Полный текст (133 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
أسواق الذهب
طبع بعد وفاته نظم أحمد شوقي بك
стр. 2
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
الحمد لله الذي علم بالقلم، وألهم نوابغ الكلم، وجعل الأمثال والحكم: أحسن أدب الأمم. وصلى الله على محمد ديمة البيان المنسجمة، وعلى موسى الكليم وعيسى الكلمة.
وبعد، فهذه فصول من النثر، وما زعمت أنها غرر زياد أو فقر الفصيح من إياد، أو سجع المطوقة على فرع غصنها المياد، ولا توهمت حين أنشأتها أنى صنعت " أطباق الذهب"، للأصفهاني -وإن
стр. 3
سميت هذا الكتاب مما يشبه اسميهما، ووسمته بما يقرب في الحسن من وسميهما- وإنما هي كلمات اشتملت على معان شتى الصور وأغراض مختلفة الخبر، جليلة الخطر، منها ما طال عليه القدم، وشاب على تناوله القلم، وألم به الغفل من الكتاب والعلم. ومنها ما كثر على الألسنة في هذه الأيام، وأصبح يعرض في طرق الأقلام وتجري به الألفاظ في أعنة الكلام؛ من مثل: الحرية و الوطن ، والأمة، والدستور، والإنسانية وكثير غير ذلك من شؤون المجتمع وأحواله، وصفات الإنسان وأفعاله أو ما له علاقة بأشياء الزمن ورجاله؛ يكتنف ذلك أو يمتزج به: حكم عن الأيام تلقيتها، ومن التجاريب استمليتها، وفي قوالب العربية وعيتها وعلى أساليبها حبرتها ووشيتها؛ وبعض هذه الخواطر قد نبع من القلب وهو عند استجمام عفوه، وطلع في الذهن وهو عند تمام صحوه وصفوه؛ وغيره- ولعله الأكثر - قد قيل والأكدار سارية، والأقدار بالمكاره جارية، والدار نائية، وحكومة السيف
стр. 4
عابثة عاتية؛ فأنا أستقيل القارئ فيه السقطات، وأستوهبه التجاوز عن الفرطات.
اللهم غير وجهك ما ابتغيت، وسوى النفع لخلقك ما نويت، وعليك رجائي ألقيت، وإليك بذلي وضعفي انتهيت.
стр. 5
الحقيقة الواحدة
يا متابع الملاحدة، مشايع العصبة الجاحدة، منكر الحقيقة الواحدة: ما للأعمى والمرآة، وما للمقعد والمرقاة، ومالك والبحث عن الله؟ قم إلى السماء تقص النظر، وقص الأثر، واجمع الخبر والخبر. كيف ترى ائتلاف الفلك، واختلاف النور والحلك وهذا الهواء المشترك، وكيف ترى الطير تحسبه ترك، وهو في شرك، استهدف فما نجا حتى هلك، تعالى الله! دل الملك على الملك!. وقف بالأرض سلها من زم السحاب وأجراها،
стр. 6
ورحل الرياح وعراها، ومن أقعد الجبال وأنهض ذراها، ومن الذى يحل حباها، فتخر له في غد جباها؟ أليس بدأها غبرات، ثم جمعها صخرات، ثم فرقها مشمخرات؟. ثم سل النمل من أدقها خلقا، وسلكها طرقا تبتغي رزقا؟ وسل النحل من ألبسها الحبر، وقلدها الإبر، وأطعمها صفو الزهر، وسخرها طاهية للبشر؟ لقد نبذت الذلول المسعفة، وأخذت في معامي الفلسفة، على عشواء من الضلال معسفة. أولا فخبرني: الطبيعة
стр. 7
من طبعها والنظم المتقادمة من وضعها، والحياة الصانعة من صنعها، والحركة الدافعة من الذي دفعها؟! عرفنا كما عرفت المادة، ولكن هدينا وضللت الجادة، وقلنا مثلك بالهيولى ولكن لم نجحد اليد الطولى ولا أنكرنا الحقيقة الأولى. أتينا العناصر من عنصرها. ورددنا الجواهر إلى جوهرها؛ اطرحنا فاسترحنا وسلمنا فسلمنا، وآمنا فأمنا؛ وما الفرق بيننا وبينك إلا أنك قد عجزت فقلت: سر من الأسرار وعجزنا نحن فقلنا: الله وراء كل ستار!!
стр. 8
الوطن
الوطن موضع الميلاد، ومجمع أوطار الفؤاد، ومضجع الآباء
стр. 9
والأجداد، الدنيا الصغرى، وعتبة الدار الأخرى، الموروث الوارث، الزائل عن حارث إلى حارث، مؤسس لبان، وغارس لجان. وحي من فان، دواليك حتى يكسف القمران، وتسكن هذي الأرض من دوران.
أول هواء حرك المروحتين، وأول تراب مس الراحتين، وشعاع شمس اغترق العين؛ مجرى الصبا وملعبه، وعرس الشباب وموكبه، ومراد الرزق ومطلبه، وسماء النبوغ وكوكبه، وطريق المجد ومركبه؛ أبو الآباء مدت له الحياة فخلد، وقضى الله ألا يبقى
стр. 10
له ولد؛ فإن فاتك منه فائت فاذهب كما ذهب أبو العلاء عن ذكر لا يفوت، وحديث لا يموت.
مدرسة الحق والواجب، يقضي العمر فيها الطالب، ويقضي وشيء منهما عنه غائب؛ حق الله وما أقدسه، وما أقدمه وحق الوالدين وما أعظمه، وحق النفس وما ألزمه؛ إلى أخ تنصفه، أو جار تسعفه، أو رفيق في رحال الحياة تتألفه، أو فضل للرجال تزينه، ولا تزيفه، فما فوق ذلك من مصالح الوطن المقدمة، وأعباء أماناته المعظمة؛ صيانة بنائه، والضنانة بأشيائه، والنصيحة لأبنائه، والموت دون لوائه، قيود في الحياة بلا عدد. يكسرها الموت وهو قيد الأبد.
رأس مال الأمم فيه من كل ثمر كريم، وأثر ضئيل أو عظيم، ومدخر حديث أو قديم؛ ينمو على الدرهم كما ينمو على الدينار، ويربو على الرذاذ كما يربو على الوابل الدرار بحر يتقبل من السحب ويتقبل من الأنهار. فيا خادم الوطن ماذا أعددت للبناء من حجر،
стр. 11
أو زدت في الغناء من شجر؟ عليك أن تبلغ الجهد، وليس عليك أن تبني السد؛ فإنما الوطن كالبنيان فقير إلى الرأس العاقل، والساعد العامل وإلى العتب الوضيعة، والسقوف الرفيعة، وكالروض محتاج إلى رخيص الشجر وثمينه. ونجيب النبات وهجينه إذ كان ائتلافه في اختلاف رياحينه، فكل ما كان منها لطيفا موقعه، غير ناب به موضعه، فهو من نوابغ الزهر قريب، وإن لم يكن في البديع ولا الغريب.
حظيرة الأعراض والعروض، ومحراب السنن والفروض،
стр. 12
سيد الأديم، صفحاته التاريخ الكريم، وبوغاؤه عظم الأبوة وإنه لعظيم، وعلى جوانبه الدولة وهي حسب الأمم الصميم؛ وثم كرائم الأموال والأنفس وهي غوال، وثم ثمرات الرجال وضنائنهم اللاتي خلف الخجال. فيا عجبا كيف يجحد الأوطان الجاحد، أو يزعم أن الأرض كلها وطن واحد؛ قضية تضحك النمل في قراها، والنحل في خلاياها؛ وتستبهم على الطير في أوكارها، وعلى السباع في أحجارها وينبئك عنها السمك إذ اتخذ من البحر وطنا شائعا، فولد مهدورا وعاش ضائعا، صغاره طرائد، وكباره موائد، ويتصيد بعضه بعضا إن أبطأ الصائد.
والوطن شركة بين الأول والآخر، وبين الحاضر والغابر، لا يرث لها عقد، وإن تطاول العهد، مؤسسة بالمهد حينا وباللحد؛ يدخلك فيها الميلاد، ولا يخرجك منها النفاد، فقد تضرم النار وأنت هامد كالرماد، وقد تحيا بك الديار وأنت بواد والحياة بواد.
стр. 13
والوطن مستودع المفاخر وصوان المآثر، وخزانة الأعلاق والذخائر، لكل متقن منها موقعه، ولا ينبو بصالح فيها موضعه؛ الهرمان لديها معظمان، "وشيخ البلد" شيخ الصناعة على الزمان؛ وعندها سيف"علي" ومغارسه، وقناة"إسماعيل" ومدارسه، وفيها القصائد البارودية، وليس فيها الخطب النديمية؛ تلك لقربها من كلام الحكمة، وهذى لبعدها عن الإتقان والحشمة؛ فيالك خزانة تميز الصحاح من الزيوف، وتعرف الضيفن من الضيوف، وتحجب العصي وتأذن للسيوف.
صحيفة الأخبار، وكتاب الأبرار، وسجل الهمم الكبار أسماء المحسنين فيه مرفوعة، وأفعالهم مثل للخلف منصوبة، وحروف بماء الذهب مكتوبة؛ فإذا أتت السنون، ودارت على الرجال المنون، ولحقت بالمشايع الشيع، وذهب المتبوع والتبع؛
стр. 14
ونامت الحرابي عن الشموس، وحيل بين النار وبين المجوس؛ انفتح كتاب الوطن من نفسه وإذا الحسنات ثم على الصدق محصاة، فلا الحصاة درة ولا الدرة حصاة؛ إذا الرجال يعظمون على الأفعال، وإذا الوقائع قد نحت منها الأبطال؛ على قدر العمل يأتي الجزاء، وبقدر جمال الأثر يكون حسن الثناء.
وليس أحد أولى بالوطن من أحد، فما"باستور" والشفاء في مصله، ولا"كمال" والحياة في نصله: أولى بأصل الوطن وفصله؛ من الأجير المحسن إلى عياله، الكاسب على أطفاله، الفادي الوطن بأشباله، وهم رأس ماله؛ فلا تتحمد على الأوطان بآثار كرم، وإن حملت عليها الهرم أو نقلت إليها إرم، فإنك لم تزد على أن أقمت جدارك؛ وحسنت دارك؛ ولا تنس أنها الآلة التي رفعتك،
стр. 15
والهالة التي أطلعتك؛ ولا تحجب ذات الوطن بذاتك، أو تطرف العيون عن وجهه بقذاتك؛ ولا تكن كالسرح العظيم إذ نسي خلقه إذ علا على الأرض وهي أمه، ماؤها عصارة عوده، وطينها جرثومة وجوده؛ حتى إذا ترعرع وكبر أخفاها وظهر، وحجب عنها الشمس والقمر؛ خلعت عليه ما نضر ورف، وألقى عليها ما يبس من الورق وجف.
والوطن لا يتم تمامه. ولا يخلص لأهله زمامه؛ ولا يكون الدار المستقلة، ولا الضيعة الخالصة الغلة؛ ولا يقال له البلد السيد المالك، وإن تحلى بألقاب الدول والممالك؛ حتى يجيل العلم فيه يد العمارة. ويجمع له بين دولاب الصناعة وسوق التجارة.
فيا جيل المستقبل، وقبيل الغد المؤمل؛ حاربوا الأمية فإنها كسح الأمم وسرطانها؛ والثغرة التي تؤتى منها أوطانها ظلمات يعربد فيها خفاش الاستبداد، وقبور كل ما فيها لضبعه غنيمة
стр. 16
وزاد؛ وتذرعوا بذرائع العلم الصحيح، اطلبوه في مدارس الزمان وحلقاته، وخذوه عن جهابذته وثقاته؛ واعلموا أن أنصاف الجهال: لا الجهل دفعوا، ولا بقليل العلم انتفعوا؛ وبنو الوطن الواحد إخوة وإن ذهب كل فريق بكتاب، ووصلت كل طائفة من باب؛ واتبع أناس الإنجيل، وأناس اتبعوا التنزيل؛ وكل بلاد تسوسها حكومة فاضلة، وتقيدها القوانين العادلة، وتعمرها جماعة عاقلة عاملة، إنما يفرق فيها بين الوطن الذي هو الحياة وشئونها، والدنيا وشجونها، والحكومة نظمها وقانونها، والمملكة سهولها وحزونها، والدولة أطرافها وحصونها؛ مبين الدين الذي هو السماء الرفيعة، والذروة المنيعة؛ ولاية الضمائر وسياسة السرائر.
وما وطن المحسنين إلا الأسرة الكبرى، والسقف الواحد والمنزل الحاشد، القوم في ظلاله، على البر وخلاله؛ إخوان متصافون، وأهل متناصفون، وجيران متآلفون، قصد في البغضاء، وبعد
стр. 17
عن الشحناء؛ ألسنة عفيفة العذبات، وصدور نظيفة الجنبات؛ تراهم كالنحل إن سولمت عملت العسل، أو حوربت أعملت الأسل؛ فاطبع اللهم كنانتك على هذا الغرار، وأعدها كما بدأتها محلة الأبرار. واجعل أبناءنا أحرارا ولا تجعلهم أنصاف أحرار.
ربنا وأنزلهم على أحكام العقول وقضايا الأخلاق، ولا تخلهم من العواطف، وإن كن عواصف؛ ولا تكلهم للأهواء فإنها هواء؛ وخذهم بروح العصر وسنة الزمان، واجعلهم حفظة العرش وحرسة البرلمان.
стр. 18
الجندي المجهول
стр. 19
ذلك الغفل في الرمم، صار نارا على علم، جمع ضحايا الأمم،
стр. 20
كما جمع الكتابة القلم، أو الكتيبة العلم.
تمثال من إنكار الذات، والفناء في بقاء الجماعات، وصورة من التضحية المبرأة من الآفات، المنزهة عن انتظار المكافأة، وهيكل على الواجب من عظام أو رفات؛ تقرأ على صفحاته العجب العاجب تفسير الجلالين من موت وواجب. وتنتقل من آية إلى آية، وترى كيف جرى الإيثار للغاية. وكيف سالت النفوس على جنبات الراية.
ولا يعلم إلا الله لمن الجيفة المحفوظة، أو تلك البقايا المصونة المحفوظة؛ ألرعديد، أم لصنديد؟ ولبطل مشوق، أم لمكره مسوق؟ ولشيطان استعماري، أم هي لربي حواري؟ ولمغمور من سواد الجند، أم لمأثور من بيض الهند؟ وهل كانت لبدة أسامة، أم كانت جلدة النعامة؟ وهل هي هيكل المتنبي أم وعاء أبي دلامة.
стр. 21
وكيف تعرف جثة نكرتها الأيام، وسارت الأرض فيها سنتها في الرمام، إلى أن وقعت عليها يد في الرجام، كما تقع على النصيب الرابح يد الغلام؛ فخرجت بها من غمرة المم، وحفرة الأمم، وبؤرة العدم.
وإذا هي تنفصل عن سواد الهامدين، وتتصل بالأفراد الخالدين؛ تهجر مغمورات الكفور، وتعمر مشهورات القبور؛ وبين ذلك جنازة للعصر حولها ضجة، وللأرض تحتها رجة، مواكبها ملء اليبس واللجة؛ أعلام منكوسة، وقنا صم، وكتائب خرس، وأنعام محزونة، ودموع مذروفة زملوك أو رسل ملوك، وبرق يروح ويغدو في السلوك، وينعي الزاجلية والألوك؛ فهل شيعت نابليون، أو ولنجتون، وهل بلغت هوجو البانثيون؛ سوى الحظ بين هؤلاء، وبين النكرة في الأشلاء، وأجزل للقيط الموتى من العطاء، كما يجزل أحيانا للقطاء.
стр. 22
إسأل العصر: فيم نبش القبور، وقلب الهامدين البور، من أجل هذا الشلو المتبور؛ حتى التقطه بيد الحظ الوهوب، أو يد السيارة المباركة على ابن يعقوب؟ (يجبك) : أليس كل من شهد النفير العام فهو ذائد الوطن وحاميه! وكل من وجد في الحفير الجامع فهو مشتريه بمهجته وفاديه، مجهول بذل المجهود، وجاد بالنفس وذلك أقصى الجود، في موطن سوى بين القائد والمقود، والسائد والمسود، توحدت النار وتشابه الوقود؛ وما حمل أعباء الجهاد مثل الميت، كالأساس دفن فكان قوام البيت.
كل حي يموت، وكل ذخيرة تفوت، وكل راحل عن قومه وإن وجدهم بالأمس شتى فألف، أو نكرات فعرف وخلف فيهم من فضل ما خلف، لا يسلم على الموت من حاسد يزور في الصحيفة، أو حاقد يتشفى بالجيفة؛ فيا لك مضغة تقرض الكفن الجديد، وتسبق
стр. 23
الدود إلى الصديد، إلا هذا الجندي المجهول، فقد خلت جنازته من الهامس والهامز، والغامط والغامز؛ فقل لمن لم يعرفه من الناس: طوبى لك، ما أنعم بالك، وما أنقى كفنك وسربالك.
قبر بين"حنية النصر"، وبنية النسر، وفوق طريق العصر، لو كان لعيسى ضريح، لقلت قبر المسيح، كل جريح إليه يستريح، يقف به المحزون المتهالك، يقول هذا كله قبر مالك"؛ وكأن كل أخت حوله الخنساء، وتحت ذلك الحجر صخر؛ وكل أم ذات النطاقين أسماء، وعبد الله في ذلك القبر؛ دروس عالية تلقى على الشياب، تعلمهم كيف جعل آباؤهم حماية الغاب، فوق تفاتن الأحزاب، وفتنة الأسماء والألقاب؛ حتى قرب تقديس الوطن الكريم، من عبادة العلي العظيم؛
стр. 24
وحتى تقربوا على الأوطان، بالذبح المنكر، كما ذكر اسم الله على القربان، واسم القربان لم يذكر.
والمجد أبعد أسفار الرجال، وله أزواد وله رحال؛ جهاد طويل، وصبر جميل، وعقبات بكل سبيل؛ والجندي المجهول ما سار من لحد إلى لحد، حتى رقي أسوار المجد، ودخل مملكة الخلد، وكان الطريق نقيا من الشوك وكله ورد ح ذهب ﵀ لا عن ولد يرمينا بجنادل أبيه، ولا أخ يسحب علينا أكفان أخيه، وكفانا تجني الشيعة، وإدلال الصنيعة، وكل حرباء يتسلق الناس شجرا إلى الشمس، يعبدها على مناكبهم من المهد إلى الرمس.
стр. 25
قناة السويس
стр. 26
تلكما يا ابني القناة، لقومكما فيها حياة، ذكرى إسماعيل ورياه، وعليا مفاخر دنياه، دولة الشرق المرجاة، وسلطانه الواسع الجاه؛ طريق التجارة، والوسيلة والمنارة، ومشرع الحضارة.
تعبرانها اليوم على مزجاة، كأنها فلك النجاة؛ خرجت بنا بين طوفان الحوادث وطغيان الكوارث؛ تفارق برا مغتصبه مضري الغضبة، قد أخذ الأهبة، واستجمع كالأسد للوثبة، وتلاقى بحرا جنت جواريه، ونزت بالشر نوازية، وتمثلت بكل سبيل عواديه؛ مملوءا ببغتات الماء، مترعا بفجاءات السماء؛ من نون ينسف الدوارع أو طير يقذف البيض مصارع.
стр. 27
فقلت: سيري عوذتك بوديعة التابوت، وبصاحب الحوت، وبالحي الذي لا يموت؛ وأسري يا ابنة اليم زمامك الروح، وربانك نوح، فكم عليك من منكوب ومجروح إن للنفي لروعة، وإن للنأي للوعة، وقد جرت أحكام القضاء، بأن نعبر هذا الماء؛ حين الشر مضطرم، واليأس محتدم، والعدو منتقم، والخصم محتكم، وحين الشامت جذلان مبتسم، يهزأ بالدمع وإن لم ينسجم، نفانا حكام عجم، أعوان العدوان والظلم، خلفناهم يفرحون بذهب اللجم، ويمرحون في أرسان يسمونها الحكم.
ضربونا بسيف لم يطبعوه، ولم يملكوا أن يرفعوه أو يضعوه، سامحهم في حقوق الأفراد، وسامحوه في حقوق البلاد، وما ذنب السيف إذا لم يستحي الجلاد.
стр. 28
ماذا تهمسان؟ كأني أسمعكما تقولان: أي شيء بدا له، على هذه الضاحية؟ وماذا شجا خياله، من هذه الناحية؟ وأي حسن أو طيب، لملح يتصبب في كثيب؟ ماء عكر، في رمل كدر، قناة حمئة، كأنها قناة صدئة؛ بل كأنها وعبريها رمال، بعضها متماسك وبعضها منهال، وكأن راكب البحر مصحر، وكأن صاحب البر مبحر.
رويدكما ليس الكتاب بزينة جلده، وليس السيف بحلية غمده؛ تلك التنائف، من تاريخكم صحائف؛ وهذه القفار، كتب منه وأسفار؛ وهذا المجاز هو حقيقة السيادة ووثيقة الشقاء أو السعادة؛ خيط الرقبة، من اغتصبه اختص بالغلبة، ووقف للأعقاب عقبة؛ ولو سكت لنطقت العبر، وأين العيان وأين الخبر؛ أنظرا تريا على
стр. 29
العبرين عبرة الأيام: حصون وخيام، وجنود قعود وقيام؛ جيش غيرنا فرسانه وقواده، ونحن بعرانه وعلينا أزواده؛ ديك على غير جداره، خلاله الجو فصاح؛ وكلب في غير داره، انفرد وراء الدار بالنباح.
القناة وما أدراكما ما القناة؟ حظ البلاد الأغبر، من التقاء الأبيض والأحمر؛ بيد أنها أحلام الأول، وأماني الممالك والدول، الفراعنة حاولوها، والبطالسة زاولوها، والقياصرة تناولوها، والعرب لأمر ما تجاهلوها؛ إلى أن جرى القدر لغايته، وأتى إسماعيل بآيته، فانفتح البرزخ بعنايته والتقى البحران تحت رايته، في جمع من التيجان لم يشهده إكليله قد كان يتوج فيه لو شهدته جيوشه وأساطيله؛ وما إسماعيل إلا قيصر، لو أنه وفق، والإسكندرية، لو لم يخفق؛ ترك لكم عز الغد، وكنز الأبد، والمنجم الأحد والوقف
стр. 30
الذي إن فات الوالد فلن يفوت الولد.
ماذا على هذه الرمال، من لمحات جلال وجمال؟ ارجعا القهقرى بالخيال، إلى العصر الخال؛ واعرضا في حداثتها الأجيال؛ تريا على هذا المكان وجوها تتمثل، وركابا تتنقل وتريا النبوة تتهلل، والآيات تتنزل، وتريا الملك يترجل حتى كأنكما بالزمان الأول؛ فها هنا وضع للنبوة المهد، وابتدأ بها العهد. فأقبل صاحب المقام، ومحطم الأصنام، وبناء البيت الحرام، خليل ذي الجلال
стр. 31
والإكرام. هاجر إلى مصر أكرم من هاجر.
ومن هذه الثنيات طلع يوسف يرسف في القيد، وهو للسيارة يسير من كيد إلى كيد؛ قلب جرحته الأخوة، وجنب قرحته النسوة؛ فبالك يوسف من أسوة؛ عز بعد هون، ودولة بعد المنزل الدون، وشئون أقدار وشجون، وسهول حياة وحزون، وسجوف القصور بعد السجون؛ إلى سجود الشمس لك والقمر، والكواكب الأخر.
وإلى هذا الفضاء خرج موسى حين زيل زويله وطلبه قتيله، وزين له الفرار خليله؛ فحوته هذه الرمال فإذا الأمن سبيله. واليمن دليله، والسلامة زاملته والسلم زميله؛ ولو أطلعه الله على غيبه، للمس النبوة بين يده وجيبه، إلى أن رفع له المنار، واكتحل بالنور واقتبس من النار، وقيل له كن من الأحرار الأحبار، وارجع فسلط الحق على فرعون الجبار، فكان ﵇ أول من اقتحم على الفرد جبروته، وهتك على المستبد طاغوته، وخطم المتأله وحطم عظموته؛ ماء الحق على لطفه، ظفر بنار الباطل على عنفه؛ ظهر العدل
стр. 32
على الحيف. وكسرت العصا السيف.
وعلى هذه الأرض مشت السماء الطاهرة، والنيرة الزاهرة، والآية المتظاهرة؛ أم الكلمة، وطريدة الظلمة؛ سرحوا في عرضها فأخرجوها من أرضها، فضربت في طول الأرض وعرضها؛ يوسف حاديها، وجبريل هاديها، والقدس ناديها، والطهارة أرجاء واديها؛ وعلى ذراعها مصباح الحكمة، وجناح الرحمة، والإصباح من الظلمة؛ حتى هبطت به أكرم الأديم، فنشأ بين الحكيم والعليم. وترعرع حيث ترعرع بالأمس الكليم.
فيا لك من دار، لعبت على عرصاتها الأقدار، ناويت موسى، القريب؛ وآويت عيسى، الغريب، نبوت بالنبي وحبوت الأمن عيسى وهو صبي، عذرك لا تنضى إليه المطي فإنما غضبت لابنك القبطي.
ثم انظرا تريا إبلا صعابا، وخيلاً عرابا، وتريا الرعاة انقضوا على الوادي ذئابا، فأخافوا القرى الآمنة، أخرجوا من مصر الفراعنة. واستبدوا بالملك فيها آونة.
стр. 33
وتريا الوحوش الضارية، والجوارح الكاسرة، يقودها شر الأكاسرة، ملأت هذه الفجاج، وكأنها حرجات الساج، أو حركات الأمواج؛ ثم تدفقت تكتسح الديار، باغية السيف طاغية النار، تدك الهياكل والمعاقل، وتهتك العقائد والعقائل.
وتريا الإسكندر الكريم، قد لمع كالصارم من هذا الصريم؛ يحمل الحملات النجائب. ويفتح بالكتب والكتائب.
وتريا ابن العاص والصحابة، مروا من هذه الأرجاء مر السحاب؛ يفتحون للحق، ويفتكون بالرق؛ حتى أخلوا القصور من القياصرة، وأراحوا مصر الصابرة، من صلف الجبابرة.
وتريا صلاح الدين يخفى كالبدر ويبدو، ويروح كالغيث ويغدو؛ بعوث بلا عدد، ومدد إثر مدد، وذخائر وعدد، وبشرى كل يوم بفتوح جدد.
стр. 34
وتريا"نابليون" قد ركب طيشه، وأركب الغرر جيشه.
وتريا إبراهيم بن علي مشهور الجزار، موفور الجهاز، ملك سوريا وضبط الحجاز.
وتريا إسماعيل بعث الحاشرين، وحشد الحافزين، وقرب المسافة للمسافرين؛ غير وجه السفر، فقيل: بلغ غاية الظفر، وقيل: وقع الحافر فيما حفر.
ثم انظرا اليوم تريا القناة في يد القوم إن أمنوا ركزوها، وإن خافوا هزوها.
стр. 35
الذكرى
قل لا أعرف الرق، وتقيد بالواجب وتقيد بالحق؛ الحرية وما هيه؟ "الحميراء" الغالية، فتنة القرون الخالية، وطلبة النفوس العالية؛ غذاء الطبائع، ومادة الشرائع، وأم الوسائل والذرائع؛ بنت العلم إذا عم، والخلق إذا تم، وربيبة الصبر الجميل والعمل الجم؛ الجهل يئدها، والصغائر تفسدها، والفرقة تبعدها؛ تكبيرة الوجود، في أذن المولود؛ وتحية الدنيا له إذا وصل، وصيحة الحياة به إذا نصل؛ هاتف من السماء يقول له: يا ابن آدم؛ حسبك من الأسماء عبد الله وسيد العالم، وهي القابلة التي تستقبله، ثم
стр. 36
تسره وتسربله، وهي المهد والتميمة، والمرضع الكريمة، المنجبة ك"حليمة". ألبانها حياة، وأحضانها جنات. وأنفاسها طبات. العزيز من ولد بين سحرها ونحرها، وتعلق بصدرها، ولعب على كتفها وحجرها، وترعرع بين خدرها وسترها. ضجيعة موسى في التابوت، وجاورته في دار الطاغوت،
стр. 37
والعصا التي توكأ عليها، والنار التي عشا إليها، جبلة المسيح، السيد السميح، وإنجيله، الذي حاربه جيله، وسبيله، الذي جانبه قبيله، طينة محمد عن نفسه، عن قومه، عن أمسه، عن يومه، أنساب عالية، وأحساب زاكية، وملوك بادية، لم يدنهم طاغية، وهي روح بيانه، ومنحدر السور على لسانه، الحرية، عقد الملك، وعهد الملك، وسكان الفلك، يد القلم، على الأمم، ومنحة الفكر، ونفحة الشعر وقصيدة الدهر، لا يستعظم فيها قربان، ولو كان الخليفة عثمان بن عفان، جنين يحمل به في أيام المحنة، وتحت أفياء الفتنة، وحين البغي سيرة السامة، والعدوان وتيرة العامة، وعند تناهي غفلة السواد، وتفاقم عبث القواد، وبين الدم المطلول، والسيف المسلول، والنظم المحلول، وكذلك كان الرسل
стр. 38
يولدون عند عموم الجهالة، ويبعثون حين طموم الضلالة؛ فإذا كملت مدته. وطلعت غرته، وسطعت أسرته وصحت في المهد إمرته، بدلت الحال غير الحال، وجاء رجال بيد الرجال؛ دين ينفسح للصادق والمنافق، وسوق يتسع للكاسد والنافق، مولود حمله قرون، ووضعه سنون وحداثته أشغال وشئون، وأهوال وشجون، فرحم الله كل من وطأ ومهد، وهيأ وتعهد، ثم استشهد قبل أن يشهد.
إذا أحرزت الأمم الحرية أتت السيادة من نفسها، وسعت الإمارة على رأسها، وبنيت الحضارة من أسها؛ فهي الآمر الوازع، القليل المنازع، النبيل المشارب والمنازع؛ الذي لا يتخذ شيعة، ولا صنيعة، ولا يزدهي بخديعة؛ خازن ساهر، وحاسب ماهر؛ دانق الجماعة بذمة منه وأمان، ودرهمهم في حرزه درهمان.
"فيا ليلى" ماذا من أتراب، واريت التراب؟ وأخدان أسلمت للديدان؟ عمال للحق عمار، كانوا الشموس والأقمار، فأصبحوا على أفواه الركاب والسمار؛ وأين قيسك المعول؟ ومجنونك الأول؟ حائط الحق الأطول، وفارس الحقيقة الأجول؛ أين مصطفى؟ زين الشباب، وريحان الأحباب. وأول من دفع الباب، وأبرز الناب، وزأر دون الغاب؟. . .
стр. 39
الشمس
سل الشمس من رفعها نارا، ونصبها منارا، وضربها دينارا ومن علقها في الجو ساعة، يدب عقرباها إلى يوم الساعة؟ ومن ذا الذي آتاها معراجها، وهداها أدراجها، وأحلها أبراجها، ونقل في السماء الدنيا سراجها؟ ومن الذي وكلها بهذه الكرة، وشغلها بهذه الدسكرة، حتى اتخذتها مجر ذيلها وتصرفت بنهارها وليلها؛ تنهض في السماء مستملحة، وتمشى على الأرض مصلحة، وتغدو منجحة، وتروح مرجحة؛ كل إياة، حياة أو ائتناف، حياة، وكل شعاع صانع صناع، وكل رائد مال فائد، وخير رائد؛ هي المصباح الأنور، والمغزل
стр. 40
الأدور، والمرجل الأزهر، والصباغ الأمهر، والراووق الأطهر، والطبيب الأقدر الأشهر.
الزمان هي سبب حصوله، ومنشعب فروعه وأصوله، وكتابه بأجزائه وفصوله؛ ولد على ظهرها، ولعب على حجرها وشاب في طاعتها وبرها؛ لولاها ما اتسقت أيامه، ولا انتظمت شهوره، وأعوامه، ولا اختلف نوره وظلامه؛ ذهب الأصيل من مناجمها، والشفق يسيل من محاجمها؛ تحطمت القرون على قرنها، ولم يعل تطاول السنين بسنها، ولم يمح التقادم لمحة حسنها؛ أتت دونها الأيام وهي كعاب، في غرب
следующие страницы →