Полный текст (406 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
الحديث الرابع
عن عبد الله بن عباس ﵄ أنه قال: استفتى سعد بن عبادة رسول الله ﷺ في نذرٍ كان على أمه، تُوفِّيت قبل أن تقضيه، قال: رسول الله ﷺ : فاقضيه عنها)) .
فيه دليلٌ على قضاء الحقوق الواجبة على الميت، وقد ذهب الجمهور إلى أن مَن مات وعليه نذر ماليٌّ أنه يجب قضاؤه من رأس ماله وإن لم يوصِ به، إلا إن وقع النذر في مرض الموت فيكون من الثلث، وفيه فضل برِّ الوالدين بعد الوفاة والتوصُّل إلى براءة ما في ذمتهم.
وعن عائشة: "أن رجلاً قال للنبي ﷺ : إن أمي افتلتت نفسها، وأراها لو تكلمت تصدقت، أفأتصدق عنها؟ قال: ((نعم، تصدق عنها)) .
وفي هذا الحديث جواز الصدقة عن الميت، وأن ذلك ينفعه بوصول ثواب الصدقة إليه، لا سيَّما إن كان من الولد، وهو مخصوص من عموم قوله - تعالى -: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩] ، والله أعلم.
* * *
الحديث الخامس
عن كعب بن مالك ﵁ قال: قلت: يا رسول الله، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : ((أمسِك عليك بعض مالك؛ فهو خيرٌ لك)) .
стр. 352
قوله: ((أمسِك عليك بعض مالك)) ، في رواية: "فقلت: إني أمسك سهمي الذي بخيبر"، ولأبي داود: ((يجزى عنك الثلث)) ، قال ابن المنير: لم يبت كعب الانخلاع بل استشار هل يفعل أو لا، وقال الفاكهاني: أورد الاستشارة بصيغة الجزم.
قال الحافظ: الأَوْلَى لِمَن أراد أن ينجز التصدُّق بجميع ماله أو يعلقه أن يمسك بعضه، ولا يلزم من ذلك أنه لو نجزه لم ينفذ، والتصدُّق بجميع المال يختلف باختلاف الأحوال، فمَن كان قويًّا على ذلك يعلم من نفسه الصبر لم يُمنَع، وعليه يتنزل فعل أبي بكر الصديق، وإيثار الأنصار على أنفسهم المهاجرين ولو كان بهم خصاصة، ومَن لم يكن كذلك فلا، وعليه يتنزل ((لا صدقة إلا عن ظهر غنى)) ، وفي لفظ: ((أفضل الصدقة ما كان عن ظهر غنى)) ، اهـ.
وقال ابن دقيق العيد: وفي الحديث دليلٌ على أن الصدقة لها أثر في محو الذنب، ولأجل هذا شرعت الكفارات المالية، اهـ.
تتمَّة:
وعن سعيد بن المسيب: أن أخوين من الأنصار كان بينهما ميراث، فسأل أحدهما صاحبه القسمة فقال: إن عدت تسألني فكلُّ مالي في رتاج الكعبة، فقال له عمر: إن الكعبة غنية عن مالك، كفِّر عن يمينك وكلِّم أخاك، سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لا يمين عليك، ولا نذر في معصية الرب، ولا في قطيعة الرحم، ولا فيما لا تملك)) ؛ رواه أبو داود، والله أعلم.
* * *
باب القضاء
الحديث الأول
عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : ((مَن أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌّ)) ، وفي لفظ: ((مَن عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ)) .
стр. 353
الأصل في القضاء ومشروعيته: الكتاب والسنة والإجماع؛ قال الله - تعالى -: ﴿يا دَاودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص: ٢٦] ، وقال - تعالى -: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة: ٤٩] ، وقال : ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] .
وفي الحديث المتفق عليه: ((إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر)) .
وعن عبد الله بن أبي أوفى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله مع القاضي ما لم يجر، فإذا جار وَكَلَه إلى نفسه)) ؛ رواه ابن ماجه، وفي لفظ: ((فإذا جار تخلَّى عنه ولزمه الشيطان)) ؛ رواه الترمذي.
وعن بريدة عن النبي ﷺ قال: ((القضاة ثلاثة: واحد في الجنة واثنان في النار؛ فأمَّا الذي في الجنة: فرجلٌ عرف الحق فقضى به، ورجلٌ عرف الحق وجار في الحكم فهو في النار، ورجلٌ قضى للناس على جهل فهو في النار)) ؛ رواه ابن ماجه وأبو داود.
قال مالك: لا بُدَّ أن يكون القاضي عالمًا عاقلاً، وقال البخاري: يستحبُّ للكاتب أن يكون أمينًا عاقلاً، اهـ.
وعن معاذ بن جبل: أن النبي ﷺ بعثه قاضيًا إلى اليمن، قال له: ((بِمَ تحكم؟)) ، قال: بكتاب الله - تعالى - قال: ((فإن لم تجد)) ، قال: فبسنَّة رسول الله ﷺ قال: ((فإن لم تجد)) ، قال: أجتهد رأيي، قال: ((الحمد لله الذي وفق رسولَ رسولِ الله لما يرضي رسول الله)) ؛ رواه أحمد.
وكتب عمر إلى معاذ بن جبل وأبي عبيدة حين بعثهما إلى الشام: أن انظرَا رجالاً من صالحي مَن قِبَلَكم فاستعمِلوهم على القضاء، وأوسعوا عليهم وارزقوهم واكفُوهم من مال الله، وقال علي: لا ينبغي أن يكون القاضي قاضيًا حتى تكون فيه خمس خصال: عفيف، حليم، عالم بما كان قبله، يستشير ذوي الألباب، لا يخاف في الله لومة لائم.
قال الموفق: وله أن ينتهر الخصم إذا التوى ويصِيح عليه، وإن استحقَّ التعزير عزَّره بما يرى من أدب أو حبس.
قوله: ((مَن أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌّ)) قال الحافظ: هذا الحديث معدودٌ من أصول الإسلام، وقاعدة من قواعده، فإن معناه: مَن اخترع في الدين ما لا يشهد له أصلٌ من أصوله فلا يلتفت إليه.
قال النووي: هذا الحديث ممَّا ينبغي أن يعتنى بحفظه واستعماله في إبطال المنكرات وإشاعة الاستدلال به كذلك، اهـ.
وقال الطرفي: هذا الحديث نصف أدلة الشرع.
قوله: وفي لفظ: ((مَن عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ)) قال الحافظ:
стр. 354
هذا أعمُّ من اللفظ الأول فيحتجُّ به في إبطال جميع العقود المنهيَّة وعدم وجود ثمراتها المرتبة عليها، وفيه ردُّ المحدثات، وأن النهي يقتضي الفساد؛ لأن المنهيات كلها ليست من أمر الدين فيجب ردُّها، ويُستَفاد منه أن حكم الحاكم لا يغير ما في باطن الأمر؛ لقوله: ((ليس عليه أمرنا)) والمراد به أمر الدين، وفيه أن الصلح الفاسد منتقض والمأخوذ عليه مستحق الرد، اهـ.
وقال البخاري: باب إذا اجتهد العامل أو الحاكم فأخطأ خلاف الرسول من غير علم فحكمه مردود؛ لقول النبي ﷺ : ((مَن عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ)) ، وقال أيضًا: ((إذا قضى الحاكم بجور أو خلاف أهل العلم فهو رد)) ، وأورد قصة خالد وقول النبي ﷺ : ((اللهم إني أبرأ إليك ممَّا صنع خالد بن الوليد)) ، قال ابن بطال: الإثم إن كان ساقطًا عن المجتهد في الحكم إذا تبيَّن له أنه بخلاف جماعة أهل العلم لكن الضمان لازمٌ للمخطئ عند الأكثر مع الاختلاف هل يلزم ذلك عاقلة الحاكم أو بيت المال؟
قال الحافظ: والذي يظهر أن التبرُّؤ من الفعل لا يلزم منه إثم فاعله ولا إلزامه الغرامة؛ فإن إثم المخطئ مرفوع وإن كان فعله ليس بمحمود اهـ، والله أعلم.
* * *
الحديث الثاني
عن عائشة ﵂ قالت: "دخلت هند بنت عتبة امرأة أبي سفيان على رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، إنَّ أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفي
стр. 355
بنيَّ إلا ما أخذت من ماله بغير علمه، فهل عليَّ في ذلك من جناح؟ فقال رسول الله ﷺ : ((خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك ويكفِي بنيك)) .
قولها: "شحيح"، في لفظ: "مسيك" بكسر الميم وتشديد السين، وبالفتح والتخفيف، والشح: البخل مع حرص وهو أعمُّ من البخل، قال القرطبي: قوله: ((خذي)) ، أمر إباحة، والمراد بالمعروف القدر الذي عرف بالعادة أنه الكفاية، اهـ.
وفي الحديث جواز ذكر الإنسان بما لا يعجبه إذا كان على وجه الاستفتاء والاشتكاء ونحو ذلك، وفيه جواز سماع كلام الأجنبية عند الحكم والإفتاء، وفيه جواز استماع كلام أحد الخصمين في غيبة الآخَر، وفيه وجوب نفقة الزوجة وأنها مقدَّرة بالكفاية، وهي معتبرة بحال الزوجين معًا؛ لقوله - تعالى -: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو
سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آَتَاهُ اللَّهُ ... ﴾ [الطلاق: ٧] الآية، وفيه وجوب نفقة الأولاد بشرط الحاجة، واستدلَّ به على أن مَن له عند غيره حق وهو عاجز عن استيفائه جاز له أن يأخذ من ماله قدر حقِّه بغير إذنه، وتسمَّى مسألة الظفر، وأن للمرأة مدخلاً في القيام على أولادها وكفالتهم والإنفاق عليهم، وفيه اعتماد العرف في الأمور التي لا تحديد فيها من قِبَل الشرع، وفيه جواز القضاء على الغائب.
قال ابن بطال: أجاز مالك والليث والشافعي وأبو عبيد وجماعة الحكم على الغائب واستثنى ابن القاسم عن مالك ما يكون للغائب فيه حجج كالأرض والعقار، إلا إن طالت غيبته أو انقطع خبرة.
قال الحافظ: واحتج مَن منع بحديث عليٍّ رفعه: ((لا تقضِ لأحد الخصمين حتى تسمع كلام الآخر)) ، وبحديث الأمر بالمساواة بين الخصمين، وبأنه لو حضر لم تسمع بيِّنة المدَّعي حتى يسأل المدَّعى عليه فإذا غاب فلا تسمع، وبأنه لو جاز الحكم مع غيبته لم يكن الحضور واجبًا عليه، وأجاب مَن أجاز بأن ذلك كله لا يمنع الحكم على الغائب؛ لأن حجته إذا حضر قائمة فتسمع ويعمل بمقتضاها ولو أدَّى إلى نقض الحكم السابق، وحديث عليٍّ محمول على
стр. 356
الحاضرين.
وقال ابن العربي: حديث عليٍّ إنما هو مع إمكان السماع، فأمَّا مع تعذره بمغيب فلا يمنع الحكم، كما لو تعذر بإغماء أو جنون أو حجر أو صغر.
قال الحافظ: كلُّ حكم يصدر من الشارع فإنه ينزل منزلة الإفتاء بذلك الحكم في مثل تلك الواقعة، فيصحُّ الاستدلال بهذه القصة للمسألتين؛ يعني: مسألة القضاء على الغائب ومسألة الظفر، وقال البخاري: باب مَن رأى للقاضي أن يحكم بعلمه في أمر الناس إذا لم يخف الظنون والتهمة، كما قال النبي ﷺ لهند: ((خُذِي ما يكفيك وولدك بالمعروف)) ، وذلك إذا كان أمرًا مشهورًا، اهـ، والله أعلم.
* * *
الحديث الثالث
عن أم سلمة ﵂: أن رسول الله ﷺ سمع جلبة خصم بباب حجرته، فخرج إليهم فقال: ((إلا إنما أنا بشر مثلكم، وإنما يأتيني الخصم، فلعلَّ بعضكم أن يكون أبلغ من بعض فأحسب أنه صادق فأقضي له، فمَن قضيتُ له بحقِّ مسلم فإنما هي قطعة من النار فليحملها أو يذرها)) .
"الجلبة": اختلاط الأصوات وارتفاعها.
قوله: ((إنما أنا بشر مثلكم)) أتى به ردًّا على مَن زعم أن مَن كان رسولاً فإنه يعلم كل غيب حتى لا يخفى عليه المظلوم.
قوله: ((أبلغ)) ، في رواية: ((ألحن)) .
قوله: ((قطعة من النار)) كقوله - تعالى -: ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء: ١٠] .
قوله: ((فليحملها أو يذرها)) الأمر فيه للتهديد كقوله - تعالى -: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] ، قال ابن التين: هو خطاب للمقضيِّ له، ومعناه: أنه يعلم من نفسه هل هو محقٌّ أو مبطِل، فإن كان محقًّا فليأخذ، وإن كان مبطلاً فليترك، فإن الحكم لا ينقل الأصل عمَّا كان عليه.
ولأبي داود: فبكى الرجلان وقال كلٌّ منهما: حقِّي لك، فقال لهما النبي ﷺ : ((أمَا إذا فعلتما فاقتسما وتوخَّيَا الحق ثم استهِما ثم تحاللا)) .
стр. 357
وفي هذا الحديث من الفوائد إثم مَن خاصم في باطل حتى استحقَّ به في الظاهر شيئًا هو في الباطن حرام عليه، وفيه أن مَن ادَّعى مالاً ولم يكن له بيِّنة فحلف المدعى عليه وحكم الحاكم ببراءة الحالف أنه لا يبرأ في البطان وأن المدعي لو أقام بيِّنة بعد ذلك تُنافِي دعواه سُمِعت وبطل الحكم، وفيه أن المجتهد قد يخطئ وأنه ليس كل مجتهد مصيبًا، وإذا أخطأ لا يلحقه إثم بل يُؤجَر، وفيه أن النبي ﷺ كان يقضي بالاجتهاد فيما لم ينزل عليه فيه شيء.
قال الشافعي: فيه دلالة على أن الأمة إنما كلفوا القضاء على الظاهر، وأن قضاء القاضي لا يحرم حلالاً ولا يحلُّ حرامًا، اهـ.
وفيه أن التعمُّق في البلاغة بتزيين الباطل في صورة الحق والحق في صورة الباطل مذموم، وأمَّا البلاغة فلا تذمُّ لذاتها وهي أن يبلغ بعبارة لسانه كُنْهَ ما في قلبه، وقال أهل المعاني والبيان: البلاغة مطابقة الكلام لمقتضى الحال مع الفصاحة وهي خلوُّه عن التعقيد، وفيه موعظة الخصوم والعمل بالنظر الراجح وبناء الحاكم عليه.
فائدة:
قال الحافظ: نقل بعض العلماء الاتِّفاق على أنه لو شهدت البينة بخلاف ما يعلمه القاضي لم يجز له أن يحكم بما قامت به البينة.
* * *
الحديث الرابع
عن عبد الرحمن بن أبي بكرة ﵁ قال: كتب أبي وكتبت له إلى ابنه عبد الله بن أبي بكرة، وهو قاضٍ بسجستان: لا تحكم بين اثنين وأنت غضبان، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان)) ، وفي رواية: ((لا يقضين حكم بين اثنين وهو غضبان)) .
стр. 358
قوله: "كتب أبي"؛ أي: أمره بالكتابة "وكتبت له"؛ أي: باشرت الكتابة التي أمر بها.
قوله: ((لا يحكم أحدٌ بين اثنين وهو غضبان)) قال المهلب: سبب هذا النهي أن الحكم حالة الغضب قد يتجاوَز بالحاكم إلى غير الحق فمنع، وبذلك قال فقهاء الأمصار، وقال ابن دقيق العيد: فيه النهي عن الحكم حالة الغضب؛ لما يحصل بسببه من التغيير الذي يختل به النظر فلا يحصل استيفاء الحكم على الوجه، وعداه الفقهاء بهذا المعنى إلى كلِّ ما يحصل به تغيُّر الفكر من الجوع والعطش المفرطين، وغلبة النعاس وسائر ما يتعلق به القلب تعلقًا يشغله عن استيفاء النظر، وهو قياس مظنة على مظنة.
قال الحافظ: لو خالف فحكم في حال الغضب صحَّ إن صادَف الحق مع الكراهة، وهذا قول الجمهور، وفي الحديث ذكر الحكم مع دليله في التعليم وكذلك الفتوى، وفيه شفقة الأب على ولده وإعلامه بما ينفعه وتحذيره من الوقوع فيما ينكر، وفيه نشر العلم للعمل به والاقتداء وإن لم يسأل العالم عنه، والله الموفق.
* * *
الحديث الخامس
عن أبي بكرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ألاَ أنبكم بأكبر الكبائر؟)) ثلاثًا، قلنا: بلى يا رسول الله، قال: ((الإشراك بالله، وعقوق الوالدين)) ، وكان متكئًا فجلس فقال: ((ألاَ وقول الزور، وشهادة الزور)) ، فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت.
قوله: ((ألاَ أنبئكم بأكبر الكبائر؟)) ثلاثًا؛ أي: قال ذلك ثلاث مرات، كرَّره تأكيدًا لينتبه السامع على إحضار فهمه٠.
قوله: ((الإشراك بالله)) تخصيصه بالذكر لغلبته في الوجود، فذكره تنبيهًا على غيره من أصناف الكفر.
قوله: ((وعقوق الوالدين)) العقوق صدور ما يتأذَّى به الوالد من ولده من قول أو فعل.
قوله: وكان متكئًا
стр. 359
فجلس فقال: ((ألا وقول الزور وشهادة الزور)) قال الحافظ: يشعر بأنه اهتمَّ بذلك حتى جلس بعد أن كان متكئًا، ويفيد ذلك تأكيد تحريمه وعظم قبحه، وسبب الاهتمام بذلك كون قول الزور وشهادة الزور أسهل وقوعًا على الناس والتهاون بها أكثر، فإن الإشراك ينبو عنه قلب المسلم، والعقوق يصرف عنه الطبع، وأمَّا الزور فالحوامل عليه كثيرة؛ كالعداوة والحسد وغيرهما، فاحتيج إلى الاهتمام بتعظيمه.
قوله: "فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت"؛ أي: شفقةً عليه وكراهيةً لما يزعجه، وفيه تحريم شهادة الزور، وفي معناها كلُّ ما كان زورًا من تعاطي المرء ما ليس له أهلاً، قال القرطبي: شهادة الزور هي الشهادة بالكذب ليتوصَّل بها إلى الباطل من إتلاف نفس، أو أخذ مال، أو تحليل حرام أو تحريم حلال، فلا شيء من الكبائر أعظم ضررًا منها ولا أكثر فسادًا بعد الشرك بالله، اهـ.
وفيه التحريض على مجانبة كبائر الذنوب ليحصل تكفير الصغائر بذلك، كما وعد الله في قوله - تعالى -: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيمًا﴾ [النساء: ٣١] ، وفي الحديث انقسام الذنوب إلى كبير وأكبر، ويُؤخَذ منه ثبوت الصغائر؛ لأن الكبيرة بالنسبة إليها أكبر منها، قال الغزالي: إنكار الفرق بين الصغيرة والكبير لا يليق بالفقيه، اهـ.
وقال ابن عباس: الكبيرة كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب، وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((اجتنبوا السبع الموبقات)) ، قالوا: وما هن يا رسول الله؟ قال: ((الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولِّي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات)) ؛ متفق عليه.
وعن ابن عباس: أنه قيل له: الكبائر سبع، قال: هي إلى السبعين أقرب، قال القرطبي: كل ذنب أطلق عليه بنص كتاب الله أو سنة أو إجماع أنه كبيرة أو عظيم أو أخبر فيه بشدَّة العقاب أو علَّق عليه الحد أو شدَّد النكير عليه فهو كبير، وقال الحليمي ما من ذنب إلا وفيه صغيرة وكبيرة، وقد تنتقل الصغيرة كبيرة بقرينةٍ تضمُّ إليها وتنقلب الكبيرة فاحشة كذلك، والله اعلم.
* * *
стр. 360
الحديث السادس
عن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ قال: ((لو يعطى الناس بدعاويهم لادَّعى ناس دماء رجالٍ وأموالهم ولكن اليمين على المدَّعى عليه)) .
هذا الحديث أصلٌ في فصل الخصومات بين الناس.
قوله: ((ولكن اليمين على المدعى عليه)) في حديث ابن عمر عند الطبراني: ((البينة على المدِّعِي واليمين على المدَّعَى عليه)) ، وعند الإسماعيلي: ((ولكن البينة على الطالب واليمين على المطلوب)) ، وعند البيهقي: ((لكن البينة على المدَّعي واليمين على مَن أنكر)) .
قال العلماء: الحكمة في ذلك أن جانب المدَّعِي ضعيف لأنه يقول خلاف الظاهر فكلف الحجة القوية وهي البيِّنة؛ لأنها لا تجلب لنفسها نفعًا ولا تدفع عنها ضررًا فيقوى بها ضعف المدَّعي، وجانب المدَّعى عليه قوي فاكتفي منه باليمين وهي حجة ضعيفة؛ لأن الحالف يجلب لنفسه النفع ويدفع الضرر فكان ذلك في غاية الحكمة، والمدَّعي مَن إذا سكت ترك وسكوته، والمدَّعَى عليه مَن لا يخلى إذا سكت، قال الإصطخري: إن قرائن الحال إذا شهدت بكذب المدَّعي لم يتلفت إلى دعواه، اهـ.
وروى مسلم عن ابن عباس: "أن رسول الله ﷺ قضى بيمين وشاهد"، قال ابن عبد البر: لا مطعن لأحدٍ في صحته ولا إسناده.
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا: "قضى الله ورسوله في الحق بشاهدين، فإن جاء بشاهدين أخذ حقَّه، وإن جاء بشاهد واحد حلف مع شاهده، قال الشافعي: القضاء بشاهد ويمين لا يخالف ظاهر القرآن؛ لأنه لا يمنع أن يجوز أقل مما نص عليه، قال الحافظ: لا يلزم من التنصيص على الشيء نفيه عمَّا عداه.
وقال: تخصيص الكتاب بالسنة جائز، وكذلك الزيادة عليه كما في قوله - تعالى -: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] ، وأجمعوا على تحريم العمَّة
مع بنت أخيها، وسند الإجماع في ذلك السنة الثابتة، وكذلك قطع رجل السارق
стр. 361
في المرَّة الثانية، وأمثلة ذلك كثيرة، اهـ.
وعن أبي هريرة ﵁: "أن النبي ﷺ عرض على قوم اليمين فأسرعوا، فأمر أن يُسهِم بينهم في اليمين أيهم يحلف"؛ رواه البخاري.
وعن أبي موسى ﵁: "أن رجلين ادَّعيا بعيرًا على عهد رسول الله ﷺ فبعث كلُّ واحد منهما بشاهدين فقسمه النبي ﷺ بينهما نصفين"؛ رواه أبو داود.
وعن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ قال لرجل حلفه: ((احلف بالله الذي لا إله إلا هو ماله عندي شيء)) ؛ يعني: المدعي؛ رواه أبو داود.
فائدة: في وضع اليد:
كل دعوى يكذبها العرف والعادة غير مسموعة، فإذا رأينا رجلاً حائزًا لدار متصرِّفًا فيها مدَّة طويلة وهو ينسبها إلى نفسه وملكه، وإنسان حاضر يراه لا يعارضه، وليس له مانع يمنعه من مطالبته، وليس بينه وبين المتصرِّف قرابة ولا شركة، ثم جاء بعد طول هذه المدَّة يدَّعيها لنفسه ويريد أن يقيم بيِّنة بذلك، فدعواه غير مسموعة وتبقى الدار بيد حائزها، هذا مقتضى اختيار شيخ الإسلام ابن تيميَّة، وشمس الدين ابن القيم، وإمام الدعوة النجدية الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأولاده، وهو مذهب الإمام مالك، واختاره شيخنا محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف، والله أعلم.
* * *
стр. 362
كتاب الأطعمة
الحديث الأول
عن النعمان بن بشير ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول - وأشار النعمان بأصبعيه إلى أذنيه -: ((إن الحلال بيِّن والحرام بيِّن، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثيرٌ من الناس، فمَن اتَّقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومَن وقع في الشبهات وقع في الحرام؛ كالراعي يرعى حول الحِمَى يوشك أن يقع فيه، ألاَ وإن لكل ملك حِمَى، ألاَ وأن حِمَى الله محارمه، ألاَ وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كلُّه، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألاَ وهي القلب)) .
الأصل في الأطعمة الحلُّ؛ لقول الله - تعالى -: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] ، وقال : ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ ... ﴾ [الأعراف: ١٥٧] الآية، وقال - تعالى -: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ [المائدة: ١] .
وعن سلمان الفارسي ﵁ قال سُئِل رسول الله ﷺ عن السمن والجبن والفراء فقال: ((الحلال ما أحلَّ الله في كتابه، والحرام ما حرَّم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا لكم)) ؛ رواه ابن ماجه والترمذي.
стр. 363
قوله: ((الحلال بيِّن والحرام بيِّن)) ؛ أي: بأدلتهما الظاهرة.
قوله: ((وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس)) ، وللترمذي: ((لا يدري كثيرٌ من الناس أمِنَ الحلال هي أم من الحرام، ومفهومه أن معرفة حكمها ممكِن لكن للقليل من الناس.
قوله: ((فمَن اتَّقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه)) ؛ أي: مَن حذر منها فقد برأ دينه من النقص وعرضه من الطعن فيه، وفي هذا إشارة إلى المحافظة على أمور
الدين ومراعاة المروءة، قال بعض العلماء: المكروه عقبة بين العبد والحرام فمَن استكثر من المكروه تطرَّق إلى الحرام، والمباح عقبة بينه وبين المكروه فمَن استكثر منه تطرَّق إلى المكروه.
قوله: ((ومَن وقع في الشبهات وقع في الحرام)) ، في رواية: ((فمَن ترك ما شبه عليه من الإثم كان لما استبان له أترك، ومَن اجترأ على ما يشك فيه من الإثم أوشك أن يواقع ما استبان، والمعاصي حِمَى الله، مَن رتع حول الحِمَى يُوشِك أن يواقعه)) .
قوله: ((ألاَ وإن لكل ملك حِمَى، ألاَ وإن حِمَى الله محارمه)) قال الحافظ: كان ملوك العرب يحمون لمواشيهم أماكن مختصَّة يتوعَّدون مَن يرعى فيها بغير إذنهم بالعقوبة الشديدة، فمثَّل لهم النبي ﷺ بما هو مشهور عندهم، فالخائف من العقوبة المراقب لرضا الملك يبعد عن ذلك الحمى؛ خشية أن تقع مواشيه في شيء منه، فبعده أسلم له ولو اشتدَّ حذره، وغير الخائف المراقب يقرب منه ويرعى من جوانبه، فلا يأمن أن تنفرد الفاذة فتقع فيه بغير اختياره أو بمحلِّ المكان الذي هو فيه، ويقع الخصب في الحمى فلا يملك نفسه أن يقع فيه، فالله هو الملك حقًّا وحماه محارمه.
قوله: ((ألاَ وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألاَ وهي القلب)) (ألا) للتنبيه على صحة ما بعدها، والمضغة: القطعة من اللحم، وهي قدر ما يمضغ، وسمي القلب قلبًا لتقلُّبه في الأمور، وخصَّ القلب لأنه أمير البدن، وبصلاح الأمير تصلح الرعية، وبفساده تفسد، وفيه إشارة أن لطيب الكسب أثرًا في صلاح القلب، اهـ.
* * *
стр. 364
الحديث الثاني
عن أنس بن مالك ﵁ قال: "أنفجنا أرنبًا بمرِّ الظَّهْرَان، فسعى القوم فلعبوا وأدركتها فأخذتها، فأتيت بها أبا طلحة فذبحها وبعث إلى رسول الله ﷺ بوركها وفخذها فقبله".
فيه جوازُ أكل الأرنب، وفيه أن آخِذ الصيد يملكه ولا يشاركه من أثاره معه، وفيه هدية الصيد وقبولها من الصائد وإهداء الشيء اليسير للكبير القدر إذا علم من حالة الرضا بذلك، وفيه أن وليَّ الصبي يتصرَّف فيما يملكه الصبي بالمصلحة، والله أعلم.
* * *
الحديث الثالث
عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: "نحرنا على عهد رسول الله ﷺ فرسًا فأكلناه"، وفي رواية: "ونحن في المدينة".
* * *
الحديث الرابع
عن جابر بن عبد الله ﵄: "أن النبي ﷺ نهى عن لحوم الحمر الأهلية وأَذِن في لحوم الخيل"، ولمسلم وحده قال: "أكلنا زمن خيبر الخيل وحمر الوحش، ونهى النبي ﷺ عن الحمار الأهلي".
стр. 365
قوله: "نحرنا على عهد رسول الله ﷺ فرسًا فأكلناه"، وللدارقطني: "فأكلناه نحن وأهل بيت رسول الله ﷺ "، قال الحافظ: والذي يظهر أن الحكم في الخيل والبغال والحمير كان على البراءة الأصلية، فلمَّا نهاهم الشارع يوم خيبر عن الحمر والبغال خشي أن يظنوا أن الخيل كذلك لشبهها بها؛ فأَذِن في أكلها دون البغال والحمير.
* * *
الحديث الخامس
عن عبد الله بن أبي أوفى ﵁ قال: "أصابتنا مجاعة ليالي خيبر فلمَّا كان يوم خيبر وقعنا في الحمر الأهلية فانتحرناها، فلمَّا غلت بها القدور نادَى منادي رسول الله ﷺ : أن أكفِئُوا القدور، ولا تأكلوا من لحوم الحمر الأهلية".
فيه أن الذكاة لا تطهر ما لا يحلُّ أكله، وأن كلَّ شيء تنجَّس بملاقاة النجاسة يكفي غسله مرَّة واحدة؛ لإطلاق الأمر بالغسل في بعض الروايات، قال القرطبي: قوله: ((فإنها رجس)) ، ظاهر في عود الضمير على الحمر؛ لأنها المتحدث عنها المأمور بإكفائها من القدور وغسلها، وهذا حكم المتنجِّس فيستفاد منه تحريم أكلها، وهو دالٌّ على تحريمها لعينها لا لمعنى خارج، اهـ.
وعن جابر ﵁ قال: "حرم رسول الله ﷺ يعني: يوم خيبر - لحوم الحمر الإنسية، ولحوم البغال، وكل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير"؛ رواه أحمد والترمذي.
* * *
الحديث السادس
عن ابن عباس ﵄ قال: "دخلت أنا وخالد بن الوليد مع رسول الله ﷺ بيت ميمونة، فأتي بضب مَحنُوذ
стр. 366
فأهوى إليه رسول الله ﷺ بيده، فقال بعض النسوة اللاتي في بيت ميمونة: أخبروا رسول الله ﷺ بما يريد أن يأكل، فقلت: تأكله؟ هو ضب، فرفع رسول الله ﷺ يده فلم يأكل، فقلت: يا رسول الله، أحرام هو؟ قال: ((لا، ولكنه لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه)) ، قال خالد: فاجتررته فأكلته والنبي ﷺ ينظر".
قولها: "فقلت: تأكله؟ هو ضب" ولمسلم: "قالت ميمونة: إنه لحم ضب، فكفَّ يده"، وفي حديث ابن عمر: قال النبي ﷺ : ((الضب لست آكله ولا أحرمه)) .
قوله: ((إنه لم يكن بأرض قومي)) ؛ أي: قريش؛ يعني: لم يكن بأرض مكة وما حولها، ولا يمنع ذلك أن تكون موجودة بسائر بلاد الحجاز، وفي الحديث
جواز أكل الضب، وفي حديث ابن عمر: ((كلوا وأطعموا فإنه حلال)) ، وفيه أن مطلق النفرة وعدم الاستطابة لا يستلزم التحريم، وفيه أن الطباع تختلف في النفور عن بعض المأكولات، وفيه أنه ﷺ كان يُؤاكِل أصحابه ويأكل اللحم حيث تيسَّر، وأنه كان لا يعلم من المغيبات إلا ما أعلمه الله - تعالى - وفيه فضيلة ميمونة أم المؤمنين وصدق فراستها ﵂ والله أعلم.
* * *
الحديث السابع
عن عبد الله بن أبي أوفى ﵁ قال: "غزونا مع رسول الله ﷺ سبغ غزوات نأكل الجراد".
الحديث دليلٌ على جواز أكل الجراد، وأنه حلال، ويجوز أكله بغير تذكية؛ لحديث ابن عمر رفعه: ((أُحِلَّت لنا ميتتان ودمان: السمك والجراد، والكبد
стр. 367
والطحال)) ؛ رواه أحمد.
قال الحافظ: ونقل النووي الإجماع على حلِّ أكل الجراد، لكن فصَّل ابن العربي في شرح الترمذي بين جراد الحجاز وجراد الأندلس؛ فقال في جراد الأندلس: لا يؤكل؛ لأنه ضرر محض، وهذا إن ثبت أنه يضرُّ أكله بأن يكون فيه سمية تخصُّه دون غيره من جراد البلاد تعيَّن استثناؤه، والله اعلم.
* * *
الحديث الثامن
عن زَهْدَم بن مُضَرِّب الجرمي قال: "كنَّا عند أبي موسى الأشعري فدعا بمائدة وعليها لحم دجاج، فدخل رجل من بني تيم الله أحمر شبيه بالموالي، فقال له: هلمَّ، فتلكأ، فقال له: هلمَّ؛ فإني رأيت رسول الله ﷺ يأكل منه".
قوله: "شبيه بالموالي"؛ أي: العجم.
قوله: "فقال له هلمَّ، فتلكَّأ"؛ أي: تردَّد وتوقَّف، وفي رواية: "قال: إني رأيته يأكل شيئًا فذرته فحلفت أن لا أكله".
وفي الحديث جواز أكل الدجاج، واستثنى بعضهم الجلالة، وهي ما تأكل الأقذار، وعن ابن عمر: أنه كان يحبس الدجاجة الجلالة ثلاثًا؛ أخرجه ابن أبي شيبة، وله عن جابر: "نهى رسول الله ﷺ عن الجلالة أن يؤكل لحمها ويشرب لبنها"، اهـ، والمعتبر في جواز أكل الجلالة زوال رائحة النجاسة بعد أن تعلف بالشيء الطاهر، والله أعلم.
* * *
الحديث التاسع
عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: ((إذا أكل أحدكم طعامًا فلا يمسح يده حتى يَلعقها أو يُلعقها)) .
стр. 368
قوله: ((يَلعَقها)) ؛ أي: هو ((أو يُلعِقها)) ؛ يعني: غيره ممَّا لا يتقذَّر ذلك؛ من زوجة، أو خادم، أو ولد، ولمسلم عن جابر: ((إذا سقطت لقمة أحدكم فليُمِط ما أصابها من أذًى وليأكلها، ولا يمسح يده حتى يَلعَقها أو يُلعِقها؛ فإنه لا يدري في أيِّ طعامه البركة)) .
وفي الحديث ردٌّ على مَن كره لعق الأصابع، نعم لو فعله في أثناء الأكل كره؛ لأنه يعيد أصابعه في الطعام وعليها أثر ريقه.
قال الخطابي: عاب قوم أفسد عقلهم الترفُّه، فزعموا أن لعق الأصابع مستقبَح، كأنهم لم يعلموا أن الطعام الذي علق بالأصابع والصفحة جزء ممَّا أكلوه، وفيه استحباب مسح اليد بعد الطعام، وعن أبي هريرة رفَعَه: ((مَن بات وفي يده غمر ولم يغسله فأصابه شيء، فلا يلومنَّ إلا نفسه)) ، وفيه المحافظة على عدم إهمال شيء من فضل الله كالمأكول والمشروب.
* * *
باب الصيد
الحديث الأول
عن أبي ثعلبة الخشني ﵁ قال: أتيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، إنا بأرض قوم أهل كتاب أفنأكل في آنيتهم؟ وفي أرض صيدٍ، أصيد بقوسي وبكلبي الذي ليس بمُعَلَّم وبكلبي المعلم، فما يصلح لي؟ قال: ((أمَّا ما ذكرت من آنية أهل الكتاب، فإن وجدتم غيرها فلا تأكلوا فيها، فإن لم تجدوا فاغسلوها وكلوا فيها، وما صدت بقوسك فذكرت اسم الله عليه فَكُلْ، وما صدت بكلبك المُعَلَّم فذكرت اسم الله عليه فَكُلْ، وما صدت بكلبك غير المُعَلَّم فأدركت ذكاته فَكُلْ)) .
стр. 369
الأصل في إباحة الصيد الكتاب والسنة والإجماع؛ قال الله - تعالى -: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦] ، وقال : ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] ، وقال - تعالى -: ﴿يسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [المائدة: ٤] ، "مكلبين"؛ أي: مؤدبين، قال ابن عباس: إن أكل الكلب فقد أفسده إنما أمسك على نفسه، والله يقول: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ﴾ فتضرب وتعلم حتى تترك، وقال عطاء: إن شرب الدم ولم يأكل فَكُلْ، وفسَّر مجاهد الجوارح بالكلاب والطيور، وهو قول الجمهور.
قوله: "إنا بأرض قوم أهل كتاب"؛ يعني: بالشام، ولأبي داود: "نجاور أهل الكتاب وهم يطبخون في قدورهم الخنزير ويشربون في آنيتهم الخمر"، فقال الحديث.
وعن جابر قال: كنَّا نغزو مع رسول الله ﷺ فنصيب من آنية المشركين فنستمتع بها فلا يعيب ذلك علينا"؛ أخرجه أبو داود، وفي رواية البزار: "فنغسلها ونأكل فيها".
قوله: ((وما صدت بقوسك فذكرت اسم الله عليك فَكُلْ)) قال ابن بطال: أجمعوا على أن السهم إذا أصاب الصيد فجرحه جاز أكله، ولو لم يدرِ هل مات بالجرح أو من سقوطه في الهواء أو من وقوعه على الأرض، وأجمعوا على أنه لو وقع على جبل مثلاً فتردَّى منه فمات لا يُؤكَل، وأن السهم إذا لم ينفذ مقاتله لا يُؤكَل إلاَّ إذا أدرك ذكاته.
وقال ابن التين: إذا قطع من الصيد ما لا يتوهَّم حياته بعده فكأنه أنفذه بتلك الضربة فقامت مقام التذكية وهذا مشهور مذهب مالك وغيره، وقال البخاري وقال الحسن وإبراهيم: إذا ضرب صيدًا فبان منه يد أو رجل لا تأكل الذي بان وكل سائره، وقال إبراهيم: إذا ضربت عنقه أو وسطه فَكُلْ.
وفيه مشروعية التسمية عند الصيد، وذهب جمهور العلماء إلى جواز أكله لِمَن تركها سهوًا لا عمدًا.
قوله: ((وما صدت بكلبك المعلم فذكرت اسم الله عليه فَكُلْ)) ، قال ابن دقيق العيد: ولم يتعرَّض في الحديث للتعليم المشترط، والفقهاء تكلَّموا فيه وجعلوا المعلَّم ما ينزجر بالانزجار وينبغث بالإشلاء، ولهم نظر في غير
стр. 370
ذلك من الصفات، والقاعدة أن ما رتَّب عليه الشرع حكمًا ولم يحدَّ فيه حدًّا رجع فيه إلى العرف اهـ.
قوله: ((وما صدت بكلبك غير المعلم فأدركت ذكاته فَكُلْ)) في حلِّ ما صِيدَ بالكلب المعلَّم ولو لم يزكَّ، وتحريم ما صِيدَ بغير المعلَّم إذا لم يذك، ولأبي داود: وأفتني في قوسي، قال: ((كل ما ردَّت عليك قوسك ذكيًّا أو غير ذكي)) ، قال: وإن تغيَّب عنِّي؟ قال: ((وإن تغيَّب عنك ما لم يصل أو تجد فيه أثر غير سهمك)) .
قوله: ((يصل)) ؛ أي: ينتن، وقال ابن عباس في قوله - تعالى -: ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] ، قال: ((فما أدركته من هذا يتحرَّك له ذنَب أو تطرَّف له عين فاذبح واذكر اسم الله عليه فهو حلال)) ، والله أعلم.
* * *
الحديث الثاني
عن همام بن الحارث عن عدي بن حاتم قال: قلت: يا رسول الله، إني أرسل الكلاب المعلمة فيمسكن علي وأذكر اسم الله، فقال: ((إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله فَكُلْ ما أمسك عليك)) ، قلت: وإن قتلن؟ قال: ((وإن قتلن ما لم يشركها كلب ليس منها)) ، قلت له: فإني أرمي بالمعراض الصيد فأصيب، فقال: ((إذا رميت بالمعراض فخزق فَكُلْه، وإن أصابه بعرضه فلا تأكله)) ، وحديث الشعبي عن عدي نحوه، وفيه: ((إلا أن يأكل الكلب، فإن أكل فلا تأكل؛ فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه، وإن خالطها كلاب من غيرها فلا تأكل فإنما سميت على كلبك ولم تسمِّ على غيره)) ، وفيه ((إذا أرسلت كلبك المعلم فاذكر اسم الله،
стр. 371
فإن أمسك عليك فأدركته حيًّا فاذبحه، وإن أدركته قد قتل ولم يأكل منه فكله؛ فإن أخْذ الكلب ذكاته)) ، وفيه: ((إذا رميت بسهمك فاذكر اسم الله عليه)) ، وفيه: ((وإن غاب عنك يومًا أو يومين)) ، وفي رواية: ((اليومين والثلاثة فلم تجد فيه إلا أثر سهمك فَكُلْ إن شئت، وإن وجدته غريقًا في الماء فلا تأكل؛ فإنك لا تدري الماء قتله أم سهمك؟)) .
قوله: قلت: وإن قتلن؟ قال: ((وإن قتلن ما لم يشركها كلب ليس منها)) فيه أنه لا يحلُّ أكل ما شارَكَه في اصطياده كلب آخر؛ لقوله: ((فإنما سمَّيت على كلبك ولم تسمِّ على غيره)) فإن تحقَّق أن الذين أرسله من أهل الذكاة حلَّ، وهو للأوَّل منهما.
قوله: "فإني أرمي بالمعراض الصيد" المعراض سهمٌ لا ريش له ولا نصل، وقيل: عصا رأسها محدَّد، وقال ابن التين: المعراض عصا في طرفها حديدة يرمي الصائد بها، فما أصاب بحدِّه فهو ذكي فيُؤكَل، وما أصاب بغير حدِّه فهو وقيذ، وقال ابن عمر في المقتولة بالبندقة: تلك الموقوذة، البندقة تتَّخذ من طين وتيبس فيرمى بها، وأمَّا البنادق المعروفة الآن فحكمها حكم السهام.
قال الحافظ: والحاصل أن السهم وما في معناه إذا أصاب الصيد بحدِّه حل وكانت تلك ذكاته، وإذا أصابه بعرضه لم يحلَّ؛ لأنه في معنى الخشبة الثقيلة والحجر ونحو ذلك من المثقل.
قوله: ((فإن أكل فلا تأكل؛ فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه)) فيه تحريم الصيد الذي أكل الكلب منه ولو كان معلمًا، وهو قول الجمهور؛ لقوله - تعالى -: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤] ، واستدلَّ الجمهور بقوله: ((كل ما أمسك عليك)) بأنه لو أرسل كلبه على صيدٍ فاصطاد غيره حلَّ، قال بعض العلماء: يعفى عن معض الكلب ولو كان نجسًا.
قوله: ((فإنَّ أخذ الكلب ذكاته)) فيه جواز أكل ما أمسكه الكلب المعلم ولو لم يذبح، فلو قتل الصيد بظفره أو نابه حلَّ، وكذا لو لم يقتله الكلب، لكن تركه وبه رمق ولم يبقَ
стр. 372
زمن يمكن صاحبه فيه لحاق ذبحه فمات حلَّ؛ لعموم قوله: ((فإن أخْذَ الكلب ذكاته)) فإنه وجده حيًّا حياة مستقرَّة وأدرك ذكاته لم يحلَّ إلا بالتذكية؛ لقوله: ((فإن أمسك عليك فأدركته حيًّا فاذبحه)) .
قوله: ((وإن غاب عنك يومًا أو يومين فلم تجد فيه إلا أثر سهمك فَكُلْ إن شئت)) مفهومه أنه إن وجد فيه أثرًا غير سهمه لا يأكل، وللترمذي والنسائي: ((إذا وجدت سهمك فيه ولم تجد به أثر سبع وعلمت أن سهمك قتله فَكُلْ منه)) .
قوله: وفي رواية: ((اليومين والثلاثة)) وعند مسلم في حديث أبي ثعلبة: ((إذا رميت سهمك فغاب عنك فأدركته فَكُلْ ما لم ينتن)) ، واستدلَّ به على أن الرامي لو أخَّر طلب الصيد عقب الرمي إلى أن يجده أنه يحلُّ، وعن أبي حنيفة: إن أخر
ساعة فلم يطلب لم يحلَّ، وإن أتبعه عقب الرمي فوجده ميتًا حلَّ، وعن الشافعي: لا بُدَّ أن يتبعه.
قوله: ((وإن وجدته غريقًا في الماء فلا تأكل؛ فإنك لا تدري الماء قتله أم سهمك)) قال الحافظ: وقد صرَّح الرافعي بأن محلَّه لم ينته الصيد بتلك الجراحة إلى حركة المذبوح، فإن انتهى إليها بقطع الحلقوم مثلاً فقد تمَّت ذكاته، اهـ، والله أعلم.
* * *
الحديث الثالث
عن سالم بن عبد الله بن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((مَن اقتنى كلبًا إلا كلب صيد أو ماشية فإنه ينقص من أجره كل يوم قيراطان)) ، قال سالم: "وكان أبو هريرة ﵁ يقول: أو كلب حرثٍ، وكان صاحب حرثٍ".
قوله: "وكان صاحب حرث" أراد بذلك الإشارة إلى تثبيت رواية أبي هريرة، وأن سبب حفظه لهذه الزيادة أنه كان صاحب زرع، وعن السائب ابن يزيد: "أنه سمع سفيان بن أبي زهير رجلاً من أزدشنوءة، وكان من أصحاب النبي - صلى الله
стр. 373
عليه وسلم - قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((مَن اقتنى كلبًا لا يغني عنه زرعًا ولا ضرعًا نقص من عمله كل يوم قيراط)) ، قلت: أنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ ؟ قال: إي، ورب هذا المسجد"؛ رواه البخاري.
قال ابن عبد البر: في هذا الحديث إباحة اتخاذ الكلاب للصيد والماشية وكذلك الزرع، وكراهة اتخاذها لغير ذلك، إلاَّ أنه يدخل في معنى الصيد وغيره ممَّا ذكر اتِّخاذها لجلب المنافع ودفع المضار قياسًا، فتتمخَّض كراهة اتِّخاذها لغير حاجة؛ لما فيه من ترويع الناس، وامتناع دخول الملائكة للبيت الذي هو فيه.
قوله: ((فإنه ينقص من أجره كل يومٍ قيراطان)) وفي حديث أبي هريرة: ((فإنه ينقص من عمله كلَّ يومٍ قيراط)) قيل: المراد بالنقص أن الإثم الحاصل
باتِّخاذه يوازي قدر قيراط أو قيراطين من عمله، وقيل: نقصان القيراطين باعتبار كثرة الأضرار باتخاذها، ونقص القيراط باعتبار قلته، وقيل: يحتمل أن تكون العقوبة تقع بعدم التوفيق للعمل بمقدار قيراط ممَّا كان يعمله من الخير لو لم يتَّخذ الكلب، وقيل: يسبب النقصان امتناع الملائكة من دخول بيته، أو ما يلحق المارِّين من الأذى أو عقوبة لمخالفة النهي، أو لولوغها في الأواني عند غفلة صاحبها.
وفي الحديث دليلٌ على تكثير الأعمال الصالحة والتحذير من العمل بما ينقصها، وفيه بيان لطف الله - تعالى - بخلقه في إباحة ما لهم به نفع وتبليغ نبيهم ﷺ لهم أمور معاشهم ومعادهم، وفيه ترجيح المصلحة الراجحة على المفسدة لوقوع استثناء ما ينتفع به ممَّا حرم اتخاذه، والله أعلم.
* * *
الحديث الرابع
عن رافع بن خديج ﵁ قال: "كنَّا مع رسول الله ﷺ بذي الحُلَيفة من تهامة، فأصاب الناس جوع فأصابوا إبلاً وغنمًا، وكان النبي ﷺ في أخريات القوم فعجلوا
стр. 374
وذبحوا ونصبوا القدور فأمر النبي ﷺ بالقدور فأُكفِئت ثم قسم فعدل عشرة من الغنم ببعير، فندَّ منها بعير فطلبوه فأعياهم، وكان في القوم خيل يسيرة، فأهوى رجل منهم بسهم فحبسه الله، فقال: ((إن لهذه البهائم أوابد كأوابد الوحش فما ندَّ عليكم منها فاصنعوا به هكذا)) ، قال: قلت: يا رسول الله، إنا لاقو العدو غدًا وليس معنا مدًى، أفنذبح بالقصب؟ قال: ((ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوه، ليس السن والظفر، وسأحدثكم عن ذلك؛ أمَّا السن فعظم، وأمَّا الظفر فمُدَى الحبشة)) .
قوله: "فأمر النبي ﷺ بالقدور فأُكفِئت" عامَلَهم ﷺ من أجل استعجالهم بنقيض قصدهم عقوبةً وزجرًا لهم.
قوله: "ثم قسم فعدل عشرة من الغنم ببعير" هذه قسمة تعديل بالقيمة، ولا يخالف ذلك القاعدة في الأضاحي كما في حديث جابر عند مسلم: "أمرنا رسول الله ﷺ أن نشترك في الإبل والبقر كل سبعة منَّا في بدنة".
قوله: "فندَّ منها بعير"؛ أي: شرد وهرب نافرًا.
قوله: ((إن لهذه البهائم أوابد)) جمع آبدة، يُقال: أبدت؛ أي: نفرت.
قوله: ((فما ندَّ عليكم منها فاصنعوا به هكذا)) ، وللطبراني: ((فاصنعوا به ذلك وكلوه)) ، وفيه جواز أكل ما رُمِي بالسهم وجُرِح في أيِّ موضع كان من جسده، بشرط أن يكون وحشيًّا أو متوحشًا.
قال البخاري: وقال ابن عباس: ما أعجزك من البهائم ممَّا في يديك فهو كالصيد، وفي بعير تردَّى في بئرٍ من حيث قدرت عليه فذكِّه، ورأى ذلك عليٌّ وابن عمر عائشة، اهـ.
قال الحافظ: وقد نقله ابن المنذر وغيره
стр. 375
عن الجمهور.
قوله: "إنا لاقو العدو غدًا وليس معنا مدًى" جمع مدية وهي السكين، قيل: مراده أنهم يحتاجون إلى ذبح ما يأكلونه ليتَّقوا به على العدو إذا لقوه، فسأل عن الذي يجزئ في الذبح، وفيه إشارة إلى أن الذبح بالحديد كان متقررًا عندهم جوازه.
قوله: ((ما أنهر الدم)) ؛ أي: أساله وصبَّه بكثرة، ((وذكر اسم الله عليه فكلوه)) ، وللطبراني من حديث حذيفة رفعه: ((اذبحوا بكلِّ شيء فرى الأوداج، ما خلا السن والظفر)) وفيه اشتراط التسمية؛ لأنه علَّق الإذن بمجموع الأمرين وهما الإنهار والتسمية، فمَن تركها متعمِّدًا حرمت ذبيحته.
قال البخاري: وقال ابن عباس: مَن نسي فلا بأس، وقال - تعالى -: ﴿وَلاَ تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١] ، والناسي لا يسمَّى فاسقًا.
قوله: ((أمَّا السن فعظم)) ؛ أي: وكل عظم لا يحلُّ الذبح به.
قوله: ((وأمَّا الظفر فمُدَى الحبشة)) ؛ أي: وهم كفار، وقد نُهِيتم عن التشبُّه بهم، وقد قالوا: إن الحبشة تُدمِي مذابح الشاة بالظفر حتى تزهق نفسها خنقًا.
وفي الحديث من الفوائد أن للإمام عقوبة الرعية بما فيه إتلاف منفعة ونحوها إذا غلبت المصلحة الشرعية، وأن قسمة الغنيمة يجوز فيها التعديل والتقويم، ولا يشترط قسمة كلِّ شيء منها على حِدَة، وأن ما توحَّش من المستأنس يُعطَى حكم الوحشي وبالعكس، وجواز الذبح بما يحصل به المقصود سواء كان حديدًا أو حجرًا أو قصبًا أو خشبًا أو غيره، إلا السن والظفر، وفيه جواز عقر الحيوان النادِّ لِمَن عجز عن ذبحه؛ كالصيد البري والمتوحِّش من الإنسي ويكون جميع أجزائه مذبحًا فإذا أصيب فمات من الإصابة حلَّ، أمَّا المقدور عليه فلا يُباح إلا بالذبح أو النحر إجماعًا، وفيه التنبيه على أن تحريم الميتة لبقاء دمها فيها، قال ابن المنذر: أجمع العلماء على أنه إذا قطع الحلقوم والمريء والودجين وأسال الدم حصلت الذكاة وفيه منع الذبح بالسن والظفر متَّصلاً كان أو منفصلاً طاهرًا أو متنجسًا.
* * *
стр. 376
باب الأضاحي
الحديث الأول
عن أنس بن مالك ﵁ قال: "ضحى النبي ﷺ بكبشَين أملحَين أقرنَين ذبحهما بيده وسمى وكبر ووضع رجله على صفاحهما"، قال ﵀: الأملح الأغبر وهو الذي فيه سواد وبياض.
الأصل في مشروعية الأضحية الكتاب والسنة والإجماع؛ قال الله : ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢] قال بعض المفسِّرين: المراد به الأضحية بعد صلاة العيد.
وروى الترمذي: أن رجلاً سأل ابن عمر عن الأضحية فقال: "ضحَّى رسول الله ﷺ والمسلمون بعده"، وقال البخاري: وقال ابن عمر: هي سنَّة ومعروف، وعن ابن عباس ﵄ قال: "ما أنفقت الورق في شيء أفضل من نحرة في يوم عيد"؛ رواه الدارقطني.
قوله: "ضحَّى النبي ﷺ بكبشَين أملحَين أقرنَين" قال البخاري: ويُذكَر: سمينَين.
وقال يحيى بن سعيد: سمعت أبا أمامة قال: كنَّا نسمِّن الأضحية بالمدينة، وكان المسلمون يسمنون، اهـ.
(الكبش) : فحل الضأن في أيِّ سن كان، وابتداؤه إذا أثنى، وعن أبي سلمة عن عائشة أو عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ كان إذا أراد أن يضحي اشترى كبشَين عظيمَين سمينَين أقرنَين أملحَين موجوءَين، فذبح أحدهما عن محمد وآل محمد، والآخر عن أمَّته مَن شهد لله بالتوحيد وله بالبلاغ"؛ أخرجه عبد الرزاق؛ والوجاء: الخصاء، وفيه استحباب التضحية بالأقرن، وأنه أفضل من الأجمِّ مع الاتِّفاق على جواز التضحية بالأجمِّ، وفيه أن الذكر في الأضحية أفضل من الأنثى.
стр. 377
قال الماوردي: إن اجتمع حسن المنظر مع طيب المخبر في اللحم فهو أفضل، وإن انفردا فطيب المخبر أَوْلَى من حسن المنظر.
قوله: "ذبحهما بيده" فيه استحباب مباشرة المضحِّي الذبح بنفسه، وعن عائشة ﵂: أن النبي ﷺ أمر بكبش أقرن يطأ في سواد وينظر في سواد ويبرك في سواد، فأضجعه ثم ذبحه، ثم قال: ((بسم الله، اللهم تقبَّل من محمد وآل محمد ومن أمَّة محمد)) ، ثم ضحَّى؛ أخرجه مسلم.
قوله: "وسمى وكبَّر ووضع رجله على صفاحهما"، وفي رواية: "فرأيته واضعًا قدمه على صفاحهما يسمِّي ويكبر فذبحهما بيده".
وفيه استحباب التكبير مع التسمية، واستحباب وضع الرجل على صفحة عنق الأضحية الأيمن، واتَّفقوا على أن إضجاعها يكون على الجانب الأيسر، فيضع رجله على الجانب الأيمن ليكون أسهل على الذابح في أخذ السكين باليمين وإمساك رأسها بيده اليسار.
وعن جابر ﵁ قال: "ضحَّى رسول الله ﷺ يوم عيد بكبشَين، فقال حين وجههما: ((وجَّهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفًا وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أُمِرت وأنا أوَّل المسلمين، اللهم منك ولك عن محمد وأمَّته)) ؛ رواه ابن ماجه، وبالله التوفيق.
* * *
стр. 378
كتاب الأشربة
الحديث الأول
عن عبد الله بن عباس ﵄: "أن عمر قال على منبر رسول الله ﷺ : "أمَّا بعد، أيها الناس، إنه نزل تحريم الخمر وهي من خمسة: من العنب، والتمر، والعسل، والحنطة، والشعير؛ والخمر ما خامر العقل، ثلاث وددت أن رسول الله ﷺ كان عهد إلينا فيهن عهدًا ننتهي إليه: الجد، والكلالة، وأبواب من أبواب الربا".
قوله: "نزل تحريم الخمر وهي من خمسة"؛ أي: نزل تحريم الخمر في حال كونها تصنع من خمسة، ولمسلم: "ألا وإن الخمر نزل تحريمها وهي من خمسة أشياء"، وأراد عمر بنزول تحريم الخمر قوله - تعالى -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالْأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩٠- ٩١] ، فأراد عمر التنبيه على أن الخمر في هذه الآية ليس خاصًّا بالمتَّخذ من العنب، بل يتناول المتخذ من غيرها، وقد روى أصحاب السنن عن النعمان بن بشير قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن الخمر من العصير والزبيب والتمر والحنطة والشعير والذرة، وإني أنهاكم عن كل مسكر)) ؛ لفظ أبي داود.
стр. 379
قوله: "والخمر ما خامَر العقل"؛ أي: غطاه أو خالطه فلم يتركه على حاله، والعقل هو آلة التمييز، قيل: سميت الخمر لأنها تركت حتى اختمرت، واختمارها تغير رائحتها.
قوله: "ثلاث وددت أن رسول الله ﷺ كان عهد إلينا فيهن عهدًا ننتهي إليه"؛ أي: نصًّا؛ لأن الاجتهاد يخطئ ويصيب.
قوله: "الجد"؛ يعني: قدر ما يرث؛ لأن الصحابة اختلفوا في ذلك اختلافًا كثيرًا، وقضى فيه عمر بقضايا مختلفة، قال البخاري: وقال أبو بكر وابن عباس وابن الزبير: الجد أبٌ، وقرأ ابن عباس: "يا بني آدم - واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب"، ولم يذكر أن أحدًا خالَف أبا بكر في زمانه، وأصحاب النبي ﷺ متوافرون.
قوله: "والكلالة" أخرج أبو داود في "المراسيل" عن أبي سلمة بن عبد الرحمن: جاء رجل فقال: يا رسول الله، ما الكلالة؟ قال: ((مَن لم يترك ولدًا ولا والدًا فورثته كلالته)) ، قال ابن دقيق العيد: الكلالة مَن لا أب له ولا ولد عند الجمهور.
قوله: "وأبواب من أبواب الربا" قال الحافظ: لعله يشير إلى ربا الفضل؛ لأن ربا النسيئة متفق عليه بين الصحابة، وسياق عمر يدلُّ على أنه كان عنده نصٌّ في بعض من أبواب الربا دون بعض، فلهذا تمنَّى معرفة البقية.
وفي الحديث من الفوائد أيضًا ذكر الأحكام على المنبر لتشتهر بين السامعين، والتنبيه على شرف العقل وفضله، وتمنِّي الخير، والله أعلم.
* * *
الحديث الثاني
عن عائشة ﵂: أن النبي ﷺ سُئِل عن البتع فقال: ((كلُّ شراب أسكر فهو حرام)) .
قال ﵁: "البتع": نبيذ العسل.
قوله: ((كل شراب أسكر فهو حرام)) ؛ أي: قليله وكثيره، وقدر روى أبو داود والنسائي عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما أسكر كثيرُه فقليلُه
стр. 380
حرام)) ، ولأبي داود من حديث عائشة مرفوعًا: ((كل مسكر حرام، وما أسكر منه الفرق فملء الكف منه حرام)) ، ولمسلم عن أبي موسى: أن النبي ﷺ بعثه إلى اليمن، فقلت: يا رسول الله، أفتنا في شرابين كنَّا نصنعهما باليمن، البتع: من
العسل ينبذ حتى يشتد، والمزر من الشعير، والذرة ينبذ حتى يشتد، قال: وكان ﷺ أعطى جوامع الكلم وخواتمه، فقال: ((أنهي عن كل مسكر)) .
وفي الحديث أن المفتي يجيب السائل بزيادة عمَّا سأل عنه إذا كان ذلك مما يحتاج إليه السائل، وفيه تحريم كلِّ مسكر سواء كان متخذًا من عصير العنب أو من غيره، قال عبد الله بن المبارك: لا يصحُّ في حلِّ النبيذ الذي يسكر كثيره عن الصحابة شيء، وقال أحمد: حدثنا عبد الله بن إدريس، سمعت المختار بن فلفل يقول: سألت أنسًا فقال: "نهى رسول الله ﷺ عن المُزَفَّت، وقال: ((كلُّ مسكر حرام)) ، قال: فقلت له صدقت، المسكر حرام، فالشربة والشربتان على الطعام؟ فقال: ((ما أسكر كثيره فقليله حرام)) .
قال الحافظ: واستدلَّ بإطلاق قوله: ((كل مسكر حرام)) على تحريم ما يسكر ولو لم يكن شرابًا، فيدخل في ذلك الحشيشة وغيرها، وقد جزم النووي وغيره بأنها مسكرة، وجزم آخرون بأنها مخدِّرة، وهو مكابرة؛ لأنها تحدث بالمشاهدة ما يحدث الخمر من الطرب والنشوة والمداومة عليها والانهماك فيها، وعلى تقدير أنها ليست بمسكرة فقد ثبت في أبي داود النهي عن كل مسكر ومفتِّر، والله أعلم.
* * *
الحديث الثالث
عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: بلغ عمر أن فلانًا باع خمرًا فقال: قاتل الله فلانًا، ألم يعلم أن رسول الله ﷺ قال: ((قاتل الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها)) .
стр. 381
قوله: "قاتل الله فلانًا"، ولمسلم: أن سمرة باع خمرًا، فقال: قاتل الله سمرة، قيل: أخذها من أهل الكتاب عن قيمة الجزية، فباعها منهم معتقدًا جواز ذلك، قال الحافظ: يحتمل أن يكون حصلت له عن غنيمة أو غيرها، انتهى.
وقيل: إن سمرة علم تحريم الخمر ولم يعلم تحريم بيعها، ولذلك اقتصر على ذمِّه دون عقوبته، وهذا هو الظن به، ووجه تشبيه عمر بيع المسلمين الخمر بيع اليهود المذاب من الشحم الاشتراك في النهي عن تناول كل منهما.
وفي الحديث إقالة ذوي الهيئات زلاتهم؛ لأن عمر اكتفى بتلك الكلمة عن مزيد عقوبته، وفيه إبطال الحِيَل والوسائل إلى الحرام، وقد نقل ابن المنذر وغيره في ذلك الإجماع، وفيه أن الشيء إذا حرم عينه حرم ثمنه، وفيه دليل على أن بيع المسلم الخمر من الذمي لا يجوز، وفيه استعمال القياس في الأشياء والنظائر، والله أعلم.
* * *
стр. 382
كتاب اللباس
الحديث الأول
عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تلبسوا الحرير فإنه مَن لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة)) .
اللباس من النعم التي أنعم الله بها على عباده، قال الله - تعالى -: ﴿يَا بَنِي آَدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦] ، وقال : ﴿يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ * قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف: ٣١- ٣٢] .
وقال النبي ﷺ : ((كلوا واشربوا والبسوا وتصدقوا في غير إسراف ولا مخيلة)) ؛ رواه البخاري تعليقًا.
قوله: ((لا تلبسوا الحرير)) ؛ يعني: الرجال دون النساء؛ لما روى أحمد والنسائي وصححه الترمذي عن أبي موسى، أن النبي ﷺ قال: ((أحل الذهب والحرير للإناث من أمتي، وحرم على ذكورها)) .
قوله: ((فإن مَن لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة)) وفي حديث أنس: ((من لبس الحرير في الدنيا فلن يلبسه في الآخرة)) ، وللنسائي قال ابن الزبير: "مَن لم يلبس الحرير في الآخرة لم يدخل الجنة"، قال الله - تعالى -: ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [الحج: ٢٣] ، وأخرج أحمد والنسائي عن أبي سعيد رفعه: ((مَن لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة)) ، وزاد: ((وإن دخل الجنة لبسه أهل الجنة ولم يلبسه هو)) .
قال الحافظ: وأعدل الأقوال أن الفعل المذكور مقتضٍ للعقوبة المذكورة، وقد يتخلَّف ذلك لمانعٍ كالتوبة والحسنة التي توازن
стр. 383
والمصائب التي تكفر، وكدعاء
الولد بشرائط، وكذا شفاعة مَن يؤذن له في الشفاعة، وأعم من ذلك كله عفو أرحم الراحمين.
قوله: ((لا تلبسوا الحرير)) يعمُّ النهي لبسه وافتراشه، قال البخاري: وقال عبيدة: هو كلبسه، وعن حذيفة قال: "نهانا النبي ﷺ أن نشرب في آنية الذهب والفضة وأن نأكل فيها، وعن لبس الحرير والديباج وأن نجلس عليه"؛ رواه البخاري.
* * *
الحديث الثاني
عن حذيفة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لا تلبسوا الحرير ولا الديباج، ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة ولا تأكلوا في صحافها؛ فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة)) .
فيه تحريم لبس الحرير من الديباج وغيره على الذكور، وفيه تحريم الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة على كلِّ مكلف رجلاً كان أو امرأة، ولا يلتحق ذلك بالحلي للنساء؛ لأنه ليس من التزين الذي أبيح لهنَّ في شيء.
قال القرطبي وغيره: فيه تحريم استعمال أواني الذهب والفضة في الأكل والشرب، ويلحق بهما ما في معناهما؛ مثل التطيُّب والتكحُّل وسائر وجوه الاستعمالات، وبهذا قال الجمهور.
قوله: ((فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة)) ؛ أي: الكفار يستعملونها في الدنيا، ((وهي لكم في الآخرة)) مكافأة لكم على تركها في الدنيا ويمنعها مَن يستعملها في الدنيا جزاء لهم على معصيتهم.
* * *
الحديث الثالث
عن البراء بن عازب ﵁ قال: "ما رأيت من ذي لِمَّةٍ في
стр. 384
حُلَّة حمراء أحسن من رسول الله ﷺ له شعر يضرب إلى منكبيه بعيد ما بين المنكبين، ليس بالقصير ولا بالطويل".
كان رسول الله ﷺ أحسن الناس خَلقًا وخُلُقًا، وكان ربعة من القوم ليس بالطويل ولا بالقصير، أزهر اللون ليس بأبيض أمهق ولا آدم، له شعر يضرب إلى منكبيه ليس بجعد قَطَطٍ ولا سَبْطٍ، أُنزِل عليه وهو ابن أربعين سنة، فلبث بمكة ثلاث عشرة سنة ينزل عليه وبالمدينة عشر سنين، وقُبِض وليس في رأسه عشرون شعرة بيضاء، قال ربيعة: فرأيت شعرًا من شعره فإذا هو أحمر فسألت فقيل: أحمر من الطيب، وكان وجهه مثل القمر، وكان ﷺ أحسن الناس وأجود الناس وأشجع الناس وأصدق الناس، ولم يكن بخيلاً ولا جبانًا ولا كذوبًا ولا فاحشًا ولا متفحشًا، وكان أشدَّ حياء من العذراء في خدرها، ولم يكن يسرد الحديث سردًا، كان يحدث حديثًا لو عدَّه العادُّ لأحصاه، وكانت تنام عيناه ولا ينام قلبه، يقول ناعته: لم أرَ قبله ولا بعده مثله ﷺ ؛ قال الله - تعالى -: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] .
قوله: "من ذي لِمَّة"؛ أي: صاحب لِمَّة، قال في "الصحاح": الوفرة: الشعر إلى شحمة الأذن، ثم الجمة، ثم اللمة: وهي التي ألَمَّت بالمنكبين.
قوله: "بعيد ما بين المنكبين"؛ أي: عريض أعلى الظهر، ولابن سعد عن أبي هريرة "رحب الصدر"، وعن ابن عباس قال: "كان رسول الله ﷺ جميل دوائر الوجه، قد ملأت لحيته من هذه إلى هذه حتى كادت تملأ نحره".
قوله: "في حلة حمراء" (الحلة) : إزار ورداء، وفي رواية: "كان النبي ﷺ مربوعًا، وقد رأيته في حلة حمراء ما رأيت شيئًا أحسن منه".
وفي الحديث جواز لبس الثوب الأحمر، قال الطبري: الذي أراه جواز لبس الثياب المصبغة بكلِّ لون، إلا أني لا أحب ما كان مشبعًا بالحمرة، ولا لبس الأحمر مطلقًا ظاهرًا فوق الثياب؛ لكونه ليس من ملابس أهل المروءة في زماننا،
فإن مراعاة زيِّ الزمان من المروءة ما لم يكن إثمًا، وفي مخالفة الزي ضربٌ من الشهرة.
стр. 385
وقال ابن القيم: كان بعض العلماء يلبس ثوبًا مشبعًا بالحمرة يزعم أنه يتبع السنة وهو غلط؛ فإن الحلة الحمراء من برد اليمن، والبرد لا يصنع أحمر صرفًا، اهـ، والله أعلم.
* * *
الحديث الرابع
عن البراء بن عازب ﵁ قال: "أمَرَنا رسول الله ﷺ بسبعٍ ونهانا عن سبعٍ: أمرنا بعيادة المريض، واتباع الجنازة، وتشميت العاطس، وإبرار القسم أو المقسم، ونصر المظلوم، وإجابة الداعي، وإفشاء السلام، ونهانا عن خواتم - أو عن التختم - بالذهب، وعن الشرب بالفضة، وعن المياثر، وعن القسي، وعن لبس الحرير، والإستبرق، والديباج".
قوله: "أمرنا رسول الله ﷺ بسبع"؛ أي: سبع خصال، وهي من حقوق المسلمين بعضهم على بعض.
قوله: "وإبرار القسم أو المقسم" شك من الراوي وهو فعل ما أراده الجالف ليصير بذلك بارًّا.
قوله: "ونهانا عن سبع"؛ أي: خصال.
قوله: "وعن المياثر"؛ أي: الحمر، "المياثر": جمع مِيثَرة، قال الطبري: المِيثَرة وطاء يوضع على الفرس أو رحل البعير، كانت النساء تصنعه لأزواجهن من الأرجوان الأحمر ومن الديباج، وكانت مراكب العجم.
قال ابن بطال: كلام الطبري يقتضي التسوية في المنع من الركوب عليه سواء كانت من حرير أم من غيره، فكان النهي عنها إذا لم يكن حريرًا للتشبُّه أو للسرف أو التزيُّن، وبحسب ذلك تفصيل الكراهة بين التحريم والتنزيه.
قوله: "وعن القَسِّيِّ" نسبة إلى بلد يقال لها: القس، قال البخاري: وقال عاصم، عن أبي بردة: "قلت لعليٍّ: ما القسية؟ قال: ثياب أتتنا من الشام أو من مصر مضلعة فيها حرير وفيها أمثال الأترج".
واستدلَّ بالنهي عن
стр. 386
لبس القسي على منع لبس ما خالطه الحرير من الثياب، وذهب الجمهور إلى جواز لبس ما خالطه الحرير إذا كان غير الحرير الأغلب؛ لحديث ابن عباس: "إنما نهى رسول الله ﷺ عن الثوب المصمت من الحرير، فأمَّا العلم من الحرير وسدى الثوب فلا بأس به"؛ أخرجه الطبراني، وأصله عند أبي داود.
قوله: "وعن لبس الحرير والإستبرق والديباج" الديباج والإستبرق صنفان نفيسان من الحرير، وعطفه على الحرير من عطف الخاص على العام، والله اعلم.
* * *
الحديث الخامس
عن ابن عمر ﵄: "أن رسول الله ﷺ اصطنع خاتمًا من ذهب فكان يجعل فصَّة في باطن كفِّه إذا لبسه، فصنع الناس مثل ذلك، ثم إنه جلس على المنبر فنزعه فقال: ((إني كنت ألبس هذا الخاتم وأجعل فصه من داخل)) ، فرمى به ثم قال: ((والله لا ألبسه أبدًا)) ، فنبذ الناس خواتيمهم"، وفي لفظ: "جعله في يده اليمنى".
قال ابن بطال: ليس في كون فص الخاتم في بطن الكف ولا ظهرها أمر ولا نهي.
قوله: "وفي لفظ: جعله في يده اليمنى"، ولمسلم عن أنس: "أن النبي ﷺ لبس خاتمًا من فضة في يمينه فصه حبشي"، وعنه: "أن النبي ﷺ كان خاتمه من فضة وكان فصه منه"؛ رواه البخاري، وهذا لا يعارض ما قبله فإنه يحمل على التعدُّد، ويحتمل أن يكون فصه من فضة، ونسبته إلى الحبشة لصياغته أو نقشه، واختلفوا
هل الأَوْلَى التختُّم في اليمين أو اليسار، والراجح التختُّم في اليمين؛ ليُصَان الخاتم عن الاستنجاء ونحوه.
* * *
стр. 387
الحديث السادس
عن عمر بن الخطاب ﵁: "أن رسول الله ﷺ نهى عن لبس الحرير إلا هكذا، ورفع لنا رسول الله ﷺ أصبعيه: السبابة، والوسطى".
ولمسلم: "نهى رسول الله ﷺ عن لبس الحرير، إلا موضع أصبعين أو ثلاثٍ أو أربعٍ".
قوله: "نهى عن لبس الحرير إلا هكذا"؛ يعني: الأعلام جمع علم: وهو ما يكون في الثوب من تطريف وتطريز ونحوهما.
قوله: "إلا موضع أصبعين أو ثلاث أو أربع" (أو) هنا للتنويع والتخيير، لا للشك، وللنسائي: "لم يرخص في الديباج إلا في موضع أربعة أصابع"، واستدلَّ به على جواز لبس الثوب الذي يخالطه من الحرير مقدار العلم سواء كان مجموعًا أو مفرقًا إذا كان مجموع الحرير فيه قدر أربع أصابع لو كانت منفردة.
وعن أسماء بنت أبي بكر ﵄: "أنها أخرجت جبة رسول الله ﷺ مكفوفة الجيب والكمين والفرجين بالديباج"؛ رواه أبو داود وأصله في مسلم.
وعن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : ((مَن لبس ثوب شهرة في الدنيا ألبسه الله ثوب مذلَّة يوم القيامة)) ؛ رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه، والله أعلم.
* * *
стр. 388
كتاب الجهاد
الحديث الأول
عن عبد الله بن أبي أوفى ﵁: أن رسول الله ﷺ في بعض أيامه التي لقي فيها العدو انتظر حتى مالت الشمس قام فيهم فقال: ((يا أيها الناس، لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف)) ، ثم قال النبي ﷺ : ((اللهم منزل الكتاب ومجري السحاب وهازم الأحزاب اهزمهم وانصرنا عليهم)) .
الجهاد فرض كفاية، إذا قام به قوم سقط عن الباقين، وهو بذل الجهد في قتال الكفار، ويطلق على مجاهدة النفس والشيطان والفسَّاق، قال أحمد: لا أعلم شيئًا من العمل بعد الفرائض أفضل من الجهاد.
وأصل الجهاد في اللغة: المشقَّة، وقد قال الله - تعالى -: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١١١] .
قوله: "انتظر حتى مالت الشمس" في حديث النعمان بن مقرن عند البخاري: "وكان رسول الله ﷺ إذا لم يقاتل أوَّل النهار انتظر حتى تهبّ الأرواح وتحضر الصلاة"، ولأبي داود: "وينزل النصر".
قوله: ((لا تتمنوا لقاء
стр. 389
العدو، واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا)) قال ابن بطال: حكمة النهي أن المرء لا يعلم ما يؤول إليه الأمر، وهو نظير سؤال العافية من الفتن، وقد قال الصديق: لأن أُعافَى فأشكر أحبُّ إليَّ من أن أُبتَلي فأصبر، اهـ.
وكان عليٌّ يقول: "لا تدع إلى المبارزة فإذا دعيت فأجب تنصر، لأن الداعي باغٍ".
قوله: ((واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف)) قال القرطبي: هو من الكلام النفيس الجامع الموجز المشتمِل على ضروب من البلاغة مع الوجازة وعذوبة اللفظ، فإنه أفاد الحض على الجهاد، والإخبار بالثواب عليه، والحض على مقاربة العدوِّ واستعمال السيوف، والاجتماع حين الزحف حتى تصير السيوف تظل المتقاتلين.
قوله: ((اللهم منزل الكتاب ومجري السحاب وهازم الأحزاب، اهزمهم وانصرنا عليهم)) قال الحافظ: فيه التنبيه على عظم هذه النعم الثلاث؛ فإن بإنزال الكتاب حصلت النعمة الأخروية وهي الإسلام، وبإجراء السحاب حصلت النعمة الدنيوية وهي الرزق، وبهزيمة الأحزاب حصل حفظ النعم وكأنه قال: اللهم كما أنعمت بعظيم النعمتين الأخروية والدنيوية وحفظتهما فأبقهما.
وفي الحديث استحباب الدعاء عند اللقاء والاستنصار ووصية المقاتلين بما فيه صلاح أمرهم، وتعليمهم بما يحتاجون إليه، وسؤال الله - تعالى - بصفاته الحسنى وبنعمه السالفة، ومراعاة نشاط النفوس لفعل الطاعة والحث على سلوك الأدب، وغير ذلك، اهـ، والله أعلم.
* * *
الحديث الثاني
عن سهل بن سعد ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: ((رباط يومٍ في سبيل الله خيرٌ من الدنيا وما عليها، وموضع سوط أحدكم في الجنة خيرٌ من الدنيا وما عليها، والروحة يروحها العبد في سبيل الله أو الغدوة خير من الدنيا وما عليها)) .
стр. 390
(الرباط) : ملازمة المكان الذي بين المسلمين والكفار لحراسة المسلمين منهم؛ قال الله - تعالى -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ٢٠٠] ، قال قتادة: (اصبروا) على طاعة الله، (وصابروا) لانتظار الوعد، (ورابطوا) العدو (واتقوا الله) فيما بينكم.
قوله: ((وموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما عليها، والروحة يروحها العبد في سبيل الله أو الغدوة خيرٌ من الدنيا وما عليها)) ((الغدوة)) : الخروج أول النهار، ((والروحة)) : الخروج آخره.
وروى ابن المبارك عن مرسل الحسن قال: بعث رسول الله ﷺ جيشًا فيهم عبد الله بن رواحة فتأخَّر ليشهد الصلاة مع النبي ﷺ فقال له النبي ﷺ : ((والذي نفسي بيده لو أنفقت ما في الأرض ما أدركت فضل غدوتهم)) ، قال الحافظ: والحاصل أن المراد تسهيل أمر الدنيا وتعظيم أمر الجهاد، وأن مَن حصل له من الجنة قدر سوط يصير كأنه حصل له أمر عظيم من جميع ما في الدنيا، فكيف بِمَن حصل منها أعلى الدرجات، والنكتة في ذلك أن سبب التأخير عن الجهاد الميل إل سبب من أسباب الدنيا فنبَّه هذا المتأخِّر أن هذا القدر اليسير من الجنة أفضل من جميع ما في الدنيا، اهـ، والله أعلم.
* * *
الحديث الثالث
عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((انتدب الله - ولمسلم: تضمَّن الله - لِمَن خرج في سبيله لا يخرجه إلا الجهاد في سبيلي وإيمان بي وتصديق برسلي فهو عليَّ ضامن أن أدخله الجنة أو أرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه، نائلاً ما نال من أجرٍ أو غنيمة، ومثل المجاهد في سبيل الله - والله أعلم بِمَن يجاهد
следующие страницы →