Полный текст (220 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
بسم الله الرحمن الرحيم
صلى الله على سيدنا ومولانا محمد
قال الشيخ الفقيه الحافظ الحافل المصنف المحدث الأديب البارع أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أبي بكر القضاعي المعروف بابن الأبار، ﵀: أما بعد حمد الله الذي يعفو عن السيئات، والصلاة على محمد رسوله الخاص بسيادة كل ماضٍ وآت، الحاض على اغتفار الهنات، وإقالة عثرات ذوي الهيئات، فهذه نبذة من إعتاب الكتاب، وتشفيع الآداب، تشهر كما لهم في الاضطلاع والاكتفاء، وتشهد بما لهم عند الأمراء والخلفاء، من كريم الاختصاص ولطيف الإختفاء؛ وكيف لا يكونون كذلك، وهم مقاول
стр. 2
الدول وألسنة الممالك، مفردهم في الإفصاح، يعدل جمع الكفاح، وقصبهم الضعيف يقاوي صم الرماح، ويقاوم ذلق الصفاح. رب كتيبة فضها كتاب، وخطب صرعه خطاب فانجاب، وأمل دعابه إملاء فأجاب، ولله در قائلهم، يذكر بعض فضائلهم:
إذا ما جَرَدْنا وانتضَيْنا صوارماً ... يكادُ يُصِمُّ السامعين صريرُها
تظل المنايا والعطايا شوارعاً ... تدور بما شئنا وتمضي أمورُها
تُساقط في القرطاس منها بدائعاً ... كمثل اللآلي نظمُها ونَثيرُها
تقودُ أبيّاتِ البيانِ بفطنةٍ ... تَكَشَّف عن وجه البلاغة نورُها
إذا ما خطوب الدهر أرخت ستُورها ... تجلّت بها عمّا يُحَبُّ سطورُها
وقال الشعبي: أربعة كانوا كتاباً صاروا خلفاء: عثمان وعلي ومعاوية وعبد الملك بن مروان.
وحكى سكن بن إبراهيم الكاتب، في كتابه المؤلف في طبقات الخلفاء
стр. 3
بالأندلس أن عبد الملك بن مروان قال يوماً لأبنه الوليد: لو عداك ما أنت فيه ما كنت معولاً عليه من دهرك؟ قال: فارس حرب! ثم قال لسليمان: فأنت؟ قال: كاتب سلطان! ثم قال ليزيد: فأنت؟ قال: والله يا أمير المؤمنين ما تركا حظاً لمختار! وعالم لا تحصى أسماؤهم سموا بالبيان، وبنوا بيوت مجدهم بالأقلام أوثق البنيان؛ ثم إلى هذه الحسنى زيادة، لها بشرف الصناعة إشادة، وهي ما غني عن الاستقصاء بالاستقراء، من تقصي العصر بعد العصر، عن أفراد من الكتاب، وأعداد من الشعراء، أم الصقر مقلاة نزور، وقلما تلاقى الفنان: منظوم ومنثور، فإذا جمعا في واحد، لم تجد لفضله من جاحد؛ وصنف منهم حساب، لا تقع بغير كفايتهم أحساب؛ بينهم من حمل اليراع وفضل الطباع أسباب واصلة وأنساب. قليلاً ما يخلو من صدورهم صدر ديوان، ولا تخلو محاسنه إلا تلا إحسانهم وجه أوان، وكثيراً ما احتملت بوادرهم، واستحليت نوادرهم، وقبلت جيئاتهم وأوباتهم، واستدركت أخذاتهم ونكباتهم، إلى ما سدل عليهم من أثواب الرعايات، وسد عنهم من أبواب السعايات. وقد عفا رسول الله
стр. 4
صلى الله عليه وسلم عن كاتبه ابن أبي سرح، وقصة ارتداده لا يفتقر إيضاحها إلى شرح.
ولما كانت المحظوظة من الأدب والعلم، المخصوصة بما يجب لله ورسوله من الأناة والحلم، التي نظمت الندى إلى البأس، وكظمت الغيظ وعفت عن الناس، حضرة مولانا الخليفة الإمام الهادي، المبارك المرتضى، أبو زكرياء أدام الله بها استظهار الإيمان والإسلام، وافتخار الأسياف والأقلام، ولا أعدمها استمرار نصر الألوية والأعلام، وكنت ممن فاض على إساءته إحسانها عدا، وأده تأمينها وامتنانها وقد جاء شيئاً إداً، وسمت هذه الرسالة باسمها العالي ورسمت من إغضائها في إغضابها ما لم يقع في العصر الخالي، زاجراً ميامين طيرها، وناظراً أفانين خيرها، لأكون كيزيد بن مزيد، عندما رضي هرون الرشيد عنه، وأذن له في الدخول عليه، فلما مثل بين يديه قال: الحمد لله الذي سهل لي سبيل الكرامة بلقائك، ورد علي النعمة بوجه الرضا منك، وجزاك الله يا أمير المؤمنين في حال سخطك جزاء المتثبتين المراقبين، وفي حال رضاك
стр. 5
جزاء المنعمين المتطولين، فقد جعلك الله وله الحمد تتثبت تحرجاً عند الغضب، وتمتن تطولاً بالنعم، وتستبقي المعروف عند الصنائع، تفضلاً بالعفو، فإني الآن كالذي وجد عليه عبد الملك بن مروان فجفاه واطرحه، ثم دعا به ليسأله عن شيء، فرآه شاحباً ناحلاً، فقال له: منذ متى اعتللت؟ قال: ما مسني سقم، ولكني جفوت نفسي، إذ جفاني أمير المؤمنين، وآليت ألا أرضى عنها حتى يرضى أمير المؤمنين عني! فأعاده إلى حسن رأيه فيه.
ولن أكف شافعاً في نفسي، ودافعاً براحة رجائي في صدر يأسي، أو ألحق بمشيئة الله شأو رجل من أهل الكوفة دخل على أبي جعفر المنصور، يشفع في مسخوط عليه، فشفعه فيه، فقال: يا أمير المؤمنين، أتأذن لي في تقبيل يدك، فإنها أحق يد بالتقبيل، لعلوها في المكارم، وطهورها من المآثم، وإنك يا أمير المؤمنين، لقليل التثريب، كثير الصفح عن الذنوب، فمن أرادك بسوء فجعله الله حصيد سيفك، وطريد خوفك؛ فأُعجب به المنصور وقربه.
ومولانا أيد الله أمره أسجح طباعاً، وأفسح في الفضائل باعاً، ما زال يشرف احتراماً واصطناعاً، ويعرف إحساناً وإقناعاً، وحق لمن عول على عدله المأمون، وتوسل بفضله المضمون، ثم بنجله المبارك الميمون، أن يجتلي وجه القبول المأمول سافراً، ويطمئن مقيماً بما انزعج مسافراً، فإنما دعا
стр. 6
للتوب قابلاً، وللذنب غافراً، وسعى للعود بالخلاص الدائب، من ظفر الحادث وناب النائب ظافراً، لا زالت أهاضيب نواله دائمة السفوح والهتون، وأحاديث كماله صحيحة الأسانيد والمتون، ودام ولي عهده، وخلاصة مجده، المهنأُ بمعالي الأمور، والمهيأُ لأفتتاح المعمور، وهده ونجده، نظام الدين والدنيا، الأمير الأسعد الأعلى، الأظهر الأرضى، أبو يحيى، يقتفي مذاهبه، ويصطفي مناقبه، حتى يفرع النجم جلالاً جلياً، ويرفع العلم مكاناً علياً؛ وهذا ابتداء المقصود، وإنجاز الموعود.
стр. 7
تراجم الكتاب
مروان بن الحكم
كتب لعثمان ﵁، واستولى عليه؛ وكان عثمان يولي بني أمية، فيجيء منهم ما ينكر، ويستعتب فيهم فلا يعزلهم؛ فلما شكا أهل مصر عبد الله بن سعد بن أبي سرح وتظلموا منه، عزله واستعمل مكانه محمد بن أبي بكر الصديق، فعثر في طريقه، هو وأصحابه، بعد مسيرة ثلاث، على غلام يخبط بعيره، كأنه هارب أو طالب، ووجهه إلى مصر، أخبرهم مرةً أنه لعثمان، وأخرى لمروان، ولم يجدوا معه إلا إداوةً قد يبست، فيها شيء
стр. 8
يتقلقل، فشقوها فإذا كتاب إلى ابن أبي سرح بالقرار على عمله وبإبطال كتاب محمد بن أبي بكر، والإحتيال لقتله ومن معه؛ فرجعوا إلى المدينة، وعرفوا عثمان، فحلف ما كتب الكتاب ولا أمر به، ولا علم؛ وعرفوا أنه خط مروان، فسألوه أن يدفعه إليهم ليمتحنوه وينظروا في أمره، فأبى عثمان أن يخرج مروان، وخشي عليه القتل، فكان ذلك سبب حصاره.
وحكى الجاحظ قال: قال يزيد بن عياض: لما نقم الناس على عثمان، خرج يتوكأ على مروان وهو يقول: لكل أُمة آفة، ولكل نعمة عاهة، وإن آفة هذه الأمة عيابون طعانون، يظهرون لكم ما تحبون، ويسرون ما تكرهون، طغام مثل النعام، يتبعون أول ناعق. لقد نقموا علي ما نقموا على عمر، ولكن قمعهم ووقمهم؛ والله إني لأقرب ناصراً، وأعز نفراً؛ فضل فضل من مالي، فمالي لا أفعل في الفضل ما أشاء..
وشهد مروان يوم الدار، ثم يوم الجمل، وولي المدينة لمعاوية مرتين، ثم بويع له بالشام، بعد معاوية بن يزيد بن معاوية.
стр. 9
زياد بن أبي سفيان
كتب للمغيرة بن شعبة، ثم لأبي موسى الأشعري، في استعمالهما على الكوفة. وذكر حويرثة بن أسماء أن أبا موسى الأشعري كتب إلى عمر ﵁ أن المال كثر من يأخذه، فلسنا نحصيه إلا بالأعاجم، فاكتب إلينا بما ترى؛ فكتب إليه عمر: لا تعيدوهم في شيء سلبهم الله إياه، واخشوهم على دينكم، وأنزلوهم حيث أنزلهم الله، وتعلموا فإنما هي الرجال؛ فاستكتب زياداً.
ويروى أن عمر استقدم أبا موسى، فاستخلف زياداً على عمله، فقال له: استخلفت غلاماً حدثاً! فقال: يا أمير المؤمنين، إنه ضابط لما ولي، خليق بكل خير؛ فكتب عمر إلى زياد يأمره بالقدوم عليه، وباستخلافه على
стр. 10
العمل من يقوم به؛ فاستخلف زياد عمران بن حصين، وقدم عليه، فقال عمر: لئن كان أبو موسى استخلف حدثاً، لقد استخلف الحدث كهلاً! ثم دعا بزياد فقال له: ينبغي أن تكتب إلى خليفتك بما يجب أن يعمل به؛ فكتب إليه كتاباً، ودفعه إلى عمر، فنظر فيه، ثم قال: أعد! فكتب غيره، فقال: أعده! فكتب الثالث، فقال عمر: لقد بلغ ما أردت في الكتاب الأول، ولكني ظننت أنه قد روى فيه، ثم بلغ في الثاني ما أردت، فكرهت أن أُعلمه ذلك، وأردت أن أضع منه لئلا يدخله العجب فيهلك!
ولما عزله عمر عن كتابة أبي موسى قال له: أعن عجز أم خيانة يا أمير المؤمنين؟ قال: لا عن واحد منهما، ولكن كرهت أن أحمل على الناس فضل عقلك.
ثم كتب لعبد الله بن عامر، وهو الذي قال له، وقد حصر على منبر البصرة، فشق ذلك عليه: أيها الأمير، إنك إن أقمت عامة من ترى، أصابه أكثر مما أصابك! وكتب أيضاً لعبد الله بن عباس، ذكر ذلك أبو عمر بن عبد ربه في كتاب العقد الفريد من تأليفه؛ ثم ولي لعلي ﵁ فارس، وكان من كبار
стр. 11
أصحابه، إلى أن استلحقه معاوية، وولاه الكوفة والبصرة، وهو أول وال جمع له العراق.
يحيى بن يعمر
روى ابن أبي خيثمة في تاريخه، عن أبي سفيان الحميري، قال: كان يحيى بن يعمر من عدوان، وكان كاتب المهلب بخراسان، قال: فجعل الحجاج يقرأ كتبه فيعجب، فقال: ما هذا؟ فأُخبر، فكتب فيه، فقدم، فرآه فصيحاً جداً، فقال: أين ولدت؟ فقال: بالأهواز، فقال: فما هذه الفصاحة؟ قال: كان أبي نشأ بتوج، فأخذت ذلك عنه؛ قال: أخبرني عن عنبسة بن سعيد يلحن؟
стр. 12
قال: كثيراً! قال: فأنا ألحن؟ قال: لحناً خفيفاً، قال: أين؟ قال: تجعل إِنّ أَنّ وأَنّ إِنّ ونحو ذلك.. قال: لا تساكني ببلدة، أُخرج!..
قال: وعدوان من قيس.
وروي أن الحجاج بعث به إلى خراسان، وبها يزيد بن المهلب، فكتب إلى الحجاج: إنا لقينا العدو، ففعلنا وفعلنا، فاضطررناهم إلى عرعرة الجبل فقال الحجاج: ما لابن المهلب وهذا الكلام! ويقال إنه قال: ليس يزيد بأبى عذر هذا الكلام! فقيل له. إن ابن يعمر قال ذلك، قال: ذلك إذاً!.
وذكر يونس بن حبيب النحوي قال: قال الحجاج لابن يعمر: أتسمعني ألحن على المنبر؟ قال: الأمير أفصح من ذلك؛ فألح عليه، فقال: حرفاً، قال: أياً؟ قال: في القرآن، قال: ذلك أشنع له فما هو؟ قال: تقول: " قل إِنْ كانَ آباؤُكم وأبناؤُكم إلى قوله أحبَّ " فتقرؤها: أحبُّ
стр. 13
بالرفع، والوجه أن تقرأ بالنصب، على خبر كان، قال: لا جرم لا تسمع لي لحناً أبداً؛ فألحقه بخراسان، وعليها يزيد بن المهلب، قال: فكتب يزيد إلى الحجاج: إنا لقينا العدو، فمنحنا الله أكتافهم، فأسرنا طائفةً، وقتلنا طائفةً، واضطررناهم إلى عرعرة الجبل، وأثناء الأنهار. فلما قرأ الحجاج الكتاب قال: ما لابن المهلب ولهذا الكلام! حسداً له، فقيل له: إن ابن يعمر هناك، فقال: فذاك إذاً!.
وعكس أبو العباس المبرد في الكامل مساق هذا الخبر، فجعل كتاب يزيد بن المهلب سبباً في إشخاص ابن يعمر إلى الحجاج، فقال في تفسير قول الشاعر:
قتل الملوك وسار تحت لوائه ... شجر العرى وعراعر الأقوام
الواحدة عرعرة، وعرعرة كل شيء أعلاه، ومن ذلك كتاب يزيد بن المهلب إلى الحجاج بن يوسف: إن العدو نزل بعرعرة الجبل، ونزلنا بالحضيض! فقال الحجاج: ليس هذا من كلام يزيد، فمن هنالك؟ قيل: يحيى بن
стр. 14
يعمر، فكتب إلى يزيد بأن يشخصه إليه. قال: وزعم التوزي قال: قال الحجاج ليحيى بن يعمر يوماً: أتسمعني ألحن؟ قال: الأمير أفصح من ذلك، قال: فأعاد عليه القول، وأقسم عليه؛ فقال: نعم، تجعل أنّ مكان إنّ فقال له: ارحل عني ولا تجاورني.
وحكى ابن عبد ربه: أن الحجاج بعث فيه فقال: أنت الذي تقول: إن الحسين بن علي ابن رسول الله ﷺ ؟ والله لتأتين بالمخرج أو لأضربن عنقك! فقال له: فإن أتيت فأنا آمن؟ قال: نعم، قال له: اقرأ " وتِلك حُجَّتُنا آتَيْنَاها إِبراهيمَ على قَوْمه، نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشاءُ إلى قوله تعالى وَمِنْ ذُرّيَّته داودَ وسليمانَ وأيّوبَ ويُوسُف وَمُوسى وهَرُونَ وكذلك نجزي المحسنين وزَكرِيّا وَيحيى وعِيسى وإليْاسَ كلٌ مِنَ الصّالحين " فمن أقرب: عيسى إلى إبراهيم، وإنما هو ابن بنت بنيه، أو الحسين إلى محمد؟ فقال الحجاج: فوالله لكأني ما قرأت هذه الآية قط! وولاه قضاء بلده، فلم يزل بالبصرة قاضياً حتى مات.
стр. 15
يزيد بن أبي مسلم
تقلد للحجاج ديوان الرسائل، وكان غالباً عليه، أثيراً لديه، يعوده في مرضه؛ ويقال إنه كان أخاه من الرضاعة؛ فلما توفي الحجاج في آخر أيام الوليد ابن عبد الملك، ولى مكانه يزيد هذا، فاكتفى وجاوز، حتى قال الوليد: مات الحجاج بن يوسف، فوليت مكانه يزيد بن أبي مسلم، فكنت كمن سقط منه درهم فأصاب ديناراً! وقال ليزيد: قال لك الحجاج: أنت جلدة ما بين عيني، وأنا أقول لك: أنت جلدة وجهي كله! ولما أُدخل في نكبته على سليمان بن عبد الملك، وهو موثق في الحديد، ازدراه، ونبت عينه عنه، وكان دميماً، وقال: ما رأيت كاليوم قط! لعن الله امرأً أجرك رسنه، وحكمك في أمره! فقال: يا أمير المؤمنين، ازدريتني لما رأيتني والأمر عني مدبر، ولو رأيتني والأمر علي مقبل، لأستعظمت مني ما استصغرت، ولأستجللت ما استحقرت! فقال سليمان: صدقت ثكلتك أمك، إجلس! فجلس، فقال له: عزمت عليك يا بن أبي مسلم لتخبرني عن الحجاج، أتراه يهوي في نار جهنم، أم قربها؟ قال: يا أمير المؤمنين، لا تقل هذا في
стр. 16
الحجاج، وقد بذل لكم النصيحة، وأخفر دونكم الذمة، وأمن وليكم، وأخاف عدوكم، وكأني به يوم القيامة على يمين أبيك ويسار أخيك، فاجعله حيث شئت!.
وفي رواية: قال سليمان: أترى الحجاج بلغ قعر جهنم بعد؟ قال: يا أمير المؤمنين، يجيء الحجاج يوم القيامة بين أبيك وأخيك، قابضاً على يمين أبيك وشمال أخيك، فضعه من النار حيث شئت! فقال له سليمان: اغرب إلى لعنة الله! فخرج؛ فالتفت سليمان إلى جلسائه فقال: قاتله الله ما أحسن بديهته وتنزيهه لنفسه ولصاحبه! ولقد أحسن المكافأة لحسن الصنيعة، خلوا عنه؛ فذكر يزيد ابن المهلب لسليمان عفته عن الدينار والدرهم، فهم بأن يستكفيه مهماً من أُموره، فصرفه عن ذلك عمر بن عبد العزيز؛ فلما ولي بعده يزيد بن عبد الملك، استعمله على إفريقية.
ومنحى يزيد بن أبي مسلم مع سليمان بن عبد الملك، نحا بعض الكتاب، وقد دخل على أمير بعد نكبة نالته، فرأى من الأمير بعض الازدراء، فقال له: لا يضعني عندك خمول النبوة وزوال الثروة، فإن السيف العتيق إذا مسه كثير الصدأ، استغنى بقليل الجلاء، حتى يعود حده، ويظهر فرنده،
стр. 17
وما أصف نفسي عجباً، بل شكراً، وقد قال ﷺ : أنا سيد ولد آدم ولا فخر! فجهر بالشكر، وترك الاستطالة بالكبر.
كاتب آخر للحجاج
روى العتبي في كتاب الجواهر له، عن إسماعيل بن أبي أُويس، ما تلخيصه وإيجازه: أن كاتباً للحجاج ولم يسمه علق جارية كانت تقف عليه، وتمر بين يديه، وعلقته، فكانت تسلم عليه بحاجبها إذا غفل الحجاج، فكتب يوماً بين يديه كتاباً إلى عامل له، ومرت الجارية ولم تسلم، خوفاً أن يفطن الحجاج، فأحدثت في نفس الكاتب ما أذهله، حتى كتب عند فراغه من الكتاب: مرت ولم تسلم! وختمه بخاتم الحجاج على العادة، فلما ورد الكتاب على العامل أجاب عن فصوله كلها ولم يدر ما معنى قوله مرت ولم تسلم وكره أن يدع الجواب عنه، ثم رأى أن يكتب: دعها ولا تبال! وأنفذه إلى الحجاج، فأنكر ذلك لما وقف عليه، ودعا الكاتب فقال: لا أدري!؛ وكان إذا صدق لم يعاقب بشدته، فقال: أينفعني عندك الصدق أيها الأمير؟ قال: نعم، فأخبره الخبر، ودعا الحجاج بالجارية فسألها، فصدقته أيضاً ووافقته، فعفا عنهما، ووهبها له.
стр. 18
الأبرش الكلبي
ذكر ابن عبدوس أن هشام بن عبد الملك لما أفضت إليه الخلافة بعد أخيه يزيد، وهو في ضيعته بالرصافة، ومعه جماعة من أصحابه، فيهم سعيد بن الوليد الكلبي الأبرش، وكان كاتباً له وغالباً عليه، فلما قرأ هشام الكتاب، سجد وسجد من كان معه من أصحابه، خلا الأبرش، فقال له هشام: لم لا تسجد كما سجد أصحابك؟ فقال: وعلام أسجد؟ على أنك كنت معي فطرت فصرت في السماء! قال له: فإن طرنا بك معنا؟ قال: الآن طاب السجود. قال: وأنكر هشام عليه شيئاً بعد ذلك، واشتد غضبه فشتمه، فقال الأبرش: استحييت لك، ليس بينك وبين الله واسطة، وأنت خليفته في عباده وأرضه، تقول يا بن الفاعلة! والله لو قال هذا عبد من عبيدك لآخر مثله لكان قبيحاً!. فاستحيا هشام منه وقال: فاقتص مني وقل لي كما قلت لك، فقال: إذن أكون سفيهاً مثلك! قال له: هبها لي، فقال: قد فعلت، فقال هشام: والله لا أعود إلى مثلها أبداً.
стр. 19
ومن هذا النحو قول الحجاج وقد ظفر بعمران بن حطان الشاري: اضربوا عنق ابن الفاجرة! فقال: بئس ما أدبك به أهلك يا حجاج! كيف أمنت أن أجيبك بمثل ما لقيتني به، أبعد الموت منزلة أُصانعك عليها! فأطرق الحجاج استحياءً وقال: خلوا عنه! فخرج إلى أصحابه فقالوا: والله ما أطلقك إلا الله، فارجع إلى حربه معنا، فقال: هيهات! غل يداً مطلقها، واسترق رقبةً معتقها، ثم قال:
أأُقاتل الحجّاج عن سلطانه ... بيدٍ تقرّ بأنّها مولاته
إني إذاً لأخو الدناءة والذي ... عفّت على عرفانه جهلاته
ماذا أقول إذا وقفت موازياً ... في الصفّ واحتجّت له فعلاته
وتحدّث الأكفاء أنّ صنائعاً ... غرست لديّ فحنظلت نخلاته
أأقول جار عليّ، إني فيكم ... لأحقّ من جارت عليه ولاته
تالله لا كدت الأمير بآلةٍ ... وجوارحي وسلاحها آلاته
стр. 20
ذكر عمران بن حطان في هذه الحكاية وهم؛ وكذا وقعت في زهر الآداب للحصري، وفي غيره، لأن عمران كان من القعدة، ولم يكن يحضر القتال، وإنما هو عامر أخو عمران.
سالم مولى هشام بن عبد الملك
كان يتقلد له ديوان الرسائل، وهو ممن نبه بالكتابة؛ حكى أبو بكر الصولي أن أبا سلمة الخلال، وزير أبى العباس السفاح، أنكر شيئاً بلغه عن أبي العباس في وقت، فأنكر أبو العباس السفاح ذلك، وسكن من أبي سلمة وقال له: إن هشام بن عبد الملك حمل على مولاه وكاتبه سالم، وسعي به إليه، فقال له:
يديرونني عن سالمٍ وأُديرهم ... وجلدة بين العين والأنف سالم
وأنت جلدة وجهي كله.
стр. 21
وأورد أبو العباس المبرد في الكامل من تأليفه، رسالة هشام بن عبد الملك إلى خالد بن عبد الله القسري، وفي آخرها: وكتب عبد الله بن سالم سنة تسع عشرة ومائة، فلعله ابن له، وكتبا جميعاً لهشام، والمعروف منهما سالم، وأراه الذي كتب لعبد الملك بن مروان؛ ذكره ابن عبد ربه وغيره. والبيت لأبي الأسود الدؤلي في سالم مملوكه، وبعده بيتان، ولذلك قصة محكية. وقيل إنه لعبد الله بن معاوية الفزاري في ابنه سالم بن عبد الله؛ ولعله تمثل به كما تمثل هشام. وفي الأمالي لأبي علي البغدادي أن عبد الملك بن مروان كتب إلى الحجاج: أنت عندي كسالم يريد هذا البيت.
إبراهيم بن أبي عبلة
حكى ابن عبدوس أن هشام بن عبد الملك أحضره قال: وتقلد
стр. 22
الخاتم لمروان بن محمد بعد فقال له: إنا عرفناك صغيراً، وخبرناك كبيراً، وأُريد أن أخلطك بحاشيتي، وقد وليتك خراج مصر؛ فأبى عليه، وقال: ليس الخراج من عملي ولا أُبصره! فغضب هشام، فأمسك عنه حتى حبس غضبه، ثم قال أتكلم يا أمير المؤمنين؟ فقال له: قل، فقال: يقول الله " إنّا عَرضْنا الأمانَةَ على السمواتِ والأرضِ والجبالِ ... " الآية، فوالله ما أكرهها، ولا سخط عليها؛ فقال: أبيت إلا دفعاً! وأعفاه ورضي عنه.
وروى أبو نعيم الأصبهاني الحافظ هذا الخبر بإسناده إلى إبراهيم بن أبي عبلة فقال: بعث إلي هشام بن عبد الملك فقال لي: يا إبراهيم إنا عرفناك صغيراً واختبرناك كبيراً فرضينا سيرتك وحالك، وقد رأيت أن أخلطك بنفسي وخاصتي وأُشركك في عملي، وقد وليتك خراج مصر؛ قال: فقلت: أما الذي عليه رأيك يا أمير المؤمنين، فالله يجزيك ويثيبك، وكفى بك جازياً ومثيباً، وأما الذي أنا عليه، فمالي بالخراج بصر، ومالي عليه قوة! قال: فغضب حتى اختلج وجهه، وكان في عينيه قبل، فنظر إلي نظراً منكراً،
стр. 23
ثم قال: لتلين طائعاً أو لتلين كارهاً؛ فأمسكت عن الكلام، حتى رأيت غضبه قد انكسر، وسورته قد طفئت، فقلت: يا أمير المؤمنين، أتكلم؟ قال: نعم؛ قلت: إن الله بسبحانه وبحمده قال في كتابه " إنّا عَرضْنَا الأَمانةَ على السمواتِ والأرضِ والجبال إلى منها " فوالله يا أمير المؤمنين ما غضب عليهن إذ أبين، ولا أكرههن إذ كرهن، وما أنا بحقيق أن تغضب علي إذ أبيت، ولا تكرهني إذ كرهت! قال: فضحك حتى بدت نواجذه، ثم قال: يا إبراهيم قد أبيت إلا فقهاً! قد رضينا عنك وأعتبناك.
وإبراهيم هذا شامي تابعي، لمالك عنه حديث واحد في الموطأ وإرساله كما ورد أصح من إسناده.
خالد بن برمك
كان في أول أمره يختلف إلى محمد بن علي، ثم إلى إبراهيم بن محمد الإمام بعده، فلما استخلف أبو العباس السفاح، أدناه محمد بن صول محمولاً، لعلة كانت
стр. 24
لخالد، فبايعه، وأعجبته فصاحته، وظنه من العرب، فقال: ممن الرجل؟ فقال: مولاك يا أمير المؤمنين! قال ممن أنت يرحمك الله؟ قال: من العجم، أنا خالد بن برمك، وإني وأهلي في موالاتكم والجهاد لكما قال الكميت:
ومالي إلاّ آل أحمد شيعةٌ ... ومالي إلاّ مشعب الحقّ مشعب
فأُعجب به أبو العباس، وأقره على ما كان يتقلده من الغنائم، ثم جعل إليه بعد ذلك ديوان الخراج، وديوان الجند، فكثر حامده وحسن أثره. وما زالت الحال تتراقى به إلى أن صار وزيراً لأبي العباس، بعد أبي سلمة الخلال، فكان يعرض الكتب عليه، ويكاتب عنه، وينظر في أعمال أصحاب الدواوين.
وحكى الجاحظ في رسالته في الوعد والإنجاز قال: وحدثت عن خالد بن برمك وكان كاتباً لأبي العباس أنه كتب في أول ما أُنشئت الكتب إلى العمال: وكتب في سنة الخير يعني أنه خير للإسلام وأهله في إفضاء الخلافة إلى أهلها؛ وكان بعض أصحاب رسول الله ﷺ ، يؤرخ بسنة الحزن، وهي السنة التي قتل فيها عمر بن الخطاب ﵁، فقيل لخالد: لو تركت هذا التاريخ ورجعت إلى ما عليه الناس! فقال: إني رأيت الناس قد
стр. 25
قتلهم خلف المواعيد يريد في آخر دولة بني أمية فأحببت أن يسكنوا إلى هذا التاريخ، وترجع إليهم نفوسهم! قال الصولي: وتوفي أبو العباس، وخالد وزيره، وتمادى على ذلك صدراً من خلافة المنصور، ثم استوزر أبا أيوب المورياني، وبقي خالد والياً لديوان الخراج فقط؛ ويقال إنه أول من وليه، ثم ولي حرب فارس وخراجها، وتصرفت به الولايات إلى أن توفي المنصور، وخالد على الموصل ونواحيها، فأقره المهدي عليها، وزاده ثم ولاه فارس وأعمالها، فأخرج خالد يحيى ابنه إليها. وسعي به إلى المهدي فطالبه بمال عظيم رفع إليه، فباع أكثر ما يملك فيه، ثم بلغته حقيقة أمره، فأسقط عنه البقية، وأشخصه مع الرشيد إلى الغزو، فانصرف عليلاً، فوجه المهدي إليه ابنه الهادي يعوده.
كتاب المنصور
ذكر أبو الحسن الماوردي: أن أبا جعفر المنصور بلغه عن جماعة من كتاب دواوينه أنهم زوروا فيها وغيروا، فأمر بإحضارهم، وتقدم بتأديبهم،
стр. 26
فقال حدث منهم وهو يضرب:
أطال الله عمرك في صلاحٍ ... وعزٍ يا أمير المؤمنينا
بعفوك نستجير فإن تجرنا ... فإنّك عصمةٌ للعالمينا
ونحن الكاتبون وقد أسأنا ... فهبنا للكرام الكاتبينا
فأمر بتخليتهم، ووصل الفتى وأحسن إليه.
وقال ابن عبد ربه: عتب أبو جعفر المنصور على قوم من الكتاب، فأمر بحبسهم، فرفعوا إليه رقعة ليس فيها إلا هذا البيت:
ونحن الكاتبون وقد أسأنا ... فهبنا للكرام الكاتبينا
فعفا عنهم، وأمر بتخلية سبيلهم.
وذكرت بهذا الشعر قول أبي نواس، وهو في حبس الرشيد يستعطفه:
بعدلك بل بجودك عذت لا بل ... بحبّك يا أمير المؤمنينا
فلا يتعذّرنّ عليّ عفوٌ ... وسعت به جميع العالمينا
فإنّي لم أخنك بظهر غيبٍ ... ولا حدّثت نفسي أن أخونا
стр. 27
براك الله للإسلام عزّاً ... وحصناً دون بيضته حصينا
فقد أوهنت أهل الشّرك حتى ... تركتهم وما يترمرمونا
تزورهم بنفسك كلّ عامٍ ... زيارة واصلين لقاطعينا
ولو شئت استرحت إلى نعيمٍ ... وقاسى الأمر دونك آخرونا
فشفّع حسن وجهك في أسيرٍ ... يدين بحبّك الرّحمن دينا
إذا ما الهون حلّ بمستجيرٍ ... فليس لجار بيتك أن يهونا
فأطلقه الرشيد بشفاعة الفضل، كما أطلقه بشفاعته أيضاً الأمين، وقد قال يستعطفه إذ حبس ثانيةً:
تذكّر أمين الله والعهد يذكر ... مقامي وإنشاديك والناس حضّر
ونثري عليك الدّرّ يا درّ هاشمٍ ... فمن ذا رأى درّاً على الدرّ ينثر
مضت لي شهورٌ مذ حبست ثلاثةٌ ... كأنّي قد أذنبت ما ليس يغفر
فإن كنت لم أُذنب ففيم تعنّتي ... وإن كنت ذا ذنبٍ فعفوك أكبر
стр. 28
كاتب الحسن بن زيد
روى أبو سليمان الخطابي في المعالم له: أن الحسن بن زيد وهو زيد ابن الحسن بن علي بن أبي طالب، وكان أمير المدينة من قبل أبي جعفر المنصور عتب على كاتب له، فحبسه وأخذ ماله، فكتب إليه من الحبس:
أشكو إلى الله ما لقيت ... أحببت قوماً بهم شقيت
لا أشتم الصالحين جهراً ... ولا تشيّعت ما بقيت
أمسح خفي ببطن كفي ... ولو على جيفةٍ وطيت
قال: فدعا به من الحبس، فرد عليه ماله وأكرمه.
قال الخطابي: والعجب من الروافض، تركوا المسح على الخفين، مع تظاهر الأخبار فيه عن النبي ﷺ ، واستفاضة علمه على ألسنة الأمة؛ قال: ثم اتخذوه شعاراً حتى إن الواحد من غلاتهم ربما تألى فقال: برئت من ولاية أمير المؤمنين ومسحت على خفي إن فعلت كذا ...
стр. 29
أمية بن يزيد
أبوه يزيد مولى معاوية بن الحكم، ودخل أمية الأندلس في طالعة بلج ابن بشر بن عياض القشيري، سنة ثلاث وعشرين ومائة من الهجرة، في آخر خلافة هشام بن عبد الملك، فلاصقه بنفسه خالد بن زيد، كاتب يوسف بن عبد الرحمن الفهري أمير الأندلس، وكان كاتباً معه، فلما تغلب عبد الرحمن بن معاوية على يوسف، واستقر بدار الملك قرطبة، صار خالد إلى كتابته أياماً، ثم نفر عن القرار بالأندلس وسأل الإذن بالخروج إلى المشرق. وقد ضم عبد الرحمن بن معاوية أمية بن يزيد إليه، واشتمل عليه لكونه من مواليه، فأمر لخالد بكتاب سراح، فتحامى أمية الكتاب بين يدي خالد وقال: معلمي وولي الإحسان قبلي يكون أول شيء يجري له على يدي الكتاب بخروجه عن أهله وماله! وامتنع من ذلك؛ فأمر عبد الرحمن خالداً بالكتاب لنفسه، فكتب إلى عامل الجزيرة: أما بعد، فأخرجنا خالداً بقضه وقضيضه، فإنها الراحة له والراحة منه، والسلام!
стр. 30
وكان عبد الرحمن عظيم الهيبة مخوف البادرة، لا يقدم على رد ما يصدر عنه، فما ثرب على أُمية في ذلك، بل آثره بعد وأحظاه، وكان في عداد من يشاوره من خاصته ونقباء دولته، ويفضل آراءه، ثم توارث عقبه شرف الكتابة للمروانيين بالأندلس، واتصلت النباهة فيهم دهراً طويلاً.
أبو عبيد الله مولى الأشعريين
كتب للمهدي قبل الخلافة، وتجاوز حد الكتابة، لأنه رباه وكفله، واستقبل به الأمور فكان يكرمه ولا يخالفه في شيء يشير به عليه، إلى أن ولي الخلافة فاستوزره. وحكي أنه عزله بعد ذلك عن الدواوين، فكتب إليه: لم ينكر أمير المؤمنين حالي في قرب المؤانسة وخصوص الخلطة من حالي عنده قبل، في قيامي بواجب خدمته التي أدنتني من نعمته، ووطدت لقدمي في مهاد كرامته، فلم أُبدل أعز الله أمير المؤمنين حال التبعيد، ويقرب لي محل الإقصاء، وما يعلم الله مني فيما قلته، إلا ما يعلم أمير المؤمنين! فإن رأى أكرمه الله أن يعارض قولي بعمله، بدءاً وعاقبةً، فعل إن شاء الله!. فلما قرأ الكتاب شهد بتصديقه قلبه، وقال: ظلمنا أبا عبيد الله فليرد إلى حاله.
стр. 31
وذكر أبو الفرج الأصبهاني قال: دخل أبو عبيد الله على المهدي، وكان قد وجد عليه في أمر بلغه عنه، وأبو العتاهية حاضر المجلس، فجعل المهدي يشتم أبا عبيد الله ويتغيظ عليه، ثم أمر به فجروا برجله وحبس، ثم أطرق المهدي طويلاً، فلما سكن أنشده أبو العتاهية:
أرى الدنيا لمن هي في يديه ... عذاباً كلما كثرت لديه
تهين المكرمين لها بصغرٍ ... وتكرم كلّ من هانت عليه
إِذا استغنيت عن شيءٍ فدعه ... وخذ ما أنت محتاجٌ إِليه
فتبسم المهدي، وقال لأبي العتاهية: أحسنت! فقام أبو العتاهية ثم قال: والله يا أمير المؤمنين، ما رأيت أحداً أشد إكراماً للدنيا، ولا أصون لها، ولا أشح عليها، من هذا الذي جر برجله الساعة، ولقد دخلت على أمير المؤمنين، ودخل هو، وهو أعز الناس، فما برحت حتى رأيته أذل الناس، ولو رضي من الدنيا بما يكفيه، لأستوت أحواله، ولم تتفاوت! فتبسم المهدي ودعا بأبي عبيد الله فرضي عنه، فكان أبو عبيد الله يشكر ذلك لأبي العتاهية.
стр. 32
ولما قتل المهدي ابنه عبيد الله بن أبي عبيد الله على الزندقة، قال له: لا يمنعك ما سبق به القضاء في ولدك، من ثلج صدرك، وتقديم نصحك، فإني لا أعرض لك رأياً على تهمة، ولا أؤخر لك قدماً عن مرتبة! فقال: يا أمير المؤمنين، إنما كان ابني حسنةً، من نبت إحسانك أرضه، وتفقدك سماؤه، وأنا طاعة أمرك وعبد نهيك، وبقية رأيك لي أحسن الخلف عندي.. ويقال: إن المهدي قال له: إنه لو كان في صالح خدمتك، وما تعرفناه من طاعتك، ما يجب بمثله الصفح عن ولدك، ما تجاوز أمير المؤمنين ذلك إلى غيره، ولكنه نكص على عقبه، وكفر بربه! فقال أبو عبيد الله: رضانا عن أنفسنا، وسخطنا عليها يا أمير المؤمنين موصول برضاك وسخطك، ونحن خدم نعمتك، تثيبنا على الإحسان فنشكر، وتعاقبنا على الإساءة فنصر! فاحتال الربيع بن يونس حتى غير عليه المهدي، وزين له استعمال يعقوب بن داود، فجعلت حال أبي عبيد الله تتناقص، وحال يعقوب تتزايد، إلى أن سماه المهدي أخاً في الله ووزيراً، وأخرج بذلك توقيعات ثبتت في الدواوين، فقال في ذلك سلم الخاسر:
стр. 33
قل للإمام الذي جاءت خلافته ... تهدى إليه بحقٍ غير مردود
نعم المعين على الدنيا أُعنت به ... أخوك في الله يعقوب بن داود
وصرف أبا عبيد الله عن الوزارة، وقال أستحيي منه لقتلي ولده؛ واقتصر به على ديوان الرسائل، وكان يصل إليه على رسمه.
كتاب الهادي
قال ابن عبدوس: حكي لنا أن موسى الهادي سخط على بعض كتابه، ولم يسم لنا الكاتب، فجعل يقرعه بذنوبه، ويتهدده ويتوعده، فقال له: يا أمير المؤمنين، إن اعتذاري مما تقرعني به رد عليك، وإقراري بما بلغك يوجب ذنباً علي لم أجنه، ولكني أقول شعراً:
فإن كنت ترجو في العقوبة راحةً ... فلا تزهدن عند المعافاة في الأجر
فأمر بألا يعرض له، وصفح عنه وأحسن إليه.
стр. 34
يوسف بن الحجاج الصيقل الكوفي
كان كاتباً ظريفاً، يغنى في كثير من أشعاره. ذكر ذلك أبو الفرج الأصبهاني؛ واختص بالهادي إلى أن توفي، وضاع فلما ورد الرشيد الرقة خرج يوسف هذا، وكمن له في نهر جاف على طريقه، وكان للرشيد خدم صغار يسميهم النمل، يتقدمونه، بأيديهم قسي البندق، يرمون بها من يعارضه في طريقه، فلم يتحرك يوسف حتى وافت قبته على ناقة، فوثب إليه يوسف، وأقبل الخدم الصغار يرمونه، فصاح بهم الرشيد: كفوا عنه! فكفوا، وصاح به يوسف يقول:
أغيثاً تحمل الناق ... ة أم تحمل هارونا
أم الشمس أم البدر ... أم الدّنيا أم الدينا
ألا كلّ الذي عدّد ... م ت قد أصبح مقرونا
على مفرق هارونا ... فداه الآدميّونا
стр. 35
فمد الرشيد يده إليه، وقال: مرحباً بك يا يوسف، كيف كنت بعدي؟ ادن مني، فدنا، وأمر له بفرس فركبه، وسار إلى جانب قبته ينشده والرشيد يضحك، وكان طيب الحديث، ثم أمر له بمال، وأمر بأن يغنى في الأبيات.
أبان بن عبد الحميد اللاحقي
خرج من البصرة يطلب الاتصال بالبرامكة، وكان الفضل بن يحيى غائباً، فقصده وأقام ببابه مدة مديدةً، لا يصل إليه، فتوسل إلى بعض بني هاشم ممن شخص مع الفضل في أن يوصل إليه شعراً، وقال فيه:
يا غزيز الندى ويا جوهر الجو ... هر من آل هاشمٍ في البطاح
إنّ ظنّي ولست تخلف ظنّي ... بك في حاجتي سبيل نجاحي
стр. 36
إنّ من دوننا لمصمت بابٍ ... أنت من دون قفله مفتاحي
فقال له: هات مديحك، فأعطاه شعراً في الفضل في هذا الوزن وقافيته، منه:
أنا من بغية الأمير وكنزٌ ... من كنوز البيان ذو أرباح
كاتبٌ حاسبٌ خطيبٌ أديبٌ ... ناصحٌ زائدٌ على النّصّاح
شاعرٌ مفلقٌ أخفّ من الرّي ... شة ممّا يكون تحت الجناح
لو دعاني الأمير أبصر منّي ... شمّرياً كالجلجل الصيّاح
فدعا به ووصله، وقدم معه.
وحكى ابن عبد ربه، عن إبراهيم بن محمد الشيباني أبي اليسر الكاتب قال: رفع أبان بن عبد الحميد اللاحقي إلى الفضل بن يحيى بن خالد رقعةً
стр. 37
بأبيات له، وذكر منها ما تقدم وزاد:
لست بالضخم في رؤاي ولا الفد ... م ولا بالمجحدر
لحيةٌ كثّةٌ وأنفٌ طويلٌ ... واتّقادٌ كشعلة المصباح
لست بالنّاسك المشمّر ثوبي ... هـ ولا الفاتك الخليع الوقاح
فدعا به، فلما دخل عليه، أتاه كتاب من أرمينية، فرمى به إليه، وقال له: أجب عنه! فأجاب في غرضه، فأمر له بألف ألف درهم، وكان أول داخل وآخر خارج، وإذا ركب فركابه مع ركابه، قال: فبلغ هذا الشعر أبا نواس فقال:
إن أولى بقلة الحظّ منّي ... للمسمى بالجلجل الصيّاح
لم يكن فيك غير شيئين ممّا ... قلت في نعت خلقك الدّحداح
стр. 38
لحيةٌ كثّةٌ وأنفٌ طويلٌ ... وسوى ذاك ذاهبٌ في الرياح
فيك ما يحمل الملوك على السّخ ... ف ويزري بالماجد الجحجاح
بارد الظرف مظلم الكذب تيّا ... هٌ معيد الحديث سمج المزاح
فبعث إليه أبان: لا تذعها وخذ الألف ألف درهم، فبعث إليه أبو نواس: لو أعطيتني مائة ألف ألف ما كان بد من إذاعتها! فيقال إن الفضل بن يحيى لما سمع شعر أبي نواس قال: لا حاجة لي في أبان، قد رمي بخمس في بيت، لا يقبله على واحدة منهن إلا جاهل! فقيل له: كذب عليه! فقال: قد قيل ذلك، فأقصاه. كذا قال الشيباني، فإن يك صحيحاً، فقد أعتبه، وعاود فيه مذهبه.
قال أبو الفرج الأصبهاني، وذكر أبان: خص بالفضل وقدم معه، فقرب من قلب يحيى بن خالد، وصار صاحب الجماعة، وذا أمرهم؛ ويقال إنه عاتب البرامكة على تركهم إيصاله إلى الرشيد وإيصال مديحه إليه، فقالوا له: وما تريد من ذلك؟ قال: أريد أن أحظى منه بمثل ما حظي به مروان
стр. 39
ابن أبي حفصة، فقالوا: إن لذلك مذهباً في هجاء آل أبي طالب وذمهم، به يحظى، وعليه يعطى، فاسلكه حتى نفعل، قال: لا أستحل ذلك، قالوا: فما تصنع؟ لا يجيء طلب الدنيا إلا بفعل ما لا يحل! فقال أبان من قصيدة:
نشدت بحقّ الله من كان مسلماً ... أعمّ بما قد قلته العجم والعرب
أعمّ رسول الله أقرب زلفةً ... إليه أم ابن العمّ في رتبة النّسب
وأيّهما أولى به وبعهده ... ومن ذا له حقّ التراث بما وجب
فإن كان عباسٌ أحقّ بتلكم ... وكان عليٌّ بعد ذاك على سبب
فأبناء عبّاسٍ هم يرثونه ... كما العمّ لابن العمّ في الإرث قد حجب
فقال له الفضل: ما يرد اليوم على أمير المؤمنين أعجب من أبياتك! وركب فأنشدها الرشيد، فأمر لأبان بعشرين ألف درهم، واتصل مدحه للرشيد بعد ذلك وخص به.
وأما هجاء أبي نواس لأبان، فإن يحيى بن خالد كان قد جعل أمر الشعراء وامتحان أشعارهم وترتيبهم في الجوائز إلى أبان، فلم ترض أبا نواس المرتبة
стр. 40
التي جعله فيها، فقال يهجوه من أبيات:
جالست يوماً أباناً ... لا درّ درّ أبان
فجاوبه أبان بما أقذع فيه.
ولم يذكر أبو الفرج فيما أورد من أخباره تغير البرامكة عليه، ولا إحالة عندهم لحاله، بل حكى أن مروان بن أبي حفصة شكا إلى بعض إخوانه تغير الرشيد عليه وإمساكه يده عنه، فقال له: ويحك أتشكو الرشيد بعد ما أعطاك وأغناك! قال: ويحك أتعجب من ذلك، هذا أبان اللاحقي قد أخذ من البرامكة بقصيدة قالها واحدة، مثل ما أخذته من الرشيد في دهري كله، سوى ما أخذه منهم ومن أشباههم بعدها.
وكان أبان نقل للبرامكة كتاب كليلة ودمنة فجعله شعراً ليسهل حفظه عليهم، وهو معروف، فأعطاه يحيى عشرة آلاف دينار، وأعطاه الفضل خمسة آلاف دينار. قال الصولي: فتصدق أبان بثلث المال، خمسة آلاف دينار لأنه كان حسن السريرة حافظاً للقرآن.
следующие страницы →