Полный текст (220 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
عبد الملك بن غصن الحجاري
نكبه المأمون بن ذي النون، واعتقله مع جماعة من النبهاء بوبذة من أعمال حضرة طليطلة، فكتب إليه رسالة في صفة السجن والمسجون، والحزن والمحزون دلت على مكانه من العلم والأدب والحفظ، وأودعها ألف بيت من شعره في الأستعطاف، منها قوله:
أزاح الدهر حلو الماء عني ... على ظمأٍ وأسقاني زعاقه
وبالمرجوّ إن أظفر به من ... رضا المأمون يحلي لي مذاقه
وناس لفّني بهم شقاءٌ ... ألمّ فزمّ في ساقي سباقه
ولم يك لي بذاك العير عيرٌ ... ولا بقطيع ذاك الذّود ناقه
وربّتما استحال السعد نحساً ... فذاق المعتدي ممّا أذاقه
стр. 177
وأعمى عينٍ أهدى من قطاةٍ ... وشدّ بمثل مفحصها وثاقه
إذا صار الهلال إلى كمالٍ ... وتمّ بهاؤه فأرقب محاقه
وإنّ عبوس هذا الدهر يأتي ... على أثر البشاشة والطّلاقه
أضاع الدهر مني علق فهمٍ ... إذا نظر المميّز منه راقه
وأيّ فتى لتقديم الأيادي ... لديه وأيّ عبدٍ للعتاقه!
وقوله:
وخلٍّ يسلّيني على بعد داره ... ويكشف من كرب المشوق المتيّم
ودادي موقوفٌ عليه وخلّتي ... وفكري مشغولٌ به وتوهمي
على أنني من ضيق سجني وحيلتي ... بليت كما حدّثت عن حفش أيّم
أُجانب فيه ذكر خلّي كرامةً ... وأخجل من طيف الخيال المسلّم
أرى نوب الدنيا تروح وتغتدي ... فمن فرحٍ ناءٍ وهمٍّ مخيّم
إذا شئت إسعاف الزمان وعطفه ... فبادر بدار المسرع المتغنّم
وناد بيا يحيى يحيّك بالمنى ... وثنّ بإسماعيل تسم وتعظم
بعطفة ذي المجدين أرجو من الردى ... خلاصي ولو أُلقيت في شدق أرقم
стр. 178
وقوله:
نحن في حالةٍ لأيسر منها ... يتلظّى الردى وتبكي الخطوب
مالنا في وطء البسيطة حظٌ ... لا ولا في نشق الهواء نصيب
في محلٍّ كأنه ظلف شاةٍ ... ليس فيه لذي دبيبٍ دبيب
وكأنّ الكبل الثقيل إذا ما ... رنّ في الساق للخطوب خطيب
إن رمتنا يد الخطوب بقوسٍ ... طالما كان سهمها لا يصيب
أو يكن عثّر الزمان فمرجوٌّ ... لإنعاشنا القريب المجيب
قد أجاب الإله دعوة نوحٍ ... حين نادى بأنه مغلوب
وشفى ذو الجلال علّة أيّو ... ب وقد شارف الردى أيوب
وانقضى سجن يوسفٍ وقد استي ... أس وارتدّ مبصراً يعقوب
فرق له المأمون لما وقف على هذه الرسالة وأطلقه وعفا عنه.
أبو محمد بن عبد البر
كتب للمعتضد عباد بن محمد بإشبيلية، وله عنه الرسالة البديعة في قتل ابنه
стр. 179
إسماعيل، ويقال إنه كتبها دون روية؛ ثم سعي به إليه حتى غير عليه، فاحتال للخلاص من يديه، سمعت بعض شيوخي يحكي أن أباه الإمام أبا عمر بن عبد البر سار في أمره من مستقره بشرق الأندلس، وهو حينئذ يتردد بين بلنسية وشاطبة، فلأول دخوله على عباد نادى رافعاً صوته: ابني يا معتضد ابني يا معتضد: فشفعه فيه، وانصرفا عنه محفوفين بالإكرام، ومكنوفين بالاحترام.
وقال ابن بسام في الذخيرة: لما شأى أبو محمد بالأندلس الحلبة، وتبحبح صدر الرتبة، تهادته الآفاق، وامتدت إليه الأعناق، ففاز به قدح عباد بعد طول خصام والتفاف زحام، فأصاخ أبو محمد لمقاله، وتورط في حباله، وغص أبو الوليد بن زيدون بمقدمه، فجهد زعموا كل جهد في إراقة دمه، ولما رأى أبو محمد أنه قد باء بصفقة خسران، وأن العشاء قد سقط به على سرحان، أدار الحيلة، والتمس على الخلاص الوسيلة؛ زعموا أنه لم يزل نافر النفس منقبض الأنس، فلما استشعر الحذر وأحس بالتغير، ألقى عصا التسيار، وأخذ في اقتناء الضياع والديار، حتى ظن عباد أنه قد رضي جواره، واستوطن داره، فاستنام
стр. 180
إليه برسالة إلى بعض خلفائه من رؤساء الجزيرة، فجعل أبو محمد يتفادى منها ويتثاقل عنها؛ قال: ولما انسل من يد عباد انسلال الطيف، ونجا وسله كيف، رجع إلى مستقره من الشرق، وأدار الحيلة على أبي عمر بن الحذاء، فعوضه بضياعه وعقاره، وزين له اللحاق بدار بواره وسوء قراره؛ وقد كان عباد قبل ذلك يستهويه ويستدرجه ويدليه، فلما طلع عليه لم يزد على أن اسره وقصره وأظهر من الزهد فيه أضعاف ما كان يعده ويمنيه، وجعل أبو محمد بعد ذلك يتنقل في الدول، كالبدر يترك منزلاً عن منزل، وقد جمع التالد إلى الطارف، وكتب عن أكثر ملوك الطوائف.
أبو بكر محمد بن سليمان بن القصيرة
حكى ابن بسام أنه نشأ في دولة المعتضد؛ قال: وشهر بالعفاف فلزمه، ويسر للعلم فعلمه وعلمه، وكانت له نفس تأبى إلا مزاحمة الأعلام، والخروج على الأيام، وهو دائماً يغض من عنانها فتجمح، ويطأطيء من غلوائها فتتطاول وتطمح، ممتنعاً
стр. 181
من خدمة السلطان، وقاعداً بنفسه عن مرتبة نظرائه من الأعيان، بين عفة تزهده، وهيبة من المعتضد تقعده، وذكر أن ابن زيدون نبه عليه للمعتضد آخر دولته، فتصرف فيها قليلاً إلى أن أفضى الأمر إلى المعتمد فأنهضه إلى مثنى الوزارة، وأكثر ما عول عليه في السفارة، فسفر غير ما مرة بينه وبين ملوك الطوائف بالأندلس حتى انصرفت وجوه آمالهم إلى يوسف بن تاشفين أول ظهور اللمتونيين، فسفر بينهما مراراً فكثر صوابه، واشتهر في ذات الله مجيئه وذهابه، واضطر المعتمد إليه قريباً في آخر دولته، فعظمت حاله، واتسع مجاله، واستولى على دولته استيلاءً قصر عنه أشكاله، إلى أن كان من خلعه ما كان، وذلك في رجب سنة أربع وثمانين وأربع مائة، فكان أبو بكر أحد من حرب، وفي جملة من نكب، وأقام على تلك الحال نحواً من ثلاثة أحوال، حتى تذكر ابن تاشفين ما كان من حسن خليقته، وسداد طريقته؛ ويقال إن سبب ذلك الذكر كتاب ورد عليه من صاحب مصر لم يكن بد منه في الجواب عنه، فاستدعاه من حينه، وولاه كتب دواوينه، ورفع شأنه وأعلاه، وولي بعده ابنه علي بن يوسف فأقره على ما كان يتولاه.
стр. 182
ابن الوكيل اليابري
كان أبو بكر عيسى بن الوكيل الكاتب مستعملاً في غرناطة في الدولة اللمتونية، فحكى نه أنكر عليه مال جليل يبلغ عشرة آلاف دينار، فقبض عليه وأُشخص منكوباً إلى مراكش، فلما بلغ الموكلون به مدينة سلا وبها يومئذ بنو القاسم المعروفون ببني العشرة، رباب السماح وأرباب الأمداح ويذكر أن جدهم الأكبر أحمد بن محمد بن المدبر قال قصيدته الشهيرة يمدح القاضي أبا الحسن، ويستجير به، وسأل إيصالها إليه، فبادر عند الوقوف عليها إلى المخاطبة بتضمن المال وتحمله، وسؤال الصفح عنه والإبقاء عليه بإعادته إلى عمله، فصدر جوابه بالإسعاف والإسعاد، وعاد ابن الوكيل إلى غرناطة أنبه معاد، وأول القصيدة:
سل البرق إذ يلتاح من جانب البلقا ... أقرطي سليمى أم فؤادي حكى خفقا
стр. 183
ولم أسبلت تلك الغمامة دمعها ... أريعت لو شك البين أم ذاقت العشقا
يقول فيها:
غريبٌ بأرض الغرب فرّق قلبه ... فآوت سلا فرقاً ويابرةٌ فرقا
إذا ما بكى أو ناح لم يلف مسعداً ... على شجوه إلا الغمائم والورقا
ومنها في المدح:
حياءٌ يغضّ الطرف إلاّ عن العلا ... وعرضٌ كماء المزن في الحزن بل أنقى
وفضلٌ نمير الماء قد خضّل الربا ... وعدلٌ منير النّجم قد نوّر الأُفقا
بلغنا بنعماك الأمانيّ كلّها ... فما بقيت أُمنيّةٌ غير أن تبقى
أبو جعفر أحمد بن عطية
صنيعة الإيالة الحفصية على الحقيقة، ونشأة عنايتها الكريمة وهدايتها العتيقة، بها بهر بهاؤه، واشتهر ابتداؤه وانتهاؤه، حتى ساق الأيام بل الأنام بعصاه،
стр. 184
واستوسق له أدنى الشرف وأقصاه، وهو أحد من سودته براعته، ولم توجد بداً من اصطناعه صناعته، وكان في أول أمره قد كتب لإسحق بن علي بن يوسف ابن تاشفين فلما دخلت مراكش عنوة من جهة باب إيلان يوم السبت الثامن عشر لشوال سنة إحدى وأربعين وخمس مائة، وقتل إسحق وطائفة من أصحابه، توارى أبو جعفر ودخل في غمار الناس، وبلغ به الجد في الاستخفاء والاستتار إلى أن ارتسم في المرتزقين من الرماة ليتبلغ بما يجرى عليه، إلى أن ثار الدعي المعروف بالماسي واستفحل أمره، فنهد إليه الأمير المعظم المجاهد المقدس المبارك الأرضى المرحوم أبو حفص ناصر دعاية التوحيد المحفوف الراية بالظهور والتأييد، الذي حبيت بالمضاء صوارمه وصرائمه، وسبيت له من كل ذي كفر وغي كرائمه، فقتله الله على يديه وانهزم أصحابه، وذلك يوم الخميس السادس عشر لذي الحجة سنة اثنتين وأربعين، وأمر رضوان الله عليه بإحضار مخاطب عنه بذلك الفتح العظيم والمنح الجسيم، فنبه على أبي جعفر وقد أخفى نفسه في رماة العسكر، وتنكر جهده وهو المعروف غير المنكر، فدعا به لسعادته، وأوعز إليه بإرادته، فكتب رسالته التي أورثته تشريفاً
стр. 185
وتكريماً، وصيرته أغر محجلاً بعد أن كان بهيماً، وبسببها أُوثر بالكتابة الكلية والوزارة، وهي عادة هذا البيت المعروف البركة والطهارة، ما أعتلق به معتلق إلا أمن من العوادي، ولا ألتفت إلى عجز إلا لحق بالهوادي، لا زالت أبواب معروفة وسماحه لها كظيظ من الزحام، وما يصدر عن صفائحه وصفاحه يعول الأولياء بالإنعام، ويغول الأعداء بالانتقام:
آمين آمين لا أرضى بواحدةٍ ... حتى أُضيف إليها ألف آمينا
ومن فصول هذه الرسالة المباركة: كتابنا هذا من وادي ماسة بعد ما تجدد من أمر الله الكريم ونصره المعهود المعلوم " وما النصرُ إلا من عِنْدِ الله العزيزِ الحكيم "، فتح بهر الأنوار إشراقاً، وأحدق بنفوس المؤمنين إحداقاً، ونبه من الأماني النائمة جفوناً وأحداقاً، واستغرق غايات الشكر استغراقاً، فلا تطيق الألسن لكنه وصفه إدراكاً ولا لحاقاً، جمع أشتات الطلب والأرب، وتقلب في النعم أكرم منقلب، وملأ دلاء الآمال إلى عقد الكرب:
стр. 186
فتحٌ تفتّح أبواب السماء له ... وتبرز الأرض في أثوابها القشب
وقد تقدمت بشارتنا به جملة، حين لم تعط الحال بشرحه مهلة، كان أولئك الضالون المرتدون قد بطروا عدواناً وظلماً، واقتطعوا الكفر معنى واسماً، وأملى لهم الله ليزدادوا إثماً، وكان مقدمهم الشقي قد استمال النفوس بخز عبلاته، واستهوى القلوب بمهولاته، ونصب له الشيطان من حبالاته، فأتته المخاطبات من بعد وكثب، ونسلت إليه الرسل من كل حدب، واعتقدته الخواطر أعجب عجب، وكان الذي قادهم إلى ذلك، وأوردهم تلك المهالك، وصول من كان بتلك السواحل ممن ارتسم برسم الانقطاع عن الناس فيما سلف من الأعوام، واشتغل على زعمه بالقيام والصيام، آناء الليل وأطراف الأيام، لبسوا للناس أثواباً، وتدرعوا للرياء جلباباً، فلم يفتح الله لهم للتوفيق باباً.
ومنها في ذكر الدعي: فصرع بحمد الله لحينه، وبادرت إليه بوادر منونه، وأتته وافدات الخطيات عن يساره ويمينه، وقد كان يدعي أنه بشر بأن المنية في هذه الأعوام لا تصيبه، والنوائب لا تنوبه، ويقول في سواه قولاً كثيراً، ويختلق على الله إفكاً وزوراً، فلما عاينوا هيئة اضطجاعه، ورأوا ما خطته الأسنة على أضلاعه، ونفذ فيه من أمر الله تعالى ما لم يقدروا على استرجاعه، انهزم ما كان لهم من الأحزاب، وتساقطوا على وجوههم تساقط
стр. 187
الذباب، واعطوا عن بكرة أبيهم صفحات الرقاب، ولم تقطر كلومهم إلا على الأعقاب، فامتلأت تلك الجهات بأجسادهم، وآذنت الآجال بانقراض آمادهم، وأخذهم الله بكفرهم وفسادهم، فلم يعاين منهم إلا من خر صريعاً، وسقى الأرض نجيعاً، ولقي من الهنديات أمراً فظيعاً، ودعت الضرورة باقيهم إلى الترامي في الوادي، فمن كان يؤمل الفرار منهم ويرتجيه، ويسبح طامعاً في الخروج إلى ما ينجيه، اختطفته الأسنة اختطافاً، وأذاقته موتاً ذعافاً، ومن لج في الترامي على لججه، ورام البقاء في ثبجه، قضى نحبه شرقه، وألوى بذقنه غرقه، ودخل الموحدون إلى البقية الكائنة فيه يتناولون قتلهم طعناً وضرباً، ويلقونهم بأمر الله هوناً عظيماً وكرباً، حتى انبسطت مراقات الدماء على صفحات الماء، وحكت حمرتها على زرقته حمرة الشفق على زرقة السماء، وظهرت العبرة للمعتبر، في جري الدماء مجاري الأبحر.
كاتب صلاح الدين يوسف بن أيوب
كان على ديوانه كاتب له يعرف بصفي الدين، فسعي به إليه، وقدر
стр. 188
عنده أنه أتلف مالاً كثيراً، وحمل على محاسبته فأمر بها فكانت سياقة الحساب عليه سبعين ألف دينار، حكى الأصبهاني كاتبه المعروف بالعماد في تاريخ فتوحه الشامية أنه ما طلبها ولا ذكرها؛ قال: ثم لم يرض له العطلة فولاه ديوان جيشه، وأولاه ما دنت له به مجاني جاهه وعيشه!
أبو عبد الله محمد بن عياش
قبض على مخدومه الملقب بالرشيد في سنة أربع وثمانين وخمس مائة، واعتقل برباط الفتح من سلا إلى أن قتل هنالك، واستتر هو مدةً ثم صفح عنه، فظهر واستكتب بمراكش، واتصلت نباهته وحظوته أزيد من ثلاثين سنة واستعمل أبناؤه معه وبعده، وكان الداعي بعد نكبته إلى استعماله ما عرف من
стр. 189
كفايته واستقلاله، ورسالته في غزو بلاد الروم سنة اثنتين وتسعين هي جذبت بضبعه، وحكمت في نصبه للاشتغال برفعه، حتى رسا في الرياسة أركاناً، وسما على أهل عصره مكاناً؛ ومن فصولها: وأن تعلموا أن الجيوش وإن كثرت جنودها، وانتشرت ذات اليمين والشمال بنودها، فلا ثقة إلا بالواحد الذي يغلب والكتائب الباغية كثيرة الأعداد، ولا استظهار إلا بسيفه الذي يضرب والسيوف في مضاجع الأغماد، وإلا فما يؤثر الخميس العرمرم إذا لم يكن السعد من نفره، وما يغني شجر القنا إذا لم يكن العون من شريه والفتح من ثمره، وما تفيد عيونه الزرق إذا كان صنع الله محجوباً عن بصره!.
ومنها يصف معقلاً: وهو حصن يتلفع بالعنان، ويقتنص الطائر بالسنان، وينفث الشجاعة في روع الجبان الهدان، على طود قد سافر في الجو
стр. 190
مغترباً، ولم يرض بالجبال أكفاء ولا بالبسيطة منتسباً، ينظر إلى ما يجاوره نظر الجارح المحلق في السماء، أو الشهاب الراجم في حندس الظلماء، ففتحه الله وحده قبل الخلوص إليه من العروج، والنزول عليه من السروج، فتحاً تفاءل به التوحيد فيما يؤمله، وقال أهله: اللهم اجعله مفتاح كل باب نستقبله!.
ومنها: صوبنا على طليطلة قاعدة الصفر وأم بلاد الكفر، وجئناها من جهات أبواب قشتالة وهي الجهات التي كانوا يأمنون من أُفقها، ولا يسدون باباً يفضي إلى طرقها، فأخذهم العذاب من حيث لا يشعرون، وعرفوا التخاذل من حيث كانوا ينصرون، واستقبلتهم العبر أفواجاً أفواجاً، وجاءتهم النذر تأويباً وإدلاجاً، إلى أن نزلنا بظاهرها الشمالي وكم لجيوش الإسلام لم توقع بصراً على حدودها، ولا جرت صعدة في صعيدها، فرد ما كان يليها منها نفنفاً، وقاعاً صفصفاً ... ثم تظاهر الموحدون ثاني يوم فيما أعطاهم الله تعالى من قوة العدة والعديد، وفاضوا على أعطافها في بحور الخيل وأمواج الحديد، كل قبيلة في شعارها الموسوم، وعلى
стр. 191
مدرجها المرسوم، كأنهم من البحر لج موجه متراكب، أو سحاب خريف زعزعته الجنائب ...
ثم أجازنا وادي تاجو إلى جنابها الإسلامي، وهو منشأ دوحها المائس الأعطاف، وحدائقها الغلب وجناتها الألفاف ... وفيه المنية التي كانت جنة الكافر ومأواه، وحظه من أُولاه وأُخراه، فكر على الجميع المؤمنون كرةً، فكان انجعافه بإذن الله مرة، ولم يكن بين رؤيته في ملاءة الحسن والابتهاج، وتضاؤله في شعر مسودة كالليل الداج، إلا بمقدار ما غير الله نعمته بالبؤس، وبدله من الأمن والخفض بالخوف والجوع وهو شر لبوس ... وطالما كانت حجراً على النوائب، بسلاً على الجيوش الكثيفة والكتائب، وها هي اليوم وخيل الله تمرع في شعابها آمنةً، ورماح الموحدين تندق في أبوابها طاعنةً أسيرة الركب وقعيدة الخطب وضعيفة الحيل، ولقىً بين أرجل الخيل، ليس بينها وبين المجاز ناقوس يضرب، ولا صليب ينصب؛ لا إهلال لغير الله، ولا نداء إلا بذكر الله، حتى ينجز الله وعده في سنامها، ويفيض نور الملة المحمدية على ظلامها.
стр. 192
وهذا الغزو الذي يسر في طاغية الروم كل مرام، وعم سرارة أرضه بالسير فيها عاماً بعد عام، أهل البيت الحفصي الكريم يتولى، وعن آرائهم المرتضاة وسيوفهم المنتضاة، حل وتجلى، حظ سواهم منه زهيد، وشهيدهم على ما أقول شهيد، لا جرم أن رأيتهم الحمراء نصرت على بني الأصفر السمحة البيضاء هي التي فعلت هناك الأفاعيل، ودمغت بالحق الذي عقدت لإقامته الأباطيل، عادة في الحفاظ عدوية، وشنشنة مخزومية لا أخزمية، وحسب الدول بسلف أربوا على الملوك الأُول، يجدون مر المهالك أحلى من العسل، ويعتقدون أعلى الممالك ما بني على الأسل، خلفهم خليفة الله في عباده وبلاده، ومجاهد الكفار والمنافقين فيه حق جهاده، القائم الهادي بالحق الواضح البادي، والعدل المقاص في الحاضر والبادي، فملك البسيطة حزنها وسهلها، وتقلد الإمامة وكان أحق بها وأهلها، مناقب تبهر النجوم الثواقب، وشمائل تفاخر الأواخر والأوائل، استحقت على الأمراء الممادح والمحامد، واسترقت من الشعراء القصائد والمقاصد، فلو أُنسئ أبو نواس لما اعتمد سواه بقوله، وإن كان طويل الثناء قاصراً عن طوله:
إذا نحن أثنينا عليك بصالحٍ ... فأنت كما نثني وفوق الذي نثني
стр. 193
وإن جرت الألفاظ يوماً بمدحةٍ ... لغيرك سلطاناً فأنت الذي نعني
أبو عبد الله بن نخيل
لما أتاح الله صلاح الأمم، وإيضاح الأمم بهذه الإمارة المطاعة، وأباح لإفريقية أن تراح من عذاب الفرقة برحمة الجماعة، قلد ملكها وسلطانها، ليعمر بالهداية أوطانها، ويدحر حزب الغواية وشيطانها، صفوة الأملاك ونكتة الأفلاك، الذي ضحكت الآناء لما اعتدلت بشيمه، وبكت السماء لما أكلت الأرض من كرمه، الأمير المعظم الأعلى المجاهد المقدس الأرضى المطهر المرحوم أبا محمد، سقى الله سحب الرضوان ضريحه، وقدس مثواه المستودع من المجد لبابه ومن الجود صريحه، فدفع كل ضر ورض، وأطلع لمحاورتي سنة وفرض، ومحاولتي بسط وقبض " ذُريّةً بعضُها من بعض "؛ ملوك بهاليل، ليس إلا عمائمهم تيجان وأكاليل، راضون في الله غضاب، كأنهم تحت الحبى هضاب، للقرى والقراع خبهم وإيضاعهم. وبالخطيات، واليراع توقيعهم وإيقاعهم، يبدأون بحق الله ثم النائل، ويحقنون حتى ماء وجه السائل، باء
стр. 194
الكملة بالنقص عن كمالاتهم، وجاء ما أدرج حمالة حاتم وحلم قيس بن عاصم من حلومهم وحمالاتهم:
غطاريف من قومٍ ثوى الملك فيهم ... فلم يبق من بعد الحلول ترحّلا
أُصولهم منصورةٌ بفروعهم ... إذا قام منهم آخرٌ كان أوّلا
فما يشهدون الحرب إلاّ إذا غلت ... ولا يشترون الحمد إلاّ إذا غلا
جدوا وجادوا، وشدوا كما شاءوا وشادوا، وفعلوا مثل ما فعلت أوائلهم وزادوا، فطفيء جمر الهياج المشبوب، ويجيء عقب المكروه المحبوب، وأصبح الثأي وهو المرءوب، والصنيع وهو المربوب، وذلك من سنة ثلاث وستمائة إلى عامنا هذا الموفي أربعين حجةً، وردت فيها السخلة مع الضرغام، وردت شامخات المعاطس حليفة الرغام، إلا برهةً غاب عنها منازلو أُسد الغاب، ومساجلو البحار والسحاب، بالمنن الرغاب، فبودرت عندها بالحرب والحرب، وغودرت وحشة الساحات والرحب، ثم
стр. 195
عاد الرمي إلى النزعة، وفرج الله الضيقة والزلزال بالسعة والدعة، واستوسع بعدها نطاق الملك، وعاد أهل المغرب والأندلس بالنجاة من الهلك، فأرزت إلى هذه الحضرة العلية البلدان، كما يأرز إلى المدينة النبوية الإيمان، وما هي إلا الخلافة حقاً، عم إشراق نورها غرباً وشرقاً، لما أقامت الدين، وقامت بكلمة الموحدين، فانتظمت الأرجاء والآفاق، وحسمت الشقاق والنفاق، وما عدت الإجماع والإصفاق.
وكان ابن نخيل لأول هذه الإيالة المباركة ممن فاز بقدح النباهة المعلى، وعاد بعد العطل من الوجاهة المحلى، نقلته السعادة من ديوان الأعمال إلى ديوان الرسائل، وأعلقته بأعظم الحرمات وأشرف الوسائل، فأجاد الإنشاء وتبوأ من رفيعات المراتب حيث شاء، مفرداً لخلوص الحماية وجموحها، ومعتمداً بخصوص العناية وعمومها، لا استثناء عليه في توقيع، ولا اقتصار به على ترفيع، وهذه فصول من رسالته السلطانية في وقيعة شيذو من نواحي سبتة منتصف صفر سنة أربع وستمائة، وقد انتصر الحق من الباطل، ففرق جموعه، وأذهب بسطوته الغالبة ودعوته العالية جميعه، وأيد الله طائفة التوحيد على حزب الشيطان المريد، تأييداً أراق بسيفه القاصل نجيعه، وبين لكل ذي بصر سديد وسمع شهيد أن هذا
стр. 196
الأمر هو أمر الله الذي لا يزال نافذ الأقدار في الإيراد والإصدار مطيعه، وأن عدوه وإن تراخى به الأمد فلا بد أن ينزل موعده الصادق منيعه، ويحط رفيعه، والحمد لله على ذلك حمداً يستمد وحي النصر المؤزر والفتح المدخر وسريعه.
ومنها في ذكر الشقي الميورقي: فحشد من قبائل دباب وزغب ونفات، ومن انقاد إليهم من برابر تلك الجهات، من قادهم إليه الحين بزمام الخدع والترهات، وأقبل بمن التف عليه من أولئكم الطغام، وبقايا الاجتياح والاصطلام، يتقرى المنازر والمناهل، ويوهم بكثرة من جمعه من هذه القبائل، وخرج الموحدون إليهم مستعينين بالله وبما عوده من النصر عليهم، فلما حققوا عزمهم وصححوا في التصميم نحوهم علمهم، ورأوا أنهم فوقوا لثغرهم المثغورة أسهمهم، طار بهم الفرار، ونبا بهم القرار، وولوا سراعاً لا يستبد بسيرهم دون الليل النهار، والموحدون أعزهم الله ينتظرون الوقت الذي لا يبعد مداه في هلاكهم، ولا يفلتون منه بعد إدراكهم، فلما تراءى الجمعان، وضاق متسع المجال عن الدماء والطعان، وشيمت السيوف كالبوارق الخواطف في اللمعان، وحملت الكتائب على الكتائب كالرعان على الرعان، جرى الموحدون أعزهم الله على عادة صبرهم، فعرفهم الله ما أحبوه من عوائده الكريمة مع
стр. 197
أميرهم، فلم يكن إلا لمحة بارق، أو خلسة مسارق، حتى استلحمت السيوف أحزاب الضلال، وتبرأ منهم رجيمهم المغرور تبرؤ من كان وعدهم بالمحال، فقتلوا مئين وعشرات وآحاداً، وفر غويهم الشقي جريحاً لم يصحبه من ذلك الجم إلا فرادى، وامتلأت الأيدي من غنائمهم فهي تشل في حزن وسهل سوقاً وطراداً، وكفلت الموحدين عناية الله تعالى، فلم ينل العدو منهم نيلاً، ولم يمل الضرر عليهم ميلاً، بل أشوت سهامه، وخاب والحمد لله أمله ومرامه، ولم يبق من هذا العدو إلا ذماء، ولقد ظل بعد هذه الوقيعة لا تحميه مع العرب أرض ولا سماء، فإنه أتى في هذه الحركة منهم بمن لم يطر له قبل بجناب، واستهوى بحبالاته الكاذبة وآماله الذاهبة من عاد لأرضه بجريعة الذقن ولم يعد شاب ولا تاب، وترك الحلائل في المحامل تتوزعها أيدي الناهبين فلا تدركه حفيظة الانتهاب، وطالعناكم بهذه المسرة العظمى والموهبة الكبرى عشي اليوم المشهود والوقت المحمود، لتحمدوا الله بجميع محامده وتشكروه، وتذيعوا بلاءه الجميل لكم ولكافة المسلمين على أيدي أوليائهم الموحدين وتنشروه.
стр. 198
ومن رسالته السلطانية أيضاً في الوقيعة الكبرى بوادي أبي موسى سنة ست وستمائة: وإلى ذلكم وصل الله بالنجاح أسباب آمالكم، وختم بالفلاح صحائف أعمالكم، فإن الموحدين أعزهم الله لما قفلوا من حركتهم الأولى إلى ديارهم، وانصرفوا من تمام أغراضهم في اتباع الأعداء وأوطارهم، أقبل هذا العدو الأشقى فيمن التف عليه من غدرة بني رياح كفرة النعمى، يؤمون هذه الجهة الإفريقية حنيناً إليها، وصبابة لم تزل تعطف عليها، ظناً منهم أن هذه العصابة المنصورة، والجماعة المحمودة في سبيل الله المشكورة، قد ألقت عصا التسيار، وأخلدت إلى الراحة من طول السفار، وكانت قد تلقتهم بأطراف الزاب جماعة بني مالك مزيدة وجموع دياب، فقوت رجاءهم في الهجوم على البلاد، وصدقت أملهم الكاذب فيما عزموا عليه من الفساد، فأخذ الموحدون أعزهم الله في الحركة إليهم، والورود بحول الله وقوته عليهم، بعزائم لا تثني بالأمل، وحفائظ لا ترضى بالقول دون العمل، حتى نزلوا القيروان، وهي قطب منازل الأعراب ومراد سوامهم عند ازدحامهم في مثل هذه الأحوال الصعاب، والأعداء حينئذ نزلوا بظاهر قفصة يرتقبون ورود بقية دباب من طرابلس إجابة لما قدموه من ندائهم، وإهابةً بهم إلى إعادتهم في الفساد وإبدائهم،
стр. 199
وأقبلت عصابة التوحيد على استدعاء من ألفته من عوف والشريد، وندبهم إلى أن يأخذوا بحظهم من خدمة هذا الأمر السعيد، وطلبوا بأن يحضروا بالأهل والمال، ليلقوا أكفاءهم في مثل تلكم الهيئة والحال، وللعرب عادات في الرحيل جميعاً، لا تعطي الخفوف إلى المقصود سريعاً، فسار بهم الموحدون على هيئتهم في التواني سيراً، ولم يذعروا لهم بإخراجهم عن معتادهم طيراً، ولما سمع الأعداء برحيلهم من القيروان رحلوا من قفصة إلى الحمة يبرقون ويرعدون، ويهددون باللقاء ويوعدون، ثم عطفوا من هنالكم على نفزاوة ليتقوتوا من ثمراتها، ويستدروا ريثما تصلهم أمدادهم أخلاف خيراتها، فلما أبطأ رسولهم، وتقلص بطول الانتظار مأمولهم، انصرفوا على أدراجهم إلى زميط فقطعوا حزن دمر مسلمين للدمار، ونزلوا من شعفات الجبال إلى قرار البوار، وعجل الموحدون إليهم فوردوا قابس والأرض تحرق من بأسهم، وذبالات الذوابل أضوأُ في سماء العجاج من شمسهم، وعون الله يحقق عندهم في يومهم ما مد لهم من النصرة في أمسهم، فلما تجهزوا منها بجهازهم، واستكملوا ما عليه عولوا من تمييزهم وتفرغوا لنجازهم، ثنوا للأعداء أعنة الجياد، وأقبلوا وهم من صرائم
стр. 200
العزائم أمضى من البيض الحداد، وقطعوا لهم المراحل شفعاً، لا يذوقون النوم إلا غراراً مثل حسو الطير ماء الثماد، فجعلوا يستدرجون عزائم التوحيد وحادي المنايا يحدوهم إلى مضاجعهم أن انزلوها، ولسان القضاء المقدور يخاطب المشرفيات الذكور، أن حطوا عن منازل الكواهل رءوس رؤساء الباطل واستنزلوها، وكان مرامهم في هذا المطال بالنزال، والوقوف للحتوف أن تنفد أزودة الموحدين وعلوفاتهم، ريثما يلحق بهم من استدعوا ليعودوا من الهرب إلى الطلب، ويحلوا منزلة الفائز بالغلب وحسن المنقلب " ويأبى الله إلاّ أنْ يُتمَّ نُورَه "، ويكمل لأمره العظيم في الأعداء أُموره، ولم يعلموا ان لله بهذه العصابة المجاهدة عن حريم البلاد، الكافة أيدي هؤلاء الأحزاب المراد، عنايةً لا يفتقرون بها إلى الأزواد، ورعايةً تحميهم من النوب الشداد، وتؤويهم من فضله وإحسانه إلى أرحب جناب وأرغب عتاد، ولم يزل ذلك دأبهم، وما انفك إعلانهم بالمقابلة بكتم قربهم حتى حلوا بمنهل يعرف بوادي أبي موسى من سفح جبل نفوسة وفيه أتاهم من نفات وآل سليمان وآل سالم وجموع وافرة
стр. 201
من الأعراب وأحلافها الأعاجم ما سال أتيهم بالدهم الداهم، وأعجبتهم كثرتهم فلم تغن عنهم شيئاً وكأنما اجتمعوا للهزائم، فعاجوا من هنالكم وقد بيتوا بزعمهم ما لا يرضى من القول، وبرئوا لحولهم من القوة والحول، وضمن الغدرة من بني رياح مع شقيهم لقاء عصابة التوحيد، وزعموا له أنهم حديد العرب، ولا يفلح الحديد إلا بالحديد، وتركوا دباباً ومن التف بها لعوف وأحلافها والشريد، وأتوا بربات الخدور في الهوادج كالأزهار في الكمائم وقدموا من حمر النعم وسودها ما صار الدو بتموجها كالبحر المتلاطم، وجاءوا بزهوهم وبأوهم يزفون زفيفاً، ويسمعون من رعود الوعيد قصيفاً، ومن نيوب الحروب صريفاً، واستدعى الموحدون من ربهم
نصره المعهود، واستمدوا طوله المحمود، وعولوا على حوله وقوته لا على العدد والعديد، واستلأموا غدران الدروع تحت جداول المداوس، وتهللت بالنصر وجوههم فكانوا كالأقمار في شموس القوانس، وتنكبوا من أراقم القسي ألدغ على البعد من حيات البسابس، وتأبطوا كل خطار تطرد كعوبه، قد ركب فيه نجم ولكن في ثغر البحار غروبه، وساروا لعدوهم كأنهم بنيان مرصوص، وتيقنوا أن نصر الله بالصابرين المحتسبين مخصوص، وكان يوم ضباب، وشمسه من قوام الغمام في حجاب، فلما تعالت في فلكها، وانقادت في زمام الاستسلام إلى ملكها، ورمقت من خلال غيمها ظهرت كتائب الباطل سوداً كقلوب أهلها، وقد مالت الأرض طولاً وعرضاً بخيلها ورجلها، فحمل الموحدون عليهم حملةً أزالتهم عن مصافهم فولى شقيهم منهزماً لأول دفعة، ولم يطق وقوفاً عندما رأى من بوارق الخوافق لمعة!. هـ المعهود، واستمدوا طوله المحمود، وعولوا على حوله وقوته لا على العدد والعديد، واستلأموا غدران الدروع تحت جداول المداوس، وتهللت بالنصر وجوههم فكانوا كالأقمار في شموس القوانس، وتنكبوا من أراقم القسي ألدغ على البعد من حيات البسابس، وتأبطوا كل خطار تطرد كعوبه، قد ركب فيه نجم ولكن في ثغر البحار غروبه، وساروا لعدوهم كأنهم بنيان مرصوص، وتيقنوا أن نصر الله بالصابرين المحتسبين مخصوص، وكان يوم ضباب، وشمسه من قوام
стр. 202
الغمام في حجاب، فلما تعالت في فلكها، وانقادت في زمام الاستسلام إلى ملكها، ورمقت من خلال غيمها ظهرت كتائب الباطل سوداً كقلوب أهلها، وقد مالت الأرض طولاً وعرضاً بخيلها ورجلها، فحمل الموحدون عليهم حملةً أزالتهم عن مصافهم فولى شقيهم منهزماً لأول دفعة، ولم يطق وقوفاً عندما رأى من بوارق الخوافق لمعة!.
ومنها: واستحر القتل في كثير من زعمائهم ورؤسائهم، ومات كل مذكور من شجعانهم وحمسائهم، واستحوذت القبائل على أموالهم وولدانهم ونسائهم، ونجا الشقي في نفر قليل إلى جهة الإبل، فاتخذها حصناً، وجعلها لبناء فراره من زلازل الجحافل ركناً، وحف من حف من الموحدين والعرب به فلم يبرحوا يتنسفون ما اعتصم به من النعم نسفاً، ويسومونه في نفسه وأصحابه خسفاً، ولم يصرفهم عنه إلا إقبال الليل، وما انسحب له على الآفاق من ذيل!.
ومنها: وكانوا قد قدموا الهوادج أمام الآبال، ودبروا أن تكون لهم حمى يرشقون من يريدها من خللها كالنبال، وقد قيل النساء أغلال الرجال، والحريم مظنة الآجال، فكروا عندها مستميتين، ودافعوا عنها للنفوس الدنية منها مفيتين، ولم يزالوا في أثناء انهزامهم يعطفون عند خدورهم، وأنامل العوامل تجذب أرواحهم من صدورهم، وبساط ما قدموه من أموال وعيال يطوى بقبضهم، وجانب الحق يعلو كلما جد الجد في خفضهم، وقبائل الموحدين على
стр. 203
راياتهم تركض في آثارهم، حتى أسلموا ما كانوا عنه يدافعون قهراً، وأسالت جداول المناصل من دمائهم نهراً.
ومنها: ولم ينج عدو الله إلا بذمائه، وغادر في المعترك وجوه أهله وقرابته وأصحابه وأحبائه، فما رأى يوماً قط أشد منه عليه، ولا انتهى به الأمر مذ كان إلى ما انتهى به الآن إليه، والموحدون على أولهم في طلابه، والولوج عليه حيث يمم من أبوابه!.
وبلغ ابن نخيل ما ليس عليه مزيد من الارتفاع المشيد، وغلب على مشرفه بالاصطناع غلبة جعفر على الرشيد، فنهى وأمر آمناً من التعقب، وأورد وأصدر نائماً عن الترقب، وقد فوض إليه في كافة الأمور، وقصرت عليه قصص الخاصة والجمهور، إلى أن كنف بالسعايات الممضة، وقذف باحتجان ما يخرج عن الحسبان من الذهب والفضة، فما أثرت في التقاص ثروته، ولا اعترت على انتقاص حظوته، بل صم عنها المجد الصميم سمعاً، وعم المنتسبين إليه والمتجنين عليه قبضاً وقمعاً، صوناً للنعمة المهنأة من تكديرها، وصرفاً للظنون السيئة عن تقديرها، حتى أقصر من بغى عليه كما انبغى، واستبصر في مظاهرته لما ظهرت له استحالة ما ابتغى، وكم أسمع بلسان الحلم والاحتمال مناصبيه ولا سنيه من كهل يفيض في
стр. 204
حديثه وحدث، جواب المأمون في الحسن بن سهل: الدنيا أقصر أمداً من أن تبلغ برجل منزلةً ثم تنقصه منها لغير حدث، وعلى حسن الرأي فيه حمله مدة سلطانه، وبصفايا أياديه أنهض أمله لإبلاغه في تأمل النعم وإمعانه، لا يسامح في أمره مناقشاً منافساً، ولا يفاتح بذكره راجياً تغيره إلا أسكته يائساً، إفادةً للمحافظة الملوكية على حفظ الحرمة، وزيادةً على ما حكى من كرم المشارطة في الصحبة والخدمة! ذكر أبو جعفر بن النحاس أن علي بن زيد الكاتب استصحبه بعض الملوك فقال علي: أصحبك على ثلاث، قال: وما هي؟ قال: لا تهتك لي ستراً، ولا تشتم لي عرضاً، ولا تقبل في قول قائل حتى تستبرأني، قال: هذا لك، فمالي عندك؟ قال: لا أُفشي سرك ولا أُؤخر عنك نصيحة ولا أُوثر عليك أحداً؛ قال: نعم الصاحب المستصحب أنت! فأين بواذخ المكرمات من هذه المكرمة الباذخة، والمأثرة اللائحة في الزمان البهيم كالشادخه، كلا لقد أعيت كلا، وأطلعها واحدة في الفضل الواحد فضلاً، ولما نزف منه بحر السماحة، ونسف بوفاته رضوان الله عليه طود الرجاحة، فانطوى الكمال المنشور، واستعسر النوال الميسور، أولاه بنوه الأمراء المعظمون المؤيدون المكرمون ﵃ ما ورثوه من مكارم الأخلاق، وتجافوا له عما جناه وحباه من أخاير الذخائر ونفائس الأعلاق، ولقد أصابه الدهر بما أصابه، وجرعه
стр. 205
بعدهم خطبانه وصابه، فأحضر في وقت ستمائة ألف دينار، سوى ما ظهر من حلي وآنية واثاث وكراع وعقار، هذا وسماحهم يستحقر له مقدارها، وتراثهم الكريم لا يبلغ معشارها، أبوا إلا أن يشبهوا أباهم، ورأوا خير ثيابهم ما كان على سواهم:
ذي المعالي فليعلون من تعالى ... هكذا هكذا وإلاّ فلا لا
وأما الحضرة الإمامية فإعتاب الكتاب شأنها، لا برحت يباري البحر بنانها، ويباهي السحر بيانها، ما شئت من إقالة وإغضاء على بطالة، ومسامحة لحصر في وجازة وهذر في إطالة، لا تحوج أخا الذنب إلى الإعتذار، ولا تبتهج ابتهاجها بالعفو مع الإقتدار، كم حقنت من دم، وصفحت عن ذي ندم، وأخذت بيد في عثرة بقدم، وأرشدت من حيران لا يعرف متأخراً من متقدم، عائدة على المريب بترك التثريب، عود الشباب على المشيب، والرباب على الجديب، وعامدة إلى المليم بعطف الحليم، عمد الحباء إلى العديم، والشفاء إلى السقيم، فلا يأس من روح الله برجائها، ولا أرج للمحاسن ما لم تتضوع من أرجائها، رب جبر من إسجاحها عضده عيان، ولطف لإبقائها بعثه ليان؛ أما وحرمها العتيق وكرمها العريق ما لعدها عديل ولا من فضلها بديل، فكيف
стр. 206
لا أهيم برضاها وهو من الشقوة أمان! وأشيم بارق شيمها وهو للثروة ضمان! وإذا حكي أن النعمان بن المنذر لقي في يوم بؤسه شاباً من العرب رق لكلفه، وقد سأله لقاء ابنة عمه قبل تلفه، فقال: ومن يضمنك؟ قال: كاتبك هذا، ولم تكن بينهما معرفة؛ فقال النعمان: أتفعل على شريطة القتل إن أخلفك؟ قال نعم! فذهب الشاب وأتى في آخر النهار وقال للكاتب قم أُبرئك مما ضمنته، ودخلت معي تحته، وأتيا إلى النعمان، فعجب منهما وقال للشاب: ما الذي حملك على الانصراف إليه بعد ما أفلت منه؟ قال: خشيت أن يقال ذهب الوفاء! ثم قال للكاتب: وأنت ما حملك على ضمانه على أن أقتلك عنه؟ قال: خشيت أن يقال ذهب الكرم! فقال النعمان: وأنا قد عفوت عنه خشية أن يقال ذهب العفو! وأسقط يوم البؤس فلم يكن له يوم بؤس بعدها ... فمالي لا أرجو إعادة النعيم بعادة الإنعام، وإسقاط الجفوة باقساط الاحترام، لا سيما وعذري إلى مولانا أيده الله عذر الذي استقال وقد مثل بين يدي مثله، وهيهات لا يوجد مثل له، فقال: إن كانت زلتي قد أحاطت بحرمتي فإن عفوك محيط بها، وكرمك موقوف عليها، وأنشد:
إني إليك سلمت كانت رحلتي ... أرجو الإله وصفحك المبذولا
стр. 207
إن كان ذنبي قد أحاط بحرمتي ... فأحط بذنبي عفوك المأمولا
هبني أسأت، نعم أسأت، أُقرّكي ... تعفو ويزداد التطوّل طولا
أبو الربيع بن سالم
شيخي الذي أورثني هذه الصناعة، ورضي اتخاذها لي بضاعة، وضمن أن لا إضاقة ولا إضاعة، جاعلاً قول ابن أبي الخصال شاهداً في الاعتلاق بها والاتصال: من جمع بلاغةً وخطاً لم يخش في دولة الأفاضل حطاً، فاسترجحت حصاته، وأقبلت عليها قابلاً وصاته، غير مستبدل بها خطة ولا متبوئ دونها خطة، لكيلا أنقض ما أبرم، وأرتبط خلاف ما استكرم، وكان هو قدس الله أشلاءه، وأجزل من النعيم المقيم جزاءه قد عني بها في شبيبته، فعتب عليه والي بلنسية حينئذ وحجبه رائحاً عليه وغادياً، وألزمه مكاناً قاصياً، كان به قاضياً، فخاطبه مستعطفاً برسالة منها: وبعد فكتب الذي قصر، ثم عاين قصده وأبصر، واقترف فاعترف، واجترح فلم ير أجدى من أن قرع باب المغفرة واستفتح، وفي علم المولى أن العبيد أهل الخطأ ومظنة السعي المستبطأ،
стр. 208
إن أعرقوا النزع عن قوس الاجتهاد، وأصابوا شاكلة المراد، فكالسهام في قرطسة مراميها، إصابتها منسوبة إلى راميها، وإن تنكبوا مرتضى السعي الحميد، وتجنبوا مقتضى الرأي السديد، فغير نكر من شيم العبيد، ومتى نوقشوا الحساب على كل زلة، وعوقبوا في كل ضلة، أفناهم العقاب سريعاً، وأهلكهم التأديب جميعاً، وإنما بقاؤهم بأن يسبل الموالي على هفواتهم ستر الإغضاء، ويقربوا عليهم مدارك الإرضاء، وهو أدب الله تعالى في عباده حين خلقهم نطفاً، ثم درجهم في مناقل النشء مكتنفين إحساناً منه ولطفاً، حتى إذا سواهم رجالاً وأوسع لهم في الدنيا وزخرفها مجالاً، أذهلهم شكر النعم عن شكر المنعم، وشغلهم التقلب في نعمائه عن توفية حقه وأدائه، فيمهلهم سبحانه انتظاراً لمتابهم، وترقباً لمآبهم، وقصداً منه تعالى لأن يظهر في كل حي أثر رحمته التي وسعت كل شيء، وليهتدي القادرون من عباده إلى فضيلة العفو عند الاقتدار، وجمال الصفح والتجاوز في هذه الدار، ولو يؤاخذهم ﵎ اسمه بمكسوبهم، ويعاقبهم في بداية ذنوبهم، لوقعت المجازاة منه على عدل بما كانوا يصنعون، ولكنه " يَقْبَلُ التوبةَ عن عِباده ويَعْفُو عن السيّئاتِ ويعلمُ ما يَفْعلون "، والعبد أيد الله مولانا من جملة العبيد، " منهم أُمةٌ مقتصدةٌ وكثيرٌ منهم ساء ما يعملون "، فما أسلف من صواب فببركة مستعمله، وما اقترف
стр. 209
من خطإ فمن كسبه وعمله، وقد مد يمين الإقرار، ثم أبدى صفحة الاستغفار لمولى حريص على الصفح يشتمل أثوابه، مصيخ إلى صرخة مكروب يفتح لها أبوابه، ضارعاً في أن يراجع سعادته، ويعاود من لثم اليمين الطاهرة واجتلاء لألاء الغرة الباهرة عادته، وإذا كان العفو جلياً رائقاً في جيد الاقتدار، ورأياً لائقاً بذوي الأقدار، ومعنى لاحقاً بأفضل مساعي الأبرار، فسيدنا أولانا بنفيسه، وأحراهم بتفريج الكرب وتنفيسه، ذلك بما خوله الله من جوامع الفضل الذي لا تشذ عنه صالحة من الأعمال، ولا يتعذر عنده أمل من الآمال، والعبد متنسم روح القبول، ومتوسم بجميل الثقة بفضل مولاه تسني المأمول، فإن حق تنسمه، وصدق توسمه، فيا طيب محياه، وسعادة دينه ودنياه، وإن تكن الأُخرى والعياذ بالله، وحاشا مولانا من ذلك حاشاه، فمن أي مولى سواه نلتمس العفو، وفي أي مورد نتسوغ الصفو:
والله ما ندري إذا ما فاتنا ... طلبٌ إليك من الذي نتطلّب
فأصبر لعادتك التي عودّتنا ... أو لا فأرشدنا إلى من نذهب
فلما وقف على كتابه، أسعف بإعتابه.
ثم لم يزل في السيادة مشاهد الزيادة إلى أن ختم الله بالشهادة.
ولهذا الشعر قصة ذكرها يستقبل به القبول، وشرحها ليس من العدل عنه
стр. 210
العدول: حكى ابن عبد ربه عن الأصمعي قال: قدم على يزيد بن المهلب قوم من قضاعة ثم من بني ضنة وضبط هذا الاسم بالنون المشددة وكسر الضاد المعجمة فقال رجل منهم:
والله ما ندري إذا ما فاتنا ... طلبٌ إليك من الذي نتطلّب
ولقد ضربنا في البلاد فلم نجد ... أحداً سواك إلى المكارم ينسب
فأصبر لعادتك التي عوّدتّنا ... أو لا فأرشدنا إلى من نذهب
فأمر له بألف دينار، فلما كان في العام المقبل وفد عليه فقال:
مالي أرى أبوابهم مهجورةً ... وكأنّ بابك مجمع الأسواق
خافوك أم هابوك أم شاموا الندى ... بيديك فاجتمعوا من الآفاق
إني رأيتك للمكارم عاشقاً ... والمكرمات قليلة العشّاق
فأمر له بعشرة آلاف درهم.
ويقال فيما حكى أبو علي البغدادي في النوادر وغيره إن عبد الملك بن مروان دخل عليه هذا الضني فأنشده الأبيات الثلاثة التي في آخرها:
........................ ...
стр. 211
أو لا فأرشدنا إلى من نذهب
فقال عبد الملك: إلي إلي! وأمر له بألف دينار؛ ثم أتاه في العام المقبل فقال:
يربّ الذي يأتي من الخير إنّه ... إذا فعل المعروف زاد وتمما
وليس كبانٍ حين تمّ بناؤه ... تتبّعه بالنقض حتى تهدّما
فأعطاه ألفي دينار؛ ثم أتاه في العام الثالث فقال:
إذا استمطروا كانوا مغازير في الندى ... يجودون بالمعروف عوداً على بدء
فأعطاه ثلاثة آلاف دينار.
стр. 212
خاتمة المؤلف
قال المؤلف: قد أوردت ما أردت من هذه المآثر الكرام، المحفوظة النظام، واقتداء خلفاء الله به ﷻ في التجاوز عن الذنوب العظام، مما نويت باجتلائه الإلماع، وأعفيت من تشعب أبوابه الأسماع، سوى أشياء لبعض ما يمر نظائر، ليس التدريج إليها ولا التعريج عليها بضائر، وكل ذلك بالنسبة إلى الحلم الإمامي والإسجاح، كالذبالة باهرت أنوار الصبح الوضاح، والصبابة كاثرت تيار اليم الطفاح، يوم ابتز ما كان باليد اللسان، واستفز العجل الذي خلق منه الإنسان، فيالمسرف على نفسه خائف، ومستشرف طوي بالإهمال طي الصحائف، لا جرم أنه تبوأ رتبة مرفعة، فربأ عن إسلامها كهلاً بعد إحرازها يفعة، متوقفاً عن الانحدار في الوقوف مع الإختيار، ومتوكفاً قبول الإعتذار بالبيت السيار:
стр. 213
لا تهنّي بعد أن أكرمتني ... فشديدٌ عادةٌ منتزعه
فصدر ما أثلج الصدر من إعفاء، وظهر إبقاء أوفى على الأمل أي إيفاء، ثم في صبيحة اليوم الثالث، هجم علي بالكارب الكارث، أُصير إلى الإقصاء من التقريب، وأُخير بين التشريق والتغريب، ومعاذ الله لا اختيار في خطتى خسف، هذا لو أن جناحاً وبالاً دون كسر وكسف، فكيف ولا حراك موجود، ولا مستنجد إلا منجود، في هاجم للآمال هادم، وناجم بالأهوال داهم، وعلى ما دفعت إليه من ارتباك، لمتعسف كاب، ومتأسف باك، من ولهى وواله، كل يجد على زواله، ويحد في إعواله، شرعت في المسير، وضرعت إلى الله في التيسير جالياً للجلاء والرحيل أوجهاً تصلاه، وتالياً من محكم التنزيل " لا تَقْنَطوا من رحمةِ الله "، وحسبي السميع البصير، " نعمَ المولى ونعم النّصير " فقل في يوم عصيب، رماني بسهم للفراق مصيب، ولم يدع لي فيما سوى الإضاعة وإزجاء البضاعة من نصيب، أرى ضد ما تمنيت، وشرى بثمن بخس ما اقتنيت، واستشرى في محو ما وحيت، وهدم ما بنيت، حتى عيل الاصطبار وغلب الاستعبار، للتفكر في بث الأشجان وبت الأشطان،
стр. 214
والتذكر لولوج الامتحان بالخروج عن الأوطان، أيان سلمها الإسلام آيساً، وتدبرها التثليث آنساً، وخلال ذلك من حسن الظن بالخلال الكرام ما حمل على أن قلت في بدء الحال، وبين يدي العمل على الترحال، مرتقباً خفايا الألطاف، ومقترباً بهدايا الاستعطاف، لاتضاح دلائل الحدب، ونجاح رسائل الأدب:
لمبشّري برضاك أن يتحكّما ... لا المال أستثني عليه ولا الدّما
تالله لا غبن أمرؤٌ يبتاعه ... بحياته فوجوده أن يعدما
أيّ المعاذر أرتضي لجناية ... عظمت ولكن ظلّ عفوك أعظما
ندمي على ما ندّ مني دائمٌ ... وعلامة الأوّاب أن يتندّما
يا طول بؤسي مبسلاً بجريرتي ... إن لم تجزني بالتجاوز منعما
مولاي رحماك التي عوّدتني ... إني اعتمدتك خاضعاً مسترحما
فأحقّ من تولي الإقالة عاثرٌ ... لم يستحبّ على الهدى قطّ العمى
أقصاه عنك تزلفٌ بخطيئةٍ ... خال الصواب خلالها وتوهما
ولقد تحفّظ في المقالة جهده ... لكنّه نمي الحديث ونمنما
مولاي عبدك ماله من معدلٍ ... عن دار عدلك منذ حلّ وخيّما
لو أنّه يجد الحياة كريمةً ... في غيرها لرأى المنيّة أكرما
стр. 215
إن ينتزح ناديك عنه يقترب ... منه وإن لا تحمه يلج الحمى
متهافتاً مترامياً متطارحاً ... متوصّلاً متوسّلاً متحرّما
قد علّمته تجنب الجهل العلا ... يكفيه أن قوّمته فتقوّما
هيهات يصحو أو يواقع سلوةً ... من لم يزل برضاك مغرى مغرما
أهون بما لاقاه من هونٍ إذا ... لاقاك مرتاحاً له متبسّما
وجثا يقبّل قبل راحتك الثرى ... غرداً بما أوليته مترنّما
بمتابةٍ رسخ الهدى أثناءها ... علماً وقام الحقّ فيها معلما
وكتبت إلى النجل الطاهر والقمر الباهر الأمير الأمجد الأسعد الوارث عن آبائه الطاهرين إنجاز ما وعد وإخلاف ما أوعد، أبي عبد الله نصر الله لواءه وحرس مجده المؤثل وعلياءه، وكافأ اهتمامه الكافي طارق الهموم الوافي، بالخصوص من الأفضال والعموم واعتناءه أستشفع بمقامه، وأستدفع انتقام الأيام بإنعامه:
مولاي دامت لك السّعود ... أخطأت أخطأت لا أعود
مالي براحٌ ولا انتزاحٌ ... موتي في أرضكم خلود
كن لي شفيعاً إلى إمام ... ليس على فضله مزيد
عادته العفو والموالي ... تعفو إذا أخطأ العبيد
следующие страницы →