← Адаб

Адаб · id 8188

أسواق الذهب

أحمد شوقي

Полный текст (133 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

تسره وتسربله، وهي المهد والتميمة، والمرضع الكريمة، المنجبة ك"حليمة". ألبانها حياة، وأحضانها جنات. وأنفاسها طبات. العزيز من ولد بين سحرها ونحرها، وتعلق بصدرها، ولعب على كتفها وحجرها، وترعرع بين خدرها وسترها. ضجيعة موسى في التابوت، وجاورته في دار الطاغوت،

стр. 37

والعصا التي توكأ عليها، والنار التي عشا إليها، جبلة المسيح، السيد السميح، وإنجيله، الذي حاربه جيله، وسبيله، الذي جانبه قبيله، طينة محمد عن نفسه، عن قومه، عن أمسه، عن يومه، أنساب عالية، وأحساب زاكية، وملوك بادية، لم يدنهم طاغية، وهي روح بيانه، ومنحدر السور على لسانه، الحرية، عقد الملك، وعهد الملك، وسكان الفلك، يد القلم، على الأمم، ومنحة الفكر، ونفحة الشعر وقصيدة الدهر، لا يستعظم فيها قربان، ولو كان الخليفة عثمان بن عفان، جنين يحمل به في أيام المحنة، وتحت أفياء الفتنة، وحين البغي سيرة السامة، والعدوان وتيرة العامة، وعند تناهي غفلة السواد، وتفاقم عبث القواد، وبين الدم المطلول، والسيف المسلول، والنظم المحلول، وكذلك كان الرسل

стр. 38

يولدون عند عموم الجهالة، ويبعثون حين طموم الضلالة؛ فإذا كملت مدته. وطلعت غرته، وسطعت أسرته وصحت في المهد إمرته، بدلت الحال غير الحال، وجاء رجال بيد الرجال؛ دين ينفسح للصادق والمنافق، وسوق يتسع للكاسد والنافق، مولود حمله قرون، ووضعه سنون وحداثته أشغال وشئون، وأهوال وشجون، فرحم الله كل من وطأ ومهد، وهيأ وتعهد، ثم استشهد قبل أن يشهد. إذا أحرزت الأمم الحرية أتت السيادة من نفسها، وسعت الإمارة على رأسها، وبنيت الحضارة من أسها؛ فهي الآمر الوازع، القليل المنازع، النبيل المشارب والمنازع؛ الذي لا يتخذ شيعة، ولا صنيعة، ولا يزدهي بخديعة؛ خازن ساهر، وحاسب ماهر؛ دانق الجماعة بذمة منه وأمان، ودرهمهم في حرزه درهمان. "فيا ليلى" ماذا من أتراب، واريت التراب؟ وأخدان أسلمت للديدان؟ عمال للحق عمار، كانوا الشموس والأقمار، فأصبحوا على أفواه الركاب والسمار؛ وأين قيسك المعول؟ ومجنونك الأول؟ حائط الحق الأطول، وفارس الحقيقة الأجول؛ أين مصطفى؟ زين الشباب، وريحان الأحباب. وأول من دفع الباب، وأبرز الناب، وزأر دون الغاب؟. . .

стр. 39

الشمس سل الشمس من رفعها نارا، ونصبها منارا، وضربها دينارا ومن علقها في الجو ساعة، يدب عقرباها إلى يوم الساعة؟ ومن ذا الذي آتاها معراجها، وهداها أدراجها، وأحلها أبراجها، ونقل في السماء الدنيا سراجها؟ ومن الذي وكلها بهذه الكرة، وشغلها بهذه الدسكرة، حتى اتخذتها مجر ذيلها وتصرفت بنهارها وليلها؛ تنهض في السماء مستملحة، وتمشى على الأرض مصلحة، وتغدو منجحة، وتروح مرجحة؛ كل إياة، حياة أو ائتناف، حياة، وكل شعاع صانع صناع، وكل رائد مال فائد، وخير رائد؛ هي المصباح الأنور، والمغزل

стр. 40

الأدور، والمرجل الأزهر، والصباغ الأمهر، والراووق الأطهر، والطبيب الأقدر الأشهر. الزمان هي سبب حصوله، ومنشعب فروعه وأصوله، وكتابه بأجزائه وفصوله؛ ولد على ظهرها، ولعب على حجرها وشاب في طاعتها وبرها؛ لولاها ما اتسقت أيامه، ولا انتظمت شهوره، وأعوامه، ولا اختلف نوره وظلامه؛ ذهب الأصيل من مناجمها، والشفق يسيل من محاجمها؛ تحطمت القرون على قرنها، ولم يعل تطاول السنين بسنها، ولم يمح التقادم لمحة حسنها؛ أتت دونها الأيام وهي كعاب، في غرب

стр. 41

الشباب، تصبح تبرز من حجاب، وتمسي تتوارى بحجاب؛ طالما ردت الغربان حمائم ونسجت الثلاث العمائم، وغزلت الأكفان، لحي فان، وطلعت على عزب وغربت على بان، قامت على غير قدم، حتى طال عليها القدم، وقيل: ما لهذه عدم، كلا لتخرن عمادا، ولتذهبن رمادا، وليبعثن الله جمادا.

стр. 42

الموت راكب الأعواد إلى أين؟ يا بعد غاية البين، ويا قرب الميلاد من الحين؛ ويح قومك! هل انتبهوا من نومك، ولمسوا عبرة الدهر بيومك؟ حملوك على حدباء، يقعد الأبناء منها مقعد الآباء، هي أعدل - إذ تضع- من حواء تلقي حملها فإذا الملك والسوقة سواء؛ حقيبة المنية كل يوم في ركاب، من مناكب ورقاب، نحمل الشيب و الشباب ، إلى رحى البلى في اليباب، فيدور عليهم الدولاب فإذا هم حصى وتراب؛ ومن عجب يعدلونها بك إلى السبيل، وما هي لعمر أبيك إلا الدليل،

стр. 43

في موكب غير ذي صوت، أضفى عليه جلاله الموت؛ أنت فيه جد في لعب، وصدق في كذب؛ لك فيه علو المتبوع في التبع، واللواء في الخميس والخطيب في الجمع، بيد أن ذلك لا يمنعك من الأرض، ولا ينفعك يوم العرض، لست والله صاحب الآخرة، وإن كنت صاحب الجنازة الفاخرة حتى تشيع بيتيم بعدك مضيع، أو بائس من ورائك يائس، أو وطن يبكيك عقلاؤه، ويضج عليك فضلاؤه، ويمشى بنورك أبناؤه، ويضيء حفرتك ثناؤه، انظر-رحمك الله- هل ترى غير باك كضاحك المزن، ليس وراء دمعه حزن؟ أو وارث مشغول بما ملك، أو فضولي يسأل كم ترك؟ زخرف جنازة، وينفض دون المفازة، وضجة الخروج إلى الدنيا وزورها، وآخر عهدك بباطل الحياة

стр. 44

وغرورها، ولو أطللت على فانٍ حملك، وباطلٍ بالأمس شغلك، وقليل متاع قتلك، ثم لم يبق لك: لم تر غير حلم بتر، وملعب ستر، وماء عبر، وظل هجر، ومال خسر، ووارث منشمر؛ يسيرون بك إلى المنفرق وسواء الطرق؛ ويأخذون بك ناحية الحق، وسبيل الخلق، وقصبة السبق، هوة البلى، وغمرة الفلا؛ والميعاد، ومدينة عاد، وعرصات المعاد، والبلد الذي ابيضت فيه الأكباد، وخلفت بظاهره الأحقاد، وصحا الفؤاد، عن الأموال والأولاد؛ كل مكان فيه مضجع، وكل زمان فيه رقاد، ثم إذا أنت ببيت، لا ينزله إلا ميت؛ اختطه الباطل وبناه، لنزول الحق وسكناه؛ كل

стр. 45

حجر فيه من جدار، مشاع بين الدار والدار؛ حتى إذا أطرق الجمع، وأطلق الدمع، وفرق البصر والسمع؛ قذف ما في السرير، فتلقفه الحفير، ووكلت لمنكر ونكير، لا بل لرحمة الملك القدير. فيا عبد المال، أضرك أنك عتقت؟ ويا أسير الآمال، أم سرك أنك أطلقت؟ ويا كثير التحول والتقلب، قلب إن استطعت جنبيك؛ ويا مديم التطلع والتطلب، اطلب من البلى نور عينيك؛ ويا مزحزح الصم الصلاب زحزح عن رأسك هذه الظلمة؛ ويا فاتح المغالق الصعاب، افتح لك اليوم ثلمة. كأني والله بالدهر وقد خلا، وبالمخزون وقد سلا، وكأني بك وقد فرغ منك الثرى وقامت عنك الرحى فإذا أنت عظام، كما اخترط العنقود؛ ثم إذا أنت رغام، جف الماء وذهب العود.

стр. 46

دعاء الصلاة العامة اللهم قاهر القياصر، ومذل الجبابر، وناصر من لا له ناصر؛ ركن الضعيف ومادة قواه، وملهم القوي خشيته وتقواه، ومن لا يحكم بين عباده سواه؛ هذه كنانتك فزع إليك بنوها، وهرع إليك ساكنوها؛ هلالا وصليبا، بعيدا وقريبا، شبانا وشيبا، نجيبة ونجيبا؛ مستبقين كنائسك المكرمة، التي رفعتها لقدسك أعتابا، ميممين مساجدك المعظمة، التي شرعتها لكرمك أبوابا؛ نسألك فيها بعيسى روح الحق، ومحمد نبي الصدق، وبموسى الهارب من الرق؛ كما نسألك بالشهر

стр. 47

الأبر والصائمية، وليله الأغر والقائمية، وبهذه الصلاة العامة من أقباط الوادي ومسلميه: أن تعزنا بالعتق إلا من ولائك، ولا تذلنا بالرق لغير آلائك، ولا تحملنا على غير حكمك واستعلائك. اللهم إن الملأ منا ومنهم قد تداعوا إلى الخطة الفاضلة والكلمة الفاصلة، في قضيتنا العادلة، فآتنا اللهم حقوقنا كاملة؛ واجعل وفدنا في دارهم هو وفدك، وجندنا الأعزل إلا من الحق جندك؛ وقلده اللهم التوفيق والتسديد واعصمه في ركنك الشديد. أقم نوابنا المقام المحمود، وظللهم بظلك الممدود، وكن أنت الوكيل عنا توكيلا غير محدود، سبحانك لا يحد لك كرم ولا جود، ويرد إليك الأمر كله وأمرك غير ممدود؛ واجعل القوم محالفينا ولا تجعلهم مخالفينا، واحمل أهل الرأي فيهم على رأيك فينا. اللهم تاجنا منك نطلبه، وعرشنا إليك نخطبه، واستقلالنا التام بك نستوجبه؛ فقلدنا زماننا، وولنا أحكامنا، واجعل الحق إمامنا، وتمم لنا الفرح، بالتي ما بعدها مقترح ولا وراءها مطرح؛ ولا تجعلنا اللهم باغين ولا عادين، واكتبنا في الأرض من المصلحين، غير المفسدين فيها ولا الضالين. . . آمين.

стр. 48

الشباب الشباب أيام آذار، ودولة العذار، وأعنة الأوطار وليلة العرس في هذه الدار، سنة كالطيف سراها، وكقبلة الخلس حلم كراها، ونشوة يتلفت المستفيق لا يراها، وجنة لو خير المقبل بالعقل اشتراها، العشق في غير جناحه، طائر لا ينهض به جناح؛ والكأس من غير راحة غبية الساقي بليدة الراح؛ والمال في غير خزانته غريب، ويتحول عن قريب، رؤيا الوارث في نومه، وشغله في يومه وملك يده، في غده، السلطان والدولة، والإمكان والصولة والملك وكل ما حوله، نعم إذا لم تحرز في الشباب فما هي في الحرز الحريز، ودول إذا لم تعتز به فليست في الذرا العزيز؛ ولذات إذا لم يشهدها غادتها حسرة الفوت،

стр. 49

وراوحتها فكرة الموت. أروع الشهرة ما طار في سمائه، وأمتع الصيت ما سار تحت لوائه، وأحسن الثناء ما أتى في أثنائه، ورف على قشيب ردائه؛ في مطالعه يروع النبوغ، كما تروع الشمس في البزوغ، أو الهلال الغلام في البلوغ. فيا ناهب شبابه، قاعدا للتجر ببابه، يسرف في الرحيق وحبابه ويتلف الصبا بين صبابته وأحبابه. . . أفق! تلك ذنان، لا تقوى على الإدمان، ولا يملؤها مرتين الزمان، كرم لا يوجد في الجنان، ولا ينبت في"مالقة" ولا "شمبان"، عناقيده مختضرة الثمار، مختصرة الأعمار، بريئة الخمر من الخمار حلبها الأفراح وجلبها المراح وهي فارضية الراح، لم تطأها الأقدام ولم تمسسها الراح فلا تعب الراقود، واشربه نغبة نغبة، ولا تخترط العنقود، وكله حبة حبة.

стр. 50

الخير شجرة مرآها جميل، وظلها مقيل، وأعاليها هديل وهي مذللة السبيل، الطير على جوانبها تميل، والناس في ظلها الظليل؛ فأما الطير فتنزل مجملات، وترحل غير محملات، تسقط مشفقات، وتلقط مترفقات، وتشدو بشكر الصنيع منطلقات؛ وأما الناس فلا يتئدون في الثمرة، ولا يرفهون عن الشجرة؛ يهزون أصولها بعنف، وينفضون فروعها بغير لطف؛ يساقطون الجنى، بطرف العصا، ويستنزلون الثمر برمي الحجر؛ يلمون ويلومون ويطعمون ويطعنون ويلعقون، ويلعنون؛ يجنون الثمر، ويلحون الشجر.

стр. 51

الظلم قليل المدة، كليل العدة، وإن تظاهر بالشدة، وتناهى في الحدة، عقرب بشولتها مختالة، لا تعدم نعلا قتالة، ريح هوجاء لا تلبث أن تتمزق في البيد، أو تتحطم على أطراف الجلاميد. فتبيد، جامع راكب رأسه، مخايل ببأسه، غايته صخرة يوافيها، أو حفرة يتردى فيها، سيل طاغ لا يعدم هضابا تقف في طريقه، أو وهادا تجتمع على تفريقه، جدار متداع أكثر ما يتهدد، حين يهم أن يتهدد، هو غدا خراب، وكومة من تراب، نار منقطعة المدد، وإن سدت الجدد وملأت البلد، يأكل بعضها بعضا كنار الحسد.

стр. 52

القلب يا طبيب الجماعة: قم ألق السماعة، وسل هذه الساعة من أدق اللحم صناعة، ومنح الدم المناعة؟ مضغة إذا فترت سلبت البراعة، ولبست العجز والضراعة، تدابيرك عندئذ مضاعة، وعقاقيرك مزجاة بضاعة.

стр. 53

الذكرى من البر يا قلب أن تدكر ... فمل بي على الفائت المندثر ولا تأل ذكرى ولا تدخر هلم ننشر مطوي الصفحات، ونقرب نازح اللذات، ونؤب من سفر الأيام بغائب اللبانات. أعد علي من دقات ناقوسك ترنيما كان لذيذ الحواشي رخيما، ومن دقائق ساعتك مارن في أذني قديما، فما زلت يا قلب تقضي الحقوق، وتذكر العهود فتجزيها التلفت والخفوق، حتى كأنك قلبان، قلب مع الماضي متخلف العنان، وقلب يساير ركب الزمان، بعيشك قل لي: من علمك رد الأحلام؟، ورجوع القهقرى في نواحي الأيام؟، ومن رسم لك الإلمام بدمنة عيش أو برسم غرام؟، ومن علم الدم وصل الحبال،

стр. 54

وحمل اللحم ما يوهن الجبال، من الحنين إلى سالف خال، أو البكاء على دارس بال؟ وما سلطانك يا قلب حتى تدنى الممعن في بعده، وتجده وإن تطاول العهد على فقده؟ ومن علمك أن تتحدث، وتقلب الأقدم والأحدث وتذكر الصبا وأيامه، وواديه وآرامه وبساطه ومدامه؟. . . هو الله الذي صورك فأدقك، وقدر خفوقك ودقك، ومهدك وزقك، وكتب عليك في الضلوع رقك؛ وما أنت لولا التذكر والفكر، إلا كبعض القلوب إذ هي حجر، ينفجر بالعذب ولا يعلم كيف انفجر، ولا متى نبع ولا أين انحدر أو كالأرض يذهب شجر ويأتي شجر. فلا تذكر ما غاب، ولا تشعر بما حضر.

стр. 55

شاهد الزور يا شاهد الزور، أنت شر موزور؛ ضللت القضاة، وحلفت كاذبا بالله؛ ونلت الأبرياء بأذاة، وحلت بين القصاص والجناة، والله يقول: "ولكم في القصاص حياة".

стр. 56

الصبر بعض الصبر تجلد، وثم الحزم والرضا؛ وبعض تبلد، العجز والاستخذاء، ليس الصبر غلظة القلب، وبلادة اللب؛ أو الجهل على الأقدار، وإنكار الإيراد عليها والإصدار؛ ولا هو اكتظاظ الأندية، وألفاظ تجري بالتعزية، ورجل يحدثك بالصبر، وإذا أصيب تمنى القبر؛ إنما الصبر استرجاعك في النفس الحزينة، حتى تفئ إلى السكينة وتلتجئ من نفسها إلى الطمأنينة إيمان يزع، عند الجزع وعقل يزن، إذا القلب حزن؛ ومقابلة الأحكام بالحكمة، والعلم بأن النعمة نذير النقمة؛ وبأن الدهر حالتان، والدنيا افتتان؛ وأن من لم ينتفع بالضجر رضي، وأن لكل شيء نهاية وينقضي.

стр. 57

شهادة الدراسة شهادة الحياة ما بال الناشئ وصل اجتهاده، حتى حصل على الشهادة؛ فلما كحل بأحرفها عينيه، وظفرت بزخرفها كلتا يديه؛ هجر العلم وربوعه، وبعث إلى معاهده بأقطوعة؛ طوى الدفاتر، وترك المحابر، وذهب يخايل ويفاخر، ويدعي علم الأول والآخر؟ فمن ينبيه، بارك الله فيه لأبيه، وجزى سعي معلمه ومربيه: أن الشهادة طرف السبب، وفاتحة الطلب، والجواز إلى أقطار العلم والأدب؛ وأن العلم لا يملك بالصكوك والرقاع، وأن المعرفة عند الثقات غير وثائق الإقطاع. ومن يقول له أرشده الله: إن شهادة المدرسة غير شهادة الحياة ؟.

стр. 58

فيا ناشئ القوم بلغت الشباب، ودفعت على الحياة الباب؛ فهل تأهبت للمعمعة، وجهزت النفس للموقعة، ووطنتها على الضيق بعد السعة، وعلى شظف العيش بعد الدعة؟ دعت الحياة نزال فهلم اقتحم المجال، وتورد القتال؛ أعانك الله على الحياة، إنه حرب فجاءات وغدر وبيات، وخداع من الناس ومن الحادثات؛ فطوبى لمن شهدها كامل الأدوات، موفور المعدات؛ سلاحه، صلاحه، وترسه، درسه؟ ويلبه، أدبه؛ وصمصامته استقامته؛ وكنانته أمانته؛ وحربته، دربته.

стр. 59

الحياة القبس، والنفس والروح القدس؛ ظاهرها هذه الجيفة، وباطنها النفس الشريفة؛ تبعة الذنب القديم، وأثر آدم على الأديم؛ فيا طريد القدر، ونفي الحظر، وأبا البشر؛ ما أطول ذماءك، وأدوم ماءك، وما أكثر بناتك وأبناءك، وأقل اهتمامك بهم واعتناءك! ولدت للموت، وأوجدت للفوت؛ تقسم القبس نفوسا بلا عدد. وتفرق النفس في شتى الولد؛ فليت شعري كيف استقلهما صلصالك، وكيف قويت عليهما أوصالك؟ آمنا بأنك الجد، فهل لهذا التدفق حد، أم ما لأمر الله مرد؟ الحياة كعهدك بها معصية، عن الحظيرة مقصية؛ وخلوة

стр. 60

حلوة؛ عواقبها نغص، ومشاربها غصص؛ أفعى خداعة، ولذة لذاعة؛ شوك بغض الورد، وقذى نغص الورد: أمور شتى الأعنة، وحوادث وقع وأجنة؛ فقل لمن أطال التفكير، وبالغ في النكير وكد باله، ومد بلباله، واحترق احتراق الذبالة: خل اهتمامك ناحيه ... وخذ الحياة كما هيه

стр. 61

الحياة أيضا أحق أنها هي الدم حتى يجمد؟ وأنها هي الحرارة حتى تبرد؟ وأنها هي الحركة حتى يقطعها السكون؟ وأنها هي الجاران حتى تفرق بينهما المنون؟. الحق أن افتئات الفلسفة، على ضنائن الله سفه، وأن علم الحياة عند الذي يهبها ويستردها، والذي يقصرها ويمدها، والذي يخلقها ويستجدها: والذي كل حي سواه يموت، وكل شئ ما خلاه يفوت.

стр. 62

الحياة أيضا ماذا أقول في ابنة الموت وأمه، وعلة حكمه، ونبعة سهمه ومنقعة سمه؟ وكيف القول في صاحبة، لم تملك عن خطبة ولم يبن بها عن رغبة، ولم تبن لملال صحبة أو بغضة بعد محبة؛ تسيء ولا تفرك، ولولا الموت لم تترك؟

стр. 63

اللسان مضغة لحم، في عظم؛ سماها الناس اللسان، وعظموها لفضيلة البيان ، فقوموها بنصف الإنسان؛ عضل نبت من الحلقوم وقناته، وثبت في أصل لهاته، ولبث في السجن ظمء حياته، لا يتحرك منه سوى شباته؛ رسول العقل في النقل؛ وأداة الدماغ، في البلاغ؛ وترجمان النفس في رواية العاطفة، وحكاية الصحو والعاصفة؛ الوحي على عذباته ظهر، ومن جنباته انحدر؛ فكان أول من سفر بين الخالق وبين البشر، ثم فجر بالحكمة فانفجر، ثم علم الشعر فشعر، فسبحان الذي خلقه، وعلقه، والذي قيده وأطلقه، والذي أسكنه وأنطقه. والذي يميته فيندثر والذي هو على بعثه مقتدر.

стр. 64

البيان رحيق النبيين ووإبريق العبقريين. وحظ المرزوقين ونصيب الموفقين. وذرا الجمال، وذرا الكمال، والتوفيق الذي لا ينال، بسلطان ولا مال، والخلد الذي يؤخذ باليمين وغيره يؤخذ بالشمال؛ صديق البشرية، وعدو الجبرية، حادى الإنسانية، السائق بالمطية، حتى تبلغ الطية، يمر بها على الخير وربوعه، والبر وينبوعه، ويقبل بها على الحق وقبيله، ويعدلها إلى العدل وسبيله، ويلم بها على الجمال ومغناه، وغرف لفظه تحت حور معناه ويلج بها على العواطف، حنايا الضلوع اللواطف، وهو الملك على كل اللغات، إذا انتظم سلطانه أقطار البلاغات، إذا

стр. 65

انتقل من لسان إلى لسان، في أمانةٍ من الناقل وإحسان، أسرع في مضاهاته وتمكن في جهاته، تمكن اللسان من لهاته، فكأنه التغريد أو البغام، أو منطق الأنغام، ترجع له الأمم، وإن ذهبت كل أمة بكلام.

стр. 66

المال يا مال: الدنيا أنت، والناس حيث كنت، سحرت القرون وسخرت من قارون، وسعرت النار يا نيرون، تعود الحقد أن يحالفك، وأبى الحسد أن يخالفك، وكتب على الشر أن يخالطك ويؤالفك؛ الفتنة إن حركتها اتقدت، وإن تركتها رقدت؛ والحرب وهي الحرب، تبعثها ذات لهب، منك الرياح ومنك الحطب؛ تزري بالكرام، وتغري بالحرام، وتضري بالإجرام؛ فقدانك العر والضر، ونكد الدنيا على الحر؛ حالك وحال الناس عجب: تملكهم من المهد، ويقولون أصبنا وملكنا؛ وترثهم عند اللحد، ويقولون ورثنا وتركنا! من عاش قوموه بما ملك، ومن هلك تساءلوا: كم ترك؟ المحروم من أوثقك، والضائع من أطلقك، وهما فقيران: من جمعك ومن فرقك؛ كثيرك هم وقليلك غم؛ ومع التوسط الخوف والطمع، والحرص والجشع، حذر النفاد، ورغبة في الازدياد، الملك

стр. 67

سوقة إذا نزل إليك، والسوقة ملك إذا علا عليك، أرخصت الجمال ونقصت الكمال، وخطبت لهجن الرجال هجان ربات الحجال، صويحباتك هن المفضلات، وغيرهن المتروكات المعضلات؛ العريان من ليس دونك منه سترة، والمستضعف من ليس له منك قدرة، فسبحان من قهر بك الخلق. وقهرك برجال الخلق.

стр. 68

الأهرام ما أنت يا أهرام؟ أشواهق أجرام، شواهد إجرام وأوضاح معالم، أم أشباح مظالم؟ وجلائل أبنية وآثار، أم مثال ضاحٍ من العبقرية؟ يا كليل البصر عن مواضع العبر، قليل البصر بمواقع الآيات الكبر؛ قف ناج الأحجار الدوارس، وتعلم فإن الآثار مدارس؛ هذه الحجارة حجور لعب عليها الأول، وهذا الصفاح صفائح ممالك ودول؛ وذلك الركام من الرمال، غبار أحداج وأحمال، من كل ركب ألم ثم مال،

стр. 69

في هذا الحرم درج عيسى صبيا، ومن هذا الهرم خرج موسى نبيا، وفي هذه الهالة طلع يوسف كالقمر وضيا، ووقعت بين يديه الكواكب جثيا، وههنا جلال الخلق وثبوته، ونفاد العقل وجبروته، ومطالع الفن وبيوته وههنا تتعلم أن حسن الثناء، مرهون بإحسان البناء.

стр. 70

الأمس أمس ما أمس؟ خطوة إلى الرمس، خرزة هوت عن السلك، أغلى من خرزات الملك؛ صحيفة طويت والصحف قلائل، من كتاب العمر الزائل؛ ثلمة في الجدار، وهت لها الدار، وأنت غير دار، جزء من عمرك حضرت وفاته، وقبرت بيدك رفاته، لم ترق عليه عبرة ولم تشيعه بالتفاته؛ وهو القاعدة التي يبنى عليها العمر، والحب الذي ينبت عليه الشجر، ويخرج منه الثمر؛ وهو الخبر والأثر، والكتب والسير، والأسى والعبر، وهو أبو يومك، والولد سر أبيه، وجد غدك، فاجعله النبيل في الجدود النبيه.

стр. 71

اليوم طلعت الشمس، ونفضت الخمس، من تراب أمس، وانصرف بنو الأيام من الجنازة، وقد هان عليهم اليوم الراحل، كما هان على المسافر مطوي المراحل، فلا العبرة أراقوا، ولا على العبرة أفاقوا؛ شغلتهم دنياهم وأمنوا مناياهم وألهاهم هواهم، فهلكوا دون مناهم؛ فسبحان الذي ألهى بالأمل، وشغل بالعمل، واستنهض الإنسان لأعباء اليوم فحمل؛ والذي جعل الأمس أحاديث، ومواريث؛ وجعل اليوم مجال الناهض الناهز، وجعل غدا يوم العاجز؛ فيا ابن الأيام لا تعقد مناحة الأمس، ولا تقعد تحرس الرمس؛ ولا تفسد شغل اليوم بالإرجاء، ولا تلق على غد كل الرجاء؛ واعمل في يومك ما أمكن العمل، وتمتع به ما تسنى التمتع؛ فما تعلم ما قدامك من عوائق، ولا ما دونك من بوائق، وما تدري: أعوام حياتك أم دقائق؟

стр. 72

الغد غيوب محجوبة، وحجب مضروبة، وأقدار مكتوبة؛ أعمار موهوبة، أو منهوبة، وأرزاق مجلوبة، أو مسلوبة؛ بريد الملك القهار، موعده حواشي الأسحار، أو غرة النهار؛ حملت الفجاءات نجائبه، واشتملت على المستجدات حقائبه، وبلغت مستقرها مغرباته وجوائبه؛ أقبل ففض المختوم، وظهر المكتوم، وانفجر المحتوم؛ وإذا مناع وبشائر، وإذا دولات ودوائر. واعلم يا ابن الأيام أن الغد أعده الله لك خير ما أعده، ومده لك أيمن ما مده؛ هو الشخص الثالث، في رواية الأيام والحوادث والخلف من صاحبيه والوارث؛ وهو معقد الآمال، وموعد

стр. 73

استئناف الأعمال، ومرمى همة المال، تنام الأنفس وفي إيمانها منه شك، وفي أيمانها منه صك، فاعمل له ما استطعت، وانتظره أتى أم لم يأت؛ وقل سبحان الذي أتى به، وهو قادر على طي كتابه، يوم يأتيه أمره، فلا يبرز من حجابه.

стр. 74

المسجد الحرام م الساحة الكبرى، والدار اللموم، والموسم الحاشر المنتدى والمؤتمر، ومثابة الزمر؛ إبرة المبحر، ونجم المصحر، قبلة البدوي في قفره، ووجهة القروي في كفره؛ حرم الله المطهر، وبيته العتيق المستر؛ الذي وجه إليه الوجوه، وفرض على عباده أن يحجوه؛ نظرت إليه المساجد في كل خمس، وقامت إليه قيام الحرباء إلى الشمس؛ بناه الله بمكة على فضاء زكي لم يتنفس فيه الناس، وخلا إلا من جحر أو كناس، فلا الدنيا

стр. 75

سحبت عليه غرورها، ولا النفوس نقلت فيه شرورها، ولا الحياة أزارته باطلها وزورها، لو شاء الله لبنى بيته بمصر على نهر فياض، وواد كله قطع الرياض، ولو شاء الله لاتخذ بيته بالشام بين الجداول المظللة، والربى المكللة والغصون المهدلة، والقطوف المذللة، ولو شاء الله جلت قدرته لرفع بيته على أنوف الجبابرة، ملوك الأعصر الغابرة، وفوق هام آلهتهم وهي ممهدة منضدة، في الغرف المشيدة، والقباب الممردة، ولكنه تعالى نظر إلى أم القرى، فرأى بها ذلا لعز سلطانه، وافتقارا إلى غناه وإحسانه، ورأى خشوعا يستأنس به الإيمان، وتجردا تسكن إليه العبادة، ورأى انفرادا يجري في معنى التوحيد، فأمر إبراهيم حواريه، وبنيه وخليله وصفيه: أن يرفع بذلك الوادي ركن بنيته، وينصب بين شعابه منار وحدانيته، بنيان قام بالضعف والقوة، ونهض على كاهل الكهولة وساعد الفتوة، واشتركت
следующие страницы →