون لُؤْمه سِتْراً، ونظير هذا أنك ترى الظالم المجترئ على الأفعال القبيحة، يدّعي لنفسه الفضيلة بأنه مَدِيد الباع طويلُ اليد، وأنه قادرٌ على أن يُلجئ غيره إلى التَّطامن له، ثم لا يزيده احتجاجُه إلا خِزْياً وذُلاً عند الله وعند الناس، وترى المصدِّق له في دعواه أذَمَّ له وأهجى من المكذِّب، لأن الذي صدّقه أيِسَ من أن ينزع إلى الإنسانية بحالٍ، والذي كذَّب رجَا أن ينزع عند التنبيه والكشف عن صورة القبيح، وأما قولهم في القناعة إنها الغِنَى كقوله:
إنَّ القُنوعَ الغِنَى لا كثرةُ المال
стр. 82
يريد القناعة، وكما قال الآخر:
إنّ القَنَاعةَ فاعلمنَّ غِنَى ... والحِرْصُ يُورِث أهلَهُ الفَقْرَا
وجعلُهم الكثيرَ المال، إذا كان شَرِهاً حريصاً على الازدياد، فقيراً، فمِمَّا يرجع إلى الحقيقة المحضة، وإن كان في ظاهر الكلام كالتشبيه والتمثيل، وذلك أن حقيقة الغِنَى هو انتفاء الحاجة والحاجة أن تريد الشيء ولا تجدُه، والكثير المال إذا كان الحِرْصُ عليه غالباً، والشَّرَهُ له أبداً صاحباً، كان حاله كحال من به كَلَبُ الجوع يأكل ولا يشبع، أو من به البَغَرُ يشرب ولا يروَى، فكما إنّ إصابته من الطعام والشراب القدرَ الذي يُشبع ويُروى، إذا كان المزاج معتدلاً والصّحة صحيحةً، لا تنفي عنه صفة الجائع والظمآنِ لوجود الشهوة ودَوامِ مُطالبة النفس وَبَقَاء لهيب الظمأِ وجهْدِ العطش، كذلك الكثيرُ المال لا تحصل له صفة الغِنى ولا تزول عنه صفة الفقر، مع بقاء حرصه الذي يُديم له القَرَم والشَّره والحاجة والطلَب والضَجَر حين يفقِد الزيادة التي يريدها، وحين يفوته بعض الرِّبح من تجاراته وسائر متصرَّفاته، وحتى لا يكاد يفصِل بين حاله وقد فاته ما طلب، وبينها وقد أُخذ بعض مالِهِ وغُصب، ومن أين تحصُل حقيقة الغِنَى لذي المال الكثير؟ وقد تراه من بُخله وشُّحِّه كالمقيَّد دون ما ملكه، والمغلول اليدِ يموت صبراً ويُعاني بؤساً، ولا تمتّد يدُه إلى ما يزعمُ أنه يملكه فيُنفقه في لذَّة نفسٍ، أو فيما يَكْسِب حمداً اليوم وأجراً غداً، ذاك لأنه عَدِم كرماً يبسُط أناملَه، وجُوداً ينصر أمَلَهُ، وعقلاً يبصّره، وهمّةً تمكنّه مما لديه، وتُسلِّطه عليه،
стр. 83
كما قال البحتري:
ووَاجِدُ مالٍ أعوزَتْهُ سَجِيّةٌ ... تُسلّطه يوماً على ذلك الوُجْد
فقولهم إذَنْ: إن القناعة هي الغِنَى لا كثرة المال، إخبار عن حقيقةِ نفّذتها قضايا العقول، وصحّحتها الخِبرة والعِبرة، ولكن رُبّ قضيةٍ من العقل نافذةٍ قد صارت كأنها من الأمور المتجوَّز فيها، أو دون ذلك في الصحة، لغلبة الجهل والسَفَه على الطباع، وذهاب من يعمل بالعقل ويُذعن له، ويطرح الهوى، ويصبُو إلى الجميل، ويأنَف من القبيح، ولذهاب الحياء وبُطلانه، وخروج الناس من سُلْطانه، ويأس العاقل من أن يُصادف عندهم، إن نَبَّهَ أو ذَكَّر، سمعاً يعي، وعقلاً يراعي، فجَرْيُ الغنى على كثرة المال، والفقر على قلّته، مما يُزيله العُرف عن حقيقته في اللغة، ولما كان الظاهرُ من حال الكثير المال أنه لا يَعْجِز عن شيء يريده من لذّاته وسائر مطالبه، سُمّي المال الكثير غِنًى، وكذلك لمَّا مَن كان قَلَّ ماله، عَجَز عن إرادته، سُمّي قلّة المال فقراً، فهو من جنس تسمية السبب باسم المسَبَّب، وإلا فحقيقة الغنى انتفاء الاحتياج، وحقيقة الفقر الاحتياج، والله تعالى الغنيُّ على الحقيقة، لاستحالة الاحتياج عليه جلّ وتعالى عن صفات المخلوقين، على ذاك ما جاء في الخبر من أن رسول الله ﷺ قال: " أَتَدْرُون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا يا رسول الله من لا دِرْهمَ له ولا مَتَاع، قال: المفلس من أُمَّتي من يأتي يوم القيامة بصلاته وزكاته وصيامه، فيأتي وقد شتم هذا وأكل مال هذا وقَذَف هذا وضرب هذا وسفك دمَ هذا فيُعطَى هذا من
стр. 84
حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيتُ حسناته قبل أن يفنى ما عليه من الخطايا، أُخذ من خطاياهم فطُرحت عليه، ثم طُرح في النار "، ذاك أنه ﷺ بيَّن الحكم في الآخرة، فلما كان الإنسان إنما يُعَدُّ غنيّاً في الدنيا بماله، لأنه يجتلب به المسرّة ويدفع المضرّة، وكان هذا الحكم في الآخرة، للعمل الصالح، ثبتَ لا محالة أن يكون الخاليِ، نعوذ بالله، من ذلك، هو المفلس، إذ قد عَرِيَ مما لأجله يسمّى الخالي من المال في الدنيا مفلساً، وهو عدم ما يوصله إلى الخير والنعيم، ويقيه الشرَّ والعذابَ، نسأل الله التوفيق لما يُؤْمِنُ من عقابه. وإذا كان البَحْثُ والنظر يقتضي أن الغنى والفقر في هذا الوجه دالاّن على حقيقة هذا التركيب في اللغة، كقولك: غَنِيتُ عن الشيء واستغنيتُ عنه، إذا لم تحتج إليه وافتقرتُ إلى كذا، إذا احتجتَ إليه وجب أن لا يعدواها ها هنا في المستعار والمنقول عن أصله.
стр. 85
فصل
إن قال قائل: إنّ تنزيل الوجود منزلةَ العدم، أو العدِم منزلةَ الوجود، ليس من حديث التشبيه في شيء، لأن التشبيه أن تثبت لهذا معنًى من معاني ذاك، أو حُكماً من أحكامه، كإثباتك للرجل شجاعة الأسد، وللحُجة حكم النُّور، في أنك تفصل بها بين الحق والباطل، كما يُفصل بالنور بين الأشياء، وإذا قلت في الرجل القليل المعاني: هو معدوم، أو قلت: هو والعدم سواء، فلست تأخذ له شبهاً من شيء، ولكنك تنفيه وتُبطل وجوده، كما أنك إذا قلت: ليس هو بشيء أو ليس برجل، كان كذلك، وكما لا يسمّى أحدٌ نحوَ قولنا: ليس بشيء تشبيهاً، كذلك ينبغي أن لا يكون قولك: وأنت تقلِّل الشيءَ أُخبرت عنه معدومٌ تشبيهاً، وكذلك إذا جعلت المعدوم موجوداً كقولك مثلاً للمال يذهب ويفنَى ويُثمر صاحبهُ ذكراً جميلاً وثناءً حسناً: إنه باقٍ لك موجود، لم يكن ذلك تشبيهاً، بل إنكاراً لقول من نفى عنه الوجود، حتى كأنك تقول: عينُه باقية كما كانت، وإنما استَبْدَل بصورة صورةً فصار جمالاً، بعد ما كان مالاً، ومكارمَ، بعد أن كان دراهم، وإذا ثبت هذا في نفس الوُجود والعدم، ثبت في كل ما كان على طريق تنزيل الصفة الموجودة كأنها غير موجودة، نحو ما ذكرت من جعل الموت عبارةً عن الجهل، فلم يكن ذلك تشبيهاً، لأنه إذا كان لا يُرَاد بجعل الجاهل ميّتاً إلا نفْي الحياة عنه مبالغةً، ونفيُ العلم والتمييز والإحساس الذي لا يكون إلا مع الحياة، كان محصوله أنك لم تعتدُّ بحياته، وتركُ الاعتداد بالصفة لا يكون تشبيهاً، إنما نفيٌ لها وإنكارٌ لقول من أثبتها،
стр. 86
فالجواب: إن الأمر كما ذكرتَ، ولكنّي تتبّعتُ فيما وضعتُه ظاهرَ الحال، ونظرتُ إلى قولهم: موجود كالمعدوم، وشيءٌ كلا شيء، ووجود شبيه بالعدم، فإن أبيتَ أن تعمل على هذا الظاهر لم أضايق فيه، إلا أن من حَقّك أن تعلم أنه لا غِنَى بك عن حفظ الترتيب الذي رتَّبْتُه في إعطاء المعقول اسم معقول آخر أعني لا بدّ من أن تعلم أنه يجيء على طريقين: أحدهما: تنزيل الوجود منزلة العدم، كما مضى من أنّ جعل الموت عبارةً عن الجهل، وإيقاعُ اسمه عليه يرجع إلى تنزيل حياته الموجودة كأنها معدومة، والثاني: أن لا يكون هذا المعنى، ولكن على أنّ لأحد المعنيين شَبَهَاً من الآخر، نحو أن السؤال يُشبه، في كراهته وصُعوبته على نفس الحُرّ، الموتَ. واعلم أني ذكرت لك في تمثيل هذه الأصول الواضحَ الظاهرَ القريبَ المتناوَلِ الكائنَ من قَبِيل المتعارف في كل لسان، وما تجد اعترافاً به وموافقةً عليه من كل إنسان، أو ما يشابه هذا الحدَّ ويشاكله، ويداخل هذا الضَّرب ويشاركه، ولم أذكر ما يدِقُّ ويغمُض، ويلطُف ويَغْرُب، وما هو من الأسرار التي أثارتْها الصنعة، وغاصت عليها فكرة الأفراد من ذوي البراعة في الشِّعر، لأن القصد إذا كان لتمهيد الأساس، ووضع قواعد القياس، كان الأوْلى أن أعمدَ إلى ما هو أظهر وأجلى من الأمثلة، لتكون الحجةُ بها عامّة لا يصرف وجهها بحال، والشهادةُ تامةً لا تجد من السامعين غير قبول وإقبال، حتى إذا تمّهدَت القواعد، وأُحكمت العُرَى والمَعَاقد، أُخِذ حينئذ في تتبُّع ما اخترعته
стр. 87
القرائح، وعُمِد إلى حل المشكلات عن ثقةٍ بأنْ هُيّئَت المفاتح، هذا وفي الاستعارة بعدُ من جهة القوانين والأصول، شغلٌ للفكر، ومذهب للقول، وخفايا ولطائفُ تُبْرَز من حُجُبِها بالرِّفْق والتدريج والتلطُّف والتأنِّي، ولكني أظنُّ أنَّ الصوابَ أن أنْقُلَ الكلام إلى القول على التشبيه والتمثيل وحقيقتهما والمراد منهما، خصوصاً في كلام من يتكلم على الشعر، ونتعرّف أهما متساويان في المعنى، أو مختلفان، أم جنسهما واحدٌ، إلا أن أحدهما أخصُّ من الآخر؟ وأنا أضع لك جملة من القول تَبِين بها هذه الأمور،
стр. 88
التشبيه والتمثيل
أقسام التشبيه
اعلم أن الشيئين إذا شُبّه أحدهما بالآخر كان ذلك على ضربين أحدهما أن يكون من جهة أمرٍ بيّنٍ لا يحتاج إلى تأوّل، والآخر أن يكون الشبه محصّلاً بضرب من التأوّل، فمثال الأول: تشبيهُ الشيّ بالشيء من جهة الصُّورة والشكل، نحو أن يشبَّه الشيء إذا استدار بالكرة في وجه، وبالحلقة في وجه آخر وكالتشبيه من جهة اللّون، كتشبيه الخدود بالورد، والشَعر بالليل، والوجه بالنهار، وتشبيه سِقْط النار بعين الديك، وما جرى في هذا الطريق أو جمع الصُّورة واللون معاً، كتشبيه الثُّريّا بعنقود الكَرْم المنوَّر، والنرجس بمَدَاهن دُرٍّ حشُوهن عقيق، وكذلك التشبيه من جهة الهيئة نحو: أنه مستوٍ منتصبٌ مديدٌ، كتشبيه قامة الرَّجل بالرمح، والقَدِّ اللطيفِ بالغصن ويدخل في الهيئةِ حالُ الحركات في أجسامها، كتشبيه الذاهب على الاستقامة بالسَّهم السديد، ومَنْ تأخذه الأريحيّةُ فَيهتزُّ بالغصن تحت البارح، ونحو ذلك وكذلك
стр. 89
كل تشبيهٍ جَمَعَ بين شيئين فيما يدخل تحت الحواسّ، نحو تشبيهك صوتَ بعض الأشياء بصوت غيره، كتشبيه أطيطِ الرحل بأصوات الفراريج، كما قال:
كأنّ أصواتَ، من إيغالهنّ بنا ... أواخرِ المَيْس إنقاضُ الفَرَاريج
تقدير البيت كأن أصوات أواخر الميس أصواتَ الفراريج من إيغالهن بنا ثم فصل بين المضاف والمضاف إليه بقوله: من إيغالهن وكتشبيه صَرِيف أنياب البعير بصياح البوازي، كما قال:
كأنَّ عَلَى أنيابها سُحْرَةٍ ... صِياحَ البَوازي من صَرِيف اللَّوَائِك
وأشباه ذلك من الأصوات المشبهة له وكتشبيه بعض الفواكه الحلوة بالعسَل والسُكَّر وتشبيهِ اللِّين الناعم بالخزِّ، والخشن بالمِسْحِ، أو رائحةِ بعض الرياحين برائحة الكافور أو رائحة بعضها ببعضٍ كما لا يخفى، وهكذا التشبيه من جهة الغريزة والطباع، كتشبيه الرجل بالأسد في الشجاعة، وبالذئب في النُكْر، والأخلاقُ كلُّها تدخُل في الغريزةُ نحو السَّخاء والكرمَ واللؤم،
стр. 90
وكذلك تشبيه الرجل بالرجل في الشدة والقوة وما يتصل بهما، فالشبه في هذا كلّه بَيّنٌ لا يجري فيه التأوُّل، ولا يُفتقَر إليه في تحصيله، وأيُّ تأوُّل يجري في مشابهة الخدّ للورد في الحمرة، وأنت تراها ها هنا كما تراها هناك؟ وكذلك تعلم الشَّجاعة في الأسد كا تعلمها في الرجل، ومثالُ الثاني: وهو أشبه الذي يَحْصُل بضرب من التأوُّل، كقولك: هذه حُجّةٌ كالشمس في الظهور، وقد شبّهت الحجةَ بالشمس من جهة ظهورها، كما شبَّهتَ فيما مَضَى الشيء بالشيء من جهة ما أردت من لون أو صورة أو غيرهما، إلا أنك تعلمَ أن هذا التشبيه لا يتمّ لكَ إلا بتأوُّل، وذلك أن تقول: حقيقة ظُهور الشمس وغيرها من الأجسام أنْ لا يكون دونها حجابٌ ونحوُه، مما يحول بين العين وبين رؤيتها، ولذلك يظهر الشيءُ لك إذا لم يكن بينك وبينه حجابٌ، ولا يظهر لك إذا كنت من وراء حجاب، ثم تقول: إن الشُبهة نظير الحجاب فيما يُدرَك بالعقول، لأنها تمنع القلب رؤيةَ ما هي شُبهة فيه، كما يمنع الحجاب العين أن ترى ما هو من ورائه، ولذلك تُوصف الشُبهة بأنها اعترضت دون الذي يروم القلبُ إدراكه، ويَصْرف فكرَه للوصول إليه من صحّةِ حكمِ أو فساده، فإذا ارتفعت الشبهة وحصل العلم بمعنى الكلام الذي هو الحجّة على صحّة ما ادُّعي من الحكم قيل: هذا ظاهرٌ كالشمس، أي ليس ها هنا مانعٌ عن العلم به، لا للتوقف والشكّ فيه مَسَاغٌ، وأنَّ المنكرَ له إمَّا مدخولٌ في عقله أو جاحدٌ مُباهتٌ، ومُسرف في
стр. 91
العناد، كما أن الشمس الطالعة لا يَشكُّ فيها ذو بصرٍ، ولا ينكرها إلاّ مَنْ لا عذر له في إنكاره، فقد احتجتَ في تحصيل الشبه الذي أَثبته بين الحجّة والشمس إلى مثل هذا التأوّل كما ترى. ثم إنّ ما طريقُه التأوُّل يتفاوت تفاوتاً شديداً، فمنه ما يقربُ مأخذُه ويسهُل الوصول إليه، ويُعطَى المَقَادةَ طوعاً، حتى إنه يكاد يداخل الضرب الأول الذي ليس من التأول في شيء، وهو ما ذكرته لك ومنه ما يُحتاج فيه إلى قدر من التأمّل، ومنه ما يدقُّ ويغمُض حتى يُحتاج في استخراجه إلى فضل رويّةٍ ولُطْفِ فكرةٍ. فمما يُشبه الذي بدأتُ به في قُرب المأخذ وسهولة المأتى، قوله في صفة الكلام: ألفاظه كالماء في السلاسة، وكالنسيم في الرٍّقة، وكالعسل في الحلاوة، يريدون أن اللفظ لا يستغلِق ولا يشتبه معناه ولا يصعُب الوُقوف عليه، وليس هو بغريب وَحْشيّ يُستكرَه، لكونه غيرَ مألوف، أو ليس في حروفه تكريرٌ وتنافرٌ يُكَدُّ اللسانُ من أجلهما، فصارت لذلك كالماء الذي يسوغُ في الحلق، والنسيم يسري في البدن، ويتخلَّل المسالك اللطيفة منه، ويُهدي إلى القلب رَوْحاً، ويُوجد في الصدر انشراحاً، ويُفيد النفس نشاطاً، وكالعسل الذي يَلَذُّ طعمه، وتَهِشُّ النفس له، ويميل الطبع إليه، ويُحَبُّ ورودُه عليه، فهذا كله تأوّلٌ، وردُّ شيء إلى شيء بِضربٍ من التلطف، وهو أدخل قليلاً في حقيقة التأوّل، وأقوى حالاً في الحاجة إليه، من تشبيه الحجّة بالشمس،
стр. 92
وأما ما تقوَى فيه الحاجة إلى التأوُّل حتى لا يُعرَف المقصود من التشبيه فيه ببديهة السماع، فنحو قول كَعْبٍ الأشقريّّ، وقد أوفده المهَلَّب على الحجّاج، فوصف له بنيه وذكر مكانهم من الفضل والبأس، فسأله في آخر القصّة قال: فكيف كان بنو المهلب فيهم؟ قال: كانوا حُماة السَرْح نهاراً، فإذا أليَْلُوا ففرسان البَيَات، قال: فأيُّهم كان أنجد؟ قال: كانوا كالحلْقة المفرغة لا يُدرَى أين طَرَفاها، فهذا كما ترى ظاهر الأمر في فَقْره إلى فضل الرِّفق به والنظر، ألا ترى أنه لا يفهمه حقَّ فَهْمه إلا من له ذهن ونَظَرٌ يرتفع به عن طبقة العامّة؛ وليس كذلك تشبيه الحجّة بالشمس، فإنه كالمشتركِ البَيّن الاشتراك، حتى يستوي في معرفته، اللبيبُ واليقِظُ والمضعوفُ المغفَّل، وهكذا تشبيه الألفاظ بما ذكرت، قد تجده في كلام العامي. فأمَّا ما كان مذهبه في اللُّطف مذهبَ
قوله: هم كالحلقة، فلا تراه إلا في الآداب والحِكَم المأثورة عن الفضلاء وذوِي العقول الكاملة. وله: هم كالحلقة، فلا تراه إلا في الآداب والحِكَم المأثورة عن الفضلاء وذوِي العقول الكاملة.
стр. 93
الفرق بين التشبيه والتمثيل
وإذ قد عرفتَ الفَرْقَ بينن الضَّربين، فاعلم أن التشبيه عامٌّ والتمثيل أخصّ منه، فكل تمثيلٍ تشبيهٌ، وليس كلّ تشبيهٍ تمثيلاً، فأنت تقول في قول قيس بن الخطيم:
وقد لاَحَ في الصُّبح الثريَّا لمن رَأَى ... كَعُنْقُودِ مُلاَّحِيَّةٍ حِينَ نَوَّرا
إنه تشبيه حسن، ولا تقول: هو تمثيل، وكذلك تقول: ابنُ المعتزّ حَسَنُ التشبيهات بديعُها، لأنك تعني تشبيهه المبصَرات بعضَهَا ببعض، وكلَّ ما لا يوجد الشبه فيه من طريق التأوّل، كقوله:
كأنَّ عُيونَ النَّرْجِسِ الغضِّ حَوْلها ... مَدَاهِنُ دُرٍّ حَشْوُهنَّ عقيقُ
وقوله:
وأرَى الثُّريّا في السَّماء كأنَّها ... قَدْ تَبَدَّت من ثِيابِ حِدَادِ
وقوله:
وترومُ الثُّريا ... في الغُرُوبِ مَرَاما
كانكباب طِمِرِّ ... كادَ يُلقَى اللِّجَامَا
стр. 94
وقوله:
قد انْقَضَتْ دَولَةُ الصيام وَقَد ... بَشَّرَ سُقْم الهِلالِ بِالعِيدِ
يتلو الثريا كفاغرٍ شَرِهٍ ... يفتح فاه لأكلِ عنقودِ
وقوله:
لَمَّا تَعَرَّى أُفُقُ الضِّياءِ ... مثلَ ابتسام الشَّفَة اللَّمْياءِ
وَشمِطَتْ ذَوائِبُ الظَّلماءِ ... قُدْنا لِعين الوَحْش والظِّباء
داهيةً مَحذُورةَ اللِّقاءِ ... وَيَعْرِفُ الزَّجْر من الدُّعاءِ
بأُذُنِ ساقطةِ الأرجاءِ ... كوَرْدِةِ السَّوْسَنة الشَّهباءِ
ذَا بُرْثُن كمِثْقَبِ الحذَّاءِ ... ومُقْلةٍ قليلةِ الأقذاءِ
صافية كقطرةٍ من ماءِ
وما كان من هذا الجنس ولا تُريد نحو قوله:
اصبر على مضَض الحسو ... دِ فإنّ صَبْرَك قاتِلُهْ
فالنَّارُ تأكلُ نَفْسَهَا ... إن لَمْ تَجِدْ ما تأكلُهْ
стр. 95
وذلك أن إحسانه في النوع الأول أكثر، وهو به أشهر. وكل ما لا يصحّ أن يسمَّى تمثيلاً فلفظ المثل لا يُستعمل فيه أيضاً، فلا يقال: ابن المعتزّ حسن الأمثال، تريد به نحو الأبيات التي قدّمتُها، وإنما يقال: صالح بن عبد القدُّوس كثير الأمثال في شعره، يراد نحو قوله:
وإنَّ مَنْ أَدَّبْتَهُ في الصِّبا ... كالعُودِ يُسقَى الماءَ في غَرْسِهِ
حتَّى تراهُ مُورقَاً ناضراً ... بَعْد الذي أبصرتَ مِنْ يُبْسِه
وما أشبهه، مما الشبه فيه من قبيل ما يجري في التأوّل، ولكن إن قلت في قول ابن المعتز:
فالنار تأكُلُ نَفْسها ... إن لم تجد ما تأْكُلُهْ
إنه تمثيل، فمثل الذي قلتُ ينبغي أن يُقال، لأن تشبيه الحسود إذا صُبِر وسُكِتَ عنه، وتُرك غيظُه يتردّد فيه بالنار التي لا تُمَدُّ بالحطب حتى يأكُلَ بعضها بعضاً، مما حاجتهُ إلى التأوُّل ظاهرة بيّنة. فقد تبيّن بهذه الجُملة وجهُ الفرق بين التشبيه والتمثيل، وفي تتبّع ما أجملتُ من أمرهما، وسلوكِ طريقِ التحقيق فيهما، ضربٌ من القول ينشَط له من يأْنَسُ بالحقائق.
стр. 96
فصل
اعلم أن الذي أوجب أن يكون في التشبيه هذا الانقسام، أنّ الاشتراك في الصفة يقع مرّةً في نفسها وحقيقة جنسها، ومرةً في حُكْمٍ لها ومقتضًى، فالخدُّ يشارك الورد في الحمرة نفسها وتجدها في الموضعين بحقيقتها واللفظ يشارك العسل في الحلاوة، لا من حيث جنسه، بل من جهة حكمٍ وأمرٍ يقتضيه، وهو ما يجده الذائق في نفسه من اللَّذَّة، والحالة التي تحصل في النفس إذا صادفت بحاسّة الذَّوق ما يميل إليه الطبع وَيَقَعُ منه بالموافقة، فلمَّا كان كذلك، احتيج لا محالة إذا شُبّه بالعسل في الحلاوة أن يبيَّن أنَّ هذا التشبيه ليس من جهة الحلاوة نفسها وجنسها، ولكن من مقتضًى لها، وصفةٍ تتجدَّد في النفس بسببها، وأنَّ القصد أن يُخبَر بأنَّ السامع يجد عندَ وقوع هذا اللفظ في سمعه حالةً في نفسه، شبيهةً بالحالة التي يجدها الذائق للحلاوة من العسل، حتى لو تمثَّلت الحالتان للعيون، لكانتا تُرَيان على صورة واحدة، ولَوُجدتا من التناسب على حدّ الحمرة من الخدّ، والحمرة من الورد، وليس ها هنا عبارة أخصّ بهذا البيان من التأوّل، لأن حقيقة قولنا: تأوّلتُ الشيء، أنك تطلّبت ما يؤُول إليه من الحقيقة، أو الموضعَ الذي يؤول إليه من العقل، لأن أوَّلتُ وتأوَّلتُ فَعَّلتُ وتَفَعّلتُ من آل الأمر إلى كذا يؤُول، إذا انتهى إليه، والمآل، المرجع وليس قولُ من جعل أوَّلتُ وتأَوَّلتُ من أَوَّل بشيء، لأن ما فاؤه وعينه من وضع واحد ككوكب ودَدَن لا يُصرَّف منه فعلٌ، وأوّل أفعلُ بدلالة قولنا:
стр. 97
أوّلُ منه، كقولنا: أسبق منه وأقدم، فالواو الأولى فاءٌ والثانية عينٌ وليس هذا موضع الكلام في ذلك فيستقصَى، وأما الضرب الأول، فإذا كان المثْبَت من الشَبَه في الفرع من جنس المثْبَت في الأصل، كان أصلاً بنفسه، وكان ظاهرُ أمره وباطنُهُ واحداً، وكان حاصل جمعك بين الورد والخد، أنك وجدت في هذا وذاك حمرةً، والجنس لا تتغير حقيقته بأن يوجد في شيئان، وإنما يُتصوَّر فيه التفاوت بالكثرة والقلّة والضعف والقوة، نحوَ أن حمرةَ هذا الشيء أكثر وأشد من حمرة ذاك، وإذا تقرَّرتْ هذه الجملة، حصل من العلم بها أن التشبيه الحقيقي الأصلي هو الضرب الأول، وأن هذا الضرب فرع له ومرتَّب عليه، ويزيد ذلك بياناً: أنّ مدار التشبيه على أنه يقتضي ضرباً من الاشتراك، ومعلوم أن الاشتراك في نفس الصفة، أسبقُ في التصوُّر من الاشتراك في مقتضَى الصفة كما أن الصفة نفسها مقدَّمة في الوهم على مقتضاها، فالحلاوة أوّلاً، ثم إنها تقتضي اللذّة في نفس الذائق لها، وإذا تأملنا متصرَّف تركيبه، وجدناه يقتضي أن يكون الشيئان من الاتفاق والاشتراك في الوصف، بحيث يجوز أن يُتَوهَّم أن أحدَهما الآخرُ، وهكذا تراه في العرف والمعقول، فإنّ العقلاء يؤكّدون أبداً أمر المشابهة بأن يقولوا: لا يمكنك أن تفرق بينهما، ولو رأيت هذا بعد أنْ رأيت ذاك لم تعلم أنك رأيت شيئاً غير الأوّل، حتى تستدلَّ بأمر خارج عن الصُّورة، ومعلومٌ أن هذه القضية إنما توجد على الإطلاق والوجودِ الحقيقيِ في الضرب الأول وأمَّا الضربُ الثاني، فإنما يجيء فيه على سبيل التقدير والتنزيل، فأما أن
стр. 98
لا تجد فصل اً بين ما يقتضيه العَسل في نفس الذائق، وما يحصل باللفظ المرضيّ والكلام المقبول في نفس السامع، فما لا يمكن ادّعاؤه إلاّ على نوع من المُقاربة أو المجازفة، فأمَّا على التحقيق والقطع فَلاَ، فالمشابهاتُ المتأوَّلة التي ينتزعها العقل من الشيء للشيء، لا تكون في حدّ المشابهات الأصلية الظاهرة، بل الشبه العقلي كأنَّ الشيء به يكون شبيهاً بالمشبّه.
стр. 99
فصل
ثم إن هذا الشبه العقلي ربما انتُزع من شيء واحد، كما مضى انتزاع الشَّبه للفظ من حلاوة العسل وربما انتزع من عِدَّة أمورِ يُجْمَع بعضها إلى بعض، ثم يُستخرَج من مجموعها الشَبَهُ، فيكون سبيلهُ سبيلَ الشيئين يُمزَج أحدهما بالآخر، حتى تحدُث صورة غير ما كان لهما في حال الإفراد، لا سبيل الشيئين يَجمَع بينهما وتُحفَظ صورتهما، ومثالُ ذلك قوله : " مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُواْ التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الحِمَار يَحْمِلُ أسْفَارَاً " " الجمعة: ٥ "، الشبهُ منتزع من أحوال الحمار، وهو أنه يحمل الأسفار التي هي أوعية العلوم ومستودَعُ ثَمَر العقول، ثم لا يُحسّ بما فيها ولا يشعر بمضمونها، ولا يفرِّق بينها وبين سائر الأحمال التي ليست من العلم في شيء، ولا من الدَّلالة عليه بسبيل، فليس له مما يحمل حظٌّ سوى أنه يثقُلُ عليه، ويكُدُّ جنبيه فهو كما ترَى مُقْتضَى أمورٍ مجموعةٍ، ونتيجةٌ لأشياءَ أُلّفت وقُرن بعضها إلى بعض، بيانُ ذلك: أنه احتيج إلى أن يراعَى من الحمار فعلٌ مخصوص، وهو الحمل، وأن يكون المحمول شيئاً مخصوصاً، وهو الأسفار التي فيها أماراتٌ تدلّ على العلوم، وأن يُثلَّثَ ذلك بجهل الحمار ما فيها، حتى يحصل الشبه المقصود، ثم إنه لا يحصلُ من كل واحدٍ من هذه الأمور على الانفراد، ولا يُتصوّر أن يقال إنه تشبيه بعد تشبيه، من غير أن يقف الأول على الثّاني، ويدخل الثاني في الأول، لأن الشَّبه لا يتعلق بالحمل حتى يكون من الحمار، ثم لا يتعلق أيضاً بحَمْلِ الحمار حتى يكون المحمول الأسفار، ثم لا يتعلق بهذا كله حتى يقترن به جَهْل
стр. 100
الحمار بالأسفار المحمولة على ظهره فما لم تجعله كالخيط الممدود، ولم يُمزَج حتى يكون القياسُ قياسَ أشياءَ يُبالغ في مِزاجها حتى تَتَحد وتخرُجَ عن أن تُعرَف صُورةُ كلِّ واحد منها على الانفراد، بل تبطُل صُوَرها المفردةُ التي كانت قبل المِزاج، وتحدُث صورةٌ خاصة غير اللواتي عهِدتَ، وتحصُلُ مَذَاقَةٌ لو فرضتَ حصولها لك في تلك الأشياء من غير امتزاج، فرضتَ ما لا يكون لم يتمَّ المقصود، ولم تحصل النتيجة المطلوبةُ، وهي الذمُّ بالشقاء في شيء يتعلق به غرضٌ جليلٌ وفائدةٌ شريفةٌ، مع حِرمان ذلك الغرض وعدمِ الوصول إلى تلك الفائدة، واستصحاب ما يتضمن المنافع العظيمة والنعم الخطيرة، من غير أن يكون ذلك الاستصحاب سبباً إلى نَيْلِ شيء من تلك المنافع والنِّعم، ومثال ما يجيء فيه التشبيه معقوداً على أمرين إلا أنهما لا يتشابكان هذا التشابك قولُهم: هو يَصْفُو ويكدر ويَمُرُّ ويحلُو ويشُجُّ وَيأْسُو، ويُسرِحُ ويُلجم، لأنك وإن كنت أردت أن تجمع له الصِّفتين، فليست إحداهما ممتزجة بالأخرى، لأنك لو قلت: هو يصفو، ولم تتعرض لذكر الكدر أو قلت: يحلو، ولم يسبق ذكر يَمُرُّ، وجدت المعنى في تشبيهك له بالماء في الصَّفاء وبالعسل في الحلاوة بحاله وعلى حقيقته،
стр. 101
وليس كذلك الأمر في الآية لأنك لو قلت: كالحِمار يَحْمِل أسفاراً، ولم تعتبر أن يكون جهل الحمار مقروناً بحمله، وأن يكون متعدِّياً إلى ما تَعدَّى إليه الحمل، لم يتحصل لك المغَزَى منه، وكذلك لو قلت: هُمْ كالحمار في أنه يجهل الأسفار، ولم تشرط أن يكون حمله الأسفارَ مقروناً بجهله لها لكان كذلك، وكذلك لو ذكرت الحمل والجهل مطلقين، ولم تجعل لهما المفعول المخصوص الذي هو الأسفار، فقلتَ: هو كالحمار في أنه يحمل ويجهل، وقعتَ من التشبيه المقصود في الآية بأبعد البُعد، والنكتةُ أن التشبيه بالحمل للأسفار، إنما كان بشَرْط أن يقترن به الجهل، ولم يكن الوصف بالصَّفاء والتشبيه بالماء فيه بشرط أن يقترن به الكدر، ولذلك لو قلتَ: يصفو ولا يكدر لم تزد في صميم التشبيه وحقيقته شيئاً، وإنما استدمتَ الصِّفة كقولك: يصفو أبداً وعلى كل حال.
стр. 102
فصل
اعلم أن الشّبه إذا انتُزع من الوصف لم يَخْلُ من وجهين أحدهما أن يكون لأمرٍ يرجع إلى نفسه والآخر أن يكون لأمر لا يرجع إلى نفسه، فالأوّل ما مضى في نحو تشبيه الكلام بالعسل في الحلاوة، وذلك أنّ وجه التشبيه هناك أنّ كل واحد منهما يوجب في النفس لَذّة وحالة محمودةً، ويصادف منها قبولاً، وهذا حُكْمٌ واجب للحلاوة من حيث هي حلاوة، أو للعسل من حيث هو عسل، وأما الثاني وهو ما يُنتزع منه الشبه لأمرٍ لا يرجع إلى نفسه، فمثاله أن يتعدَّى الفعل إلى شيء مخصوص يكون له من أجله حُكمٌ خاصٌّ، نحوَ كونه واقعاً في موقعه وعلى الصواب، أو واقعاً غير موقعه، كقولهم هو كالقابض على الماء والراقم في الماء، فالشبهُ ها هنا منتزع مِمّا بين القَبْض والماء، وليس بمنزع من القبض نَفْسه، وذلك أن فائدة قبض اليد على الشيء أن يحصل فيها، فإذا كان الشيء مما لا يتماسك، ففعلك القبضَ في اليد لغوٌ وكذلك القصد في الرَّقْم أن يبقَى أثرٌ في الشيء، وإذا فعلتَه فيما لا يقبله، كان فعلُك كلا فعلٍ وكذلك قولهم: يضرب في حديد بارِدٍ وينفخ في غَيْرِ فَحَمٍ، وإذا ثبت هذا فكل شَبهِ كان هذا سبيلهُ، فإنك لا تجد بين
стр. 103
المعنى المذكور وبين المشَّبه إذا افردته، ملابسةً البتة، ألاتراك تَضْرِب الرّقم في الماء والقَبْضَ عليه، لأمور لا شبَهَ بينهما وبينها البتة، من حيث هُما رَقْمٌ وقبضٌ، وإذا قد عرفتَ هذا فالحمل في الآٍية من هذا القبيل أيضاً، لأنه تضمّن الشَّبه من اليهود، لا لأمرٍ يرجع إلى حقيقة الحمل، بل لأمرين آخرين: أحدُهما تعدّيه إلى الأسفار، والآخر اقتران الجهل للأسفار به، وإذا كان الأمر كذلك، كان قَطْعُك الحملَ عن هذين الأمرين في البُعد من الغرض، كقَطْعكَ القَبْض والرَّقْم عن الماء، في استحالة أن يُعقَل منها ما يُعقَل بعد تعدّيهما إلى الماء بوجه من الوجوه فاعرفه. فإن قلت: ففي اليهود شبهٌ من الحمل، من حيث هو حملٌ على حالٍ، وذلك أن الحافظ للشيءِ بقلبه، يُشبه الحاملَ للشيءِ على ظهره، وعلى ذلك يقال: حَمَلةُ الحديث، وحَمَلةُ العلم كما جاء في الأثر: يحمِلُ هذا العلمَ من كُلّ خَلَفٍ عُدولُهُ، ورُبَّ حَامِل فقهِ إلى مَن هو أفقه منه، فالجواب أن الأمر وإن كان كذلك، فإنّ هذا الشبه لم يُقصَد ها هنا
стр. 104
وإنما قُصد ما يوجبه تعدِّي الحملِ إلى الأسفار، مع اقتران الجهل بها به، وهو العناء بلا منفعة، يُبيِّن ذلك: أنك قد تقول للرجل يحمل في كُمّه أبداً دفاتر علمٍ، وهو بليد لا يفهم، أو كسلان لا يتعلم: إن كان يحمل كُتُب العلم فالحمار أيضاً قد يحمل، تريد أن تُبطل دعواه أن له في حمله فائدة، وأن تسوَّيَ بينه وبين الحمار في فقد الفائدة مما يحمل، فالحمل ها هنا نفسه موجود في المشبَّه بالحمار، ثم التشبيه لا ينصرف إليه من حيث هو حملٌ، وإنما ينصرف إلى ما ذكرت لك من عدم الجدوى والفائدة، وإنما يُتَصوّر أن يكون الشَّبه راجعاً إلى الحمل من حيث هو حمل، حيث يوصف الرجل مثلاً بكثرة الحفظ للوظائف، أو جَهْد النفس في الأشغال المتراكمة، وذلك خارجٌ عن الغرض مما نحن فيه، ومن هذا الباب قولهم: أخذ القوسَ باريها، وذلك أن المعنى على وقوع الأخذِ في موقعه ووجودهِ من أهله، فلستَ تُشبّهه من حيث الأخْذُ نفسُه وجنسه، ولكن من حيث الحكمُ الحاصلُ له بوقوعه من باري القوس على القوس، وكذلك قولهم: ما زال يَفْتِل منه في الذِّرْوةِ والغارب الشبه مأخوذٌ ما بين الفتل وما تَعدَّى إليه من الذِّروة والغارب، ولو أفردته لم تجد شبهاً بينه وبين ما يُضرَب هذا الكلام مثلاً له، لأنه يُضرَب في الفِعْل أو
стр. 105
القول يُصرَف به الإنسان عن الامتناع إلى الإجابة، وعن الإباء عليك مُرادك، إلى موافقتك والمصير إلى ما تريد منه، وهذا لا يُوجَد في الفتل من حيث هو فتلٌ، وإنما يوجد في الفتل إذا وقع في الشَّعر من ذروة البعير وغَاربه، واعلم أن هذا الشبه حُكْمُهُ واحدٌ، سواءٌ أخذته ما بين الفعل والمفعول الصريح، أو ما يجري مجرى المفعول، فالمفعول كالقوس في قولك: أخذ القوسَ باريها، وما يجري مجرى المفعول، الجارُّ مع المجرور، كقولك: الرَّقم في الماء وهو كمن يخطّ في الماء، وكذلك الحال، كقولهم: كالحادي وليسَ له بَعيرٌ، فقولك: وليس له بعير، جملة من الحال، وقد احتاج الشبه إليها، لأنه مأخوذ ما بين المعنى الذي هو
الحدو، وبين هذه الحال، كما كان مأخوذاً بين الرقم والماء، وما بين الفتل والذروة والغارب، وقد تجد بك حاجةً إلى مفعول وإلى الجارّ مع المجرور كقولك: وهل يُجمَع السيفَان في غِمد، وأنت كمن يجمع السيفين في غِمد، ألا ترى أن الجمع فيه لا يُغني بتعدّيه إلى السيفين، حتى يُشترط كونه جمعاً لهما في الغمد؟ فمجموع ذلك كله يُحصِّل الغَرَضَ، وهكذا نحو قول العامّة: هو كثير الجَوْر على إلْفه، وقولهم: كَمُبْتَغِي الصَّيدَ في عِرِّيسةِ الأسد، لأن الصيدَ مفعول وفي عِرِّيسةِ جارٌّ مع المجرور، فإذا ثبت هذا ظهر منهُ أنه لا بدَّ لك في هذا الضرب من الشَّبَه من جملة صريحة أو حكم الجملة، فالجملة الصريحة قولك: أخذَ القوسَ باريها وحكم الجملة أن تقول: هذا منك كالرَّقم في الماء، وكالقابض على الماء، فتأتي باسم الفاعل، وذَاك أنّ المصدر واسمَ الفاعل ليسَا بجُملتين صريحاً ولكن حكم الجملة قائم فيهما، وهو أنك أعملتهما عَمَل الفعل، ألا ترى أنك عدَّيتهما على حسب ما تعدَّى الفعل؟ وخصائص هذا النوع من التمثيل أكثر من أن تضبط، وقد وقفتك على الطريقة، دو، وبين هذه الحال، كما كان مأخوذاً بين الرقم والماء، وما بين الفتل والذروة والغارب، وقد تجد بك حاجةً إلى مفعول وإلى الجارّ مع المجرور كقولك: وهل يُجمَع السيفَان في غِمد، وأنت كمن يجمع السيفين في غِمد، ألا ترى أن الجمع فيه لا يُغني بتعدّيه إلى السيفين، حتى يُشترط كونه جمعاً لهما في الغمد؟ فمجموع ذلك كله يُحصِّل الغَرَضَ، وهكذا نحو قول العامّة: هو كثير الجَوْر على إلْفه، وقولهم: كَمُبْتَغِي
стр. 106
الصَّيدَ في عِرِّيسةِ الأسد، لأن الصيدَ مفعول وفي عِرِّيسةِ جارٌّ مع المجرور، فإذا ثبت هذا ظهر منهُ أنه لا بدَّ لك في هذا الضرب من الشَّبَه من جملة صريحة أو حكم الجملة، فالجملة الصريحة قولك: أخذَ القوسَ باريها وحكم الجملة أن تقول: هذا منك كالرَّقم في الماء، وكالقابض على الماء، فتأتي باسم الفاعل، وذَاك أنّ المصدر واسمَ الفاعل ليسَا بجُملتين صريحاً ولكن حكم الجملة قائم فيهما، وهو أنك أعملتهما عَمَل الفعل، ألا ترى أنك عدَّيتهما على حسب ما تعدَّى الفعل؟ وخصائص هذا النوع من التمثيل أكثر من أن تضبط، وقد وقفتك على الطريقة
فهذا أحد الوجوه التي يكون الشَّبه العقلي بها حاصلاً لك من جملة من الكلام، وأظنّه من أقوى الأسباب والعِلَل فيه، وعلى الجملة، فينبغي أن تعلم أن المثَل الحقيقي، والتشبيه الذي هو الأوْلَى بأن يسمَّى تمثيلاً لبُعده عن التشبيه الظاهر الصريح، ما تجدُه لا يحصل لك إلا من جملة من الكلام أو جملتين أو أكثر، حتى إنّ التشبيه كلما كان أوغل في كونه عقليّاً محضاً، كانت الحاجة إلى الجملة أكثر،
стр. 107
ألا ترَى إلى نحو قوله : " إنَّمَا مَثَلُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بهِ نَبَاتُ الأرْضِ مِمَِّا يَأْكُلُ النَّاسُ والأنْعَامُ حَتَّى إذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنُّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أتَاهَا أمْرُنَا لَيْلاً أوْ نهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْس " " يونس: ٤٢ "، كيف كثُرت الجُمل فيه؟ حتى إنك تَرَى في هذه الآية عَشْرَ جمل إذا فُصِّلت، وهي وإن كان قد دخل بعضُها في بَعْض حتى كأنها جملةٌ واحدة، فإن ذلك لا يمنعُ من أن تكون صُور الجمل معنا حاصلةً تشير إليها واحدةً واحدةً، ثم إنّ الشَبَه مُنْتَزع من مجموعها، من غير أن يمكن فَصْلُ بعضها عن بعض، وإفرادُ شطر من شطر، حتى إنك لو حذفت منها جملةٌ واحدةٌ من أيّ موضع كان، أخلَّ ذلك بالمغزى من التشبيه، ولا ينبغي أن تعدَّ الجُمل في هذا النحو بعَدِّ التشبيهات التي يُضَمّ بعضها إلى بعض، والأغْراض الكثيرة التي كل واحدٍ منها منفردٌ بنفسه، بل بعدّ جُمَلٍ تُْنسَق ثانيةٌ منها على أوَّلةٍ، وثالثةٌ على ثانية، وهكذا، فإنّ ما كان من هذا الجنس لم تترتّب فيه الجمل ترتيباً مخصوصاً حتى يجب أن تكون هذه سابقةً وتلك تالية والثالثة بعدهما، ألا ترى أنك إذا قلت: زيد كالأسد بأساً، والبحر جُوداً، والسيفِ مضاءً، والبدرِ بَهَاءً، لم يجب عليك أن تحفظ في هذه التشبيهات نِظاماً مخصوصاً؟ بل لو بدأتَ بالبدر وتشبيهه به في الحسن، وأخّرتَ تشبيهه بالأسد في الشجاعة، كان المعنى بحاله، وقولُهُ:
النَّشْرُ مِسْكٌ والوجوهُ دنا ... نيرُ وأطْرَافُ الأكُفِّ عَنَمْ
стр. 108
إنما يجبُ حُفْظُ هذا الترتيب فيها لأجل الشِّعر، فأمّا أن تكون هذه الجمل متداخلةً كتداخل الجمل في الآية، وواجباً فيها أن يكون لها نَسقٌ مخصوص كالنسق في الأشياء إذا رُتِّبت ترتيباً مخصوصاً كان لمجموعها صُورةٌ خاصّةٌ مقرَّرة فلا. وقد يجيءُ الشيء من هذا القَبِيل يُتوهَّم فيه أن إحدى الجملتين أو الجمل تنفرد وتُستعمَل بنفسها تشبيهاً وتمثيلاً، ثم لا يكون كذلك عند حُسن التأمل، مثال ذلك قوله:
كما أَبْرقَتْ قوماً عِطَاشَاً غمامةٌ ... فلما رَجَوها أقْشَعَتْ وتَجَلَّتِ
هذا مَثَلٌ في أن يظهر للمضطرِّ إلى الشيء، الشديدِ الحاجةِ إليه، أمارةُ وجوده، ثم يفوته ويبقى لذلك بحسرة وزيادة تَرَح، وقد يمكن أن يقال: إن قولك: أبرقت قوماً عطاشاً غمامة، تشبيهٌ
стр. 109
مستقلٌّ بنفسه، لا حاجة به إلى ما بعده من تمام البيت في إفادة المقصود الذي هو ظهور أمرٍ مُطمع لمن هو شديد الحاجة، إلاّ أنه وإن كان كذلك، فإن حقَّنا أن ننظر في مغزى المتكلم في تشبيهه، ونحن نعلم أن المغزى أن يصلَ ابتداءً مُطمعاً بانتهاءٍ مُؤْيس، وذلك يقتضي وُقوفَ الجملة الأَوَّلة على ما بعدها من تمام البيت، ووِزانُ هذا أن الشرط والجزاء جملتان، ولكنا نقول: إنّ حكمَهما حكمُ جملة واحدة، من حيث دخل في الكلام معنًى يربط إحداهما بالأخرى، حتى صارت الجملة لذلك بمنزلة الاسم المفردِ في امتناع أن تحصل به الفائدة، فلو قلت: إن تأتني وسكتَّ، لم تفدْ كما لا تفيد إذا قلت: زيد وسكتَّ، فلم تذكر اسماً آخر ولا فعلاً، ولا كان منويّاً في النفس معلوماً من دليل الحال، ثم إن الأمرَ، وإن كان كذلك، فقد يجوز أن تُخرج الكلام عن الجزاء فتقول: تأتيني، فتعود الجملة على الإفادة، لإغنائك لها عن أن ترتبط بأخرى، وإزالتك المعنى الذي أوجب فَقْرَها إلى صاحبة لها، إلا أن الغرض الأوّل يبطُل والمعنى يتبدَّل، فكذلك الاقتصار على الجملة التي هي: أبرقت قوماً عطاشاً غمامةٌ، يخرج عن غَرَض الشاعر، فإن قلتَ: فهذا يَلْزَمُك في قولك: هو يصفو ويكدر، وذلك أن الاقتصار على أحد الأمرين يُبطل غرضَ القائل، وقَصْدَهُ أن يصف الرجل بأنه يجمع الصفتين، وأن الصفاء لا يدوم، فالجواب أن بين الموضعين فرقاً، وإن كان يغمُضُ قليلاً، وهو أن
стр. 110
الغرض في البيت أن يُثبت ابتداءً مطمعاً مُؤْنِساً أدَّى إلى انتهاء مؤيسٍ مُوحش، وكونُ الشيء ابتداءً لآخرَ هو له انتهاءٌ، معنًى زائد على الجمع بين الأمرين، والوصفِ بأن كلَّ واحدٍ منها يوجد في المقصود، وليس لك في قولك يصفو ويكدر، أكثرُ من الجمع بين الوصفين، ونظيرُ هذا أن تقول هو كالصُّفو بعد الكدر، في حصول معنًى يجِبُ معه رَبْطُ أحد الوصفين بالآخر في الذكر ويتعيَّن به الغَرض، حتى لو قلت: يكدُر ثم يصفو، فجئت بثُمَّ التي توجب الثاني مرتَّباً على الأوَّل، وأنّ أحدهما مبتدأ والآخر بعده، صرتَ بالجملة إلى حد ما نحن عليه من الارتباط، ووجوبِ أن يتعلَّق الحكم بمجموعهما، ويُوجَد الشَبه إن شَبَّهتَ ما بينهما، على التشابك والتداخلُ، دون التباين والتزايُل، ومن الواضح في كون الشَّبه معلَّقاً بمجموع الجملتين، حتى لا يقع في الوَهْم تَمَيُّز إحداهما على الأخرى قولهُ: بلغني أنك تُقدّم رِجلاً وتؤخّر أخرى، فإذا أتاك كتابي هذا فاعتمدْ على أيّهما شئت والسَّلام، وذلك أن المقصود من هذا الكلام: التردُّدُ بين الأمرين، وترجيحُ الرأي فيهما، ولا يُتصوّر التردُّد والترجيح في الشىء الواحد، فلو جَهَدت وَهْمَك أن تتصور لقولك: تقدّم رجلاً معنى وفائدةً ما لم تقل: وتؤخّر أخرى، أو تَنْوِهِ في قلبك، كلَّفت نفسَك شطَطَاً،
следующие страницы →