← Баляга

Баляга · id 8187

أسرار البلاغة - ت محمود شاكر

عبد القاهر الجرجاني

Полный текст (421 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

وليس بمتعذِّر أن تقول غيثٌ وثانٍ للغيث اتفقا، أو تقول الأميرُ ثاني الغيث والغيثُ اتّفقَا. فقد حصل من هذا الباب أن الاسم المستعارَ كلما كان قَدمُه أثبتَ في مكانه، وكان موضعه من الكلام أضَنَّ به، وأَشَدَّ محاماةً عليه، وأمنع لك من أن تتركه وترجعَ إلى الظاهر وتصرِّح بالتشبيه، فأمرُ التخييل فيه أقوى، ودعوى المتكلم له أظهر وأتَمُّ. واعلم أن نحوَ قول البحتري: غَيْثانِ إنْ جَدْبٌ تتابعَ أَقبلا ... وهما رَبيعُ مُؤَمِّلٍ وخَرِيفُهْ لا يكون مما نحن بصدده في شيء، لأنّ كلَّ واحدٍ من الغيثين في هذا البيت مجازٌ، لأنه أراد أن يشبِّه كل واحد من الممدوحَين بالغيث، والذي نحن بصَدَده، هو أن يُضَمَّ المجاز إلى الحقيقة في عَقْد التثنية، ولكن إن ضممتَ إليه قوله: فلم أَرَ ضِرغامَين أَصْدقَ منكما ... عِراكاً إذا الهَيَّابةُ النِكْسُ كَذَّبا كان لك ذلك، لأن أحدَ الضرغامين حقيقةٌ والآخرُ مجازٌ. فإن قلت فهاهنا شيءُ يردُّك إلى ما أَبَيْتهُ من بقاءِ حُكم التشبيه في جعله أباه الغيث، وذلك أن تقدير الحقيقة في المجاز إنما يُتصوَّر في نحو بيت البحتري: "

стр. 317

فلم أرَ ضِرْغَامَين " من حيث عَمَد إلى واحدٍ من الأسودِ، ثم جعل الممدوحَ أسداً على الحقيقة قد قَارَنَهُ وضامَّهُ، ولا سبيل للفرزدق إلى ذلك، لأن الذي يَقْرِنه إلى أبيه هو الغيث على الإطلاق، وإذا كان الغيثَ على الإطلاق، لم يبق شيءٌ يستحقّ هذا الاسم إلا ويدخل تحته، وإذا كان كذلك، حصل منه أن لا يكون أبو الفرزدق غيثاًً على الحقيقة، فالجواب أن مذهب ذلك ليس على ما تتوهّمه، ولكن على أصلٍ هو التشبيه، وهو أن يقصدَ إلى المعنى الذي من أجله يشبِّه الفرع بالأصل كالشجاعة في الأسد، والمضاء في السيف، وينحِّي سائرَ الأوصاف جانباً، وذلك المعنى في الغَيْث هو النّفْع العامّ، وإذا قُدّر هذا التقدير، صار جنس الغيث كأنه عينٌ واحدة وشيءٌ واحد، وإذا عاد بك الأمر إلى أن تتصوَّرَهُ تَصوُّرَ العين الواحدة دون الجنس، كان ضَمُّ أبي الفرزدق إليه بمنزلة ضمِّك إلى الشمس رجلاً أو امرأةً تريد أن تبالغ في وصفهما بأوصاف الشمس، وتنزيلهما منزلتها، كما تجده في نحو قوله: فَلَيْتَ طالعةَ الشَّمسين غَائِبةٌ ... وَلَيْتَ غَائبةَ الشَّمسينِ لم تغِبِ

стр. 318

فصل في الفرق بين التشبيه والاستعارة اعلم أن الاسم إذا قُصد إجراؤُه على غير ما هو له لمشابهة بينهما، كان ذلك على ما مضى من الوجهين: أحدهما أن تُسقط ذكر المشبَّه من البَيْنِ، حتى لا يُعلَم من ظاهر الحال أنك أردته، وذلك أن تقول " عنَّت لنا ظبية "، وأنت تريد امرأة، ووردنا براً، وأنت تريد الممدوح، فأنت في هذا النحو من الكلام إنّما تعرف أن المتكلم لم يُرد ما الاسمُ موضوعٌ له في أصل اللغة، بدليل الحال، أو إفصاح المقال بعد السؤال، أو بفحوَى الكلام وما يتلوه من الأوصاف، مثال ذلك أنك إذا سمعت قوله: تَرَنَّحَ الشَّرْبُ واغتَالتْ حُلومَهُمُ ... شَمسٌ تَرَجَّلُ فِيهم ثم ترتحلُ استدللتَ بذكر الشَّرْب، واغتيال الحلوم، والارتحال، أنه أراد قَيْنةً، ولو قال: ترجلت شمس، ولم يذكر شيئاً غيره من أحوال الآدميين، لم يُعقَل قطُّ أنه أراد امرأة إلا بإخبارٍ مُسْتَأْنَفٍ، أو شاهدٍ آخَر من الشواهد، ولذلك تجد الشيءَ يلتبس منه حَتَّى على أهل المعرفة، كما روى أن عديَّ بن حاتم اشتَبَه عليه المُراد بلفظ الخَيْط في قوله تعالى: " حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأَسْوَدِ " " البقرة: ١٨٧ "، وحمله على ظاهره، فقد

стр. 319

رُوى أنه قال لما نزلت هذه الآية أخذت عِقالاً أسودَ وعِقالاً أبيض، فوضعتهما تحت وسادتي، فنظرت فلم أتبيّن، فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: " إن وِسَادك لطويل عَرِيضٌ، إنما هو الليل والنهار "، والوجه الثاني: أن تذكر كلَّ واحدٍ من المشبَّه والمشبَّه به فتقول زيدٌ أسد وهندٌ بدر، وهذا الرجل الذي تراه سيفٌ صارمٌ على أعدائك، وقد كنتُ ذكرتُ فيما تقدّم، أن في إطلاق الاستعارة على هذا الضَّرب الثاني بعضُ الشبهة، ووعدتُك كلاماً يجيء في ذلك، وهذا موضعُه. اعلم أنّ الوجهَ الذي يقتضيه القياس، وعليه يدلّ كلام القاضي في الوساطة، أن لا تُطْلَق الاستعارة على نحو قولنا زيد أسَدٌ وهند بدرٌ، ولكن تقول: هو تشبيه، وإذا قال هو أسدٌ، لم تقُلْ استعار له اسم

стр. 320

الأسد، ولكن تقول شَبَّهه بالأسد، وتقول في الأول إنه استعارة لا تتوقف فيه ولا تتحاشى البتّةَ، وإن قلت في القسم الأول: إنه تشبيه كنتَ مصيباً، من حيث تُخبر عمّا في نفس المتكلم وعن أصل الغرض، وإن أردت تمام البيان قلت أراد أن يشبّه المرأةَ بالظبية فاستعار لها اسمها مبالغةً. فإن قلت فكذلك فقل في قولك زيد أسد، إنه أراد تشبيهه بالأسد، فأجرَى اسمه عليه، ألا ترى أنك ذكرته بلفظ التَّنكير فقلت زيد أسد، كما تقول زيد واحد من الأسود، فما الفرْقُ بين الحالين، وقد جرى الاسم في كل واحد منهما على المشبَّه. فالجواب أن الفرق بيّنٌ وهو أنك عزلت في القسم الأول الاسمَ الأصليَّ عنه واطّرحته، وجعلته كأن ليس هو باسم له، وجعلت الثانيَ هو الواقعَ عليه والمتناوِلَ له، فصار قصدُك التشبيهَ أمراً مطويّاً في نفسك مكنوناً في ضميرك، وصار في ظاهر الحال وصورة الكلام ونِصْبَته، كأنه الشيء الذي وُضع له الاسم في اللغة وتُصُوّر - إن تَعَلَّقَهُ الوهمُ - كذلك، وليس كذلك القسم الثاني، لأنك قد صرّحت فيه بذكر المشبَّه، وذكرُك له صريحاً يأبَى أن تَتوَّهم كونَهُ من جنس المشبَّه به، وإذا سمع السامع قولك زيد أسد وهذا الرجل سيف صارمٌ على الأعداء، استحال أن يظنّ وقد صرَّحت له بذكر زيدٍ أنك قصدت أسداً وسيفاً، وأكثر ما يمكن أن يُدَّعى تخيُّلُه في هذا أن يقع في نفسه من قولك زيد أسد، حالُ الأسد في جراءته وإقدامه وبَطْشه، فأمَّا أنْ يقع في وهمه أنه رجل وأَسَدٌ معاً بالصورة والشخص فمحالٌ. ولمَّا كان كذلك، كان قصدُ التشبيه من هذا النحو بيِّناً لائحاً، وكائناً من مقتضى الكلام، وواجباً من حيث موضوعه، حتى إن لم

стр. 321

يُحمَلْ عليه كان مُحالاً، فالشيء الواحدُ لا يكون رجلاً وأَسداً، وإما يكون رجلاً وبصفَة الأسد فيما يرجع إلى غرائز النفوس والأخلاق، أو خصوصٍ في الهيئة كالكراهة في الوجه، وليس كذلك الأول، لأنه يحتمل الحمل على الظَّاهر على الصحة، فلست بممنوع من أن تقول عَنَّت لنا ظبيةٌ، وأنت تريد الحيوان وطلعت شمس، وأنت تريد الشَّمسَ، كقولك: طلعتِ اليوم شمسٌ حارّة وكذلك تقول: هززتُ على الأعداء سيفاً وأنت تريد السيف، كا تقوله وأنت تريد رجلاً باسلاً استعنت به، أو رأياً ماضياً وُفّقت فيهِ، وأصبت به من العدوِّ فأرهبته وأَثَّرتَ فيه، وإذا كان الأمر كذلك، وجب أن يُفصَل بين القسمين، فيسمَّى الأوّل: استعارةً على الإطلاق، ويقال في الثاني إنه تشبيه، فأما تسميةُ الأول تشبيهاً فغير ممنوع ولا غريب، إلاّ أنه على أنك تُخبر عن الغرض وتُنبئ عن مضمون الحال، فأمّا أن يكون موضوعُ الكلام وظاهره موجباً له صريحاً فَلا. فإن قلت فكذلك قولك هو أسد، ليس في ظاهره تشبيه، لأن التشبيه يحصُل بذكر الكاف أو مِثْل أو نحوهما. فالجواب أن الأمر وإن كان كذلك، فإنّ موضوعَه من حيث الصُّورة يوجب قصدك التشبيه، لاستحالة أن يكون له معنًى وهو على ظاهره، وله مثالٌ من طريق العَادة، وهو أنّ مَثَلَ الاسم مَثَلُ الهيئة التي يُستدَلّ بها على الأجناس، كزِيِّ الملوك وزيّ السُّوقة، فكما أنك لو خلعْتَ من الرجل أثواب السوقة، ونَفَيْتَ عنه كل شيء يختصُّ بالسوقة، وألبستَهُ زِيَّ الملوك، فأبديته للناس في صورة الملوك حتى يتوهّموه مَلِكاً، وحتى لا يَصِلوا إلى معرفة حاله إلا بإخبار أو اختبار واستدلال من غير الظاهر، كنتَ قد أعرتَهُ هيئةَ المَلِك وزِيَّه على الحقيقة، ولو أنك ألقيت عليه بعض ما يلبسه المَلِك من غير أن تُعَرِّيَهُ من المعاني التي تدل على كونه سُوقَةً، لم تكن قد أعرتَهُ بالحقيقة هيئةَ الملك، لأن المقصود من هيئة الملك أن يحصُل بها المَهابةُ في النفس، وأن يُتَوَّهم العظمة، ولا يحصل ذلك مع وجود الأوصاف الدالّة على أن الرجل سُوقة. افرِضْ هذه الموازنة في الشيء الواحد، كالثوب الواحد يُعارُه الرجلُ فيلبَسُه على ثوبه أو منفرداً، وإنما اعتبرِ الهيئةَ وهي تحصلُ بمجموع أشياء، وذلك أن الهيئة هي التي يُشبه حالها حالَ الاسم، لأن الهيئة تخصُّ جنساً دون جنس، كما أن الاسم كذلك، والثوب على الإطلاق لا يفعل ذلك إلا بخصائص تَقْترن به وتُرعَى معه، فإذا كان السامع قولَك: زيد أسدٌ لا يتوهَّم أنك قصدت أسداً على الحقيقة، لم يكن الاسم قد لحقه، ولم تكن قد أعرته إياه إعارةً صحيحةً، كما أنك لم تُعِر الرجل هيئةَ الملِك حين لم تُزِلْ عنه ما يُعلَم به أنه ليس بملك، ّ مَثَلَ الاسم مَثَلُ الهيئة التي يُستدَلّ بها على الأجناس، كزِيِّ الملوك وزيّ السُّوقة، فكما أنك لو خلعْتَ من الرجل أثواب السوقة، ونَفَيْتَ عنه كل شيء يختصُّ بالسوقة، وألبستَهُ زِيَّ الملوك، فأبديته للناس في صورة الملوك حتى يتوهّموه مَلِكاً، وحتى لا يَصِلوا إلى

стр. 322

معرفة حاله إلا بإخبار أو اختبار واستدلال من غير الظاهر، كنتَ قد أعرتَهُ هيئةَ المَلِك وزِيَّه على الحقيقة، ولو أنك ألقيت عليه بعض ما يلبسه المَلِك من غير أن تُعَرِّيَهُ من المعاني التي تدل على كونه سُوقَةً، لم تكن قد أعرتَهُ بالحقيقة هيئةَ الملك، لأن المقصود من هيئة الملك أن يحصُل بها المَهابةُ في النفس، وأن يُتَوَّهم العظمة، ولا يحصل ذلك مع وجود الأوصاف الدالّة على أن الرجل سُوقة. افرِضْ هذه الموازنة في الشيء الواحد، كالثوب الواحد يُعارُه الرجلُ فيلبَسُه على ثوبه أو منفرداً، وإنما اعتبرِ الهيئةَ وهي تحصلُ بمجموع أشياء، وذلك أن الهيئة هي التي يُشبه حالها حالَ الاسم، لأن الهيئة تخصُّ جنساً دون جنس، كما أن الاسم كذلك، والثوب على الإطلاق لا يفعل ذلك إلا بخصائص تَقْترن به وتُرعَى معه، فإذا كان السامع قولَك: زيد أسدٌ لا يتوهَّم أنك قصدت أسداً على الحقيقة، لم يكن الاسم قد لحقه، ولم تكن قد أعرته إياه إعارةً صحيحةً، كما أنك لم تُعِر الرجل هيئةَ الملِك حين لم تُزِلْ عنه ما يُعلَم به أنه ليس بملك هذا وإذا تأمّلنا حقيقةَ الاستعارة في اللغة والعادة، كان في ذلك أيضاً بيانٌ لصحة هذه الطريقة، ووجوبِ الفرقِ بين القسمين، وذاك أن من شرط المستعار أن يَحْصُل للمستعير منافعهُ على الحدّ الذي يحصل للمالِك، فإن كان ثوباً لَبِسَه كما لبسه، وإن كان أداةً استعملها في الشيء تصلح له، حتى إنّ الرائي إذا رآه معه لم تنفصل حاله عنده من حال ما هو مِلْكُ يدٍ ليس بعاريَّةٍ، وإما يفْضُلُهُ المالك في أنّ له أن يُتلف الشيء جملةً، أو يُدخِل التلف على بعض أجزائه قصدًا، وليس للمستعير ذلك، ومعلومٌ أنّ ما هو كالمنفعة من الاسم أن

стр. 323

يوجب ذكرُه القصدَ إلى الشيء في نفسه، فإذا قلت زيد، عُلم أنك أردت أن تُخبر عن الشخص المعلوم، وإذا قلت لقِيت أسداً، عُلم أنك علّقت اللقاءَ بواحد من هذا الجنس، وإذا كان الأمر كذلك، ثم وجدنا الاسم في قولك عنّت ظبية، يُعقَل من إطلاقه أنك قصدت الجنس المعلوم ولا يُعلَم أنك قصدت امرأةً، فقد وقع من المرأة في هذا الكلام موقعَه من ذلك الحيوان على الصحة، فكان ذلك بمنزلةِ أن المستعير ينتفع بالمستعار انتفاعَ مالكه، فيلبَسُه لُبْسَهُ، ويتجمَّل به تجمُّلَه، ويكون مكانه عنده مكانَ الشيءِ المملوك، حتى يعتقد من يَنْظُر إلى الظاهر أنه له، ولما وجدنا الاسم في قولك زيد أسد، لا يقع من زيد ذلك الموقع، من حيث إنّ ذكرَه باسمه يمنع من أن يصير الاسم مطلقاً عليه، ومتناوِلاً له على حدّ تناوُله ما وُضع له، كان وِزانُ ذلك وِزانَ أن تضعَ عند الرجل ثوباً وتمنعَه أن يلبسه، أو بمنزلة أن تطرَحَ عليه طَرَفَ ثوبٍ كان عليك، فلا يكون ذلك عاريَّةً صحيحة، لأنك لم تُدخلْه في جملته، ولم تُعْطِه صورةَ ما يَخْتَص به ويصير إليه، ويخفَى كونُه لك دونه فاعرفه. وها هنا فصل آخر من طريق موضوع الكلام، يُبَيِّن وجوب الفرق بين القسمين:

стр. 324

وهو أن الحالة التي يُخْتَلف في الاسم إذا وقع فيها، أيُسمَّى استعارة أم لا يسمَّى؛ هي الحالة التي يكون الاسم فيها خبرَ مبتدأ أو منزَّلاً منزلتَه، أعني أن يكون خبرَ كان، أو مفعولاً ثانياً لبابِ علمت، لأن هذه الأبواب كلها أصلها مبتدأ وخبر أو يكون حالاً، لأن الحال عندهم زيادةٌ في الخبر، فحكمها حكم الخبر فيما قصدته هاهنا خصوصاً، والاسم إذا وقع في هذه المواضع، فأنت واضعٌ كلامك لإثبات معناه، وإن أدخلت النَّفي على كلامك تَعلَّق النفي بمعناه، تفسير هذه الجملة أنك إذا قلت زيد منطلق، فقد وضعت كلامَك لإثبات الانطلاق لزيد، ولو نفيت فقلت ما زيد منطلقاً، كنت نفيت الانطلاق عن زيد، وكذلك: أكان زيد منطلقاً، وعلمتُ زيداً منطلقاً، ورأيت زيداً منطلقاً، أنت في ذلك كلِّه واضعٌ كلامك ومُزْجٍ له لتُثبت الانطلاق لزيد، ولو خُولفت فيه انصرف الخلافُ إلى ثبوته له، وإذا كان الأمر كذلك، فأنت إذا قلت زيد أسدٌ ورأيتُه أسداً، فقد جعلت اسم المشبَّه به خبراً عن المشبَّه، والاسم إذا كان خبراً عن الشيء كان خبراً عنه، إمّا لإثبات وَصْفٍ هو مشتقٌّ منه لذلك الشيء، كالانطلاق في قولك زيد منطلقْ، أو إثباتِ جنسيةٍ هو موضوعٌ لها كقولك: هذا رجل، فإذا امتنع في قولنا زيد أسدٌ أن تُثبت شَبَه الجنس، فقد اجتلبْنَا الاسم لنُحْدِثَ به التشبيه الآن، ونقرِّرَه في حيّز الحصول والثبوت، وإذا كان كذلك، كان خليقاً بأن تسمّيه تشبيها، إذ كان إنما جاءَ ليُفيدَه ويُوجبَه وأمّا الحالة الأخرى التي قلنا إن الاسم فيها يكون استعارةً

стр. 325

من غير خلافٍ، فهي حالةٌ إذا وقع الاسم فيها لم يكن الاسم مجتلَباً لإثبات معناه للشيء، ولا الكلامُ موضوعاً لذلك، لأن هذا حكمٌ لا يكون إلا إذا كان الاسم في منزلة الخبر من المبتدأ، فأمّا إذا لم يكن كذلك، وكان مبتدأ بنفسه، أو فاعلاً أو مفعولاً أو مضافاً إليه، فأنت واضعٌ كلامك لإثبات أمر آخرَ غيرِ ما هو معنى الاسم. بيان ذلك أنك إذا قلت جاءني أسدٌ ورأيت أسداً ومررت بأسدٍ، فقد وضعت الكلام لإثبات المجيء واقعاً من الأسد، والرؤية والمرور واقعَين منك عليه، وكذلك إن قلت الأسدُ مُقبِل، فالكلام موضوعٌ لإثبات الإقبال للأسد، لا لإثبات معنى الأسد، وإذا كان الأمر كذلك، ثم قلت عنّتْ لنا ظبيةٌ، وهززت سيفاً صارماً على الأعداء وأنت تعني بالظبية امرأةً، وبالسيف رجلاً لم يكن ذكرُك للاسمين في كلامك هذا لإثبات الشُّبه المقصودِ الآن، وكيف يُتصوَّر أن تقصد إلى إثبات الشبه منهما بشيءٍ، وأنت لم تذكر قبلهما شيئاً ينصرف إثبات الشبه إليه، وإنما تُثبت الشُّبه من طريق الرجوع إلى الحال، والبحثِ عن خَبِئٍ في نفس المتكلم. وإذا كان كذلك بانَ أن الاسم في قولك زيد أسدٌ، مقصودٌ به إيقاع التشبيه في الحال وإيجابه، وأما في قولك: عنّت لنا ظبيةٌ وسللتُ سيفاً على العدوّ، فوُضعَ الاسم هكذا انتهازاً واقتضاباً على المقصود، وادّعاء أنه من الجنس الذي وُضع له الاسم في أصل اللغة، وإذا افترقا هذا الافتراقَ، وجب أن نفرق بينهما في الاصطلاح والعبارة، كما أنّا نفصِل بين الخبر والصفة في العبارة، لاختلاف الحكم فيهما، بأنّ الخبر إثباتٌ في الوقت للمعنى، والصفة تبيينٌ وتوضيحٌ

стр. 326

وتخصيصٌ بأمرٍ قد ثبت واستقرَّ وعُرِفَ، فكما لم نرضَ لاتفاق الغَرَض في الخبر الصِّفة على الجملة واشتراكهما إذا قلت زيد ظريفٌ وجاءَني زيد الظَّريف، في التباس زيد في الظرف واكتسائه له، أَنْ تجعلهما في الوضع الاصطلاحيّ شيئاً واحداً، ولا نفرِّق بتسميتنا هذا خبراً وذلك صفةً كذلك ينبغي أن لا يدعونا - اتفاق قولنا: جاءني أسد وهززت سيفاً صارماً وقولنا زيد أسد وسيف صارم، في مطلق التشبيه - إلى التسوية بينهما، وتَرْكِ الفَرْق من طريق العبارة، بل وجب أن نفرِّق، فنسمِّي ذاك استعارةً وهذا تشبيهاً، فإن أبيتَ إلا أن تُطلق الاستعارة على هذا القسم الثاني، فينبغي أن تعلم أن إطلاقها لا يجوز في كل موضعٍ يحسن دخول حرف التشبيه فيه بسهولة، وذلك نحو قولك: هو الأسد وهو شمسُ النهار وهو البدر حسناً وبهجةً، والقضيبُ عطفاً، وهكذا كل موضع ذكر فيه المشبَّه به بلفظ التعريف، فإن قلت: هو بحر وهو ليثٌ ووجدته بحراً، وأردت أن تقول إنه استعارة، كنت أعذَرَ وأشبه بأن تكون على جانب من القياس، ومتشبّثاً بطَرفٍ من الصواب، وذلك أن الاسم قد خرج بالتنكير عن أن يحسن إدخال حرف التشبيه عليه، فلو قلت هو كأسد وهو كبحر، كان كلاماً نازلاً غير مقبول، كما يكون قولك هو كالأسد، إلا أنَّه وإن كان لا يحسن فيه الكاف فإنه يحسن فيه كأنّ كقولك كأنه أسد، أو ما يجري مجرى كأنّ في نحو تحسِبُه أسداً وتَخَالُه سيفاً،

стр. 327

فإن غَمَض مكانُ الكاف وكأن، بأن يوصف الاسم الذي فيه التشبيهُ بصفةٍ لا تكون في ذلك الجنس، وأمرٍ خاصٍّ غريبٍ فقيل هو بحر من البلاغة، وهو بدر يسكن الأرض، وهو شمس لا تغيب، وكقوله: شَمْسٌ تألَّقُ والفِرَاقُ غُروبُها ... عَنَّا وبَدْرٌ والصُّدُودُ كُسوفُهُ فهو أقرب إلى أن نسمّيه استعارةً، لأنه قد غمضَ تقدير حرف التشبيه فيه، إذ لا تصلُ إلى الكاف حتى تُبطل بِنْيةَ الكلام وتُُبدِّل صورته فتقول: هو كالشمس المتألِّقة، إلا أن فراقَها هو الغروب، وكالبدرِ إلا أن صدودَه الكسوف. وقد يكون في الصفات التي تجيء في هذا النحو، والصِّلات التي تُوصَل بها، ما يختلّ به تقدير التشبيه، فيقرب حينئذ من القبيل الذي تُطلَق عليه الاستعارة من بعض الوجوه، وذلك مِثل قوله: أَسدٌ دمُ الأَسَدِ الهِزَبْرِ خِضابُهُ ... مَوْتٌ فَرِيصُ الموتِ منه ترْعَدُ لا سبيل لك إلى أن تقول: هو كالأسد وهو كالموت، لما يكون في ذلك من التناقض، لأنك إذا قلت هو كالأسد فقد شبّهته بجنس السبعُ المعروف، ومُحالٌ أن تجعله محمولاً في الشَّبه على هذا الجنس أوَّلاً،

стр. 328

ثم تجعل دَمَ الهزَبْرِ الذي هو أقوى الجنس، خضابَ يده، لأنّ حملك له عليه في الشَّبه دليل على أنه دونه، وقولك بَعْدُ دمُ الهزبر من الأسود خضابه، دليل على أنه فوقها، وكذلك محالٌ أن تشبَّهه بالموت المعروف، ثم تجعله يخافه، وترتعد منه أكتافه، وكذا قوله: سَحَابٌ عَدَاني سَيْلُه وهو مُسبلٌ ... وبَحْرٌ عَدَاني فيْضُه وَهْو مُفْعَمُ وبَدرٌ أضاءَ الأَرضَ شرقاً ومغرِباً ... ومَوْضِعُ رَحْلِي منه أسْوَدُ مُظلمُ إن رجعت فيه إلى التشبيه الساذَج فقلت هو كالبدر، ثم جئت تقول أضاء الأَرض شرقاً ومغرباً ومَوْضِع رحلي مظلمٌ لم يضيء به، كنتَ كأنك تجعل البدر المعروف يُلبس الأرضَ الضياءَ ويمنعه رحلَك، وذلك مُحَالٌ، وإنما أردت أن تُثبت من الممدوح بدراً مفرداً له هذه الخاصية العجيبة التي لم تُعرَف للبدر، وهذا إنما يَتَأتَّى بكلام بعيدٍ من هذا النظم، وهو أن يقال: هل سمعت بأن البَدْر يطلع في أُفُقٍ، ثم يمنع ضوءه موضعاً من المواضع التي هي مُعرَّضة له وكائنة في مقابلته، حتى ترى الأرض الفضاء قد أضاءَت بنوره البيت، فهذا النحو موضوع على تخييلِ أنه زاد في جنس البدر واحدٌ له حُكمٌ وخاصّةٌ لم تُعرَف. وإذا كان الأمر كذلك صار كلامُك موضوعاً لا لإثبات الشبه بينه وبين البدر، ولكن لإثبات الصِّفة في واحد متجدّدٍ حادثٍ من جنس البدر،

стр. 329

لم تُعرَف تلك الصفة للبدر، فيصير بمنزلة قولك زيد رجل يقري الضيوفَ ويفعل كيت وكيت، فلا يكون قصدك إثباتَ زيدٍ رجلاً، ولكن إثباتُ الصفة التي ذكرتَها له، فإذا خرج الاسم الذي يتعلق به التشبيه من أن يكون مقصوداً بالإثبات، تبيَّن أنه خارج عن الأصل الذي تقدّم، من كون الاسم لإثبات الشبه، فالبحتري في قوله: " وَبَدْرٌ أضاءَ الأَرْضَ " قد بَنَى كلامه على أن كونَ الممدوح بدراً، أمرٌ قد استقرَّ وثَبت، وإنما يعمل في إثبات الصفة الغريبة، والحالةِ التي هي موضع التعجّب، وكما يمتنع دخول الكاف في هذا النحو، كذلك يمتَنِعُ دخولُ كأَن وتحسب وتخال، فلو قلت كأنه بدر أضاء الأرض شرقاً ومغرباً وموضع رحلي منه مظلم كان خَلْفاً من القول. وكذلك إن قلت: تحسبه بدراً أضاء الأرض ورحلي منه مظلم، كان كالأوّل في الضعف، ووجه بُعده من القبول بيِّنٌ، وهو أنّ كأن وحسبت وخلت وظننت تدخل إذا كان الخبر والمفعول الثاني أمراً معقولاً ثابتاً في الجملة، إلا أنه في كونه متعلقاً بما هو اسم كأن أو المفعول الأوّل من حسبت مشكوك فيه، كقولنا كأن زيداً منطلق، أو مجازٌ يُقصَد به خلاف ظاهره، نحوُ كأنّ زيداً أسدٌ، فالأسد على الجملة ثابت معروف، والغريب هو كون زيدٍ إياه ومن جنسه، والنكرة في نحو هذه الأبيات موصوفةٌ بأوصاف تدلُّ على أنك تُخبر بظهور شيءٍ لا يُعرَف ولا يُتصوَّر، وإذا كان كذلك، كان إدخال كأن وحسبت عليه كالقياس على المجهول. وتأّمّلْ هذه النكتة فإنه يَضْعُفُ ثانياً إطلاق الاستعارة

стр. 330

على هذا النحو أيضاً، لأن موضوع الاستعارة - كيف دارت القضيةُ - على التشبه، وإذا بانَ بما ذكرتُ أن هذا الجنس إذا فَلَيتَهُ عن سِرّه، ونقَّرتَ عن خبيئه، فمحصوله أنك تدّعي حدوثَ شيء هو من الجنس المذكور، إلا أنه اختُصَّ بصفة غريبة وخاصية بديعة، لم يكن يُتوهَّم جوازُها على ذلك الجنس، كأنك تقول: ما كنّا نعلم أن هاهنا بدراً هذه صفته كان تقدير التشبيه فيه نقضاً لهذا الغرض، لأنه لا معنى لقولك: أشبّهه ببدرٍ حَدَثٍ خلافِ البدور ما كان يُعرَف. وهذا موضع لطيف جدّاً لا تنتصف منه إلاّ باستعانة الطبع عليه، ولا يمكن توفيةُ الكشف فيه حقَّه بالعبارة، لدقَّة مسلكه. ويتصل به أن في الاستعارة الصحيحة ما لا يحسن دخول كَلِمِ التشبيه عليه، وذلك إذا قوي التشَّبَهُ بين الأصل والفرع، حتى يتمكن الفرعُ في النفس بمداخلة ذلك الأصل والاتحاد به، وكونِه إياه، وذلك في نحو النور إذا استعير للعلم والإيمان، والظلمة للكفر والجهل، فهذا النحو لتمكُّنه وقوَّةِ شَبهه ومَتانة سببه، قد صار كأنه حقيقة، ولا يحسن لذلك أن تقول في العلم كأنه نور، وفي الجهل كأنه ظلمة، ولا تكاد تقول

стр. 331

للرجل في هذا الجنس كأنَّك قد أوقعتني في ظلمة بل تقول: أوقعتني في ظلمة، وكذلك الأكثرُ على الألسُن والأسبقُ إلى القلوب أن تقول: فهمت المسألة فانشرح صدري وحصل في قلبي نور، ولا تقول: كأنّ نُوراً حصل في قلبي، ولكن إذا تجاوزتَ هذا النوع إلى نحو قولك: سللتُ منه سيفاً على الأعداء، وجدتَ كأن حسنةً هناك كثيرةً، كقولك: بعثته إلى العدوّ فكأني سللت سيفاً وكذلك في نحو: زيدٌ أسد وكأن زيداً أسد، وهكذا يتدرج الحُكْمُ فيه، حتى كلَّما كان مكان الشَبَه بين الشيئين أخفى وأغمضَ وأبعدَ من العُرْف، كان الإتيان بكلمة التشبيه أبين وأحسنَ وأكثرَ في الاستعمال. ومما يجب أن تجعله على ذكر منك أبداً، وفيه البيان الشافي أنّ بين القسمين تبايُناً شديداً أعني بين قولك زيد أسد وقولك رأيت أسداً وهو ما قدّمته لك من أنك قد تجدُ الشيءَ يصلح في نحو زيد أسدٌ حيث تذكُرُ المشبَّه باسمه أَوّلاً، ثم تُجري اسم المشبَّه به عليه، ولا يصلح في القسم الآخر الذي لا تذر فيه المشبَّه أصلاً وتطْرحُه. ومن الأمثلة البيّنة في ذلك قولُ أبي تمام: لقسمين تبايُناً شديداً أعني بين قولك زيد أسد وقولك رأيت أسداً وهو ما قدّمته لك من أنك قد تجدُ الشيءَ يصلح في نحو زيد أسدٌ حيث تذكُرُ المشبَّه باسمه أَوّلاً، ثم تُجري اسم المشبَّه به عليه، ولا يصلح في القسم الآخر الذي لا تذر فيه المشبَّه أصلاً وتطْرحُه. ومن الأمثلة البيّنة في ذلك قولُ أبي تمام: وكَانَ المَطْلُ في بَدْءٍ وعَوْدٍ ... دُخاناً للصَّنِيعةِ وهي نارُ قد شبَّه المطل بالدُّخان، والصنيعة بالنار، ولكنه صرّح بذكر المشبَّه، وأوقع المشبَّه به خبراً عنه، وهو كلام مستقيم.

стр. 332

ولو سلكت بهِ طريقةَ ما يسقط فيه ذكر المشبَّه فقلت مثلاً: أقْبَسْتَني ناراً لها دخان، كان ساقطاً، ولو قلت أقبستَني نوراً أضاء أُفُقي به، تريد علماً، كان حَسَناً، حُسْنَه إذا قلت عِلْمُك نور في أُفقي، والسبب في ذلك أنّ اطِّراحَ ذكر المشبَّه والاقتصارَ على اسم المشبَّه به، وتنزيلَهُ منزلته، وإعطاءَه الخلافة على المقصود، إنما يصحّ إذا تقرَّر الشَّبه بين المقصود وبين ما تستعير اسمه له، وتستبينه في الدِّلالة، وقد تَقرَّر في العُرف الشبه بين النور والعلم وظهرَ وَاشْتُهِر، كما تقرر الشَّبه بين المرأة والظبية، وبينَها وبينَ الشمس ولم يتقرر في العُرْف شَبَهٌ بين الصَّنيعة والنار، وإنما هو شيءٌ يضعه الآن أبو تمام ويتمحّله، ويعمل في تصويره، فلا بُدّ له من ذكر المشبَّه والمشبَّه به جميعاً حتى يُعقَلَ عنه ما يريده، ويَبِينَ الغرض الذي يقصده، وإلاّ كان بمنزلة من يريد في إعلام السامع أنّ عنده رجلاً هو مثل زيد في العلم مثلاً، فيقول له: عندي زيد، ويَسُومه أن يَعْقِل من كلامه أنه أراد أن يقول: عندي رجل مثل زيد، أو غيره من المعاني، وذلك تكليفُ علم الغيب. فاعرف هذا الأصل وتبيَّنْه، فإنك تزداد به بصيرةً في وجوب الفَرْق بين الضربين، وذلك أنهما لو كانا يَجْرِيان مجرىً واحداً في حقيقة الاستعارة، لوجب أن يَسْتَويَا في القضيّة، حتى إذا استقامَ وَضْعُ الاسم في أحدهما استقام وَضْعه في الآخر فاعرفه. فإن قلت فما تقول في نحو قولهم لقيتُ به أسداً ورأيت منه ليثاً.

стр. 333

فإنه مما لا وجه لتسميته استعارةً، ألا تراهم قالوا: لئن لقيتُ فلاناً لَيلْقَيَنَّك منه الأسَدُ، فأتوا به معرفةً على حدِّه إذا قالوا: احذرِ الأسد، وقد جاء على هذه الطريقة ما لا يُتَصوَّر فيه التشبيه، فُظَنَّ أنّه استعارة، وهو قوله : " لَهُمْ فِيهَا دَارُ الخُلْدِ " " فصلت: ٢٨ "، والمعنى - واللَّه أعلم - أنّ النَّار هي دار الخلد، وأنت تعلم أن لا معنى هاهنا لأن يقال إن النار شُبّهت بدارِ الخلد، إذ ليس المعنى على تشبيه النَّار بشيء يسمَّى دار الخلد، كما تقول في زيد إنه مثل الأسد، ثم تقول: هو الأسد، وإنما هو كقولك: النار منزلهم ومسكنهم، نعوذ باللَّه منها. وكذا قوله: يَأبَى الظُلاَمَةَ مِنْهُ النَّوْفَلُ الزُّفَرُ المعنى على أنه النَّوفل الزُّفَر، وليس الزفر باسمٍ لجنسٍ غير جنس الممدوح كالأسد، فيقالَ إنه شبّه الممدوح به، وإنما هو صفة كقولك هو الشجاع وهو السيّد وهو النهَّاض بأعباء السيادة، وكذلك قولُه: يَا خَيْرَ مَن يَرْكَبُ المطيَّ وَلاَ ... يَشْرَبُ كأسَاً بكَفِّ مَن بَخِلا لا يتصور فيه التشبيه، وإنما المعنى أنه ليس ببخيل،

стр. 334

هذا وإنما يُتصوَّر الحكمُ على الاسم بالاستعارة، إذا جرى بوجهٍ على ما يُدَّعَى أنه مستعارٌ له، والاسمُ في قولك لقيتُ به أسداً أو لقيني منه أسداً، لا يُتصوَّر جَرْيه على المذكور بوجه، لأنه ليس بخبرٍ عنه، ولا صفةٍ له، ولا حالٍ، وإنما هو بنفسه مفعولُ لقيتُ وفاعل لقيني، ولو جاز أن يجري الاسم، هاهنا مجرى المستعارِ المتناوِل المستعارَ له، لوجب أن نقول في قوله: حتَّى إذا جَنَّ الظَّلامُ وَاختلطْ ... جَاءُوا بمَذْقٍ هل رَأَيتَ الذئبَ قَطّْ إنه استعار اسم الذئب للمَذْق، وذلك بَيِّنُ الفساد. وكذا نحو قوله: نُبِّئْتُ أنّ أبا قَابُوسَ أَوْعَدَني ... ولا قَرَارَ على زَأْرٍ من الأَسَدِ لا يكون استعارة، وإن كنت تجد من يفهم البيت قد يقول: أراد بالأسد النُّعمان، أو شبَّهه بالأسد، لأن ذلك بيانٌ للغَرَض، فأمَّا القضيةُ

стр. 335

الصحيحةُ وما يَقَع في نفس العارف، ويوجِبُه نقد الصَّيْرَف، فإنّ الأسد واقع على حقيقته حتى كأنه قال: ولا قَرَار على زَأْر هذا الأسد، وأشار إلى الأسد خارجاً من عَرِينه مُهدِّداً مُوعداً بزئيره، وأيُّ وجْهٍ للشكِّ في ذلك، وهو يؤدّي إلى أن يكون الكلام على حدّ قولك: ولا قَرَار على زَأْرِ مَن هُو كالأسد؟ وفيه من العِيِّ والفَجَاجة شيءٌ غير قليل. هذا ومن حقّ غالطٍ غَلِطَ في نحو ما ذكرتُ - على قلَّة عُذْرِه - أن لا يغلط في قول الفرزدق: قِيَاماً يَنْظُرون إلى سَعيدٍ ... كأنَّهُمُ يَرَون به هلالاَ ولا يُتَوَهَّم أن هلالاً استعارة لسعيد، لأن الحكم على الاسم بالاستعارة مع وجود التشبيه الصريح، محالٌ جارٍ مجرى أن يكون كُلّ اسم دخل عليه كافُ التشبيه مستعاراً، وإذا لم يغلط في هذا فالباقي بمنزلته فاعرفه.

стр. 336

فصل في الاتّفاق في الأَخْذ والسَّرقة والاستمداد والاستعانَة اعلم أنّ الشاعرين إذَا اتفقَا، لم يخلُ ذلك من أن يكون في الغَرَض على الجملة والعموم، أو في وجه الدلالة على ذلك الغَرض، والاشتراك في الغَرَض على العموم أن يقصد كلُّ واحد منهما وصفَ ممدوحه بالشجاعة والسخاء، أو حُسن الوجه والبهاء، أو وصفَ فرسه بالسرعة، أو ما جرى هذا المجرى. وأمّا وجه الدِّلاَلة على الغرض، فهو أن يَذْكر ما يُستدلّ به على إثباته له الشجاعةَ والسخاء مثلاً، وذلك ينقسم أقساماً: منها التشبيهُ بما يوجَد هذا الوصف فيه على الوجهِ البليغ والغاية البعيدةِ، كالتشبيه بالأسد، وبالبحر في البأس والجود، والبَدْر والشَّمسِ في الحسن والبهاء والإنارة والإشراق، ومنها ذكر هَيْئاتٍ تدلّ على الصِّفة من حيث كانت لا تكون إلا فيمن له الصِّفة، كوصف الرَّجل في حال الحرب بالابتسام وسكون الجوارح وقلَّة الفكر، كقوله: كأنّ دَنَانِيراً عَلى قَسماتِهم ... وإنْ كان قَدْ شفَّ الوُجُوهَ لِقاءُ

стр. 337

وكذلك الجوادُ يوصف بالتَّهَلُّل عند وُرود العُفاة، والارتياح لرؤية المُجتَدين، والبخيلُ بالعبوس والقُطوب وقلّة البشر، مع سَعَة ذات اليد ومُساعدة الدهر. فأما الاتفاق في عموم الغَرض، فما لا يكون الاشتراك فيه داخلاً في الأَخذ والسرقة والاستمداد والاستعانة، لا ترى مَنْ به حِسٌّ يدَّعي ذلك، ويأبَى الحكمَ بأنه لا يدخل في باب الأخذ، وإنما يقع الغلط من بعض مَن لا يُحسن التحصيل، ولا يُنْعم التأمُّل، فيما يؤدِّي إلى ذلك، حتى يُدّعَى عليه في المُحَاجّة أنه بما قاله قد دخل في حكم من يجعل أحد الشاعرَين عِيالاً على الآخر في تصوُّر معنى الشجاعة، وأنّها مما يُمدَح به، وأن الجهل مما يُذَمُّ به، فأمّا أن يقوله صريحاً ويرتكبه قَصْداً فلا، وأمَّا الاتفاق في وجه الدِّلالة على الغرض، فيجب أنْ يُنظَر، فإن كان مما اشترك الناس في معرفته، وكان مستقرّاً في العقول والعادات، فإنَّ حُكْمَ ذلك، وإن كان خصوصاً في المعنى، حُكْمُ العموم الذي تقدَّم ذكره. من ذلك التشبيه بالأسد في الشجاعة، وبالبحر في السخاء، وبالبدر في النور والبهاء، وبالصبح في الظهور والجلاء ونَفْي الالتباسِ عنه والخفاء، وكذلك قياس الواحدِ في خَصْلة من الخِصال على المذكور بذلك والمشهورِ به والمشار إليه، سواءٌ كان ذلك ممن حضرك في زمانِك، أو كان ممن سَبق في الأزمنة الماضية والقرون الخالية، لأن هذا مما لا يُخْتَص بمعرفته قومٌ دون قوم، ولا يحتاج في العلم به إلى رَوِيّةٍ واستنباط وتدبُّر وتأمُّل، وإنما هو في حكم الغرائز المركوزَةِ في النفوس، والقضايا التي وُضع العلم بها في القلوب،

стр. 338

وإن كان مما ينتهي إليه المُتَكلِّم بنظرٍ وتدبُّر، وَيَنَالُه بطلبٍ واجتهاد، ولم يكن كالأوّل في حضوره إياه، وكونه في حكم ما يقابله الذي لا معاناةَ عليه فيه، ولا حاجةً به إلى المحاولة والمزاولةِ والقياس والمباحثة والاستنباط والاستثارة، بل كان من دُونه حجابٌ يحتاج إلى خَرْقِه بالنظر، وعليه كِمٌّ يفتقر إلى شَقَّه بالتفكير، وكان دُرّاً في قَعر بحر لا بدّ لهُ من تكلُّف الغَوَص عليه، وممتنعاً في شاهقٍ لا ينالُه إلاّ بتجشّم الصعود إليه وكامناً كالنار في الزَّند، لا يظهر حتى تقتدحه، ومُشابكاً لغيره كعُرُوق الذهب التي لا تُبدِي صَفْحتها بالهُوَيْنَا، بل تُنال بالحَفْرِ عنها وتعرِيقِ الجبين في طلب التمكن منها. نعم إذا كان هذا شأنُه، وهاهنا مكانه وبهذا الشرط يكون إمكانه، فهو الذي يجوز أن يُدَّعى فيه الاختصاصُ والسَّبق والتقدُّم والأوَّلية، وأن يُجعَل فيه سَلَفٌ وخَلَفٌ، ومُفيد ومستفيد، وأَن يُقضَى بين القائلَين فيه بالتفاضُل والتبايُن، وأنّ أحدَهما فيه أكملُ من الآخر، وأنّ الثاني زاد على الأوَّل أو نَقَص عنه، وترقَّى إلى غايةٍ أبعد من غايته، أو انحطّ إلى منزلةٍ هي دون منزلته. واعلم أن ذلك الأوّل الذي هو المشتَرك العاميّ، والظاهر الجليّ، والذي قلتُ إنّ التفاضلَ لا يدخله، والتفاوتَ لا يصحّ فيه، إنما يكون كذلك ما كان صريحاً ظاهراً لم تلحقه صنعة، وساذَجاً لم يُعمَل فيه نقش فأَمَّا إذا رُكِّب عليه معنًى، ووُصل به لطيفة، ودُخل إليه من باب الكناية والتعريض، والرَّمز والتلويح، فقد صار بماغَُيّر من طريقته، واستُؤْنِف من صورته،

стр. 339

واستُجدَّ له من المِعرَض، وكُسي من دَلّ التعرض، داخلاً في قبيل الخاصّ الذي يُتملَّك بالفكرة والتعمُّل، ويُتوصَّل إليه بالتدبُّر والتأمُّل، وذلك كقولهم، وهم يريدون التشبيه: سلبْن الظِّباء العيونَ، كقول بعض العَرَب: سَلَبْنَ ظباءَ ذي نَفَرٍ طُلاها ... ونُجْلَ الأَعيُن البَقَرَ الصِّوارا وكقوله: إنَّ السحابَ لَتَسْتَحيى إذا نَظَرت ... إلى نَداك فقاسته بما فِيها وكقوله: لم تَلْقَ هذا الوَجْهَ شمسُ نهارنا ... إلاّ بوَجْهٍ ليس فيه حَيَاء وَكقوله: وَاهتَزَّ في وَرَقِ النَّدَى فتحيَّرَتْ ... حَرَكاتُ غصْنِ البَانَة المُتأوِّدِ وكقوله: فَأفْضيتُ من قُرْبٍ إلى ذِي مَهَابةٍ ... أُقابِلُ بَدْرَ الأُفْق حِين أقابلُهْ إلى مُسْرفٍ في الجود لو أنّ حاتماً ... لَدَيْه لأَمْسَى حاتمٌ وهو عاذِلُهْ

стр. 340

فهذا كله في أصله ومغزاه وحقيقة معناه تشبيهٌ، ولكن كَنَى لك عنه، وخُودِعتَ فيه، وأُتِيتَ به من طريق الخِلابة في مسلك السحر ومذهب التَّخييل، فصار لذلك غريبَ الشكل، بديع الفن، منيعَ الجانب، لا يدينُ لكل أحد، وأَبيَّ العِطْف لا يدين به إلاّ للمُروِّي المجتهد، وإذا حقّقت النظر، فالخصوصُ الذي تراه، والحالةُ التي تراها، تنفي الاشتراك وتأباه، إنما هُما من أجل أنهم جعلوا التشبيه مدلولاً عليه بأمرٍ آخرَ ليس هو من قبيل الظاهر المعروف، بل هو في حدِّ لحن القول والتعمية اللَّذَين يُتعمَّد فيهما إلى إخفاء المقصود حتى يصير المعلومُ اضطراراً، يُعرف امتحاناً واختياراً، كقوله: مررتُ بباب هِنْدَ فَكَلَّمَتْنِي ... فلا واللَّه ما نَطَقَتْ بحَرْفِ فكما يوهمك بإتقان اللفظ أنه أراد الكلام، وأن الميم موصولةباللام، كذلك المشبِّه إذا قال سرقن الظباءَ العيونَ، فقد أوهم أن ثَمَّ سرقةً وأنّ العيون منقولةٌ إليها من الظباء، وإن كنت تعلم إذا نظرتَ أنّه يريد أن يقول إن عيونها كعيون الظباء في الحسن والهيئة وفَتْرةِ النظر، وكذلك يوهمك بقوله: إن السحاب لتسْتَحيى، أن السحاب حيٌّ يعرف ويعقل، وأنه يقيس فيضه بفيض كفّ الممدوح فَيَخْزَى ويخجَل. فالاحتفال والصَّنعة في التصويرات التي تروق الساميعن وتَرُوعهم، والتخييلات التي تهزُّ الممدوحين وتُحرّكهم، وتفعل فعلاً شبيهاً بما يقع في نفس النَّاظر إلى التصاوير التي يشكِّلها الحُذَّاق بالتَّخطيط والنقش، أو بالنَّحت

стр. 341

والنقر، فكما أن تلك تُعجب وتَخْلب، وتَروقُ وتُؤْنِق، وتَدْخُل النفسَ من مشاهدتها حالةٌ غريبة لم تكن قَبْلِ رؤيتها، ويغشاها ضربٌ من الفتنة لا يُنكَر مكانه ولا يخفى شأنه. فقد عَرَفْت قضيَّة الأصنام وما عليه أصحابها من الافتتان بها والإعظام لها، كذلك حكم الشعر فيما يصنعه من الصُوَر، ويُشكّله من البِدَع، ويوقعه في النفوس من المعاني التي يُتوَّهم بها الجماد الصامتُ في صورة الحيّ الناطق، والمواتُ الأَخرس في قضية الفصيح المُعرب والمُبيّن المميِّز، والمعدومُ المفقود في حكم الموجود المشاهَد، كما قدَّمتُ القول عليه في باب التمثيل، حتى يكسب الدنيُّ رفعةً، والغامضُ القدرِ نباهةً، وعلى العكس يغضُّ من شرف الشريف، ويطأُ من قَدْرِ ذي العِزَّة المنيف، ويظلم الفضل ويَتَهضَّمُه، ويَخْدِش وجه الجمال ويَتَخَوَّنُه، ويُعطي الشبهةَ سُلطانَ الحجّة، ويردُّ الحجَّة إلى صيغة الشبهة، ويصنع من المادة الخسيسة بِدَعاً تغلو في القيمة وتعْلو، ويفعل من قلب الجواهر وتبديل الطبائع ما ترى به الكيمياء وقد صَحَّت، ودعوى الإكْسِير وقد وَضَحت، إلاّ أنها روحانية تتلبّس بالأوهام والأفهام، دون الأجسام والأجرام، ولذلك قال: يُرِي حِكْمةً ما فيه وَهْوَ فُكاهةٌ ... ويَقْضِي بما يَقْضِي به وهو ظالمُ وقال: عَليمٌ بإبْدالِ الحروف وقامعٌ ... لكلِّ خطيبٍ يَقْمَع الحقَّ باطلُهْ

стр. 342

وقال ابن سُكّرة فأحسن: والشعر نارٌ بلا دُخانٍ ... وللقوافِي رُقىً لَطيفهْ لو هُجِيَ المِسْك وهْو أهلٌ ... لكل مدحٍ لصار جِيفَهْ كَمْ من ثقيلِ المحلِّ سامٍ ... هَوت به أحْرُفٌ خَفيفهْ وقد عرفتَ ما كان من أمر القبيلة الَّذين كانوا يعيَّرون بأَنْف الناقة، حتى قال الحطيئة: قومٌ هُم الأَنْفُ والأذْنَابُ غيرُهُم ... ومَن يُسَوّي بأَنْف النَّاقة الذَّنَبا فنَفَى العار، وصحّح الافتخار، وجعل ما كان نَقْصاً وشَيْناً، فضلاً وزَيْناً، وما كان لقباً ونَبْزًا يسوءُ السمع، شَرَفاً وعزّاً يرفع الطرف، وما ذاك إلا بحسن الانتزاع، ولُطف القريحة الصَّناع، والذِّهن الناقد في دقائق الإحسان والإبداع، كما كساهم الجمالَ من حي كانوا عُرُوا منه، وأثبتهم في نِصَاب الفضل من حيث نُفُوا عنه، فَلرُبَّ أنفٍ سَليم قد وَضع الشعرُ عليه حَدَّه فجدَعَه، واسمٍ رفيع قَلَب معناه حتى حطّ به صاحبَه ووَضَعه، كما قال: يا حاجبَ الوزراء إنّك عندَهم ... سَعْدٌ ولكن أنتَ سَعْدُ الذابحُ

стр. 343

ومن العجيب في ذلك قول القائل في كثير بن أحمد: لَوْ عَلِمَ اللَّه فِيه خَيْراً ... ما قال لا خَيْرَ في كَثير فانظر من أي مدخل دخل عليه، وكيف بالهوينا هَدَى البلاءَ إليه؟ وكَثِير هذا هو الذي يقول فيه الصاحب: " ومِثْلُ كَثِير في الزَّمَان قَلِيلُ " فقد صار الاسم الواحد وسيلةً إلى الهَدْم والبناء، والمدح والهجاء، وذريعةً إلى التزيين والتهَجين. ومن عجيب ما اتفق في هذا الباب قولُ ابن المعتزّ في ذمّ القمر، واجتراؤُه بقدرة البيان على تقبيحه، وهو الأصْل والمثل وعليه الاعتماد والمعوَّل في تحسين كل حَسَن، وتزيين كلِّ مزيَّن، وأوَّلُ ما يقع في النفوس إذا أريد المبالغة في الوصف بالجمال، والبلوغُ فيه غايةَ الكمال، فيقال

стр. 344

وجهٌ كأنه القمر، وكأَنه فِلْقَةُ قمر، ذلك لثقته بأنّ هذا القول إذا شَاء سَحَر، وقَلَبَ الصُورَ، وأنه لا يَهاب أن يخرق الإجماع، ويسحَر العقولَ ويَقْتَسر الطباع، وهو: يا سارقَ الأنوار من شَمْس الضُّحَى ... يا مُثْكِلي طيبَ الكَرَى ومُنَغِّصِي أمّا ضياء الشمسِ فيك فناقصٌ ... وأرَى حَرَارةَ نارِها لم تَنْقُصِ لم يَظْفَرِ التشبيهُ منك بطائِل ... مُتسَلِّخٌ بَهَقاً كلَوْنِ الأَبْرصِ وقد عُلِم أنْ ليس في الدنيا مُثْلَة أخزَى وأشنعُ، ونكالٌ أبلغ وأفظع، ومَنْظرٌ أحق بأن يملأ النفوس إنكاراً، ويُزْعج القلوبَ استفظاعاً له واستنكاراً، ويُغْري الألسنةَ بالاستعاذة من سُوء القضاء، ودَرَكِ الشقاء، من أن يُصلَب المقتول ويشبَّح في الجِذع، ثم قَدْ تَرَى مَرثيةَ أبي الحسن الأنباري لابن بقيّة حين صُلب، وما صَنَع فيها من السّحر، حتى قَلَبَ جُملةَ ما يُستنكر من أحوال المصلوب إلى خِلافها، وتأَوّلَ فيها تأويلات أراك فيها وبها ما تقضي منْه العجَب: عُلوٌّ في الحياةِ وفي المماتِ ... بحَقٍّ أَنت إحدى المعجزاتِ كأنّ الناسَ حَوْلَك حينَ قاموا ... وُفودُ نداك أيّامَ الصِّلاتِ كأنك قائمٌ فيهم خطيباً ... وكلُّهُمُ قيامٌ للصَّلاةِ

стр. 345

مددتَ يَدَيْك نحوهُمُ احتفاءً ... كمدِّهما إليهم بِالهِبَاتِ ولما ضاق بطنُ الأرض عن أنْ ... يَضُمَّ عُلاكَ من بعد المماتِ أصَاروا الجوَّ قبرَك واستَنَابُوا ... عن الأكفانِ ثوبَ السَّافياتِ لعُظْمك في النفوس تبيتُ تُرعَى ... بحُرَّاس وحُفَّاظٍ ِثِقاتِ وتُشعَلُ عندك النيرانُ ليلاً ... كذلك كنتَ أيامَ الحياةِ ركبتَ مَطِيَّة، من قَبلُ زيدٌ ... عَلاَها في السِّنين الماضياتِِ وتلك فضيلةٌ فيها تَأسّ ... تُباعد عنك تَعييرَ العُداةِ أسأتَ إلى الحوادث فاستثارت ... فأنت قتيلُ ثَأْرِ النائباتِ ولَوْ أنّي قَدَرتُ على قِيامي ... بفَرْضك والحقوق الواجباتِ مَلأْتُ الأَرض من نَظْم القوافي ... ونُحْتُ بها خِلال النائحاتِ ولكنّي أُصَبِّر عنك نفسي ... مخافةَ أن أُعَدَّ من الجُنَاةِ وما لك تُرْبةٌ فأقول تُسْقَى ... لأنّك نُصْبُ هَطْلِ الهاطلات عليك تحيّةُ الرَّحمن تَتْرَى ... برَحْمَاتٍ غوادٍ رائحاتِ ومما هو من هذا الباب، إلاّ أنه مع ذلك احتجاج عَقْلي صحيح، قولُ المتنبي: وَمَا التأنيثُ لاسم الشمسِ عَيْبٌ ... ولا التذكيرُ فخرٌ للهلال فحقّ هذا أن يكون عنوانَ هذا الجنس، وفي صدر صحيفته، وطِرازًا

стр. 346

لديباجته، لأنه دفعٌ لنقص، وإبطالٌ له، من حيث يَشْهَدُ العقل للحجّة التي نطق بها بالصّحة، وذلك أن الصِّفات الشريفةَ شريفةٌ بأنفُسها، وليس شرفُها من حيث الموصوف، وكيف والأوصاف سبب التفاضُل بين الموصوفات، فكان الموصوفُ شريفاً أوغيرَ شريف من حيث الصفة، ولم تكن الصفة شريفةً أو خسيسةً من حيث الموصوف، وإذا كان الأمر كذلك وجب أن لا يعترض على الصفات الشريفة بشيءٍ إن كان نقصاً، فهو في خارج منها، وفيما لا يرجع إليها أنفُسِها ولا حقيقتها، وذلك الخارج هاهنا هو كون الشخص على صورةٍ دون صورة، وإذا كان كذلك، كان الأمر: مقدارُ ضَرَر التأنيث إذا وُجد في الخلقة على الأوصاف الشريفة، مقدارُه إذا وُجد في الاسم الموضوع للشيء الشريف، لأنه في أَنْ لا تأثير له من طريق العقل في تلك الأوصاف في الحالين على صورة واحدة، لأن الفضائل التي بها فُضِّل الرجل على المرأة، لم تكن فضائلَ لأنها قارنت صورة التذكير وخِلْقته، ولا أوجبت ما أوجبت من التعظيم لاقترانها بهذه الخلقة دون تلك، بل إنماأوجبته لأنفُسِها ومن حيث هي، كما أنّ الشيء لم يكن شريفاً أو غير شريف من حيث أُنِّث اسمُه أو ذُكِّر، بل يثبُت الشرفُ وغيرُ الشرف للمسمَّيات من حيث أنفُسُها وأوصافُها، لا من حيث أسماؤها، لاستحالة أن يتعدَّى من لفظٍ، هو صوتٌ مسموع، نقصٌ أو فضلٌ إلى ما جُعل علامةً له فاعرفه. واعلم أن هذا هو الصحيح في تفسير هذا البيت، والطريقة المستقيمة في الموازنة بين تأنيث الخِلقة وتأنيث الاسم، لا أن يقال إنّ المعنى أن المرأة إذا كانت في كمال الرجل من حيث العقل والفضل وسائر الخلال الممدوحة، كانت من حيث المعنى رجلاً، وإن عُدَّت في الظاهر امرأةً، لأجل أنه يفسُد من وجهين:

стр. 347

أحدهما أنه قال ولا التذكير فخر للهلال، ومعلومٌ أنه لا يريد أن يقول إن الهلال وإن ذكِّر في لفظه فهو مؤنَّث في المعنى، لفساد ذلك، ولأجل أنه إن كان يريد أن يضربَ تأنيث اسم الشمس مثلاً لتأنيث المرأة، على معنى أنها في المعنى رجلٌ، وأن يُثبت لها تذكيراً، فأيُّ معنىً لأن يعود فَيُنْحِيَ على التذكير، ويُغضَّ منه ويقول ليس هو بفخر للهلال هذا بَيِّن التناقض.

стр. 348

فصل في حَدّي الحقيقة والمجاز واعلم أن حدَّ كل واحد من وصفى المجاز والحقيقة إذا كان الموصوف به المفرد، غيرُ حدّه إذا كان الموصوف به الجملة، وأنا أبدأ بحدّهما في المفرد، كلُّ كلمة أريد بها ما وقعتْ له في وَضّْع واضع، وإن شئت قلت: في مُواضعة، وقوعاً لا تستند فيه إلى غيره فهي حقيقة، وهذه عبارةٌ تنتظم الوضعَ الأوّل وما تأخَّر عنه، كلُغةٍ تحدث في قبيلة من العرب، أو في جميع العرب، أو في جميع الناسَ مثلاً، أو تحدُثُ اليوم ويدخل فيها الأعلام منقولة كانت كزيد وعمرو، أو مرتجلَةً كغَطفان وكلِّ كلمة استُؤْنِف لها على الجملة مواضعةٌ، أو ادُّعِيَ الاستئناف فيها. وإنما اشترطتُ هذا كلَّه، لأنّ وصف اللَّفظة بأنها حقيقة أو مجازٌ، حُكمٌ فيها من حيث إنّ لها دِلالةً على الجملة، لا من حيث هي عربية أو فارسية، أو سابقة في الوضع، أو مُحدَثة، مولَّدة، فمن حقّ الحدِّ أن يكون بحيث يجري في جميع الألفاظ الدالَّةِ، ونظيرُ هذا نظيرُ أن تضع حدّاً للاسم والصفة، في أنك تضعه بحيث لو اعتبرتَ به لغةً غير لغة العرب، وجدته يجري فيها جَرَيانه في العربية، لأنك تَحُدُّ من جهةٍ لا اختصاصَ لها بلُغةٍ دون لغة، ألا تَرَى أن حدَّك الخبر بأنه

стр. 349

ما احتمل الصدق والكذب مما لا يخُصُّ لساناً دون لسان؛ ونظائر ذلك كثيرةٌ، وهو أحدُ ما غَفَل عنه الناس، ودخل عليهم اللبس فيه، حتى ظنُّوا أنه ليس لهذا العلم قوانينُ عقليةٌ، وأنَّ مسائلَه مُشبَّهة باللغة، في كونها اصطلاحاً يُتوهَّم عليه النقل، والتبديل، ولقد فَحُش غلَطُهم فيه، وليس هذا موضعُ القولِ في ذلك. وإن أردت أن تمتحن هذا الحدَّ، فانظر إلى قولك الأسد، تريد به السَّبُعَ، فإنك تراه يؤدِّي جميعَ شرائطه، لأنَّك قد أردت به ما تَعلم أنّه وقع له في وضع واضع اللغة، وكذلك تعلم أنه غير مستند في هذا الوقوع إلى شيء غير السَّبُعِ، أي: لا يحتاج أن يُتصوَّر له أصلٌ أدّاه إلى السبع من أجل التباسِ بينهما وملاحظة، وهذا الحكمُ إذا كانت الكلمة حادثةً، ولو وُضعت اليوم، متى كان وضعُها كذلك، وكذلك الأعلام، وذلك أنّي قلت ما وقعتْ له في وضع واضعٍ أو مواضعةٍ على التنكير، ولم أقل في وَضْع الواضع الذي ابتدأَ اللغة، أو في المواضعة اللغوية، فيُتَوهَّمَ أن الأعلام أو غيرهما مما تأخّر وَضْعُه عن أصل اللغة يخرج عنه، ومعلومٌ أن الرجل يُواضع قومَه في اسم ابنه، فإذا سمّاه زيداً، فحاله الآن فيه كحال واضع اللغة حين جعله مصدراً لزاد يزيدُ، وسَبْقُ وَاضع اللغة له في وضعه للمصدر المعلوم، لا يقدَحُ في اعتبارنا، لأنه يقع عند تسميته به ابنه وقوعاً باتّاً، ولا تستند حاله هذه إلى السابق من حاله بوجه من الوجوه، وأمّا المجاز فكلُّ كلمة أريد بها غيرُ ماوقت له في وَضْع واضعها، لملاحظةٍ بين الثاني والأوّل، فهي مجاز وإن شئت قلت:

стр. 350

كلُّ كلمة جُزْتَ بها ما وقعتْ به في وَضْع الواضع إلى ما لم توضع له، من غير أن تستأنف فيها وضعاً، لملاحظةٍ بين ما تُجُوّز بها إليه، وبين أصلها الذي وُضعتْ له فيوضع واضعها، فهي مجاز. ومعنى الملاحظة هو أنها تستند في الجملة إلى غير هذا الذي تريده بها الآن، إلا أنّ هذا الاستنادَ يَقْوَى ويَضْعُف، بَيَانُه ما مضى من أنّك إذا قلت: رأيت أسداً، تريد رجلاً شبيهاً بالأسد، لم يشتبه عليك الأمر في حاجة الثاني إلى الأوّل، إذ لا يُتصَوَّر أن يقع الأسدُ للرجل على هذا المعنى الذي أردته على التشبيه على حدّ المبالغة، وإيهامِ أنّ معنى من الأسدحصل فيه إلا بعدأن تجعل كونَهُ اسماً للسبع إزاء عينيك، فهذا إسنادٌ تعلمه ضرورةً، ولو حاولتَ دَفْعَه عن وَهْمك حاولت محالاً، فمتى عُقِل فرعٌ من غير أصل، ومشبَّهٌ من غير مشبَّه به؟ وكلُّ ما طريقه التشبيه فهذا سبيله أعني: كل اسم جرى على الشيء للاستعارة، فالاستناد فيه قائمٌ ضرورةً. وأما ما عَدا ذلك، فلا يَقْوَى استنادُه هذه القوةَ، حتى لو حاول محاولٌ أن ينكره أمكنه في ظاهر الحال، ولم يلزمه به خروجٌ إلى المحال، وذلك كاليد للنعمة لو تكلَّفَ متكلّفٌ فزعم أنه وضعٌ مستأنَفٌ أو في حُكم لغةٍ مفردٍةٍ، لم يمكن دفعُه إلاً برفقٍ وباعتبارٍ خفيٍّ، وهو ما قدّمتُ من أنّا رأيناهم لا يوقعُون هذه اللفظة على ما ليس بينه وبين هذه الجارحة التباسٌ واختصاصٌ. ودليل آخر وهو أن اليد لا تكاد تقع للنعمة إلا وفي الكلام إشارةُ إلى مَصْدَر تلك النعمة، وإلى المُولِي، لها، ولا تصلح حيث تراد النعمة مجرَّدةً من إضافةٍ لها إلى المُنعِم أو تلويحٌ به. بيان ذلك أنك تقول اتسعت النعمةُ في البلد، ولا تقول اتّسعت اليد في البلد، وتقول: أَقتَني نعمةً، ولا تقول اقتني يداً، وأمثال ذلك تكثر إذا تأمّلت وإنما يقال: جلَّت يدُه عندي، وكُثرت أياديه لدَيَّ، فتعلم أن الأصل صنائعُ يده وفوائدُه الصادرةُ عن يده وآثارِ يده، ومحالٌ أن تكون اليد اسماً للنعمة هكذا على الإطلاق، ثم لا تقع موقع النعمة، لو جاز ذلك، لجاز أن يكون المترجم للنعمة باسم لها في لغة أخرى، واضعاً اسمَها من تلك اللغة في مواضعَ لا تقع النعمة فيها من لغة العرب، وذلك محالٌ. ونظير هذا قولهم في صفة راعي الإبل إّن له عليه إصبْعاً، أي أثراً َحسَناً، وأنشدوا: كلام إشارةُ إلى مَصْدَر تلك النعمة، وإلى المُولِي، لها، ولا تصلح حيث تراد النعمة مجرَّدةً من إضافةٍ لها إلى المُنعِم أو تلويحٌ به. بيان ذلك أنك تقول اتسعت النعمةُ في البلد، ولا تقول

стр. 351

اتّسعت اليد في البلد، وتقول: أَقتَني نعمةً، ولا تقول اقتني يداً، وأمثال ذلك تكثر إذا تأمّلت وإنما يقال: جلَّت يدُه عندي، وكُثرت أياديه لدَيَّ، فتعلم أن الأصل صنائعُ يده وفوائدُه الصادرةُ عن يده وآثارِ يده، ومحالٌ أن تكون اليد اسماً للنعمة هكذا على الإطلاق، ثم لا تقع موقع النعمة، لو جاز ذلك، لجاز أن يكون المترجم للنعمة باسم لها في لغة أخرى، واضعاً اسمَها من تلك اللغة في مواضعَ لا تقع النعمة فيها من لغة العرب، وذلك محالٌ. ونظير هذا قولهم في صفة راعي الإبل إّن له عليه إصبْعاً، أي أثراً َحسَناً، وأنشدوا: ضَعِيفُ العَصَا بادي العروقِ ترى له ... عليها إذا ما أجدبَ الناسُ إصبَعَا وأنشد شَيخنا ﵀ مع هذا البيت قولَ الآخر: " صُلْبُ العَصا بالضَّرب قد دَمَّاها " أي جعلها كالدُّمَى في الحُسن، وكأن قولَهُ صُلْب العَصا، وإن كان ضِدَّ قول الآخر ضَعيفُ العَصا، فإنهما يرجعان إلى غرض واحد، وهوحُسن الرِّعْية، والعملُ بما يُصلحها ويحسُنُ أثره عليها، فأراد الأول بجعله ضَعيف العصا أنه رفيقٌ بها مُشفقٌ عليها، لا يقصِد من حمل العصا أن يُوجعَها

стр. 352

بالضرب من غير فائدة، فهو يتخيَّر ما لانَ من العِصيّ، وأراد الثاني أنه جيّد الضَّبط لها عارفٌ بسياستها في الرَّعي، ويزجُرها عن المراعي التي لا تُحمَد، ويتوخَّى بها ما تسمَنُ عليه، ويتضمّن أيضاً أنه يمنعها عن التشرُّد والتبدُّد وأنها، لِمَاعَرَفت من شدّة شكيمته وقوة عزيمته، وتنساق وتَستوسق في الجهة التي يريدها، من غير أن يجدّد لها في كل حال ضرباً، وقال آخر: " صُلْبُ العَصَا جَافٍ عن التَّغَزُّلِ " فهذا لم يبيّن ما بيّنه الآخر وأعود إلى الغرض فأنت الآن لا تشكُّ أن الإصبع مشارٌ بها إلى إصبع اليد، وأن وقوعها بمعنى الأثر الحسن، ليس على أنه وضعٌ مستأنَفٌ في إحدى اللغتين، ألا تراهم لا يقولون رأيت أصَابع الدار، بمعنى آثارَ الدار، وله إصبع حسنة، وإصبع قبيحة، على معنى أَثرٍ حسن وأََثرٍ قبيح ونحو ذلك، وإنّما أرادوا أن يقولوا له عليها أَِثَرُ حذْقٍ، فدلُّوا عليه بالإصبع، لأن الأْعمال الدقيقة له اختصاص بالأصابع، وما من حِذْقٍ في عمل يَدٍ إلا وهو مستفاد من حسن تصريف الأصابع، واللُّطْف في رفعها ووضعها، كما تعلم في الخطّ والنقش وكُلِّ عمل دقيق، وعلى ذلك قالوا في تفسير قوله : " بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوّيَ بَنَانَهُ " " القيامة: ٤ "، أي نجعلَها كخُفِّ البعير فلا تتمكّن من الأعمال اللَّطيفة.

стр. 353

فكما علمتَ ملاحظةَ الإصبع لأصلها، وامتناعَ أن تكون مستأنفةً بأنك رأيتها لا يصحُّ استعمالها حيث يراد الأثر على الإطلاق، ولا يُقصد الإشارة إلى حِذْق في الصنعة، وأن يُجعل أَثر الإصبع إصبعاً كذلك ينبغي أن تعلم ذلك في اليد لقيام هذه العلّة فيها، أعني أن لم يُجْعَل أثرُ اليد يداً، لم تقع للنعمة مجرَّدةً من هذه الإشارات، وحيثُ لا يُتَصوَّر ذلك كقولنا أقتني نعمة فاعرفه. ويُشبه هذا في أن عُبَّر عن أثر اليد والإصبع باسمهما، وضعُهم الخاتَم موضع الخَتْم كقولهم عليه خاتمُ الملك، وعليه طابَعٌ من الكرم، والمحصول أثَر الخاتَم والطابَع، قال: وقُلْنَ حَرَامٌ قد أُخِلَّ بربِّنا ... وتُتْرَكُ أمْوالٌ عليها الخواتِمُ وكذا قولُ الآخر: إذا قُضَّت خَواتِمُها وفُكَّت ... يقال لها دمُ الوَدَجِ الذبيحُ وأما تقدير الشيخ أبو عليٍّ في هذين البيتين حَذْفَ المضاف، وتأويلُه على معنى وتترك أموالٌ عليها نقشُ الخواتم، وإذا فُضَّ خَتْمُ خواتمها، فبيانٌ لما يقتضيه الكلام من أصله، دون أن يكون الأمر على خلاف ما ذكرتُ

стр. 354

من جعلِ أثر الخاتم خاتَماً، وأنت إذا نظرت إلى الشعر من جهته الخاصّة به، وذُقته بالحاسّة المهيَّأة لمعرفة طَعْمه، لم تشكَّ في أن الأمر على ما أشرتُ لك إليه ويدلّ على أن المضاف قد وقع في المَنسَأة، وصار كالشَّريعة المنسوخة، تأنيُث الفعل في قوله إذا فَضَّتْ خواتمها، ولو كان حكمه باقياً لذكَّرت الفعل كما تُذكّره مع الإظهار، ولاستقصاء هذا موضع آخر. وينظُر إلى هذا المكان قولهم: ضربتُه سوطاً، لأنهم عَبَّروا عن الضربة التي هي واقعة بالسَّوط باسمه، وجعلوا أثر السَّوط سوطاً، وتعلم على ذلك أن تفسيرهم له بقولهم إن المعنى ضربته ضربةً بسوطٍ، بيانٌ لما كان عليه الكلام في أصله، وأنّ ذلك قد نُسي ونُسخ، وجُعل كأن لم يَكُن فاعرفه. وأمَّا إذا أريد باليد القدرة، فهي إذَنْ أحَنُّ إلى موضعها الذي بُدئت منه، وأَصَبُّ بأصلها، لأنك لا تكاد تجدها تُراد معها القدرةُ، إلا والكلام مَثَلٌ صريحٌ، ومعنى القدرة منتزع من اليد مع غيرها، أو هناك تلويحٌ بالمَثَل. فمن الصريح قولهم: فلان طويلُ اليَد، يراد: فَضْلُ القُدْرة، فأنت لو وضعتَ القدرة هاهنا في موضع اليد أحَلْتَ، كما أنك لو حاولت في قول النبي ﷺ وقد قالت له نساؤه ﷺ : أَيَّتُّهَا أسرعُ لحاقاً بك يا رسول اللَّه؟

стр. 355

فقال: " أَطْوَلكُنَّ يداً "، يريد السخاءَ والجُود وبَسْط اليَدِ بالبَذْل أن تضع موضع اليد شيئاً مما أريد بهذا الكلام، خرجتَ من المعقول، وذلك أن الشَّبه مأخوذٌ من مجموع الطويلِ واليَدِ مضافاً ذاك إلى هذه، فطلبُه من اليد وحدها طلبُ الشيء على غير وجهه، ومن الظاهر في كون الشبه مأخوذاً ما بين اليد، وغيرها قوله تعالى: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولهِ " " الحجرات: ١ "، المعنى على أنهم أُمِروا باتِّباع الأمر، فلما كان المتقدِّم بين يدي الرَّجُل خارجاً عن صفة المتابع له، ضَرَب جملة هذا الكلام مَثَلاً للاتباع في الأمر، فصار النَّهي عن التقدُّم متعلّقاً باليد نهياً عن تَرْكِ الاتباع، فهذا مما لا يخفي على ذي عقل أنه لا تكون فيه اليد بانفرادها عبارة عن شيء، كما قد يُتوهَّم أنها عبارة عن النعمة ومتناولةٌ لها، كالوضع المسْتأنَف، حتى كأنْ لم تكن قَطُّ اسم جارحة. وهكذا قول النبي ﷺ : " المؤمنون تَتَكافأُ دِماؤُهم، ويَسْعَى بذِمَّتهم أَدناهم، وهم يدٌ على من سواهم "، المعنى وإن كان على قولك وهُم عونٌ على من سواهم، فلا تقول إن اليد بمعنى العون حقيقةٌ،
следующие страницы →