← Баляга

Баляга · id 8187

أسرار البلاغة - ت محمود شاكر

عبد القاهر الجرجاني

Полный текст (421 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

وصورته الخاصة فلاَ، لأن المتنبي لم ينكر أنه ما يجده الممدوح حُمَّى كما أنكره الآخر، ولكنّه كأنه سأل نفسه كيف اجترأت الحمَّى على الممدوح، مع جلالته وهيبته، أم كيف جَاز أن يقصد شيءٌ إلى أذاه مع كَرَمه ونُبله، وأن المحبّة من النفوس مقصورة عليه؟ فتحمَّلَ لذلك جواباً، ووضع للحُمَّى فيما فعلته من الأذى عُذْراً، وهو تصريحُ ما اقتصر فيه على التعجُّب في قوله: أيَدْري مَا أَرابَك مَن يُريبُ ... وَهلْ تَرْقَى إلى الفَلك الخطوبُ وجسمُك فَوْق هِمَّةِ كُلِّ داءٍ ... فقُرْبُ أقلِّها منه عجيبُ إلا أن ذلك الإيهام أحسن من هذا البيان، وذلك التعجُّبُ موقوفاً غيرَ مجاب، أولَى بالإعجاب، وليس كل زيادة تُفلح، وكل استقصاء يَمْلُح. ومن واضح هذا النوع وجيّده قولُ ابن المعتزّ: صدَّت شُرَيْرُ وأزمعت هَجْرِي ... وَصَغَت ضَمائرُها إلى الغَدْرِ قالت كَبِرتَ وشِبتَ قلتُ لها ... هذا غُبارُ وَقَائعِ الدَّهْرِ ألا تراه أنكر أن يكون الذي بدا به شيباً، ورأى الاعتصام بالجَحْد أخصَر طريقاً إلى نَفْي العيب وقطع الخصومة، ولم يسلك الطريقة العامّية فيُثبِتَ المشيب، ثم يمنَع العائب أن يعيب، ويُريَه الخطأ في عَيْبه به، ويُلزِمَه المناقضةَ في مذهبه، كنحو ما مضى، أعني كقول البحتري: وبياضُ البازيّ.

стр. 282

وهكذا إذا تأوَّلوا في الشيب أنه ليس بابيضاض الشعر الكائن في مجرى العادة وموضوع الخلْقة، ولكنه نُور العقل والأدبِ قد انتشر، وبان وَجْهه وظهر، كقول الطائي الكبير: ولا يُرَوِّعْك إيماضُ القَتِير به ... فَإنَّ ذاك ابتسامُ الرَّأْي والأدبِ وينبغي أن تعلمَ أنّ باب التشبيهات قد حظِي من هذه الطريقة بضرب من السِّحْر، لا تأتي الصفة على غَرابته، ولا يبلُغ البيان كُنَه ما ناله من اللُّطف والظَّرف، فإنه قد بلغ حدّاً يرُدُ لمعروفَ في طِباع الغَزِل، ويُلْهى الثَّكْلان من الثُّكْل، ويَنْفُث في عُقَد الوَحشة، وينشُد ما ضلّ عنك من المسَرَّةِ، ويشهد لِلشِّعر بما يُطيل لِسَانه في الفخر، ويُبين جُمْلة ما للبيان من القُدرة والقَدْر، فمن ذلك قول ابن الرومي: خجِلتْ خدودُ الورد من تفضيله ... خَجَلاً تورُّدُها عليه شاهدُ لم يَخْجَلِ الوردُ المورَّدُ لونُه ... إلاَّ وناحِلهُ الفضيلةَ عاندُ للنرجس الفضلُ المُبينُ وإن أبَى ... آبٍ وحادَ عن الطريقة حائدُ فصْلُ القضية أنّ هذا قائدٌ ... زَهَرَ الرياضِ وأَنّ هذا طاردُ

стр. 283

شتَّانَ بين اثنين هذا مُوعِدُ ... بتَسلُّبِ الدُّنيا وهَذَا واعدُ يَنْهَى النديمَ عن القبيح بلحظِه ... وَعَلَى المُدامةِ والسماعِ مُساعدُ اطلبْ بِعَفْوك في الملاح سَمِيَّه ... أبداً فإنك لا مَحَالة واجدُ والوَرْدُ إن فكّرتَ فردٌ في اسمه ... ما في الملاح له سمِيُّ واحدُ هذي النجومُ هي التي رَبَّتْهُما ... بِحَيا السحابِ كما يُربِّي الوالدُ فانظر إلى الأخَوَين مَن أدناهما ... شَبَهاً بوالده فذاك الماجدُ أين الخدودُ من العيون نَفَاسةً ... ورِئاسةً لولا القياسُ الفاسدُ وترتيب الصنعة في هذه القطعة، أنه عمل أوَّلاً على قلب طرفَي التشبيه، كما مضى في فصل التشبيهات، فشبّه حُمرةَ الورد بحمرة الخجل، ثم تناسَى ذلك وخَدعَ عنه نفسه، وحملها على أن تعتقد أنه خَجَلٌ على الحقيقة، ثم لما اطمأنَّ ذلك في قلبه واستحكمت صورته، طَلَبَ لذلك الخجل عِلّةً، فجعل عِلَّته أنْ فُضِّل على النرجس، ووُضِع في منزلةٍ ليس يرى نفسَهُ أهْلاً لها، فصار يتَشوَّر من ذلك، ويتخوّف عيبَ العائب، وغميزةَ المستهزئ، ويجدُ ما يجد مَنْ مُدِح مِدْحةً يَظْهر الكذب فيها ويُفْرِط، حتى تصير كالهُزء بمن قُصِد بها، ثم زادته الفِطْنة الثاقبةُوالطبع المُثْمر في سحر البيان، ما رأيت من وضع حِجاج في شأن النرجس، وجهةِ استحقاقه الفضلَ على الورد، فجاء بحُسنٍ وإحسانٍ لا تكاد تجد مثله إلاّ له.

стр. 284

ومما هو خليقٌ أن يوضع في منزلة هذه القطع، ويلحق بها في لطف الصنعة، قول أبي هِلالٍ العسكري: زَعَم البَنَفْسَجُ أنَّه كعِذَارهِ ... حُسْناً فسَلُّوا مِن قَفَاه لسانَهُ لَم يَظْلِمُوا في الحكم إذْ مَثَلوا به ... فلشَدَّمَا رفع البَنَفْسَجُ شَانَهُ وقد اتفق للمتأخرين من المحْدَثين في هذا الفن نُكَتٌ ولطائف، وبِدَعٌ وظرائف، لا يُستكثر لها الكثير من الثّناء، ولا يضيق مكانُها من الفَضْل عن سَعَة الإطراء، فمن ذلك قول ابن نباتة في صفة الفرس: وأدهمُ يستمدُّ الليلُ منه ... وتَطلُع بين عَينَيه الثُّريَّا سَرَى خَلْفَ الصَّباحِ يطير مَشْياً ... ويَطْوِي خَلْفَه الأفلاكَ طَيّاً فلَمّا خاف وَشْكَ الفَوْتِ منه ... تَشَبَّثَ بالقوائم والمُحَيَّا وأحسن من هذا وأحكم صنعةً قولُه في قطعة أخرى: فكأنما لَطَمَ الصباحُ جبينَهُ ... فاقتصَّ منه وخَاضَ في أَحشائهِ وأول القطعة: د جَاءَنا الطِّرْفُ الذي أهْدَيْتَهُ ... هَادِيه يَعْقِد أرضَه بسمائهِ َوِلايةً وَلَّيتَنا فبَعَثْتَهُ ... رُمحاً سَبيبُ العُرفِ عَقْدُ لِوائِه ختال منه على أَغَرَّ محجَّلٍ ... ماءُ الدَّياجي قطرةٌ من مائهِ كأنما لَطَمَ الصَّباحُ جبينَهُ ... فاقتصَّ منه وخَاضَ في أحشائِه

стр. 285

تمهِّلاً والبرقُ من أسمائه ... مُتبرقعاً والحُسْنُ من أكفائِه مَا كانت النِّيران يَكْمُنُ حَرُّها ... لَوْ كان للنِّيران بعضُ ذَكائِه لا تَعْلَقُ الألحاظُ في أَعطافِه ... إلاَّ إذا كفكفتَ من غُلَوائهِ لاَ يُكمِلُ الطرْفُ المحاسنَ كُلَّها ... حَتَّى يكونَ الطَّرْفُ من أُسَرائِه ومما له في التفضيلِ الفَضْلُ الظاهرُ لحسن الإبداع، مع السلامة من التكلُّف، قوله: وماءٍ عَلى الرَّضْرَاض يَجْري كأنَّهُ ... صحائفُ تِبْرٍ قد سُبِكْنَ جداولاَ كأنّ بها من شدة الجَرْيِ جِنَّةً ... وقَدْ ألبستهُنَّ الرِّياحُ سَلاَسلاَ وإنما ساعده التوفيقُ، من حيث وُطّئ له من قبلُ الطريقُ، فسبق العُرْفُ بتشبيه الحُبُك على صفحات الغُدْران بحلَق الدروع، فتدرَّج من ذلك إلى أن جعلها سلاسل، كما فعل ابن المعتزّ في قوله: وأنهارِ ماءٍ كالسلاسل فُجرّت ... لتُرضِع أولادَ الرياحين والزَهْرِ ثم أتمّ الحِذْق بأن جعل للماء صفة تَقْتَضي أن يُسَلْسَل، وقَرُبَ مأخذُ ما حاول عليه، فإن شدة الحركة وفرط سرعتها من صفات الجنون، كما أن التمهُّل فيها والتأنّي من أوصاف العقل، ومن هذا الجنس قولُ ابن المعتزّ في السيف، في أبيات قالها في الموفَّق، وهي:

стр. 286

وفَارسٍ أَغْمَدَ في جُنّةٍ ... تُقطّع السيفَ إذا ما وَرَدْ كأنها ماءٌ عليه جَرَى ... حتى إذا ما غاب فِيهِ جَمَدْ في كفّهِ عَضْبٌ إذا هزَّهُ ... حسِبتَهُ من خَوْفِه يَرْتَعِد فقد أراد أن يخترع لهزّةِ السيف عِلّةً، فجعلها رِعْدَة تناله من خوف الممدوح وهَيْبَته، ويُشبه أن يكون ابن بابك نظر إلى هذا البيت وعلَّق منه الرعدة في قوله: فإن عَجَمَتْني نيُوبُ الخطوبِ ... وأَوْهَى الزمانُ قُوَى مُنَّتِي فَمَا اضطرب السيفُ من خِيفةٍ ... ولا أُرعِدَ الرمحُ من قِرَّةِ إلا أنه ذهب بها في أسلوب آخر، وقصد إلى أن يقول إنّ كون حركات الرمح في ظاهر حركة المرتعد، لا يوجبُ أن يكون ذلك من آفة وعارض، وكأنه عكس القضيّة فأبَى أن تكون صفة المرتعد في الرمح للعلل التي لمثلها تكون في الحيوان. وأمَّا ابن المعتزّ فحقّق كونها في السيف على حقيقة العلّةِ التي لها تكون في الحيوان فاعرفه. وقد أعاد هذا الارتعادَ على الجملة التي وصفتُ لك، فقال: قالُوا طواهُ حُزنُهُ فانحنَى ... فقلتُ والشكُّ عدُوُّ اليقين ما هَيَفُ النَّرجِس من صَبْوَةٍ ... ولا الضَنَى في صُفرة الياسمينْ ولا ارتعادُ السَّيفِ من قِرَّةٍ ... ولا انعطافُ الرمح من فَرْطِ لينْ

стр. 287

ومما حقُّه أن يكون طرازاً في هذا النوع قولُ البحتري: يَتَعثَّرْنَ في النُّحور وفي الأَوْ ... جُهِ سُكْراً لمَّا شَربْنَ الدمَّاءَ جعل فِعلَ الطاعنِ بالرماح تعثُّراً منها، كما جعل ابن المعتزّ تحريكه للسيف وهزَّه له ارتعاداً، ثم طلب للتعثُّر عِلَّة، كما طلب هو للارتعاد فاعرفه. ومن هذا الباب قول عُلبة: وكأن السَّماءَ صَاهَرَت الأَرْ ... ضَ فصَار النِّثارُ من كافورِ وقول أبي تمام: كأنّ السحاب الغُرّ غَيَّبن تَحْتَها ... حَبِيباً فما تَرْقَا لهنّ مَدَامِعُ وقول السريّ يصف الهلال: جاءَك شَهْرُ السُّرُورِ شوّالُ ... وغال شَهْر الصِّيامِ مغتالُ ثم قال:

стр. 288

كأنه قَيْدُ فِضّةٍ حَرِجٌ ... فُضَّ عن الصائمين فاخْتالوا كل واحد من هؤلاء قد خدع نفسه عن التشبيه وغالطها، وأَوْهَمَ أن الذي جرى العُرْف بأن يؤخذ منه الشَّبه قد حضر وحصل بحضرتهم على الحقيقة، ولم يقتصر على دعوى حُصوله حتى نصب له عِلَّة، وأقام عليه شاهداً، فأثبت عُلبة زفافاً بين السماء والأرض، وجعل أبو تمام للسحاب حبيباً قد غُيّب في التراب، وادَّعى السريُّ أن الصائمين كانوا في قَيْدٍ، وأنه كان حَرِجاً، فلما فَضَّ عنهم انكسر بنصفين، أو اتسع فصار على شكل الهلال، والفرق بين بيت السريّ وبيتي الطائييَّن، أن تشبيه الثلج بالكافور معتاد عامّيٌّ جارٍ على الألْسُن، وجعلُ القَطْرِ الذي ينزل من السحاب دموعاً، ووَصْفُ السحابِ والسماءِ بأنها تبكي، كذلك، فأمّا تشبيه الهلال بالقَيْدِ فغير معتاد نفسه إلاّ أنَّ نظيرَه معتاد، ومعناه من حيث الصورة موجود، وأعني بالنظير ما مضى من تشبيه الهلال بالسِّوار المنفصم، كما قال: حاكياً نِصفَ سِوارٍ ... مِنْ نُضارٍ يتوقَّدْ وكما قال السري نفسه: ولاح لنا الهلال كشطر طَوْقٍ ... على لَبَّاتِ زَرقاءِ اللباسِ إلا أنه سَاذَجٌ لا تعليل فيه يجب من أجله أن يَكُون سِوَاراً أو طَوْقاً، فاعرفه،

стр. 289

ورَأيت بعضهم ذكر بَيْت السريّ الذي هو: " كَأنَّه قَيْد فِضَّة حَرَجٌ " مع أبيات شعر جمعه إليها، أنشدَ قطعةَ ابن الحجاج: يا صَاحِبَ البَيْتِ الَّذِي ... قد مَاتَ ضَيْفاه جمِيعَا مَالِي أَرى فَلَكَ الرَّغي ... فِ لدَيك مُشْتَرِفاً رَفِيعَا كالبدرِ لا نرجو إلى ... وَقْت المَسَاءِ له طُلوعَا ثم قال إنّه شبَّه الرغيف بالبدر، لعِلَّتين إحداهما الاستدارة، والثانيةُ طلوعه مَساءً، قال وخيرُ التشبيه ما جمع مَعْنيين، كقول ابن الرمي: يا شبيه البدْر في الحُس ... نِ وفي بُعد المَنَالِ جُدْ فقد تنفجِرُ الصَّ ... خرةُ بالماءِ الزُّلالِ وأنشد أيضاً لإبراهيم بن المهدي: ورحمتَ أطفالاً كأفْراخ القَطَا ... وحنينَ وَالِهةٍ كقَوْسِ النَّازِعِ ثم قال ومثله قولُ السَّري: " كأنه قَيْدُ فِضَّةٍ حَرَجٌ " وهو لا يشبه ما ذكره، إلا أنْ يَذهبَ إلى حديثِ أنه أفاد شكلَ الهلال بالقيد المفضوض، ولونَه بالفضة، فأمَّا إن قصد النكتة التي هي موضع

стр. 290

الإغراب، فلا يستقيم الجمع بينه وبين ما أنشد، لأن شيئاً من تلك الأبيات لا يتضمَّنُ تعليلاً، وليس فيها أكثر من ضمّ شَبَهٍ إلى شبه، كالحنين والانحناء من القوس، والاستدارة والطلوع مساءً من البَدْر، وليس أحد المعنيين بِعِلّة للآخر، كيف؟ ولا حاجة بواحد من الشبهين المذكورين إلى تصحيحِ غيره له. ومما هو نظيرٌ لبيت السريّ وعلى طريقة قول ابن المعتزّ: سَقَاني وقد سُلَّ سَيفُ الصبا ... حِ والليلُ من خَوْفه قَدْ هَرَبْ لم يقنع هاهنا بالتشبيه الظَّاهر والقولِ المرسَل، كما اقتصر في قوله: حتى بدا الصباحُ من نقابِ ... كما بدا المُنْصلُ من قِرابِ وقوله: أمّا الظلامُ فحِينَ رَقَّ قَمِيصُهُ ... وأَتى بياضُ الصُّبْح كالسَّيف الصَّدي ولكنه أحبّ أن يحقّق دعواه أنّ هناك سيفاً مسلولاً، ويجعل نفسه كأنها لا تعلم أن هاهنا تشبيهاً، وأنّ القصد إلى لونِ البياضِ في الشكل المستطيل، فتوصَّلَ إلى ذلك بأَن جعل الظَّلام كالعدوّ المنهزم الذي سُلّ السَّيف في قَفَاه، فهو يهرب مخافَة أن يُضْرب به، ومثل هذا في أن جعل الليلَ يخافُ الصبحَ، لا في الصنعة التي أنا في

стр. 291

سياقها، قولُه: سَبقنا إليهَا الصُّبْحَ وهو مُقنَّعٌ ... كَمِينٌ وقلبُ اللَّيلِ منه على حَذَرْ وقد أخذ الخالديُّ بيته الأوّل أخْذاً، فقال: والصُّبحُ قد جُرِّدت صَوارِمُه ... والليلُ قد همَّ منه بالهَربِ وهذه قطعة لابن المعتزّ، بيتٌ منها هو المقصود: وانظُر إلى دُنْيَا ربِيعٍ أقبلتْ ... مِثْلَ البَغيِّ تبرَّجتْ لزُناةِ جاءَتك زائرةٌ كعامٍ أوّلٍ ... وتَلبَّستْ وتعطَّرَتْ بنباتِ وَإذا تَعرَّى الصُبحُ من كافورِهِ ... نَطَقتْ صُنوفُ طُيورِها بِلُغاتِ والوَرْدُ يضحكُ من نَواظر نَرْجسٍ ... قَذِيَت وآذنَ حَيُّها بمَمَاتِ هذا البيت الأخير هو المراد، وذلك أن الضَحِك في الوَرْد وكلِّ ريحان ونُوْرٍ يَتَفَتَّح، مشهور معروف، وقد علَّله في هذا البيت، وجعل الوَرْد كأنه يعقل ويميّز، فهو يَشْمَت بالنرجس لانقضاء مُدّته وإدبار دَوْلته، وبُدُوِّ أمارات الفناء فيه، وأعاد هذا الضحك من الورد فقال: ضَحِكَ الوَرْدُ في قَفَا المَنْثُورِ ... واسْتَرحْنَا من رِعْدَةِ المَقرُورِ

стр. 292

أراد إقبال الصيف وحَرّ الهواء، ألا تراه قال بعده: وَاستَطَبْنا المَقِيلَ في بَرْد ظِلّ ... وَشَمِمْنَا الرَّيحانَ بالكافورِ فالرحيلَ الرحيلَ يا عَسْكرَ الل ... ذّاتِ عن كُلِّ رَوْضةٍ وغَدِيرِ فهذا من شأنِ الورد الذي عابَه به ابن الرومي في قوله: فَصْل القضية أن هذا قائد ... زَهَرَ الرياضِ وأن هذا طاردُ وقد جعله ابن المعتز لهذا الطَّرْدِ ضاحكاً ضحكَ مَن استولى وظفر وابتَزَّ غيرَه على وِلاية الزَّمان واستبدَّ بها، ومما يشوب الضحِكَ فيه شيءٌ من التَّعليل قوله أيضاً: مَات الهَوى مِنّي وضاع شَبَابي ... وقَضَيْتُ من لَذَّاته آرَابي وإذا أردتُ تَصَابياً في مجلسٍ ... فالشَّيْبُ يضحَك بِي مَع الأَحبابِ لا شكّ أن لهذا الضحك زيادةَ معنًى ليست للضحك في نحو قول دعبل: " ضَحِكَ المَشِيبُ بِرَأْسِه فبَكَى " وما تلك الزيادة إلا أنه جعل المشيبَ يضحك ضَحِكَ المتعجِّبِ من تعاطي الرجل ما لا يليق به، وتكلُّفه الشيءَ ليس هو من أهله، وفي ذلك ما ذكرتُ من إخفاءِ صُورة التشبيه، وأَخْذِ النفس بتناسيه، وهكذا قوله:

стр. 293

لَمَّا رأونا في خَمِيسٍ يلتهبْ ... في شَارِقٍ يَضْحَك مِنْ غَيرِ عجبْ كَأنَّهُ صَبَّ على الأرض ذَهبْ ... وقد بَدَت أسيافُنا من القُرُبْ حَتىَّ تكونَ لِمناياهُمْ سَبَبْ ... نرفُلُ في الحَدِيد والأرضُ تجِبْ وحَنَّ شَريانٌ ونَبْعٌ فاصطَخبْ ... تَتَرَّسُوا مِنَ القتالِ بالهَرَبْ المقصودُ قولُه يضحك من غير عَجَبْ، وذاك أنّ نفيه العلّة إشارةٌ إلى أنه من جنس ما يُعلَّل، وأنّه ضَحِكٌ قَطْعاً وحقيقةً، ألا ترى أنّك لو رحبتَ إلى صريح التشبيه فقلت هيئتُه في تلألؤه كهيئة الضاحك، ثم قلت من غير عجب، قلت قولاً غير مَقْبُولٍ، واعلم أنك إن عددتَ قولَ بعض العرب: ونَثْرَةٍ تهزأُ بالنِّصالِ ... كأنّها من خِلَع الهلالِ الهِلال الحيّة هاهنا، واللام للجنس في هذا القبيل، لم يكن لك ذلك.

стр. 294

فصل وهذا نوع آخر في التعليل وهو أن يكون للمعنى من المعاني والفعلِ من الأفعال علّةٌ مشهورة من طريق العادات والطباع، ثم يجيءُ الشاعر فيمنع أن تكون لتلك المعروفة، ويضع له عِلَّةً أخرى، مثاله قول المتنبي: مَا بِه قتلُ أعاديه ولكن ... يتّقي إخلافَ ما تَرْجُو الذئابُ الذي يتعارفه الناس أن الرجل إذا قتل أعاديه فلإرادته هلاكَهم، وأن يدفع مضارَّهم عن نفسه، وليسلَم مُلكه ويصفُوَ من منازَعاتهم، وقد ادَّعى المتنبي كما ترى أن العِلةَ في قتل هذا الممدوح لأعدائه غير ذلك. واعلم أن هذا لا يكون حتى يكون في استئناف هذه العِلّة المدَّعاةِ فائدة شريفة فيما يتصل بالممدوح، أو يكون لها تأثير في الذمّ، كقصد المتنبي هاهنا في أن يبالغ في وصفه بالسَّخاء والجود، وأَنّ طبيعةَ الكرمِ قد غلبت عليه، ومحبَّته أن يُصدِّق رجاء الراجين، وأن يجنِّبهم الخيبة في آمالهم، قد بلغت به هذا الحدَّ، فلما علم أنه إذا غدا للحرب غَدَت الذئاب تتوقّع أن يتسع عليها الرزق، ويُخْصِب لها الوقت من قَتْلَى عداه، كَرِهَ أن يُخْلِفها، وأن يخيِّبَ رجاءهَا ولا يُسعِفُها، وفيه نوع آخر من المدح، وهو أنه يهزم العِدَى ويكسِرهم كسراً لا يطمَعون بعده في المعاوَدة، فيستغني بذلك عن قَتْلَهم وإراقة دمائهم، وأنه

стр. 295

ليس ممن يُسْرف في القتل طاعةً للغَيْظ والحَنَق، ولا يعفو إذا قَدَر، وما يُشبه هذه الأوصاف الحَميدة فاعرفه. ومن الغريب في هذا الجنس على تَعَمُّقٍ فيه، قول أبي طالب المأموني في قصيدة يمدح بها بعض الوزراء بِبُخارى: مُغرَمٌ بالثناءِ صَبٌّ بكسب ال ... مَجْدِ يهتزُّ للسَّماح ارتياحَا لا يَذُوق الإغفاءَ إلاّ رجاءً ... أن يَرَى طيفَ مسْتَمِيحٍ رَوَاحَا وكأنه شَرَطَ الرّواح على معنى أن العُفاة والرَّاجين إنّما يَحْضُرونه في صَدْر النهار على عادة السلاطين، فإذا كان الرواح ونحوه من الأوقات التي ليست من أوقاتِ الإذن قَلُّوا، فهو يشتاق إليهم فينام ليأنس برُؤية طيفهم، والإفراط في التعمّق ربما أخلَّ بالمعنى من حيث يُرَاد تأكيدُه به، ألا تَرى أن هذا الكلام قد يُوهم أنه يحتجّ له أنه ممن لا يرغب كل واحد في أخْذِ عطائه، وأنه ليس في طبقة من قيل فيه: عَطاؤُك زَينٌ لامرئٍ إن أَصبتَه ... بخير وما كُلّ العَطاءِ يَزِينُ وممّا يدفع عنه الاعتراض ويُوجب قلّةَ الاحتفال به، أن الشاعر يُهِمُّه أبداً إثبات ممدوحه جواداً أو توّاقاً إلى السُّؤَّال فرِحاً بهم، وأن يُبَرِّئه من عبوس البخيل وقطوب المتكلِّف في البذل، الذي يقاتل نفسه عن مالِه حتى يُقال جوادٌ، ومَنْ يهوى الثَّناء والثّراء معاً، ولا يتمكَّن في نفسه معنى قولِ أبي تمام:

стр. 296

وَلَمْ يجتمع شَرقٌ وغربٌ لقاصدٍ ... ولا المجدُ في كفِّ امرئٍ والدراهمُ فهو يُسرع إلى استماع المدائح، ويُبطئ عن صِلة المادح، نعم، فإذا سُلِّم للشاعر هذا الغرض، لم يفكر في خَطَرات الظنون. وقد يجوز شيءٌ من الوَهْم الذي ذكرتُه على قولِ المتنبي: يُعطي المُبشِّرَ بالقُصَّاد قَبْلَهُم ... كمن يُبشِّره بالماء عطشانَا وهذا شيءٌ عَرَضِ، ولاستقصائه موضعٌ آخرُ، إن وفَّق الله. وأصل بيت الطيف المستميح، من نحو قوله: وَإنّي لأسْتَغْشِي وما بِيَ نَعْسةٌ ... لعلَ خيالاً منكِ يَلْقَى خياليَا وهذا الأصل غير بعيد أن يكون أيضاً من باب ما استُؤنف له علّةٌ غير معروفة، إلاّ أنه لا يبلغ في القوة ذلك المبلغ في الغرابة والبعد من العادة، وذلك أنه قد يُتصوَّر أن يُريد المُغرَمُ المتيَّم، إذا بَعُدَ عهده بحبيبه، أن يراه في المنام، وإذا أراد ذلك جاز أن يريد النوم له خاصَّةً فاعرفه. ومما يلحق بهذا الفصْل قوله: رَحَل العزاءُ برحْلَتي فكأنني ... أتبعتُه الأَنفاسَ للتشييعِ

стр. 297

وذلك أنه علّل تصعُّد الأَنفاس من صدره بهذه العلة الغريبة، وترك ما هو المعلوم المشهور من السبب والعلة فيه، وهو التحسّر والتأسّف، والمعنى: رحل عنِّي العزاء بارتحالي عنكم، أي: عنده ومعه أو به وبسببه، فكأنه لما كان محلّ الصبر الصَّدْر، وكانت الأنفاس تتصعّد منه أيضاً، صار العزاءُ وتنفُّس الصَّعَداء كأنهما نزيلان ورفيقان، فلما رحل ذاك، كان حقّ هذا أن يشيّعه قضاءً لحق الصُّحبة. ومما يلاحِظُ هذا النوع، يجري في مسلكه ويَنْتظم في سِلْكه، قولُ ابن المعتز: عاقبتُ عَيْني بالدَّمع والسَّهَر ... إذ غار قلبي عَلَيك من بَصَري وَاحتملتْ ذاك وهي رَابحةٌ ... فيكَ وفازت بلذَّة النّظرِ وذاك أن العادة في دمع العين وسَهرها أن يكون السببَ فيه إعراضُ الحبيب، أو اعتراض الرقيب، ونحو ذلك من الأسباب المُوجِبة للاكتئاب، وقد ترك ذلك كله كما تَرَى، وادّعى أن العلة ما ذكره من غَيْرةِ القلب منها على الحبيب وإيثارِه أن يتفرَّد برؤيته، وأنه بطاعة القلب وامتثال رَسْمه، رامَ للعين عقوبةً، فجعل ذاك أن أبكاها، ومَنَعها النوم وحماها، وله أيضاً في عقوبة العين بالدَّمع والسهر، من قصيدة أوّلها: قُلْ لأَحلَى العباد شِكلاً وقدَّا ... أَبجِدٍّ ذَا الهجرُأمْ ليس جِدَّا

стр. 298

ما بِذَا كانت المُنَى حدَّثَتْني ... لَهْفَ نفسي أَراك قد خُنتَ ودَّا ما تَرَى في مُتَيَّمٍ بكَ صَبٍّ ... خاضِعٍ لا يرى من الذُلِّ بُدَّا إن زَنَتْ عينُه بغيرك فاضربْ ... ها بطُول السُهاد والدَّمْع حَدَّا قد جعل البكاءَ والسهاد عقوبةً على ذنبِ أَثبته للعين، كما فعل في البيت الأول، إلا أنّ صورة الذنب هاهنا غير صورته هناك، فالذنب هاهنا نَظَرُها إلى غير الحبيب، واستجازتُها من ذلك ما هو محرَّم محظور والذنب هناك نظَرُها إلى الحبيب نفسه، ومزاحمتها القلب في رؤيته، وغَيْرةُ القلب من العين سببُ العقوبة هناك، فأمّا هاهنا فالغيرة كائنة بين الحبيب وبين شخصٍ آخر فاعرفه. ولا شُبْهة في قصور البيت الثاني عن الأول، وأنّ للأوّل عليه فضلاً كبيراً، وذلك بأن جعل بعضَه يغار من بعض، وجعل الخصومة في الحبيب بين عينيه وقلبه، وهو تمام الظَّرْف واللطف، فأمّا الغيرة في البيت الآخر، فعلى ما يكون أبداً، هذا ولفظ زَنَتْ، وإن كان ما يتلوها من أحكام الصنعة يُحَسّنها، وورودُها في الخبر العينُ تزني، ويؤنِس بها، فليست تَدَعُ ما هو حكمها من إدخال نُفْرةٍ على النفس. وإن أردت أن ترى هذا المعنى بهذه الصنعة في أعجب صورة وأظرفها، فانظر إلى قول القائل: أَتتني تُؤَنِّبني بالبكا ... فأهلاً بهَا وبتأنِيبهَا تقولُ وفي قولها حِشْمةٌ ... أتبكي بعَيْنٍ تراني بها فقلت إذا استحسنتْ غيرَكم ... أمرتُ الدُّموع بتأديبها

стр. 299

أعطاك بلفظة التأديب، حُسْنَ أدب اللبيب، في صيانة اللَّفظ عما يُحرج إلى الاعتذار، ويؤدّي إلى النِّفار، إلا أن الأُستاذية بعدُ ظاهرةٌ في بيت ابن المعتز، وليس كل فضيلة تبدُو مع البديهة، بل بعَقِب النَّظرِ والرويَّة، وبأن يفكَّر في أول الحديث وآخره، وأنت تعلم أنه لا يكون أبلغ في الذي أراد من تعظيم شأن الذنب، من ذكر الحدّ، وأنّ ذلك لا يتمّ له إلاّ بلفظة زنت، ومن هذه الجهة يلحَقُ الضَّيْمُ كثيراً من شأنُه وطريقُه طريقُ أبي تمام، ولم يكن من المطبوعين، وموضعُ البَسْط في ذلك غير هذا فَغَرَضي الآن أن أُرِيَك أنواعاً من التخييل، وأضَعَ شِبْهَ القوانين ليُستعان بها على ما يُراد بعدُ من التفصيل والتبيين.

стр. 300

فصل في تخييل بغير تعليل وهذا نوع آخر من التخييل، وهو يرجع إلي ما مضى من تناسي التَّشبيه وصرف النفس عن توهُّمه، إلا أنَّ ما مضى مُعلَّل، وهذا غير معلّل، بيان ذلك أنهم يستعيرون الصِّفة المحسوسة من صفات الأشخاص للأوصاف المعقولة، ثم تراهم كأنهم قد وجدوا تلك الصفة بعينها، وأدركوها بأعينهم على حقيقتها، وكأنّ حديث الاستعارة والقياس لم يجرِ منهم على بال ولم يرَوْه ولا طيفَ خَيال. ومثالُه استعارتُهم العلوَّ لزيادة الرجل على غيره في الفضل والقدر والسلطان، ثم وَضْعُهم الكلام وضعَ من يذكر علُواً من طريق المكان، ألا ترى إلى قول أبي تمام: ويَصْعَدُ حَتَّى يظُنَّ الجَهولُ ... بأنّ لَهُ حاجةً في السماءِ فلولا قصده أن يُنْسِيَ الشبيه ويرفعَه بجهده، ويُصمِّم على إنكاره وجَحْده، فيجعله صاعداً في السماء من حيث المسافة المكانية، لمَا كان لهذا الكلام وجهٌ. ومن أبلغ ما يكون في هذا المعنى قول ابن الرومي:

стр. 301

أعْلَمُ الناسِ بالنجومِ بَنُو نُو ... بَخْتَ عِلماً لم يَأْتهم بالحِسابِ بَلْ بَأنْ شاهدُوا السَّماءَ سُمُوّاً ... بِتَرَقٍّ في المكرماتِ الصِّعابِ مبلغٌ لم يكُنْ ليبلُغَه الطا ... لِبُ إلاّ بتِلكُمُ الأسْبابِ وأعاده في موضع آخر، فزاد الدعوى قُوَّةً، ومرّ فيها مرورَ من يقول صِدقاً ويذكر حقّاً: يا آل نُوبَخْتَ لا عَدِمتُكُم ... ولا تَبدَّلْتُ بعدكم بَدَلاََ إن صَحَّ علمُ النجوم كان لكم ... حقًّاٍ إذا ما سواكُمُ انتحلاَ كَمْ عالمٍ فيكُم وَلَيْس بأنْ ... قاس ولكن بأن رَقِي فَعَلاَ أعلاكُمُ في السماء مَجدُكمُ ... فلستمُ تَجْهلون مَا جُهِلاَ شافَهْتُم البدرَ بالسُّؤال عن ال ... أَمْرِ إلى أن بلغتُمُ زُحَلاَ وهكذا الحكم إذا استعاروا اسمَ الشيء بعينه من نحو شمس أو بدر أو بحر أو أسد، فإنهم يبلغون به هذا الحدّ، ويصوغون الكلام صياغاتٍ تقضي بأن لا تشبيه هناك ولا استعارة، مثاله قوله: قامت تظلِّلني من الشمس ... نفسٌ أعزُّ عليَّ من نَفْسِي قامت تظلِّلني ومن عَجَبٍ ... شمسٌ تُظَلِّلني من الشَّمس ِفلولا أنه أنْسَى نفسَهُ أن هاهنا استعارةً ومجازاً من القول، وعَمِلَ على دعوى شمس على الحقيقة، لما كان لهذا التعجّب معنًى، فليس ببِدْعٍ ولا مُنكَر أن يظلِّلَ إنسانٌ حسن الوجه إنساناً ويَقِيه وَهَجاً بشخصه.

стр. 302

وهكذا قول البحتري: طَلَعْتَ لهم وَقْتَ الشُّروق فعَايَنُوا ... سَنَا الشّمسِ من أُفْقٍ ووَجْهَك من أُفْقِ وما عَاينُوا شمسين قبلهما الْتَقَى ... ضياؤُهما وَفْقاً من الغَرْب الشَّرْقِ معلوم أن القصد أن يُخرج السامعين إلى التعجّب لرؤية ما لم يروه قط، ولم تَجْرِ العادة به، ولم يتمَّ للتعجُّب معناه الذي عناه، ولا تظهر صورته على وصفها الخاصّ، حتى يجترئ على الدَّعوى جُرْأةَ من لا يتوقف ولا يَخشى إنكارَ مُنْكرٍ، ولا يَحْفِل بتكذيب الظاهر له، ويسُوم النفس، شاءَت أمْ أَبَتْ، تصوُّرَ شَمْسٍ ثانية طلعت من حيث تغرب الشمس، فالتقتَا وَفْقاً، وصار غرْب تلك القديمة لهذه المتجددةِ شرقاً. ومدارُ هذا النوع في الغالب على التعجُّب، وهو والي أمره، وصانع سِحْره، وصاحب سرّه، وتراه أبداً وقد أفضى بك إلى خِلابةٍ لم تكن عندك، وبرز لك في صورة ما حسبتها تظهر لك، ألا ترى أن صورة قوله شمس تظللني من الشمس، غير صورة قوله وما عاينوا شمسين، وإن اتَّفق الشعران في أنهما يتعجّبان من وجود الشيء على خلاف ما يُعقَل ويُعرَف. وهكذا قول المتنبي: كَبَّرتُ حَوْلَ دِيارهم لمّا بَدَت ... منها الشُّموسُ وليسَ فيها المشرقُ له صورةٌ غير صورة الأوَّلين. وكذا قوله:

стр. 303

ولم أَر قَبْلي مَنْ مَشَى البدرُ نحوهُ ... ولا رَجُلاً قَامت تُعانقُه الأُسْدُ يعرض صورة غير تلك الصُّوَر كلها، والاشتراك بينها عامّيٌّ لا يدخل في السَّرِقة، إذ لا اتِّفاق بأكثر من أن أثبت الشيء في جميع ذلك على خلاف ما يعرفه الناس، فأمّا إذا جئت إلى خصوصٍ ما يخرج به عن المتعارف، فلا اتفاق ولا تناسُب، لأن مكان الأعجوبة مرّةً أن تظلل شمسٌ من الشمس، وأخرى أن يُرَى للشمس مِثْلٌ لا يطلع من الغرب عند طلوعها من الشرق، وثالثةً أن تُرَى الشموس طالعةً من ديارهم، وعلى هذا الحد قوله ولم أرَ قبلي مَن مَشَى البدر نحوه، العجب من أن يمشيَ البدر إلى آدميٍّ، وتُعانِقَ الأسْد رجُلاً. واعلم أن في هذا النوع مذهباً هو كأنه عكس مذهب التعجب ونقيضُه، وهو لطيف جدّاً، وذلك أن يُنظر إلى خاصيَّة ومعنًى دقيقٍ يكون في المشبَّه به، ثم يُثَبِّت تلك الخاصيّة وذلك المعنى للمشبّه، ويُتوصَّل بذلك إلى إيهام أن التشبيه قد خرج من البَيْن، وزال عن الوَهْم والعين أحسنَ توصُّلٍ وألطفَه، ويقام منه شِبهُ الحجّة على أنْ لا تشبيهَ ولا مجازَ، ومثال قوله: لاَ تَعْجَبُوا من بِلَى غِلاَلته ... قد زرَّ أَزْرَاره على القمَر قد عمد، كما ترى إلى شيء هو خاصية في طبيعةِ القمر، وأمرٌ غريب من تأثيره، ثم جَعلَ يُرِى أن قوماً أنكروا بِلَى الكتّان بسُرعة، وأنه قد أخذ

стр. 304

ينهاهم عن التعجُّب من ذلك ويقول أما ترونه قد زرَّ أزرارَه على القمر، والقمرُ من شأنه أن يُسْرِع بِلَى الكتان، وغرضه بهذا كله أن يُعلِم أن لا شكَّ ولا مِريَة في أن المعاملة مع القمر نفسِهِ، وأن الحديث عنه بعينه، وليس في البَين شيءٌ غيره، وأن التشبيهَ قد نُسي وأُنْسيَ، وصار كما يقول الشيخ أبو عليّ فيما يتعلق به الظرف: إنّه شريعَةٌ منسوخة. وهذا موضعٌ في غاية اللُّطْفِ، لا يَبين إلا إذا كان المتصفِّح للكلام حسَّاساً، يعرف وَحْي طَبْع الشعر، وخفيَّ حركته التي هي كالخَلْسِ، وكَمَسْرَى النّفْسِ في النّفْس. وإن أردت أن تظهرَ لك صحّةُ عزيمتهم في هذا النحو على إخفاءِ التشبيه ومَحْوِ صورته من الوهم، فأبرِزْ صفة التَّشبيه، واكشفْ عن وجهه، وقُلْ لا تعجبوا مِن بِلى غِلاَلته، فقد زرَّ أزرارَهُ على مَنْ حُسْنُه حسنُ القمر، ثم انظر هل ترى إلاّ كلاماً فاتراً ومعنًى نازلاً، واخبُرْ نفسك هل تجد ما كنت تجده من الأريحيّة؟ وانظر في أعين السامعين هل ترى ما كنت تراه من ترجمةٍ عن المسرَّة، ودِلاَلةٍ على الإعجاب؟ ومن أين ذلك وأنَّى وأنت بإظهار التشبيه تُبطل على نفسك ما له وُضِعَ البيتُ من الاحتجاج على وُجوب البِلَى في الغلالة، والمَنْعِ من العجب فيه بتقرير الدِّلالة. وقد قال آخر في هذا المعنى بعينه، إلاّ أن لفظه لا يُنبئ عن القوة التي لهذا البيت في دعوى القمر، وهو قوله: تَرَى الثِّياب من الكَتَّان يلمَحُها ... نُورٌ من البدر أحياناً فيُبْليهَا

стр. 305

فكيف تُنكر أَن تَبْلَى مَعَاجرُها ... والبدرُ في كل وقتِ طَالِعٌ فيها ومما ينظر إلى قوله قد زرَّ أزراره على القمر، في أنه بلغ بدعواه في المجاز حقيقةً، مبلغَ الاحتجاج به كما يُحتجُّ بالحقيقة، قولُ العبّاس بن الأحنف: هِيَ الشَّمْسُ مَسْكَنُها في السماء ... فَعَزِّ الفؤادَ عَزاءً جميلاَ فلن تَسْتطيع إليهَا الصُّعودَ ... ولن تستطيعَ إليكَ النُزولاَ صورة هذا الكلام ونِصْبَته والقالب الذي فيه أُفْرِغ، يقتضي أن التشبيه لم يَجْرِ في خَلَده، وأنه معه كما يقال: لستُ منه وليسَ مِنّي، وأن الأمر في ذلك قد بلغ مبلغاً لا حاجة معه إلى إقامة دليل وتصحيح دعوى، بل هو في الصِّحّة والصدق بحيث تُصحَّح به دعوى ثانيةٌ، ألا تراه كأنه يقول للنفس ما وَجْهُ الطمع في الوصول وقد علمت أن حديثك مع الشمس، ومَسْكَنُ الشمس السماء؛ أفلا تراه قد جعل كونها الشَّمس حُجَّةً له على نفسه، يصرفها بها عن أن ترجو الوصول إليها، ويُلْجِئُها إلى العزاء، ورَدَّها في ذلك إلى ما لا تشكُّ فيه، وهو مستقرٌّ ثابت، كما تقول: أوَما علمت ذلك؟ وأليس قد علمت؟، ويُبَيِّن لك هذا التفسيرَ والتقريرَ فضلَ بيانٍ بأن تُقابل هذا البيت بقول الآخر: فقلتُ لأصْحابِي هي الشمسُ ضَوْءُها ... قريبٌ ولكن في تَنَاوُلِها بُعْدُ

стр. 306

وتتأمَّلْ أمر التشبيه فيه، فإنك تجده على خلاف ما وصفتُ لك، وذلك أنه في قوله فقلت لأصحابي هي الشمس، غيرُ قاصد أن يجعل كَوْنَها الشمسَ حُجَّةً على ما ذكر بعدُ، من قرب شخصها ومثالها في العين، مع بُعد منالها بل قال هي الشمس، وهكذا قولاً مرسلاً يُومِئُ فيه بل يُفصِح بالتشبيه، ولم يُرد أن يقول لا تعجبوا أن تَقْرُب وتَبْعُد بعد أن علمتم أنها الشمس، حتى كأَنه يقول: ما وَجْهُ شكّكِم في ذلك؟، ولم يشكّ عاقلٌ في أن الشمس كذلك، كما أراد العباس أن يقول: كيف الطمع في الوُصول إليها مع عِلْمِك بأنها الشمس، وأن الشمسَ مَسْكنُها السماءُ، فبيت ابن أبي عيينة في أنْ لم ينصرف عن التشبيه جملةً، ولم يَبْرُز في صورة الجاحد له والمتبرّئ منه، كبيت بشَار الذي صرَّح فيه بالتشبيه، وهو: أو كبَدْر السَّماءِ غيرُ قريبٍ ... حِين يُوفِي والضوءُ فيه اقترابُ وكبيت المتنبي: كأنَّها الشمس يُعيي كفَّ قابضِهِ ... شُعاعُها ويَرَاه الطَّرْفُ مُقْتربَا فإن قلت فهذا من قولك يؤدِّي إلى أن يكون الغَرَض من ذكر الشمس، بيانَ حال المرأة في القُرب من وجهٍ، والبعدِ من وجهٍ آخر، دون المبالغة في وصفها بالحسن وإشراق الوجه، وهو خلافُ المعتاد، لأن الذي يَسْبق إلى القلوب، أن يُقْصدَ من نحو قولنا هي كالشمسِ أو هي شمسٌ، الجمالُ والحُسْن والبهاء.

стр. 307

فالجواب إنّ الأمرَ وإن كان على ما قلتَ، فإنه في نحو هذه الأحوال التي ُقصَد فيها إلى بيان أمرٍ غير الحُسن، يصير كالشيء الذي يُعقل من طريق العُرْف، وعلى سبيل التَّبَع، فأما أن يكون الغرضُ الذي له وُضع الكلام فلا وإذا تأمّلت قوله فقلت لأصحابي هي الشمس ضوءُها قريبٌ، وقولَ بشار: " أو كبدر السماء "، وقولَ المتنبي: " كأنها الشَّمس "، علمتَ أنهم جعلوا جُلَّ غَرَضهم أن يُصِيبوا لها شبهاً في كونها قريبة بعيدةً، فأما حديث الحُسن، فدخل في القصد على الحدِّ الذي مضى في قوله، وهو للعباس أيضاً: نِعْمةٌ كالشّمس لمَّا طَلَعت ... بَثَّت الإشراقَ في كُلّ بَلَدْ فكما أن هذا لم يضع كلامه لجعل النعم كالشمس في الضِّياء والإشراق، ولكن عَمَّت كما تعمُّ الشمس بإشراقها كذلك لم يضع هؤلاء أبياتهم على أن يجعلوا المرأة كالشمس والبدرِ في الحسن ونورِ الوجه، بل أَمُّوا نحو المعنى الآخر، ثم حَصَل هذا لهم من غير أن احتاجوا فيه إلى تجشُّمٍ، وإذا كان الأمر كذلك، فلم يقُل إن النعمة إنما عمّت لأنها شمس، ولكن أراك لعمومها وشمولها قياساً، وتحرَّى أن يكون ذلك القياس من شيء شَرِيف له بالنعمة شبهٌ من جهة أوصافه الخاصّة، فاختار الشمس، وكذلك لم يُرد ابن أبي عيينة أن يقول إنها إنما دَنت ونَأت لأنها شمس، أو لأنها الشمس، بل قاس أمرها في ذلك كما عرّفتُك. وأمّا العبّاس فإنه قال إنها إنما كانت بحيث لا تُنال، ووجب اليأس من الوصول إليها، لأجل أنها الشمس فاعرفه فرقاً واضحاً.

стр. 308

ومما هو على طريقة بيت العبّاس في الاحتجاج، وإن خالفه فيما أذكره لك، قول الصابئ في بعض الوزراء يهنّئه بالتخلُّص من الاستِتار: صَحَّ أنَّ الوزيرَ بدرٌ مُنيرٌ ... إذ تَوَارَى كما تَوَارَى البدورُ غَاب لا غَابَ ثُمَّ عاد كما كا ... نَ على الأُْفْقِ طالعاً يستنيرُ لا تسَلْني عن الوزير فقد بَيَّ ... نْتُ بالوصف أنه سَابورُ لا خَلاَ منه صدرُ دَسْتٍ إذا ما ... قَرَّ فيه تَقِرُّ منه الصدورُ فهو كما نراه يحتجّ أن لا مجازَ في البين، وأنَّ ذكر البدر وتسميةَ الممدوح به حقيقة، واحتجاجُه صريحٌ لقوله صح أنه كذلك، وأما احتجاج العبّاس وصاحبه في قوله قد زرَّ أزرَارهُ على القَمر، فعلى طريق الفَحْوى، فهذا وَجهُ الموافقة، وأما وَجْهُ المخالفة، فهو أنَّهما ادّعيا الشَّمس والقَمَر بأنفسهما، وادَّعى الصابئ بدراً، لا البدر على الإطلاق. ومن ادّعاه الشمس على الإطلاق قولُ بشَّار: بَعَثْتُ بِذكْرها شِعري ... وقَدَّمتُ الهَوَى شَرَكَا فلمَّا شاقَها قَولي ... وشَبَّ الحبُّ فاحْتَنَكَا أتتني الشمسُ زائرةً ... ولم تكُ تبرَحُ الفَلَكَا وَجَدتُ العيش في سُعدَى ... وكان العَيْشُ قد هَلَكَا

стр. 309

فقوله ولم تك تَبرَحُ الفَلَكا، يريك أنه ادَّعى الشمس نفسها، وقال أشجع يرثي الرشيد، فبدأ بالتعريف، ثم نكّر فخلَط إحدى الطريقتين بالأخرى، وذلك قوله: غَرَبَتْ بالمشرق الشم ... سُ فقُلْ للعين تدمعْ ما رَأَيْنا قَطُّ شَمساً ... غَرَبت من حَيْثُ تطلعْ فقوله غربت بالمشْرق الشمسُ على حدّ قول بشار: " أتتني الشمس زائرةً، في أنه خيّل إليك شمس السماء "، وقوله بعد ما رأينا قَطّ شمساً، يُفتِّر أمرَ هذا التخييل، ويميل بك إلى أن تكون الشمس في قوله: غربت بالمشرق الشمس، غير شمس السماءِ، أعني غير مدَّعى أنها هي، وذلك مما يضطرب عليه المعنى وَيقْلَق، لأنه إذا لم يدَّع الشمسَ نفسها، لم يجب أن تكون جهة خراسان مَشْرِقاً لها، وإذا لم يجب ذلك، لم يحصل ما أراده من الغرابة في غروبها من حيث تطلع، وأظُنُّ الوجهَ فيه أن يُتأوّل تنكيره للشمس في الثاني على قولهم: خرجنا في شمس حارّة، يريدون في يوم كانَ للشمس فيه حرارة وفضلُ توقُّد، فيصير كأنه قال: ما عهدنا يوماً غَرَبت فيه الشمس من حيث تطلع، وهوت في جانب المشرق، وكثيراً ما يتفِق في كلام الناس ما يُوهم ضرباً من التنكير في الشمس كقولهم: " شَمْسٌ صيفية "، وكقوله: واللَّه لا طَلَعت شمسٌ ولا غربت ولا فرق بين هذا وبين قول المتنبي:

стр. 310

لم يُرَ قَرْنُ الشَّمْسِ في شرْقِه ... فشكَّت الأنفسُ في غَرْبهِ ويجيءُ التنكير في القمر والهلال على هذا الحدّ، فمنه قول بشّار: أمَلي لا تأتِ في قَمَرٍ ... بحديثٍ واتَّق الدُّرَعَا وتَوَقَّ الطيبَ لَيْلتَنا ... إنَّه واشٍ إذا سَطَعا فهذا بمعنى لا تأت في وقت قد طلع فيه القمر، وهذا قولُ عمر بن أبي ربيعة: وَغَاب قُميْرٌ كنتُ أرجُو غُيُوبَهُ ... وَرَوَّحَ رُعْيَانٌ ونَوَّمَ سُمَّرُ ظاهره يوهم أنه كقولك: جاءني رجل، وليس كذلك في الحقيقة، لأن الاسم لا يكون نكرة حتى يعمَّ شيئين وأكثر، وليس هنا شيئان يَعُمّهما اسم القمر. وهكذا قول أبي العتاهية: تُسرُّ إذا نظرتَ إلى هلالٍ ... ونَقْصُك إذْ نظرتَ إلى الهلالِ ليس المنكَّر غير المعرَّف، على أنّ للهلال في هذا التنكير فضلَ تمكُّنٍ ليس للقمر، ألا تراه قد جُمع في قوله تعالى: " يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ " " البقرة: ١٨٩ "، ولم يجمع القمر على هذا الحدّ.

стр. 311

ومن لطيف هذا التنكير قول البحتري: وبَدْرَين أَنْضيْنَاهما بعد ثَالثٍ ... أكلْناه بالإيجاف حتى تَمَحَّقَّا ومما أتى مستكرهاً نابياً يتظلم منه المعنى وينكره، قولُ أبي تمام: قَرِيبُ النَّدَى نائِي المَحَلِّ كأنّه ... هِلالٌ قريبُ النُّورِ ناءٍ مَنازلُهْ سببُ الاستكراه، وأنّ المعنى ينبو عنه أنه يُوهم بظاهره أنّ هاهنا أهِلَّةً ليس لها هذا الحكم، أعني أنه ينأَى مكانهُ ويدنو نورُه، وذلك مُحالٌ فالذي يستقيم عليه الكلام أن يؤتى به معرَّفاً على حدّه في بيت البحتري: كالبدْرِ أفرط في العُلوِّ وضوءُه ... للعُصْبة السَّارين جِدُّ قريب فإن قلت أَقْطَعُ وأستأنفُ فأقولُ: كأن هلال وأسكتُ، ثم أَبتدئُ وآخُذ في الحديث عن شأنِ الهلال بقولي قريب النور ناءٍ منازله أمكنك، ولكنك تعلم ما يشكوه إليه المعنى من نبوّ اللفظ به وسوء ملاءَمة العبارة، واستقصاءُ هذا الموضع يَقْطع عن الغرض وحقُه أنه يُفرَد له فصل. وأعود إلى حديث المجاز وإخفائه، ودعوى الحقيقة وحمل النفس على تخيُّلها،

стр. 312

فممّا يدخل في هذا الفنّ ويجب أنْ يُوازَن بينه وبين ما مضى، قولُ سعيد بن حميد: وَعدَ البَدْرُ بالزيارة لَيْلاً ... فإذَا مَا وَفَى قَضَيْتُ نُذُوري قلتُ يا سيّدي ولِمْ تُؤثِر اللي ... لَ على بَهْجة النهار المُنيرِ قال لي لا أحِبُّ تغيير رَسْمي ... هكذا الرَّسْمُ في طلوع البُدورِ قالوا: وله في ضدّه: قلتُ زُوري فأرسلت ... أَنا آتيك سُحرَهْ قلتُ فالليل كان أخْ ... فَى وأَدنَى مسَرَّهْ فأجابت بحُجَّةٍ ... زَادت القلبَ حَسْرهْ أَنا شمسٌ وإنما ... تَطْلُع الشَّمسُ بُكْرَهْ وينبغي أن تعلم أنَّ هذه القطعة ضدُّ الأولى، من حيث اختار النهارَ وقتاً للزيارة في تلك، والليل في هذه، فأمّا من حيث يختلف جوهر الشعر ويتَّفق، وخصوصاً من حيث نَنْظر الآن، فمثلٌ وشبيهٌ، وليس بضدٍّ ولا نقيض. ثم اعلم أنّا إن وازنَّا بين هاتين القطعتين وبين ما تقدَّم من بيت العباس: هي الشمس مسكنها في السماء، وما هو في صورته، وجدنا أمراً بَيْن أمرين بين ادّعاء البدر والشمس أنْفُسهما، وبين إثبات بدر ثانٍ وشمسٍ ثانية، ورأينا الشعر قد شاب في ذلك الإنكارَ بالاعتراف،

стр. 313

وصادَفْتَ صورة المجاز تُعرِضُ عنك مرَّةً، وتَعرِضُ لك أخرى، فقوله: البدرُ بالتعريف مع قوله لا أحبّ تغيير رسمي، وتركه أن يقول رَسْمَ مِثْلي، يُخيِّلُ إليك البدر نَفسَه، وقوله في طلوع البدور بالجمع دون أن يفرد فيقول هكذا الرسم في طلوع البدور يلتفت بك إلى بدر ثانٍ، ويُعطيك الاعترافَ بالمجاز على وجه، وهكذا القول في القطعة الثانية لأنّ قوله: أنا شمس بالتنكير اعترافٌ بشمس ثانية أو كالاعتراف. ومما يدُلُّ دِلالةً واضحةً على دعوى الحقيقة، ولا يستقيم إلا عليها قولُ المتنبي: واستقبلَتْ قَمَرَ السماءِ بوَْجهها ... فأَرَتْنِيَ القَمرين في وقتٍ معَا أراد فأرتني الشمسَ والقمرَ، ثم غَلَّب اسمَ القمر كقول الفرزدق: أخذنا بآفاقِ السَّماء عليكُمُ ... لنَا قَمَراها والنُّجوم الطوالعُ لولا أنه يُخيِّل الشمسَ نفسَها، لم يكن لتغليب اسم القمر والتعريف بالألف واللام مَعْنًى، وكذلك لولا ضبطُه نفسَه حتى لا يُجرِيَ المجازَ والتشبيه في وهْمه، لكان قوله في وقت معَا، لغواً من القول، فليس بعجيبٍ أن يتراءَى لك وَجْهُ غادةٍ حَسناءَ في وقت طلوع القمر وتوسُّطه السماء، هذا أظهر من أن يخفى. وأمَّا تشبيه أبي الفتح لهذا البيت بقول القائل:

стр. 314

وإذا الغزالةُ في السماء ترفَّعتْ ... وبَدَا النهارُ لوَقْتِه يترجَّلُ أبْدَتْ لوجه الشمسِ وجهاً مثلَهُ ... تلقى السماءَ بمثل ما تستقبلُ فتشبيهٌ على الجملة، ومن حيث أصل المعنى وصورته في المعقول، فأما الصُّورة الخاصّة التي تحدُث له بالصنعة فلم يَعْرِض لها. ومما له طبقة عالية في هذا القبيل وشكلٌ يدلُّ على شدَّة الشكيمة وعلوّ المأخذ، قولُ الفرزدق: أبي أحمدُ الغَيْثَين صَعْصعةُ الذي ... متَى تُخْلِفِ الجوزَاءُ والدَّلوُ يُمطرِ أجارَ بناتِ الوائدين ومن يُجِرْ ... على المَوْتِ يُعلَمْ أنه غير مُخْفَرِ أفلا تراه كيف ادَّعى لأبيه اسم الغيث ادّعاءَ من سُلّم له ذلك، ومن لا يَخْطُر ببالِه أنه مجازٌ فيه، ومتناوِلٌ له من طريق التشبيه، وحتى كأنَّ الأمر في هذه الشهرة بحيث يقال: أيّ الغيثين أجود؟ فيقال صعصعة، أو يقال الغيثان، فيُعْلم أنّ أحدهمَا صعصعة، وحتى بلغ تمكُّنُ ذلك في العُرف إلى أن يتوقّف السامع عند إطلاق الاسم، فإذا قيل: أتاك الغيث، لم يعلم أيُراد صعصعة أم المطر. وإن أردت أن تعرف مقدارَ ما له من القُوَّة في هذا التخييل، وأن مصدرَه مَصْدَرُ الشيء المُتَعارَف الذي لا حاجة به إلى مقدِّمة يُبنَى عليها نحوَ أن تبدأ فتقول: أبي نظيرُ الغيث وثانٍ له، وغيثٌ ثانٍ، ثم تقول: وهو خير

стр. 315

الغيثين لأنه لا يُخْلِف إذا أَخلفت الأَنواء، فانظر إلى موقع الاسم، فإنك تراه واقعاً موقعاً لا سبيل لك فيه إلى حلِّ عَقْد التثنية، وتفريق المذكورَين بالاسم، وذلك أن أفعل لا تصحّ إضافته إلى اسمين معطوفٍ أحدُهما على الآخر، فلا يقال جاءَني أفضل زيد وعمرو، ولا إنَّ أعلمَ بكرٍ وخالدٍ عندي، بل ليس إلا أن تُضيف إلى اسم مثنًّى أو مجموع في نفسه، نحو أفضل الرَّجلين، وأفضل الرجال، وذلك أنّ أفعل التفضيل بعضُ ما يضاف إليه أبداً، فحقّه أن يُضاف إلى اسمٍ يحويه وغيرَه، وإذا كان الأمر كذلك، علمتَ أنهَ اللَّفظ بالتشبيه، والخروجِ عن صريح جَعْلِ اللَّفظ للحقيقة متعذرٌ عليك، إذ لا يمكنك أن تقول: أبي أحمَدُ الغيثِ والثاني له والشبيه به، ولا شيئاً من هذا النحو، لأنك تقع بذلك في إضافة أفعل إلى اسمين معطوفٍ أحدهما على الآخر. وإذ قد عرفتَ هذا فانظر إلى قول الآخر: قد أقْحَطَ الناسُ في زمانِهمُ ... حتى إذا جئتَ جئتَ بالدِّرَرِ غَيْثَانِ في ساعةٍ لنا اتّفقا ... فمرحباً بالأمير والمَطَرِ فإنك تَرَاهُ لا يبلغ هذه المنزلة، وذلك أنه كلامُ مَن يُثبته الآنَ غيثاً ولا يدَّعي فيه عُرْفاً جارياً، وأمراً مشهوراً مُتعارفاً، يعلم كل واحدٍ منه ما يعلمه،

стр. 316

وليس بمتعذِّر أن تقول غيثٌ وثانٍ للغيث اتفقا، أو تقول الأميرُ ثاني الغيث والغيثُ اتّفقَا. فقد حصل من هذا الباب أن الاسم المستعارَ كلما كان قَدمُه أثبتَ في مكانه، وكان موضعه من الكلام أضَنَّ به، وأَشَدَّ محاماةً عليه، وأمنع لك من أن تتركه وترجعَ إلى الظاهر وتصرِّح بالتشبيه، فأمرُ التخييل فيه أقوى، ودعوى المتكلم له أظهر وأتَمُّ. واعلم أن نحوَ قول البحتري: غَيْثانِ إنْ جَدْبٌ تتابعَ أَقبلا ... وهما رَبيعُ مُؤَمِّلٍ وخَرِيفُهْ لا يكون مما نحن بصدده في شيء، لأنّ كلَّ واحدٍ من الغيثين في هذا البيت مجازٌ، لأنه أراد أن يشبِّه كل واحد من الممدوحَين بالغيث، والذي نحن بصَدَده، هو أن يُضَمَّ المجاز إلى الحقيقة في عَقْد التثنية، ولكن إن ضممتَ إليه قوله: فلم أَرَ ضِرغامَين أَصْدقَ منكما ... عِراكاً إذا الهَيَّابةُ النِكْسُ كَذَّبا كان لك ذلك، لأن أحدَ الضرغامين حقيقةٌ والآخرُ مجازٌ. فإن قلت فهاهنا شيءُ يردُّك إلى ما أَبَيْتهُ من بقاءِ حُكم التشبيه في جعله أباه الغيث، وذلك أن تقدير الحقيقة في المجاز إنما يُتصوَّر في نحو بيت البحتري: "

стр. 317

فلم أرَ ضِرْغَامَين " من حيث عَمَد إلى واحدٍ من الأسودِ، ثم جعل الممدوحَ أسداً على الحقيقة قد قَارَنَهُ وضامَّهُ، ولا سبيل للفرزدق إلى ذلك، لأن الذي يَقْرِنه إلى أبيه هو الغيث على الإطلاق، وإذا كان الغيثَ على الإطلاق، لم يبق شيءٌ يستحقّ هذا الاسم إلا ويدخل تحته، وإذا كان كذلك، حصل منه أن لا يكون أبو الفرزدق غيثاًً على الحقيقة، فالجواب أن مذهب ذلك ليس على ما تتوهّمه، ولكن على أصلٍ هو التشبيه، وهو أن يقصدَ إلى المعنى الذي من أجله يشبِّه الفرع بالأصل كالشجاعة في الأسد، والمضاء في السيف، وينحِّي سائرَ الأوصاف جانباً، وذلك المعنى في الغَيْث هو النّفْع العامّ، وإذا قُدّر هذا التقدير، صار جنس الغيث كأنه عينٌ واحدة وشيءٌ واحد، وإذا عاد بك الأمر إلى أن تتصوَّرَهُ تَصوُّرَ العين الواحدة دون الجنس، كان ضَمُّ أبي الفرزدق إليه بمنزلة ضمِّك إلى الشمس رجلاً أو امرأةً تريد أن تبالغ في وصفهما بأوصاف الشمس، وتنزيلهما منزلتها، كما تجده في نحو قوله: فَلَيْتَ طالعةَ الشَّمسين غَائِبةٌ ... وَلَيْتَ غَائبةَ الشَّمسينِ لم تغِبِ

стр. 318

فصل في الفرق بين التشبيه والاستعارة اعلم أن الاسم إذا قُصد إجراؤُه على غير ما هو له لمشابهة بينهما، كان ذلك على ما مضى من الوجهين: أحدهما أن تُسقط ذكر المشبَّه من البَيْنِ، حتى لا يُعلَم من ظاهر الحال أنك أردته، وذلك أن تقول " عنَّت لنا ظبية "، وأنت تريد امرأة، ووردنا براً، وأنت تريد الممدوح، فأنت في هذا النحو من الكلام إنّما تعرف أن المتكلم لم يُرد ما الاسمُ موضوعٌ له في أصل اللغة، بدليل الحال، أو إفصاح المقال بعد السؤال، أو بفحوَى الكلام وما يتلوه من الأوصاف، مثال ذلك أنك إذا سمعت قوله: تَرَنَّحَ الشَّرْبُ واغتَالتْ حُلومَهُمُ ... شَمسٌ تَرَجَّلُ فِيهم ثم ترتحلُ استدللتَ بذكر الشَّرْب، واغتيال الحلوم، والارتحال، أنه أراد قَيْنةً، ولو قال: ترجلت شمس، ولم يذكر شيئاً غيره من أحوال الآدميين، لم يُعقَل قطُّ أنه أراد امرأة إلا بإخبارٍ مُسْتَأْنَفٍ، أو شاهدٍ آخَر من الشواهد، ولذلك تجد الشيءَ يلتبس منه حَتَّى على أهل المعرفة، كما روى أن عديَّ بن حاتم اشتَبَه عليه المُراد بلفظ الخَيْط في قوله تعالى: " حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأَسْوَدِ " " البقرة: ١٨٧ "، وحمله على ظاهره، فقد

стр. 319

رُوى أنه قال لما نزلت هذه الآية أخذت عِقالاً أسودَ وعِقالاً أبيض، فوضعتهما تحت وسادتي، فنظرت فلم أتبيّن، فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: " إن وِسَادك لطويل عَرِيضٌ، إنما هو الليل والنهار "، والوجه الثاني: أن تذكر كلَّ واحدٍ من المشبَّه والمشبَّه به فتقول زيدٌ أسد وهندٌ بدر، وهذا الرجل الذي تراه سيفٌ صارمٌ على أعدائك، وقد كنتُ ذكرتُ فيما تقدّم، أن في إطلاق الاستعارة على هذا الضَّرب الثاني بعضُ الشبهة، ووعدتُك كلاماً يجيء في ذلك، وهذا موضعُه. اعلم أنّ الوجهَ الذي يقتضيه القياس، وعليه يدلّ كلام القاضي في الوساطة، أن لا تُطْلَق الاستعارة على نحو قولنا زيد أسَدٌ وهند بدرٌ، ولكن تقول: هو تشبيه، وإذا قال هو أسدٌ، لم تقُلْ استعار له اسم

стр. 320

الأسد، ولكن تقول شَبَّهه بالأسد، وتقول في الأول إنه استعارة لا تتوقف فيه ولا تتحاشى البتّةَ، وإن قلت في القسم الأول: إنه تشبيه كنتَ مصيباً، من حيث تُخبر عمّا في نفس المتكلم وعن أصل الغرض، وإن أردت تمام البيان قلت أراد أن يشبّه المرأةَ بالظبية فاستعار لها اسمها مبالغةً. فإن قلت فكذلك فقل في قولك زيد أسد، إنه أراد تشبيهه بالأسد، فأجرَى اسمه عليه، ألا ترى أنك ذكرته بلفظ التَّنكير فقلت زيد أسد، كما تقول زيد واحد من الأسود، فما الفرْقُ بين الحالين، وقد جرى الاسم في كل واحد منهما على المشبَّه. فالجواب أن الفرق بيّنٌ وهو أنك عزلت في القسم الأول الاسمَ الأصليَّ عنه واطّرحته، وجعلته كأن ليس هو باسم له، وجعلت الثانيَ هو الواقعَ عليه والمتناوِلَ له، فصار قصدُك التشبيهَ أمراً مطويّاً في نفسك مكنوناً في ضميرك، وصار في ظاهر الحال وصورة الكلام ونِصْبَته، كأنه الشيء الذي وُضع له الاسم في اللغة وتُصُوّر - إن تَعَلَّقَهُ الوهمُ - كذلك، وليس كذلك القسم الثاني، لأنك قد صرّحت فيه بذكر المشبَّه، وذكرُك له صريحاً يأبَى أن تَتوَّهم كونَهُ من جنس المشبَّه به، وإذا سمع السامع قولك زيد أسد وهذا الرجل سيف صارمٌ على الأعداء، استحال أن يظنّ وقد صرَّحت له بذكر زيدٍ أنك قصدت أسداً وسيفاً، وأكثر ما يمكن أن يُدَّعى تخيُّلُه في هذا أن يقع في نفسه من قولك زيد أسد، حالُ الأسد في جراءته وإقدامه وبَطْشه، فأمَّا أنْ يقع في وهمه أنه رجل وأَسَدٌ معاً بالصورة والشخص فمحالٌ. ولمَّا كان كذلك، كان قصدُ التشبيه من هذا النحو بيِّناً لائحاً، وكائناً من مقتضى الكلام، وواجباً من حيث موضوعه، حتى إن لم
следующие страницы →