Полный текст (220 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
عبيد الله كتب إلى المعتضد رقعة يعرفه بذلك منها: ولما أفقت من هذه الصدمة التي وقعت علي، لم آمن أن يدخل علي الخلل الواقع في أوائل الحوادث، وكرهت أن أُحدث شيئاً من الأعمال دون علم رأي أمير المؤمنين سيدنا، فتوقفت ليأتيني من أمره ما يكون عملي بحسبه! فأجابه المعتضد: أستمتع الله النعمة ببقائك؛ وصل كتابك بالحادث العظيم والله عندي، فأورد علي ما أقلقني وأرمضني وأبكاني وبلغ مني، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وعند الله أحتسب أبا القاسم، وإياه أسأل أن يغفر له، وما مضى من مثلك وراءه، ولست أشك فيما نزل بك، وحقيق عليك، ولست ممن يحتاج إلى وصية، فبحياتي عليك لما تعمل بنفسك عملاً يضر ببدنك، وأخرج اللوعة بالبكاء، فإن فيه راحةً وفرجاً، ودع تجاوز ذلك إلى غيره؛ وأما الأعمال التي استأذنتنا فيها فتقلدها ونفذها، وأجر الأمور على ما كان أبوك يجريها عليه، وأحذ حذوه، واسلك طريقه، فإني أرجو زيادتك، ولا أخشى إضاعتك إن شاء الله!. وبعث المعتضد من صار إليه من خدمه بالقاسم في غد ذلك اليوم، وكان نازلاً بالثريا، فلما رآه عزاه عن أبيه، وبسطه وآنسه، وقال: ثق بمالك عندي فإن الثقة بذلك توفي على المصيبة وإن عظمت! ثم خلع عليه للوزارة، فخرج معه
стр. 142
بدر وجميع القواد والجيش حتى صار إلى منزله.
ولما توفي المعتضد في شهر ربيع الآخر سنة تسع وثمانين ومائتين بعد سنة كاملة من وزارة القاسم، أخذ البيعة للمكتفي ابن المعتضد على الناس، واستقامت الأمور وعظمت هيبته وجل شأنه.
وكان من رأي بدر توليه عبد الواحد بن الموفق، فخالفه القاسم، ثم خالفه فأغرى به المكتفي حتى قتله.
وذكر أن المعتضد أحب أن يستكتب أحمد بن محمد المعروف بجرادة، بعد وفاة عبيد الله بن سليمان، فألح عليه بدر يقبل الأرض بين يديه ويقول: تربيتك وصنيعتك القاسم! فيقول له المعتضد: القاسم حدث غر وجرادة شيخ مجرب! فلم يزل به إلى أن قال: اختر عشرة آلاف دينار أو القاسم! فاختار أمر القاسم؛ فقال له المعتضد: والله لأقتلك غيره! فكان كما قال.
واستثقل المكتفي بعد ذلك القاسم، وأنكر قلة وفائه لبدر، وعزم على صرفه وتقليد غيره، فبلغه ذلك، فصار إلى المكتفي، ورمى بنفسه بين يديه، وقال: قد قمت ببيعتك وأنت غائب.. وذكر أشياء من خدمته توجب حرمته،
стр. 143
ثم قال: وهذه رقعة بجميع ما أملك، لك كله، وأمني، ولا تسلمني إلى عدوي! فقال المكتفي: وما السبب في هذا الكلام؟ فأخبره بمن حكى عنه ذلك، فعرف صحته وغاظه وقال: ما من ذلك شيء، وإنما أردت تولية الدواوين! واحتال القاسم في إتلاف المرشح لمكانه من كتاب المكتفي، فتم له ذلك.
وقال الصولي: لعهدي بالقاسم قد حل سيفه ومنطقته بين يدي المكتفي وهو يتقلب بالأرض ويقبلها، والمكتفي يطيب نفسه؛ قال: ثم مضى المكتفي إلى حرب القرمطي والقاسم معه، فكانت له في ذلك آراء مشهورة أدت إلى الظفر به. وركب مع المكتفي يوم دخولهم بالقرمطي، وكان من أيام الدنيا، وذلك في سنة إحدى وتسعين ومائتين. قال: وسأل القاسم المكتفي أن يشرفه بتزويج ابنه محمد بنته، فأجابه ومهرها مائة ألف دينار، فخلع عليه القاسم وعلى أهل الدولة، ولقب بولي الدولة، وكان يكتب عن نفسه: من ولي الدولة أبي الحسين القاسم بن عبيد الله وأمر أن تؤرخ الكتب عنه بأسماء أصحاب الدواوين، وهذا ما كان قط إلا لخليفة.
стр. 144
علي بن عيسى بن الجراح
كتب للقاسم بن عبيد الله هو والعباس بن الحسن، وأشار القاسم وهو في آخر علته على المكتفي باستكتاب أحدهما، فقدم العباس للوزارة، وكان علي زاهداً متواضعاً حافظاً للقرآن، عالماً بمعانيه وإعرابه، وله في ذلك تأليف، وقد حمل عن أبيه الحديث، وله بلاغات لا تعرف لغيره من الكتاب، ثم وزر للمقتدر غير مرة في أول خلافته وآخرها، ولم يكن يهوى ذلك، بل كان يحب الاعتزال، ويقول: ما كنت أحتسب بمقامي في هذا الأمر إلا أني مجاهد في سبيل الله، خوفاً من فتنة لا تبقي ولا تذر.
ولما ضبط أمر الملك، ومنع الأيدي من الظلم، اشتد ذلك على من اعتاده، فطولب ولم يعبه أعداؤه بشيء سوى قولهم: إن شغله بمحقرات الأمور تشغله عن جليلها، لأن زمانه لا يفي بذلك؛ إلى أن صرف وحبس حبساً كريهاً، فكتب في نكبته عدة مصاحف، وكان يحمل في وزارته إلى بيت المال ما يرد عليه مما
стр. 145
كان الوزراء قبله يرتفقون به؛ فقال المقتدر: قد استحييت من الله في مال علي ابن عيسى، فإني أخذته ظلماً، وأحاله به على مال مصر، فاشترى به ضياعاً ووقفها على مكة والمدينة.
ولما استقدم من مكة بعد إخراجه إليها، والوزير إذ ذاك أبو علي محمد ابن عبيد الله بن يحيى بن خاقان، وقد تبين عجزه، خلع عليه وقدم للوزارة، وأُمر بالقبض على محمد وابنيه عبيد الله وعبد الواحد، وكانوا قد ركبوا إلى دار الخلافة ووعدوا أن يسلم إليهم فسلموا إليه، فأطلق عبد الواحد وقال: إنه مظلوم؛ وعامل محمداً وعبيد الله أحسن معاملة، ورفق بهما، وكانا قد أرادا قتله في طريق مكة، فلم يمكنهما فيه حيلة.
ورفع إليه أن رجلاً من جلساء عبيد الله قال: إن علي بن أبي طالب قتل، فمن علي بن عيسى حتى لا يقتل! فما زاد علي أن قال: أما اتقى الله ولا خافه!! ثم كان يقضي حوائج ذلك الرجل ويثني عليه؛ فلما جلس للناس ورأى تكاثرهم تمثل:
ما الناس إلاّ مع الدنيا وصاحبها ... فكيفما انقلبت يوماً به انقلبوا
يعظّمون أخا الدنيا فإن وثبت ... يوماً عليه بما لا يشتهي وثبوا
стр. 146
وكان علي بن بسام قد هجاه لما نفي إلى مكة، فلما ردت إليه الوزارة جلس يوماً للمظالم فمرت به في جملة القصص رقعة مكتوب فيها:
وافى ابن عيسى وكنت أضغنه ... أشدّ شيءٍ عليّ أهونه
ما قدّر الله ليس يدفعه ... وما سواه فليس يمكنه
فقال علي بن عيسى، صدق هذا ابن بسام، والله لا ناله مني مكروه أبداً.
وأنشد الصولي مما هجي به علي بن عيسى في نكبته:
أيّامكم يا بني الجرّاح قد جرحت ... كلّ القلوب ففيها منكم نار
لا متّع الله بالإقبال دولتكم ... فإنّ إقبالكم للنّاس إدبار
وذكر أنه استشير بعد عزله في حامد بن العباس فقال: حاذق بالعمل لا يصلح للوزارة! فقيل له: قدم! فقال: بارك الله لأمير المؤمنين فيما أمضاه! ثم عزم عليه أن يتقلدها فأبى، لما نصح فيها، فلم ينفعه ذلك، فقيل له: فاخرج تعاون حامداً، فيكون له الاسم ولك العمل! فأجاب بعد امتناع طويل. وقيل لحامد: إنا جعلنا علي بن عيسى عوناً لك، فشكر ذلك، وذكره بخير، ومشى أمر المملكة على هذا خمسة أعوام في حسن سيرة وإنصاف من ظالم، وعلي
стр. 147
ابن عيسى يدبر ذلك كله. وطمع حامد في الاستبداد، وتضمن علياً بمال عظيم فلم يقدر على ذلك.
أبو جعفر البغدادي
لحق بالمهدي عبيد الله الشيعي في أول تغلبه على إفريقية وإثر البيعة له برقادة، فولاه أُموراً خفيفة، ثم صار البريد وكتابة السلطان إليه، وفسد ما بينه وبين عروبة الكتامي، وهو حينئذ المستولي على المملكة العبيدية، وأغراه به جماعة، فصار البغدادي إلى خوف شديد، وكان يتوقع الموت في كل يوم، إلى أن قتل الكتامي منافقاً، وجيء برأسه إلى رقادة، وقتل أخوه وأهل بيته، وتمكن البغدادي من أعدائه، وجلت حاله عند عبيد الله حين انتقاله إلى المهدية، وانقطعت السعاية به، وتمادت حظوته إلى آخر أيامه، وولي ابنه القائم، فأبقاه على حاله مدة.
стр. 148
عيسى بن فطيس
كان عبد الرحمن بن محمد الناصر أمير الأندلس قد ولاه الكتابة العليا في حياة أبيه فطيس، وأبوه إذ ذاك صدر في وزرائه، فلما عزل الناصر للنصف من شهر ربيع الآخر سنة تسع وعشرين وثلاثمائة جميع وزرائه بسبب أنكره عليهم، إلا رجلين منهم: أحمد بن عبد الملك بن شهيد ذا الوزارتين، وهو أول من ثنيت له بالأندلس، وأحمد بن محمد بن إلياس القائد، ولى في آخر هذه السنة عيسى بن فطيس الوزارة مكان أبيه، مضافةً إلى الكتابة، ثم عزله عنهما جميعاً بعد خمسة أيام من جمعهما له. وولى الكتابة عبد الرحمن بن محمد الزجالي، ثم وجه فيه وقد برز مع الناس لشهود الاستسقاء، وذلك يوم السبت لليلتين خلتا من جمادى الأخرى سنة ثلاثين فجيء به من المصلى، وأُقعد في بيت الوزارة، وتمادى له ذلك مع زيادة الحظوة إلى آخر خلافة الناصر.
стр. 149
أحمد بن سعيد بن حزم
ذكر أبو مروان بن حيان أن المنصور محمد بن عبد الله بن أبي عامر استوزره قبل سائر أصحابه في سنة إحدى وثمانين يعني وثلاثمائة في خلافة هشام المؤيد بالأندلس، واستخلفه أوقات مغيبه على المملكة، وصير في يده خاتمه، فلما تناهت حاله في الجلالة، وأملته الخاصة والعامة، اتهمه المنصور بأنه قد زهي عليه برأيه، وأنس منه عجباً بشأنه، فصرفه عن الوزارة وأقصاه عن الخدمة، دون أن يغير عليه نعمة، وكان يقول: والله إن ابن حزم للنصيح جيباً، الأمين غيباً، ولكنه زهي برأيه، وظن أن سلطاني مضطر إلى تدبيره! فتردد في نكبته مدة، ثم أخرجه لينظر في كور الغرب باسم الأمانة، فرئم المذلة وتبرأ من الدالة، فلما زكن المنصور ذلك منه، أعاده إلى حسن رأيه فيه، وصرفه إلى خطته.
стр. 150
وذكر أبو عبيد الله الحميدي وقال فيه: والد الفقيه أبي محمد، كان وزيراً في الدولة العامرية ومن أهل العلم والأدب والخير، وكان له في البلاغة يد قوية، وحدث عن ابنه أبي محمد علي بن أحمد الفقيه قال: أخبرني هشام بن محمد بن هشام بن محمد بن عثمان المعروف بابن البشتني من آل الوزير أبي الحسن جعفر ابن عثمان المصحفي عن الوزير أبي رحمة الله عليه، أنه كان بين يدي المنصور أبي عامر محمد بن أبي عامر في بعض مجالسه للعامة، فرفعت له رقعة استعطاف لأم رجل مسجون كان ابن أبي عامر حنقاً عليه لجرم استعظمه منه، فلما قرأها اشتد غضبه وقال: ذكرتني والله به! وأخذ القلم يوقع، وأراد أن يكتب: يصلب فكتب: يطلق ورمى الكتاب إلى الوزير، قال: فأخذ أبوك القلم وتناول رقعةً وجعل يكتب بمقتضى التوقيع إلى صاحب الشرطة، فقال له ابن أبي عامر: ما هذا الذي تكتب؟ قال: بإطلاق فلان إلى صاحب الشرطة؛ قال: فحرد وقال: من أمرك بهذا؟ فناوله التوقيع، فلما رآه قال: وهمت! والله ليصلبن! ثم خط على ما كتب؛ وأراد أن يكتب يصلب فكتب يطلق
стр. 151
قال: وأخذ والدك الرقعة فلما رأى التوقيع تمادى على ما بدأ به من الأمر بإطلاقه، ونظر إليه المنصور متمادياً على الكتابة، فقال: ما تكتب؟ قال: بإطلاق الرجل، فغضب غضباً شديداً أشد من الأول، وقال: من أمرك بهذا؟ فناوله الرقعة، فرأى خطه، فخط على ما كتب، وأراد أن يكتب يصلب فكتب يطلق فأخذ والدك الكتاب فنظر ما وقع به، ثم تمادى على ما كان بدأ به، فقال له: ماذا تكتب؟ قال: بإطلاق الرجل، وهذا الخط ثالثاً، فلما رآه عجب وقال: نعم يطلق على رغمي، فمن أراد الله إطلاقه لا أقدر أنا على منعه! أو كما قال.
عبد الملك بن إدريس الجزيري
عتب عليه المنصور أبو عامر محمد بن عبد الله بن أبي عامر، وكان في الغاية من البيان والخطابة، فصرفه عن الكتابة، ثم أخرجه من قرطبة واعتقله بإحدى القلاع المنيعة بشرق الأندلس، فقال في ذلك:
стр. 152
قالوا جفاه ثلاثاً ثم غرّبه ... فليس يرجو لديه حظوةً أبدا
جاروا وما عدلوا في القول بل حكموا ... على المقادير جهلاً لا هدوا رشدا
أليس يوقد نصل السيف ضاربه ... قبل الصّقال مراراً جمّةً عددا
حتى إذا ما سقى حدّيه ريّهما ... واهتّز لدناً دعاه الصارم الفردا
وما المهذّب إلاّ من تعرّقه ... زمانه مخطئاً طوراً ومعتمدا
من لم يذق طعم بؤساه وشدتها ... لم يدر لذّة نعماه ولا وجدا
ودون هذا الذي قالوه أقضيةٌ ... لله في حكمه لم يؤتها أحدا
لا بد للقدر المقدور من أمدٍ ... يلقاك فيه على حتمٍ وإن بعدا
وكتب من معتقله قصيدتة المشهورة في الناس وأولها:
ألوى بعزم تجلّدي وتصبّري ... نأي الأحبة واعتياد تذكّر
يقول فيها:
وأعلم بأن العلم أفضل رتبةٍ ... وأجل مكتسبٍ وأسنى مفخر
فاسلك سبيل المقتنين له تسد ... إنّ السيادة تقتنى بالدفتر
وبضمّر الأقلام يبلغ أهلها ... ما ليس يبلغ بالجياد الضّمّر
стр. 153
وفيها يقول أيضاً يصف المعقل الذي حبس فيه:
في رأس أجرد شاهقٍ عالي الذّرى ... ما بعده لموحّدٍ من معمر
يأوي إليه كل أعور ناعبٍ ... وتهبّ فيه كلّ ريح صرصر
ويكاد من يرقى إليه مرةً ... في عمره يشكو انقطاع الأبهر
وفي آخرها يخاطب بنيه:
لا تسأموا إحضاره رغباتكم ... فهباته مبسوطةٌ لم تحظر
وعسى رضى المنصور يسفر وجهه ... فيديل من وجه الفراق الأغبر
فرق له المنصور لما سمع هذا البيت، وكان سبباً إلى العفو عنه والإحسان إليه.
وقال ابن حيان، وذكر قصة ابن حزم الوزير مع ابن أبي عامر في إدلاله المفضي به إلى إذلاله: وفي مثل هذا السبيل كان غضبه على كاتبه عبد الملك بن إدريس المعروف بالجزيري وإقصاؤه له مرةً بعد مرة وتسييره له إلى طرطوشة وكان أكثر من يشركه أعطالاً من الآداب العربية لتوفرهم على علم العدد، وانهما كهم في التعاليم الديوانية التي استدروا بها الجباية وحصلوا بها المراتب العالية، فكان
стр. 154
الجزيري يزري بهم ويحب الاشتمال على ابن أبي عامر، ويتصور فرط حاجته إليه في الإنشاء، ولم يكن من شأنهم، فسخط عليه المنصور، وأقصاه عن حضرته على فرط حاجته إلى خدمته، وقلد كاتبه على الحشم ديوان الرسائل، فاستجزأ به لذهاب مشيخة كتاب الرسائل في الوقت، ورضي بعد ذلك عن عبد الملك لما حمد حاله في الرياضة، ولم يزل يتولى له ديوان الرسائل إلى أن هلك المنصور.
ويقال: إن المنصور سجنه في مطبق الزاهرة مدة، فاستعطفه من الرسائل والأشعار بما أثمر تسريحه، فكتب إليه:
عجبت من عفو أبي عامر ... لا بدّ أن تتبعه منّه
كذلك الله إذا ما عفا ... عن عبده أدخله الجنّه
فسر المنصور بذلك، وأعاده إلى حاله، وأطلق له ما اعتقل من ماله، ثم استوزره بعده المظفر عبد الملك بن محمد بن أبي عامر.
стр. 155
عيسى بن سعيد القطاع
قال ابن حيان: اختلف عيسى إلى الديوان، وصحب محمد بن أبي عامر وقت حركته في دولة الحكم، فبلغ به المنازل الجليلة، وكان مشهوراً عنده بيمن النقيبة.
وحكي أن ابن أبي عامر كان في مجالس أُنسه بما يعمله من كيده ويبرمه من رأيه أكلف به مما يدار عليه من طيب العقار ويعلل به من سحر الأوتار، ولقد اكثر في ذلك ليلة على كاتبه الأخص عيسى بن سعيد، وكان أول كاتب كتب له قبل ملكه، فكان ينبسط عليه بسالف حرمته وقديم صحبته، فلما باعد بينه وبين شهوته، وقطع به مدة الليلة عن لذته قال: اللهم غفراً! إما شراب ولذة وإما خدمة ومشقة، فإذا قد عزمت على صلة النهار بالليل، فأسكت المسمعة ولتحضر الخريطة، ثم أمر بما شئت نقم به على الحقيقة، فخلط الجد بالهزل مفسدة، وإنما نستجم بهذه الساعة الضيقه لقطع الأوقات الطويلة! فضحك المنصور وقال: أضجرنا عيسى، وليس منا في شيء، ومن عدل بالأمر والنهي لذة فقد انتفى من الذكورة! ثم توفر بقية الوقت على المنادمة.
стр. 156
خلف بن حسين بن حيان
كان من كتاب المنصور ابن أبي عامر، وهو والد أبي مروان حيان بن خلف صاحب التاريخ، وأخبر عن نفسه قال: بكتني المنصور يوماً على بعض ما أنكره مني تبكيتاً بعث من فزعي ما اضطربت منه، فأشفق علي وخفف عني، وأنفذني للوجه الذي استنكر فيه بطئي، فعدت بتمامه بعد أيام، فاستوقفني وأخلى مجلسه، ثم أدناني فقال: رأيت من ذعرك ما استنكرت، ومن وثق بالله برئ من الحول والقوة لله، وإنما أنا آلة من آلاته، أسطو بقدرته وأعفو عن إذنه، ولا أملك لنفسي إلا ما أملك من نفسي لسواي، فطامن جأشك فإنما أنا ابن امرأة من تميم، طالما تقوتت من غزلها، أغدو به إلى السوق وأنا أفرح الناس بمكانه، ثم جاء من أمر الله ما تراه، ومن أنا عند الله لولا عطفي على المستضعف المظلوم، وقهري للجبار الطاغي! ذكر هذه الحكاية ابنه أبو مروان في أخبار الدولة العامرية من تأليفه، وفي مناقب المنصور محمد بن أبي عامر وهيبته التي لا يسامح في نقصانها أحداً من ولد ولا ذي خاصة، حتى حشيت أحشاء الناس ذعراً، ثم يأتي من كرم الإعتاب بهذا العجب العجاب.
стр. 157
أحمد بن علي الجرجرائي أبو القاسم
نكبه الحاكم بن العزيز العبيدي صاحب مصر وأمر به فقطعت يداه جميعاً لجناية جناها أو تجناها هو عليه، فما ارتاع لما أصابه. وحكي عنه أنه عصب يديه إثر قطعهما وانصرف إلى ديوانه فجلس لخدمته على عادته وقال: إن أمير المؤمنين لم يعزلني وإنما عاقبني لجنايتي! فجعل الناس يعجبون منه، وكان جلداً حازماً ضابطاً داهيةً فصيحاً، فلما بلغ ذلك الحاكم استعظمه له، وشرف به لديه، ورق على فظاظته لما نزل به، فرقاه إلى الوزارة، وإنما كان قبل في أحد الدواوين، فوزر له بقية أيامه، ثم لأبنه الظاهر مدة ولايته ثم لأبنه المستنصر ابن الظاهر نحواً من ثماني سنين.
وأراد المعز بن باديس الصنهاجي صاحب القيروان مكايدته، فجعل يكاتبه
стр. 158
مستميلاً له ومعرضاً بالتحدث معه على بني عبيد الله، وكتب له بخطه قطعة يتمثل بها، منها:
وفيك صاحبت قوماً لا خلاق لهم ... لولاك ما كنت أدري انهم خلقوا
فقال الجرجرائي: ألا تعجبون من هذا الأمر؟ هذا صبي مغربي بربري يحب أن يخدع شيخاً بغدادياً عربياً! وإنما اتهمه بفعل ذلك ليوقع بين القوم ووزيرهم إن عثر على هذه الرموز؛ ثم قال: والله لا جيشت إليه جيشاً، ولا تحملت في إهلاكه نصباً، وأباح للعرب العبور بمجاز النيل من جهة قبائل الأعراب، وكان ذلك محظوراً ممنوعاً، وجعل لكل عابر منهم فرواً وديناراً، فأجاز منهم خلقاً عظيماً من غير أن يأمرهم بشيء لعلمه أنهم لا يحتاجون إلى وصاة، وأقاموا بناحية برقة وما جاورها، ولم يكن لهم أثر أمداً طويلاً، ثم قدم منهم مؤنس بن يحيى الرياحي إلى القيروان فسكنها أعواماً، وآل أمرهم إلى أن هزموا المعز بن باديس ثاني عيد الأضحى سنة ثلاث وأربعين وأربع مائة في ثلاثة آلاف فارس، وهو في أعداد عظيمة وجموع كثيفة، وأخربوا القيروان وتغلبوا على نواحيها، وتكاثروا بعد ذلك بإفريقية والمغرب إلى اليوم.
стр. 159
محمد بن سعيد التاكرني أبو عامر
ذكر أبو محمد بن حزم الفقيه أنه كان أحد القادمين مع المهدي محمد ابن هشام بن عبد الجبار على عبد الرحمن بن أبي عامر والساعين عليه؛ قال: ثم ولي عبد العزيز بن عبد الرحمن بلنسية، فكان محمد بن سعيد من أخص الناس به، ومتولي تدبير أموره إلى أن مات.
وقال ابن بسام وذكر أبا عامر هذا في الذخيرة: لما انقرضت الدولة العامرية وانشقت عصاها، وأدارت الفتنة المبيرة رحاها، كان أحد من مرق من ظلمائها، وآوى إلى جبل عصمه من مائها، فاستقر في بلنسية وأميرها حينئذ مظفر ومبارك صاحبه وكانا من عبيد العامرية، فانتظم في سلكهما، وشاركهما
стр. 160
في مراتب ملكهما، إلى أن أجابا صوت المنادي، وخلا منهما النادي؛ وأفضى ملكهما وملك من كان بهذا الأُفق الشرقي يعني من الأندلس من تلك الطائفة العبدى المجابيب إلى عبد العزيز وهو الملقب بالمنصور، فنهل أبو عامر في دولته وعل، ونهض بأعباء مملكته واستقل.
وحكي أن مجاهداً كتب يوماً إلى المنصور عبد العزيز رقعة لم يضمنها غير بيت الحطيئة حيث يقول:
دع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد فإنّك أنت الطاعم الكاسي
فلما وردت على المنصور أقامته وأقعدته، وكاد يمرق من إهابه فضلاً عن ثيابه، واستحضر أبا عامر التاكرني، فقال له: تطأطأ لخطبك واسمع المراجعة عنه؛ وعنون وبسمل وكتب هذا البيت:
شتمت مواليها عبيد نزارها ... شيم العبيد شتيمة الأحرار
فسلا المنصور عما كان فيه، وألحق أبا عامر بوزرائه، فنال جسيماً من دنياه.
стр. 161
أبو عامر أحمد بن عبد الملك بن شهيد
سعي به إلى المعتلي يحيى بن علي بن حمود في خلافته بقرطبة، فنكبه واعتقله، فقال في ذلك ما أورده أبو مروان عبد الملك بن غصن الحجاري في رسالته في صفة السجن والمسجون التي كتب بها إلى المأمون يحيى بن ذي النون يستعطف ابن حمود ويعتذر إليه:
قريبٌ بمحتلّ الهوان بعيد ... يجود بشكوى حزنه فيجيد
بغى ضرّه عند الإمام فناله ... عدوٌّ لأبناء الكرام حسود
وما ضرّه إلا مزاحٌ ورقّةٌ ... ثنته سفيه الذكر وهو رشيد
جنى ما جنى في قبة الملك غيره ... وطوّق منه بالعظيمة جيد
стр. 162
وما بي إلاّ الشعر أبثثته الهوى ... فسار به في العالمين بريد
أفوه بما لم آته متعرّضاً ... لحسن المعاني عندهم فأزيد
فإن طار ذكري بالمجون فإنني ... شقيٌ بمنظوم الكلام سعيد
يقول فيها:
إلى المعتلي عاليت همّي طالباً ... لكرّته إنّ الكريم يعود
همامٌ أراه جوده سبل العلا ... وعلّمه الإحسان كيف يسود
نفى الذمّ عنه أن طي بروده ... عفافٌ على سن الشباب وجود
تؤدّي إلينا أنه سبط أحمدٍ ... مخايل فيه للهدى وشهود
ومنها:
حنانيك إن الماء قد بلغ الزبى ... وأنحت رزايا ما لهنّ عديد
ظمئت إلى صافي الهواء وطلقه ... فهل لي يوماً في رضاك ورود
ولي حرمةٌ حاشا لمثلك أن يرى ... مضيعاً لها وهو الغداة شهيد
فلا يعر من رحماكم من عليكم ... مطارف مما حاكه وبرود
جواهر شعرٍ شاكل المجد درّها ... كما شاكلت جيد الفتاة عقود
فصفح عنه وخلى سبيله، فقال من قصيدة يشكره ويهنئه بفتح أولها:
стр. 163
فريق العدا من حدّ عزمك يفرق ... وبالدهر ممّا خاف بطشك أولق
تيممته والسعد حولك جحفلٌ ... وقارعته والنصر دونك خندق
يقول فيها:
أدرت رحى الحرب الزّبون بساحةٍ ... وغالبته والجوّ بالبيض يعبقّ
فلما حوت كفاك رمّة أمره ... وشدّ بكفّ الحصر منه المخنّق
وأسقيته من جمّة الأمن صافياً ... إذا ذاقه من ذاقه يتمطّق
وكم لك مثلي مسترقّ مكارمٍ ... بعفوك من رقّ المنيّة يعتق
كشفت سماء المجد عنك فلم أجد ... سوى كرمٍ عن طيب خيمك ينطق
وردت رياض العفو منك فجادني ... بأرجائها من مزن نعماك مغدق
فإن أنا لم أشكرك أبيض معرقاً ... فلا هزّني للمجد أبيض معرق
ثم خدم المستظهر أبا المطرف عبد الرحمن بن هشام المرواني إذ بويع له بالخلافة بقرطبة بعد القاسم بن حمود، وكان من كتابه.
стр. 164
أبو القاسم بن المغربي
أوقع الحاكم العبيدي بوالده وأهل بيته ونذر دم أبي القاسم هذا، فهرب إلى مكة، وكان في الرتبة العالية من الأدب والعلم، ثم صار إلى ميافارقين فتقلد وزارة أميرها، وانغمس في النعيم بعد إظهار الزهد ولبس الصوف وفي ذلك يقول:
تبدّل من مرقّعةٍ ونسكٍ ... بأنواع الممسّك الشفوف
وعنّ له غزالٌ ليس يحوي ... هواه ولا رضاه بلبس صوف
فعاد أشدّ ما كان انتهاكاً ... كذاك الدهر مختلف الصروف
وبعد هذا راسله صاحب الموصل فصار إليه وتقلد وزارته، ومنها انتقل إلى وزارة بغداد في خلافة القائم بالله أبي جعفر عبد الله بن القادر، وعنه كتب رسالته المشهورة في الرد على اليهود الحبابرة وإلزامهم الجزية؛ ثم خاف من الأتراك
стр. 165
فخرج من بغداد مستتراً وقد لبس ثياباً رثةً، ولف على وجهه منديلاً لئلا يمتاز من جملة العامة، وفي ذلك يقول:
تمرّست مني العلا بامرئٍ ... قد علق المجد بأمراسه
أروع لا يرجع عن تيهه ... والسيف مسلولٌ على رأسه
يستنجد النجدة من رأيه ... ويستقلّ الكثر من بأسه
وسقط إلى الموصل ثانية، ثم لحق بميافارقين وأقام بها إلى أن استدعي من بغداد إلى الوزارة ثانية.
أبو الوليد بن زيدون
قال ابن حيان: كان أبو الوليد من أبناء وجوه الفقهاء بقرطبة في أيام الجماعة والفتنة، وبرع أدبه، وجاد شعره، وعلا شأنه، وانطلق لسانه، فذهب به العجب كل مذهب، وهون عنده كل مطلب، وكان علقه من عبد
стр. 166
الله بن أحمد المكوي أحد حكام قرطبة ظفر أحجن أداه إلى السجن، فألقى نفسه يومئذ على أبي الوليد ابن جهور في حياة والده أبي الحزم، فشفع له وانتشله من نكبته، وصيره في صنائعه.
وذكر غيره أنه خاطب ابن جهور من معتقله برسالة يقول فيها: إن سلبتني أعزك الله لباس إنعامك، وعطلتني من حلي إيناسك، وغضضت عني طرف حمياتك، بعد أن نظر الأعمى إلى تأميلي لك، وسمع الأصم ثنائي عليك، وأحس الجماد باستنادي إليك، فلا غرو فقد يغص بالماء شاربه، ويقتل الدواء المستشفي به، ويؤتى الحذر من مأمنه، وإني لأتجلد فأقول: هل أنا إلا يد أدماها سوارها، وجبين عضه إكليله، ومشرفي ألصقه بالأرض صاقله، وسمهري عرضه على النار مثقفه، والعتب محمود عواقبه، والنبوة غمرة ثم تنجلي، والنكبة سحابة صيف عن قريب تقشع، وسيدي وإن أبطأ معذور:
وإن يكن الفعل الذي ساء واحداً ... فأفعاله اللائي سررن ألوف
وليت شعري ما الذنب الذي أذنبت ولم يسعه العفو! ولا أخلو من أن أكون بريئاً فأين العدل؟ أو مسيئاً فأين الفضل؟ وما أراني إلا لو أُمرت
стр. 167
بالسجود لآدم فأبيت، وعكفت على العجل، واعتديت في السبت، وتعاطيت فعقرت الناقة، وشربت من النهر الذي ابتلي به جنود طالوت، وقدت الفيل لأبرهة، وعاهدت قريشاً على ما في الصحيفة، وتأولت في بيعة العقبة، ونفرت إلى العير ببدر، وانخزلت بثلث الناس يوم أُحد، وتخلفت عن صلاة العصر في بني قريظة، وأنفت من إمارة أُسامة، وزعمت أن خلافة الصديق فلتة، ورويت رمحي من كتيبة خالد؛ وضحيت بالأشمط الذي عنوان السجود به، لكان فيما جرى علي ما يحتمل أن يسمى نكالاً، ويدعى ولو على المجاز عقاباً:
وحسبك من حادثٍ بامرئٍ ... ترى حاسديه له راحمينا
فكيف ولا ذنب إلا نميمة أهداها كاشح، ونبأ جاء به فاسق! ووالله ما غششتك بعد النصيحة، ولا انحرفت عنك بعد الصاغية، ولا نصبت لك بعد التشيع فيك، ففيم عبث الجفاء بأذمتي، وعاث في مودتي، وأنى غلبني
стр. 168
المغلب وفخر علي الضعيف، ولطمتني غير ذات سوار! مالك لا تمنعني قبل أن أُفترس، وتدركني ولما أُمزق، وقد زانني اسم خدمتك، وأبليت الجميل في سماطك، وقمت المقام المحمود في بساطك:
ألست الموالي فيك نظم قصائدٍ ... هي الأنجم اقتادت مع الليل أنجما
ويشبه قوله ولا ذنب إلا نميمة ... ما كتب به بعضهم إلى أمير أحس منه تغيراً: ما زال الحاسد لي عليك أيها السيد الأمير ينصب الحبائل، ويطلب الغوائل، حتى انتهز فرصة فأبلغك تشنيعاً زخرفه، وكذباً زوره، وكيف الاحتراس ممن يحضر وأغيب، ويقول وأُمسك، مرتصد لا يغفل، وماكر لا يفتر، وربما استنصح الغاش، وصدق الكاذب، والحظوة لا تدرك بالحيلة، ولا يجري أكثرها على حسب السبب والوسيلة؟ فأجابه الأمير معتباً: حضور الثقة بك أعزك الله يغني عن حضورك، وصدق حالك يحتج عنك، وما تقرر عندنا من نيتك وطويتك يغني عن اعتذارك.
стр. 169
وذكر الحصري في زهر الآداب أن ابن المعتز كتب إلى بعض الوزراء بذلك، وبينهما يسير خلاف.
ورسالة ابن زيدون طويلة جليلة، وفي نكبته هذه يقول:
يا للرزايا لقد شافهت منهلها ... غمراً فما أشرب المكروه بالغمر!
لا يهنإ الشامت المرتاح خاطره ... أني معنّى الأماني ضائع الخطر
هل الرياح بنجم الأرض عاصفة ... أم الكسوف لغير الشمس والقمر
إن طال في السجن إيداعي فلا عجبٌ ... قد يودع الجفن حدّ الصارم الذّكر
وإن يثبّط أبا الحزم الرضا قدرٌ ... عن كشف ضرّي فلا عتبٌ على القدر
لا تله عني فلم أسألك معتسفاً ... ردّ الصّبا غبّ إيفاءٍ على الكبر
وفيها يقول أيضاً من قصيدة فريدة:
لعمر الليالي إن يكن طال نزعها ... لقد قرطست بالنّبل في مقتل النبل
تحلت بآدابي وإنّ مآربي ... لسانحةٌ في عرض أُمنيّةٍ عطل
اُخصّ لفهمي بالقلى وكأنما ... يبيت لذي الفهم الزمان على دخل
стр. 170
وأُجفى على نظمي لكل قلادةٍ ... مفصّلة السّمطين بالمنطق الفصل
ولو أنني أسطيع كي أُرضي العدا ... شريت ببعض العلم حظاً من الجهل
أبا الحزم إني في عتابك مائل ... إلى جانبٍ تأوي إليه العلا سهل
حمائم شكري صبّحتك هوادلاً ... تناديك من أفنان آدابي الهدل
جوادٌ إذا استنّ الجياد إلى مدىً ... تمطّر فاستولى على أمد الخصل
ثوى صافناً في مربط الهون يشتكي ... بتصهاله ما ناله من أذى الشّكل
أإن زعم الواشون ما ليس مزعماً ... تعذّر في نصري وتعذر في خذلي!
ولم استثر حرب الفجار ولم أُطع ... مسيلمةً إذ قال: إني من الرسل
وإني لتنهاني نهاي عن الذي ... أشار به الواشي ويعقلني عقلي
هي النعل زلّت بي فهل أنت مكذبٌ ... لقيل الأعادي إنها زلّة الحسل
ألا إنّ ظني بين فعليك واقفٌ ... وقوف الهوى بين القطيعة والوصل!
ثم تهيأ له الفرار من السجن إلى أن شفع فيه كما تقدم فظهر! ولما ولي أمر قرطبة أبو الوليد بن جهور بعد أبيه أبي الحزم نوه به، وأسنى خطته وقدمه في الذين اصطنع لدولته، وأوسع راتبه، وعينه للنظر
стр. 171
على أهل الذمة في بعض الأمور المعترضة، وقصره بعد على مكانه من الخاصة والسفارة بينه وبين الرؤساء، فأحسن التصرف في ذلك، وغلب على قلوب الملوك.
واتفق أن عن له مطلب بحضرة إدريس بن يحيى بن علي الحسني بمالقة فأطال الثواء هنالك، واقترب من إدريس خف على نفسه، وأحضره مجالس أُنسه، فعتب عليه ابن جهور، وصرفه عن ذلك التصرف قبل قفوله، ثم عاد إلى حسن رأيه فيه.
واجتذبه المعتضد عباد بن محمد، فهاجر عن وطنه إليه، ونزل في كنفه، وصار من خواصه، يجالسه في خلواته، ويسفر له في مهم رسائله، لفضل ما اُوتيه من اللسن والعارضة؛ ثم كتب له بعد أبي محمد بن عبد البر فكانت الكتب تفد من إنشائه إلى شرق الأندلس، فيقال: تأتي من إشبيلية كتب هي بالمنظوم أشبه منها بالمنثور! وهلك المعتضد، فأقره ابنه المعمتد محمد بن عباد على حاله، وزاد في تكرمته، وأعرض عن الساعين به، واستعمل بعد وفاته ابنه أبا بكر محمد بن أبي الوليد.
стр. 172
محمود بن علي بن أبي الرجال
نكبه المعز بن باديس الصنهاجي، وكان هو وأبوه وأهل بيته برامكة إفريقية، وفي علي منهم يقول أبو عبد الله محمد بن شرف:
جاور عليّاً ولا تحفل بحادثةٍ ... إذا ادّرعت فلا تسأل عن الأسل
إسمٌ حكاه المسمّى في الفعال فقد ... حاز العليّين من قولٍ ومن عمل
فالماجد السيد الحرّ الكريم له ... كالنعت والعطف والتوكيد والبدل
زان العلا وسواه شانها وكذا ... للشمس حالان في الميزان والحمل
وربما عابه ما يعجزون به ... يشنا من الخصر ما يهوى من الكفل
سل عنه وانطق به وانظر إليه تجد ... ملء المسامع والأفواه والمقل
وتوفي علي مستوراً، وكان في حياته ينذر بنكبة ابنه محمود هذا في
стр. 173
السن التي نكب فيها، فوافق ذلك ما قال! ثم قال: شفعت أُخت المعز فيه فعفا عنه وخلع عليه وأُعطي للوقت بعض ضياع أبيه، وفي هذه النكبة يقول محمود:
وإخوانٍ تخذتهم دروعاً ... فكانوها ولكن للأعادي
حسبتهم سهاماً صائباتٍ ... فكانوها ولكن في فؤادي
وقالوا قد صفت منّا قلوبٌ ... لقد صدقوا ولكن من ودادي
أبو المطرف عبد الرحمن بن أحمد بن مثنى
كتب للمنصور أبي الحسن عبد العزيز بن عبد الرحمن بن أبي عامر صاحب بلنسية، وكان معه على بلاغته وبيانه وتقدمه في غير ذلك من العلوم كما وصف في رسالته إليه عند انفصاله عنه، يرققه على أهله وأبنائه: ولما تيقنت أن حالي لا ترم، وأن شعثي لا يلم، أبديت العزمة وأكدت الرغبة، وأخلق بمن نبذ نبذ النوى، وطرح طرح القذى، أن يشتد استيحاشه، ولا يطمئن جأشه؛ ووالله لولا اليأس ما تحركت، ولو انقطاع الرجاء لتماسكت، وهو الذي تشهد لي به العقول ويقضي علي به التحصيل، ولن ترى طارداً للحر كالياس.
стр. 174
وقد قال الآخر:
وإنّك لن ترى طرداً لحرٍّ ... كإلصاقٍ به طرف الهوان
وأيم الله لقد صبرت حتى عذرت، وأقمت حتى تهدمت، ومبلغ نفس عذرها مثل منجح، وأنا أستودع مولاي ودائع أقمن بحرمه، واعتصمن بذممه، وأوين إلى ظله، ولبسن أثواب فضله، وأستودعه استيداع من عظم وجده لبعاده، وخلف بين يديه فريقاً من فؤاده، وإني حيث خيمت، وأين يممت، لعبد شاكر ومعتقد نعمة ناشر، لا أفتر ولا اني، ولا أرتدع ولا أنثني، وحسبي بما سينهى إلى مولاي عني، وينمى إليه على قرب الدار وبعدها مني، وكذلك يعلم الله حسن ذكري لأكابره الجلة، وخلصائه العلية، وأسأل الله قبل وبعد أن يجزي بالنيات، ويقارض على المقامات، وأقول قول الموجع: بعد الزمن قطع مني عصمتي، وأدال لديك حرمتي؛ وأول هذه الرسالة:
قدر الله واردٌ ... حين يقضى وروده
فأرد ما يكون إن ... لم يكن ما تريده
стр. 175
ومن فصولها: وغير ذاهب على مولاي جلية حالي وسوء مآلي، وما منيت به من الجد العاثر والتأخر الظاهر، وما قلت إلا بالذي علمت سعد وفي علمه الجلي وفهمه الذكي أن الإناء إذا امتلأ يفيض، وأن الصبر على المعضل يغيض، وأن للاحتمال مدى ثم ينقطع، وللتحمل منتهى ثم يرتفع، ومملوكك لما غلبه جلده، وتناهى بشأنه كمده، وأظلم في عينيه ضوء النهار، وسد عليه طريق الاختيار، لم يجد بداً من مضايقة العسرة من النفار، خجلاً من الشمات اللاحق له، وتألماً من الخلل الملم به:
وللموت خيرٌ من حياةٍ يرى لها ... على المرء ذي العلياء مسّ هوان
متى يتكلم يلغ حسن كلامه ... وإن لم يقل قالوا عديم بيان
وكان ارتحاله من بلنسية إلى طليطلة، فاستوزره المأمون يحيى بن ذي النون، وألقى إليه بأموره كلها، فشهر اكتفاؤه وشكر غناؤه؛ ولأبن حيان في الثناء عليه إسهاب وإطناب، وأعتبه المنصور في بنيه، فلحقوا به على ما أحب، وتزايدت حظوته عند ابن ذي النون، وظهرت كفايته، فلما توفي المنصور عبد العزيز ببلنسية، وقدم ابنه عبد الله، أنفذه ابن ذي النون مع قائد من خاصته في جيش كثيف أمرهم بالمقام معه، وشد ركنه، فسكنت الدهماء عليه.
стр. 176
عبد الملك بن غصن الحجاري
نكبه المأمون بن ذي النون، واعتقله مع جماعة من النبهاء بوبذة من أعمال حضرة طليطلة، فكتب إليه رسالة في صفة السجن والمسجون، والحزن والمحزون دلت على مكانه من العلم والأدب والحفظ، وأودعها ألف بيت من شعره في الأستعطاف، منها قوله:
أزاح الدهر حلو الماء عني ... على ظمأٍ وأسقاني زعاقه
وبالمرجوّ إن أظفر به من ... رضا المأمون يحلي لي مذاقه
وناس لفّني بهم شقاءٌ ... ألمّ فزمّ في ساقي سباقه
ولم يك لي بذاك العير عيرٌ ... ولا بقطيع ذاك الذّود ناقه
وربّتما استحال السعد نحساً ... فذاق المعتدي ممّا أذاقه
стр. 177
وأعمى عينٍ أهدى من قطاةٍ ... وشدّ بمثل مفحصها وثاقه
إذا صار الهلال إلى كمالٍ ... وتمّ بهاؤه فأرقب محاقه
وإنّ عبوس هذا الدهر يأتي ... على أثر البشاشة والطّلاقه
أضاع الدهر مني علق فهمٍ ... إذا نظر المميّز منه راقه
وأيّ فتى لتقديم الأيادي ... لديه وأيّ عبدٍ للعتاقه!
وقوله:
وخلٍّ يسلّيني على بعد داره ... ويكشف من كرب المشوق المتيّم
ودادي موقوفٌ عليه وخلّتي ... وفكري مشغولٌ به وتوهمي
على أنني من ضيق سجني وحيلتي ... بليت كما حدّثت عن حفش أيّم
أُجانب فيه ذكر خلّي كرامةً ... وأخجل من طيف الخيال المسلّم
أرى نوب الدنيا تروح وتغتدي ... فمن فرحٍ ناءٍ وهمٍّ مخيّم
إذا شئت إسعاف الزمان وعطفه ... فبادر بدار المسرع المتغنّم
وناد بيا يحيى يحيّك بالمنى ... وثنّ بإسماعيل تسم وتعظم
بعطفة ذي المجدين أرجو من الردى ... خلاصي ولو أُلقيت في شدق أرقم
стр. 178
وقوله:
نحن في حالةٍ لأيسر منها ... يتلظّى الردى وتبكي الخطوب
مالنا في وطء البسيطة حظٌ ... لا ولا في نشق الهواء نصيب
في محلٍّ كأنه ظلف شاةٍ ... ليس فيه لذي دبيبٍ دبيب
وكأنّ الكبل الثقيل إذا ما ... رنّ في الساق للخطوب خطيب
إن رمتنا يد الخطوب بقوسٍ ... طالما كان سهمها لا يصيب
أو يكن عثّر الزمان فمرجوٌّ ... لإنعاشنا القريب المجيب
قد أجاب الإله دعوة نوحٍ ... حين نادى بأنه مغلوب
وشفى ذو الجلال علّة أيّو ... ب وقد شارف الردى أيوب
وانقضى سجن يوسفٍ وقد استي ... أس وارتدّ مبصراً يعقوب
فرق له المأمون لما وقف على هذه الرسالة وأطلقه وعفا عنه.
أبو محمد بن عبد البر
كتب للمعتضد عباد بن محمد بإشبيلية، وله عنه الرسالة البديعة في قتل ابنه
стр. 179
إسماعيل، ويقال إنه كتبها دون روية؛ ثم سعي به إليه حتى غير عليه، فاحتال للخلاص من يديه، سمعت بعض شيوخي يحكي أن أباه الإمام أبا عمر بن عبد البر سار في أمره من مستقره بشرق الأندلس، وهو حينئذ يتردد بين بلنسية وشاطبة، فلأول دخوله على عباد نادى رافعاً صوته: ابني يا معتضد ابني يا معتضد: فشفعه فيه، وانصرفا عنه محفوفين بالإكرام، ومكنوفين بالاحترام.
وقال ابن بسام في الذخيرة: لما شأى أبو محمد بالأندلس الحلبة، وتبحبح صدر الرتبة، تهادته الآفاق، وامتدت إليه الأعناق، ففاز به قدح عباد بعد طول خصام والتفاف زحام، فأصاخ أبو محمد لمقاله، وتورط في حباله، وغص أبو الوليد بن زيدون بمقدمه، فجهد زعموا كل جهد في إراقة دمه، ولما رأى أبو محمد أنه قد باء بصفقة خسران، وأن العشاء قد سقط به على سرحان، أدار الحيلة، والتمس على الخلاص الوسيلة؛ زعموا أنه لم يزل نافر النفس منقبض الأنس، فلما استشعر الحذر وأحس بالتغير، ألقى عصا التسيار، وأخذ في اقتناء الضياع والديار، حتى ظن عباد أنه قد رضي جواره، واستوطن داره، فاستنام
стр. 180
إليه برسالة إلى بعض خلفائه من رؤساء الجزيرة، فجعل أبو محمد يتفادى منها ويتثاقل عنها؛ قال: ولما انسل من يد عباد انسلال الطيف، ونجا وسله كيف، رجع إلى مستقره من الشرق، وأدار الحيلة على أبي عمر بن الحذاء، فعوضه بضياعه وعقاره، وزين له اللحاق بدار بواره وسوء قراره؛ وقد كان عباد قبل ذلك يستهويه ويستدرجه ويدليه، فلما طلع عليه لم يزد على أن اسره وقصره وأظهر من الزهد فيه أضعاف ما كان يعده ويمنيه، وجعل أبو محمد بعد ذلك يتنقل في الدول، كالبدر يترك منزلاً عن منزل، وقد جمع التالد إلى الطارف، وكتب عن أكثر ملوك الطوائف.
أبو بكر محمد بن سليمان بن القصيرة
حكى ابن بسام أنه نشأ في دولة المعتضد؛ قال: وشهر بالعفاف فلزمه، ويسر للعلم فعلمه وعلمه، وكانت له نفس تأبى إلا مزاحمة الأعلام، والخروج على الأيام، وهو دائماً يغض من عنانها فتجمح، ويطأطيء من غلوائها فتتطاول وتطمح، ممتنعاً
следующие страницы →