Полный текст (220 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
إنّ من دوننا لمصمت بابٍ ... أنت من دون قفله مفتاحي
فقال له: هات مديحك، فأعطاه شعراً في الفضل في هذا الوزن وقافيته، منه:
أنا من بغية الأمير وكنزٌ ... من كنوز البيان ذو أرباح
كاتبٌ حاسبٌ خطيبٌ أديبٌ ... ناصحٌ زائدٌ على النّصّاح
شاعرٌ مفلقٌ أخفّ من الرّي ... شة ممّا يكون تحت الجناح
لو دعاني الأمير أبصر منّي ... شمّرياً كالجلجل الصيّاح
فدعا به ووصله، وقدم معه.
وحكى ابن عبد ربه، عن إبراهيم بن محمد الشيباني أبي اليسر الكاتب قال: رفع أبان بن عبد الحميد اللاحقي إلى الفضل بن يحيى بن خالد رقعةً
стр. 37
بأبيات له، وذكر منها ما تقدم وزاد:
لست بالضخم في رؤاي ولا الفد ... م ولا بالمجحدر
لحيةٌ كثّةٌ وأنفٌ طويلٌ ... واتّقادٌ كشعلة المصباح
لست بالنّاسك المشمّر ثوبي ... هـ ولا الفاتك الخليع الوقاح
فدعا به، فلما دخل عليه، أتاه كتاب من أرمينية، فرمى به إليه، وقال له: أجب عنه! فأجاب في غرضه، فأمر له بألف ألف درهم، وكان أول داخل وآخر خارج، وإذا ركب فركابه مع ركابه، قال: فبلغ هذا الشعر أبا نواس فقال:
إن أولى بقلة الحظّ منّي ... للمسمى بالجلجل الصيّاح
لم يكن فيك غير شيئين ممّا ... قلت في نعت خلقك الدّحداح
стр. 38
لحيةٌ كثّةٌ وأنفٌ طويلٌ ... وسوى ذاك ذاهبٌ في الرياح
فيك ما يحمل الملوك على السّخ ... ف ويزري بالماجد الجحجاح
بارد الظرف مظلم الكذب تيّا ... هٌ معيد الحديث سمج المزاح
فبعث إليه أبان: لا تذعها وخذ الألف ألف درهم، فبعث إليه أبو نواس: لو أعطيتني مائة ألف ألف ما كان بد من إذاعتها! فيقال إن الفضل بن يحيى لما سمع شعر أبي نواس قال: لا حاجة لي في أبان، قد رمي بخمس في بيت، لا يقبله على واحدة منهن إلا جاهل! فقيل له: كذب عليه! فقال: قد قيل ذلك، فأقصاه. كذا قال الشيباني، فإن يك صحيحاً، فقد أعتبه، وعاود فيه مذهبه.
قال أبو الفرج الأصبهاني، وذكر أبان: خص بالفضل وقدم معه، فقرب من قلب يحيى بن خالد، وصار صاحب الجماعة، وذا أمرهم؛ ويقال إنه عاتب البرامكة على تركهم إيصاله إلى الرشيد وإيصال مديحه إليه، فقالوا له: وما تريد من ذلك؟ قال: أريد أن أحظى منه بمثل ما حظي به مروان
стр. 39
ابن أبي حفصة، فقالوا: إن لذلك مذهباً في هجاء آل أبي طالب وذمهم، به يحظى، وعليه يعطى، فاسلكه حتى نفعل، قال: لا أستحل ذلك، قالوا: فما تصنع؟ لا يجيء طلب الدنيا إلا بفعل ما لا يحل! فقال أبان من قصيدة:
نشدت بحقّ الله من كان مسلماً ... أعمّ بما قد قلته العجم والعرب
أعمّ رسول الله أقرب زلفةً ... إليه أم ابن العمّ في رتبة النّسب
وأيّهما أولى به وبعهده ... ومن ذا له حقّ التراث بما وجب
فإن كان عباسٌ أحقّ بتلكم ... وكان عليٌّ بعد ذاك على سبب
فأبناء عبّاسٍ هم يرثونه ... كما العمّ لابن العمّ في الإرث قد حجب
فقال له الفضل: ما يرد اليوم على أمير المؤمنين أعجب من أبياتك! وركب فأنشدها الرشيد، فأمر لأبان بعشرين ألف درهم، واتصل مدحه للرشيد بعد ذلك وخص به.
وأما هجاء أبي نواس لأبان، فإن يحيى بن خالد كان قد جعل أمر الشعراء وامتحان أشعارهم وترتيبهم في الجوائز إلى أبان، فلم ترض أبا نواس المرتبة
стр. 40
التي جعله فيها، فقال يهجوه من أبيات:
جالست يوماً أباناً ... لا درّ درّ أبان
فجاوبه أبان بما أقذع فيه.
ولم يذكر أبو الفرج فيما أورد من أخباره تغير البرامكة عليه، ولا إحالة عندهم لحاله، بل حكى أن مروان بن أبي حفصة شكا إلى بعض إخوانه تغير الرشيد عليه وإمساكه يده عنه، فقال له: ويحك أتشكو الرشيد بعد ما أعطاك وأغناك! قال: ويحك أتعجب من ذلك، هذا أبان اللاحقي قد أخذ من البرامكة بقصيدة قالها واحدة، مثل ما أخذته من الرشيد في دهري كله، سوى ما أخذه منهم ومن أشباههم بعدها.
وكان أبان نقل للبرامكة كتاب كليلة ودمنة فجعله شعراً ليسهل حفظه عليهم، وهو معروف، فأعطاه يحيى عشرة آلاف دينار، وأعطاه الفضل خمسة آلاف دينار. قال الصولي: فتصدق أبان بثلث المال، خمسة آلاف دينار لأنه كان حسن السريرة حافظاً للقرآن.
стр. 41
عبد الله بن سوار بن ميمون
كان يكتب ليحيى بن خالد؛ قال: فدعاني يوماً لأكتب، فقال لي: اجلس فاكتب، فقلت: ليس معي دواة، فقال لي: أرأيت صاحب صناعة تفارقه آلته! وأغلظ لي في حرف أراد به حصني على الأدب، ثم دعا بدواة فكتبت بين يديه كتاباً إلى الفضل، في شيء من أموره، ففطن أني متثاقل عن الكتاب بسبب تلك المخاطبة، فأراد إزالة ذلك عني، فقال لي: أعليك دين؟ فقلت: نعم قال: كم؟ قلت: ثلاث مائة ألف درهم، فأخذ الكتاب ووقع فيه بخطه:
وكلكم قد نال شبعاً لبطنه ... وشبع الفتى لؤمٌ إذا جاع صاحبه
إن عبد الله ذكر أن عليه ديناً يخرجه منه ثلاث مائة ألف درهم، فقبل أن تضع هذا الكتاب من يدك، فأقسمت عليك لما حملت ذلك إلى منزله، من أحضر مالي قبلك، إن شاء الله! قال: فحملها الفضل إلي وما علمت لها سبباً غير تلك الكلمة.
стр. 42
حجر بن سليمان
حكى يزيد المهلبي أن يحيى بن خالد رقي إليه عن حجر بن سليمان الكاتب الحراني أمور، فكان عليه لها مغيظاً، فلما وجه الرشيد يحيى إلى حران ليقتل من هنالك من الزنادقة، ضاق بحجر منزله، فكتب إلى يحيى: أما بعد فإنك لما حللت بأرضنا، وقرب مزارك منا، اعتلج بقلبي أمران؛ أما أحدهما فالاستتار منك وخفض الشخص في عسكرك؛ وأما الآخر فالإصحار لك والرضا بحكومتك، فاعتلى الرجاء لعفوك الخوف من بادرتك، وعلمت أني لم أُعجزك فيما مضى من سالف الأيام، ولأنت أعظم شأناً من الذي لم تعد قدرته الحيرة، إذ يقول له النابغة:
فإنّك كالليل الذي هو مدركي ... وإن خلت أنّ المنتأى عنك واسع
فأنا أسألك مسألةً، يعظم الله عليها أجرك، ويجزل عليها ذخرك، وأسألك بحق نعم الله إلا بللت ريقي بعفوك، وفرجت الضيقة التي لزمتني بعطفك. فكتب إليه يحيى بالأمان له والعفو عنه.
وفي الكتاب المعرب عن المغرب، أن حجر بن سليمان هذا، كان من أفصح الناس، مع أدب الكتابة وظرفها، فلما ولي يزيد بن مزيد الشيباني
стр. 43
أرمينية، بعث إليه، فأمر فشقت ثيابه، وقال: والله لأُزيلن لحمك وعصبك عن عظمك، لا والله ما طلبت ولاية أرمينية إلا لأشفي نفسي منك! فقال: لا تعجل أيها الأمير، فإن تكن يدك عاليةً فيد الله أعلى، فانظر إلى من فوقك، ولا تنظر إلى من تحتك، فكل رب من العباد مربوب لذي القوة المتين الذي ينتقم إذا شاء في عاجل! أُعيذك بالله أيها الأمير أن تساعد غضبك فتندم وخذ الفوز في الدين والدنيا بالعفو، فإن الله يقول: " وليَعْفُوا وليَصْفحوا ألا تُحبُّون أن يَغْفِر الله لَكمِ واللهُ غفورٌ رحيم ". قال عوانة بن الحكم الكلبي والد عياض بن عوانة: شهدته يتكلم بهذا الكلام، وهو مبتل الريق، سهل الكلام، سالم من السقط، كأنما يقرأ في صحيفة، فقال يزيد: أستغفر الله، والله إنا لمربوبون للرب العظيم، وإنه ينبغي لنا إذا أطللنا على من دوننا أن نذكر من فوقنا، خلوا عنه وهاتوا له كسوة! يا حجر بن سليمان قد أعدناك إلى مرتبتك.
سهل بن هارون
كتب ليحيى بن خالد، وكان منه بمكان، ولزمه إلى حين القبض عليه.
стр. 44
حكى عنه قال،: إني لأحمل أرزاق العامة بين يدي يحيى بن خالد في فنائه داخل سرادقه، وهو مع الرشيد بالرقة، وهو يعقدها جملاً بكفه، إذ غشيته سآمة، وأخذته سنة فغلبته عيناه، فقال: ويلك يا سهل، طرق النوم شفري، وأكلت السنة خاطري، فما ذاك؟ قلت: ضيف كريم، إن قريته روحك، وإن منعته عنتك، وإن طردته طلبك، وإن أقصيته أدركك وإن غالبته غلبك! قال: فنام أقل من فواق بكية، أو نزع ركية، ثم انتبه مذعوراً، فقال: يا سهل لأمر ما كان، ذهب والله ملكنا، وذل عزنا، وانتقضت أيام دولتنا قلت: وما ذاك، أصلح الله الوزير؟ قال: رأيت كأن منشداً أنشدني:
كان لم يكن بين الحجون إلى الصفا ... أنيسٌ، ولم يسمر بمكة سامر
فأجبته على غير روية، ولا إجالة فكرة:
بلى نحن كنا أهلها فأزالنا ... صروف اللّيالي والجدود العواثر
قال: فوالله ما زلت أعرفها منه، وأراها ظاهرةً فيه، إلى الثالث من يومه
стр. 45
ذاك، فإني لفي مقعدي بين يديه، أكتب توقيعات في أسفل كتبه لطلاب الحوائج إليه، قد كلفني إكمال معانيها بإقامة الوزن فيها، إذ وجدت رجلاً سعى إليه، حتى أوفى مكباً عليه، فقال: مهلاً ويحك، ما اكتتم خير، ولا استتر شر! قال: قتل أمير المؤمنين الساعة جعفراً! قال: أو قد فعل؟ قال: نعم! قال: فما زاد على أن رمى القلم من يده وقال: هكذا تقوم الساعة بغتةً! قال سهل: فلو انكفأت السماء على الأرض ما زاد. تبرأ منهم الحميم، واستبعد عن نسبهم القريب، وجحد ولاءهم المولى، واستعبرت لفقدهم الدنيا، فلا لسان يحظى بذكرهم، ولا طرف ناظر يشير إليهم؛ وضم يحيى بن خالد، وقته ذلك، والفضل ومحمد وخالد، بنوه وبنوهم، مع بني جعفر بن يحيى، ومن لف لفهم، أو هجس بصدره أمل فيهم؛ وبعث في الرشيد، فوالله لقد أعجلت عن النظر، فلبست ثياب إحرامي وأعظم رغبتي إلى الله في الإراحة بالسيف، وألا يعبث في عبث جعفر، فلما دخلت عليه، ومثلت بين يديه، عرف الذعر في بجرض ريقي، وشخوصي إلى السيف المشهور ببصرين فقال: إيهاً يا سهل، من غمط نعمتي، وتعدى وصيتي، وجانب موافقتي، أعجلته عقوبتي! قال: فوالله ما وجدت جوابها حتى قال لي: ليفرخ روعك،
стр. 46
ويسكن جأشك، وتطب نفسك، وتطمئن حواسك، فإن الحاجة إليك قربت منك، وأبقت عليك ما يبسط منقبضك، ويطلق معقولك، وأشار إلى مصرع جعفر وقال:
من لم يؤدّبه الجمي ... ل ففي عقوبته صلاحه
فقال سهل: فوالله ما أعلم أني عييت عن جواب آخر قط، غير جواب الرشيد يومئذ، فما عولت في الشكر إلا على تقبيل باطن رجليه!.. ثم قال: اذهب قد أحللتك محل يحيى، ووهبت لك ما ضمته أبنيته وحواه سرادقه، فاقبض الدواوين، وأحص جباء جعفر لنأمرك بقبضه إن شاء الله. قال سهل: فكنت كمن نشر من كفن وأُخرج من حبس.
ثم جلت حال سهل عند الرشيد وخص به، فدخل عليه يوماً وهو يضاحك ابنه المأمون، فقال: أللهم زده من الخيرات، وابسط له في البركات، حتى يكون كل يوم من أيامه موفياً على أمسه، مقصراً عن غده! فقال الرشيد: يا سهل، من روى من الشعر أحسنه وأجوده، ومن الحديث أصحه وأبلغه، ومن البيان أفصحه وأوضحه، إذا رام أن يقول لم يعجزه، فقال: يا أمير المؤمنين:
стр. 47
ما ظننت أن أحداً تقدمني إلى مثل هذا المعنى! قال: بلى، أعشى همدان حيث يقول:
رأيتك أمس خير بني لؤيٍّ ... وأنت اليوم خيرٌ منك أمس
وأنت غداً تزيد الخير ضعفاً ... كذاك تزيد سادة عبد شمس
واستثقل المأمون سهل بن هارون، فدخل عليه يوماً والناس على منازلهم، فتكلم المأمون بكلام ذهب فيه كل مذهب، فلما فرغ أقبل سهل على ذلك الجمع فقال: مالكم تسمعون ولا تعون! وتشاهدون ولا تفهمون، وتفهمون ولا تعجبون، وتعجبون ولا تنصفون! أما والله إنه ليقول ويفعل في اليوم القصير مثل ما قالت وفعلت بنو مروان في الدهر الطويل، عربهم كعجمهم وعجمهم كعبيدهم، ولكن كيف يعرف الدواء من لا يشعر بالداء! فرجع المأمون فيه إلى الرأي الأول.
وهذا كاستثقال الحجاج زياد بن عمرو العتكي، فلما وفد على عبد الملك ابن مروان، والحجاج حاضر، قال: يا أمير المؤمنين، إن الحجاج سيفك الذي لا ينبو، وسهمك الذي لا يطيش، وخادمك الذي لا تأخذه فيك لومة لائم؛ فلم يكن بعد ذلك أحد أخف عليه منه.
стр. 48
وشبيه ثناء زياد على الحجاج ثناء أبي دلف العجلي على عبد الله بن طاهر عند المأمون، حين دخل عليه بعد الرضا عليه، فسأله عن عبد الله بن طاهر، فقال: خلفته يا أمير المؤمنين أمين غيب، نصيح جيب، أسداً فينا قائماً على براثنه، يسعد به وليك، ويشقى به عدوك، رحب الفناء لأهل طاعتك، ذا بأس شديد لمن زاغ عن قصد محبتك، قد فقهه الحزم وأيقظه العزم، فقام في بحر الأمور، على ساق التشمير، يبرمها بأيده وكيده، ويفلها بحده وجده، وما أُشبهه في الحرب إلا بقول عباس بن مرداس:
أكرّ على الكتيبة لا أُبالي ... أحتفي كان فيها أم سواها
والمأمون في خلفاء بني العباس أغزرهم علماً، وأشهرهم حلماً، وكان يقول: لو علم الناس لذتنا بالعفو لتقربوا إلينا بالجرائم! وقال لعمه إبراهيم بن المهدي: لقد حببت إلي العفو حتى خفت ألا أُؤجر عليه!
стр. 49
فلو تقدم عصر مولانا الذي فضل العصور الخالية، وأحال على العطل الملوك الحالية، لقلت إياه تقيل، معارف وعوارف، وعلاه تسربل، من توالد وطوارف، وإلا فهأنا مع الاصطناع الظاهر، والاستشفاع بالنجل المبارك الطاهر، كالذي قال للحسن بن سهل، وقد أتى ما أتيت عن جهل: ذنبي أعظم من السماء، وأوسع من الهواء، وجرمي أكثر من الماء! فقال له الحسن: على رسلك، قد تقدمت لك طاعة، وحدثت منك توبة، وليس للذنب بينهما مكان، وما ذنبك في الذنوب بأعظم من عفو أمير المؤمنين في العفو! وفيه يقول الحسن بن رجاء الكاتب:
صفوحٌ عن الإجرام حتّى كأنّه ... من العفو لم يعرف من الناس مجرما
وليس يبالي أن يكون به الأذى ... إذا ما الأذى لم يغش بالكره مسلما
وقد تضمنت هذه الرسالة من أنبائه، ما يدل على كماله، ويجلو للأحداق صور مكارم الأخلاق في سماحه واحتماله.
стр. 50
كلثوم بن عمرو العتابي
كان ممن جمع له البيان والخطابة والشعر الجيد والرسائل الفاخرة.
قال ابن عبد ربه: بلغني أن صديقاً لكلثوم العتابي أتاه يوماً فقال له: اصنع لي رسالة؛ فاستمد مدةً، ثم علق القلم، فقال له صاحبه: ما أرى بلاغتك إلا شاردةً عنك فقال له العتابي: إني لما تناولت القلم تداعت علي المعاني من كل جهة، فأحببت أن أترك كل معنى حتى يرجع إلى موضعه ثم أجتني لك أحسنها.
وهذا كما روي أن ابن المقفع كان كثيراً ما يقف قلمه، فقيل له في ذلك فقال: إن الكلام يزدحم في صدري، فيقف قلمي لتخيره! وسعي بالعتابي إلى الرشيد فخافه، فهرب إلى بلاد الروم، فقال يعتذر، وهو مشبه في حسن الاعتذار بالنابغة الذبياني:
стр. 51
جعلت رجاء العفو عذراً وشبته ... بهيبة إمّا غافرٍ أو معاقب
وكنت إذا ما خفت حادث نبوةٍ ... جعلتك حصناً من حذار النوائب
فأنزل بي هجرانك اليأس بعد ما ... حللت بوادٍ منك رحب المشارب
أظلّ ومرعاي الجديب مكانه ... وآوي إلى حافات أكدر ناضب
ولم يثن عن نفسي الردى غير أنّها ... تثوب لباقٍ من رجائك ثائب
هي النفس محبوسٌ عليك رجاؤها ... مقيدة الآمال دون المطالب
وتحت ثياب الصبر منّي ابن لوعةٍ ... يظلّ ويمسي مستكنّ الجوانب
فنىً ظفرت منه الليالي بزلّةٍ ... فأقلعن منه داميات المخالب
حنانيك إني لم أكن بعت عزةً ... بذلٍ، وأحرزت المنى بالمواهب
فقد سمتني الهجران حتّى أذقتني ... عقوبة زلاّتي وسوء مناقبي
فهأنا مقصىً في رضاك وقابضٌ ... على حدّ مصقول الغرارين قاضب
ومنتزحٌ عمّا كرهت وجاعلٌ ... هواك مثالاً بين عيني وحاجبي
وقال أيضاً:
رحل الرجاء إليك مغترباً ... حشدت عليه نوائب الدهر
стр. 52
ردت إليك ندامتي أملي ... وثنى إليك عنانه شكري
وجعلت عتبك عتب موعظةٍ ... ورجاء عفوك منتهى عذري
فعفا عنه الرشيد؛ ومن جيد مدحه فيه:
إمامٌ له كفٌ يضمّ بنانها ... عصا الدّين ممنوعاً عن البري عودها
وعينٌ محيطٌ بالبريّة طرفها ... سواءٌ عليها قربها وبعيدها
وله فيه أيضاً:
رعى أُمّة الإسلام فهو إمامها ... وأدّى إليها الحقّ فهو أمينها
مقيمٌ بمستنّ العلا حيث تلتقي ... طوارق أبكار الخطوب وعونها
ومن بديع الاعتذار قول إبراهيم بن المهدي للمأمون:
يا خير من وخدت به شدنيّةٌ ... بعد الرسول لآيسٍ أو طامع
لم أدر أنّ لمثل جرمي غافراً ... فظللت أرقب أيّ حتفٍ صارع
والله يعلم ما أقول فإنّها ... جهد الأليّة من مقرٍ باخع
ما إن عصيتك والغواة تمدّني ... أسبابها إلاّ بنيّة طائع
стр. 53
وقوله:
ذنبي إليك عظيم ... وأنت أعظم منه
فخذ بحقك أولاً ... فاصفح بفضلك عنه
إن لم أكن في فعالي ... من الكرام فكنه
وقول إسحاق بن إبراهيم الموصلي للمأمون أيضاً:
لا شيء أعظم من جرمي ومن أملي ... لحسن عفوك عن جرمي وعن زللي
فإن يكن ذا وذا في القدر قد عظما ... فأنت أعظم من جرمي ومن أملي
وقول علي بن الجهم للمتوكل، وقد تمثل به جعفر بن عثمان المصحفي فنسب إليه وهماً:
عفا الله عنك ألا حرمةٌ ... تعوذ بعفوك أن أُبعدا
لئن جلّ ذنبٌ ولم أعتمده ... فأنت أجلّ وأعلى يدا
ألم تر عبداً عدا طوره ... ومولىً عفا ورشيداً هدى
стр. 54
ومفسد أمرٍ تلافيته ... فعاد فأصلح ما أفسدا
أقلني أقالك من لم يزل ... يقيك ويصرف عنك الرّدى
وما أحسن قول أبي بكر بن عمار للمعتمد محمد بن عباد ﵀:
سجاياك إن عافيت أندى وأسجح ... وعذرك إن عاقبت أجلى وأوضح
وإن كان بين الخطّتين مزيّةٌ ... فأنت إلى الأدنى من الله أجنح
ويشبه قول العتابي:
ردّت إليك ندامتي أملي ... البيت ...
ما كتب به سعيد بن حميد إلى بعض الرؤساء معتذراً، وقد نسب ذلك أبو إسحق الحصري إلى ابن مكرم وأتى به مختصراً: نبت بي عنك غرة الحداثة فردتني إليك الحنكة، وباعدتني منك الثقة بالأيام، فأدنتني إليك الضرورة، فسدت فلم أصلح لغيرك، وبخستك معروفك فلم أهنأ ظلمك، وهأنا قد ألقيت بيدي إليك لما ضاقت علي المذاهب، وتقطعت بي السبل، وأدركتني عاقبة ما أسلفت، وارتهنت بسوء النية ما قدمت، فتركت ما أنكر، وانصرفت إلى ما أعرف، ثقةً بإسراعك إلي وإن أبطأت عنك، وقبولك المعذرة وإن قصرت
стр. 55
عن واجبك، وإن كانت ذنوبي قد سدت علي مسالك الصفح عني فراجع في مجدك وسؤددك، وأي موقف هو أدنى من هذا الموقف، لولا أن الاعتذار فيه إليك، والمخاطبة بما ضمنته كتابي إليك؟ أم أي خطة هي أزرى بصاحبها من خطة أنا راكبها، لولا أنها في طلب رضاك، فإن رأيت أن تستقبل الصنيعة بقبول العذر، وتجدد النعمة باطراح الحقد، وتستأنف المنة بنسيان الزلة، وتردني إلى موضعي في قلبك، وإن كنت أعلم أني لم أدع إلى ذلك سبيلاً، فإنا رأينا قديم الحرمة وحديث التوبة يمحوان ما بينهما من الإساءة ويمسحانه، فعلت، فإن أيام القدرة وإن طالت قصيرة، والمتعة بها وإن كثرت قليلة، والمعروف وإن أُسدي عوداً على بدء إلى من يكفره مشكور على كل حال بلسان غيره.
وكان العتابي أيام هارون الرشيد في ناحية المأمون، وشيعه عند خروجه إلى خراسان، حتى وقف معه على سندان كسرى، فلما حاول وداعه قال له المأمون: سألتك بالله يا عتابي إلا عملت على زيارتنا إن صار لنا من هذا الأمر شيء؟؟!.. ولما قدم المأمون بغداد يوم السبت منتصف صفر سنة أربع ومائتين، توصل إليه العتابي، فتعذر عليه لقاؤه، فتعرض ليحيى بن أكثم فقال: أيها القاضي إن رأيت أن تذكر بي أمير المؤمنين! فقال له يحيى: ما أنا بحاجب!
стр. 56
فقال العتابي: قد علمت، ولكنك ذو فضل، وذو الفضل معوان؛ قال: سلكت بي غير طريقي! فقال: إن الله ألحقك بجاه ونعمة، وهما مقيمان عليك بالزيادة إن شكرت، والتغيير إن كفرت، وأنا اليوم خير منك لنفسك، أدعوك إلى ما فيه زيادة نعمتك، وأنت تأبى ذلك، ولكل شيء زكاة، وزكاة الجاه بذله للمستعين! فدخل إلى المأمون فقال: يا أمير المؤمنين أجرني من العتابي ولسانه، فلم يأذن له وشغل عنه، فلما رأى العتابي جفاءه قد تمادى كتب إليه:
ما على ذا كنّا افترقنا بسندا ... ن ولا هكذا رأيت الإخاء
لم أكن أحسب الخلافة يزدا ... د بها ذو الصّفاء إلاّ صفاء
تضرب الناس بالمهنّدة البت ... ر على غدرهم وتنسى الوفاء!
يعرض بقتله لأخيه على غدره ونكثه لما عقد الرشيد، فلما قرأ المأمون كتابه دعا به، فدنا منه وسلم بالخلافة، ثم وقف بين يديه، فقال: يا عتابي بلغتني وفاتك فغمتني، ثم انتهت إلي وفادتك فسرتني، وإني لحري بالغم لبعدك والسرور بقربك، فقال: يا أمير المؤمنين لو قسم هذا البر على أهل منى وعرفات لوسعهم عدلاً، وأعجزهم شكراً، وإن رضاك لغاية المنى لأنه لا دين إلا بك، ولا دنيا إلا معك! قال: سل حاجتك، قال: يدك بالعطية أطلق من لساني بالمسألة؛ فأمر له بخمسين ألفاً.
стр. 57
الفضل بن الربيع
قال ابن عبد ربه: كتب للرشيد يحيى بن خالد بن برمك، ثم الفضل بن الربيع، ثم إسماعيل بن صبيح ، وللأمين الفضل بن الربيع. وقال في موضع آخر: وممن نبه بالكتابة بعد الخمول الربيع والفضل بن الربيع، وسمى معهما جماعة.
وقال الصولي: لما قبض الرشيد على البرامكة استوزر الفضل، وقد كان على حجابته، وبقي، فربما استخلف من ينوب فيها عنه. ويحكى أنه دخل قبل ذلك على يحيى بن خالد فلم يوسع له، ولا هش، ثم قال: ما جاء بك يا أبا العباس؟ قال: رقاع معي! فرده عن جميعها، فوثب الفضل يقول:
عسى ولعلّ الدّهر يثني عنانه ... بعثرة جدٍّ والزمان عثور
стр. 58
فتدرك آمالٌ وتقضى مآربٌ ... وتحدث من بعد الأُمور أُمور
فرده ووقع له بما أراد.
واتصلت وزارته للرشيد، إلى أن توفي بطوس، وهو معه، فأخذ البيعة للأمين على القواد وسائر الطبقات، وأجل الناس ثلاثاً، ثم قفل بهم إلى بغداد ففوض الأمين إليه الأمر، وجعله وزيره والآمر والناهي في كل شيء. وكان يرى انهماك الأمين ونقصه فيسوءه ذلك، وتبلغ به الحفيظة والنصيحة أحياناً إلى أن يسمعه ما لا يحتمل فيحلم عنه. وحكى ابن عبدوس: أن الأمين عزم يوماً على الاصطباح، وأحضر ندماءه وأمر كل واحد منهم أن يطبخ قدراً بيده، وأحضر المغنين، ووضعت الموائد، فلما ابتدأ يأكل، دخل إليه إسماعيل بن صبيح فقال: يا أمير المؤمنين هذا هو اليوم الذي وعدتني أن تنظر في أعمال الخراج والضياع وجماعات العمال، وقد اجتمعت علي أعمال منذ سنة، لم تنظر في شيء منها، ولم تأمر فيها، وفي هذا دخول الضرر في الأعمال؛ فقال له محمد: إن اصطباحي لا يحول بيني وبين النظر، وفي مجلسي من لا أنقبض عنه، من عم وابن عم، وهم أهل هذه النعمة التي يجب أن تحاط، فأحضر ما تريد عرضه، فاعرضه علي وأنا آكل، لأتقدم فيه بما يحتاج إليه، إلى أن يرفع الطعام، ثم أُتمم النظر فيما يبقى، ولا أسمع سماعاً حتى أُتمم الباقي وأفرغ منه؛ فحضر كتاب
стр. 59
الدواوين بأكثر ما في دواوينهم، وأقبل إسماعيل بن صبيح يقرأ على الأمين، وهو يأمر وينهى أحسن أمر ونهي وأسده، وربما شاور من حوله في الشيء بعد الشيء، وكلما وقع في شيء وضع بالقرب من إسماعيل بن صبيح، ورفعت الموائد، ودعا بالنبيذ، وكان لا يشرب في القدح أقل من رطل واحد، وأخذ في تتميم العمل، ثم دعا بخادم له، فناجاه بشيء أسره إليه، فمضى ثم عاد، فلما رآه نهض واستنهض إبراهيم بن المهدي وسليمان بن علي، فما مشوا عشرة أذرع، حتى أقبل جماعة من النفاطين، فضرموا تلك الكتب والأعمال بالنار، وكان الفضل بن الربيع حاضراً فلحق بالأمين وقد شق ثوبه، وهو يقول: الله أعدل من أن يرضى أن يكون مهدي أمة محمد نيه ﷺ من هذه أفعاله! وهو يضحك ولا ينكر قول الفضل.
ولما قتل الأمين استتر الفضل، وطال استخفاؤه، إلى أن دخل المأمون بغداد، فسأل عنه، فشفع فيه طاهر بن الحسين؛ وقد قيل إن المأمون وجده قبل الشفاعة ثم شفع فيه طاهر، فعفا عنه. ويقال: إن الفضل لقي طاهراً في موكبه، فثنى عنان فرسه معه، وقال: يا أبا الطيب ما ثنيت عناني مع أحد قبلك قط، إلا مع خليفة أو ولي عهد! قال له طاهر: صدقت ولكن قل حاجتك، فقال: صفح أمير المؤمنين عني وتذكيره بحرمتي! فقال المأمون: قد صفحت عنه، على
стр. 60
أن تذكيره بحرمته ذنب ثان؛ وكان الفضل قد أمسكه في حجره، في حولي رضاعه؛ وأمر بإحضاره، فلما وقعت عينه عليه سجد وقال: إنما سجدت لله شكراً لما ألهمني من العفو عنه! ثم قال: يا فضل أكان في حقي عليك وقح آبائي أن تثلبني وتشتمني وتحرض على دمي؟ أتريد أن أفعل بك مع القدرة مثل ما أردت بي؟ فقال الفضل: يا أمير المؤمنين إن عذري يحقدك إذا كان واضحاً جميلاً، فكيف إذ أعقته العيوب، وقبحته الذنوب، فلا يضق عني من عفوك ما وسع غيري منه، وإنك كما قال الحسن بن رجاء فيك:
صفوحٌ عن الإجرام حتى كأنّه ... من العفو لم يعرف من الناس مجرما
وليس يبالي أن يكون به الأذى ... إذا ما الأذى لم يغش بالكره مسلما
وقد تقدم إنشادهما؛ فأمسك عن عتابه، وأذن له في حضور بابه.
إسماعيل بن صبيح
كتب للرشيد، وخص به، وله يقول إبقاءً عليه، وإيصاءً بما يحفظ الصنيعة
стр. 61
لديه: إياك والدالة، فإنها تفسد الحرمة، ومنها أُتي البرامكة.
ويروى أن أعرابياً دخل على الرشيد فأنشده أُرجوزةً مدحه فيها، وإسماعيل بن صبيح يكتب بين يديه كتاباً، وكان من أحسن الناس خطاً وأسرعهم يداً، فقال الرشيد للأعرابي: صف هذا الكاتب! فقال:
رقيق حواشي الحلم حين تثور ... يريك الهوينا والأمور تطير
له قلما بؤسى ونعمى كلاهما ... سحابته في الحالتين درور
يناجيك عمّا في ضميرك خطّه ... ويفتح باب النّجح وهو عسير
فقال الرشيد: قد وجب لك يا أعرابي عليه حق كما وجب علينا، يا غلام ادفع له دية الحر! فقال إسماعيل: وعلى عبدك دية العبد.
ثم كتب للأمين في خلافته فسعي به إليه، وحمل على القبض عليه، وقال في ذلك الحسن بن هانئ يخاطب الأمين مغرياً به:
أليس أمين الله سيفك نقمةً ... إذا ماق يوماً في خلافك مائق
فكيف بإسماعيل يسلم مثله ... عليك ولم يسلم عليك منافق
أُعيذك بالرحمن من شرّ كاتبٍ ... له قلمٌ زانٍ وآخر سارق
стр. 62
أُحيمر عادٍ إنّ للسيف وقعةً ... برأسك فانظر بعدها من توافق
تجهّز جهاز البرمكيين وارتقب ... بقية ليلٍ صبحه بك لاحق
وقال أيضاً:
ألا يا أمين الله تحبّنا ... قلوب بني مروان والأمر ما تدري
فما بال مولاهم لسرّك موضعاً ... وما باله أمسى يشارك في الأمر
تبيّن أمين الله في لحظاته ... شنان بني العاصي وحقد بني صخر
وقال أيضاً يتوعده:
ألا قل لإسماعيل إنّك شاربٌ ... بكأس بني مروان ضربة لازم
أيسمن أولاد الطريد ورهطه ... بإهزال آل الله من آل هاشم
وإن ذكر الجعديّ أذريت عبرةً ... وقلت أقاد الله من كلّ ظالم
وتخبر من لاقيت أنّك صائمٌ ... وتغدو بفرجٍ مفطرٍ غير صائم
فإن يسر إسماعيل في فجراته ... فليس أمير المؤمنين بنائم
فما غير له الأمين حالاً، ولا قبل فيه مقالا.
стр. 63
داود القيرواني
كتب لمحمد بن مقاتل العكي، ثم لإبراهيم بن الأغلب، في إمارتهما على إفريقية من قبل هرون الرشيد، باستمراره على ولايته بعد عزله بابن الأغلب، وخاف بسبب ذلك من إبراهيم، عند افتضاح الأمر واتضاح ما تمالأ عليه من النكر، فاستخفى إلى أن كتب إليه مستعطفا: أما بعد أعز الله الأمير فلو كان أحد يبلغ بحرصه رضا بشر، بصحه مودة وتفقد حق، وإيثار نصيحة لرجوت أن أكون، بما جبلني الله عليه، من تفقد ما يلزمني من ذلك، أكرم الناس عند الأمير منزلةً، وألطفهم لديه حالاً، وأبسطهم أملاً، ولكن الأمور تجري على خلاف ما يروي العباد في أنفسهم، وإن من ساعده الدهر حظي في أموره كلها، واستحسن القبيح منه، وأُظهرت محاسنه، وسترت مساوئه، ومن خالفه القضاء، وأعان عليه الدهر، لم ينتفع بحرص، ولم يسلم من بغي، وقد كنت إذا افتخر الناس بساداتهم للأمير أطال الله بقاءه ذاكراً، وبيومه مسروراً، ولغده راجياً، إلى أن أتانا الله من ذلك بما كنت أبسط له أملي، وأُعظم فيه رجائي، وكان
стр. 64
مني في إجهاد نفسي بالقيام بما يلزمني من نصيحة الأمير أيده الله حسب الذي يحق علينا، فبينا أنا مشرف على إدراك كل خير، وبلوغ نهاية كل فضل، إذ رماني الدهر بفرقته، ولزمني من ذلك ما كنت أشد الناس زرية به، فوجد أهل البغي والفرية إلي سبيلاً، وقد صرت أعز الله الأمير لمكان الخوف الذي ملكني نازع أمكنة، وغرض ألسنة، فلو تحقق الأمير سيء حالي، وكنت العدو، لأشفق علي، ورثى لي، وذنبي أيده الله عظيم، وخناقي ضيق، وحجتي ضعيفة، وعفو الأمير وطوله أعظم من ذلك كله، فإن تداركني الأمير بما أؤمل فذاك الذي يشبهه وينسب إليه وأرجوه منه، وإن يعاقب فبالذنب الذي اجترمته، وهو أحق من انتشلني من زلتي، وأقالني من عثرتي، ورجا ما يرجوه مثله من أهل المنة والطول من مثل ما عظمت المنة عليه، والأمير أولى بي، وأنظر مني لنفسي، وأعلى بما سألته ورغبت إليه فيه عيناً ويداً، والله ولي توفيقه فيما عزم عليه من ذلك، وعليه التوكل لا شريك له؛ وأنا أرجو أطال الله بقاءه أن أكون ممن يتعظ بالتجربة، ويقيس موارد أموره بمصادرها، ولا يدع تصحيح النظر لنفسه، فيما يستقبل منها إن شاء الله، أتم الله على الأمير نعمه، وهناه كرامته، وألبسه أمنه وعافيته في الدنيا والآخرة. فأمنه واستكتبه وكان يشاوره في أموره.
стр. 65
حكى صاحب كتاب المعرب عن المغرب أن إبراهيم بن الأغلب شاور القواد في الخروج إلى ابن رستم الإباضي، فأشار عليه أكثرهم بالخروج، فشاور داود الكاتب، وقال يا أبا سليمان وهو أول يوم كناه فيه ما تقول؟ فقال له: هؤلاء الجند قد تجنبت عنهم وتحصنت منهم، فما يؤمنك من غدرهم إذا خرجت معهم! وإنما بينك وبينهم خرق المفازة؛ فتبين له الحق، فأقام وبعث ابنه أبا العباس عبد الله والجيوش إلى طرابلس.
وقال محمد بن نافع لداود: إنما أنت صاحب قلم، فمالك ولهذا! فقال له: أنا أقتل بقلمي جلفاً مثلك! ثم كتب ابنه إبراهيم بن داود لمحمد بن إبراهيم ابن الأغلب، وبعده لأبن أخيه أبي إبراهيم أحمد بن محمد بن الأغلب.
الحسن بن سهل
كتب للمأمون، هو وأخوه الفضل قبله، واستوزره بعد سنة ثلاث ومائتين، وقد كان وجهه من خراسان والياً على بغداد والكوفة والبصرة وما
стр. 66
والاهما، ثم أصهر إليه؛ وعدهما ابن عبد ربه في النابهين بالكتابة بعد الخمول كالربيع وابنه الفضل ويحيى بن خالد وابنه جعفر وغيرهم؛ وكانا من البلاغة والسيادة بمكان.
كان الفضل إذا كتب عنه الكاتب فأحسن، شكره على رؤوس الملأ وأبلغ، وإذا أخطأ، وضع الكتاب تحت مصلاه، وسكت إلى أن يخلو به، فيريه الخطأ ويعرفه الصواب. وكان الحسن أيضاً على سنته في إيثار كتابه وإكرامهم، وهو أشار على المأمون بأحمد بن يوسف بعده، فاستوزرهما؛ وأما كلماتهما وتوقيعاتهما فمروية محفوظة. وكتب الحسن إلى المأمون:
ما أحسن العفو من القادر ... لا سيّما من غير ذي ناصر
إن كان لي ذنبٌ ولا ذنب لي ... فماله غيرك من غافر
أعوذ بالودّ الذي بيننا ... أن تفسد الأوّل بالآخر
وحكى ابن عبدوس: أن المأمون شرب يوماً، والحسن معه، فقال له: يا أبا محمد لعلكم تظنون أني قتلت الفضل بن سهل، لا والله ما قتلته! فقال: بلى والله لقد قتلته؛ فقال المأمون: والله ما قتلته! قال الحسن: بلى والله لقد قتلته، ثلاثاً! فقام المأمون من مجلسه فقال: أُفٍ لكم! وانصرف الحسن إلى منزله،
стр. 67
فاتصل الخبر بالمعلى بن أيوب وغسان بن عباد، وهما ابنا خالتي الحسن والفضل، فسارا إلى الحسن فعذلاه ووبخاه وطالباه بالركوب والاعتذار إلى المأمون، وأتياه فقال له غسان: نحن عبيدك يا أمير المؤمنين وصنائعك، بل عرفنا، واصطناعك شرفنا، كنا أذلاء فرفعتنا، وكنا فقراء فأغنيتنا، فاعف خطيئة مسيئنا لمحسننا؛ قال: ويحك ما أصنع، وحلفت له ثلاثاً؟ فقال المعلى: يا أمير المؤمنين، أنسته فأنس، وسقيته فانتشى، فاغفر له هفوته؛ فقال المأمون: يا غلام سر إلى أبي محمد فقل له: إما تجيئنا وإما نجيئك!
أحمد بن أبي خالد
كتب للحسن بن سهل، ثم وزر للمأمون، وكان أكولاً نهماً ملتهب المعدة، لا يصبر على تأخير الغداء، فرفع إلى المأمون أن ابن أبي خالد يقتل المظلوم ويعين الظالم بأكلة، فأجرى عليه ألف درهم كل يوم لمائدته، ثم كان إذا وجهه في حاجة، أمره بأن يتغدى قبل ويأكل.
قال الصولي: ولى المأمون دينار بن عبد الله الحبل، ثم صرفه ووجد عليه، فأرسل إليه أحمد بن أبي خالد، يعد ديونه ويطلب منه المال، وقال لياسر
стр. 68
الخادم: امض معه وانظر فإن تغدى أحمد عنده كان معه علينا، وإن لم يتغد كان معنا عليه! فلما أحس دينار بمجيئه، أعد له طعاماً ثم جاء ابن أبي خالد، فأدى رسالة المأمون حتى كملت، ثم حضر عشرون فروجاً فأكلها، ثم جيء بسمك فما ترك منه شيئاً، ولما توسط الأكل، قال له دينار: مالكم عندي إلا سبعة آلاف ألف، ما أعرف غيرها! فلما أكمل الأكل، قال له أحمد: احمل إلى أمير المؤمنين ما ضمنت! فقال: ما عندي إلا ستة آلاف ألف! فقال له ياسر: ما قلت إلا سبعة آلاف ألف، وقد سمع ذلك أبو العباس؛ فقال ابن أبي خالد: ما أحفظ ما كان، ولكن قل الآن أسمع! قال دينار: ما قلت إلا ستة آلاف ألف. وسبق ياسر فأخبر المأمون، وجاء أحمد فقال: إنه قد أقر بخمسة آلاف ألف. فضحك المأمون وقال: ما قام على أحد غداء بأغلى منا! قام علي غداء أحمد بن أبي خالد بألفي ألف درهم!
وكان المأمون قد استبطأ عمرو بن مسعدة، وفي مجلسه علي وأحمد والحسن بنو هشام، وأحمد بن أبي خالد، فقال: يحسب عمرو أني لا أعرف أخباره، وما يجري إليه، وما يعامل به الناس! بلى والله، ثم لعله لا يسقط عني منه شيء! فصار أحمد ابن أبي خالد إلى عمرو بن مسعدة، فخبره بما جرى وأُنسي أن يستكتمه، فراح عمرو إلى المأمون، وطرح سيفه وقال: أنا عائذ بالله من سخط أمير المؤمنين،
стр. 69
أنا أقل من أن يشكوني إلى أحمد، وأن يسر علي ضغناً، فقال له: ويحك وما ذاك؟ فخبره بما بلغه، ولم يسم له من خبره، فقال له: لم يكن الأمر كما بلغك، إنما ذكرت جملةً من تفصيل كنت على إخبارك به وموافقتك عليه، فجرى شيء من جنسه، فليحسن ظنك! ولم يزل يؤنسه حتى طابت نفسه، وتحلل ما كان دخل عليه، ثم ضمه وقبل عمرو يده وانصرف. قال أحمد بن أبي خالد: فغدوت على المأمون فقال: يا أحمد ما لمجلسي حرمة؟ فقلت: يا أمير المؤمنين وهل الحرمات إلا لما فضل من مجلسك! فقال: ما أراكم ترضون بهذه المعاملة فيما بينكم! فقلت له: وأي معاملة؟ فقال: ذهب بعض بني هشام، فحكى لعمرو ما جرى أمس في المجلس، فجاءني متنصلاً مظهراً ما وجب أن يظهره، فاعتذرت إليه وتبين الخجل في، كأني اعتذرت من شيء قلته، ولقد أعطيته ما يقنعه مني أقله، لما داخلني من الحياء منه.. فقلت: أُعيذك بالله من سوء الظن يا أمير المؤمنين، أنا أخبرته ببعض ما جرى، لا بعض بني هشام! قال: وما حملك على ذلك؟ قلت: الشكر لك والنصح والمحبة لأن تتم نعمتك على أوليائك وخدمك، ولعلمي بأن أمير المؤمنين يحب أن يصلح له الأعداء، فضلاً عن الأولياء والأوداء، لا سيما مثل عمرو في دنوه من الخدمة وموقعه من العمل، ومكانه من رأي أمير المؤمنين، فخبرته بما كان منه ليصلحه، ويقيم من نفسه أودها لسيده ومولاه، ويتلافى ما
стр. 70
فرط منه، ولا يفسد قلبه ويبطل الغناء الذي فيه، وإنما كنت أكون غبياً لو أذعت سراً على السلطان فيه ندم أو نقض تدبير، وأما هذا فما كان عندي إلا صواباً! فقال لي: أحسنت والله يا أحمد!.. وأمر لي بمال كثير.
ولم يزل المأمون بسعة ذرعه وكرم طبعه يحتمله، على نهمه وحدته وسوء خلقه وعبوس وجهه المضروب به المثل في زمانه. حكى الجاحظ: أن بعض الكتاب سأل عبد الله بن طاهر حاجة، فوعده قضاءها، وطالت أيام مطاله الانجاز، فكتب إليه: أما بعد، فقد كان وعدك تلقاني مكتسياً بشاشة عمرو بن مسعدة، وأرى إنجازه تأخر تأخر من خلع عليه عبوس أحمد بن أبي خالد! وكتب في آخره:
ولقد علمت وإن نصبت لي المنى ... أنّ الخصاصة لا تداوى بالمنى
فلئن وفيت لأنهضنّ بشكركم ... ولئن أبيت لأحملنّ على القضا
النذل يلحف في السؤال ولا ترى ... للحرّ إلحافاً ولو أكل الثرى
فأنجزها عبد الله بن طاهر.
وقال الصولي: ركب أحمد بن أبي خالد يوماً إلى المأمون، فكثر عليه الناس فنهرهم، فقال له رجل: عمري، أُشكر الله فقد أعطاك ما لم يعط نبيه! قال:
стр. 71
وما هو؟ قال: إن الله يقول " ولو كُنتَ فظّاً غَليظَ القلبِ لأنْفَضُّوا من حَولك " وهأنت فظ غليظ القلب، ونحن نتكاثر عليك! فقال له: حاجتك؟ قال ترتبني في دار أمير المؤمنين المأمون. قال: قد فعلت! قال: وتقضي ديني وهو ثلاثون ألف درهم! قال: قد فعلت.
ثم إنه اعتل من فساد مزاج، فتخلف عن المأمون إلى أن مات، فحضر المأمون جنازته، وصلى عليه، ووقف على قبره، فلما دلي فيه قال: رحمك الله فلأنت كما قال الشاعر:
أخو الجدّ إن جدّ الرّجال وشمّروا ... وذو باطلٍ إن شئت ألهاك باطله
أحمد بن يوسف
وزر للمأمون بعد أحمد بن أبي خالد، وكانا جميعاً مع عمرو بن مسعدة من كتاب الحسن بن سهل، وهو أشار على المأمون بهما، فقد مهما لوزارته، ولم يكن في زمن أحمد بن يوسف أكتب منه، وشعره يرتفع عن أشعار الكتاب، وهو أحد من رأس ببلاغته وبيانه.
стр. 72
وكان أول ظهوره وارتفاعه أن المخلوع محمد بن الرشيد لما قتل، أمر طاهر بن الحسين الكتاب أن يكتبوا إلى المأمون، فأطالوا، فقال طاهر: أُريد أخصر من هذا! فوصف له أحمد بن يوسف وموضعه من البلاغة، فأحضره لذلك، فكتب: أما بعد، فإن المخلوع وإن كان قسيم أمير المؤمنين في النسب واللحمة، فقد فرق بينهما حكم الكتاب والسنة في الولاية والحرمة، لمفارقته عصمة الدين وخروجه عن الأمر الجامع للمسلمين، لقول الله فيما اقتص علينا من نبأ نوح: " يا نوحُ إنّه ليس من أهلِك إنه عملٌ غيرُ صالح "، ولا صلة لأحد في معصية الله، ولا قطيعة ما كانت القطيعة في ذات الله، وكتابي إلى أمير المؤمنين وقد قتل الله المخلوع ورداه رداء نكثه، وأحصد لأمير المؤمنين أمره، وأنجز له ما كان ينتظره من سابق وعده، والحمد لله رب العالمين، الراجع إلى أمير المؤمنين معلوم حقه، الكائد له من ختر عهده، ونقض عقده، حتى رد الله به الألفة بعد فرقتها، وجمع به الأمة بعد شتاتها، وأحيا به أعلام الدين بعد دروسها، وقد بعثت إليك بالدنيا وهي رأس المخلوع، وبالآخرة
стр. 73
وهي البردة والقضيب، والحمد لله الآخذ لأمير المؤمنين حقه، الراجع إليه تراث آبائه الراشدين. فرضي طاهر ووصله، وشهر أمره، ولم يكن قبل مذكوراً.
وكان المأمون يقول بعد أن بلاه واختبره، إذا وصفه له أحمد بن أبي خالد: يا عجبا لأحمد بن يوسف كيف استطاع أن يكتم نفسه! قال أبو العيناء: كان أحمد بن يوسف الكاتب قد تولى صدقات البصرة، فجار فيها وظلم، وكثر الشاكي به والداعي عليه، ووافى باب أمير المؤمنين المأمون زهاء خمسين من جلة البصريين، فعزله المأمون وجلس لهم مجلساً خاصاً، وأقام أحمد بن يوسف لمناظرتهم، فكان مما حفظ من كلامه أن قال يا أمير المؤمنين لو أن أحداً ممن ولي الصدقات سلم من الناس لسلم رسول الله ﷺ ، قال الله تعالى: " ومنهم من يَلْمِزُك في الصّدَقاتِ، فان أُعطوا منها رضوا، وإن لم يُعطوا منها إذا هم يسخطون ". فأعجب المأمون جوابه، واستجزل مقامه، وخلى سبيله.
وحكى الصولي خلاف هذا قال: شغب أهل الصدقات على المأمون
стр. 74
وناظروه، فقال أحمد بن يوسف وهو إذ ذاك وزيره: إنهم ظلموا رسول الله ﷺ ، فكيف من بعده! قال الله : وتلا الآية ... فاستحسن ذلك المأمون.
عمرو بن مسعدة
كان أعلى الكتاب منزلة عند المأمون، ولم يكن وزيراً، وقد تقدم إعتاب المأمون إياه، واعتذاره إليه وماء الحياء يدور في وجهه، واغتفاره لما أثار من وجده عليه، في اسم ابن أبي خالد، ومن توقيعات المأمون في قصة متظلم منه: يا عمرو اعمر نعمتك بالعدك فإن الجور يهدمها؛ ثم بلغ من حظوته أنه كان في مجلس المأمون يقرأ عليه الرقاع، فجاءته عطسة فردها، ولوى عنقه، فرآه المأمون فقال: يا عمرو لا تفعل، فإن رد العطسة وتحويل الوجه بها يورثان انقطاعاً في العنق. فشكر له ذلك بعض ولد المهدي وقال: ما أحسنها من مولى لعبده، وإمام لرعيته! فقال المأمون: وما في هذا؟ إن هشام بن عبد الملك اضطربت عمامته، فأهوى إليها الأبرش الكلبي ليصلحها، فقال هشام:
стр. 75
إنا لا نتخذ الإخوان خولاً! فالذي فعل هشام أحسن مما فعلت! فقال عمرو: يا أمير المؤمنين إن هشاماً يتكلف ما طبعت عليه، ويظلم فيما تعدل فيه، ليس له قرابتك من رسول الله ﷺ ، ولا قيامك بحق الله، وإنك والملوك كما قال النابغة الذبياني:
ألم تر أنّ الله أعطاك سورةً ... ترى كلّ ملكٍ دونها يتذبذب
فإنّك شمسٌ والملوك كواكبٌ ... إذا طلعت لم يبد منهنّ كوكب
علي بن الهيثم
كان المأمون يوماً جالساً وعنده أحمد بن الجنيد الاسكافي، وجماعة من خاصته، إذ دخل علي هذا، ويعرف في الكتاب بجونقا، فلما قرب من المأمون قال: يا عدو الله لأفرقن بين لحمك وعظمك، ولأفعلن بك..! ثم سكن قليلاً؛ فقال أحمد بن الجنيد: نعم والله يا أمير المؤمنين إنه وإنه ... ولم يدع شيئاً من المكروه إلا ذكره، فقال المأمون وقد هدأ غضبه: يا أحمد متى اجترأت علي هذه الجرأة؟ رأيتني غضبت هذه الغضبة فأردت أن تزيد في
следующие страницы →