Полный текст (421 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
اتّسعت اليد في البلد، وتقول: أَقتَني نعمةً، ولا تقول اقتني يداً، وأمثال ذلك تكثر إذا تأمّلت وإنما يقال: جلَّت يدُه عندي، وكُثرت أياديه لدَيَّ، فتعلم أن الأصل صنائعُ يده وفوائدُه الصادرةُ عن يده وآثارِ يده، ومحالٌ أن تكون اليد اسماً للنعمة هكذا على الإطلاق، ثم لا تقع موقع النعمة، لو جاز ذلك، لجاز أن يكون المترجم للنعمة باسم لها في لغة أخرى، واضعاً اسمَها من تلك اللغة في مواضعَ لا تقع النعمة فيها من لغة العرب، وذلك محالٌ. ونظير هذا قولهم في صفة راعي الإبل إّن له عليه إصبْعاً، أي أثراً َحسَناً، وأنشدوا:
ضَعِيفُ العَصَا بادي العروقِ ترى له ... عليها إذا ما أجدبَ الناسُ إصبَعَا
وأنشد شَيخنا ﵀ مع هذا البيت قولَ الآخر: " صُلْبُ العَصا بالضَّرب قد دَمَّاها " أي جعلها كالدُّمَى في الحُسن، وكأن قولَهُ صُلْب العَصا، وإن كان ضِدَّ قول الآخر ضَعيفُ العَصا، فإنهما يرجعان إلى غرض واحد، وهوحُسن الرِّعْية، والعملُ بما يُصلحها ويحسُنُ أثره عليها، فأراد الأول بجعله ضَعيف العصا أنه رفيقٌ بها مُشفقٌ عليها، لا يقصِد من حمل العصا أن يُوجعَها
стр. 352
بالضرب من غير فائدة، فهو يتخيَّر ما لانَ من العِصيّ، وأراد الثاني أنه جيّد الضَّبط لها عارفٌ بسياستها في الرَّعي، ويزجُرها عن المراعي التي لا تُحمَد، ويتوخَّى بها ما تسمَنُ عليه، ويتضمّن أيضاً أنه يمنعها عن التشرُّد والتبدُّد وأنها، لِمَاعَرَفت من شدّة شكيمته وقوة عزيمته، وتنساق وتَستوسق في الجهة التي يريدها، من غير أن يجدّد لها في كل حال ضرباً، وقال آخر: " صُلْبُ العَصَا جَافٍ عن التَّغَزُّلِ " فهذا لم يبيّن ما بيّنه الآخر وأعود إلى الغرض فأنت الآن لا تشكُّ أن الإصبع مشارٌ بها إلى إصبع اليد، وأن وقوعها بمعنى الأثر الحسن، ليس على أنه وضعٌ مستأنَفٌ في إحدى اللغتين، ألا تراهم لا يقولون رأيت أصَابع الدار، بمعنى آثارَ الدار، وله إصبع حسنة، وإصبع قبيحة، على معنى أَثرٍ حسن وأََثرٍ قبيح ونحو ذلك، وإنّما أرادوا أن يقولوا له عليها أَِثَرُ حذْقٍ، فدلُّوا عليه بالإصبع، لأن الأْعمال الدقيقة له اختصاص بالأصابع، وما من حِذْقٍ في عمل يَدٍ إلا وهو مستفاد من حسن تصريف الأصابع، واللُّطْف في رفعها ووضعها، كما تعلم في الخطّ والنقش وكُلِّ عمل دقيق، وعلى ذلك قالوا في تفسير قوله : " بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوّيَ بَنَانَهُ " " القيامة: ٤ "، أي نجعلَها كخُفِّ البعير فلا تتمكّن من الأعمال اللَّطيفة.
стр. 353
فكما علمتَ ملاحظةَ الإصبع لأصلها، وامتناعَ أن تكون مستأنفةً بأنك رأيتها لا يصحُّ استعمالها حيث يراد الأثر على الإطلاق، ولا يُقصد الإشارة إلى حِذْق في الصنعة، وأن يُجعل أَثر الإصبع إصبعاً كذلك ينبغي أن تعلم ذلك في اليد لقيام هذه العلّة فيها، أعني أن لم يُجْعَل أثرُ اليد يداً، لم تقع للنعمة مجرَّدةً من هذه الإشارات، وحيثُ لا يُتَصوَّر ذلك كقولنا أقتني نعمة فاعرفه. ويُشبه هذا في أن عُبَّر عن أثر اليد والإصبع باسمهما، وضعُهم الخاتَم موضع الخَتْم كقولهم عليه خاتمُ الملك، وعليه طابَعٌ من الكرم، والمحصول أثَر الخاتَم والطابَع، قال:
وقُلْنَ حَرَامٌ قد أُخِلَّ بربِّنا ... وتُتْرَكُ أمْوالٌ عليها الخواتِمُ
وكذا قولُ الآخر:
إذا قُضَّت خَواتِمُها وفُكَّت ... يقال لها دمُ الوَدَجِ الذبيحُ
وأما تقدير الشيخ أبو عليٍّ في هذين البيتين حَذْفَ المضاف، وتأويلُه على معنى وتترك أموالٌ عليها نقشُ الخواتم، وإذا فُضَّ خَتْمُ خواتمها، فبيانٌ لما يقتضيه الكلام من أصله، دون أن يكون الأمر على خلاف ما ذكرتُ
стр. 354
من جعلِ أثر الخاتم خاتَماً، وأنت إذا نظرت إلى الشعر من جهته الخاصّة به، وذُقته بالحاسّة المهيَّأة لمعرفة طَعْمه، لم تشكَّ في أن الأمر على ما أشرتُ لك إليه ويدلّ على أن المضاف قد وقع في المَنسَأة، وصار كالشَّريعة المنسوخة، تأنيُث الفعل في قوله إذا فَضَّتْ خواتمها، ولو كان حكمه باقياً لذكَّرت الفعل كما تُذكّره مع الإظهار، ولاستقصاء هذا موضع آخر. وينظُر إلى هذا المكان قولهم: ضربتُه سوطاً، لأنهم عَبَّروا عن الضربة التي هي واقعة بالسَّوط باسمه، وجعلوا أثر السَّوط سوطاً، وتعلم على ذلك أن تفسيرهم له بقولهم إن المعنى ضربته ضربةً بسوطٍ، بيانٌ لما كان عليه الكلام في أصله، وأنّ ذلك قد نُسي ونُسخ، وجُعل كأن لم يَكُن فاعرفه. وأمَّا إذا أريد باليد القدرة، فهي إذَنْ أحَنُّ إلى موضعها الذي بُدئت منه، وأَصَبُّ بأصلها، لأنك لا تكاد تجدها تُراد معها القدرةُ، إلا والكلام مَثَلٌ صريحٌ، ومعنى القدرة منتزع من اليد مع غيرها، أو هناك تلويحٌ بالمَثَل. فمن الصريح قولهم: فلان طويلُ اليَد، يراد: فَضْلُ القُدْرة، فأنت لو وضعتَ القدرة هاهنا في موضع اليد أحَلْتَ، كما أنك لو حاولت في قول النبي ﷺ وقد قالت له نساؤه ﷺ : أَيَّتُّهَا أسرعُ لحاقاً بك يا رسول اللَّه؟
стр. 355
فقال: " أَطْوَلكُنَّ يداً "، يريد السخاءَ والجُود وبَسْط اليَدِ بالبَذْل أن تضع موضع اليد شيئاً مما أريد بهذا الكلام، خرجتَ من المعقول، وذلك أن الشَّبه مأخوذٌ من مجموع الطويلِ واليَدِ مضافاً ذاك إلى هذه، فطلبُه من اليد وحدها طلبُ الشيء على غير وجهه، ومن الظاهر في كون الشبه مأخوذاً ما بين اليد، وغيرها قوله تعالى: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولهِ " " الحجرات: ١ "، المعنى على أنهم أُمِروا باتِّباع الأمر، فلما كان المتقدِّم بين يدي الرَّجُل خارجاً عن صفة المتابع له، ضَرَب جملة هذا الكلام مَثَلاً للاتباع في الأمر، فصار النَّهي عن التقدُّم متعلّقاً باليد نهياً عن تَرْكِ الاتباع، فهذا مما لا يخفي على ذي عقل أنه لا تكون فيه اليد بانفرادها عبارة عن شيء، كما قد يُتوهَّم أنها عبارة عن النعمة ومتناولةٌ لها، كالوضع المسْتأنَف، حتى كأنْ لم تكن قَطُّ اسم جارحة. وهكذا قول النبي ﷺ : " المؤمنون تَتَكافأُ دِماؤُهم، ويَسْعَى بذِمَّتهم أَدناهم، وهم يدٌ على من سواهم "، المعنى وإن كان على قولك وهُم عونٌ على من سواهم، فلا تقول إن اليد بمعنى العون حقيقةٌ،
стр. 356
بل المعنى أن مََثَلَهم مع كثرتهم في وجوب الاتِّفاق بينهم، مَثَلُ اليد الواحدة فكما لا يُتصوَّر أن يخذل بعضُ أجزاء اليد بعضاً، وأن تختلف بها الجهة في التصرف، كذلك سبيل المؤمنين في تعاضُدهم على المشركين، لأن كلمةَ التوحيد جامعةٌ لهم، فلذلك كانوا كنفس واحدة، فهذا كله مما يعترف لك كل أحد فيه، بأنّ اليد على انفرادها لا تقع على شيء، فيُتوهَّمُ لها نقلٌ من معنى إلى معنى على حدّ وضع الاسم واستئنافه. فأمَّا ما تكون اليد فيه للقدرة على سبيل التلويح بالمثَل دون التصريح، حتى ترى كثيراً من الناس يُطلق القول إنها بمعنى القدرة ويُجريها مَجرَى اللفظ يقع لمعنيين، فكقوله تعالى: " وَالسَّمَوَاتُ مَطْويَّاتٌ بِيَمِينِهِ " " الزمر: ٦٧ "، تراهم يُطلقون اليمين بمعنى القدرة، ويصِلون إليه قولَ الشمّاخ:
إذَا مَا رَايةٌ رُفِعَتْ لمَجْدٍ ... تَلَقَّاهَا عَرابةُ باليمينِ
كما فعل أبو العباس في الكامل، فإنه أنشد البيت ثم قال: قال أصحاب المعاني معناه بالقوة، وقالُوا مِثْل ذلك في قوله تعالى: " وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِه "، وهذا منهم تفسيرٌ على الجملة، وقصدٌ إلى نَفْي الجارحة بسرعةٍ، خوفاً
стр. 357
على السامع من خَطَراتٍ تقع للجُهَّال وأهلِ التشبيه جلّ اللَّه وتعالى عن شبه المخلوقين ولم يقصدوا إلى بيان الطريقة والجهة التي منها يُحصَل على القُدرة والقوة، وإذا تأمّلت علمت أنه على طريقة المَثَلَ، وكما أنّا نعلم في صَدْر هذه الآية وهو قوله : " وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيَامَة " " الزمر: ٦٧ "، أن محصول المعنى على القدرة، ثم لا نستجيز أن نجعل القبضةَ اسماً للقدرة، بل نَصير إلى القدرة من طريق التأويل والمَثَل، فنقول إنّ المعنى واللَّه أعلم أن مََثَل الأرض في تصرُّفها تحت أمر اللَّه وقدرته، وأنه لا يشذّ شيءٌ مما فيها من سلطانه ، مَثَلُ الشيء يكون في قبضة الآخذِ له مِنّاً والجامع يده عليه، كذلك حقُّنا أن نسلك بقوله تعالى: " مَطْويَّاتٌ بِيَمِينِهِ " هذا المسلَك، فكأنّ المعنى - واللَّه أعلم - أنه يخلق فيها صفةَ الطيّ حتى تُرَى كالكتاب المطويِّ بيمين الواحد منكم، وخصَّ اليمين لتكون أعلى وأفخمَ للمثل، وإذا كنت تقول الأمرُ كُلُّه للَّه، فتعلم أنه على سبيل أنْ لا سلطان لأحد دونه ولا استبداد وكذلك إذا قلت للمخلوق الأمر بيدك، أردت المَثَل، وأنَّ الأمر كالشيء يَْحصُل في يده من حيث لا يمتنع عليه، فما معنى التوقُّف في أن اليمين مَثَلٌ، وليست باسم للقُدْرة، وكاللغة المستأنَفة، ومن أين يُتصوَّر ذلك وأنت لا تراها تصلُح حيث لا وجه للمَثَل والتشبيه فلا يقال: هو عظيم اليمين، بمعنى عَظِيم القدرة، وقد عرفتُ يمينَك على هذا كما تقول عرفتُ قدرتك.
стр. 358
وهكذا شأن البَيْت، إذا أحسنت النَّظر وجدتَه إذا لم تأخذه من طريق المثل، ولم تأخذ المعنى من مجموع التلقّي واليمين على حدّ قولهم تقبَّلته بكلتا اليدين، وكقوله:
ولكن باليَدَيْنِ ضَمَانَتَي ... ومَلَّ بفَلْجٍ فالقنافِذ عُوَّدي
وقبل هذا البيت:
لَعَمْرُكَ مَا مَلَّت ثَواءَ ثَوِيِّها ... حَلِيمَةُ إذْ ألقَى مَراسِيَ مُقْعَدِ
وهو يشكوك إلى طبع الشعر، ورأيت المعنى يتألَّم وَيَتظلَّم، وإن أردت أن تختبرَ ذلك فقل:
إذا ما رايةٌ رُفعت لمجد ... تلقَّاها عَرابةُ باقتدارِ
ثم انظر، هل تَجِدُ ما كنت تجد، إن كنت ممَّن يعرف طعمَ الشعر، ويُفَرِّق بين التَّفِه الذي لا يكون له طعمٌ وبين الحلو اللذيذ. وممّا يبيَّن ذلك من جهة العبارة: أنّ الشعر كما تعلم لمدحِ الرَّجل بالجود والسخاء، لأنه سألَ الشمّاخَ عمَّا أَقدَمه؛ فقال: جئتُ لأمْتار، فأوْقَرَ
стр. 359
راحله تمراً وأتْحفه بغير ذلك، وإذا كان كذلك، كان المجدُ الذي تطاوَل له ومدَّ إليه يده، من المجد الذي أراده أبو تمام بقوله:
تَوَجَّعُ أَن رأَتْ جِسْمي نحيفاً ... كأنَّ المَجْدَ يُدرَكُ بالصِّراعِ
ولو كان في ذكرالبأس والبطش وحيث تراد القوة والشدة، لكان حَمْلُ اليمين على صريح القُوّة أشبه، وبأن يقع منه في القلب معنىً يتماسَكُ أجدر، فإن قال أراد تلقّاها بجدّ وقوّةِ رغبةٍ، قيل فينبغي أن يضع اليمين في مثل هذه المواضع، ومن التزم ذَلك فالسكوت عنه أحسن، وما زال الناسُ يقولون للرجل إذا أرادوا حثَّه على الأمر، وأَن يأخذ فيه بالجِدّ أخرج يدك اليُمْنَى وذاك أنها أشرف اليدين وأقواهما، والتي لا غناء للأخرى دونها، فلا عُني إنسان بشيء إلا بدأ بيمينه فهيّأها لنَيْله، ومتى ما قصدوا جعل الشيء في جهة العناية، جعلوه في اليد اليمنى، وعلى ذلك قول البحتري:
وإنَّ يدي وَقَد أسْنَدتَ أمري ... إليه اليومَ في يَدِك اليمينِ
إليه يعني إلى يونس بن بُغا، وكان حَظِيّاً عند الممدوح، وهو المعتز باللهَ، ولو أن قائلاً قَال:
إذَا ما رايةٌ رُفعت لمَجدٍ ... ومَكْرُمةٍ مددتُ لها اليَمِينا
لم تره عادلاً باليمين عن الموضع الذي وَضَعها الشمّاخ فيه، ولو أن هذا التأويل منهم كان في قول سُلَيْمان بن قَتّة العَدَوِيّ:
стр. 360
بَنَي تَيْم بن مُرَّةَ إنّ ربّي ... كَفَاني أمْرَكم وكَفاكُمُوني
فَحَيُّوا ما بَداَ لكُمُ فإنِّي ... شديدُ الفَرْسِ للضَغِنِ الَحَرُونِ
يُعاني فَقْدَكُم أَسَدٌ مُدِلٌّ ... شديدُ الأسر يَضْبِثُ باليمينِ
لكان أعذرَ فيه، لأن المدح مدحٌ بالقوة والشدة، وعلى ذلك فإنّ اعتبار الأصل الذي قدّمتُ، وهو أنك لا ترى اليمين حيث لا معنى لليد، يقف بنا على الظاهر، كأنه قال إذا ضَبَث ضَبَثَ باليمين، ومما يبيِّن موضوعَ بيت الشمّاخ، إذا اعتبرتَ به، قولُ الخنساء:
إذَا القومُ مَدُّوا بأَيْديهمُ ... إلى المَجْد مَدَّ إليه يَدَا
فنالَ الذي فَوْق أَيْديهم ... من المجد ثم مَضى مُصعِدَا
إذا رجعت إلى نفسك، لم تجد فرقاً بين أن يمُدَّ إلى المجد يداً، وبين أن يتلقَّى رايته باليمين، وهذا إن أردت الحقَّ أبينُ من أن تحتاج فيه إلى فَضْلًِ قَوْلٍ، إلاّ أنّ هذا الضرب من الغلط، كالداء الدَّوِيّ، حقُّه أن يُستقصَى في الكيِّ عليه والعلاج منه، فجنايتَه على معاني ما شَرُف من الكلام عظيمة، وهو مادَّةٌ للمتكلفين في التأويلات البعيدة والأقوال الشَّنِيعة،
стр. 361
ومَثَلُ من تَوقَّف في التفات هذه الأسامي إلى معانيها الأُوَل، وظَنَّ أنها مقطوعةٌ عنها قطعاً يرفع الصلةَ بينها وبين ما جازت إليه، مَثَلُ مَنْ إذا نَظر في قوله تعالى: " إنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ " " ق: ٣٧ "، فرأى المعنى على الفهم والعقل أخذه ساذجاً وقَبِله غُفْلاً، وقال القلب، هاهنا بمعنى العقل وترك أن يأخُذه من جهتِه، ويدخُلَ إلى المعنى من طريق المَثَل فيقولَ إنّه حين لم ينتفع بقلبه، ولم يفهم بعد أن كان القلب للفهم، جُعِلَ كأنه قد عدِم القلبَ جملةً وخُلع من صدره خَلْعاً، كما جُعل الذي لا يَعِي الحكمة ولا يُعمل الفِكْر فيما تُدركه عَيْنه وتسمَعُه أُذُنه، كأنه عادمٌ للسمع والبصر، وداخلٌ في العَمَى والصمم ويذهبُ عن أنّ الرجل إذا قال قد غاب عني قلبي، وليس يحضُرني قلبي فإنه يريد أن يُخيِّل إلى السامع أنه قد فقد قلبه، دون أن يقول غابَ عني علمي وعَزَب عقلي، وإن كان المرجع عند التحصيل إلى ذلك، كما أنه إذا قال لم أكن هاهنا، يريد شدّة غفلته عن الشيء، فهو يضع كلامه على تخييل أنه كان غاب هكذا بجملته وبذاته، دون أن يريد الإخبار بأنّ علمه لم يكن هناك، وغرضي بهذا أنْ أُعْلِمك أنّ مَن عَدَل عن الطريقة في الخَفِيِّ، أفضى به الأمرُ إلى أن يُنكر الجليّ، وصار من دَقيق الخطأ إلى الجليل، ومن بعض الانحرافات إلى ترك السبيل، والذي جلب التَّخليط والخَبْطَ الذي تراه في هذا الفنّ، أَنَّ الفَرْق بين أن
стр. 362
يُؤْخذ ما بين شيئين، ويُنْتَزع من مجموع كلام، هو كما عرّفتُك في الفرق بين الاستعارة والتمثيل بابٌ من القول تدخل فيه الشُّبهة على الإنسان من حيث لا يعلم، وهو من السَّهل الممتنع، يُريك أن قد انقاد وبه إباءٌ، ويُوهمك أنْ قد أَثَّرَتْ فيه رياضتُك وبه بَقيّة شِمَاسٍ.
ومن خاصّيته أنك لا تفرق فيه بين الموافق والمخالف، والمعترِف به والمُنكِر له، فإنك ترى الرجل يُوافقك في الشيء منه، ويُقِرُّ بأنه مَثَلٌ، حتى إذا صار إلى نظيرٍ له خَلَّط إمَّا في أصل المعنى، وإمَا في العبارة، فالتخليط في المعنى كما مضى، من تأوُّل اليمين على القوة، وكذِكْرهم أن القلب في الآية بمعنى العقل، ثم عَدِّهم ذلك وجهاً ثانياً. والتخليط في العبارة، كنحو ما ذكره بعضهم في قوله: " هوِّن عليكَ فإنّ الأُمورَ بكفِّ الإلهِ مقاديرُها " فإنه استشهد به في تأويل خبرٍ جاء في عِظَم الثواب على الزكاة إذا كانت
стр. 363
من الطّيب ثم قال الكفُّ هاهنا بمعنى السلطان والمُلك والقدرة، قال وقيل الكف هاهنا بمعنى النعمة، والخبر هو ما رواه أبو هريرة عن النبي ﷺ : إنّ أحدكم إذا تصدّق بالتمرة من الطَّيِّب - ولا يقبل اللَّه إلاّ الطيب - جعل اللَّه ذلك في كفّه، فيُربّيها كما يربّي أحدُكم فَلُوَّه حتى يبلغ بالتمرة مثل أُحُد، مايظَنُّ بمن نَظَر في العربية يوماً أن يَتَوهَّم أن الكفّ يكون على هذا الإطلاق، وعلى الانفراد، بمعنى السلطان والقدرة والنعمة، ولكنه أراد المَثل فأساء العبارة، إلاّ أنّ من سُوء العبارة ما أَثَرُ التقصير فيه أظهر، وضررُه على الكلام أبين. واستقصاءُ هذا الباب لا يتمّ حتى يُفرَد بكلام، والوجهُ الرجوع إلى الغرض، ويجب أن تَعلم قبل ذلك أنّ خِلاف مَن خالف في اليد واليمين، وسائر ما هو مجاز لا من طريق التشبيه الصريح أو التمثيل، لا يقدح فيما قدّمتُ من حدَّث الحقيقة والمجاز، لأنه لا يخرج في خِلافه عن واحدٍ من الاعتبارين، فمتى جَعَل اليمين على انفرادها تُفيد القوة، فقد جعلها حقيقةً، وأغناها عن أن تستند في دلالتها إلى شيء وإن اعترف بضَربٍ من الحاجة إلى الجارحة والنظر إليها، فقد وافق في أنها مجاز، وكذا القياس في الباب كله فاعرفه.
стр. 364
فصل في
المجاز العقلي والمجاز اللغوي
والفرق بينهما. والذي ينبغي أن يُذكر الآن حدُّ الجملة في الحقيقة والمجاز، إلاَّ أنك تحتاج أن تعرف في صدر القول عليها ومقدّمته أصلاً، وهو المعنى الذي من أجله اختُصّت الفائدة بالجملة، ولم يجز حصولها بالكلمة الواحدة، كالاسم الواحد، والفعل من غير اسم يُضَمّ إليه، والعلّة في ذلك أن مَدَارَ الفائدة في الحقيقة على الإثبات والنفي، ألا ترى أن الخبر أوّل معاني الكلام وأقدمُها، والذي تستند سائر المعاني إليه وتترتّب عليه وهو ينقسم إلى هذين الحكمين، وإذا ثبت ذلك، فإن الإثبات يقتضي مُثبِتاً ومُثبَتاً له، نحو أنك إذا قلت ضَربَ زيدٌ أؤ زيدٌ ضاربٌ، فقد أثبتَّ الضرب فعلاً أو وصفاً لزيد وكذلك النفي يقتضي مَنْفيّاً ومنفيّاً عنه، فإذا قلت ما ضربَ زيدٌ وما زيدٌ ضاربٌ، فقد نفيت الضرب عن زيد وأخرجته عن أن يكون فعلاً له، فلما كان الأمر كذلك احتيج إلى شيئين يتعلّق الإثباتُ والنفي بهما، فيكون أحدهما مُثبتاً والآخر مثبتاً له وكذلك يكون أحدهما منفيّاً والآخر منفيّاً عنه، فكان ذانك الشيئان المبتدأ والخبر، والفعل والفاعل، وقيل للمثَبت وللمنفي مُسنَدٌ وحديثٌ، وللمثبَت له والمنفيِّ عنه مُسنَدٌ إليه ومحدَّثٌ عنه، وإذا رُمْتَ الفائدة أن تحصل لك من الاسم الواحد أو الفعل وحده، صرت كأنّك تطلُب أن يكون الشيء الواحد مُثْبِتاً ومثبَتاً له، ومنفيّاً ومنفيّاً عنه، وذلك محال،
стр. 365
فقد حصل من هذا أنّ لكل واحدٍ من حكمي الإثبات والنفي حاجةً إلى أن تُقيِّده مرّتين، وتُعلّقه بشيئين، تفسير ذلك أنك إذا قلت ضربَ زيدٌ، فقد قصدت إثبات الضرب لزيد، فقولك إثباتُ الضربِ، تقييدٌ للإثبات بإضافته إلى الضرب ثم لا يكفيك هذا التقييد حتى تُقيّده مرّةً أخرى فتقول إثبات الضرب لزيد، فقولك: لزيد، تقييدٌ ثانٍ وفي حكم إضافة ثانية، وكما لا يُتصوَّر أن يكون هاهنا إثباتٌ مطلقٌ غيرُ مقيَّد بوجه أعني أن يكون إثباتٌ ولا مُثْبَتٌ له ولا شيءٌ يُقصَد بذلك الإثبات إليه، لا صفةٌ ولا حكمٌ ولا موهومٌ بوجه من الوجوه كذلك لا يُتصوَّر أن يكون هاهنا إثباتٌ مقيّدٌ تقييداً واحداً، نحوُ إثبات شيء فقط، دون أن تقول إثبات شيءٍ لشيء، كما مضى من إثبات الضرب لزيد، والنفيُ بهذه المنزلة، فلا يتصوَّر نفيٌ مطلقٌ، ولا نَفْيُ شيءٍ فقط، بل تحتاج إلى قيدين كقولك نفيُ شيء عَنْ شيء، فهذه هي القضية المُبْرمة الثابتةُ التي تزول الرَّاسيات ولا تزول، ولا تنظر إلى قولهم فلان يُثْبت كذا، أي يدَّعي أنه موجود، وينفي كذا، أي يقضي بعَدَمه كقولنا أبو الحسن يثبت مِثَال جُخْدَب بفتح الدال، وصاحب الكتاب ينفيه، لأنّ الذي قصدتَهُ هو الإثباتُ والنفيُ في الكلام. ثم اعلم أن في الإثبات والنفي بعد هذين التقييدين حكماً آخر: هو كتقييد ثالث، وذلك أنّ للإثبات جهةً، وكذلك النفي، ومعنى ذلك أنك تُثبت الشيء للشيء مرَّةً من جهة، وأخرى من جهة غير تلك الأولى،
стр. 366
وتفسيره أنّك تقول ضرب زيد، فتثبت الضرب فعلاً لزيد وتقول مَرض زيد فتُثبت المَرض وصفاً له، وهكذا سائر ما كان من أفعال الغرائز والطباع، وذلك في الجملة على ما لا يوصف الإنسان بالقدرة عليه، نحو كَرُم وظَرُف وحَسُن وقَبُح وطَال وقَصُر، وقد يُتصوَّر في الشيء الواحد أن تُثبته من الجهتين جميعاً، وذلك في كل فعلٍ دَلَّ على معنًى يفعله الإنسان في نفسه نحو قام وقعد، إذا قلت قام زيد، فقد أثبتَّ القيام فعلاً له من حيث تقول فَعَلَ القيام وأمرتُه بأن يفعل القيام، وأثبتَّه أيضاً وصفاً له من حيث أن تلك الهيئة موجودة فيه، وهو في اكتسابه لها كالشخص المنتصب، والشجرة القائمة على ساقها التي توصف بالقِيام، لا من حيث كانت فاعلةً له، بل من حيث كان وصفاً موجوداً فيها، وإذ قد عرفتَ هذا الأصل، فهاهنا أصل آخر يدخل في غرضنا وهو أن الأفعال على ضربين: متعدّ وغير متعدّ، فالمتعدّي على ضربين: ضربٌ يتعدَّى إلى شيءٍ هو مفعول به، كقولك: ضربتُ زيداً، زيداَ مفعولٌ به، لأنك فعلت به الضرب ولم يفعله بنفسه. وضربٌ يتعدَّى إلى شيءٍ هو مفعول على الإطلاق، وهو في الحقيقة كفَعَلَ وكلِّ ما كان مِثْلَه في كونه عامّاً غيرَ مشتقّ من معنًى خاصّ كصَنَعَ، وعَمِلَ، وأَوْجَدَ، وأَنْشَأَ، ومعنى قولي من معنًى خاصّ أنه ليس كضَرَبَ الذي هو مشتقّ من الضرب أو أَعلَمَ الذي هو مأخوذ
من العلم، وهكذا كل ما له مصدرٌ، ذلك المصدرُ في حُكم جنس من المعاني، فهذا الضَّربُ إذا أُسند إلى شيءٍ كان المنصوبُ له مفعولاً لذلك الشيء على الإطلاق، كقولك: فعل زيدٌ القيامَ، فالقيام مفعولٌ في نفسه وليس بمفعول به، ن العلم، وهكذا كل ما له مصدرٌ، ذلك المصدرُ في حُكم جنس من المعاني،
стр. 367
فهذا الضَّربُ إذا أُسند إلى شيءٍ كان المنصوبُ له مفعولاً لذلك الشيء على الإطلاق، كقولك: فعل زيدٌ القيامَ، فالقيام مفعولٌ في نفسه وليس بمفعول به، وأحقُّ من ذلك أن تقول خَلق اللَّه الأنَاسِيَّ، وأنشأ العالم، وخلق الموتَ والحياة، والمنصوب في هذا كله مفعول مطلق لا تقييد فيه، إذ من المحال أن يكون معنى خلق العالم فَعَلَ الخلق به، كما تقول في ضربت زيداً فعلتُ الضرب بزيد، لأن الخَلْق من خَلَق كالفعل من فَعَلَ، فلو جاز أن يكون المخلوق كالمضروب، لجاز أن يكون المفعول في نفسه كذلك، حتى يكون معنى فَعَلَ القيام فعل شيئاً بالقيام، وذلك من شنيع المُحال، وإذ قد عرفت هذا فاعلم أن الإثبات في جميع هذا الضرب أعني فيما منصوبُه مفعولٌ، وليس مفعولاً به يتعلق بنفس المفعول، فإذا قلت فعل زيدٌ الضرب، كنت أثبتَّ الضرب فعلاً لزيد، وكذلك تُثبت العالم في قولك خلق اللَّه العالم، خَلْقاً للَّه تعالى، ولا يصحُّ في شيء من هذا الباب أن تُثبت المفعول وصفاً ألبتة، وتوهُّم ذلك خطاً عظيم وجهلٌ نعوذُ باللَّه منه، وأما الضرب الآخر وهو الذي منصوبه مفعولٌ به، فإنك تُثبت فيه المعنى الذي اشتُقَّ منه فعَلَ فعلاً للشيء، كإثباتك الضرب لنفسك في قولك ضربتُ زيداً، فلا يُتَصَوَّر أن يلحَق الإثبات مفعولَه، لأنه إذا كان مفعولاً به، ولم يكن فعلاً لك، استحال أن تُثبته فِعْلاً، وإثباتُه وصفاً أبعدُ في الإحالة. فأما قولُنا في نحو ضربتُ زيداً، إنك أثبتَّ زيداً مضروباً، فإنّ ذلك يرجع إلى أنك تُثبت الضربَ واقعاً به منك، فأمّا أن تُثبِت ذاتَ زيد لك،
стр. 368
فلا يُتصَوَّر، لأن الإثبات كما مضى لا بدّ له من جهة، ولا جهةَ هاهنا، وهكذا إذا قلت أحْيا اللَّه زيداً، كنت في هذا الكلام مُثبِتاً الحياةَ فِعلاً للَّه تعالى في زيد، فأما ذات زَيد، فلم تُثبتها فعلاً للَّه بهذا الكلام، وإنما يتأتَّى لك ذلك بكلام آخر، نحو أن تقول خلق اللَّه زيداً ووأوجده وما شاكله، مما لا يُشتقّ من معنًى خاصّ كالحياة والموت ونحوهما من المعاني، وإذ قد تقرَّرتْ هذه المسائل، فينبغي أن تعلم أن من حقك إذا أردت أن تقضي في الجملة بمجاز أو حقيقة، أن تنظر إليها من جهتين: إحداهما أن تنظر إلى ما وقع بها من الإثبات، أهو في حقه وموضعه، أم قد زال عن الموضع الذي ينبغي أن يكون فيه والثانية أن تنظر إلى المعنى المُثْبَت أعني ما وقع عليه الإثبات كالحياة في قولك أحيا اللَّه زيداً، والشيب في قولك أشابَ اللَّه رأسِي، أثابتٌ هو على الحقيقة، أم قد عُدِل به عنها. وإذا مُثِّل لك دخول المجاز على الجملة من الطريقين، عرفت ثَبَاتُها على الحقيقة منهما، فمثالُ ما دخله المجاز من جهة الإثبات دون المُثْبَت قوله: " وَشَيَّبَ أيّامُ الفِرَاق مَفارِقِي وأَنْشَزْنَ نَفْسي فوق حَيْثُ تكونُ "
стр. 369
وقوله: " أَشَابَ الصغيرَ وأَفْنَى الكبي رَ كَرُّ الغَدَاةِ ومَرُّ العَشِي " المجاز واقعٌ في إثبات الشيب فعلاً للأيام ولكرّ الليالي، وهو الذي أُزيل عن موضعه الذي ينبغي أن يكون فيه، لأن من حق هذا الإثبات، أعني إثبات الشَّيب فعلاً، أن لا يكون إلا مع أسماء الله تعالى، فليس يصحّ وجود الشيب فعلاً لغير القديم سبحانه، وقد وُجٍّه في البيتين كما ترى إلى الأيام وكرّ الليالي، وذلك ما لا يُثَبت له فعلٌ بوجهٍ، لا الشيبُ ولا غيرُ الشيب، وأما المُثْبَت فلم يقع فيه مجاز، لأنه الشيب وهو موجود كما ترى
وهكذا إذا قلت سرَّنى الخبر وسرَّنى لقاؤك، فالمجاز في الإثبات دون المثبَت، لأن المثبَت هو السرور، وهو حاصل على حقيقته، ومثال ما دخل المجازُ في مُثبته دون إثباته، قوله : " أوَ مَنْ كَانَ مَيْتاً فَأحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ " " الأنعام: ٢٢١ "، وذلك أن المعنى - والله أعلم - على أن جُعل العلمُ والهُدَى والحكمة حياة للقلوب، على حدِّ قوله : " وَكَذَلِكَ أوْحَيْنَا إلَيْكَ رُوحاً مِنْ أمْرِنَا " " الشورى: ٢٥ "، فالمجاز في المُثْبَت وهو الحياة، فأما الإثبات فواقع على حقيقته، لأنه ينصرف إلى أن الهدى والعلم والحكمة فَضْلٌ من الله وكائنٌ من عنده،
стр. 370
ومن الواضح في ذلك قوله : " فَأحْيَيْنَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا " " فاطر: ٩ "، وقوله: " إنَّ الَّذِي أحْيَاهَا لَمُحْيِي المَوْتَى " " فصلت: ٣٩ "، جعل خُضرة الأَرْض ونَضْرتها وبَهْجتها بما يُظهره اللَّه تعالى فيها من النَّبات والأَنْوار والأَزْهار وعجائب الصنع، حياةً لها، فكان ذلك مجازاً في المُثبَت، من حيث جعل ما ليس بحياةٍ حياةً على التشبيه، فأَما نفس الإثبات فمحضُ الحقيقة، لأنه إثباتٌ لما ضرب الحياة مثلاً له فعلاً للَّه تعالى، لا حقيقةَ أحقّ من ذلك، وقد يُتَصوَّر أن يدخل المجاز الجملةَ من الطريقين جميعاً، وذلك أنْ يُشبَّه معنًى بمعنًى وصفةٌ بصفةٍ، فيستعار لهذه اسمُ تلك، ثم تُثبَت فعلاً لما لا يصحّ الفِعْل منه، أو فعلُ تلك الصفة، فيكون أيضاً في كل واحد من الإثبات والمثبَت مجازٌ، كقول الرجل لصاحبه أحيَتْني رؤيتُك، يريد آنسَتْني وسََرَّتْنِي ونحوه، فقد جعل الأُنس والمسرَّة الحاصلةَ بالرؤية حياةً أوَّلاً، ثم جعل الرؤية فاعلةً لتلك الحياة، وشبيهٌ به قول المتنبي:
وتُحيى لَهُ المالَ الصَّوارِمُ والقَنَا ... ويقتلُ ما تُحيي التَّبسُّمُ والجَدَا
جعل الزيادة والوفور حياةً في المال، وتفريقه في العطاء قتلاً، ثم أثبتَ الحياة فعلاً للصوارم، والقتل فعلاً للتبسم، مع العلم بأنَّ الفعل لا يصحُّ منهما، ونوع منه أهْلَكَ النَّاسَ الدينارُ والدرهمُ، جعل الفتنة هلاكاً على المجاز، ثم أثبت الهلاك فعلاً للدينار والدرهم، وليسا مما يفعلان فاعرفه.
стр. 371
وإذ قد تبيّن لك المنهاج في الفرق بين دخول المجاز في الإثبات، وبين دخوله في المثبَت، وبين أن ينتظمهما عرفتَ الصورة في الجميع، فاعلم أنه إذا وقع في الإثبات فهو متلقى من العقل، وإذا عرض في المُثْبَت فهو متلقّى من اللغة، فإن طلبتَ الحجّةَ على صحة هذه الدَّعوى، فإنَّ فيما قدّمتُ من القول ما يُبيّنها لك، ويختصر لك الطريق إلى معرفتها
وذلك أن الإثبات إذا كان من شرطه أن يقيَّد مرَّتين كقولك: إثبات شيء لشيء، ولزم من ذلك أن لا يحصل إلا بالجملة التي هي تأليف بين حديث ومحدَّث عنه، ومسنَد ومُسنَد إليه، علمتَ أن مأخذَه العقل، وأنه القاضي فيه دون اللغة، لأن اللغة لم تأت لتحكُمَ بحُكم أو لتُثْبت وتنفي، وتَنْقُض وتُبرم، فالحكم بأَن الضَّرب فعل لزيد، أو ليس بفعل له، وأن المرضَ صفةٌ له، أو ليس بصفة له، شيءٌ يضعه المتكلم ودَعْوى يدَّعيها، ومَا يعترض على هذه الدعوى من تصديق أو تكذيب، واعتراف أو إنكار، وتصحيح أو إفساد، فهو اعتراض على المتكلِّم، وليس اللغة من ذلك بسبيل، ولا منه في قليلٍ ولا كثيرٍ. وإذا كان كذلك كان كلُّ وصف يستحقُّه هذا الحكمُ من صحة وفَساد، وحقيقة ومجاز، واحتمال واستحالة، فالمرجع فيه والوجهُ إلى العقل المحض وليس للغة فيه حظٌّ، فلا تُحْلَى ولا تُمِرُّ، والعربيّ فيه كالعجميّ، والعجميّ كالتركيّ، لأن قضايا العقول هي القواعدُ والأُسُس التي يُبنى غيرها عليها، والأصولُ التي يُرَدُّ ماسواها إليها، فأما إذا كان المجاز في المُثْبَت كنحو قوله تعالى: " فَأحْيَيْنَا بِهِ الأَرْضَ " " سورة فاطر: ٩ "، فإنما كان مأخذُه اللغة، لأجل أنّ طريقةَ المجاز بأنْ أُجْرِيَ اسمُ الحياة
стр. 372
على ما ليس بحياة، تشبيهاً وتمثيلاً، ثم اشتُقّ منها - وهي في هذا التقدير - الفِعْلُ الذي هو أحيا، واللغة هي التي اقتضتْ أن تكون الحياة اسماً للصِّفة التي هي ضدُّ الموت، فإذا تُجُوّز في الاسم فأُجري على غيرها، فالحديثُ مع اللغة فاعرفه. إن قال قائلٌ في أصل الكلام الذي وضعتُه على أن المجاز يقع تارة في الإثبات، وتارة في المُثْبَت، وأنه إذا وقع في الإثبات فهو طالع عليك من جهة العقل، وبادٍ لك من أُفُقِهِ وإذا عرض في المُثَبت فهو آتيك من ناحية اللغة: ما قولكم إن سَوَّيتُ بين المسألتين، وادَّعيت أن المجاز بينهما جميعاً في المثبَت وأُنزِّل هكذا فأقول: الفِعْل الذي هو مصدر فَعَلَ قد وُضع في اللغة للتأثير في وجود الحادث، كما أن الحياة موضوعة للصفة المعلومة، فإذا قيل فَعَلَ الرَّبيع النّوْرَ، جُعِلَ تعلُّقُ النَّور في الوجود بالربيع من طريق السَّبب والعادة فعلاً، كما تجعَل خُضرة الأرض وبهجتها حياةً، والعلم في قلب المؤمن نُوراً وحياة، وإذا كان كذلك، كان المجاز في أن جعل ما ليس بفعل فعلاً، وأُطلق اسم الفعل على غير ما وُضع له في اللغة، كما جعل ماليس بحياة حياةً وأجري اسمها عليه، فإذا كان ذلك مجازاً لغويّاً فينبغي أن يكون هذا كذلك. فالجواب إنّ الذي يدفع هذه الشبهة، أن تنظر إلى مدخل المجاز في المسألتين، فإن كان مدخلهما من جانب واحدٍ، فالأمر كما ظننتَ، وإن لم يكن كذلك استبان لك الخطأ في ظنّك،
стр. 373
والذي بيّن اختلاف دخوله فيهما، أنك تحصُل على المجاز في مسألة الفعل بالإضافة لا بنفس الاسم، فلو قلت: أثبتُّ النَّوْرَ فعلاً لم تقع في مجاز، لأنه فعلٌ للَّه تعالى، وإنما تصير إلى المجاز إذا قلت: أثبتُّ النَّوْرَ فعلاً للربيع، وأما في مسألة الحياة، فإنك تحصل على المجاز بإطلاق الاسم فحَسْبُ من غير إضافة، وذلك قولك أثبتَ بهجةَ الأرض حياةً أو جعلها حياةً، أفلا ترى المجاز قد ظهر لك في الحياة من غير أن أضفتها إلى شيء، أي من غير أن قلت لكذا. وهكذا إذا عبَّرت بالنفس، تقول في مسألة الفعل: جعل ما ليس بفعلٍ للربيع فعلاً له، وتقول في هذه: جعل ما ليس بحياة حياةً وتسكت، ولا تحتاج أن تقول: جعل ما ليس بحياةٍ للأرض حياة للأرض، بل لا معنى لهذا الكلام، لأن يقتضي أنك أضفت حياةً حقيقةً إلى الأرض، وجعلتها مثلاً تحيا بحياة غيرها، وذلك بيّنُ الإحالة، ومن حقِّ المسائل الدقيقة أن تُتأمَّل فيها العباراتُ التي تجري بين السائل والمجيب، وتُحَقَّق، فإنّ ذلك يكشف عن الغَرض، ويبيّن جهة الغلط، وقولك جعل ما ليس بفعل فعلاً احتذاءً لقولنا جعل ما ليس بحياة حياة لا يصحّ - لأن معنى هذه العبارة أن يراد بالاسم غير معناه لشَبَهٍ يُدَّعَى أو شيءٍ كالشبه، لا أن يعطَّل الاسم من الفائدة، فَيُرَاد بها ما ليس بمعقول. فنحن إذاتجوّزنا في الحياة، فأردنا بها العلم، فقد أَوْدَعْنا الاسم معنىً، وأردنا به صفةً معقولةً كالحياة نفسها ولا يمكنك أن تشير في قولك: فعل الربيع النَّوْرَ، إلى معنًى تزعُم
أن لفظ الفعل يُنقَل عن معناه إليه، فيرادُ به، حتى يكون ذلك المعنى معقولاً منه، كما عُقل التأثير في الوجود، وحتى تقول لم أرد به التأثير في الوجود، ولكن أردت المعنى الفلانيّ الذي هو شبيهٌ به أو كالشبيه، أو ليس بشبيه مثلاً، إلا أنه معنًى خَلَفَ معنى آخر على الاسم، إذ ليس وجود النور بعقب المطر، أو في زمان دون زمان، مما يعطيك معنًى في المطر أو في الزمان، فتُريدُه بلفظ الفعل، فليس إلا أن تقول: لما كان النَّوْر لا يوجد إلا بوجود الربيع، تُوُهّم للربيع تأثيرٌ في وجوده، فأَثبتُّ له ذلك، وإثبات الحكم أو الوصف لما ليس له قضيّةٌ عقلية، لا تعلُّق لها في صحّةٍ وفسادٍ باللغة فاعرفه. ن لفظ الفعل يُنقَل عن معناه إليه، فيرادُ به،
стр. 374
حتى يكون ذلك المعنى معقولاً منه، كما عُقل التأثير في الوجود، وحتى تقول لم أرد به التأثير في الوجود، ولكن أردت المعنى الفلانيّ الذي هو شبيهٌ به أو كالشبيه، أو ليس بشبيه مثلاً، إلا أنه معنًى خَلَفَ معنى آخر على الاسم، إذ ليس وجود النور بعقب المطر، أو في زمان دون زمان، مما يعطيك معنًى في المطر أو في الزمان، فتُريدُه بلفظ الفعل، فليس إلا أن تقول: لما كان النَّوْر لا يوجد إلا بوجود الربيع، تُوُهّم للربيع تأثيرٌ في وجوده، فأَثبتُّ له ذلك، وإثبات الحكم أو الوصف لما ليس له قضيّةٌ عقلية، لا تعلُّق لها في صحّةٍ وفسادٍ باللغة فاعرفه.
ومما يجب ضبطُه في هذا الباب أن كل حكم يجب في العقل وجوباً حتى لا يجوز خلافه، فإضافتُه إلى دِلالة اللَّغة وجعلُه مشروطاً فيها، محالٌ لأن اللغة تجري مجرى العلامات والسِّمات، ولا معنى للعلامة والسِّمة حتى يحتمل الشيءُِ ما جعلت العلامة دليلاً عليه وخلافَه، فإنما كانت ما مثلاً عَلماً للنفس، لأن هاهنا نقيضاً له وهو الإثبات، وهكذا إنما كانت مَنْ لما يعقل، لأن هاهنا ما لا يعقل، فمن ذهب يدَّعي أن في قولنا: فَعَلَ وصَنَعَ ونحوه دلالةً من جهة اللغة على القادر، فقد أساء من حيث قصد الإحسان، لأنه - والعياذُ باللَّه - يقتضي جوازَ أن يكون هاهنا تأثيرٌ في وجود الحادث لغير القادر، حتى يُحتاج إلى تضمين اللفظِ الدلالةَ على اختصاصه بالقادر، وذلك خطأٌ عظيم، فالواجب أن يقال الفعل موضوع للتأثير في وجود الحادث في اللغة، والعقلُ قد قضى وبَتَّ الحكم بأنْ لا حظَّ في هذا التأثير لغير القادر،
стр. 375
وما يقوله أهلُ النظر من أنّ من لم يعلم الحادث موجوداً من جهة القادر عليه، فهو لم يعلمه فعلاً لا يخالف هذه الجملة، بل لا يصحّ حَقّ صحّتِه إلا مع اعتبارها، وذلك أن الفعل إذا كان موضوعاً للتأثير في وجود الحادث، وكان العقل قد بيّن بالحجج القاطعة والبراهين الساطعة استحالةَ أن يكون لغير القادر تأثير في وجود الحادث، وأن يقع شيء مما ليس له صفة القادر، فمن ظَنَّ الشيء واقعاً من غير القادر، فهو لم يعلمه فعلاً، لأنه لا يكون مستحقّاً هذا الاسم حتى يكون واقعاً من غيره، ومن نَسَبَ وقوعَه إلى ما لا يصح وقوعه منه، ولا يُتَصوَّر أن يكون له تأثير في وجوده وخروجه من العدم، فلم يعلمه واقعاً من شيء ألبتة، وإذا لم يعلمه واقعاً من شيء، لم يعلمه فعلاً، كما أنه إذا لم يعلمه كائناً بعد أن لم يكن، لم يعلمه واقعاً ولا حادثاً فاعرفه. واعلم أنك إن أردت أن ترى المجاز وقد وقع في نفس الفعل والخلق، ولحقهما من حيثُ هما لا إثباتُهما، وإضافتُهما، فالمثال في ذلك قولهم في الرجل يُشْفِي على هلَكة ثم يتخلّص منها هو إنما خُلِق الآن وإنما أُنشئ اليوم وقد عُدِم ثم أُنشئ نشأةً ثانية، وذلك أنك تُثبت هاهنا خلقاً وإنشاءً، من غير أن يُعقَل ثابتاً على الحقيقة، بل على تأويل وتنزيلٍ، وهو أنْ جعلتَ حالة إشفائه على الهلكة عدماً وفناءً وخروجاً من الوجود، حتى أنتج هذا التقديرُ أن يكون خلاصه منها ابتداءَ وجودٍ وخلقاً وإنشاءً، أفيمكنك أن تقول في نحو: فعل الربيع النَّوْر بمثل هذا التأويل، فتزعُمَ أنك أثبتَّ فعلاً وقع على النَّوْر من غير أن كان ثَمَّ فعلٌ، ومن غير أن يكون النَّور مفعولاً؟ أو هو مما يَتَعَوَّذ باللَّه منه، وتقول الفعل واقعٌ على النَّور حقيقةً،
стр. 376
وهو مفعولُ مجهولٍ على الصِّحة، إلا أن حقّ الفعل فيه أن يُثْبَتَ للَّه تعالى، وقد تُجُوِّزَ بإثباته للربيع؛ أفليس قد بان أن التجوُّز هاهنا في إثبات الفعل للربيع لا في الفعل نفسه، فإن التجوُّز في مسألة المتخلِّص من الهلكة حيث قلت: إنه خُلق مرةً ثانية في الفعل نفسه، لا في إثباته؟ فلكَ كيف نظرتَ فرقٌ بين المجاز في الإثبات، وبينه في المثبَت، وينبغي أن تعلم أن قولي في المثبَت مجازٌ، ليس مرادي أن فيه مجازاً من حيث هو مُثبَت، ولكن المعنى أن المجاز في نفس الشيء الذي تَناوَله الإثبات نحو أنك أثبتَّ الحياة صفةً للأرض في قوله تعالى: " يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا " " سورة الحديد: ١٧ "، والمراد غيرها، فكان المجازُ في نفس الحياة لا في إثباتها هذا وإذا كان لا يُتصوَّر إثبات شيء لا لشيء، استحال أن يوصف المُثْبَت من حيث هو مُثْبَت بأنه مجاز أو حقيقة. ومما ينتهي في البيان إلى الغاية أن يقال للسائل هَبْك تُغالطنا بأن مصدر فَعَلَ نُقل أوَّلاً من موضعه في اللغة، ثم اشتُقَّ منه، فقلْ لنا ما نصنع بالأفعال المشتقَّة من معانٍ خاصّة، كَنَسَجَ، وصَاغ، ووَشَّى، ونَقَشَ أتقول إذا قيل نَسَجَ الربيعُ وصاغ الربيعُ ووَشَّى: إن المجاز في مصادر هذه الأفعال التي هي النَّسج والوَشْي والصّوْغ، أم تعترف أنه في إثباتها فعلاً للربيع، وكيف تقول إن في أنفُسِها مجازاً، وهي موجودةٌُ بحقيقتها، بل ماذا يُغني عنك دَعوى المجاز فيها، لو أمكنك، ولا يمكنك أن تقتصر عليها في كونِ الكلام مجازاً - أعني لا يمكنك أن تقول: إن الكلام
مجازٌ من حيث لم يكن ائتلاف تلك الأنوار نسجاً ووشياً، وتدَعَ حديثَ نسبتها إلى الربيع جانباً. هذا وهاهنا مالا وجه لك لدعوى المجاز في مصدر الفعل منه كقولك: سَرَّني الخبر، فإن السرور بحقيقته موجود، والكلام مع ذلك مجازٌ، وإذا كان كذلك، علمتَ ضرورةً ليس المجاز إلاّ في إثبات السرور فعلاً للخبر، وإيهامِ أنه أثّر في حدوثه وحصوله، ويَعلم كلّ عاقلٍ أن المجاز لو كان من طريق اللغة، لجُعِل ما ليس بالسرور سروراً، فأمّا الحكم بأنه فعل للخبر، فلا يجري في وَهْمٍ أنه يكون من اللغة بسبيل فاعرفه. فإن قال النسجُ فعلُ معنًى، وهو المضامّة بين أشياء، وكذلك الصَّوْغُ فعلُ الصورة في الفضّة ونحوها، وإذا كان كذلك، قدّرتُ أن لفظ الصَّوغ مجازٌ من حيث دلَّ على الفعل والتأثير في الوجود، حقيقةٌ من حيث دلَّ على الصُّورة، كما قدّرتَ أنت في أحيا اللَّه الأرض، أنّ أحيا من حيث دلّ على معنى فَعَلَ حقيقةٌ، ومن حيث دلّ على الحياة مجازٌ، قيل ليس لك أن تجِىء إلى لفظِ أمرين، فتفرِّق دلالته وتجعله منقولاً عن أصله في أحدهما دون الآخر، لو جاز هذا لجاز أن تقول في اللطم الذي هو ضرب باليد، أنه يُجعلُ مجازاً من حيث هو ضربٌ، وحقيقةً من حيث هو باليد، وذلك محالٌ - لأن كون الضرب باليد لا ينفصل عن الضرب، فكذلك كون الفعل فعلاً للصورة لا ينفصل عن الصورة، وليس الأمر كذلك في قولنا أحيا اللَّه الأرض، لأن معنا هنا لفظين أحدهما مشتقّ وهو أحيا - والآخر مشتقّ منه وهو الحياة، فنحن نقدّر في المشتقّ أنه نُقل عن معناه الأصلي في اللُّغة إلى معنى آخر، ثم اشتُقّ منه أَحيا بعد هذا التقدير ومعه، وهو مثل أنّ لفظ اليد يُنقَل إلى النعمة، ثم يُشتقّ منه يَدَيْتُ فاعرفه. ومما يجب أن تعلم في هذا الباب أن الإضافة في الاسم كالإسناد في الفعل، فكلُّ حكم يجبُ في إضافة المصدر من حقيقة أو مجاز، فهو واجب في إسناد الفعل، فانظر الآن إلى قولك أعجبني وَشْيُ الربيع الرياضَ، وصَوْغُه تِبْرَها، وحَوْكُه دِيباجَها، هل تعلم لك سبيلاً في هذه الإضافات إلى التعليق باللغة، وأخذِ الحكم عليها منها، أم تعلم امتناع ذلك عليك. وكيف والإضافة لا تكون حَتى تستقرّ اللغة، ويستحيل أن يكون للغة حكمٌ في الإضافة ورسمٌ، حتى يُعلم أنّ حقَّ الاسم أن يضاف إلى هذا دون ذلك. وإذا عرفتَ ذلك في هذه المصادر التي هي الصوغ والوَشْي والحوك فَضَعْ مصدر فَعَل الذي - هو عمدتك في سؤالك، وأَصْلُ شبهتك - موضعَها وقل: أما ترى إلى فعل الربيع لهذه المحاسن، ثم تأمّل هل تجد فصلاً بين إضافته وإضافة تلك فإذا لم تجد الفصلَ ألبتة، فاعلم صحة قضيّتنا، وانفض يدك بمَسْألتك، ودَعِ النِّزاع عنك، وإلى اللَّه تعالى الرغبة في التوفيق. جازٌ من حيث لم يكن ائتلاف تلك الأنوار نسجاً ووشياً، وتدَعَ حديثَ نسبتها إلى الربيع جانباً.
стр. 377
هذا وهاهنا مالا وجه لك لدعوى المجاز في مصدر الفعل منه كقولك: سَرَّني الخبر، فإن السرور بحقيقته موجود، والكلام مع ذلك مجازٌ، وإذا كان كذلك، علمتَ ضرورةً ليس المجاز إلاّ في إثبات السرور فعلاً للخبر، وإيهامِ أنه أثّر في حدوثه وحصوله، ويَعلم كلّ عاقلٍ أن المجاز لو كان من طريق اللغة، لجُعِل ما ليس بالسرور سروراً، فأمّا الحكم بأنه فعل للخبر، فلا يجري في وَهْمٍ أنه يكون من اللغة بسبيل فاعرفه. فإن قال النسجُ فعلُ معنًى، وهو المضامّة بين أشياء، وكذلك الصَّوْغُ فعلُ الصورة في الفضّة ونحوها، وإذا كان كذلك، قدّرتُ أن لفظ الصَّوغ مجازٌ من حيث دلَّ على الفعل والتأثير في الوجود، حقيقةٌ من حيث دلَّ على الصُّورة، كما قدّرتَ أنت في أحيا اللَّه الأرض، أنّ أحيا من حيث دلّ على معنى فَعَلَ حقيقةٌ، ومن حيث دلّ على الحياة مجازٌ، قيل ليس لك أن تجِىء إلى لفظِ أمرين، فتفرِّق دلالته وتجعله منقولاً عن أصله في أحدهما دون الآخر، لو جاز هذا لجاز أن تقول في اللطم الذي هو ضرب باليد، أنه يُجعلُ مجازاً من حيث هو ضربٌ، وحقيقةً من حيث هو باليد، وذلك محالٌ - لأن كون الضرب باليد لا ينفصل عن الضرب، فكذلك كون الفعل فعلاً للصورة لا ينفصل عن الصورة، وليس الأمر كذلك في قولنا أحيا اللَّه الأرض، لأن معنا هنا لفظين أحدهما مشتقّ وهو أحيا - والآخر مشتقّ منه وهو الحياة، فنحن نقدّر في المشتقّ أنه نُقل عن معناه الأصلي في اللُّغة إلى معنى آخر، ثم اشتُقّ منه أَحيا بعد هذا التقدير ومعه، وهو مثل
стр. 378
أنّ لفظ اليد يُنقَل إلى النعمة، ثم يُشتقّ منه يَدَيْتُ فاعرفه. ومما يجب أن تعلم في هذا الباب أن الإضافة في الاسم كالإسناد في الفعل، فكلُّ حكم يجبُ في إضافة المصدر من حقيقة أو مجاز، فهو واجب في إسناد الفعل، فانظر الآن إلى قولك أعجبني وَشْيُ الربيع الرياضَ، وصَوْغُه تِبْرَها، وحَوْكُه دِيباجَها، هل تعلم لك سبيلاً في هذه الإضافات إلى التعليق باللغة، وأخذِ الحكم عليها منها، أم تعلم امتناع ذلك عليك. وكيف والإضافة لا تكون حَتى تستقرّ اللغة، ويستحيل أن يكون للغة حكمٌ في الإضافة ورسمٌ، حتى يُعلم أنّ حقَّ الاسم أن يضاف إلى هذا دون ذلك. وإذا عرفتَ ذلك في هذه المصادر التي هي الصوغ والوَشْي والحوك فَضَعْ مصدر فَعَل الذي - هو عمدتك في سؤالك، وأَصْلُ شبهتك - موضعَها وقل: أما ترى إلى فعل الربيع لهذه المحاسن، ثم تأمّل هل تجد فصلاً بين إضافته وإضافة تلك فإذا لم تجد الفصلَ ألبتة، فاعلم صحة قضيّتنا، وانفض يدك بمَسْألتك، ودَعِ النِّزاع عنك، وإلى اللَّه تعالى الرغبة في التوفيق.
стр. 379
فصل
قال أبو القاسم الآمدي في قول البحتري:
فَصَاغَ ما صاغ من تِبْرٍ ومن وَرِقٍ ... وحَاكَ ما حاكَ من وَشْي وديباجٍ
صوغُ الغيثِ النبتَ وحَوْكُه النباتَ، ليسَ باستعارة بل هو حقيقة، ولذلك لا يقال هو صائغ ولا كأنه صائغ وكذلك لا يقال: حائك وكأنه حائك، على أن لفظة حائك خاصَّةً في غاية الركاكة، إذا أُخرج على ما أخرجه عليه أبو تمام في قوله:
إذا الغَيْثُ غَادَى نَسْجَهُ خِلْتَ أنّه ... خَلَتْ حِقَبٌ حَرْسٌ له وهو حائكُ
وهذا قبيح جدّاً، والذي قاله البحتري: وحاك ما حاك، حَسَنٌ مستعمل، فانظر ما بين الكلامين لتعلم ما بين الرَّجُلين. قد كتبت هذا الفصل على وجهه، والمقصود منه منعُه أن تُطلَق الاستعارة على الصوغ والحوك، وقد جُعلا فعلاً للربيع، واستدلالُه على ذلك بامتناع أن يقال: كأنه صائغ وكأنه حائك. اعلم أن هذا الاستدلال كأحسن ما يكون، إلا أن الفائدة تَتِمُّ بأَن تُبيَّن جهته، ومن أين كان كذلك؟ والقول فيه: إن التشبيه كما لا يخفى يقتضي شيئين مشبَّهاً ومشبَّهاً به، ثم ينقسم إلى الصريح وغير الصريح، فالصريح أن
стр. 380
تقول: كأنّ زيداً الأسد، فتذكر كل واحد من المشبَّه والمشبهَه به باسمه - وغيرُ الصريح أن تُسقطَ المشبَّه به من الذكر، وتُجرِيَ اسمه على المشبَّه كقولك: رأيتُ أسداً، تريد رجلاً شبيهاً بالأسد، إلا أنك تُعيره اسمه مبالغةً وإيهاماً أنْ لا فصلَ بينه وبين الأسد، وأنه قد استحال إلى الأسدية، فإذا كان الأمر كذلك وأنت تشبّه شخصاً بشخص، فإنك إذا شبّهت فعلاً بفعل كان هذا حكمه، فأنت تقول مرة كأن تزيينَه لِكلامه نظْمُ درّ، فتصرّح بالمشبَّه والمشبَّه به، وتقول أخرى: إنما يَنْظِم دُرّاً، تجعله كأنه ناظمٌ دُرّاً على الحقيقة. وتقول في وصف الفرس كأن سيرَهُ سِباحة، وكأن جريه طيرانُ طائر، هذا إذا صرّحتَ، وإذا أخفيتَ واستعرتَ قلت: يسبح براكبه، ويطير بفارسه، فتجعل حركته سباحةً وطيراناً. ومن لَطيف ذلك ما كان كقول أبي دُلامة يصف بغلته:
أرَى الشهباءَ تَعْجِنُ إذْ غَدْونا ... برِجلَيها وتخبِزُ باليمينِ
شبّه حركة رجليها حين لم تُثبتهما على موضع تعتمد بهما عليه وَهَوَتَا ذاهبتين نحو يديها، بحركة يدي العاجن، فإنه لا يُثبت اليد في موضع، بل يُزِلّها إلى قُدّام، وتَزِلّ من عند نفسها لرَخَاوة العجين - وشبَّه حركة يديها بحركة يد الخابز، من حيث كان الخابزُ يثني يدَه نحو بَطْنه، ويُحدث فيها ضرباً من التقويس، كما تجد في يد الدابّة إذا اضطربت في سيرها، ولم تَقِفْ على ضبط
стр. 381
يديها، ولن ترمي بها إلى قُدّام، ولن تشدَّ اعتمادها، حتى تثبُت في الموضع الذي تقع عليه فلا تزول عنه ولا تنثني وأعود إلى المقصود، فإذا كان لا تشبيهَ حتى يكون معك شيئان، وكان معنى الاستعارة أن تُعِير المشبَّه لفظ المشبَّه به، ولم يكن معنا في صاغ الربيعُ أو حاك الربيعُ إلا شيء واحدٌ، وهو الصَّوْغ أو الحَوْك، كان تقدير الاستعارة فيه محالاً جارياً مجرى أن تشبّه الشيء بنفسه، وتجعل اسمَهُ عاريَّة فيه، وذلك بيّنُ الفساد، فإن قلت: أليس الكلام على الجملة معقوداً على تشبيهِ الربيع بالقادر، في تعلُّق وجود الصوغ والنسج به؟ فكيف لم يَجُزْ دخول كأنّ في الكلام من هذه الجهة. فإن هذا التشبيه ليس هو التشبيه الذي يُعقَد في الكلام ويُفادُ بكأن والكاف ونحوهما، وإنما هو عبارة عن الجهة التي راعاها المتكلم حين أَعْطَى الربيع حكم القادر في إسناد الفعل إليه، وِزَانُه وِزَانُ قولنا: إنهم يشبّهون ما بليس، فيرفعون بها المبتدأ وينصبون بها الخبر فيقولون: ما زيدٌ منطلقاً، كما يقولون: ليس زيد منطلقاً، فنُخبر عن تقديرٍ قدّروه في نفوسهم، وجهةٍ راعَوْها في إعطاء ما حكم ليس في العمل، فكما لا يُتصوَّر أن يكون قولنا: ما زيد منطلقاً، تشبيهاً على حدّ كأَنَّ زيداً الأسد، كذلك لا يكون صاغ الربيعُ من التشبيه، فكلامنا إذَن في تشبيه مَقُولٍ منطوقٍ به، وأنت في تشبيه معقولٍ غيرِ داخلٍ في النطق، هذا وإن يكن هاهنا تشبيهٌ، فهو في الربيع
стр. 382
لا في الفعل المُسْنَد إليه، واختلافنا في صاغ وحاك هل يكون تشبيهاً واستعارة أم لا؛ فلا يلتقي التشبيهان، أو يلتقي المُُشئِم والمُعرِقُ. وهذا هو القولُ علي الجملة إذا كانت حقيقةً أو مجازاً، وكيف وَجْهُ الحدِّ فيها فكلُّ جملة وضعتَها على أن الحكمَ المُفادَ بها على ما هو عليه في العقل، وواقعٌ موقعَه منه، فهي حقيقةٌ، ولن تكون كذلك حتى تَعْرَى من التأوُّل، ولا فصل بين أن تكون مصيباً فيما أفدتَ بها من الحكم أو مخطئاً وصادقاً أو غير صادقٍ، فمثال وقوع الحكم المفادِ موقعه من العقل على الصحة واليقين والقطع قولنا: خلق اللَّه تعالى الخلق، وأَنشأَ العالم، وأوجدَ كل موجودٍ سواه، فهذه من أحقّ الحقائق وأرسخها في العقول، وأقعدِها نسباً في العقول، والتي إن رُمْتَ أن تغيب عنها غِبتَ عن عقلك، ومتى هَمَمْتَ بالتوقُّف في ثبوتها استولى النَّفْي على معقولك، ووَجَدْتَك كالمرميِّ به من حالق إلى حيث لا مقرّ لقَدَم، ولامساغ لتأخُّر وتقدُّم، كما قال أصدق القائلين جَلَّت أسماؤه، وعظمت كبرياؤه: " وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أْو تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ " " الحج: ٣١ "، وأمَّا مثالُ أن توضع الجملة على أن الحكم المُفَاد بها واقعٌ موقعَه من العقل، وليس كذلك، إلا أنه صادِرٌ من اعتقادٍ فاسدٍ وظنّ كاذب، فمثلُ
стр. 383
ما يجيء في التنزيل من الحكاية عن الكفار نحو: " وَمَا يُهْلِكُنَا إلاَّ الدَّهْرُ " " الجاثية: ٢٤ "، فهذا ونحوه من حيث لم يتكلم به قائله على أنَّه متأوّلٌ، بل أطلقه بجهله وعماه إطلاقَ مَنْ يضع الصِّفة في موضعها، لا يُوصف بالمجاز، ولكن يقال عند قائله أنه حقيقة، وهو كذبٌ وباطلٌ، وإثباتٌ لما ليس بثابت، أو نَفْيٌ لما ليس بمنتفٍ، وحكمٌ لا يصحّحه العقل في الجملة، بل يردُّه ويدفعُه، إلاّ أن قائله جَهِلَ مكان الكذبِ والبطلانِ فيه، أو جَحَد وباهَتَ، ولا يتخلَّص لك الفصلُ بين الباطل وبين المجاز، حتى تعرف حدَّ المجاز، وحدُّه أنّ كلّ جملة أَخرجتَ الحكم المُفَادَ بها عن موضعه من العقل لضربٍ من التأوُّل، فهي مجاز، ومثاله ما مضى من قولهم: فَعَلَ الربيع، وكما جاء في الخبر إنّ ممَّا يُنبِتُ الربيعُ ما يَقْتلُ حَبَطاً أو يُلِمُّ، قد أثبت الإنبات للربيع، وذلك خارج عن موضعه من العقل
لأن إثبات الفعل لغير القادر لا يصحُّ في قضايا العقول، إلاّ أن ذلك على سبيل التأوُّل، وعلى العُرْف الجاري بين الناس، أن يجعلوا الشيء، إذا كان سبباً أو كالسبب في وجود الفعل من فاعله، كأنه فاعل، فلما أجرى الله سبحانه العادةَ وأنفذَ القضِيَّة أن تُورق الأشجارُ،
стр. 384
وتظهر الأنْوار، وتلبس الأرض ثوب شبَابِها في زمان الربيع، صار يُتوهَّم في ظاهر الأمرِ ومجرى العادة، كأنّ لوجود هذه الأشياء حاجةً إلى الربيع، فأسند الفِعلَ إليه على هذا التأوُّل والتنزيل. وهذا الضرب من المجاز كثير في القرآن، فمنه قوله تعالى: " تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلّ حِينٍ بِإذْنِ رَبِّهَا " " إبْرَاهيم: ٢٥ "، وقوله عزَّ اسمه: " وَإذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إيمَاناً " " الأنفال: ٢ "، وفي الأخرى: " فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هذِهِ إيمَاناً " " التوبة: ١٢٤ "، وقوله: " وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا " " الزلزلة: ٢ "، وقوله : " حَتَّى إذَا أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّت " " الأعراف: ٥٧ "، أثبتَ الفعلَ في جميع ذلك لما لا يثبُت له فعلٌ إذا رجعْنَا إلى المعقول، على مَعْنى السَّبب، وإلاّ فمعلومٌ أن النخلة ليست تُحدث الأُكُل، ولا الآياتُ تُوجد العلم في قلب السامع لها، ولا الأرضُ تُخرج الكامن في بطنها من الأثقال، ولكن إذا حَدَثت فيها الحركةُ بقدرة اللَّه، ظهر ما كُنِزَ فيها وأُودِع جوفهَا، وإذا ثبت ذلك فالمبطِلُ والكاذبُ لايتأوَّل في إخراج الحكم عن موضعه وإعطائه غير المستحق، ولا يشبه كونَ المقصود سبباً بكَوْن الفاعل فاعلاً، بل يُثبت القضية من غير أن ينظرَ فيها من شيءٍ إلى شيءٍ، ويردَّ فرعاً إلى أصل، وتراه أعمى أكمهَ يظنّ ما لا يصحُّ صحيحاً، وما لا يثبُت ثابتاً، وما ليس في موضعه من الحكم موضوعاً موضعه، وهكذا المتعمِّد للكذب يدّعي أن الأمر على ما وضعه تلبيساَ وتمويهاً، وليس هو من التأوُّيل في شيء. والنكتةُ أن المجاز لم يكن مجازاً لأنه إثبات الحكم لغير
стр. 385
مستحقّه، بل لأنه أثبت لما لا يستحق، تشبيهاً وردّاً له إلى ما يستحقّ، وأنه ينظر من هذا إلى ذاك، وإثباتُه ما أثبت للفرع الذي ليس بمستحقّ، ويتضمَّن الإثباتَ للأصل الذي هو المستحقّ، فلا يُتصَوَّر الجمع بين شيئين في وصفٍ أو حكم من طريق التشبيه والتأويل، حتى يُبْدَأ بالأصل في إثبات ذلك الوصف والحكم له، ألا تراك لا تقدِرُ على أن تشبّهَ الرجل بالأسد في الشجاعة، ما لم تجعل كونَها من أخصّ أوصاف الأسد وأغلبها عليه نَصْبَ عينيك وكذلك لا يُتَصوَّر أن يُثبت المثبتُ الفعلَ للشىء على أنه سببٌ، ما لم ينظر إلى ما هو راسخ في العَقْل من أن لا فِعْل على الحقيقة إلا للقادر، لأنه لو كان نَسَبَ الفعلَ إلى هذا السبب نسبةً مطلقةً - لا يرجع فيها إلى الحكم القادر، والجمع بينهما من حيث تعلّق وجوده بهذا السبب من طريق العادة، كما يتعلق بالقادر من طريق الوجوب - لما اعترف بأنه سببٌ، ولادّعى أنه أصلٌ بنفسه، مؤثّر في وجود الحادث كالقادر، وإن تجَاهَلَ متجاهلٌ فقال بذلك - على ظهور الفضيحة وإسراعها إلى مدَّعيه - كان الكلام عنده حقيقةً، ولم يكن من مسألتنا في شيء، ولحقَ بنحو قول الكُفَار: " وَمَا يُهْلِكُنَا إلاَّ الدَّهْرُ " " الجاثية: ٢٤ "، وليس ذلك المقصودَ في مسألتنا، لأن الغرض هاهنا ما وَضَعَ فيه الحكمَ واضعُه على طريق التأوُّل فاعرفه. ومن أوضح ما يدّل على أنّ إثبات الفعل للشيء على أنه سببٌ يتضمّن إثباتَه للمسبِّب، من حيث لا يُتصوَّر دون تصوُّره، أن تنظر إلى
стр. 386
الأفعال المسنَدة إلى الأدوات والآلات، كقولك قطع السكِّين وقَتل السيف، فإنك تعلم أنه لا يقع في النفس من هذا الإثبات صورةٌ، ما لم تنظر إلى إثبات الفعل للمُعْمِل الأدَاة والفاعِل بها، فلو فرضت أن لا يكون هاهنا قاطع بالسكِّين ومصرِّفٌ لها، أعياك أن تعقل من قولك قطع السكين معنى بوجه من الوجوه، وهذا من الوضوح، بحيث لا يشكّ عاقل فيه. وهذه الأفعال المسنَدة إلى من تقع تلك الأفعال بأمره، كقولك: ضَرَبَ الأمير الدرهم وبَنَى السُّور، لا تقوم في نفسك صورةٌ لإثبات الضّرْب والبِناء فعلاً للأمير، بمعنى الأمرِ به، حتى تنظر إلى ثبوتهما للمباشر لهما على الحقيقة، والأمثلة في هذا المعنى كثيرة تتلّقاك من
كل جهة، وتجدها أنَّى شئتَ. واعلم أنه لا يجوز الحكم على الجملة بأنها مجازٌ إلا بأحدِ أمرين: فإمَّا أنه يكون الشيء الذي أُثبت له الفعل مما لا يدّعي أحدٌ من المحقِّين والمبطلين أن مما يصحّ أن يكون له تأثيرٌ في وجود المعنى الذي أُثبت له، وذلك نحو قول الرجل: محبَّتُك جاءَتْ بي إليك، وكقول عمرو بن العاص في ذكر الكلمات التي استحسنها: هُنَّ مُخْرِجاتي من الشأم، فهذا ما لا يشتبه على أحد أنّه مجاز. وإمَّا أنه يكون قد عُلم من اعتقاد المتكلِّم أنه لا يُثبت الفعل إلا للقادر، وأنه ممن لا يعتقد الاعتقادات الفاسدة، كنحو ما قاله المشركون وظَنّوه من ثُبوت الهلاكِ فعلاً للدهر، فإذا سمعنا نحو قوله: هة، وتجدها أنَّى شئتَ. واعلم أنه لا يجوز الحكم على الجملة بأنها مجازٌ إلا بأحدِ أمرين: فإمَّا أنه يكون الشيء الذي أُثبت له الفعل مما لا يدّعي أحدٌ من المحقِّين والمبطلين أن مما يصحّ أن يكون له تأثيرٌ في وجود المعنى الذي أُثبت له، وذلك نحو قول الرجل: محبَّتُك جاءَتْ بي إليك، وكقول عمرو بن العاص في ذكر الكلمات التي استحسنها: هُنَّ مُخْرِجاتي من الشأم، فهذا ما لا يشتبه على أحد أنّه مجاز.
стр. 387
وإمَّا أنه يكون قد عُلم من اعتقاد المتكلِّم أنه لا يُثبت الفعل إلا للقادر، وأنه ممن لا يعتقد الاعتقادات الفاسدة، كنحو ما قاله المشركون وظَنّوه من ثُبوت الهلاكِ فعلاً للدهر، فإذا سمعنا نحو قوله:
أشاب الصغيرَ وأَفْنَى الكبي ... رَ كرُّ الغَداة ومرُّ العَشِي
وقولِ ذي الإِصبع:
أهْلَكَنَا الليلُ والنهارُ مَعًا ... والدَّهْرُ يَعْدُو مُصمِّماً جَذَعَا
كان طريق الحكم عليه بالمجاز، أن تعلم اعتقادَهم التوحيدَ، إما بمعرفة أحوالهم السابقة، أو بأن تجد في كلامهم من بَعْدِ إطلاق هذا النحو، ما يكشف عن قصد المجاز فيه، كنحو ما صَنَع أبو النجم، فإنه قال أوّلاً:
قَدْ أصبحَتْ أمُّ الخِيارِ تَدَّعي ... عليَّ ذَنْباً كلُّه لم أَصْنعِ
مِن أنْ رأت رأسِي كرأسِ الأصْلِع ... مَيَّزَ عنه قُنْزُعًا عن قُنْزُعِ
مرُّ الليالي أبْطئي أو أسرعِي
стр. 388
فهذا على المجاز وجعلِ الفعل للَّيالي ومرورها، إلاّ أنه خفيٌّ غير بادي الصفحة، ثم فَسّر وكشَف عن وجه التأوُّل وأفاد أنه بنى أول كلامه على التخيُّل فقال:
أَفْنَاه قِيلُ الله للشمس اطلُعي ... حَتَّى إذا واراكِ أُفْقٌ فارجعي
فبيَّن أن الفعل للَّه تعالى، وأنه المعيد والمبدي، والمنشئ والمفني، لأنّ المعنى في قِيل اللَّه، أمر اللَّه، وإذا جعل الفناءَ بأمره فقد صرّح بالحقيقة وبيّن ما كان عليه من الطريقة. واعلم أنه لا يصحّ أن يكون قول الكُفَّار: " وَمَا يُهْلِكُنَا إلاّ الدَّهرُ "، ومن باب التأويل والمجاز، وأن يكون الإنكار عليهم من جهة ظاهر اللفظ، وأنّ فيه إيهامًا للخطأ، كيف وقد قال تعالى بعقب الحكاية عنهم: " وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إنْ هُمْ إلاَّ يَظُنُّونَ " " سورة الجاثية: ٢٤ "، والمتجوِّز أو المخطئ في العبارة لا يوصف بالظن، إنّما الظانّ من يعتقد أن الأمر على ما قاله وكما يوجبه ظاهر كلامه، وكيف يجوز أن يكون الإنكار من طريق إطلاق اللفظ دون إثبات الدهر فاعلاً للهلاك، وأنت ترى في نصّ القرآن ما جرى فيه اللفظ على إضافة فعل الهلاكِ إلى الريح مع استحالة أن تكون فاعلةً، وذلك قوله : " مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ " " آل عمران: ١١٧ "، وأمثال ذلك كثير
стр. 389
ومَن قدح في المجاز، وهمَّ أن يصفَه بغير الصدق، فقد خَبَط خَبْطاً عظيماً، ويَهْرِفُ بما لا يخفى، ولو لم يجب البحث عن حقيقة المجاز والعناية به، حتى تُحصَّل ضروبه، وتُضبَط أقسامه، إلا للسلامة من مثل هذه المقالة، والخلاص ممَّا نحا نحوَ هذه الشُّبْهة، لكان من حقّ العاقل أن يَتَوفَّر عليه، ويصرف العناية إليه، فكيف وبطالبِ الدِّين حاجةٌ مَاسَّةٌ إليه من جهات يطول عدُّها، وللشيطان من جانب الجهلِ به مداخلُ خفَّيةٌ يأتيهم منها، فيسرق دِينَهُم من حيث لا يشعرون، ويُلقيهم في الضلالة من حيث ظنّوا أنهم يهتدون؟ وقد اقتسمهم البلاء فيه من جانبى الإفراط والتفريط، فمن مغرورٍ مُغرىً بَنَفْيِه دَفعة، والبراءة منه جملة، يشمئزُّ من ذكره، وينبُو عن اسمه، يرى أن لزوم الظواهر فرضٌ لازمٌ، وضرب الخِيام حولَهَا حَتْمٌ واجب، وآخرُ يغلُو فيه ويُفرط، ويتجاوز حدَّه وَيخبط، فيعدل عن الظاهر والمعنى عليه، ويَسُوم نفسه التعمُّق في التأويل ولا سببَ يدعو إليه. أمَّا التفريط فما تجد عليه قوماً في نحو قوله تعالى: " هَلْ يَنْظُرُون إلاَّ أنْ يَأتِيَهُمُ الله " " البقرة: ١٢ "، وقوله: " وَجَاءَ رَبُّك " " الفجر: ٢٢ "، و: " الرَّحْمن عَلَى العَرْش اسْتَوَى " " طه: ٥ "، وأشباه ذلك من النُّبُوِّ
стр. 390
عن أقوال أهل التحقيق، فإذا قيل لهم: الإتيان والمجيء انتقال من مكان إلى مكان، وصفةٌ من صفات الأجسام، وأن الاستواء إن حُمل على ظاهره لم يصحّ إلاّ في جسم يشغَل حيِّزاً ويأخذُ مكاناً، واللَّه خالق الأماكن والأزمنة، ومنشئ كل ما تصحّ عليه الحركة والنُّقلة، والتمكن والسكون، والانفصال والاتصال، والمماسَّة والمحاذَاة، وأن المعنى على إلاَّ أن يأتيهم أمرً اللَّه وجاءَ أمْرُ ربك، وأنّ حقَه أن يعبَّر بقوله تعالى: " فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَم يَحْتَسِبُوا " " الحشر: ٢ "، وقول الرجل: آتيك من حيث لا تشعرُ، يريد أُنزلُ بك المكروه، وأفعلُ ما يكون جزاءً لسوء صنيعِك، في حال غَفْلةٍ منك، ومن حيث تأمن حُلولَه بك، وعلى ذلك قوله:
أَتَيْنَاهُم مِن أََيْمَنِ الشِّقِّ عندهُمويَأتِي الشقيَّ الحَيْنُ من حَيْثُ لا يَدْرِي
نعم، إذا قلت ذلك للواحد منهم، رأيته إن أعطاك الوِفاق بلسانه، فبين جنبيه قلبٌ يترددّ في الحيرة ويتقلّب، ونفسٌ تَفِرُّ من الصواب وتَهْرُب، وفكرٌ واقف لا يجيء ولا يذهب، يُحْضِره الطبيبُ بما يُبرئه من دائه، ويُريه المرشدُ وجه الخلاص من عميائه، ويأبَى إلا نِفاراً عن العقل، ورجوعاً إلى الجهل، لا يحضره التوفيق بقَدْر ما يعلم به أنه إذا كان لا يجري في قوله تعالى: " وَاسْئلِ القَرْيَةَ " " يوسف: ٨٢ "، على الظاهر لأجل علمه أن الجماد لا يُسأَل مع أنه لو تجاهل متجاهلٌ فادَّعى أن اللَّه تعالى خَلق الحياة في تلك القرية حتى عَقَلت السؤال، وأجابت عنه ونطقت، لم يكن قال قولاً يكفر به، ولم يزِد على شيء يُعلَم كذبه فيه فمن حقّه أن لا يَجْثِمَ هاهنا على الظاهر، ولا يضرب
следующие страницы →