Полный текст (174 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
الباب التاسع في ذكر أحكام النون الساكنة والتنوين ثم المد والقصر فصل في أحكام النون الساكنة والتنوين
اعلم أن التنوين في القرآن هو نون ساكنة، تلحق آخر الاسم، تظهر في اللفظ وتسقط في الخط.
وأما النون الساكنة فتكون في آخر الكلمة وفي وسطها.
وهذا الفصل ينقسم على خمسة أقسام: القسم الأول: الإظهار.
اعلم أن النون الساكنة والتنوين يظهران عند ستة أحرف من حروف
стр. 107
الحلق، وهن: الهمزة والهاء والعين والحاء والغين والخاء، ونحو ﴿من إله﴾ ، ﴿ينأون﴾ ، ﴿غثاءً أحوى﴾ ، ﴿من هاد﴾ ، ﴿جرف هار﴾ ، ﴿الأنهار﴾ ، ﴿من عند﴾ ، ﴿أنعمت﴾ ، ﴿جنة عالية﴾ ، ﴿من حكيم﴾ ، ﴿غفور حليم﴾ ، و ﴿انحر﴾ ، ﴿من غفور﴾ ، ﴿فسينغضون﴾ ، ﴿من ماء غير آسن﴾ ، ﴿من خوف﴾ ، ﴿والمنخنقة﴾ .
﴿عليماً خبيراً﴾ .
والعلة في إظهار ذلك عند هذه الحروف أن النون والغنة بعد مخرجهما عن مخارج حروف الحلق، وإنما يقع الإدغام في أكثر الكلام لتقارب المخارج، فإذا تباعدت وجب الإظهار، الذي هو الأصل.
وقد ذكر بعض القراء في كتبهم أن الغنة باقية فيهما، وذكر شيخ الداني، فارس بن أحمد، في مصنف له أن الغنة ساقطة منهما إذا أظهرا، وهو مذهب النحاة، وبه صرحوا في كتبهم، وبه
стр. 108
قرأت على كل شيوخي، ما عدا قراءة يزيد والمسيبي.
القسم الثاني: إدغامهما في اللام والراء، إدغاماً كاملاً بللا غنة، نحو ﴿من ربكم﴾ ، ﴿محمد رسول الله﴾ ، ﴿ومن لم﴾ ، و ﴿هدىً للمتقين﴾ .
وعلة ذلك قرب مخرج النون والتنوين من مخرج اللام والراء، لأنهن من حروف طرف اللسان، فتمكن الإدغام وحسن
стр. 109
لتقارب المخارج، وذهبت الغنة لأن حق الإدغام ذهاب لفظ الحرف الأول بكليته وتصييره بلفظ الثاني، ولم تقع النون الساكنة قبل اللام والراء في كلمة.
القسم الثالث: إدغامهما في حروف (يومن) إدغاماً غير مستكمل التشديد لبقاء الغنة، وهي بعض الحرف، نحو قوله: ﴿مكني﴾ ، ﴿من نعمة﴾ ، ﴿حطة نغفر﴾ ، ﴿من واق﴾ ، ﴿غشاوة ولهم﴾ ، ﴿من ماء﴾ ، ﴿ماءً مباركاً﴾ ، ﴿فمن يعمل﴾ ، ﴿وبرق يجعلون﴾ .
وعلة الإدغام في النون اجتماع المثلين والأول ساكن.
وفي الواو والياء أن الغنة التي فيها أشبهت المد واللين اللذين فيهما، فحسن الإدغام لهذه المشابهة.
وعلة الإدغام في الميم الاشتراك في الغنة، فتقاربا بهذا، فحسن الإدغام.
стр. 110
ولا يجوز إدغام النون الساكنة في الواو والياء إذا اجتمعا في كلمة، نحو ﴿دنيا﴾ و ﴿صنوان﴾ لئلا يشبه مضاعف الأصل، نحو (صوان) و (ديان) .
واختلف أهل الأداء في الغنة التي تظهر مع إدغام التنوين والنون في الميم، هل هي غنتهما أو غنته؟ فذهب ابن كيسان وموافقوه إلى أنها غنة النون.
وذهب الداني وغيره إلى أنها غنة الميم.
وبه أقول، لأن النون قد زال لفظها بالقلب، وصار مخرجهما من مخرج الميم، فالغنة له.
القسم الرابع: الإقلاب، وقد تقدم الكلام على معناه، فإذا أتى بعد النون الساكنة والتنوين باء قلبت ميما، من غير إدغام، وذلك نحو ﴿أن بورك﴾ ، ﴿أنبئهم﴾ ، ﴿جدد بيض﴾ والغنة ظاهرة في هذا القسم.
وعلة ذلك أن الميم مؤاخية للنون في الغمة والجهر، ومشاركة للباء في المخرج، فلما وقعت النون قبل الباء، ولم يمكن إدغامها فيها، لبعد المخرجين، ولا أن تكون ظاهرة لشبهها بأخت الباء وهي الميم، أبدلت منها لمؤاخاتها النون والباء.
стр. 111
القسم الخامس: إخفاء النون الساكنة والتنوين عند باقي الحروف، وهي خمسة عشر حرفاً، يتضمنها أوائل كلمات هذا البيت:
صف ذا ثنا جود شخص قد سما كرماً ضع ظالماً زد تقىً دم طالباً فترى
نحو: ﴿أن صدوكم﴾ ، ﴿منصوراً﴾ ، ﴿صفاً صفاً﴾ .
﴿من ذلك﴾ ، ﴿المنذرين﴾ ، ﴿وكيلا * ذرية﴾ .
﴿فمن ثقلت﴾ ، ﴿منثوراً﴾ ، ﴿جهارا * ثم﴾ .
﴿من جوع﴾ ، ﴿أنجانا﴾ ، ﴿حباً جماً﴾ .
﴿من شر﴾ ، ﴿منشوراً﴾ ، ﴿نفس شيئا﴾ .
﴿من قرار﴾ ، ﴿وينقلب﴾ ، ﴿فعجب قولهم﴾ .
﴿من سوء﴾ ، ﴿منسأته﴾ ، ﴿باب * سلام﴾ .
﴿من كل﴾ ، ﴿منكم﴾ ، ﴿قريةً كانت﴾ .
﴿لمن ضره﴾ ، ﴿منضود﴾ ، ﴿ذريةً ضعافاً﴾ .
﴿من زوال﴾ ، ﴿منزلاً﴾ ، ﴿متاع زبد﴾ .
стр. 112
﴿من تحتها﴾ ، ﴿كنتم﴾ ، ﴿حاضرةً تديرونها﴾ .
﴿من دابة﴾ ، ﴿أنداداً﴾ ، ﴿مستقيم ديناً﴾ .
﴿أن طهرا﴾ ، ﴿فانطلقا﴾ ، ﴿فدية طعام﴾ .
﴿أن طهرا﴾ ، ﴿فانطلقا﴾ ، ﴿فدية طعام﴾ .
﴿من فواق﴾ ، ﴿الإنفاق﴾ ، ﴿ماءً فسالت﴾ .
ونحو ذلك، وقد تقدم الكلام على الإخفاء ومعناه.
وعلة ذلك أن هذه النون صار لها مخرجان: مخرج لها، ومخرج لغنتها، فاتسعت في المخرج، فأحاطت عند اتساعها بحروف الضم، فشاركتها بالإحاطة، فخفيت عندها.
واعلم أن الغنة تخرج من الخيشوم، كما تقدم، والخيشوم خرق الأنف المنجذب إلى داخل الفم.
واعلم أن إخفاؤهما على قدر قرب الحروف وبعدها، فما قرب منهما كان أخفى عندهما مما بعد عنهما.
وتقدم الكلام على الفرق بين الإخفاء والإدغام.
واحذر إذا أتيت بالغنة أن تمد عليها، فلذلك قبيح.
[فهذه أحكام النون الساكنة والتنوين] .
стр. 113
باب المد والقصر
تقدم الكلام على أن المد على قسمين: طبيعي، وعرضي.
وتقدم الكلام على حقيقة الطبيعي، والكلام هنا على العرضي.
اعلم أنه لا يزداد على ما في حروف المد واللين المذكورة من المد إلا بموجب، والموجب إما همزً، وإما سكون، وإما تشديد.
أما الهمز فله حالات: أحدهما: أن يكون هو وحرف المد في كلمة، وهذا القسم يسمى متصلا، وذلك نحو: ﴿والسماء بنيناها﴾ و ﴿من سوء﴾ و ﴿المسيء﴾ ونحو ذلك، فالقراء مجمعون على مد هذا القسم، وبينهم فيه تفاوت، في إشباعه وتوسطه ودون ذلك، مذكور في كتب القراءات.
стр. 114
الثاني: أن يكون حرف المد آخر كلمة، والهمز أول كلمة أخرى، نحو ﴿بما أنزل﴾ ، ﴿قالوا آمنا﴾ ، ﴿في أنفسهم﴾ ونحو ذلك.
وهذا القسم يسمى منفصلاً، وللقراء في مده أربع مراتب، ثم القصر، وهو حذف المد العرضي.
وأما التشديد فعلى قسمين: لازم وعارض.
فمد اللازم واجب بلا خلاف، نحو: ﴿دابة﴾ ، و ﴿أتحاجوني﴾ ، و ﴿هاتين﴾ في مذهب المشدد، ونحوه.
واختلف أهل الأداء في مقدار مد هذا وبابه، فقال قوم هو دون ما مد للهمز، أي طول مد عاصم لا حمزة، وهذا اختيار أبي الحسن السخاوي.
وقال آخرون هو أطول ما مد للهمز [وهو اختيار مكي وغيره، وقال قوم في قدر ما مد للهمز] ، وهذا اختيار عثمان بن سعيد، وهو ظاهر كلام كثير من مصنفي كتب القراءات.
قلت: وهذه الأقوال حسنة، واختياري التفعيل، ففي نحو ﴿أتحاجوني﴾ و ﴿هاتين﴾ مذهب أبي عمرو، وفيما سكونه لازم غير المشدد، نحو (ن، م، س، ل) في فواتح السور، مذهب مكي.
وفيما سكونه عارض للوقف، نحو ﴿نستعين﴾ ، ﴿كارهون﴾ ﴿أنصار﴾ مذهب السخاوي.
стр. 115
وأما العارض فنحو ﴿قيل لهم﴾ ، ﴿يقول ربنا﴾ ، ﴿قال ربكم﴾ في مذهب المدغم، ففيه المد المتوسط والقصر.
فإن قيل: لم لا تجري الثللاثة في ﴿الم * الله﴾ ونحوه مع الإدغام؟ قلت: لأن سكون الميم هنا من هجاء (لام) لازم، فوجب إدغامه في مماثله، والسكون في ذلك عارض، وإدغامه غير واجب، فحمل على سكون الوقف.
القسم الثالث: الساكن، وهو على قسمين: لازم وعارض.
فاللازم ما كان من فواتح السور على ثلاثة أحرف، أوسطهم حرف مد ولين، نحو (لام، ميم، كاف، صاد، قاف، نون) وما أجري مجراه نحو ﴿محياي﴾ في قراءة المسكن.
والعارض ما سكن في الوقف، نحو ما مثلنا به قبل.
وفيه المد والمتوسط والقصر في الوقف لعروضه.
فإن قيل: فهل تجري هذه الثلاثة فيما سكن، وقبله أحد حرفي اللين، نحو ﴿الخوف﴾ و ﴿الليل﴾ ؟ فالجواب أنهما حملا على حروف المد واللين في الثلاثة، إلا أن القصر أولى فيهما للفتحة، والمد فيهن للضمة والكسرة.
والألف اجتمع فيه المد واللين، خلاف أختيه، لأنهما تارة يكونان حرفي مد ولين، وتارة حرفي لين فقط، على حسب اختلاف الحركات، والألف على حالة واحدة.
стр. 116
الباب العاشر في الوقف والابتداء
اعلم أن علماءنا اختلفوا في أقسام الوقف، والمختار منه بيان أربعة أقسام: تام مختار، وكاف جائز، وحسن مفهوم، وقبيح متروك.
وقد صنف العلماء في ذلك كتباً مدونة، وذكروا فيها أصولاً مجملة، وفروعاً في الآي مفصلة، فمنها ما أثروه عن أئمة العربية في كل مصر، ومنها ما استنبطوه وفاق الأثر وخلافه، ومنها ما اقتدوه فيه
стр. 117
بالأثر فقط، كالوقف على رؤوس الآي، وهو وقف النبي ﷺ .
وذهب القاضي أبو يوسف صاحب أبي حنيفة، رحمهما الله تعالى، إلى أن تقدير الموقوف عليه من القرآن بالتام والكافي والحسن والقبيح وتسميته بذلك بدعة، ومسميه بذلك ومتعمد الوقف على نحوه مبتدع.
قال: لأن القرآن معجز، وهو كله كالقطعة الواحدة، وبعضه قرآن معجز، وكله تام حسن، وبعضه تام حسن.
قال المحققون: وليس الأمر كما زعم أبو يوسف، لأن الكلمة الواحدة ليست من الإعجاز في شيء، وإنما المعجز الوصف العجيب والنظم الغريب، وليس ذلك في بعض الكلمات.
وقوله: إن بعضه تام حسن كما أن كله تام حسن، فيقال له: إذا قال القارئ: (إذا جاء) ووقف، أهذا تام وقرآن؟ فإن قال: نعم، قيل إنما يحتمل أن يكون القائل أراد إذا جاء الشتاء، وكذلك كلما افرد من كلمات القرآن وهو موجود في كلام البشر، فإذا اجتمع وانتظم وانحاز عن غيره وامتاز ظهر ما فيه من الإعجاز.
ففي معرفة الوقف والابتداء، الذي دونه العلماء، تبيين معاني القرآن العظيم وتعريف مقاصده وإظهار فوائده، وبه يتهيأ الغوص على درره وفوائده، فإن كان هذا بدعة فنعمت البدعة هذه.
стр. 118
واعلم أنه يجب على القارئ أن يصل المنعوت بنعته، والفعل بفاعله، والفاعل بمفعوله، والمؤكد بمؤكده، والبدل بالمبدل منه، والمستثنى بالمستثنى منه، والمعطوف بالمعطوف عليه، والمضاف بالمضاف إليه، والمبتدآت بأخبارها والأحوال بأصحابها، والأجوبة بطالبها، والمميزات بمميزاتها، وجميع المعمولات بعواملها، ولا يفصل شيئاً من هذه الجمل إلا في بعض أجزائها.
فصل في الوقف التام
وهو الذي قد انفصل مما بعده لفظا ومعنى.
أخبرنا شيحنا أبو عبد الله محمد بن اللبان، قال أخبرتني الشيخة الصالحة زين الدار أم محمد الوجيهية بنت علي بن يحيى بن علي الصعيدي، قالت: اخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن وثيق، قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن زروق، قال: أخبرنا الخولاني قال: أخبرنا أبو عمرو الداني، قال أخبرنا أبو الفتح فارس بن أحمد، قال: أخبرنا أحمد بن محمد وعبيد بن محمد، قالا:
стр. 119
أخبرنا علي بن الحسين القاضي، قال: أخبرنا يوسف بن موسى القطان، قال: حدثنا عفان بن مسلم، قال: حدثنا حماد بن سلمة، وسمعته منه، قال: أخبرنا علي بن زيد، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، أن جبريل أتى النبي ﷺ فقال: إقرأ القرآن على حرف، فقال ميكائيل استزده، [فقال: اقرأ على حرفين، فقال ميكائيل: استزده] ، حتى بلغ سبعة أحرف، كل شاف كاف، ما لم تختم آية عذاب بآية رحمة، أو آية رحمة بآية عذاب.
وفي رواية أخرى ما لم تختم آية رحمة بعذاب، أو آية عذاب بمغفرة.
فقال أبو عمرو: هذا تعليم الوقف التام من رسول الله ﷺ عن جبريل ﵇، إذ ظاهر ذلك أن يقطع على الآية التي فيها ذكر الجنة أو الثواب، وتفصل مما بعدها إذا كان ذكر العقاب، وكذلك ينبغي أن يقطع على الآية التي فيها ذكر النار أو العقاب، وتفصل مما بعدها إذا كان ذكر الجنة أو الثواب.
واعلم أن هذا القسم من الوقف، وهو التام، لا يوجد إلا عند تمام القصص وانقضائهن، ويكثر أيضاً وجوده في الفواصل، كقوله: ﴿وأولئك هم المفلحون﴾ ، ثم الابتداء بقوله: ﴿إن الذين كفروا﴾ ﴿وأنهم إليه راجعون﴾ ثم الابتداء بقوله: ﴿يا بني إسرائيل﴾ .
стр. 120
وقد يوجد التام قبل انقضاء الفاصلة [كقوله: ﴿لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني﴾ هذا آخر قول الظالم، وتمام الفاصلة] من قول الله تعالى: ﴿وكان الشيطان للإنسان خذولاً﴾ .
وقد يوجد التام بعد انقضاء الفاصلة بكلمة، كقوله: ﴿لم نجعل لهم من دونها سترا * كذلك﴾ ، آخر الفاصلة (ستراً) ، والتمام (كذلك) .
وقوله: ﴿وإنكم لتمرون عليهم مصبحين * وبالليل﴾ آخر الآية (مصبحين) ، والتمام (وبالليل) ، لأنه عطف على المعنى، تقديره مصبحين ومليلين، ومثله قوله: ﴿وسررا عليها يتكئون * وزخرفا﴾ .
وقد يوجد التام أيضاً في درجة الكافي من طريق المعنى لا من طريق اللفظ، كقوله: ﴿لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه﴾ الوقف هنا، ويبتدأ بقوله: ﴿وتسبحوه بكرة وأصيلا﴾ ، لأن الضمير في ﴿وتوقروه﴾ للنبي ﷺ وفي ﴿وتسبحوه﴾ لله ، فحصل الفرق بالوقف.
وكذا ﴿وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولداً﴾ وقف تام، ثم يبتدأ ﴿ما لهم به من علم﴾ .
وكذا القطع على ﴿ولا لآبائهم﴾ ويبتدأ ﴿كبرت كلمةً﴾
стр. 121
وما أشبه ذلك، مما يتم القطع عليه عند أهل وقد يكون الوقف تاماً على قراءة وحسناً على غيرها، نحو ﴿إلى صراط العزيز الحميد﴾ هذا تام على قراءة من رفع الجلالة بعده، وهو ﴿الله الذي﴾ ، وعلى النعت حسن.
وكذا ﴿واتخذوا﴾ وكاف على القراءة الأخرى.
وقد يوجد التام على تأويل، وغير تام تأويل آخر، كقوله: ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾ وقف تام على أن ما بعده مستأنف، وإلى هذا الوقف ذهب نافع، والكسائي، ويعقوب، والفراء، والأخفش، وأبو حاتم، ابن كيسان، وابن اسحاق، والطبري، وأحمد بن موسى اللؤلؤي، وأبو عبيد القاسم بن سلام، وأبو عبيدة، ومحمد بن عيسى الأصفهاني، وابن الانباري، وأبو القاسم عباس بن الفضل.
وهذا ظاهر ما يقتضيه تفسير مقاتل، وإلى معناه ذهب مالك بن أنس وغيره.
ومعنى ﴿الراسخون في العلم يقولون آمنا به﴾ أي يسلمون ويصدقون به، في قول ابن عباس وعائشة وابن مسعود، وقال عروة بن الزبير: الراسخون في العلم لا يعلمون التأويل ولكن يقولون آمنا به كل من عند ربنا، وعلى هذا أكثر المفسرين.
وقال آخرون: لا يوقف على
стр. 122
﴿إلا الله﴾ لأن ﴿والراسخون في العلم﴾ معطوف عليه، وهذا القول اختاره الشيخ أبو عمرو بن الحاجب وغيره، وعلى قول هؤلاء المتشابه يحتمل التأويل، وذكر الشيخ عبد الله المرسي أن أقوال هذه الفرقة تزيد على الثلاثين..
فصل في الوقف الكافي
وهو الذي انفصل مما بعده في اللفظ، وله به تعلق في المعنى بوجه، وبالإسناد إلى الداني قال: حدثنا محمد بن خليفة الإمام، قال حدثنا محمد ابن الحسين، قال أخبرنا الفرياني، قال أخبرنا محمد بن الحسين البلخي، قال أخبرنا عبد الله بن المبارك، قال حدثنا سفيان عن سليمان، يعني الأعمش، عن إبراهيم، عن عبيدة، عن ابن مسعود، قال: قال لي رسول الله ﷺ «اقرأ علي فقلت له: اقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: إني أحب أن أسمعه من غيري قال: فافتتحت سورة النساء، فلما بلغت ﴿فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً﴾ قال: فرأيته وعيناه تذرفان دموعاً، فقال لي: حسبك» قال الداني: وهذا دليل على جواز القطع على الوقف الكافي، لأن
стр. 123
(شهيداً) ليس من التام، وهو متعلق بما بعده معنى، لأن المعنى: فكيف يكون حالهم إذا كان هذا، ﴿يومئذ يود الذين كفروا﴾ فما بعده متعلق بما قبله، والتمام (حديثاً) لأنه انقضاء القصة، وهو آخر الآية الثانية، وقد أمر النبي ﷺ أن يقطع عليه دونه، مع تقارب ما بينهما، فدل ذلك دلالة واضحة على جواز القطع على الكافي.
مثال ذلك قوله تعالى: ﴿والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك﴾ هذا كلام مفهوم كاف، والذي بعده كلام مستقل مستغن عما قبله في اللفظ، وإن اتصل به في المعنى.
والكافي يتفاضل أيضاً في الكفالة كتفاضل التام، فمن المقاطع التي بعضها أكفى من بعض قوله تعالى: ﴿وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم﴾ القطع [على ﴿بكفرهم﴾ كاف و ﴿إن كنتم مؤمنين﴾ أكفى منه، وكذا القطع على] ﴿ربنا تقبل منا﴾ كاف، ﴿إنك أنت السميع العليم﴾ أكفى منه.
وقد يكون القطع كافياً على قراءة، ويكون موضع القطع موصولا على أخرى، كقوله: ﴿ويكفر عنكم من سيئاتكم﴾ من قرأ بالرفع قطع على قوله: ﴿فهو خير
стр. 124
لكم﴾ ومن جزم لم يقطع.
وكذا قوله: ﴿يستبشرون بنعمة من الله وفضل﴾ من كسر الهمزة من قوله: ﴿وأن الله﴾ قطع، وابتدأ به ومن فتحها وصلهما.
وقد يوجد الكافي على تأويل، ويكون موضع القطع غير كاف على تأويل آخر، كقوله تعالى: ﴿يعلمون الناس السحر﴾ من جعل ﴿وما أنزل﴾ نفياً قطع على (السحر) ، ومن جعلها بمعنى الذي وصل، وبالنفي أقول.
وكقوله: ﴿فأنزل الله سكينته عليه﴾ إذا جعلت الهاء للصديق قطع عليها، وكان كافياً، وهو قول سعيد بن جبير، قال: لأن النبي ﷺ [لم تزل السكينة معه، ومن جعلها للنبي ﷺ ] لم يكن الوقف عليه كافياً، ووجب الوصل.
ومنه قوله: ﴿حريص عليكم﴾ القطع عليه كاف، على قول من جعله متصلا بما قبله، وهو خطاب لأهل مكة، ثم ابتدأ فقال ﴿بالمؤمنين رؤوف رحيم﴾ والأوجه الوصل.
стр. 125
فصل في الوقف الحسن
وهو الذي يحسن الوقف عليه، لأنه كلام حسن مفيد، ولا يحسن الابتداء بما بعده، لتعلقه به لفظاً ومعنى.
أخبرنا الشيخ الجليل أبو حفص عمر بن حسن بن أميلة المزي، قال أنبأنا أبو الحسن علي بن أحمد بن البخاري، قال أنبأنا أبو الفتح عبد الملك بن أبي القاسم الكروخي، قال أنبأنا أبو نصر عبد العزيز بن محمد الترياقي، وأبو عامر محمود بن القاسم الأزدي، وأبو بكر أحمد ابن عبد الصمد الفورجي، قالوا أنبأنا أبو محمد عبد الجبار بن محمد الجراحي، أنبأنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي، عن أبي عيسى الترمذي، أنبأنا علي بن حجر، أنبأنا يحيى بن سعيد الأموي، عن ابن جريح، عن ابن أبي مليكة، عن أم سلمة، قالت: كان النبي ﷺ يقطع قراءاته، يقول ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ ثم يقف، ثم يقول: ﴿الرحمن الرحيم﴾ .
ثم يقف.
قالوا: وهذا دليل على جواز القطع على الحسن في الفواصل، لأن هذا متعلق بما قبله وما بعده لفظاً ومعنى.
وهذا القسم يحسن الوقف عليه، ولا يحسن الابتداء بما بعده، إلا في رؤوس الآي، فإن ذلك سنة.
وحكى اليزيدي، عن أبي عمرو بن العلاء، أنه
стр. 126
كان يسكت على رؤوس الآي، ويقول إنه أحب إلي.
مثال الحسن إذا لم يكن رأس آية قوله: ﴿الحمد لله﴾ هذا كلام حسن مفيد، وقوله بعد ذلك ﴿رب العالمين﴾ غير مستغن عن الأول.
وقد يحتمل الموضع الواحد أن يكون الوقف عليه تاما على معنى، وكافياً على غيره، وحسناً على غيرهما، كقوله تعالى: ﴿هدىً للمتقين﴾ يجوز أن يكون تاماً إذا كان ﴿الذين يؤمنون بالغيب﴾ مبتدأ وخبره ﴿أولئك على هدى من ربهم﴾ .
ويجوز أن يكون كافياً إذا جعلت ﴿الذين يؤمنون بالغيب﴾ على معنى هم الذين، أو منصوباً بتقدير أعني الذين.
ويجوز أن يكون حسناً إذا جعلت ﴿الذين﴾ نعتاً ﴿للمتقين﴾ .
فصل في الوقف القبيح
وهو الذي لا يجوز تعمد الوقف عليه إذا غير المعنى أو نقصه، كقوله: (باسم) هذا لا يفيد معنى، وكقوله: ﴿فويل للمصلين﴾ ، و ﴿إن الله لا يهدي﴾ ،
стр. 127
و ﴿إن الله لا يستحيي﴾ ، و ﴿إن كانت واحدةً فلها النصف ولأبويه﴾ ، ﴿إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى﴾ و ﴿ما من إله﴾ و ﴿لا إله﴾ ، و ﴿أصحاب النار * الذين يحملون العرش﴾ ، ونحو ذلك، فيجب أن يحذر منه.
وكذلك عند انقطاع النفس، على ما لا يوقف عليه إذا رجع إلى ما قبلهن فإن كان بشعاً لا يبتدأ به، مثل الوقف عند انقطاع النفس على ﴿عزير ابن﴾ ، فلا يبتدأ بـ (عزير) ولا بسم الله الرحمن الرحيمـ (ابن) بل بسم الله الرحمن الرحيمـ ﴿وقالت اليهود﴾ ، فقس على هذه الأمثلة ما شاكلها.
أخبرنا الشيخ عمر بن أميلة، قال أنبأنا ابن البخاري، قال أنبأنا ابن طبرزد، قال أنبأنا أبو البدر إبراهيم بن محمد الكرخي، أنبأنا الحافظ أبو بكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي، أنبأنا القاضي أبو عمر القاسم بن جعفر الهاشمي، حدثنا أبو علي محمد بن أحمد اللؤلؤي، أنبأنا أبو داود سليمان بن الأشعث، قال أنبأنا مسدد، قال أنبأنا يحيى، عن سفيان بن سعيد، قال أخبرني عبد العزيز
стр. 128
بن رفيع، عن تميم الطائي، عن عدي بن حاتم، قال: جاء رجلان إلى النبي ﷺ فتشهد أحدهما فقال: من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما، ووقف، فقال: رسول الله ﷺ قم واذهب، بئس الخطيب.
قالوا وهذا دليل على أنه لا يجوز القطع على القبيح، لأن النبي ﷺ إنما أقامه لما وقف على المستبشع، لأنه جمع بين حالي من أطاع الله ورسوله ومن عصى، والأولى أنه يقف على رشد، ثم يقول: ومن يعصهما فقد غوى.
قلت: وقد بينت معنى هذا الحديث، وكيف روي، في كتابي المسمى بـ (التوجيهات في أصول القراءات) فأغنى عن إعادته هنا، فاطلبه تجده.
القول في كلا
وهي ثلاثة وثلاثون موضعا، في خمس عشرة سورة، لم تقع في سورة إلا
стр. 129
وهي مكية، وقد اختلف في الوقف عليها والابتداء بها، وذلك مبني على اعتقاد أهل العربية.
فذهب قوم إلى أنها رد لما قبلها، وردع له وزجر، وهذا مذهب الخليل، وسيبويه، والأخفش، والمبرد، الزجاج، وأحمد بن يحيى.
وذهب قوم إلى أنها بمعنى (حقا) .
وعلى هذا المذهب تكون اسماً، لأنها بمعنى المصدر، والتقدير أحق ذلك حقاً، وهذا مذهب الكسائي وغيره، قال ابن الأنباري: قال المفسرون معناها حقاً.
وقال الزجاج: حقاً توكيد، والتوكيد إنما يقع بعد تمام الكلام.
وذهب قوم إلى أنها بمعنى (ألا) التي لاستفتاح الكلام، وهذا مذهب أبي حاتم وغيره.
وقال الفراء (كلا) بمنزلة (سوف) لأنها صلة، وهي حرف رد، فكأنها (نعم) و (لا) في الاكتفاء، قال: جعلتها صلة لما بعدها لم تقف عليها، كقولك: كلا ورب الكعبة.
قال الله تعالى: ﴿كلا والقمر﴾ فالوقف على كلا قبيح، لأنها صلة لليمين.
وتابع الفراء محمد ابن سعدان الضرير، وأبو عبد الرحمن بن اليزيدي.
стр. 130
وقال أحمد بن يحيى، فيما ذكره مكي، إن أصل كلا (لا) التي للنفي، دخلت عليها كاف التشبيه، فجعلتها كلمة واحدة، وشددت لتخرج الكاف عن معنى التشبيه، فهي عنده رد لما قبلها.
ثم إن علماءنا اختلفوا في الوقف عليها، فكان بعضهم يجيز الوقف عليها مطلقاً، وبه قرأت على شيخنا أمين الدين عبد الوهاب الشهير بابن السلار، ومنهم من منع الوقف عليها مطلقاً، وهو اختيار شيخنا سيف الدين بن الجندي.
ومنهم من فصل، فوقف على بعضها لمعنى، ومنع الوقف على بعضهما لمعنى آخر، وهو اختيار عامة أهل الأداء كمكي، وعثمان بن سعيد، وغيرهما، وبه قرأت على بقية شيوخي.
فمن وقف عليها كلها كانت عنده بمعنى الردع والزجر، أي ليس الأمر كذلك، فهو رد للأول، وأنشدوا على ذلك قول العجاج إستشهاداً:
قد طلبت شيبان أن ننساكم ... كلا ولما يصطفق مآتم
стр. 131
والمعنى: لا ما لا يكون الأمر على ما ظنوا، وليس كما ظنوا حتى تصطفق المآتم، والمأتم النساء المجتمعات في خير أو شر.
стр. 132
ومن منع الوقف عليها واختار الابتداء بها مطلقاً كانت عنده بمعنى ألا التي للتنبيه، يفتتح بها الكلام، كقوله تعالى: ﴿ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه ألا حين يستغشون ثيابهم﴾ ، وأنشدوا على ذلك قول الأعشى بن قيس إستشهاداً:
كلا زعمتم بأنا لا نقاتلكم ... إنا لأمثالكم يا قومنا قتل
واجتمعوا أيضاً بقول العرب: (كلا زعمتم أن العير لا يقاتل) وهو مثل للعرب، قال ابن الأنباري: وهذا غلط منه، وإنما معنى ذلك ليس الأمر كذلك، قلت: وما قال ابن الأنباري ظاهر.
ومن فصل كانت عنده في مكان بمعنى (ألا) وفي مكان بمعنى (حقا) وفي مكان للرد والزجر.
وسأبين ذلك موضعاً موضعاً إن شاء الله تعالى.
فأول ما وقع من ذلك موضعان في سورة مريم عليها السلام
стр. 133
﴿عند الرحمن عهدا * كلا﴾ ، ﴿ليكونوا لهم عزا * كلا﴾ .
قال الداني: الوقف عليهما تام عند القراء.
وقال بعضهم كاف، لأنهما بمعنى ليس الأمر كذلك، فهو رد للكلام المتقدم قبلهما.
وقد يبتدأ بهما على قول من قال إنهما بمعنى حقاً أو ألا.
وفي سورة المؤمنون فيما تركت كلا الوقف عليها تام، وقيل كاف، ويبتدأ بها بمعنى ألا.
وأما من قال إنها بمعنى حقاً فقد أجازه بعض المفسرين، وهو هم، لأنها لو كانت بمعنى ألا.
وأما من قال إنها بمعنى حقاً لفتحت (إن) بعدها، وكذا كل ما يقال فيها أنها بمعنى حقاً فإنها تفتح بعد (حقاً) وبعد ما هو بمعناها، وأنشدوا:
أحقاً أن جيرتنا استقلوا ... فنيتنا ونيتهم فريق
قال سيبويه: إذا قلت: أما أنك منطلق، إن جعلت أما بمعنى (حقاً) فتحت أن، وإن جعلتها بمعنى (ألا) كسرت.
стр. 134
وهكذا الكلام في الثاني من الشعراء، وموضعي المعارج، والأولان في المدثر، والأول في عبس، والأول والثالث والرابع في المطففين، والأول في العلق، لأن (أن) مكسورة في كل هذه المواضع بعد كلا، فلا تكون بمعنى حقاً، ويبتدأ (بكلا) فيهن بمعنى (ألا) .
وفي الشعراء موضعان ﴿فأخاف أن يقتلون * قال كلا﴾ الوقف عليها على مذهب الخليل وموافقيه ظاهر قوي، وعلى ذلك جماعة من القراء منهم نافع ونصير، أي ليس الأمر كذلك، لا يصلون إلى قتلك، فهو رد لقول موسى ﵇: فأخاف أن يقتلون، ولا يبتدأ بكلا في هذا الموضع، ولكن يجوز الوقف على (يقتلون) ويبتدأ (قال كلا) على معنى ألا أو حقا.
﴿قال أصحاب موسى إنا لمدركون * قال كلا﴾ الوقف على كلا، وهو حكاية عن قول موسى لبني إسرائيل، أي ليس الأمر كما تظنون من إدراككم، ويجوز أن يبتدأ بـ (قال كلا) على معنى ألا فقط.
قال الداني: ولا يجوز الوقف على (قال) ولا يبتدأ
стр. 135
بكلا، وهذا ظاهر.
وفي سبأ موضع ﴿شركاء كلا﴾ الوقف عليها مثل ما تقدم، والابتداء بها جائز.
وفي المعارج موضعان ﴿ينجيه * كلا﴾ ، ﴿جنة نعيم * كلا﴾ الوقف عليهما كما تقدم، والابتداء بهما جائز.
وفي المدثر أربعة مواضع ﴿أن أزيد * كلا﴾ ، ﴿صحفا منشرة * كلا﴾ الوقف عليهما كما تقدم، والابتداء بهما حسن.
﴿ذكرى للبشر * كلا﴾ لا يحسن الوقف عليها لأنها صلة اليمين، والابتداء بها حسن بالمعنيين.
﴿بل لا يخافون الآخرة * كلا﴾ لا يوقف عليها، ويبتدأ بها.
وفي القيامة ثلاثة مواضع ﴿أين المفر * كلا﴾
стр. 136
، ﴿فاقرة * كلا﴾ ، لا يوقف عليهن.
ويبتدأ بهن على المعنيين.
وفي النبأ موضعان ﴿هم فيه مختلفون * كلا سيعلمون * ثم كلا﴾ لا يوقف عليهما، ويبتدأ بهما.
وفي عبس موضعان ﴿تلهى * كلا﴾ الوقف عليها كاف، وهو رد وزجر لما قبله، ويبتدأ بها بمعنى ألا.
﴿أنشره * كلا﴾ لا يوقف عليها، والابتداء بها جائز.
وفي الإنفطار موضع ﴿ركبك * كلا﴾ لا يوقف عليها،
стр. 137
وفي المطففين أربعة مواضع ﴿لرب العالمين * كلا﴾ ، ﴿تكذبون * كلا﴾ ، ﴿يكسبون * كلا﴾ لا يوقف عليهن، ويبتدأ بهن.
﴿أساطير الأولين * كلا﴾ الوقف عليها كاف، لأنها رد لما قبلها، ويبتدأ بها.
وفي والفجر موضعان ﴿أهانن * كلا﴾ ، ﴿جما * كلا﴾ الوقف عليهما كاف، والابتداء بهما حسن.
وفي العلق ثلاثة مواضع ﴿ما لم يعلم * كلا﴾ ، ﴿يرى * كلا﴾ ، ﴿الزبانية * كلا﴾ لا يوقف عليهن، ويبتدأ بهن، بمعنى ألا وحقاً، إلا الأول فقط.
وفي التكاثر ثلاثة مواضع ﴿المقابر * كلا﴾ ﴿تعلمون * ثم
стр. 138
كلا﴾ ﴿تعلمون * كلا﴾ لا يوقف عليهن، ويبتدأ بهن.
وفي الهمزة ﴿أخلده * كلا﴾ الوقف عليه تام، وقيل كاف لأن معناه لا ليس الأمر كذلك، فهو رد أي لم يخلده ماله، ويبتدأ بها على المعنيين.
والله سبحانه أعلم.
القول في بلى
قال الكوفيون: أصل بلى بل زيدت عليها الألف، دلالة على أن السكوت عليها ممكن، وأنها لا تعطف ما بعدها على ما قبلها، كما تعطف بل، فبل دالة على الجحد، والألف المزيدة التي تكتب ياء دالة على الإيجاب لما بعدها، وهي ألف التأنيث، ولذلك أمالتها العرب والقراء كما أمالوا سكرى وذكرى.
стр. 139
فصل الفرق بين بلى ونعم
اعلم أن جواب لكلام فيه جحد، ويكون قبلها استفهام، وقد لا يكون قبلها استفهام، فإذا جاوبت ببلى بعد الجحد نفيت الجحد، ولا يصلح أن تأتي بنعم في مكانها، ولو فعلت ذلك كنت محققاً الجحد، وذلك نحو قوله ﴿ألست بربكم قالوا بلى﴾ ، ونحوه فألست وألم من حروف الجحد، فلو جئت بنعم كنت محققاً للجحد، وبلى نافيه له.
ونعم تكون تصديقا لما قبلها في الكلام وإيجابا له، تقول: هل زيد في الدار؟ فيقول الراد: نعم، إن كان في الدار، ولا إن لم يكن فيها.
ولا تدخل هنا بلى، لأنه لا نفي فيها، فنعم مخالفة لبلى، إن كانت رداً لما قبلها، [كانت نعم إذا وقعت موقعها تصديقا لما قبلها] ، تقول: ما أكلت شيئاً.
فيقول الراد بلى، فيزيل نفيه والمعنى بلى، أكلت، فإن قال الراد نعم فقد صدقه في نفيه عن نفسه الأكل، ويصير المعنى نعم لم تأكل شيئاً.
وقد اختلف النحويون والقراء في الوقف عليها في مواضع، وأنا أذكر ما يختار من ذاك، مع ذكري جملة ما ورد منها في القرآن الكريم موضعاً موضعاً.
اعلم أن جملة ما في القرآن من لفظ بلى اثنان وعشرون موضعا، [في ست عشرة سورة] .
فمن القراء من يمنع الابتداء بها مطلقا، لأنها جواب لما قبلها، وهذا مذهب نافع بن أبي نعيم وغيره.
ومنهم من يختار الابتداء بها مطلقا،
стр. 140
وهذا غريب لا نعرفه، وهو ضعيف، لأن الاستفهام متعلق بما هو جواب له كجواب الشرط ونحوه.
ومنهم من لا يقف عليها ولا يبتدئ بها، بل يصل.
فأول ذلك في سورة البقرة ثلاثة مواضع ﴿أم تقولون على الله ما لا تعلمون * بلى﴾ ، ﴿إن كنتم صادقين * بلى﴾ جوز الوقف عليهما الداني في كتابه المسمى بالاكتفاء، وقال: لأنها رد لقول اليهود والنصارى.
ووافقه على ذلك مكي.
ومنع الوقف عليهما العماني، وغلط من قال به.
الثالث ﴿قال أولم تؤمن قال بلى﴾ قال الداني: الوقف عليها هنا كاف، وقيل تام لأنها رد للجحد، انتهى.
قلت: والوقف مذهب أحمد بن جعفر الدينوري وابن الأنباري
стр. 141
وغيرهما، ومنعه العماني وخطأ من أجازه، وليس كما زعم، لكن الاختيار الوقف على قوله: ﴿قلبي﴾ .
وفي آل عمران موضعان ﴿وهم يعلمون * بلى﴾ وقف تام عند إبراهيم بن السري، لأنها رد للمعنى الذي تقدمها، وما بعدها مستأنف.
وأجاز الوقف عليها مكي والداني.
﴿منزلين * بلى﴾ وقف تام عند نافع، كذا قال الداني، لأنها رد للجحد، وهي عند الداني ومكي وقف حسن.
وفي الأنعام موضع ﴿قالوا بلى وربنا﴾ الوقف على و (ربنا) ولا يوقف على بلى هنا، ولا يبتدأ بها، لأنها والقسم بعدها جواب الاستفهام الداخل على النفي في ﴿أليس هذا بالحق﴾ ؟
وفي الأعراف موضع ﴿ألست بربكم قالوا بلى﴾ وقف تام أو كاف، لأنها رد للنفي الذي تقدمها، وكلام بني آدم منقطع عندها، وقوله: (شهدنا) من كلام الملائكة، كذا قال أكثر المفسرين كمجاهد , الضحاك والسدي، لأن بني آدم أقروا بالعبودية له بقولهم بلى، قال الله
стр. 142
تعالى للملائكة: اشهدوا، فقالت الملائكة: (شهدنا) .
وقال قوم: الوقف على (شهدنا) على معنى بلى شهدنا أنك ربنا، وهذا بعيد لأن (أن) تبقى لا ناصب لها، وهي متعلقة بـ (شهدنا) أو بـ (أشهدهم) .
وفي النحل موضعان ﴿من سوء بلى﴾ وقف حسن عند الداني ومكي، قال مكي: وهو قول نافع، لأنها جواب للنفي الذي قبلها، وهو قولهم: ﴿ما كنا نعمل من سوء﴾ أي ما كنا نعصي الله في الدنيا.
﴿لا يبعث الله من يموت بلى﴾ أجاز الوقف عليها نافع ومكي والداني، لأنها رد للنفي الذي قبلها، ثم يبتدأ ﴿وعداً عليه حقاً﴾ بمعنى وعدهم الله ذلك وعداً حقاً، قال مكي: ولا يجوز الابتداء ببلى لأنها جواب لما قبلها.
وفي سبأ موضع ﴿وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم﴾ قد أوضحت الكلام على هذا الموضع وبسطته في كتاب (التوجيهات) ، لكن نذكر هنا بعض شيء، فنقول: قال نافع: الوقف عليها تام، وهو كاف على قراءته، لأنه يرفع (عالم) وكذا ابن عامر، فمن قرأ بالرفع على (لتأتينكم) ، وبالخفض وقف على (بلى) لأنها رد لنفي الساعة،
стр. 143
ويبتدأ بما بعده لأنه قسم على إتيانها، ولا يبتدأ ببلى هنا لأنها جواب لقولهم.
وفي يس موضع ﴿أن يخلق مثلهم بلى﴾ قال الداني وقف تام عند نافع ومحمد بن عيسى وابن قتيبة، قال: وهو عندي كاف، لأنها رد للنفي الذي قبلها، والمعنى وهو يخلق مثلهم، انتهى ولا يحسن الابتداء ببلى، وأجازه أبو حاتم وهو ضعيف.
وفي الزمر موضعان ﴿فأكون من المحسنين * بلى﴾ [يجوز الوقف عليها، وقيل التمام (من المحسنين) ]
وبلى في هذا الموضع من المشكلات، لأنها لا تأتي إلا بعد نفي ظاهر، ولا نفي هنا إلا من جهة المعنى، إذ كان معنى قوله ﴿لو أن الله هداني﴾ : ما هداني، فقال بلى، أي بلى قد هداك.
الثاني ﴿وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى﴾ الوقف
стр. 144
عليها عند الداني كاف، وعند مكي حسن، وقيل وقف تام، لأنها رد للجحد الذي قبلها، وقال بعضهم: الوقف على (الكافرين) لأن بلى وما بعدها من قول الكفار، فلا يفرق بين بعض القول وبعض، ومن جعل ﴿ولكن حقت﴾ من قول الملائكة جاز له الوقف عليها.
وفي المؤمن موضع ﴿بالبينات قالوا بلى﴾ قيل الوقف عليها تام، وقال مكي حسن، وقال الداني كاف، لأنه رد للجحد قبله.
وفي الزخرف موضع ﴿ونجواهم بلى﴾ وقف كاف، لانها رد، والمعنى بلى نسمع ذلك.
وفي الأحقاف موضعان ﴿أن يحيي الموتى بلى﴾ وقف كاف، والمعنى ظاهر.
﴿أليس هذا بالحق قالوا بلى وربنا﴾
الوقف على (وربنا) .
стр. 145
وفي الحديد موضع ﴿ألم نكن معكم قالوا بلى﴾ وقف كاف، لأنها رد، وفي التغابن موضع ﴿زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن﴾ الوقف هنا، وحكى الداني عن نافع أن الوقف على بلى تام.
واختار السخاوي الوقف عليها، والابتداء بما بعدها، لأنها رد لنفي البعث، وما بعدها قسم عليه، وكذا في سبأ.
وفي الملك موضع ﴿ألم يأتكم نذير * قالوا بلى﴾ منع الوقف عليها مكي، وأجازه الداني، وقال لأنها رد للجحد الذي قبلها.
وفي القيامة موضع ﴿عظامه * بلى﴾ منع مكي الوقف عليها، وأجازه الداني، وقال: الوقف عليها كاف، وقيل تام، ثم يبتدأ (قادرين) على معنى بلى نجمعها قادرين، فينصب قادرين على الحال، وفي تعليل أبي عمرو نظر، لأنه إذا كان قادرين منصوباً على الحال كيف يحسن الوقف على بلى؟
وفي انشقت موضع ﴿أن لن يحور * بلى﴾
следующие страницы →