Полный текст (174 стр.). Показаны 141–174 · переход к 146.
стр. 141
وغيرهما، ومنعه العماني وخطأ من أجازه، وليس كما زعم، لكن الاختيار الوقف على قوله: ﴿قلبي﴾ .
وفي آل عمران موضعان ﴿وهم يعلمون * بلى﴾ وقف تام عند إبراهيم بن السري، لأنها رد للمعنى الذي تقدمها، وما بعدها مستأنف.
وأجاز الوقف عليها مكي والداني.
﴿منزلين * بلى﴾ وقف تام عند نافع، كذا قال الداني، لأنها رد للجحد، وهي عند الداني ومكي وقف حسن.
وفي الأنعام موضع ﴿قالوا بلى وربنا﴾ الوقف على و (ربنا) ولا يوقف على بلى هنا، ولا يبتدأ بها، لأنها والقسم بعدها جواب الاستفهام الداخل على النفي في ﴿أليس هذا بالحق﴾ ؟
وفي الأعراف موضع ﴿ألست بربكم قالوا بلى﴾ وقف تام أو كاف، لأنها رد للنفي الذي تقدمها، وكلام بني آدم منقطع عندها، وقوله: (شهدنا) من كلام الملائكة، كذا قال أكثر المفسرين كمجاهد , الضحاك والسدي، لأن بني آدم أقروا بالعبودية له بقولهم بلى، قال الله
стр. 142
تعالى للملائكة: اشهدوا، فقالت الملائكة: (شهدنا) .
وقال قوم: الوقف على (شهدنا) على معنى بلى شهدنا أنك ربنا، وهذا بعيد لأن (أن) تبقى لا ناصب لها، وهي متعلقة بـ (شهدنا) أو بـ (أشهدهم) .
وفي النحل موضعان ﴿من سوء بلى﴾ وقف حسن عند الداني ومكي، قال مكي: وهو قول نافع، لأنها جواب للنفي الذي قبلها، وهو قولهم: ﴿ما كنا نعمل من سوء﴾ أي ما كنا نعصي الله في الدنيا.
﴿لا يبعث الله من يموت بلى﴾ أجاز الوقف عليها نافع ومكي والداني، لأنها رد للنفي الذي قبلها، ثم يبتدأ ﴿وعداً عليه حقاً﴾ بمعنى وعدهم الله ذلك وعداً حقاً، قال مكي: ولا يجوز الابتداء ببلى لأنها جواب لما قبلها.
وفي سبأ موضع ﴿وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم﴾ قد أوضحت الكلام على هذا الموضع وبسطته في كتاب (التوجيهات) ، لكن نذكر هنا بعض شيء، فنقول: قال نافع: الوقف عليها تام، وهو كاف على قراءته، لأنه يرفع (عالم) وكذا ابن عامر، فمن قرأ بالرفع على (لتأتينكم) ، وبالخفض وقف على (بلى) لأنها رد لنفي الساعة،
стр. 143
ويبتدأ بما بعده لأنه قسم على إتيانها، ولا يبتدأ ببلى هنا لأنها جواب لقولهم.
وفي يس موضع ﴿أن يخلق مثلهم بلى﴾ قال الداني وقف تام عند نافع ومحمد بن عيسى وابن قتيبة، قال: وهو عندي كاف، لأنها رد للنفي الذي قبلها، والمعنى وهو يخلق مثلهم، انتهى ولا يحسن الابتداء ببلى، وأجازه أبو حاتم وهو ضعيف.
وفي الزمر موضعان ﴿فأكون من المحسنين * بلى﴾ [يجوز الوقف عليها، وقيل التمام (من المحسنين) ]
وبلى في هذا الموضع من المشكلات، لأنها لا تأتي إلا بعد نفي ظاهر، ولا نفي هنا إلا من جهة المعنى، إذ كان معنى قوله ﴿لو أن الله هداني﴾ : ما هداني، فقال بلى، أي بلى قد هداك.
الثاني ﴿وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى﴾ الوقف
стр. 144
عليها عند الداني كاف، وعند مكي حسن، وقيل وقف تام، لأنها رد للجحد الذي قبلها، وقال بعضهم: الوقف على (الكافرين) لأن بلى وما بعدها من قول الكفار، فلا يفرق بين بعض القول وبعض، ومن جعل ﴿ولكن حقت﴾ من قول الملائكة جاز له الوقف عليها.
وفي المؤمن موضع ﴿بالبينات قالوا بلى﴾ قيل الوقف عليها تام، وقال مكي حسن، وقال الداني كاف، لأنه رد للجحد قبله.
وفي الزخرف موضع ﴿ونجواهم بلى﴾ وقف كاف، لانها رد، والمعنى بلى نسمع ذلك.
وفي الأحقاف موضعان ﴿أن يحيي الموتى بلى﴾ وقف كاف، والمعنى ظاهر.
﴿أليس هذا بالحق قالوا بلى وربنا﴾
الوقف على (وربنا) .
стр. 145
وفي الحديد موضع ﴿ألم نكن معكم قالوا بلى﴾ وقف كاف، لأنها رد، وفي التغابن موضع ﴿زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن﴾ الوقف هنا، وحكى الداني عن نافع أن الوقف على بلى تام.
واختار السخاوي الوقف عليها، والابتداء بما بعدها، لأنها رد لنفي البعث، وما بعدها قسم عليه، وكذا في سبأ.
وفي الملك موضع ﴿ألم يأتكم نذير * قالوا بلى﴾ منع الوقف عليها مكي، وأجازه الداني، وقال لأنها رد للجحد الذي قبلها.
وفي القيامة موضع ﴿عظامه * بلى﴾ منع مكي الوقف عليها، وأجازه الداني، وقال: الوقف عليها كاف، وقيل تام، ثم يبتدأ (قادرين) على معنى بلى نجمعها قادرين، فينصب قادرين على الحال، وفي تعليل أبي عمرو نظر، لأنه إذا كان قادرين منصوباً على الحال كيف يحسن الوقف على بلى؟
وفي انشقت موضع ﴿أن لن يحور * بلى﴾
стр. 146
أجاز الوقف على (بلى) مكي، وكذا الداني، وقال: الوقف عليها كافن والمعنى بلى ليرجعن إلى ربه حياً كما كان قبل مماته، وقيل تام.
القول في لا
اختلف في قوله تعالى: ﴿لا جرم﴾ ، فقال الزجاج: إنها نفي لما ظنوه أنه ينفعهم، فكان المعنى لا ينفعهم جرم أنهم في الآخرة، أي كسب ذلك الفعل لهم الخسران.
وأن عنده في موضع بصب، فعلى قوله هذا يوقف على (لا) ويبتدأ بجرم.
وجرم عند الخليل وسيبويه بمعنى حق دون لا.
ولأبي محمد مكي مصنف في الرد على من جوز الوقف على (لا) دون (جرم) وألزمه بأشياء من اعتقدها فهو كافر.
واختلفوا أيضاً في قوله: ﴿لا أقسم بيوم القيامة﴾ ، و ﴿لا أقسم بهذا البلد﴾ ونحوه، فقال البصريون والكسائي معناه أقسم بكذا.
وقال الزجاج: لا خلاف في أن معناه أقسم، وإنما الخلاف في (لا) فهي عند البصريين والكسائي وعامة المفسرين زائدة، وقال الفراء: هي رد لكلام تقدم من المشركين، كأنهم جحدوا البعث فقيل لهم ليس الأمر كذلك،
стр. 147
ثم أقسم ليبعثن، فعلى هذا يحسن الوقف على (لا) .
وأما قوله تعالى: ﴿أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً﴾ الوقف هنا كاف، لأنه كلام مفيد والذي بعده متعلق به من جهة المعنى.
وكان أبو القاسم الشاطبي يختار الوقف عليه، كذا حكاه السخاوي.
قال العماني: وزعم بعضهم أن الوقف عند قوله: (فاسقاً) ، قال: والمعنى لا يستوي المؤمن والفاسق، قال: وليس هذا الوقف عندي بشيء، ثم قال: والمعنى الذي ذكره هذا الزاعم هو الذي يوجب الوقف على قوله: (لا يستوون) ، انتهى.
قلت: وهذا الذي قاله العماني ليس بشيء، والصواب هو الذي ذكرته أولاً.
وأي فرق بين هذا وبين الذي في براءة ﴿وجاهد في سبيل الله لا يستون عند الله﴾ ، وقد أجاز العماني الوقف على (في سبيل الله) ، فإذا جاز الابتداء هنا بقوله: (لا يستوون عند الله) جاز هناك، إذ لا فرق بينهما.
وأظنه نسي ما قاله في التوبة.
وأما قوله تعالى في القصص: ﴿قرة عين لي ولك﴾ قال السخاوي: وقف تام في قول جماعة، منهم الدينوري ومحمد بن عيسى ونافع القارئ وابن قتيبة نهي.
وزعم قوم أن الوقف على (لا) أي هو قرة عين
стр. 148
لي، ولك لا، أي دونك، قال: وهذا فاسد، أن الفعل الذي هو (تقتلوه) مجزوم، فأين هو جازمه إذا كانت (لا) للنفي لا للنهي؟ قلت: وما قاله السخاوي ظاهر.
وإني رأيت بعض الشيوخ يقف عليه.
القول في ثم
كان بعض الشيوخ يقف على ما قبلها في جميع القرآن، ويقول إنها للمهملة والتراخي.
قلت: ولا تطرد هذه القاعدة، وإنما تتجه في بعض الأحوال، كقوله تعالى: ﴿ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا﴾ ، وكقوله ﴿ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين * ثم جعلناه نطفة في قرار مكين * ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه﴾ ، وكذا قوله تعالى: ﴿إنما أمرهم إلى الله ثم﴾ ، ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى، ثم﴾ ، و ﴿ثم آتينا موسى﴾ وكذا في آل عمران ﴿يولوكم الأدبار ثم﴾ هذا كله وقف كاف متعلق بما بعده من جهة المعنى فقط، والبداءة بثم.
وأما قوله تعالى في براءة: ﴿أو مرتين ثم﴾ وفي الإسراء
стр. 149
﴿لمن نريد ثم﴾ ، و ﴿بما كفرتم ثم﴾ و ﴿ضعف الممات ثم﴾ ، ﴿بالذي أوحينا إليك ثم﴾ كل هذا لا يتعمد الوقف عليه، لأنه لا يتم المعنى إلا به، ولا يقع المراد بدونه.
القول في أم
وهي تكون للمعادلة، وهي في المعادلة على وجهين: أحدهما أن تكون معادلة لهمزة الاستفهام.
والثاني أن تكون معادلة لهمزة التسوية.
ومعنى المعادلة أن أحد الاسمين المسؤول عنهما جعل معه الهمزة ومع الآخر أم، وكذلك إذا كان السؤال عن الفعل.
مثال الأول مع الاسم قولك: أشرب زيد أم عمرو؟ ومعناه أيهما شرب؟ ومع الفعل قولك: أصرفت زيداً أم حبسته؟ جعلت الهمزة مع أحدهما و (أم) مع الآخر.
ومثال الثاني مع التسوية، وهو أن تكون (أم) مساوية لهمزة الاستفهام، نحو: سواء علي أزيد في الدار أم عمرو؟
واعلم أن التسوية لفظها لفظ الاستفهام وهي خبر، كما جاء الاختصاص بلفظ لانداء وليس بنداء.
ومعنى التسوية أنك تخبر باستواء الأمرين عندك، كأنك تقول سواء علي أيهما قام، واستوى عندي عدم العلم بأيهما في الدار.
قال الله تعالى: ﴿سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم﴾ ، ﴿سواء علينا أجزعنا أم صبرنا﴾ .
واعلم أنها تكون في قسمي المعادلة عاطفة، وقد تكون منقطعة بمعنى بل.
وإنما سميت منقطعة لانقطاع ما بعدها مما قبلها، لأنه قائم بنفسه، سواء
стр. 150
كان ما قبلها استفهاماً أو خبراً، وليست في هذا الوجه بمعنى [الوجه الأول، لأنها في الوجه الأول بمعنى (أي) وهي في هذا المعنى بمعنى] بل، قال الأخطل:
كذبتك عينك أم رأيت بواسط ... غلس الظلام من الرباب خيالاً
قال أبو عبيدة: لم يستفهم، إنما أوجب أنه رأى.
[وفي كونها عاطفة أم غير عاطفة خلاف، فالمغاربة يقولون ليست عاطفة، لا في جملة ولا في غيرها، وقال ابن مالك: قد تعطف المفرد، كقول العرب: إنها لإبل أم شاء، قال فأم هنا مجرد الأضراب، عاطفة ما بعدها على ما قبلها] .
فإذا كانت منقطعة جاز الوقف قبلها والابتداء بها.
وقوله تعالى: ﴿قل أتخذتم عند الله عهداً فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون﴾ يجوز الابتداء بأم إذا جعلت منقطعة، ولا يجوز إذا جعلت للمعادلة.
تعليل الوجهين ذكرته في التوجيهات فاطلبه تره.
стр. 151
وقوله: ﴿أم تريدون أن تسألوا رسولكم﴾ قال السخاوي: الظاهر أنه منقطع ويجوز الابتداء به.
قلت: قول السخاوي جيد، لكن قول أبو محمد مكي: هذا بعيد، لأن النمقطع لا يكون في أكثر كلام العرب إلا على حدوث شك دخل على المتكلم، قال: وذلك لا يليق بالقرآن.
قلت: والذي قاله لا يقدح في كلام السخاوي، لأن أم المنقطعة ترك الكلام لكلام آخر، وهي بمعنى بل، ولا يلزم أن يكون بعد شك ولا بد.
وقوله: ﴿وجعلوا لله شركاء قل سموهم أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض أم بظاهر من القول﴾ يجوز الابتداء (بأم) الأولى لأنها المنقطعة، و (سموهم) وقف كاف، وقيل تام، والوقف على (الأرض) حسن، ولا يبتدأ بما بعده لتعلقه بما قبله لفظاً ومعنىً.
وقوله: ﴿أفأنت تكون عليه وكيلاً﴾ قيل: وقف كاف، و (أم) بعده منقطعة يجوز الابتداء بها.
стр. 152
وقوله: ﴿تجري من تحتي أفلا تبصرون﴾ قيل: المعنى أفلا تبصرون أم أنتم بصراء، وإلى ذلك ذهب الخليل وسيبويه، [لأن الاستفهام عندهما فيها تقرير، والتقرير خبر موجب، فامتنع عندهما جعلها متصلة، لأن أم المتصلة لا تكون مقررة] .
فعلى هذا يوقف على أم، ويبتدأ (أنا خير) .
زقال أبو زيد: أم زائدة، فعلى هذا يوقف (تبصرون) .
وقيل هي أم المنقطعة، والتقدير بل أنا خير، فعلى هذا يبتدأ بأم على معنى بل.
قال الهروي: في قوله تعالى: ﴿تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين * أم يقولون﴾ ، إن أم بمنزلة همزة الاستفهام، [والتقدير أيقولون افتراه] ، فعلى هذا يبتدأ بأم، وكذا قال في قوله تعالى: ﴿أم تريدون أن تسألوا رسولكم﴾ ، وكذا ﴿أم تحسب أن أكثرهم يسمعون﴾ ، ﴿أم له البنات﴾ ، ﴿أم لهم نصيب من الملك﴾ ، ﴿أم تقولون إن إبراهيم﴾ ، ﴿أم يقولون شاعر﴾ ، ﴿أم اتخذ مما يخلق بنات﴾ ، ﴿أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ ، قال: معنى أم في ذلك كله همزة الإستفهام، لأنها لم يتقدمها استفهام.
стр. 153
والهروي -رحمه الله تعالى- كان في علم العربية متسعاً، وعلى غرائبها مطلعاً، وما قاله ظاهر، لأنهم قالوا في قوله تعالى: ﴿أم زاغت عنهم الأبصار﴾ إنها بهذا المعنى، أي أزاغت عنهم الأبصار؟
وأجاز أن تكون هي المعادلة لهمزة الاستفهام في قوله: ﴿أتخذناهم سخرياً﴾ على قراءة القاطع، وأجازوا أن تكون مردودة على قوله تعالى: ﴿ما لنا لا نرى﴾ على قراءة الواصل.
وذعب البصريون إلى أن أم في كل هذه المواضع هي المنقطعة، لأنهم يقولون في أم المنقطعة إن فيها معنى بل والهمزة، تقول بل اتقولون افتراه ونحو ذلك.
القول في بل
اعلم أن بل تأتي في القرآن على ضربين: ضرب تكون فيه حرف
стр. 154
إضراب، وضرب تكون فيه حرف عطف، كقولك قام زيد بل عمرو.
ويجوز الابتداء بها إذا كانت بمعنى الإضراب، ومعنى الإضراب ترك الكلام وإضراب عنه، وهي أكثر ما تقع في القرآن بهذا المعنى، قال الله تعالى: ﴿ولدينا كتاب ينطق بالحق وهم لا يظلمون﴾ ، ثم أخذ في كلام آخر فقال: ﴿بل قلوبهم في غمرة من هذا﴾ ، وكذا ﴿فأنى تسحرون * بل أتيناهم بالحق﴾ ، وكذا ﴿قل من يكلؤكم بالليل والنهار من الرحمن بل هم﴾ ، ﴿ص والقرآن ذي الذكر * بل الذين﴾ ونحو ذلك، الوقف عليه كاف، لأنه خروج من كلام إلى كلام آخر لا تعلق بينهما من جهة اللفظ.
القول في حتى
يجوز الابتداء بها إذا كانت هي التي يحكى بعدها الكلام، كقوله تعالى: ﴿حتى إذا رأوا ما يوعدون إما العذاب وإما الساعة﴾ ، ﴿حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج﴾ ، و ﴿حتى إذا جاؤوها فتحت
стр. 155
أبوابها﴾ وكذا التي بعدها، و ﴿حتى إذا ما جاؤوها﴾ في فصلت، و ﴿حتى إذا جاءنا﴾ ونحو ذلك.
قال الداني، وفي قوله تعالى: ﴿وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون﴾ هو وقف تام، وقال العماني هو كاف، وهو الظاهر.
فصل في ذكر المشددات ومراتبها
اعلم أن المشدد في القرآن كثير، وكل حرف مشدد بمنزلة حرفين في الوزن واللفظ، الأول منهما ساكن والثاني متحرك، فينبغي للقارئ أن يبين المشدد حيث وقع، ويعطيه حقه ليميزه من ضده.
ذكر صاحب التجريد، فيما حكاه عن أبي إسحاق إبراهيم بن وثيق، أن المشددات على ثلاث مراتب: الأولى: ما يشدد بخطرفة، وهو ما لاغنة فيه.
الثانية: ما يشدد بتراخ، قال: وهو ما يشدد فيه غنة مع الإدغام، وهو إدغام الحرف الأول بكمالهن وذلك لأجل الغنة.
стр. 156
الثالثة: ما يشدد بتراخي التراخي، وهو إدغام النون الساكنة والتنوين في الواو والياء، انتهى.
قلت: وهذا قول حسن، وتظهر فائدته في نحو قوله: ﴿إن ربي على صراط مستقيم * فإن تولوا﴾ فأبلغ التشديد على الباء ثم الميم ثم الفاء.
وقال مكي في الرعاية: الحروف المدغمات على ثلاثة أضرب: مدغم فيه زيادة مع الإدغام، وذلك ننحو الراء المشددة، فيها إخفاء تكريرها مع الإدغام الذي فيها، قال: فهو زيادة من الإدغام وزيادة من التشديد.
قال: والثاني إدغام لا زيادة فيه، فهو كل ما أدغم لا إخفاء معه، ولا إظهار غنة، ولا إطباق ولا استعلاء معه، نحو الياء من ﴿ذرية﴾ ، والياء والجيم من ﴿لجي﴾ .
قال: فهذا تشديد دون الراء المشددة لأجل زيادة الإخفاء للتكرير في الراء.
قال: والثالث مدغم فيه نقص من الإدغام، وذلك نحو ما ظهرت معه الغنة والإطباق والاستعلاء نحو ﴿من يؤمن﴾ و ﴿أحطت﴾ و ﴿ألم نخلقكم﴾ قال: فهذا التشديد دون تشديد
стр. 157
الثاني الذي لا نقص معه في إدغامه ولا زيادة، انتهى.
قلت: وما قاله مكي ظاهر قوي، وتظهر في نحو قوله: ﴿إن الله غفور رحيم﴾ فالتشديد على الراء أبلغ من اللام، وعلى اللام أبلغ من النون، ولكن لا بأس في الجمع بين القولين.
وتظهر فائدة ذلك في نحو قوله: ﴿سرا إلا أن تقولوا قولا معروفا ولا تعزموا﴾ فأقوى التشديد على الراء ثم اللام ثم على الميم ثم على الواو.
غير أن اختياري في هذه ال قاعدة مطلقاً التشديد على كل حرف مشدد بحسب ما فيه من الصفات القوية والضعيفة.
مقدمة
التشديد ينقسم على أقسام، منها ما هو مشدد ليس أصله حرفين منفصلين في الوزن، وإنما هو حرف مشدد في الوزن، فشدد في اللفظ كما يشدد في الوزن، وذلك نحو (زين) و (بين) و (علم) .
وأكثر ما يقع هذا في عين الفعل.
ومنها ما أصله حرفان منفصلان في الوزن، وإنما شدد ذلك للإدغام، نحو ﴿عتياً﴾ و ﴿ولياً﴾ ، ومن ذلك ما يكون من كلمتين نحو ﴿قل رب﴾ ، و ﴿قل لهم﴾ .
فينبغي للقارئ المجود أن يشدد الحرف من غير لكز ولا ابتهار ولا تشدق ولا لوك، خصوصاً الياء والواو، نحو ﴿ولياً﴾
стр. 158
و ﴿أواب﴾ فكثير من يشددها بتراخ ولوك، ولا يأخذ الشيوخ بمثل ذلك.
فصل
فان اجتمع حرفان مشددان في كلمة أو كلمتين كقوله: ﴿اطيرنا﴾ و ﴿ازينت﴾ و ﴿يصعد﴾ ، و ﴿ذرية﴾ و ﴿قل للذين﴾ ، و ﴿أنصار * ربنا﴾ ونحو ذلك، فينبغي على القارئ أنيبين ذلك في اللفظ، ويعطي كل حرف حقه من التشديد البالغ والمتوسط، ونحو ذلك.
فصل
وإن اجتمع ثلاث مشددات متواليات، ولا يكون ذلك إلا من كلمتين أو أكثر، كقوله: ﴿دري يوقد﴾ في قراءة من قرأ (يوقد) بالياء، وكقوله: ﴿وعلى أمم ممن معك﴾ ونحو ذلك، فينبغي للقارئ أن يبين ذلك في لفظه، ويعطي كل حرف حقه من التشديد حسبما فيه.
فصل في الوقف على المشدد
اعلم أن الوقف على الحرف المشدد فيه صعوبة على اللسان، فلا بد من إظهار التشديد في الوقف في اللفظ وتمكين ذلك حتى يسمع، نحو ﴿من ولي﴾ و ﴿من طرف خفي﴾ و ﴿النبي﴾ عند غير الهامز، و ﴿مستمر﴾ و ﴿صواف﴾ يقصد كمال التشديد في هذا ونحوه، فاعلم.
стр. 159
ويجوز الوقف على أواخر الكلم بالإسكان، وهو الأصل في كل حرف موقوف عليه.
وإن كان قبل الحرف الموقوف عليه ساكن صحيح أو عليل فلك الجمع بين الساكنين إلا ما فيه عليل وهتوف، ولك الوقف بالإشارة فيما يرام أو يشم، كل جائز مروي.
والروم هو اختلاس الحركة.
والإشمام ضم الشفتين بعد سكون الحرف.
والروم يدخل في القسمين من الحركات إلا [المفتوح والمنصوب عند القراء، والإشمام يدخل في المضموم والمرفوع لا غير، وقد تقدم ذلك.
والله تعالى الميسر.
стр. 160
باب في معرفة الظاء وتمييزها من الضاد حسبما وقع في القرآن الكريم
وهذا الباب يحتاج القارئ إليه، ولا بد من معرفته.
وقد عمل المتقدمون فيه كتباً نثراً ونظماً، ومن أحسن ما نظم فيه ما أخبرني به الشيخ عبد الكريم التونسي، قراءة مني عليه، قال أخبرنا أبو عبد الله محمد بن بزال الأنصاري، قال أخبرنا ابن الغماز، قال أخبرنا ابن سلمون، قال
стр. 161
أخبرنا ابن هذيل، قال أخبرنا أبو داود، قال أملى علينا الشيخ أبو عمرو الداني من نظمه:
ظفرت شواظ بحظها من ظلمنا ... فكظمت غيظ عظيم ما ظنت بنا
وظعنت أنظر في الظهيرة ظلةً ... وظللت أنتظر الظلال لحفظنا
وظمئت في الظما ففي عظمي لظى ... ظهر الظهار لأجل غلظة وعظنا
أنظرت لفظي كي تيقظ فظه ... وحظرت ظهر ظهيرها من ظفرنا
ذكر هذه الأبيات الأربعة جميع ما وقع في القرآن من لفظ الظاء، وميزه مما ضارعه لفظا، وهي اثنتان وثلاثون كلمة، وقيل جميع ما في القرآن من ذلك ثمانمائة وأحد عشر موضعا.
ولنتكلم الآن على هذه الأبياات كلمة كلمة، ونذكر وقوع كل في القرآن ومعناه بالإيجاز والاختصار، فمن أراد الإحاطة بالظاءات فعليه بـ (رفع الحجاب عن تنبيه الكتاب) الذي ألفه شيخنا الإمام أبو جعفر نزيل حلب فأقول مستعيناً بالله:
أما قوله: (ظفرت) أي فازت، يقال ظفر الرجل بحاجته يظفر ظفراً إذا فاز بها، والظافر الغالب.
والذي وقع في القرآن من هذا اللفظ موضع واحد في سورة لافتح: ﴿من بعد أن أظفركم عليهم﴾ .
стр. 162
وأما الشواظ فهو اللهب الذي لا دخان معه، وقيل الذي معه دخان، وفيه لغتان: ضم الشين وكسرها، وقرئ بهما.
ووقع في القرآن في موضع واحد في سورة الرحمن: ﴿يرسل عليكما شواظ من نار﴾ .
وأما الحظ فهو النصيب، وهو بالظاء، وضارعه في اللفظ الحض الذي معناه التحريض، يقال حضضت فلانا على الشيء، [أحضه أي] أحرضه عليه.
قال الخليل: الفرق بين الحث والحض، الحث يكون في السير والسوق وكل شيء، والحض لا يكون في سير ولا في سوق.
فأما الأول ففي القرآن منه ستة مواضع، والثاني ثلاثة مواضعن في لاحاقة والماعون ﴿ولا يحض على طعام المسكين﴾ وفي الفجر ﴿ولا تحاضون﴾ هذه الثلاثة بالضاد.
стр. 163
وأما الظلم فهو وضع الشيء في غير موضعه، ووقع في القرآن في مائتي موضع واثنين وثمانين موضعاً متنوعاً.
وأما الكظم فهو مخرج النفس، والكظيم مجترع الغيظ، ووقع منه في القرآن] ستة ألفاظ.
وأما الغيظ فهو الامتلاء والحنق، وهو شدة الغضب، فهو بالظاء، ووقع في القرآن في أحد عشر موضعاً.
وضارعه في اللفظ الغيض الذي معناه التفرقة، ووقع في موضعين ﴿وغيض الماء﴾ في هود، و ﴿ما تغيض الأرحام﴾ في الرعد.
وما العظيم فهو الجليل أي الكبير، وأعظم الأمر أكبره، ووقع في القرآن في مائة موضع وثلاثة مواضع.
وأما الظن فهو تجويز أمرين أحدهما أقرب من الآخر، يقال ظن يظن
стр. 164
ظناً، ويكون شكاً ويقيناً، فالشك نحو: ﴿وظننتم ظن السوء﴾ ، و ﴿تظنون بالله الظنونا﴾ ، واليقين نحو: ﴿الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم﴾ ، ﴿فظنوا أنهم مواقعوها﴾ ووقع منه في القرآن سبعة وستون لفظاً، وضارعه في اللفظ قوله تعالى: ﴿وما هو على الغيب بضنين﴾ ، وفيه خلاف، فقرأه بالظاء ابن كثير وأبو عمرو والكسائي، بمعنى متهم، والباقون يقرؤونه بالضاد بمعنى بخيل.
وأما الظعن فهو السفر والشخوص، يقال ظعن يظعن ظعناً إذا شخص أو سافر، ووقع منه في القرآن لفظ واحد في سورة النحل ﴿يوم ظعنكم﴾ .
وأما النظر فهو من نظرت الشيء أنظره فأنا ناظر، قال المجنون:
نظرت كأني من وراء زجاجة ... إلى الدار من ماء الصبابة أنظر
والنظير المثيل، وهو الذي إذا نظر إليه وإلى نظيره كانا سواء، ووقع في القرآن منه ستة وثمانون موضعاً.
وضارعه في اللفظ النضر الذي معناه الحسن، ومنه قوله ﵊:
стр. 165
«نضر الله امرأً سمع مقالتي فوعاها، وأداها كما سمعها» ، ووقع في القرآن منه ثلاثة مواضع، في القيامة ﴿وجوه يومئذ ناضرة﴾ ، وفي الإنسان ﴿ولقاهم نضرةً وسروراً﴾ ، وفي المطففين ﴿تعرف في وجوههم نضرة النعيم﴾ .
وأما الظهيرة فسيأتي الكلام عليه عند قوله ظهر ظهيرها.
وأما الظلة فهو كل ما أظلك ووقع في القرآن منها موضعان ﴿كأنه ظلة﴾ في الأعراف، و ﴿يوم الظلة﴾ في الشعراء.
وأما ظللت فهو من قولك ظل فلان يفعل كذا إذا دام على فعله نهاراً، وهو من ظل يظل وهي أخت كان، ووقع في القرآن منه تسعة ألفاظ ﴿فظلوا فيه يعرجون﴾ بالحجر، ﴿ظل وجهه مسوداً﴾ في النحل والزخرف.
﴿ظلت عليه﴾ في طه.
﴿فظلت أعناقهم﴾ ، ﴿فنظل لها﴾ كلاهما بالشعراء.
﴿لظلوا من بعده﴾ في الروم.
﴿فيظللن رواكد﴾ بالشورى، ﴿فظلتم تفكهون﴾ في الواقعة.
وظلت وفظلتم أصله بلامين، لكن خفف مثل مست ومسست.
وضارع هذا اللفظ في اللفظ الضلال الذي هو ضد الهدى، نحو ﴿وضل عنهم ما كانوا يفترون﴾ وكذا ما معناه البطانة والتغيب نحو ﴿أإذا ضللنا في الأرض﴾ أي غبنا وبطننا فيها، فكذلك عيناه في مواضعه ليمتاز من هذا فاعلمه.
стр. 166
وأما الإنتظار فهو التوقع، تقول: إنتظرت كذا، أي توقعته، وأتى في أربعة عشر موضعاً.
وأما الظلال بكسر الظاء فهو جمع ظل، وهو معروف، كظل الشجرة وغيرها، ويقال له ظل في أول النهار، فإذا رجع فهو فيء، والظل الظليل الدائم، فهو وما اشتق منه بالظاء، نحو ﴿مد الظل﴾ و ﴿ظللنا عليهم﴾ ، ﴿يتفيأ ظلاله﴾ ، ﴿في ظل﴾ ، ﴿من فوقهم ظلل﴾ .
وتقدم ذكر الظلة، وجمعها ظلل أو ظلال كخلة وخلل، وبرمة وبرام، ووقع منه في القرآن إثنان وعشرون موضعاً.
وأما الحفظ فهو ضد النسيان، وهو بالظاء كيف تصرف، نحو ﴿على كل شيء حفيظ﴾ و ﴿حافظات﴾ و ﴿حفظة﴾ و ﴿محفوظ﴾ و ﴿يحفظونه﴾ .
وقع في اثنين وأربعين موضعاً.
وأما الظمأ بالهمز فهو العطش، ووقع في ثلاثة مواضع، في براءة ﴿لا يصيبهم ظمأ﴾ ، وفي طه ﴿تظمأ﴾ ، وفي النور ﴿الظمآن﴾ .
стр. 167
وأما الظلماء فهي من الظلمة، وجمعها ظمأت، ووقعت في ستة وعشرين موضعاً.
وأما العظم فهو معروف، وجمعه عظام، ووقع في أربعة عشر موضعاً جمعاً وفرداً.
وأما لظى فأصله اللزوم والإلجاج، تقول: ألظ بكذا، أي ألزمه ولج به، ومنه قوله ﷺ : «ألظوا بياذا الجلال والإكرام» أي الزموا أنفسكم وألجوا بكثرة الدعاء بها، وسميت بعض طباق النار به للزومها العذاب، قال الله تعالى: ﴿وما هم منها بمخرجين﴾ ، ووقع في القرآن منه موضعان ﴿إنها لظى﴾ في المعارجن ﴿فأنذرتكم ناراً تلظى﴾ في والليل.
وأما الظهار فيأتي الكلام عليه عند قوله ظهر ظهيرها.
وأما الغلظ فهو معروف، وفي القرآن منه ثلاثة عشر موضعاً.
وأما الوعظ فهو التخويف من عذاب الله، والترغيب في العمل القائد إلى الجنة.
قال الخليل: هو التذكير بالخير فيما يرق له القلب، انتهى فهو بلاظاء كيف تصرف، وجمع الموعظة مواعظ، وجمع العظة عظات.
وضارعه في اللفظ قوله تعالى: ﴿جعلوا القرآن عضين﴾ في الحجر، وهو بالضاد، ومعناه أنهم فرقوه، وقالوا: هو سحر وشعر وكهانة ونحو ذلك.
стр. 168
وأما الإنظار فهو التأخير والمهلة، تقول أنظرته أي أمهلته، وهو اثنان وعشرون موضعاً.
وأما اللفظ فهو الكلام، وهو مصدر من لفظ يلفظ، وهو موضع واحد ﴿ما يلفظ من قول﴾ في ق~.
وأما الإيقاظ فهو من اليقظة، وهو ضد الغفلة أو النوم، وهو موضع واحد في الكهف ﴿وتحسبهم أيقاظاً﴾ .
وأما الفظ فقيل هو الرجل الكريه الخلق، مشتق من
فظ الكرش وهو ماؤه، وهوموضع واحد في آل عمران ﴿ولو كنت فظاً﴾ .
وضارعه في اللفظ الغض الذي معناه الفك والتفرقة، تقول فضضت الطابع أي فككته، وانفض الجماعة أي تفرقوا، قال الله تعالى: ﴿لانفضوا من حولك﴾ ، ﴿انفضوا إليها﴾ أي تفرقوا.
وأما الحظر فمعناه المنع والحيازة، لأن كل حائز لشيء مانع غيره منه، وهو موضعان: في الإسراء ﴿وما كان عطاء ربك محظوراً﴾ أي ممنوعاً،
стр. 169
وفي القمر ﴿كهشيم المحتظر﴾ والمحتظر الذي يعمل الحظيرة.
وضارعه في اللفظ الحضر الذي هو ضد الغيبة، ومعناه الإتيان إلى المكان، ولامعنى فارق بينهما، فافهم.
وأما قوله ظهر ظهيرها، وقوله في الظهيرة، وقوله ظهر الظهار، فنتكلم عليهن الآن.
فالظهيرة هي شدة الحر، ومنه قوله: ﴿وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة﴾ .
وأما الظهر فهو خلاف البطن، ومنه قوله: ﴿إلا ما حملت ظهورهما﴾ .
والظهار هو من ظاهر الرجل من زوجته، وهو أن يقول لها أنت علي كظهر أمي، ومنه قوله تعالى: ﴿الذين يظاهرون منكم من نسائهم﴾ الآية.
وأما قوله ظهر هو بضم الظاء، وهو اسم لوقت زوال الشمس، وهو وقت صلاة الظهر، تقول أظهرنا أي صرنا في وقت الظهر، قال الله تعالى: ﴿وعشياً وحين تظهرون﴾ .
وأما الظهير فهو المعين، والتظاهر التعاون، ومنه قوله تعالى: ﴿وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك
стр. 170
ظهير﴾ .
فإذا علم ذلك ففي كتاب الله تعالى منها وما تصرف منها سبعة وخمسون موضعاً، والله أعلم.
وأما الظفر فهو الذي بالأيدي والأرجل، قال أبو حاتم: يقال ظفر وظفر بضمة واحدة وبضمتين، ولا يقال بالكسر كما تقول العامة، وقد يقال للظفر أظفور، قالت أم الهيثم:
ما بين لقمته الأولى إذا انحدرت ... وبين أخرى تليها قيد أظفور
وجمع الظفر أظفار وأظافيرن وقيل أظافير جمع الجمع، كما قيل أقوال وأقاويل، وقيل جمع أظفور.
والتظفير هو أخذك الشيء بأطراف أظفارك وتخذيشك إياه بها.
ووقع في موضع في الأنعام قوله تعالى: ﴿وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر﴾ والله أعلم.
وهذا آخر ما قصدته من ترجمة هذا الكتاب، وكنت قبل أن أكتب هذا التأليف بدأت في تأليف كتاب سميته التوجيهات على أصول القراءات، ثم رأيت الحاجة داعية إلى تأليف هذا المختصر، فانثنيت عن ذلك حتى كمل تأليفي لهذا الكتاب، وأنا إن شاء الله عازم على ذلك بإرشاده وتيسيره، إن تأخر الأجل، ونلت بلوغ الأمل حتى أكمله.
стр. 171
وأحببت أن أختم هذا الكتاب بأدعية رواها الخلف عن السلف عند ختم القرآن، لأن بركة الدعاء عظيمة ومنافعه عميمة عند نزول الرحمة في وقت ختم القرآن الكريم، قال الله تعالى: ﴿وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان﴾ .
وعن ابن عباس ﵄: أفضل العبادة الدعاء.
أخبرنا شيخنا شمس الدين أبو عبد الله الصفوي، قال أخبنا الشيخ شهاب الدين أبو العباس أحمد بن مروان البعلبكي، قال أخبرنا السخاوي، قال شيخنا أبو القاسم، يعني الشاطبي، يدعو عند ختم القرآن بهذا الدعاء: اللهم إنا عبيدك وأبناء عبيدك، وأبناء إمائك [نواصينا بيدك] ، ماض فينا حكمك، عدل فينا قضاؤك، نسألك اللهم بكل اسم هو لك، سميت به نفسك أو علمته
стр. 172
أحداً من خلقك، أو أنزلته في شيء من كتبك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، وشفاء صدورنا، وجلاء أحزاننا وهمومنا، وسائقنا وقائدنا إليك وإلى جناتك جنات النعيم، مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
برحمتك يا أرحم الراحمين.
وهو مروي عن رسول الله ﷺ لتفريج الهم.
قال السخاوي: وأنا أزيد عليه: اللهم اجعله لنا شفاء وهدىً وإماماً ورحمة، وارزقنا تلاوته على النحو الذي يرضيك عنا، ولا تجعل لنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا عدواً إلا كفيته، ولا غائباً إلا رددته، ولا عاصياً إلا عصمته، ولا فاسداً إلا أصلحته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا عيباً إلا سترته، ولا عسيراً إلا يسرته، ولا حاجةً من حوائج الدنيا والآخرة لك فيها رضاً ولنا فيها صلاح إلا أعنتنا على قضائها في يسر منك وعافية، برحمتك يا أرحم الراحمين.
قلت: وأنا أزيد عليه: اللهم انصر جيوش المسلمين نصراً عزيزاً، وافتح لهم فتحاً مبيناً، اللهم انفعنا بما علمتنا، وعلمنا ما ينفعنا، اللهم افتح
стр. 173
لنا بخير، واختم لنا بخير، واجعل عواقب أمورنا إلى خير، اللهم إنا نعوذ بك من فواتح الشر وخواتمه، وأوله وآخره وباطنه وظاهره.
اللهم لا تجعل بيننا وبينك في رزقنا أحداً سواك، واجعلنا أغنى خلقك بك، وأفقر عبادك إليك، وهب لنا غنى لا يطغينا، وصحة لا تلهينا، وأغننا عن من أغنيته عنا، واجعل آخر كللامنا شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ﷺ وتوفنا وأنت راض عنا غير غضبان، واجعلنا في موقف القيامة من الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، برحمتك يا أرحم الراحمين.
وروى عاصم بن أبي النجود، عم زر بن حبيش، قال: قرأت القرآن كله، في المسجد الجامع بالكوفة، على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ فلما بلغت الحواميم، قال: يازر قد بلغت عرائس القرآن، فلما بلغت رأس العشرين من حم~ عسق~ ﴿والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات لهم ما يشاؤون عند ربهم ذلك هو الفضل الكبير﴾ بكى حتى ارتفع نحيبه، ثم رفع رأسه إلى السماء، وقال: يازر أمن علي دعاءي، ثم قال: اللهم إني أسألك إخبات المخبتين، وإخلاص المؤمنين، ومرافقة الأبرار، واستحقاق حقائق الإيمان، والغنيمة من كل بر، والسلامة من كل إثمن ووجوب رحمتك، وعزائم مغفرتك، والفوز
стр. 174
بالجنة، والنجاة من النار.
ثم قال: يا زر إذا ختمت فادع بهذه الدعوات فإن حبيبي رسول الله ﷺ أمرني أن أدعو بهن عند ختم القرآن.
انتهى ما أردت ذكره من الدعاء، وهو كاف، واسأل الله تعالى أن ينفع به، ويجعله خالصاً لوجهه الكريم.
قال المؤلف: فرغت من تحريره آخر ثلث ساعة مضت من استوائه، من يوم السبت، خامس ذي الحجة الحرام، من سنة تسع وستين وسبعمائة، بالمدرسة الظاهرية من بين القصرين، بالقاهرة المحروسة، لا زالت معمورة وسائر بلاد المسلمين.
وأجزت لجميع المسلمين روايته عني، راجياً ثواب الله تعالى ومغفرته ورحمته.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.