Полный текст (133 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
اليوم
طلعت الشمس، ونفضت الخمس، من تراب أمس، وانصرف بنو الأيام من الجنازة، وقد هان عليهم اليوم الراحل، كما هان على المسافر مطوي المراحل، فلا العبرة أراقوا، ولا على العبرة أفاقوا؛ شغلتهم دنياهم وأمنوا مناياهم وألهاهم هواهم، فهلكوا دون مناهم؛ فسبحان الذي ألهى بالأمل، وشغل بالعمل، واستنهض الإنسان لأعباء اليوم فحمل؛ والذي جعل الأمس أحاديث، ومواريث؛ وجعل اليوم مجال الناهض الناهز، وجعل غدا يوم العاجز؛ فيا ابن الأيام لا تعقد مناحة الأمس، ولا تقعد تحرس الرمس؛ ولا تفسد شغل اليوم بالإرجاء، ولا تلق على غد كل الرجاء؛ واعمل في يومك ما أمكن العمل، وتمتع به ما تسنى التمتع؛ فما تعلم ما قدامك من عوائق، ولا ما دونك من بوائق، وما تدري: أعوام حياتك أم دقائق؟
стр. 72
الغد
غيوب محجوبة، وحجب مضروبة، وأقدار مكتوبة؛ أعمار موهوبة، أو منهوبة، وأرزاق مجلوبة، أو مسلوبة؛ بريد الملك القهار، موعده حواشي الأسحار، أو غرة النهار؛ حملت الفجاءات نجائبه، واشتملت على المستجدات حقائبه، وبلغت مستقرها مغرباته وجوائبه؛ أقبل ففض المختوم، وظهر المكتوم، وانفجر المحتوم؛ وإذا مناع وبشائر، وإذا دولات ودوائر. واعلم يا ابن الأيام أن الغد أعده الله لك خير ما أعده، ومده لك أيمن ما مده؛ هو الشخص الثالث، في رواية الأيام والحوادث والخلف من صاحبيه والوارث؛ وهو معقد الآمال، وموعد
стр. 73
استئناف الأعمال، ومرمى همة المال، تنام الأنفس وفي إيمانها منه شك، وفي أيمانها منه صك، فاعمل له ما استطعت، وانتظره أتى أم لم يأت؛ وقل سبحان الذي أتى به، وهو قادر على طي كتابه، يوم يأتيه أمره، فلا يبرز من حجابه.
стр. 74
المسجد الحرام م
الساحة الكبرى، والدار اللموم، والموسم الحاشر المنتدى والمؤتمر، ومثابة الزمر؛ إبرة المبحر، ونجم المصحر، قبلة البدوي في قفره، ووجهة القروي في كفره؛ حرم الله المطهر، وبيته العتيق المستر؛ الذي وجه إليه الوجوه، وفرض على عباده أن يحجوه؛ نظرت إليه المساجد في كل خمس، وقامت إليه قيام الحرباء إلى الشمس؛ بناه الله بمكة على فضاء زكي لم يتنفس فيه الناس، وخلا إلا من جحر أو كناس، فلا الدنيا
стр. 75
سحبت عليه غرورها، ولا النفوس نقلت فيه شرورها، ولا الحياة أزارته باطلها وزورها، لو شاء الله لبنى بيته بمصر على نهر فياض، وواد كله قطع الرياض، ولو شاء الله لاتخذ بيته بالشام بين الجداول المظللة، والربى المكللة والغصون المهدلة، والقطوف المذللة، ولو شاء الله جلت قدرته لرفع بيته على أنوف الجبابرة، ملوك الأعصر الغابرة، وفوق هام آلهتهم وهي ممهدة منضدة، في الغرف المشيدة، والقباب الممردة، ولكنه تعالى نظر إلى أم القرى، فرأى بها ذلا لعز سلطانه، وافتقارا إلى غناه وإحسانه، ورأى خشوعا يستأنس به الإيمان، وتجردا تسكن إليه العبادة، ورأى انفرادا يجري في معنى التوحيد، فأمر إبراهيم حواريه، وبنيه وخليله وصفيه: أن يرفع بذلك الوادي ركن بنيته، وينصب بين شعابه منار وحدانيته، بنيان قام بالضعف والقوة، ونهض على كاهل الكهولة وساعد الفتوة، واشتركت
стр. 76
فيه الأبوة والبنوة وفكنت ترى إبراهيم يزاول، وإسماعيل بين يديه يناول، حتى بنيا حقا أعيا المعاول، وعجز عنه الذي دمر تدمر وأبلى بابل: فانظر إلى صفاح الباطل كيف باد، وإلى آجر الحق كيف أفنى الآباد؛ وتأمل عجائب صنع النية، وكيف ظفرت لبنة التوحيد بصخرة الوثنية؛ بني البيت وإذا الجلال حجبه وأستاره، والحق حائطه وجداره، والتوحيد مظهره ومناره، والنبيون بناته وعماره، والله ربه وجاره؛ اطلعت به"صلاح"، اطلاع المشكاة بالمصباح، فزهر فأضاء البراح، وانتظم الهضاب والبطاح؛ أضوأ من الشمس ذبالة وأبهر من القمر هالة، في منازل الشرف والجلالة؛ قد حاز الله من نباهة الذكر، وفخامة السأن، ما لم يحز لقديم من معالم الحق ولا حديث - بر العبادة، وفضيلة الحج، وشرف الباني، وروعة العتق، وجلالة التاريخ؛ يقول الغواة: لو كانت الكعبة من ذهب أو فضة، ويقولون: لو كانت كبيع النصارى في عواصم الغرب: رفعة بناء،
стр. 77
وديباجة فن ووشي زخرف!. وأقول للغواة: لو تركت الكعبة على فطرتها الأولى، فلم يطول بناؤها، ولم تزين بالذهب أجزاؤها، ولم تتعدد في الزخرف أشياؤها؛ لكان بعبقريتها، وبروحانيتها أشبه؛ وأخلق؛ وفي تقدير قدسها غاية ونهاية.
стр. 78
الشهادة
قصيدة علوية الروي، مطلعها الله ومقطعها النبي؛ كلمة هي الدين، وهي كنه اليقين، وهي الحق المبين؛ أرسلها الأذان سمحة، فقرت في الأذهان أول وهلة؛ ولم لا؟ وهي الحقيقة العريانة، والصبح الذي عرض عيانه، فكفى العيون برهانه وبيانه؛ كانت شعار الداخل في الدين الجديد، وجواز الخارج إلى أقطار التوحيد؛ ولم تزل مقدمة الكتاب وفاتحة الخطاب، ومفتاح الباب، وحافة الغاب؛ إذن سهل، وحجاب سمح، وساحة فضل لا تحجب مستأذنا، ولا تتصعب على معالج، ولا تضيق بنزيل، ومن عبقرية الشهادة - أماتنا الله وإياك عليها - إن حسن الظن بالله طالما أوقع في نفوس الجماعات أنها أفضل عمل العبد عند ربه، وأنها ربما قامت مقام الأداء عن سائر الفرائض، حتى فرط المفرطون، وهم عليها يتكلون، وتكثر من الخطايا المذنبون، وهم
стр. 79
يرجون عندها النجاة ويأملون. إذا حضر الموت هونت لقاءه، وقللت هول ما وراءه، وجعلها الخائف أمنه ورجاءه، والقليل العزاء أسوته وعزاءه. وقدمها المقل بين يديه عملا يرجو جزاءه.
стр. 80
الصلاة
الطهارة
كمال الأدب الصلاة، وتمام الخدمة والتعظيم لله، عند توجه العبد إلى مولاه. شرعت وسيلة، وسنة جميلة، وصالحة وفضيلة، حكم حكمته لا تتم، حتى ينتظم النفس والجسم، فإذا جمعت نقاء الباطن والظاهر فأنت الذي صلى له وهو طاهر. ولو قصرت الطهارة على وجوه تغسل، وأرساغ تبلل، وثياب تنظف وتجمل، لكان الميت أطهر من الحي؛ فيا أصحاب الوضوء غسلتم الجوارح، فهل غسلتم الجوانح؟ ورحضتم الأطراف، فهل رحضتم الأجواف؟ طهرتم الراح من الأنجاس، فهل طهرتموها من أشياء الناس؟ ونظفتم من الطرق الأقدام، فهل نظفتموها
стр. 81
من سبل الحرام، ومسالك الإجرام؟ وتلك الوجوه الممسوحة بالماء، هل ترقرق فيها الحياء؟ وهل نقيت من وضر الرياء؟
الصلاة
لو لم تكن رأس العبادات، لعدت من صالحة العادات؛ رياضة أبدان، وطهارة أردان، وتهذيب وجدان، وشتى فضائل يشب عليها الجواري والولدان.
أصحابها هم الصابرون، والمثابرون، وعلى الواجب هم القادرون، عودتهم البكور، وهو مفتاح باب الرزق، وخير ما يعالج به العبد مناجاة الرازق، وأفضل ما يرود به المخلوق التوجه إلى الخالق؛ ولهم إليها بعد البكور رواح؛ فإذا هي تصرفهم عن دواعي الليل ومغرياته، وتعصمهم فيه من عوادي الفراغ ومغوياته، والليل خلوات وشهوات، وبيت الغوايات.
وتجزئة الوقت مع الصلاة ملحوضة، وقيمته عند الذين يقيمونها محفوظة، عودتهم أن يذكروه، ويقدروه، وأن يسوسوه في أعمالهم ويدبروه، والوقت ميزان المصالح، وملاك الأمور، ودولاب الأعمال.
стр. 82
انظر جلال الجمع، وتأمل أثرها في المجتمع، وكيف ساوت العلية بالزمع؛ مست الأرض الجباه، فالناس أكفاء وأشباه، الرعية والولاة، شرع في عتبة الله؛ خر الجمع للمناخر، فالنصف الأول كالآخر، لم يرفع المتصدر تصدره، ولم يضع المتأخر تأخره.
стр. 83
الصوم
حرمان مشروع، وتأديب بالجوع، وخشوع لله وخضوع لكل فريضة حكمة، وهذا الحكم ظاهره العذاب وباطنه الرحمة، يستثير الشفقة، ويخص على الصدقة، يكسر الكبر، ويعلم الصبر، ويسن خلال البر، حتى إذا جاع من ألف الشبع، وحرم المترف أسباب المتع، عرف الحرمان كيف يقع، والجوع كيف ألمه إذا لذع.
стр. 84
الزكاة
حزب الاشتراكية، وحزب البلشفية.
أيها الناس: أمر الله فصليتم، ونهى المال فما زكيتم؛ فرقتم بين الخمس وكلها حكم الواحد، فلكل ألف مصل مزك واحد! استسهلتم فأخذتم، واستصعبتم فنبذتم؛ فلو دخل المال في الصلاة، لأقفرت منكم مساجد الله! ولو غرم أحدكم على الشهادة، لكان به عن نطقها زهادة! أعلمتم أن الزكاة قروض؟ وأنها وقاء الأعراض والعروض؟ وأنها ليست بالعبث المفروض؟ هي مال الفقير خلستموه، ورزق المحروم حبستموه، وحق العاجز في الحياة بخستموه، وحكم الله الذي أغناكم قد دستموه؛ تقرضون الولاة، ولا تقرضون الله، وتنفقون تملقا لأهل الجاه، ولا تنفقون تعلقا بالنجاة.
стр. 85
الحج
موكب الإسلام ومظهره، ولباب حسبه وجوهره، وموسمه الحرام أشهره. مهرجانه العظيم، وعرسه الفخيم، ونديه الكريم، والنظم الذي قرن فيه الدنيا إلى دينه القويم، فجعله لها صلاحا وعمارة، وملأها بيمنه نماء ويسارة، وأفاض بركاته على التجارة؛ وسخرها لخدمته وإظهار دعوته، وجمع كلمته، وتوثيق عروته؛ فإذا أطلت أيام الحج المباركات نظرت إلى البلاد فرأيت أسواقا ماجت، ومتاجر راجت، ومطايا من مرابضها اهتاجت؛ ورأيت الحجاز مهتز المناكب، يموج بالمواكب؛ مفتر المباسم في وجوه المواسم؛ أخلفه الغيث فمطر الذهب، ويبس الزرع فطعم الرطب؛ أزواد تعد، ورحال تشد، وشرع تمد، وحاجات تنشأ وتستجد؛ وأمم أتوا من نواحي البلاد يضعون التحف المجلوبة، ويأخذون الأجر والمثوبة.
стр. 86
فيأيها المعتزم حج البيت، المشمر لأداء الفريضة: لقد أطعت، فهل استطعت؟ وأجبت فهل تأهبت؟ وهل علمت أن الإسلام شرعة السماحة، وأن رب البيت واسع الساحة؟ يعفي المريض حتى يعافى، ويقيل المعدوم حتى يجد، ولا يؤاخذ أخا الدين حتى يقضي دينه، ولا ينكر على الخائف القرار حتى تأمن السبيل، من وباء مهتاج، أو لصوص قد أخذوا الفجاج، أو حكومة جائرة تبتز الحجاج؟ كبرى الكبائر أن تلقى الله في بيته وبين وفده بمال خلسته من أحد اثنين يحبهما الله حبا جما: اليتيم - وأنت تعلم أن ماله نار، وأنه نحس الدرهم نحاسي الدينار. والفقير - وقد فرض الله له في مالك حصة سماها الزكاة، فتغابيت يا مخادع الله، وخرجت بها تحج للتظاهر والمباهاة؛ وهل علمت أن الله لا يقبل منك مالا ونفقة المطلقة، من مطل معلقة، وذو القربى وراءك جائع، والولد طريد المدارس ضائع، وتجارتك مختلة، وأمنتك معتلة؛ وجارك الضعيف يضج من حيفك، وخصيمك الأعزل يشكو سطوة سيفك؛ فإن لم يكن شيء من ذلك أو مما إليه فسر على اسم الله، وحج بيت الله، وارجع برضوان من الله.
стр. 87
خطيب المساجد
يا مرشد العابد، وراد الهوى الشارد: أعلمت أي مقام أقمت، ولأي بلاء قدمت؟ إنما ندبت للوعظ والإرشاد، وتعليم العلية والسواد، أدب المعاش والمعاد، وخلفت الخلفاء على تلك الأعواد؛ الآذان لك مرهفة، والأذهان إليك متشوقة، فماذا عندك للأتقياء من الأغنياء؛ ولكل ممول، في الصف الأول من إشارة إلى الذهب المدخر، والقريب الضجر، والوارث المنتظر؛ وإلى الخير وجمعياته، والبر وقضياته؟ وماذا أعددت للتاجر، من الوعظ الزاجر، تحضه فيه على الأمانة، وتحذره عواقب الخيانة، وتوصيه بسمعته ضنا وصيانة؟ أو الذي بذلت للعامل والصانع، من لفظ رائع ووعظ جامع، في السلوك الحسن والدعوة إليه، وإتقان العمل والحض عليه؟ وهل ذكرت للعامة أن ضرب النسوة، ضرب من القسوة؟ وأن البغي ب الطلاق ، يمقته الدين والأخلاق؟ وأن الطفل من حقه أن يهذب، لا أن يضرب ويعذب، وأن
стр. 88
يكسب عليه، لا أن يكسب هو على أبويه؟ وأن التيس لو عقل ما اتخذ نعجتين، فكيف يتزوج الفقير العاقل اثنتين!؟ أم أنت كما زعموا ببغاء لم تحفظ غير صوت، تردده إلى الموت، كلمات محفوظة، في كل مكتوبة ملفوظة، سف من خشب، وخطوب في صورة خطب؟.
стр. 89
الطلاق
أزمة تمنع أزمات، وملمة تدفع ملمات؛ دواء ساء استعماله فصار هو الداء، ودرع للتوقي عادت آلة اعتداء؛ نظم على غير أصوله متبع، عبث به الجهل حتى انقطع، وضاعت على الشارع حكمة ما شرع؛ حلال عليه بشاعة الحرام، وحق يشره إليه اللئام، ويكره عليه الكرام؛ منع الله به الظلم، رأفة بكم ورحمة؛ فما بالكم قلبتم الحكم، وعكستم الحكمة؛ تختلقون الريب، وتطلقون على غضب، وتسرحون بلا سبب؟ أيها الناس: إن كان الكتاب تسمح، فإن الحديث قد لمح؛ هبوا أن الشارع أطلق الطلاق. اتكالا على الدين والأخلاق؛ أليس الموقف موقف حذر، والمسألة فيها نظر؟ أمر تبعاته على ضمائركم، وسوء استعماله على سرائركم وفضيحة بعضكم به واقعة على سائركم! حرم الطلاق دينهم ثم حللته قوانينهم، ولكن في دائرة الحق ووجوه الرفق وبإشراف قضاة يحمون نظم الزواج من عبث الخاصة، وجهالة العامة.
стр. 90
البحر الأبيض المتوسط
سيد الماء، وملك الدأماء، مهد العلية القدماء؛ درجت الحكمة من لججه، وخرجت العبقرية من ثبجه، ونشأت بنات الشعر في جزره وخلجه؛ بدت الحقيقة للوجود من يبسه ومائه، وجرب ناهض الخيال جناحيه بين أرضه وسمائه؛ العلوم نزلت مهودها من ثراه، والفنون ربيت في حجال رباه، والفلسفة ترعرعت في ظله وذراه، "بنتاءور" ولد على عبره، و"هومير" مهد بين سحره ونحره، ونحت الألياذة من صخره، و"هيرودوت" دون متونه على ظهره، و"الإسكندر" انتهى إليه بفتحه ونصره.
стр. 91
الموسيقى دبت في أحناء هياكله، وشبت في أفياء خمائله، ثم لم يزل بها ترسل الرهبان، وترتل الأحبار والكهان حتى جاوزت الحناجر إلى المعازف، فنزلت اليراع المطرب والنحاس الهاتف؛ لم تخل ثكنة من بوق، أو طبل مدقوق؛ ولم يخل كوخ من يراع مثقوب، ولا قصر من وتر مضروب.
وعلى أديم الأبيض المتوسط مشى المثال الأول، وبحجارته وقف فتخيل؛ فلان لبانه الحجر، ودان لمنحاته الصخر حتى زين الزون بالبديع والغريب، ونثر الدمى على المحاريب وجاء في الفن بالأعاجيب؛ صنع أبو الهول، فجاء بالهول والزول؛ كان ذلك حين سائر المعمور مجاهل والناس جهال؛ عالم غافل، يهيم في أغفال.
стр. 92
فيا ناشئ الكنانة: إذا وقفت على لجة (الرمل) ، أو نقلت القدم على رملة (المكس) ؛ في أصيل لدت حواشيه، وحلى جلبابه بالذهب واشيه، وفضاء أصفر من نعي الشمس ضاحيه، وقربت لها الأكفان من زعفران نواحيه، فتبصر! هل ترى غير ساحل طيب البقعة، وأديم جيد الرقعة؟ وهل تحس غير بحر ضاحك الماء، متهلل السماء، حلو بشاشة الفضاء؛ يصحب الصحو، ويسحب الزهو، ويلهو وما عرف اللهو، وخريره تسبيح وما هو بلغو؟ لآبائك عنده - منذ ماجت أمواجه، ولجت لجاجه، وهدر عجاجه، وأنشئ للرياح شراعه وساجه - جوار
стр. 93
الأكرمين، وصحبة المحسنين، وكنف السماح الخيرين: شمس متوقدة، وطبيعة متوددة، ولجة غير متمردة، وغيره من البحار ذميم الجوار، لئيم النجار؛ ضباب مخيم وسحاب مديم؛ أعاصير مرسلة، وصواعق منزلة؛ زمن مضطرب الفصول، وطبيعة تختلف وتحول، كما تلون في أثوابها الغول.
تلك اللجة - أيها الناشئ - هي من أوطانك عنوان الكتاب ومصراع الباب، ووجه الخميلة، وظاهر المدينة، وعورة الحصن؛ وإن قوما لهم على البحر ملك، وليسلهم فيه فلك: لقوم دولتهم واهية السلك، وسلطانهم وإن طال المدى إلى هلك! ويأيها الأبيض الأغر سلام، وإن أنزلتنا عن صهوتك الأيام، وأبدلتنا من سلطانك الخافق الأعلام، بممالك من كلام، ودول من أماني وأحلام! ويا عرش الأبوة ثناء، وإن ثلك الأبناء، ثم لم يحسنوا البناء؛ أين دول كانت مطالع أنوارك، ومعاصم سوارك، وما الذي نأى بجواريها عن جوارك، وهوى بسواريها
стр. 94
في أغوارك؟ أين الفراعنة وما جدفوا من بروج مشيدة، والبطالسة وما مدوا من شرع كالصروح الممردة؟ وأين الشونات الأيوبية، والبوارج العلوية؟ هيهات! أزرى الدهر بالإسكندرية، فحجب ذلك المنار ونصب هذا الفنار، وأين الليل والنهار وأين الظلمات من الأنوار؟ ذلك كان أضوأ هالة، واسطع على التمكن في الأرض دلالة، وأضفى على مناكب البر والبحر جلالة؛ يهتدي به الداخل والخارج، ويستأمن الداب في حماه والدارج، وتنيف عليه البروج وتطيف به البوارج، وهذا سراج بيت، وذبالة زيت، وشعاع كنفس المحتضر حي ميت! ملكنا الواسع من ورائه باب ولا بواب، وسدة ولا حجاب غاب ولاناب ووكر ولا عقاب! تعاقبت عليه حكومات
стр. 95
ألقت السلاح، وألغت الإصلاح؛ تقول فتجد وتعمل فتهزل، ولا تحسن من سياسة الملك غير أن تولى وتعزل، وتجبي القطن ولا تفكر في المغزل! تخايل بالبحرية والوزير وتأتي قبل الماء بالزير!!.
стр. 96
صفة الظبي
عروس البيد، الفاتن كاغيد، بالمقلة والجيد، الفروقة الرعديد وصفته فقلت: عينان سوادهما داج، وبياضهما عاج، وإنسانهما حائر ساج، في رأس كأنه قدم الكعاب. أو كأنه خزفي من الأكواب، ركب في عنق كإبريق الشراب وله روقان، كأنهما نصلان صدئان، وكأن إبرتيهما مرود انتشر عليه الأثمد، وكأن قوائمه السمر الخفاف، وكأن زجاج أرماحها الأظلاف. كل ذلك في إهاب أغبر اللون كدر، كأنه الثوب السوي المنقدر، ليس بفضفاض ولا بالمنحسر؛ وإذا أخذه المدى فوهم؛ وثبات تنتظم الربوة والحفرة، وتثبت وجود الطفرة، وإذا قام على ظلفيه، وأرهف للرياح حرتيه، وشرع في السماء روقيه، خلته دمية محراب، أو شجيرة عليها تراب.
стр. 97
صفة الأسد
طاغية الصحراء، وجبار العراء، وأجرأ من وطئ الغبراء عرشه غابته، وحجابه مهابته، والوحدة مجلسه وصحابته؛ ابن الصحراء البكر نحتت أجلاده من صخرها، واستوقدت بأسه من حرها، وطبعته على انقباضها وكبرها؛ وكأن الصور حنجرته، وكأن نفخة الصور زمجرته؛ إذا سمعت خفتت العقائر، ولاذت الهوام بالحفائر، وطار الواقع ووقع الطائر. وصفته فقلت: هامة من أضخم القمم، جلست على المنكب العمم، ولبست تاج الشهرة في الأمم؛ وراء الهامة غفرة كأنها اللامة، هي اللبدة وهي عمامة أسامة؛ دارت على وجه كوجه الموت بادي الشرة، منقبض الأسرة؛ ذي جبهة مغبرة؛ كجبهة القتال مكفهرة؛ وكأنها صفحة السيف؛ تلقي الحتف دون الحيف، في الجبهة عيان كاللهب؛ في حجابين كالحطب؛ بينهما أنف غليظ القصية، منتشر الأرنبة؛ كأنه الأفعوان افترش الحجر، أو اضطجع في
стр. 98
هشيم الشجر؛ حول الأنف كلحة كأنها خزانة أسلحة؛ إذا انطبقت فعلى كوامن الغيوب، وإذا انفتحت فعن القضاء بارز النيوب؛ ومن عجب الخلق رأس كأنه صخرة، أو كأنه أرومة يابسة نخرة؛ ينهض به ساعد جدل، لا هزيل ولا عبل؛ كما تنهض أسطوانة الحديد على قلتها بالكثير الضخم من البناء؛ وللأسد كف كأنها المدجج، أو كأنها الحجر المدمج" إذا مست قفار الفرس قطعت نظمه، ونثرت لحمه وعظمه" كل ذلك في إهاب أغبر، وجلباب أكدر، كأنما صنعا من القفر أو قطعا من الصخر، أو كأنما كسيا لون الصحراء كما تكسى البوارج لون البحر، وإذا قام على برثنه فتمثال، وإذا انقض فهضب منهال؛ وإذا تراءى بالسهل فدعامة، وإذا طلع من الحزن فغمامة.
стр. 99
الأسد في حديقة الحيوانات
يا جار الجيزة وأسير الحديقة، سرت الهموم فلم ننم، أرقتني شؤون وشجون، وذكريات مما تركت السنون، وأرقك حز القيد، وضغط الحديد؛ وأثارك ذكر الصيد، والحنين للبيد؛ سبحان المعز بالحرية المذل بالرق؛ ما أرقك بالأسحار وكان غطيطك أرق الصحار، وفرق السمار في الأكوار وما بال زئيرك ينام عليه الطير ملء جفونه، ور يتحرك له ليل الجيزة من سكونه؛ أصبح أقل من النباح وأذل من النياح، وكان بالأمس يرعد البطاح، ويسقط من يد البطل السلاح؛ وأين أبا لبدة طلعة كانت تعقل الفرس والفارس فأصبحت يدعو العيون إليها الحارس؛ يطيف بها النشأ ولا تخيف الرشأ. عزاء ملك البيد، ابن الفاتك الصنديد، وأبا الخالة الصيد؛ وإن لم تزدني علما بالدولة كيف تزول ولا بما عند الناس للنعمة المنكوبة، والبطولة المقهورة، والأخلاق المخذولة، والعروش المثلولة، فقبلك ضاقت"أغمات" على سجينها. وأخنت" أميرجون"
стр. 100
على قطينها وأضرت (القديسة هيلانة) برهينها، أجواد نزل بهم الدهر، وأحرارأناخ عليهم الأسر، وأملاك جرى عليهم النهي والأمر؛ وأنت في صحارك أطول في الملك بنيانا، وأعرض في الأرض سلطانا، وأوسع شهرة وأنبه مكانا؛ عرشك أبا الأشبال، على السهل والجبل، وكل داب على الرمال، رعية لك أو مال؛ تمثال القوة، ومثال المروة؛ نفس بهيمة، وأخلاق عظيمة؛ ألست أبا لبدة تحمي العرينة، وتحسن عشرة القرينة، وتبني الذرية المتينة، وتعف عند الشبع، وتفضل على التبع؛ وتذهب مذهب الأقمار، فتطلع بالليل وتستسر بالنهار؛ ولك قبل البطش جلجلة منذرة، وبهنسة محذرة؛ وغيرك في السباع ختل وختر، وجاء القرن على خمر من أجل هذا ومثله في الأخلاق ضربت الأمم بك الأمثال، ونحتوا على صورتك التمثال. واستعاروا أسماءك للأبطال وأشباه الأبطال حتى قيل للإخشيدي: أسد القلب، وقيل للصليبي: قلب الأسد، شبه بك كل شجاع ولم تشبه من الشجعان بأحد؛ عطف بقلبي على صغارك أبا الأشبال، أنهم كصغاري ولدوا في الرق وشبوا على مس
стр. 101
هوانه، كلا النشأين مغلوب على دياره، مرزوء بالتشريك في وجاره، مغامر في صحراء الحياة بغير أظفاره، وألان لك فؤادي أبا لبدة هذا الذل بعد العز. وهذا الرسف في الضيق بعد المرح في السعة؛ واستأواني قيد الحديد، بعد تاج البيد. وما أسفي والله على ظفرك المقلوم، ولا على نابك المحطوم، فإني وجدت البغي ليس يدوم؛ ولست أنكر عليك شدة لم ينكرها الناس على الحضارة وهم يرون ظفرها يقطر من دم الجبل، ويرون نابها يقطر من دم الريف؛ وإنما أسفي أبا الأشبال على تلك الشخصية المتظاهرة، وتلك الروحية القاهرة؛ وعلى حضرة كأنها مجلس الحكم، ونظرة كأنها الأمر النافذ، وعلى صيحة تأتيك بالصيد مشكولاً، متهيئا من نفسه مأكولا؛ أدوات زعامة، وآلات سيادة؛ مما يهاب لأفراد البشر أحيانا. ويلقي على آحاد الرجال آنا فآنا؛ فإذا هم القامة والسادة، وإذا الأمم تأتيهم منقادة؛ وقد زادك الله عليهم رعية سلبت منها العقول، فاسترحت من الرأي وصراحته، والفكر وشجاعته، والمبدأ وصلابته؛ وكفيت سيوفا بينا هي لك، إذا هي عليك؛ وأقلاما مأجورك أسيرك، وطليقها أنت أسيره؛ أعلمت أبا الأشبال إلى أي الآجام نقلت، وفي أي الآطام اعتقلت؛ أسمعت عن أسد نجم. في هذا الأجم، وضرغامة غاب،
стр. 102
عن هذا الغاب. أذلت الحوادث بالأمس عرنينه، واحتلت الخطوب عرينه، وعطلت نكبته الدنيا من زينة، وغادرتها بعد فرح حزينة؛ وكان أكثر من آبائك أسماء، وأطول من عشيرتك في العز سماء، وأمنع واديا وأعز ماء؛ منعكم القرار بالصحراء صهيله؛ وغلبكم على أطرافها فكل ماء بها ماؤه، وكل يبس غيله؛ وكانت هذه الحرجات تحته أجمة الأغلب الهصور، وكانت نظما من قصور، لم تر أمثاله العصور؛ فلا (الجعفري) حكاه، ولا (الزهراء) أعطيت حلاه، ولا الإيوان ساواه، في شرفه وعلاه. وكانت هذه الجنات وشي دوره، وحلي قصوره، وكانت هذه العيون محاجر العين من حوره، ومعاصم ريمه ويعفوره؛ وكانت الساحة، سماء الندى وأرض السماحة؛ جنات وقصور، ونعيم وحبور. وعين حور، يطأن المسك والكافور؛ مرمر راع مسنونه بلقيس الزمان، فكشفت عن ساقيها بين يدي سليمان.
стр. 103
الجمال
جمعت الطبيعة عبقريتها فكانت الجمال، وكان أحسنه وأشرفه ما حل في الهيكل الآدمي، وجاوره العقل الشريف والنفس اللطيفة والحياة الشاعرة؛ فالجمال البشري سيد الجمال كله. . . لا المثال البارع استطاع أن يخلعه على الدمى الحسان، ولا للنيرات الزهر في ليالي الصحراء ماله من لمحة وبهاء، ولا لبديع الزهر وغريبة في شباب الربيع ماله من بشاشة وطيب. وليس الجمال بلمحة العيون، ولا ببريق الثغور، ولا هيف القدود، ولا أسالة الخدود، ولا لؤلؤ الثنايا وراء عقيق الشفاه، ولكن شعاع علوي يبسطه الجميل البديع على بعض الهياكل البشرية، يكسوها روعة ويجعلها سحرا وفتنة للناس.
стр. 104
الأمومة
الأمومة هي رسالة المرأة على هذه الأرض وشأنها الأول في الحياة، وهي حجر الأساس في الأسرة، وقواعد المجتمع وأركانه منذ قام إلى يوم ينفض. وفي الأمومة اجتمعت خلال البر ونوائب الحق وتبعات الواجب، وصور البطولة وفضائل الإيثار، ومواطن الصبر الجميل. وكأن الأمومة في البيت الملكة في الخلية أو العذراء في البيعة؛ فيا أيتها الفتاة المدلة بصباها، المزهوة بحسنها، المترقبة من ورائهما لذة الحب وفيض السعادة: اذكري أن الجمال حر طليق إلا من قيدين كلاهما أجمل منه: الشرف، والعفاف، إذا انسل منهما عثر في خطاه الأولى، وذوى في إبان النضرة. وسلي ذوات الشعر الأبيض ممن حولك من غواني أمس: هل دولة الحسن إلا كدولة الزهر، وهل عمر الصبا إلا أصيل أو سحر، وهل غير الأمومة تاج للمرأة تلبسه من مختلف الشعر ألوانا.
جمال الأمومة لمحة من جمال الحياة، وشعاع من عبقريتها وهو أحفل أياما، وأطول مقاما، وأصدق أحلاما. حب الأمومة أشهر وسنون، وبنات وبنون، وأشغال وشئون ويبقى مع الثكل، ويتقد عند حشرجة الصدر، ولا ينطفئ إلا بانطفاء القلب.
стр. 105
لذة الأمومة معنى قدسي وسر خفي، وحال كمناعم الخلد ولذته، ليس منا إلا من قرأه في تلك العيون التي رعتنا في المهود صغارا، وسهرت علينا في فراش المرض كبارا.
الكاتب العمومي
تمثال من الجهل العام صنعته القرون والأجيال، حفاره عبث الحاكم، وطينته غفلة المحكوم، وهو الأمية على قارعة الطريق، لا يجمعه والحضارة مكان.
الحياة توهم، عشنا بالوهم الزمن الرغد، وعشنا بالوهم الزمن النكد؛ طاف بنا الوهم على السعادة أحيانا، ومر بنا على الشقاء آنا فآنا؛ وبالوهم عادينا وبالوهم والينا، وبالوهم مرضنا، وبالوهم تداوينا؛ حتى إذا جاءت سكرة الموت كان ذلك أول العهد بالحقيقة؛ والحياة لعب، قضينا الطفولة باللعب، وقطعنا الشباب ملاهي وملاعب، ولعبنا في ظل المشيب؛ حتى إذا جاءت سكرة الموت؛ كان ذلك أول العهد بالجد.
стр. 106
العلم
شعار الأمم وفخارهم، اتخذ الناس في شباب الدول الأعلام ولا يزالون في ظل هذه الحضارة الكبرى يبلغون في محبة العلم وإجلاله إلى التقديس، فهو - حيث يخطر وحيث يخفق - شبح الوطن المنظور، وماضيه المنشور، وتاج الرءوس كلها، وقبلة الوجوه جميعا؛ إذا نشر في السلم خلع على أيامها الجمال وكسا مواكبها المهابة والجلال؛ وإذا رفع في الحرب كان نظم الصفوف وألفة القلوب ومثار الحماس وداعي التضحية، وسحب النسيان والأحقاد، وحسم ما اشتهته الأعاد. منديل طالما رفع على أيدي الآباء فكفكفوا به دمع الحزن، وتلقوا فيه دمع الفرح، ضحكوا وراءه كثيرا في نصيبين وقعدوا حوله في عرس، وبكوا حوله كثيرا في التل الكبير وقاموا وراءه في مأتم.
فيا أيها العلم الأخضر كديباجة السلم أو كظلال الخصب، المستعير الهلال غزة، المفصل بنجوم السعد، الموسم بالحضارة من عهد خوفو ومينا، المحلى بالفتح من زمن ابن العاص، النابه الأيام
стр. 107
والوقائع بين يدي إبراهيم، لا زلت ترفع لمجد، ولا زالت الأجيال تتلقاك يمينا، ولا نشرت إلا في حق؛ ولا طويت إلا على حق.
ويا ابن مصر على قدم؛ حي العلم!
стр. 108
السجع
السجع شعر العربية الثاني، وقواف مرنة ريضة خصت بها الفصحى، يستريح إليها الشاعر المطبوع، ويرسل فيها الكاتب المتفنن خياله، ويسلو بها أحيانا عما فاته من القدر القدرة على صياغة الشعر، وكل موضع للشعر الرصين، من حكمة تخترع، أو مثل يضرب، أو وصف يساق، وربما وشيت به الطوال من رسائل الأدب الخالص، ورصعت به القصار من فقر البيان المحض؛ وقد ظلم العربية رجال قبحوا السجع وعدوه عيبا فيها، وخلطوا الجميل المتفرد بالقبيح المرذول منه: يوضع عنوانا لكتاب، أو دلالة على باب، أو حشوا في السياسة، أو ثرثرة في المقالات العلمية؛ فيا نشء العربية؛ إن لغتكم لسرية مثرية؛ ولن يضيرها عائب ينكر حلاوة الفواصل في الكتاب الكريم، ولا سجع الحمام في الحديث الشريف، ولا كل مأثور خالد من كلام السلف الصالح.
стр. 109
النقد
فن قديم كريم وتالد من رأس مال الحضارة في علوم الأدب وفنونه توارثه الأواخر عن الأوائل فأخذته حضارتهم فحسنته على عاداتها، وضخمت كتابه ووسعت أبوابه وهذبت أصوله ووضعت قيوده، حتى صار من دعائم الصحافة وأضحى ظل التأليف ومعرض العبقريات ومرآة آثارها في مسائل الأدب وشتى مطالبه؛ والنقد حارس الأدب ومكمل الكتاب والكتب، وهو آلة إنشاء وعدة بناء. وليس كما يزعمه الزاعمون معول هدم ولا أداة تحطيم.
والناقد مستهدف يعرض عقله وبضاعته وخلقه وحكمه على الناس، وربما ارتد معوله إليه كما يرتد سلاح البغي إلى صاحبه فهدمه على المكان، والناس يرون وهو لا يرى من سكرة الغرور، ومن نقد على غضب أسخط الحق، ومن نقد على حقد احترق وإن ظن أنه حرق، ومن نقد على حسد لم يخف بغيه على أحد، ومن نقد على حب حابى وجمح به التشيع.
стр. 110
الزهرة
صورة الرقة ورمز العاطفة وهيكل الخير والحب والجمال. قديما أولع بها الناس وقديما ظلموها؛ أما هي فطالما ملأت حدائقهم بهاء وحسنا، وحجراتهم زينة وطيبا؛ وجملت عرى ثيابهم وحسنت أعراسهم وولائمهم؛ فكانت منصة للعروس وإكليلا، وشارة للمائدة ومنديلا، وسفرت بين العشاق فحسنت رسالة ورسولا ... وأما هم فما أشد ما جنوا عليها! فطموها عن عصارة العود، وفجعوها في وثير المهود، وأبدلوها من طول الفضاء وعرضه بالبواطي الضيقة، ومن سماء الروض وأرضه بالجدران المزهقة، ومن ماء العيون بماء الجرار، ومن شعاع الفضاء الطلق بشعاع النافذة والكوة. . . ظلم عبقري، وإحسان، جزي بغير إحسان.
следующие страницы →