Полный текст (406 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
أي: أو القضايا يوم القيامة القضاء في الدماء التي وقعت بين الناس في الدنيا وعند النسائي: ((أوَّل ما يُحاسَب عليه العبد صلاته، وأوَّل ما يُقضَى بين الناس في الدماء)) ، وفي الحديث الصدر الطويل عن أبي هريرة رفعه: ((أوَّل ما يُقضَى بين الناس في الدماء، ويأتي كلُّ قتيل قد حمل رأسه فيقول: يا ربِّ، سَلْ هذا فيمَ قتلني؟)) الحديث.
قال الحافظ: وفي الحديث عظم أمر الدماء، فإن البداءة إنما تكون بالأهمِّ، والذنب يعظم بحسب عظم المفسدة وتفويت المصلحة، وإعدام البنية الإنسانية غاية في ذلك، انتهى، والله المستعان.
* * *
الحديث الثالث
عن سهيل بن أبي حثمة ﵁ قال: "انطلق عبد الله بن سهل ومحيصة بن مسعودٍ إلى خيبر وهي يومئذ صلح فتفرَّقَا، فأتى محيصة إلى عبد الله بن سهل وهو يتشحَّط في دمه قتيلاً، فدفنه ثم قدم المدينة، فانطلق عبد الرحمن بن سهل ومحيصة وحويصة ابنا مسعودٍ إلى النبي ﷺ فذهب عبد الرحمن يتكلَّم فقال ﷺ : ((كبِّر كبِّر)) ، وهو أحدث القوم فسكت فتكلَّما، فقال: ((أتحلفون وتستحقون دم قاتلكم أو صاحبكم؟)) ، قالوا: وكيف نحلف ولم نشهد ولم نرَ؟ قال: ((فتبرئكم يهود يخمسين يمينًا؟)) ، قالوا: وكيف نأخذ بأيمان قومٍ كفار، فعقله النبي ﷺ من عنده.
стр. 317
وفي حديث حماد بن زيد: "فقال رسول الله ﷺ : ((يقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع برمَّته)) ، قالوا: أمر نشهده كيف نحلف؟ قال: ((فتبرئكم يهود بأيمان خمسين منهم؟)) ، قالوا: يا رسول الله، قوم كفار".
وفي حديث سعد بن عبيد: "فكره رسول الله ﷺ أن يبطل دمه فوَدَاه بمائةٍ من إبل الصدقة".
هذا الحديث أصلٌ في مشروعية القسامة؛ وهي: الأيمان المكرَّرة في دعوى القتل عند وجود اللوث، وهو ما يغلب على الظن صحَّة الدعوى به.
قال الزهري: قال لي عمر بن عبد العزيز: إني أريد أن أدع القسامة يأتي رجل من أرض كذا وآخر من أرض كذا فيحلفون على ما لا يرون، فقلت: إنك إن تتركها يوشك أن الرجل يقتل عند بابك فيبطل دمه، وإن للناس في القسامة لحياة.
قال القاضي عياض: هذا الحديث أصلٌ من أصول الشرع، وقاعدة من قواعد الأحكام، وركن من أركان مصالح العباد، انتهى.
وقال أبو الزناد عن خارجة: "قتلنا بالقسامة والصحابة متوافرون، إني لأرى أنهم ألف رجل فما اختلف منهم اثنان"؛ أخرجه سعيد بن منصور والبيهقي.
وقال القرطبي: الأصل في الدعاوى أن اليمين على المدَّعَى عليه، وحكم القسامة أصلٌ بنفسه لتعذُّر إقامة البيِّنة على القتل فيها غالبًا، فإن القاصد للقتل يقصد الخلوة، ويترصَّد للغفلة، وتأيَّدت بذلك الرواية الصحيحة المتَّفَق عليها وبقي ما عدا القسامة على الأصل.
قوله: ((يُقسِم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع برمته)) (الرمة) : حبل يكون في عنق الأسير، وهذا اللفظ يُستَعمل في دفع القاتل للأولياء للقتل.
وروى النسائي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن ابن محيصة الأصغر أصبح قتيلاً على أبواب خيبر، فقال رسول الله ﷺ : ((أَقِم شاهدين على مَن قتله أدفعه إليكم برمَّته)) ، فقال: يا رسول الله، ومن أين أُصِيب شاهدين
стр. 318
وإنما أصبح قتيلاً على أبوابهم؟ قال: فتحلف خمسين قسامة؟ فقال: يا رسول الله، فيكف أحلف على ما لم أعلم؟ فقال رسول الله ﷺ : ((فاستحلف منهم خمسين قسامة)) ، فقال: يا رسول الله، كيف نستحلفهم وهم يهود؟ فقسم رسول الله ﷺ ديَتَه عليهم، وأعانهم بنصفها.
قال الشافعي: لا يجب الحق حتى يحلف الورثة خمسين يمينًا سواء قلُّوا أم كثروا، فلو كانوا بعدد الأيمان حلف كل واحد منهم يمينًا، وإن كانوا أقلَّ أو نكل بعضهم رُدَّت الأيمان على الباقين، فإن لم يكن إلا واحدًا حلف خمسين يمينًا واستحقَّ.
وقال مالك: إن كان ولي الدم واحدًا ضمَّ إليه آخر من العصبة، ولا يُستَعان بغيرهم، قال في "الفروع": ولا قسامة على أكثر من واحد، نصَّ عليه، فإن النبي ﷺ قال: ((فتستحقون دم صاحبكم)) وعنه: بلى في غير هذه دم وتجب الدية، انتهى.
وعن الشعبي: "أن قتيلاً وُجِد بين وادعة وشاكر فأمرهم عمر بن الخطاب أن يقيسوا ما بينهما، فوجدوه إلى وادعة أقرب، فأحلفهم عمر خمسين يمينًا كل رجل: ما قتلته ولا علمت قاتله، ثم أغرمهم الديَة، فقالوا: يا أمير المؤمنين، لا أيماننا دفعت عن أموالنا، ولا أموالنا دفعت عن أيماننا، فقال عمر: كذلك الحق"؛ أخرجه عبد الرزاق وابن أبي شيبة والبيهقي.
قال الحافظ: وفي الحديث أن الحلف في القسامة لا يكون إلا مع الجزم بالقاتل، والطريق إلى ذلك المشاهدة أو إخبار مَن يُوثَق به مع القرينة الدالَّة على ذلك، وفيه الاكتفاء بالمكاتبة وبخبر الواحد مع إمكان المشافهة، انتهى.
قال في "الاختيارات": نقل الميموني عن الإمام أحمد أنه قال: اذهب إلى القسامة إذا كان ثَمَّ لطخ، وإذا كان ثَمَّ سبب بيِّن، وإذا كان ثَمَّ عداوة، وإذا كان مثل المدَّعَى عليه بفعل هذا، وهذا هو الصواب، فإذا كان ثم لوث يغلب على الظن أنه قتل مَن اتهم بقتله جاز لأولياء القتيل أن يحلفوا خمسين يمينًا ويستحقُّوا دمه، وأمَّا ضربه ليقرَّ فلا يجوز إلا مع القرائن التي تدلُّ على أنه قتله، فإن بعض العلماء جوَّز تقريره بالضرب في مثل هذه الحال، وبعضهم منع من ذلك مطلقًا، انتهى، والله أعلم.
* * *
стр. 319
الحديث الرابع
عن أنس بن مالك ﵁: "أن جارية وُجِد رأسُها مرضوضًا بين حجرين، فقيل: مَن فعل هذا بك فلان فلان؟ حتى ذُكِر يهودي، فأَوْمَأَت برأسها، فأُخِذ اليهودي فاعترف؛ فأمر النبي ﷺ أن يُرَضَّ رأسه بين حجرين".
ولمسلم والنسائي عن أنس: "أن يهوديًّا قتل جارية على أوضاح، فأقاده رسول الله ﷺ ".
(الأوضاح) بالمهملة: حليُّ الفضة، قال المهلب: فيه أنه ينبغي للحاكم أن يستدلَّ على أهل الجنايات، ثم يتلطَّف بهم حتى يقرُّوا ليُؤَاخَذوا بإقرارهم، وهذا بخلاف ما إذا جاؤوا تائبين فإنه يعرض عمَّن لم يصرح بالجناية، فإنه يجب إقامة الحدِّ عليه إذا أقرَّ، وفيه أنه تجب المطالبة بالدم بمجرَّد الشكوى وبالإشارة.
وقال المازري: فيه الردُّ على مَن أنكر القصاص بغير السيف، وقتل الرجل بالمرأة، انتهى.
والحديث يدلُّ على أن القاتل يُقتَل بما قتَل به، ولقوله - تعالى -: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦] ، وقوله - تعالى -: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] ، وهذا قول الجمهور، وأمَّا حديث ((لا قَوَد إلا بالسيف)) ، فقال الحافظ: هو ضعيف، وقال ابن عدي: طرقه كلها ضعيفة، قال ابن المنذر: قال الأكثر: إذا قتله بشيء يقتل مثله غالبًا فهو عمد، وقال ابن العربي: يُستَثنى من المماثلة ما كان فيه معصية؛ كالخمر واللواط والتحريق، وفي الثالثة خلاف عند الشافعية والأوَّلان بالاتفاق، لكن قال بعضهم: يُقتَل بما يقوم مقام ذلك، قال الحافظ: وفي قصَّة اليهودي حجَّة للجمهور في أنَّه لا يُشتَرط في الإقرار بالقتل أن يتكرَّر، انتهى.
стр. 320
وقال البخاري: باب القصاص بين الرجال والنساء والجراحات، وقال أهل العلم: يقتل الرجل بالمرأة، ويذكر عن عمر: تُقَاد المرأة من الرجل في كلِّ عمد يبلغ نفسه فما دونها من الجراح، انتهى.
قال الحافظ: قوله: "تُقَاد"؛ أي: يقتص منها إذا قتلت الرجل ويقطع عضوها الذي تقطعه منه وبالعكس، انتهى.
* * *
الحديث الخامس
عن أبي هريرة ﵁ قال: ((لما فتح الله - تعالى - على رسول الله ﷺ مكة قتلت هذيل رجلاً من بني ليث بقتيلٍ كان لهم في الجاهلية، فقام النبي ﷺ فقال: ((إن الله قد حبس عن مكة الفيل وسلَّط عليها رسوله والمؤمنين، وأنها لم تحلَّ لأحدٍ كان قبلي ولا تحلُّ لأحدٍ بعدي، وإنما أُحلِّت لي ساعةً من نهارٍ، وإنها ساعتي هذه حرام، لا يعضد شجرها، ولا يُختَلى خلاها، ولا يُعضَد شوكها، ولا تُلتَقط ساقطتها إلا لمُنشِد، ومَن قُتِل له قتيل فهو بخير النظرين، إمَّا أن يقتل وإمَّا أن يفدى)) ، فقام رجل من أهل اليمن يُقال له: أبو شاه، فقال: يا رسول الله، اكتبوا لي، فقال رسول الله ﷺ : ((اكتبوا لأبي شاه)) ، ثم قام العباس فقال: يا رسول الله، إلاَّ الإذخِر، فإنَّا نجعله في بيوتنا وقبورنا، فقال رسول الله ﷺ : ((إلا الإذخِر)) .
قوله: "قتلتْ هذيل"، الذي في البخاري: "قتلت خزاعة".
قوله: ((إن الله قد حبس عن مكة الفيل)) أشار بحبسه عن مكة إلى قصة الحبشة وهي مشهورة،
стр. 321
قال الله - تعالى -: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الفيل: ١- ٥] .
قوله: ((ومَن قتل له قتيل فهو بخيرِ النظرين: إمَّا أن يقتل، وإمَّا أن يفدى)) ؛ أي: مَن قتل له قريب فوليُّه مخيَّر بين القصاص والدية، ولأبي داود من حديث أبي شريح: ((فإنه يختار إحدى ثلاث خصال: إمَّا أن يقتصَّ، وإمَّا أن يعفو، وإمَّا أن يأخذ الديَة، فإن أراد الرابعة فخُذُوا على يديه)) ؛ أي: إن أراد زيادة على القصاص أو الديَة.
قال الحافظ: وفي الحديث جواز إيقاع القصاص في الحرم؛ لأنه ﷺ خطب بذلك بمكة ولم يقيِّده بغير الحرم.
قوله: ((اكتبوا لأبي شاه)) ؛ أي: هذه الخطبة التي سمعها من رسول الله ﷺ وفيه مشروعية كتابة العلم، والله أعلم.
* * *
الحديث السادس
عن عمر بن الخطاب ﵁: "أنه استشار الناس في إملاص المرأة، فقال المغيرة بن شعبة ﵁: شهدت النبي ﷺ قضى فيه بغرة عبدٍ أو أمَةٍ فقال: لتأتين بِمَن يشهد معك، فشهد معه محمد بن مسلمة".
* * *
الحديث السابع
عن أبي هريرة ﵁ قال: "اقتتلت امرأتان من هذيل، فرمت إحداهما الأخرى بحجرٍ فقتلتها وما في بطنها، فاختصموا إلى النبي ﷺ فقضى رسول الله ﷺ أن ديَة
стр. 322
جنينها غرَّة عبد أو وليدة، وقضى بديَة المرأة على عاقلتها وورثها ولدها ومَن معهم، فقام حمل بن النابغة الهذلي فقال: يا رسول الله، كيف أغرم مَن لا شرب ولا أكل ولا نطق ولا استهلَّ، فمثل ذلك يطل؟ فقال ﷺ : ((إنما هو من إخوان الكهَّان)) ، من أجل سجعه الذي سجع".
(الإملاص) : أن تزلقه المرأة قبل حينِ الولادة، وفي رواية: "أن عمر نشد الناس مَن سمع النبي ﷺ قضى في السقط".
قال ابن دقيق العيد: الحديث أصلٌ في إثبات ديَة الجنين، وأن الواجب فيه غرَّة: إمَّا عبد وإمَّا أمَة، وذلك إذا ألقته ميتًا بسبب الجناية، واستشارة عمر في ذلك أصلٌ في سؤال الإمام عن الحكم إذا كان لا يعلمه، أو كان عنده شكٌّ، أو أراد الاستثبات.
وفيه أن الوقائع الخاصَّة قد تخفى على الأكابر ويعلمها مَن دونهم، وفي ذلك ردٌّ على المقلد إذا استدلَّ عليه بخبرٍ يخالفه، فيجيب لو كان صحيحًا لعلمه فلان مثلاً، فإن ذلك إذا جاز خفاؤه عن مثل عمر فخفاؤه عمَّن بعده أَجْوَز.
قوله: "فقضى رسول الله ﷺ أن ديَة جنينها غرَّة عبدٍ أو وليدة"، (الجنين) : حمل المرأة ما دام في بطنها؛ قال الله - تعالى -: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إذ إنَّشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَإذ إنَّتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ [النجم: ٣٢] ، فإن خرج حيًّا فهو ولد، وإن خرج ميتًا فهو سقط، و (الغرة) في الأصل: البياض يكون في جبهة الفرس، وتُطلَق على الشيء النفيس أدميًّا كان أو غيره.
قوله: "وقضى بدية المرأة على عاقلتها، وورثها ولدها ومَن معهم"، روى أبو داود عن جابر: "أن امرأتين من هذيل قتلت إحداهما الأخرى، ولكلِّ واحدة منهما زوج وولد، فجعل النبي ﷺ ديَة المقتولة على عاقلة القاتلة، وبرأ زوجها وولدها، قال: فقال: عاقلة المقتولة ميراثها لنا، فقال رسول الله ﷺ : ((لا، ميراثها لزوجها وولدها)) .
وعن عمر ﵁ قال: "العمد والعبد والصلح والاعتراف لا تعقله العاقلة"؛ رواه الدارقطني، وقال الزهري: مضت السنَّة أن
стр. 323
العاقلة لا تحمل شيئًا من ديَة العمد إلا أن يشاؤوا"؛ رواه مالك في "الموطأ".
قال الشوكاني: قد وقع الإجماع على أن ديَة الخطأ مؤجَّلة على العاقلة، ولكن اختلفوا في مقدار الأجل، فذهب الأكثر إلى أن الأجل ثلاث سنين، انتهى.
قال في "الاختيارات": وأبو الرجل وابنه من عاقلته عند الجمهور؛ كأبي حنيفة ومالك وأحمد في أظهر الروايتين عنه، وتؤخَذ الديَة من الجاني خطأ عند تعذُّر العاقلة في أصحِّ قولي العلماء، ولا يؤجل على العاقلة إذا رأى الإمام المصلحة فيه، ونصَّ على ذلك الإمام أحمد، انتهى.
قوله: ((إنما هو من إخوان الكهَّان)) وفي رواية أسامة بن زيد عند البيهقي: فقال: ((دعني من أراجيز الأعراب)) ، وفي حديث ابن عباس عند أبي داود: فقال النبي ﷺ : ((أسجع الجاهلية وكهانتها، إن في الصبي غرة)) .
قال الموفق: وإذا لم يجد الغرَّة انتقل إلى خمس من الإبل على قول الخرقي، وعلى قول غيره ينتقل إلى خمسين دينارًا أو ستمائة درهم، انتهى.
وفي الحديث ذم السجع لإبطال حق أو تحقيق باطل.
* * *
الحديث الثامن
عن عمران بن حصين ﵁: "أن رجلاً عضَّ يد رجلٍ فنزع يده من فيه فوقعت ثناياه، فاختصما إلى النبي ﷺ فقال: ((يعضُّ أحدكم أخاه كما يعضُّ الفحل، اذهب لا ديَة لك)) .
الحديث دليلٌ على أن المعضوض لا يلزمه قصاص ولا ديَة؛ لأنه في حكم الصائل، وهو قول الجمهور، واحتجُّوا أيضًا بالإجماع بأن مَن شهر على آخر سلاحًا ليقتله فدفع عن نفسه فقتل الشاهر أنه لا شيء عليه، قال يحيى بن عمر: لو بلغ مالكًا هذا الحديث لما خالفه.
وفي الحديث من الفوائد التحذير من الغضب، وأن مَن وقع له ينبغي له أن يكظمه ما استطاع؛ لأنه أدَّى إلى سقوط ثنايا الغضبان وإهدارها، وفيه رفع الجناية
стр. 324
إلى الحاكم من أجل الفصل، وأن المرء لا يقتصُّ لنفسه، وفيه جواز تشبيه فعل الآدمي بفعل البهيمة إذا وقع في مقام التنفير عن مثل ذلك الفعل.
قال في "المقنع": وإن اقتتلت طائفتان لعصبية أو طلب رياسة فهما ظالمتان وتضمن كلُّ واحدة ما أتلفت على الأخرى، قال في "الإنصاف": هذا بلا خلاف أعلمه، لكن قال الشيخ تقي الدين: إن جهل قدر ما نهبه كل طائفة من الأخرى تساوتا، كمَن جهل قدر الحرام من ماله أخرج نصفه والباقي له، وقال أيضًا: وإن تقابلا تقاصَّا؛ لأن المباشر والمعين سواء عند الجمهور.
* * *
الحديث التاسع
عن الحسن بن أبي الحسن البصري - رحمه الله تعالى - قال: حدثنا جندب في هذا المسجد، وما نسينا منه حديثًا، وما نخشى أن يكون جندب كذب على رسول الله ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ : ((كان فيمَن كان قبلكم رجل به جرح فجزع، فأخذ سكينًا فجزَّ بها يده، فما رقأ الدم حتى مات، قال الله : بادَرَنِي عبدي بنفسه فحرمت عليه الجنة)) .
هذا الحديث أصلٌ كبير في تعظيم قتل النفس.
قوله: "بادرني عبدي بنفسه فحرمت عليه الجنة"؛ أي: لأنه استعجل الموت؛ لأنه حزَّها لإرادة الموت لا لقصد المداواة.
قال الحافظ: وفي الحديث تحريم قتل النفس، سواء كانت نفس القاتل أم غيره، وفيه الوقوف عند حقوق الله ورحمته بخلقه؛ حيث حرَّم عليهم قتل نفوسهم وأن الأنفس ملك لله، وفيه التحديث عن الأمم الماضية، وفضيلة الصبر على البلاء،
стр. 325
وترك التضجُّر من الآلام؛ لئلاَّ يُفضِي إلى أشد منها، وفيه تحريم تعاطي الأسباب المفضِيَة إلى قتل النفس، وفيه التنبيه على أن حكم السراية على ما يترتَّب عليه ابتداء القتل، وفيه الاحتياط للتحديث وكيفية الضبط له والتحفُّظ فيه بذكر المكان والإشارة إلى ضبط المحدث وتوثيقه لِمَن حدَّثه ليركن السامع إلى ذلك، والله أعلم، اهـ.
وفي الحديث أن مَن قتل نفسه عمدًا فلا ديَة له وهو إجماع، وقال البخاري: باب إذا قتل نفسه خطأ فلا ديَة له، وذكر حديث سلمة بن الأكوع في قصة قتل عامر نفسه يوم خيبر.
قال الحافظ: إنما قيَّد بالخطأ لأنه محلُّ الخلاف، قال ابن بطال، قال الأوزاعي وأحمد وأسحاق: تجب ديَتُه على عاقلته، وقال الجمهور: لا يجب غير ذلك شيء، وقصة عامر حجة لهم.
* * *
стр. 326
كتاب الحدود
الحديث الأول
عن أنس بن مالك ﵁ قال: "قدم ناس من عُكْلٍ أو عُرَينة فاجتووا المدينة، فأمر لهم النبي ﷺ بلقاحٍ، وأمَرَهم أن يشربوا من أبوالها وألبانها، فانطلقوا، فلمَّا ضحُّوا قتلوا راعي النبي ﷺ واستاقوا النعم، فجاء الخبر في أوَّل النهار، فبعث في آثارهم، فلمَّا ارتفع النهار جيء بهم فأمر بهم، فقطعت أيديهم وأرجلهم، وسمرت أعينهم وتركوا في الحرَّة يستسقون فلا يسقون، قال أبو قلابة: فهؤلاء سرقوا وقتلوا وكفروا بعد إيمانهم وحاربوا الله ورسوله"؛ أخرجه الجماعة.
(احتويت) البلاد إذا كرهتها وكانت موافقة واستوبأتها إذا لم توافقك.
(الحدود) : جمع حد، وأصله ما يحجز بين شيئين، وسُمِّيت عقوبة الزاني ونحوه حدًّا لكونها تمنعه المعاودة، أو لكونها مقدَّرة من الشارع، قال الراغب: وتطلق الحدود ويُرَاد بها نفس المعاصي كقوله - تعالى -: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: ١٨٧] ، وعلى فعلٍ فيه شيء مقدَّر، ومنه: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق: ١] ، وكأنها لما فصلت بين الحلال والحرام سُمِّيت حدودًا، فمنها ما زجر عن فعله، ومنها ما زجر
стр. 327
عن الزيادة عليه والنقصان منه.
قوله: "قدم ناس من عُكْلٍ أو عُرَينة"، في رواية: "من عُكْلٍ وعُرَينة"، ولأبي عوانة: "كانوا أربعة من عُرَينة وثلاثة من عُكْلٍ"، قال الحافظ: وهما قبيلتان متغايرتان عُكْل من عدنان، وعُرَينة من قحطان: حي من بجيلة، وقدومهم سنة ست.
قوله: "فاجتووا المدينة"؛ أي: استوخموها وعظمت بطونهم، وفي رواية: "فقالوا: يا رسول الله، إنَّا كنَّا أهل ضرع ولم نكن أهل ريف".
قوله: "فبعث في آثارهم"؛ أي: الطلب، وفي رواية: "أنهم شباب من الأنصار قريبٌ من عشرين رجلاً، وبعث معهم قائفًا يقتص آثارهم".
قوله: "وسمرت أعينهم" وفي رواية: "ثم أمر بمسامير فأحميت فكحلهم بها"، ولمسلم: "إنما سمل النبي ﷺ أعينهم لأنهم سملوا أعين الرعاة"، قال قتادة: بلغنا أن هذه الآية نزلت فيهم ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ... ﴾ [المائدة: ٣٣] الآية، وذهب جمهور الفقهاء إلى أنها نزلت فيمَن خرج من المسلمين يسعى في الأرض بالفساد ويقطع الطريق، قال الحافظ: والمعتمد أن الآية نزلت أولاً فيهم، وهي تتناول بعمومها مَن حارب من المسلمين بقطع الطريق، لكن عقوبة الفريقين مختلفة؛ فإن كانوا كفارًا يخيَّر الإمام فيهم إذا ظفر بهم، وإن كانوا مسلمين فعلى قولين: أحدهما وهو قول الشافعي والكوفيين ينظر في الجناية فمَن قتَل قُتِل، ومَن أخذ المال قُطِع، ومَن لم يقتل ولم يأخذ مالاً نُفِي، وجعلوا (أو) للتنويع، وقال مالك: بل هي للتخيير، فيُخَيَّر الإمام في المحارِب المسلم بين الأمور الثلاثة، ورجَّح الطبري الأول، انتهى.
وفي الحديث المماثَلة في القصاص، وفيه دليلٌ على طهارة أبوال الإبل وأبعارها، ويُقاس عليه مأكول اللحم من غيرها، وفيه قدوم الوقود على الإمام ونظره في مصالحهم، وأن كلَّ جسد يطب بما اعتاده، والله أعلم.
* * *
الحديث الثاني
عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني ﵄ أنهما قالا: "إن رجلاً من الأعراب أتى
стр. 328
رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، أنشدك الله إلاَّ قضيت بيننا بكتاب الله فقال الخصم الآخر وهو أفقه منه: نعم فاقضِ بيننا بكتاب الله وَأْذَن لي، فقال النبي ﷺ : ((قل)) ، فقال: إن ابني كان عسيفًا على هذا فزنى بامرأته، وإني أخبرت أن على ابني الرجم، فافتديت منه بمائة شاة ووليدة، فسألت أهل العلم فأخبروني أن ما على ابني جلد مائة وتغريب عام، وأن على امرأة هذا الرجم، فقال رسول الله ﷺ : ((والذي نفسي بيده لأقضينَّ بينكما بكتاب الله، الوليدة والغنم رد عليك، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، واغدُ يا أنيس - لرجل من أسلم - إلى امرأة
هذا فإن اعترفت فارجمها)) ، فغدَا عليها فاعترفت، فأمَر بها رسول الله ﷺ فرُجِمت".
قوله: "أنشدك الله"؛ أي: أسألك بالله، وضمن (أنشدك) معنى (أذكرك) فحذف الباء.
قوله: "فقال الخصم الآخر وهو أفقه منه"؛ أي: لحسن أدبه في استئذانه وترك رفع صوته وتأكيده السؤال؛ لأن حسن السؤال نصف العلم.
قوله: "إن ابني كان عسيفًا على هذا"، وفي رواية: "إن ابني هذا كان عسيفًا على هذا"، (العسيف) : الأجير، وسُمِّي عسيفًا لأن المستأجِر يعسفه العمل.
قال الحافظ: وفي هذا الحديث من الفوائد الرجوع إلى كتاب الله نصًّا أو استنباطًا، وجواز القسم على الأمر لتأكيده، والحلف بغير استحلاف، وحسن خلق النبي ﷺ وحلمه على مَن يخاطبه بما الأولى خلافه، وأن مَن تأسَّى به في ذلك من الحكام يحمد كمَن لا ينزعج بقول الخصم مثلاً: احكم بيننا
стр. 329
بالحق، وقال البيضاوي: إنما تواردا على سؤال الحكم بكتاب الله مع أنهما يعلمان أنه لا يحكم إلا بحكم الله؛ ليحكم بينهما بالحق الصرف لا بالمصالحة ولا الأخذ بالأرفق؛ لأن للحاكم أن يفعل ذلك برضا الخصمين؛ يعني: إذا لم يخالف الشرع.
وفيه أن مَن اعترف بالحدِّ وجب على الإمام إقامته عليه ولو لم يعرف شارَكَه في ذلك ويُستَفاد منه الحثُّ على إبعاد الأجنبي من الأجنبية مهما أمكن، وفيه جواز استفتاء المفضول مع وجود الفاضل، وفيه أن الحدَّ لا يقبل الفداء وإنما يجري الفداء في البدن كالقصاص في النفس والأطراف، وفيه أن العقود المخالفة للشرع باطلة مردودة، وفيه جواز الاستنابة في إقامة الحد، وفيه الرجوع إلى العلماء عند اشتباه الأحكام والشك فيها.
قال ابن دقيق العيد: وفي الحديث دليل على أن ما يستعمل من الألفاظ في محلِّ الاستفتاء يتسامح به في إقامة الحد أو التعزير، فإن هذا الرجل قذف المرأة بالزنا ولم يتعرَّض النبي ﷺ لأمر حده بالقذف وأعرَض عن ذلك ابتداء، ولعله يُؤخَذ منه
أن الإقرار مرَّة واحدة يكفي في إقامة الحد؛ فإنه رتَّب رجمها على مجرَّد اعترافها ولم يقيده بعدد، وقد يستدلُّ به على عدم الجمع بين الجلد والرجم فإنه لم يعرفه أنيسًا ولا أمر به اهـ، والله أعلم.
* * *
الحديث الثالث
عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني ﵄ قالا: "سُئِل النبي ﷺ عن الأمَّة إذا زنت ولم تحصن؟ قال: ((إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم بيعوها ولو بضفير)) .
قال ابن شهاب: ولا أدري أبعد الثالثة أو الرابعة، والضفير: الحبل.
стр. 330
قوله: ((ولم تحصن)) ؛ أي: بالتزويج؛ وأمَّا قوله - تعالى -: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥] ، فيفيد أن الحكم في حقِّهن من الجلد لا الرجم، فحَكَم زناها قبل الإحصان مأخوذ من السنَّة، وبعد الإحصان مأخوذ من الكتاب لأن الرجم لا يتنصَّف فاستمرَّ حكم الجلد في حقِّها.
وعن علي ﵁ قال: "أقيموا الحدود على أرقَّائكم مَن أحصن منهم ومَن لم يحصن"؛ رواه مسلم.
قوله: ((إن زنت فاجلدوها)) الخطاب لِمَن يملك الأمَة، ففيه دليلٌ على أن السيد يُقِيم الحدَّ على مَن يملكه ولو لم يأذن له الإمام، وهو قول الجمهور، واستثنى مالك القطع في السرقة.
قوله: ((ثم بيعوها ولو بضفير)) قال ابن بطال: حمل الفقهاء الأمر بالبيع على الحضِّ على مباعدة مَن تكرَّر منه الزنا لئلاَّ يظن بالسيد الرضا بذلك، ولما في ذلك من الوسيلة إلى تكثير أولاد الزنا، وقال ابن العربي: يُرجَى عند تبديل المحلِّ تبديل الحال؛ لأن للمجاورة تأثيرًا في الطاعة والمعصية، وفي الحديث: أن مَن زنى فأُقِيم
عليه الحدُّ ثم عاد أُعِيد عليه، وفيه الزجر عن مخالطة الفسَّاق ومعاشرتهم، وفيه أن الزنا عيبٌ تنقص به القيمة عند كلِّ أحد.
* * *
الحديث الرابع
عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: "أتى رجل من المسلمين رسول الله ﷺ وهو في المسجد فناداه فقال: يا رسول الله، إني زنيت، فأعرض عنه فتنحَّى تلقاء وجهه، فقال: يا رسول الله، إني زنيت، فأعرض عنه حتى ثنَّى ذلك عليه أربع مرات، فلمَّا شهد على نفسه أربع شهادات دعاه رسول الله ﷺ فقال: ((أبِكَ جنون؟)) ، قال: لا، قال: ((فهل أحصنت؟)) ، قال: نعم، فقال رسول الله ﷺ : ((اذهبوا به فارجموه)) ، قال ابن شهاب: فأخبرني
стр. 331
أبو سلمة بن عبد الرحمن أنه سمع جابر بن عبد الله ﵁ يقول: "كنت فيمَن رجمه، فرجمناه بالمصلى فلمَّا أذلقته الحجارة هرب فأدركناه بالحرة فرجمناه"، الرجل هو ماعز بن مالك.
قوله: "حتى ثنى"؛ أي: ردَّد، وفي حديث بريدة عند مسلم قال: ((ويحك، ارجع فاستغفِر الله وتُبْ إليه)) ، فرجع غير بعيد، ثم جاء فقال: يا رسول الله، طهِّرني.
قوله: ((أبِكَ جنون)) ، قال: لا، وفي حديث بريدة: "فأرسل إلى قومه فقالوا: ما تعلمه إلا وفيَّ العَقْلِ من صالحينا، وفيه: ((أشربت خمرًا)) ، قال: لا، وفيه: "فقام رجلٌ فاستنكهه فلم يجد منه ريحًا".
قوله: ((فهل أحصنت)) ؛ أي: تزوجت، وفي حديث أبي هريرة المذكور: ((أَنِكْتَها؟)) ، قال: نعم، قال: ((تدري ما الزنا؟)) ، قال: نعم، قال: ((دخل ذلك منك في ذلك منها؟)) ، قال: نعم، قال: ((كما يغيب المِرْوَد في المُكْحُلة، أو الرشاء في البئر؟)) ، قال: نعم، قال: ((تدري ما الزنا؟)) ، قال: نعم، أتيت منها حرامًا ما
يأتي الرجل من امرأته حلالاً، قال: ((فما تريد بهذا القول؟)) ، قال: تُطهِّرني، فأمر به فرُجِم.
قوله: "فلمَّا أذلقته الحجارة"؛ أي: أقلقته هرب، وعند الترمذي: فلمَّا وجد مسَّ الحجارة فرَّ يشتد حتى مرَّ برجل معه لحى جمل فضربه وضربه الناس حتى مات.
وفي الحديث: أنه يستحبُّ لِمَن وقع في معصية وندم أن يبادر إلى التوبة منها، ولا يُخبِر بها أحدًا، ويستتر بستر الله، واستدلَّ بقوله: "فلمَّا شهد على نفسه أربع شهادات" على اشتراط تكرير الإقرار بالزنا أربعًا، وتأوَّله الجمهور بأن ذلك وقع لزيادة الاستثبات، وفيه أن الإمام لا يشترط أن يرجم بنفسه ولا أن يبدأ بالرجم، وفيه أن الحدَّ لا يجب إلا بالإقرار الصريح، وفيه أن إقرار السكران لا أثر له.
قال الليث: يعمل بأفعاله ولا يعمل بأقواله؛ لأنه يلتذُّ بفعله ويشفى غيظه، ولا يفقه أكثر ما يقول؛ وقد قال - تعالى -: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣] .
وفيه التثبت في إزهاق النفس والتعريض للمُقِرِّ بأن يرجع، وفيه أن مَن اطَّلع على مثل ذلك يستر عليه، ولا يفضحه ولا يرفعه إلى الإمام.
وفي القصة أن النبي - صلى
стр. 332
الله عليه وسلم - قال لهزال: ((لو سترته بثوبك لكان خيرًا لك)) ؛ يعني: ممَّا أمرته به من إظهار أمره، قال ابن العربي: هذا محلُّه في غير المجاهر، فأمَّا إذا كان مُتظاهرًا بالفاحشة مُجاهِرًا فإني أحبُّ مكاشفته والتبريح به لينزجر هو وغيره، والله أعلم.
* * *
الحديث الخامس
عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه قال: "إن اليهود جاؤوا إلى رسول الله ﷺ فذكروا له أن امرأة منهم ورجلاً زنَيَا، فقال لهم رسول الله ﷺ : ((ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟)) ، فقالوا: ((نفضحهم ويُجلَدون)) ، قال
عبد الله بن سلام: كذبتم؛ إن فيها آية الرجم، فأتَوْا بالتوراة فنَشَروها فوضع أحدهم يده على آية الرجم فقرأ ما قبلها وما بعدها، فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك، فرفع يديه فإذا فيها آية الرجم، فقال: صدق يا محمد، فأمر بهما النبي ﷺ فرُجِما، قال: فرأيت الرجل يحني على المرأة يقيها الحجارة".
قال ﵁: الذي وضع يده على آية الرجم عبد الله بن صوريا.
قوله: "فذكروا له أن امرأة منهم ورجلاً زنيَا" ولأبي داود عن أبي هريرة قال: "زنى رجل من اليهود بامرأة، فقال بعضهم: اذهبوا بنا إلى هذا النبي؛ فإنه بعث بالتخفيف، فإن أفتانا بفتيا دون الرجم قبلناها واحتججنا بها عند الله وقلنا: فتيا نبي من أنبيائك، قال: فأتوا النبي ﷺ وهو جالس في المسجد
стр. 333
في أصحابه، فقالوا: يا أبا القاسم، ما ترى في رجل وامرأة زنيا منهم".
قوله: "فقال لهم رسول الله ﷺ : ((ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟)) ، فقالوا: نفضحهم ويجلدون"، وفي رواية: "نحمِّم وجوههم ونُخزِيهم"، وفي رواية: "ونخالف بين وجوههما ويُطَاف بهما".
قوله: "فإذا فيها آية الرجم" وقع بيان ذلك في حديث أبي هريرة: ((المحصن والمحصنة إذا زنيا فقامت عليهما البيِّنة رُجِما، وإن كانت المرأة حُبلَى تربَّص بها حتى تضع ما في بطنها)) .
ولأبي داود عن جابر قالا: "نجد في التوراة إذا شهد أربعة أنهم رأوا ذَكَرَه في فرجها مثل الميل في المُكْحُلة رُجِما"، زاد البزار: "فإذا وجدوا الرجل مع المرأة في بيت أو في ثوبها وعلى بطنها فهي ريبة وفيها عقوبة"، قال: فما منعكما أن ترجموهما؟ قالا: ذهب سلطاننا فكرهنا القتل".
وفي حديث أبي هريرة: "فما أول ما ارتخصتم أمر الله؟ قال: زنى رجلٌ ذو قرابة من الملك فأخر عنه الرجم، ثم زنى رجل شريف فأرادوا رجمه فحال قومه دونه وقالوا: ابدأ بصاحبك، فاصطلحوا على هذه العقوبة".
قوله: "فأمر بهما النبي ﷺ فرُجِما" في حديث البراء: ((اللهم إني أوَّل من أحيَا أمرك إذ أماتوه)) .
وفي هذا الحديث من الفوائد: وجوب الحدِّ على الكافر الذي إذا زنى، وهو قول الجمهور، وفيه قبول شهادة أهل الذمَّة بعضهم على بعض، وفيه أن أنكحة الكفار صحيحة؛ لأن ثبوت الإحصان فرع ثبوت النكاح، وفيه أن اليهود كانوا ينسبون إلى التوراة ما ليس فيها، وفيه اكتفاء الحاكم بترجمان واحد موثوق به، وفيه أن شرع من قبلنا شرعٌ لنا إذا لم ينسخ، والله أعلم.
* * *
الحديث السادس
عن أبي هريرة ﵁ أن رسول ﷺ قال: ((لو أن امرأً اطَّلع عليك بغير إذنٍ فحذفتَه بحصاةٍ ففقأتَ عينه ما كان عليك جناح)) .
стр. 334
قوله: ((فحذفته)) بالمهملة، وفي روايةٍ بالمعجمة.
قوله: ((ما كان عليك جناح)) ؛ أي: حرج، وفي روايةٍ لمسلم: ((مَن اطَّلع في بيتِ قومٍ بغير إذنهم فقد حلَّ لهم أن يفقؤوا عينه)) ، وعند أحمد والنسائي: ((ففقؤوا عينه فلا ديَة ولا قصاص)) ، وفي رواية: ((فهو هَدَر)) .
قال يحيى بن يعمر من المالكية: لعل مالكًا لم يبلغه الخبر، وفي البخاري عن أنس: "أن رجلاً اطَّلع في بعض حُجَر النبي ﷺ فقام إليه بمِشْقَص أو بمشاقص وجعل يختله ليطعنه"، (المِشْقَص) : النصل العريض، وفي الحديث مشروعية الاستئذان على مَن يكون في بيت ومنع التطلُّع عليه.
قال ابن دقيق العيد: وفي الحديث إشعارٌ أنه إنما يقصد العين بشيء خفيف كمدرى وحصاة؛ لقوله: فحذفته، قال الفقهاء: أمَّا إذا زرقه بالنشاب، أو رماه بحجر يقتله فقَتَله، فهذا قتل يتعلَّق به القصاص أو الديَة، والله أعلم.
* * *
باب حد السرقة
الحديث الأول
عن عبد الله بن عمر ﵄: "أن النبي ﷺ قطع في مجن قيمته ثلاثة دراهم"، وفي لفظ: "ثمنه".
* * *
الحديث الثاني
عن عائشة ﵂: "أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((تُقطَع اليد في ربع دينارٍ فصاعدًا)) .
الأصل في القطع بالسرقة الكتاب والسنة والإجماع؛ قال الله - تعالى -: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] ؛ أي: أيمانهما ﴿جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ
стр. 335
عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٨] ، والسرقة: أخذ المال من حرز مثله على وجه الخفية والاستتار، قال ابن بطال: الحرز مُستَفاد من معنى السرقة، وقال الجمهور فيمَن سرق فقطع، ثم سرق ثانيًا تقطع رجله اليسرى، ثم إن سرق فاليد اليسرى، ثم إن سرق فالرجل اليمنى، ثم إن سرق عُزِّر وسُجِن، قال ابن عبد البر: ثبَت عن الصحابة قطع الرجل بعد اليد وهم يقرؤون: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] ، كما اتفقوا على الجزاء في الصيد في قتله خطأ وهم يقرؤون: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥] ، ويمسحون على الخفَّين وهم يقرؤون غسل الرجلين، وإنما قالوا جميع ذلك بالسنَّة.
قوله: "قطع في مجنٍّ قيمته ثلاثة دراهم" وفي حديث عائشة أن يد السارق لم تقطع على عهد النبي ﷺ إلا في ثمن مجنٍّ: حجفة أو ترس، والمِجَنُّ: بكسر الميم ما يستتر به، والحجفة: الدرقة، قال ابن دقيق العيد: القيمة والثمن قد يختلفان، والمعتبر إنما هو القيمة، انتهى.
والحديث دليلٌ على أنه إذا سرق ثلاثة دراهم أو قيمتها من العروض وجب القطع، ولا يقطع فيما دون ذلك، وإن كان المسروق ذهبًا فلا قطع فيه حتى يبلغ ربع دينار، وفيه دليل على أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب؛ لأن آية السرقة نزلت في سارق رداء صفوان بن أمية أو سارق المجنِّ، وعمل بها الصحابة في غيرهما من السارقين.
* * *
الحديث الثالث
عن عائشة ﵂: "أن قريشًا أهمهم شأن المخزومية التي سرقت فقالوا: مَن يكلم فيها رسول الله ﷺ ؟ فقالوا: ومَن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيدٍ حِبِّ رسول الله ﷺ فكلَّمه أسامة فقال: ((أتشفع في حدٍّ من حدود الله؟)) ، ثم قام فاختطب فقال: ((إنما هلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف
стр. 336
تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحدَّ، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها)) .
وفي لفظ: "كانت امرأة تستعير المتاع وتجحده، فأمر النبي ﷺ بقطع يدها".
هذه القصة وقعت في غزوة الفتح.
قوله: ((لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها)) أراد المبالغة في إثبات إقامة الحدِّ على كل مكلَّف وترك المحاباة في ذلك، قال الشافعي: ذكر عضوًا شريفًا من امرأة شريفة.
وللنسائي في حديث ابن عمر: ((قُمْ يا بلال فخذ بيدها فاقطعها)) .
قوله: "كانت امرأة تستعير المتاع وتجحده"، وللنسائي: "كانت مخزومية تستعير المتاع وتجحده"، قال بعض العلماء: إن القصة لامرأة واحدة استعارت وجحدت، فقطعت للسرقة لا للعارية، قال القرطبي: يترجَّح أن يدها قُطِعت على السرقة لا لأجل جحد العارية، انتهى.
واستدلَّ بهذا اللفظ مَن قال من العلماء يقطع جاحد العارية، وذهب الجمهور إلى أنه لا يقطع في جحد العارية، ويؤيِّده حديث جابر عن النبي ﷺ : ((ليس على خائن ولا منتهِب ولا مختلس قطعٌ)) ؛ رواه الخمسة.
وفي هذا الحديث من الفوائد: منع الشفاعة في الحدود، وعن ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((مَن حالت شفاعته دون حدٍّ من حدود الله فقد ضادَّ الله في أمره)) ؛ رواه أحمد وأبو داود.
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه رفعه: ((تعافوا الحدود فيما بينكم، فما بلغني من حدٍّ وجب)) ؛ رواه أبو داود، قال ابن عبد البر: لا أعلم خلافًا أن الشفاعة في ذوي الذنوب حسنة جميلة ما لم تبلغ السلطان، وأن على السلطان أن يقيمها إذا بلغته، وفيه ترك المحاباة في إقامة الحد على مَن وجب عليه، ولو كان ولدًا أو قريبًا أو كبير القدر والتشديد في ذلك، وفيه جواز ضرب المثل بالكبير القدر للمبالغة في الزجر عن الفعل، وفيه الاعتبار بأحوال مَن مضى
стр. 337
من الأمم، ولا سيَّما مَن خالَف أمر الشرع، وفيه الرحمة لِمَن أُقِيم عليه الحدُّ بعد إقامته عليه، قالت عائشة: فحسنت توبتها بعدُ وتزوَّجت، وكانت تأتيني بعد ذلك فأرفع حاجتها إلى رسول الله ﷺ .
* * *
باب حد الخمر
الحديث الأول
عن أنس بن مالك ﵁: "أن النبي ﷺ أُتِي برجل قد شرب الخمر فجَلَده بجريدة نحو أربعين، قال: وفعله أبو بكر، فلما كان عمر استشار الناس، فقال عبد الرحمن بن عوفٍ: أخفُّ الحدود ثمانون، فأمر به عمر ﵁".
الخمر محرَّم بالكتاب والسنة والإجماع؛ قال الله - تعالى -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩٠- ٩١] .
قوله: "فجلده بجريدة" وفي حديث أبي هريرة: أُتِي النبي ﷺ برجل قد شرب فقال: ((اضربوه)) ، قال: فمنَّا الضارب بيده، والضارب بنعله، والضارب بثوبه، فلمَّا انصرف قال بعض القوم: أخزاك الله، قال: ((لا تقولوا هكذا، لا تعينوا عليه الشيطان)) ؛ رواه أحمد والبخاري وأبو داود، وزاد في رواية: "ثم قال رسول الله ﷺ لأصحابه بكِّتوه، فأقبلوا عليه يقولون له: ما اتَّقيت الله ما خشيت الله - جل ثناؤه - ما استحييت من رسول الله ﷺ ثم أرسلوه".
قال النووي: أجمعوا على الاكتفاء بالجريد والنعال، والأصحُّ جوازه
стр. 338
بالسوط، وشذَّ مَن قال هو شرط، وهو غلط منابذ للأحاديث الصحيحة.
قال الحافظ: وتوسَّط بعض المتأخِّرين فعيَّن السوط للمتمرِّدين، وأطراف الثياب والنعال للضعفاء، ومَن عداهم بحسب ما يليق بهم وهو متَّجه، انتهى.
قوله: فقال عبد الرحمن بن عوف: "أخفُّ الحدود ثمانون فأمر به عمر ﵁"، قصة عبد الرحمن ذكرها مسلم وغيره ولم يخرجها البخاري، ولكن ذكر
معنى صنيع عمر في حديث السائب بن يزيد قال في آخره: "حتى إذا عتوا وفسقوا جلد ثمانين".
وفي "الموطأ": أن عمر استشار الناس في الخمر فقال له عليُّ بن أبي طالب: نرى أن تجعله ثمانين فإنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، فجعله عمر في الخمر ثمانين.
قال القاضي عياض: أجمعوا على وجوب الحد في الخمر واختلفوا في تقديره؛ فذهب الجمهور إلى الثمانين، وقال الشافعي في المشهور عنه وأحمد في رواية وأبو ثور وداود: أربعين.
* * *
الحديث الثاني
عن أبي بردة هانئ بن نِيَار البلوي ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: ((لا يجلد فوق عشرة أسواط إلا في حدٍّ من حدود الله)) .
اختلف العلماء في المراد بالحدِّ في هذا الحديث؛ فقال بعضهم: المراد بالحدِّ هنا ما ورد فيه من الشارع عدد من الجلد أو عقوبة مخصوصة، وقال بعضهم: المراد به حق الله، قال ابن القيم: المراد بالحدود هنا الحقوق التي هي أوامر الله ونواهيه، وهي المراد بقوله: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢٩] ، وفي أخرى: ﴿فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق: ١] ، وقال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: ١٨٧] ، وقال: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا﴾ [النساء: ١٤] ، قال: فلا يُزَاد على العشر في التأديبات التي لا تتعلَّق بمعصية كتأديب الأب ولدَه الصغير، اهـ.
قال الحافظ: ويحتمل أن
стр. 339
يفرق بين مراتب المعاصي؛ فما ورد فيه تقدير لا يُزَاد عليه وهو المستثنَى في الأصل، وما لم يرد فيه تقدير فإن كانت كبيرة جازت الزيادة فيه وأطلق عليه اسم الحد كما في الآيات المُشَار إليها والتحق بالمستثنى، وإن كانت صغيرة فهو المقصود بمنع الزيادة، انتهى.
تتمَّة:
التعزير يكون بالضرب والحبس والهجر والتوبيخ في كلِّ معصية لا حدَّ فيها.
وعن النعمان بن بشير: "أنه رفع إليه رجل غشى جارية امرأته، فقال: لأقضين فيها بقضاء رسول الله ﷺ : إن كانت أحلَّتها لك جلدتك مائة جلدة وإن كانت لم تحلَّها لك رجمتك"؛ رواه الخمسة.
وعن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده: "أن النبي ﷺ حبس رجلاً في تهمة، ثم خلى سبيله"؛ رواه الخمسة إلا ابن ماجه.
قال الأوزاعي: "لا يبلغ بالتعزير الحد"؛ أي: لا يبلغ بكلِّ جناية حدًّا مشروعًا في جنسها، ويجوز أن يزيد على حدِّ غير جنسها؛ لحديث سعيد بن المسيب عن عمر في أمَة بين رجلَين وطئها أحدهما: "يُجلَد الحدَّ إلا سوطًا واحدًا"؛ رواه الأثرم واحتجَّ به أحمد.
وروى أحمد: "أن عليًّا أُتِي بالنجاشي قد شرب خمرًا في رمضان، فجلده ثمانين: الحد، وعشرين سوطًا لفطره في رمضان".
وعن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : ((مَن وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به)) ؛ رواه الخمسة إلا النسائي.
وعن سعيد بن جبير ومجاهد عن ابن عباس: "في البكر يوجد على اللوطية يرجم اللوطي محصنًا كان أو غير محصن"؛ رواه أبو داود.
وعن علي أنه رجم لوطيًّا قال: إن فعل، وبهذا نأخذ برجم اللوطي محصنًا كان أو غير محصن، وأخرج البيهقي أيضًا عن أبي بكر: "أنه جمع الناس في حق رجل يُنكَح كما تُنكَح النساء، فسأل أصحاب رسول الله ﷺ عن ذلك، فكان من أشدِّهم يومئذ قولاً عليُّ بن أبي طالب قال: هذا ذنب لم تعصِ به أمَّة من الأمم إلا أمَّة واحدة صنع الله بها ما قد علمتم، نرى أن تحرقه بالنار، فاجتمع أصحاب رسول الله -
стр. 340
صلى الله عليه وسلم - على أن يحرقه بالنار، فكتب أبو بكر إلى خالد بن الوليد يأمره أن يحرقه بالنار".
وأخرج أيضًا عن ابن عباس: "أنه سُئِل عن حدِّ اللوطي فقال: ينظر أعلى بناء في القرية فيرمي به منكسًا ثم يتبع الحجارة"، وذهب عمر وعثمان إلى أنه يلقى عليه حائط.
قال الشوكاني: وقد حكى صاحب "الشفاء" إجماع الصحابة على القتل، وما أحق مرتكب هذه الجريمة ومقارِف هذه الرذيلة الذميمة بأن يُعاقَب عقوبة يصير بها عبرة للمعتبرين، ويعذب تعذيب بكسر شهوة الفسقة والمتمرِّدين، انتهى، والله أعلم.
* * *
стр. 341
كتاب الأيمان والنذور
الحديث الأول
عن عبد الرحمن بن سمرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((يا عبد الرحمن بن سمرة، لا تسأل الإمارة، فإنك إن أُعطِيتها عن مسألة وُكِلت إليها، وإن أُعطِيتها من غير مسألة أُعِنت عليها، وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرًا منها فكفِّر عن يمينك وأنت الذي هو خير)) .
* * *
الحديث الثاني
عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمينٍ فأرى غيرها خيرًا منها إلا أتيت الذي هو خير منها وتحلَّلتها)) .
الأصل في مشروعية الأيمان وثبوت حكمها الكتاب والسنة والإجماع؛ قال الله : ﴿لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٨٩] وقال - تعالى -: ﴿وَلاَ تَنْقُضُوا
стр. 342
الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل: ٩١] .
والنذور: جمع نذر، والأصل فيه الكتاب والسنة والإجماع؛ قال الله : ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: ٧] ، وقال - تعالى -: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩] .
وأصل اليمين في اللغة: اليد، وأُطلِقت على الحلف لأنهم كانوا إذا تحالفوا أخذ كلٌّ منهم بيمين صاحبه، وعرفت اليمين في الشرع بأنها: توكيد الشيء بذكر اسم أو صفة لله.
قوله: ((لا تسأل الإمارة)) يدخل في الإمارة القضاء والحسبة ونحو ذلك، وأن مَن حرص على ذلك لا يُعان عليه، ومَن وُكِل إلى نفسه هلك.
وعن أنس رفعه: ((مَن طلب القضاء واستعان عليه بالشفعاء وُكِل إلى نفسه، ومَن أُكرِه عليه أنزل الله عليه ملكًا يسدده)) ؛ أخرجه ابن المنذر.
وعن أبي هريرة رفعه: ((مَن طلب قضاء المسلمين حتى يناله ثم غلب عدلُه جورَه فله الجنة، ومَن غلب جورُه عدلَه فله النار)) ؛ أخرجه أبو داود.
وفي حديث أبي موسى عن النبي ﷺ قال: ((إنَّا لا نولِّي مَن حرص)) ، قال ابن دقيق العيد: لما كان خطر الولاية عظيمًا بسبب أمور في الوالي وسبب أمور خارجة عنه، كان طلبها تكلُّفًا ودخولاً في خطر عظيم، فهو جدير بعدم العون، ولما كانت إذا أتت من غير مسألة لم يكن فيها هذا التكلُّف، كانت جديرة بالعون على أعبائها وأثقالها.
قوله: ((وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرًا منها فكفِّر عن يمينك وائتِ الذي هو خير)) ، وفي رواية: ((فائتِ الذي هو خيرٌ وكفِّر عن يمينك)) ، ولأبي داود: ((كفِّر عن يمينك ثم ائتِ الذي هو خير)) .
وفي حديث عديِّ بن حاتم عند مسلم: ((فرأى غيرها أتقى لله فليأتِ التقوى)) ، قال عياض: اتفقوا على أن الكفارة لا تجب إلا بالحنث، وأنه يجوز تأخيرها بعد الحنث، وقال المازري: للكفارة ثلاث حالات: أحدها قبل الحلف فلا تجزئ اتفاقًا، ثانيها بعد الحلف والحنث فتجزئ اتفاقًا، ثالثها بعد الحلف وقبل الحنث ففيه الخلاف، اهـ، والجمهور على جوازها قبل الحنث.
قوله: ((لا أحلف على يمين)) ، وفي رواية لمسلم: ((على أمر)) ، وفي رواية للبخاري: "أتيت رسول الله ﷺ في نفرٍ من الأشعريين فوافَقته وهو غضبان
فاستحملناه فحلف أن لا يحملنا"، وفي لفظ له قال: ((والله ما أحملكم، ما عندي ما أحملكم)) ، قال: فانطلقنا، فأتي رسول الله ﷺ بنهب إبل، فقيل:
стр. 343
هؤلاء الأشعريون، فأتيناه فأمر لنا بخمس ذود غر الذري، فاندفعنا، وفيه: فرجعنا، فقلنا: يا رسول الله، أتيناك نستحملك فحلفت أن لا تحملنا، ثم حملتنا فظننَّا أو فعرفنا أنك نسيت يمينك، قال: ((انطلقوا فإنما حملكم الله، إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرًا منها إلا أتيت الذي هو خير منها وتحللتها)) .
قوله: ((وتحللتها)) ؛ أي: كفرت عنها.
* * *
الحديث الثالث
عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم)) ، ولمسلم: ((فمَن كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت)) ، وفي رواية قال عمر: "فوالله ما حلفت بها منذ سمعت رسول الله ﷺ ينهى عنها ذاكرًا ولا آثرًا"، يعني: حاكيًا أنه حلف بها.
الحديث دليلٌ على المنع من الحلف بغير الله - تعالى - قال ابن عبد البر: لا يجوز الحلف بغير الله بالإجماع، وعن عكرمة قال: قال عمر: "حدثت قومًا حديثًا، فقلت: لا وأبي، فقال رجل من خلفي: ((لا تحلفوا بآبائكم)) ، فالتفتُّ فإذا رسول الله ﷺ يقول: ((لو أن أحدكم حلف بالمسيح هلك، والمسيح خيرٌ من آبائكم)) ؛ رواه ابن أبي شيبة، قال الحافظ: وهذا مرسل يتقوَّى بشواهده.
وعن ابن عمر أنه سمع رجلاً يقول: لا والكعبة، فقال: لا تحلف بغير الله؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((مَن حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك)) ، قال الترمذي حسن.
قال العلماء: السرُّ في النهي عن الحلف بغير الله أن الحلف بالشيء يقتضي تعظيمه، والعظمة في الحقيقة إنما هي لله وحده، وقال الماوردي: لا يجوز لأحدٍ أن
يحلف أحدًا بغير الله، لا بطلاق
стр. 344
ولا عتاق ولا نذر، وإذا أحلف الحاكم أحدًا بشيء من ذلك وجب عزله لجهله، انتهى.
وفي الحديث الزجر عن الحلف بغير الله لا نبي ولا غيره، وما ورد في القرآن من القسم بغير الله فذلك يختصُّ بالله قال الشعبي: الخالق يقسم بما شاء من خلقه، والمخلوق لا يقسم إلا بالخالق، وأما قوله ﷺ : ((أفلح وأبيه إن صدق)) فهذا اللفظ كان يجري على ألسنة العرب من غير أن يقصدوا به القسم، وقيل: يقع في كلامهم للتأكيد لا للتعظيم كقول الشاعر:
لَعَمْرُ أَبِي الوَاشِينَ إِنِّي أُحِبُّهَا
فإنه لم يقصد تعظيم والد مَن وشى به، قال الحافظ: وفيه أن مَن حلف بغير الله مطلقًا لم تنعقد يمينه سواء كان المحلوف به يستحقُّ التعظيم لمعنًى غير العبادة؛ كالأنبياء والملائكة والعلماء الصُّلَحاء والملوك والآباء والكعبة، أو كان لا يستحقُّ التعظيم كالآحَاد، أو يستحقُّ التحقير والإذلال كالشياطين والأصنام وسائر مَن عُبِد من دون الله، انتهى، والله أعلم.
* * *
الحديث الرابع
عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((قال سليمان بن داود ﵉: لأطوفنَّ الليلة على تسعين امرأة تلد كلُّ امرأة منهن غلامًا يقاتل في سبيل الله، فقيل له: قل: إن شاء الله، فلم يقل، فطاف بهنَّ فلم تَلِد منهن إلا امرأة واحدة نصف إنسان)) ، قال: فقال رسول الله ﷺ : ((لو قال: إن شاء الله لم يحنث وكان ذلك دركًا لحاجته)) .
قوله: " قل: إن شاء الله"؛ يعني: قال له الملك.
قوله: "لأطوفن الليلة على تسعين امرأة" هو كناية عن الجماع، قال وهب بن منبه: كان لسليمان ألف امرأة:
стр. 345
ثلاثمائة مهيرة وسبعمائة سريَّة.
قوله: "تلد كلُّ امرأة منهن غلامًا يقاتل في سبيل الله" قال الحافظ: هذا قاله على سبيل التمنِّي للخير، وإنما جزم به لأنه غلب عليه الرجاء لكونه قصد به الخير وأمر الآخرة، لا لغرض الدنيا.
قوله: ((فقيل له: قل: إن شاء الله فلم يقل)) ، وفي رواية: ((فنسي)) قال بعض السلف: نبه ﷺ في هذا الحديث على آفة التمنِّي والإعراض عن التفويض، قال: ولذلك نسي الاستثناء ليمضي فيه القدر.
قوله: ((فلم تلد منهن إلا امرأة واحدة نصف إنسان)) ، في رواية: ((ولم تحمل منهن شيئًا إلا واحدًا ساقطًا إحدى شقيه)) .
قوله: ((لو قال: إن شاء الله، لم يحنث وكان ذلك دركًا لحاجته)) ، في رواية: ((وكان أرجى لحاجته)) ، وفي رواية: ((لو قال: إن شاء الله، لجاهدوا في سبيل الله فرسانًا أجمعون)) ، وفي رواية: ((لو استثنى لحملت كلُّ امرأة منهن فولدت فارسًا يُقاتل في سبيل الله)) .
وفي الحديث استحباب الاستثناء لِمَن قال: سأفعل كذا، وأن إتباع المشيئة اليمينَ يرفع حكمها، وفيه أن الاستثناء لا يكون إلا باللفظ، وفيه أن كثيرًا من المباح والملاذِّ يصير مستحبًّا بالنيَّة والقصد، وفيه ما خصَّ به الأنبياء من القوة على الجماع الدال ذلك على صحة البنية وقوة الفحولية وكمال الرجولية، مع ما هو فيه من الاشتغال بالعبادة والعلوم، ويُقال: إن كلَّ مَن كان أتقى لله فشهوته أشدُّ؛ لأن الذي لا يتَّقي يتفرَّج بالنظر ونحوه، وفيه جواز الإخبار عن الشيء ووقوعه في المستقبل بناء على غلبة الظن، وفيه جواز السهو على الأنبياء وأن ذلك لا يقدح في علوِّ منصبهم، والله أعلم.
* * *
الحديث الخامس
عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((مَن حلف على يمين صبرٍ يقتطع بها مال امرئ مسلم هو فيها فاجر لقي الله وهو عليه
غضبان)) ، ونزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً ... ﴾ [آل عمران: ٧٧] إلى آخر الآية.
* * *
стр. 346
الحديث السادس
عن الأشعث بن قيس ﵁ قال: "كان بيني وبين رجل خصومة في بئر فاختصمنا إلى رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : ((شاهداك أو يمينه)) ، قلت: إذًا يحلف ولا يبالي، فقال رسول الله ﷺ : ((مَن حلف على يمين صبرٍ يقتطع بها مال امرئ مسلم لقِي الله وهو عليه غضبان)) .
قوله: ((مَن حلف على يمين صبر)) (يمين الصبر) : هي التي تلزم ويجبر عليها حالفها، يُقَال: أصبره اليمين أحلفه بها في مقاطع الحق، قال ابن بطال: إن الله خصَّ العهد بالتقدمة على سائر الأيمان، فدلَّ على تأكُّد الحلف به؛ لأن عهد الله ما أخذه على عباده وما أعطاه عباده.
وقال الراغب: ويطلق عهد الله على ما فطر عليه عباده من الإيمان به عند أخذ الميثاق، ويُراد به أيضًا ما أمر في الكتاب والسنة مؤكدًا، وما التزمه المرء من قِبَل نفسه كالنذر، اهـ.
وفي الحديث سماع الحاكم الدعوى فيما لم يره إذا عرفه المتداعيان، وفيه أن الحاكم يسأل المدَّعي: هل له بينة؟ وفيه بناء الأحكام على الظاهر، وأن حكم الحاكم لا يُبِيح للإنسان ما لم يكن حلالاً، وفيه أن صاحب اليد أَوْلَى بالمدَّعى فيه.
قال الحافظ: وفيه التنبيه على صورة الحكم في هذه الأشياء؛ لأنه بدأ بالطالب فقال: ليس لك إلا يمين الآخَر، ولم يحكم بها للمدعَى عليه إذا حلف، بل إنما جعل اليمين تصرف دعوى المدعي لا غير، ولذلك ينبغي للحاكم إذا حلف المدعى عليه أن لا يحكم بملك المدعي فيه ولا بحيازته، بل يقرُّه على حكم يمينه، وفيه أن يمين الفاجر تسقط عند الدعوى، وأن فجوره لا يُوجِب الحجر عليه، وفيه
موعظة الحاكم الخصم إذا أراد أن يحلف خوفًا من أن يحلف باطلاً، اهـ، وبالله التوفيق.
* * *
стр. 347
الحديث السابع
عن ثابت بن الضحاك الأنصاري ﵁: أنه بايَع رسول الله ﷺ تحت لشجرة، وأن رسول الله ﷺ قال: ((مَن حلف على يمين بملة غير الإسلام كاذبًا متعمِّدًا فهو كما قال، ومَن قتل نفسه بشيء عذب به يوم القيامة، وليس على رجلٍ نذر فيما لا يملك)) .
وفي رواية: ((لَعْنُ المؤمن كقتلِه)) ، وفي رواية: ((مَن ادَّعى دعوى كاذبة ليستكثر بها لم يزده الله إلا قلَّة)) .
قوله: ((مَن حلف على يمين بملة غير الإسلام كاذبًا متعمِّدًا فهو كما قال)) (الملة) : الدين والشريعة، قال عياض: يُستَفاد منها أن الحالف المتعمِّد إن كان مطمئنَّ القلب بالإيمان وهو كاذبٌ في تعظيم ما لا يعتقد تعظيمه لم يكفر، وإن قال معتقدًا لليمين بتلك الملة لكونها حقًّا كفَر، وإن قالها لمجرَّد التعظيم لها احتمل، اهـ.
وعن الحسين بن واقد عن أبيه رفعه: ((مَن قال: إني برئ من الإسلام، فإن كان كاذبًا فهو كما قال، وإن كان صادقًا لم يعد إلى الإسلام سالمًا)) ؛ أخرجه النسائي وصحَّحه.
قوله: ((ومَن قتل نفسه بشيء عُذِّب به يوم القيامة)) قال ابن دقيق العيد: هذا من باب مجانسة العقوبات الأخروية للجنايات الدنيوية، ويُؤخَذ منه أن جناية الإنسان على نفسه كجنايته على غيره في الإثم؛ لأن نفسه ليست ملكًا له مطلقًا، بل هي لله - تعالى - فلا يتصرَّف فيها إلا بما أذن الله له فيه.
قوله: ((وليس على رجل نذر فيما لا يملك)) أخرج مسلم من حديث عمران بن حصين في قصة المرأة التي كانت أسيرة فهربت على ناقة النبي ﷺ فإن الذين
أسروا المرأة
стр. 348
انتهبوها، فنذرت إن سلمت أن تنحرها، فقال النبي ﷺ : ((لا نذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم)) .
وعن عائشة أن النبي ﷺ قال: ((لا نذر في معصية، وكفَّارته كفَّارة يمين)) ؛ رواه الخمسة، واحتجَّ به أحمد وإسحاق.
وعن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: ((مَن نذر نذرًا ولم يسمِّه فكفَّارته كفَّارة يمين، ومَن نذر نذرًا لم يطقه فكفارته كفارة يمين)) ؛ رواه أبو داود وابن ماجه، وزاد ((ومَن نذر نذرًا أطاقه فليفِ به)) .
وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: "أن امرأة قالت: يا رسول الله، إني نذرت أن أضرب على رأسك بالدف؟ فقال: ((أوفي بنذرك)) ؛ أخرجه أبو داود، زاد أحمد والترمذي في حديث بريدة: أن ذلك وقت خروجه في غزوة، فنذرت إن ردَّه الله - تعالى - سالمًا، وعند أحمد: ((إن كنتِ نذرتِ فاضربي، وإلا فلا)) .
قوله: ((لَعْنُ المؤمن كقتلِه)) ؛ أي: لأنه إذا لعنه فكأنه دعا عليه بالهلاك، وقيل: يشبهه في الإثم، والله أعلم.
* * *
باب النذر
الحديث الأول
عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قلت يا رسول الله، إني كنت نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة - وفي رواية: يومًا - في المسجد الحرام قال: ((فأوفِ بنذرك)) .
النذر في اللغة: التزام خير أو شر، وفي الشرع: التزام المكلف شيئًا لم يكن عليه منجزًا أو معلقًا، قال قتادة في قوله - تعالى -: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: ٧] : كانوا ينذرون طاعة الله من الصلاة والصيام والزكاة والحج والعمرة وممَّا افترض عليهم فسمَّاهم الله أبرارًا وقال القرطبي: النذر من العقود المأمور بالوفاء بها المثنى على فاعلها، وأعلى أنواعه ما كان غير معلَّق على شيء؛ كمَن يُعافَى من مرض، فقال: لله عليَّ أن أصوم
стр. 349
كذا أو أتصدَّق بكذا شكرًا لله - تعالى - ويليه المعلق على فعل طاعة؛ كإن شفى الله مريضِي صمتُ كذا أو صليت كذا، وما عداهما من أنواعه كنذر اللجاج؛ كمَن يستثقل عبده فينذر أن يعتقه ليتخلَّص من صحبته فلا يقصد القربة في ذلك أو يحمل على نفسه فينذر صلاة كثيرة أو صومًا مما يشقُّ عليه فعله، فإن ذكره يكره، وقد يبلغ بعضه التحريم، اهـ.
وفي الحديث لزوم النذر في القربة من كلِّ أحد حتى قبل أن يسلم، قال الحافظ: أصل الجاهلية ما قبل البعثة، والمراد بقول عمر: "في الجاهلية" ما قبل إسلامه؛ لأن جاهلية كلِّ أحد بحسبه، والله أعلم.
* * *
الحديث الثاني
عن عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي ﷺ : أنه نهى عن النذر وقال: ((إنه لا يأتي بخير، وإنما يُستَخرج به من البخيل)) .
قوله: "نهى عن النذر"، في رواية للبخاري: "أو لم ينهوا عن النذر؟ إن النبي ﷺ قال: ((إن النذر لا يُقدِّم شيئًا ولا يؤخِّره، وإنما يُستَخرج به من البخيل)) ، وفي حديث أبي هريرة عند مسلم: ((فإن النذر لا يغني من القدر شيئًا)) .
قال الخطابي: هذا بابٌ من العلم غريب، وهو النهي عن فعل شيء حتى إذا فعل كان واجبًا.
قوله: ((وإنما يستخرج به من البخيل)) في حديث أبي هريرة: ((فيخرج بذلك من البخيل ما لم يكن البخيل يريد أن يخرج)) ، قال البيضاوي: عادة الناس تعليق النذر على تحصيل منفعة أو دفع مضرَّة، فنهى عنه لأنه فعل البخلاء؛ إذ السخي إذا أراد أن يتقرَّب بادَرَ إليه، والبخيل لا تُطاوِعه نفسه بإخراج شيء من يده إلا في مقابلة عِوَض يستوفيه أولاً فيلتزمه في مقابلة ما يحصل له، وذلك
стр. 350
لا يُغنِي من القدر شيئًا، فلا يسوق إليه خيرًا لم يقدَّر له ولا يردُّ عنه شرًّا قُضِي عليه، لكن النذر قد يوافق القدر فيخرج من البخيل ما لولاه لم يكن ليخرجه، اهـ.
وفي الحديث الردُّ على القدرية، وأمَّا ما أخرجه الترمذي من حديث أنس: أن الصدقة تدفع ميتة السوء؛ فمعناه: أن الصدقة تكون سببًا لدفع ميتة السوء والأسباب مقدَّرة كالمسببات، وقد قال ﷺ لما سُئِل عن الرقي: ((هل تردُّ من قدَر الله شيئًا؟)) ، قال: ((هي من قدر الله)) ؛ أخرجه أبو داود، ونحوه قول عمر: نفرُّ من قدر الله إلى قدر الله.
وفيه الحثُّ على الإخلاص في عمل الخير وذم البخل، وفيه أن كلَّ شيء يبتدئه المكلَّف من وجوه البرِّ أفضل ممَّا يلتزم بالنذر، والله أعلم.
* * *
الحديث الثالث
عن عقبة بن عامر ﵁ قال: "نذرتْ أختي أن تمشي إلى بيت الله الحرام حافية، فأمرتني أن أستفتي لها رسول الله ﷺ فاستفتيته فقال: ((لتمشِ ولتركب)) .
الحديث دليلٌ على صحة النذر بإتيان البيت الحرام، وعن أنس ﵁: "أن النبي ﷺ رأى شيخًا يهادي بين ابنيه، قال: ((ما بال هذا؟)) ، قالوا: نذر أن يمشي، قال: ((إن الله عن تعذيب هذا نفسَه لغني)) ، وأمره أن يركب"، وعن عقبة بن عامر رفعه: ((كفارة النذر كفارة اليمين)) ؛ أخرجه مسلم.
وعن ابن عباس ﵄: ((جاء رجل فقال: يا رسول الله، إن أختي نذرت أن تحجَّ ماشية، فقال: ((إن الله لا يصنع بشقاء أختك شيئًا، لتحجَّ راكبة ثم لتكفِّر يمينها)) ؛ أخرجه الحاكم.
وعنه: "أن أخت عقبة بن عامر نذرت أن تمشي إلى البيت، فأمرها النبي ﷺ أن تركب وتهدي هديًا"؛ أخرجه أبو داود، والله أعلم.
* * *
стр. 351
الحديث الرابع
عن عبد الله بن عباس ﵄ أنه قال: استفتى سعد بن عبادة رسول الله ﷺ في نذرٍ كان على أمه، تُوفِّيت قبل أن تقضيه، قال: رسول الله ﷺ : فاقضيه عنها)) .
فيه دليلٌ على قضاء الحقوق الواجبة على الميت، وقد ذهب الجمهور إلى أن مَن مات وعليه نذر ماليٌّ أنه يجب قضاؤه من رأس ماله وإن لم يوصِ به، إلا إن وقع النذر في مرض الموت فيكون من الثلث، وفيه فضل برِّ الوالدين بعد الوفاة والتوصُّل إلى براءة ما في ذمتهم.
وعن عائشة: "أن رجلاً قال للنبي ﷺ : إن أمي افتلتت نفسها، وأراها لو تكلمت تصدقت، أفأتصدق عنها؟ قال: ((نعم، تصدق عنها)) .
وفي هذا الحديث جواز الصدقة عن الميت، وأن ذلك ينفعه بوصول ثواب الصدقة إليه، لا سيَّما إن كان من الولد، وهو مخصوص من عموم قوله - تعالى -: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩] ، والله أعلم.
* * *
الحديث الخامس
عن كعب بن مالك ﵁ قال: قلت: يا رسول الله، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : ((أمسِك عليك بعض مالك؛ فهو خيرٌ لك)) .
стр. 352
قوله: ((أمسِك عليك بعض مالك)) ، في رواية: "فقلت: إني أمسك سهمي الذي بخيبر"، ولأبي داود: ((يجزى عنك الثلث)) ، قال ابن المنير: لم يبت كعب الانخلاع بل استشار هل يفعل أو لا، وقال الفاكهاني: أورد الاستشارة بصيغة الجزم.
قال الحافظ: الأَوْلَى لِمَن أراد أن ينجز التصدُّق بجميع ماله أو يعلقه أن يمسك بعضه، ولا يلزم من ذلك أنه لو نجزه لم ينفذ، والتصدُّق بجميع المال يختلف باختلاف الأحوال، فمَن كان قويًّا على ذلك يعلم من نفسه الصبر لم يُمنَع، وعليه يتنزل فعل أبي بكر الصديق، وإيثار الأنصار على أنفسهم المهاجرين ولو كان بهم خصاصة، ومَن لم يكن كذلك فلا، وعليه يتنزل ((لا صدقة إلا عن ظهر غنى)) ، وفي لفظ: ((أفضل الصدقة ما كان عن ظهر غنى)) ، اهـ.
وقال ابن دقيق العيد: وفي الحديث دليلٌ على أن الصدقة لها أثر في محو الذنب، ولأجل هذا شرعت الكفارات المالية، اهـ.
تتمَّة:
وعن سعيد بن المسيب: أن أخوين من الأنصار كان بينهما ميراث، فسأل أحدهما صاحبه القسمة فقال: إن عدت تسألني فكلُّ مالي في رتاج الكعبة، فقال له عمر: إن الكعبة غنية عن مالك، كفِّر عن يمينك وكلِّم أخاك، سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لا يمين عليك، ولا نذر في معصية الرب، ولا في قطيعة الرحم، ولا فيما لا تملك)) ؛ رواه أبو داود، والله أعلم.
* * *
باب القضاء
الحديث الأول
عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : ((مَن أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌّ)) ، وفي لفظ: ((مَن عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ)) .
стр. 353
الأصل في القضاء ومشروعيته: الكتاب والسنة والإجماع؛ قال الله - تعالى -: ﴿يا دَاودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص: ٢٦] ، وقال - تعالى -: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة: ٤٩] ، وقال : ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] .
وفي الحديث المتفق عليه: ((إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر)) .
وعن عبد الله بن أبي أوفى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله مع القاضي ما لم يجر، فإذا جار وَكَلَه إلى نفسه)) ؛ رواه ابن ماجه، وفي لفظ: ((فإذا جار تخلَّى عنه ولزمه الشيطان)) ؛ رواه الترمذي.
وعن بريدة عن النبي ﷺ قال: ((القضاة ثلاثة: واحد في الجنة واثنان في النار؛ فأمَّا الذي في الجنة: فرجلٌ عرف الحق فقضى به، ورجلٌ عرف الحق وجار في الحكم فهو في النار، ورجلٌ قضى للناس على جهل فهو في النار)) ؛ رواه ابن ماجه وأبو داود.
قال مالك: لا بُدَّ أن يكون القاضي عالمًا عاقلاً، وقال البخاري: يستحبُّ للكاتب أن يكون أمينًا عاقلاً، اهـ.
وعن معاذ بن جبل: أن النبي ﷺ بعثه قاضيًا إلى اليمن، قال له: ((بِمَ تحكم؟)) ، قال: بكتاب الله - تعالى - قال: ((فإن لم تجد)) ، قال: فبسنَّة رسول الله ﷺ قال: ((فإن لم تجد)) ، قال: أجتهد رأيي، قال: ((الحمد لله الذي وفق رسولَ رسولِ الله لما يرضي رسول الله)) ؛ رواه أحمد.
وكتب عمر إلى معاذ بن جبل وأبي عبيدة حين بعثهما إلى الشام: أن انظرَا رجالاً من صالحي مَن قِبَلَكم فاستعمِلوهم على القضاء، وأوسعوا عليهم وارزقوهم واكفُوهم من مال الله، وقال علي: لا ينبغي أن يكون القاضي قاضيًا حتى تكون فيه خمس خصال: عفيف، حليم، عالم بما كان قبله، يستشير ذوي الألباب، لا يخاف في الله لومة لائم.
قال الموفق: وله أن ينتهر الخصم إذا التوى ويصِيح عليه، وإن استحقَّ التعزير عزَّره بما يرى من أدب أو حبس.
قوله: ((مَن أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌّ)) قال الحافظ: هذا الحديث معدودٌ من أصول الإسلام، وقاعدة من قواعده، فإن معناه: مَن اخترع في الدين ما لا يشهد له أصلٌ من أصوله فلا يلتفت إليه.
قال النووي: هذا الحديث ممَّا ينبغي أن يعتنى بحفظه واستعماله في إبطال المنكرات وإشاعة الاستدلال به كذلك، اهـ.
وقال الطرفي: هذا الحديث نصف أدلة الشرع.
قوله: وفي لفظ: ((مَن عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ)) قال الحافظ:
стр. 354
هذا أعمُّ من اللفظ الأول فيحتجُّ به في إبطال جميع العقود المنهيَّة وعدم وجود ثمراتها المرتبة عليها، وفيه ردُّ المحدثات، وأن النهي يقتضي الفساد؛ لأن المنهيات كلها ليست من أمر الدين فيجب ردُّها، ويُستَفاد منه أن حكم الحاكم لا يغير ما في باطن الأمر؛ لقوله: ((ليس عليه أمرنا)) والمراد به أمر الدين، وفيه أن الصلح الفاسد منتقض والمأخوذ عليه مستحق الرد، اهـ.
وقال البخاري: باب إذا اجتهد العامل أو الحاكم فأخطأ خلاف الرسول من غير علم فحكمه مردود؛ لقول النبي ﷺ : ((مَن عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ)) ، وقال أيضًا: ((إذا قضى الحاكم بجور أو خلاف أهل العلم فهو رد)) ، وأورد قصة خالد وقول النبي ﷺ : ((اللهم إني أبرأ إليك ممَّا صنع خالد بن الوليد)) ، قال ابن بطال: الإثم إن كان ساقطًا عن المجتهد في الحكم إذا تبيَّن له أنه بخلاف جماعة أهل العلم لكن الضمان لازمٌ للمخطئ عند الأكثر مع الاختلاف هل يلزم ذلك عاقلة الحاكم أو بيت المال؟
قال الحافظ: والذي يظهر أن التبرُّؤ من الفعل لا يلزم منه إثم فاعله ولا إلزامه الغرامة؛ فإن إثم المخطئ مرفوع وإن كان فعله ليس بمحمود اهـ، والله أعلم.
* * *
الحديث الثاني
عن عائشة ﵂ قالت: "دخلت هند بنت عتبة امرأة أبي سفيان على رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، إنَّ أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفي
стр. 355
بنيَّ إلا ما أخذت من ماله بغير علمه، فهل عليَّ في ذلك من جناح؟ فقال رسول الله ﷺ : ((خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك ويكفِي بنيك)) .
قولها: "شحيح"، في لفظ: "مسيك" بكسر الميم وتشديد السين، وبالفتح والتخفيف، والشح: البخل مع حرص وهو أعمُّ من البخل، قال القرطبي: قوله: ((خذي)) ، أمر إباحة، والمراد بالمعروف القدر الذي عرف بالعادة أنه الكفاية، اهـ.
وفي الحديث جواز ذكر الإنسان بما لا يعجبه إذا كان على وجه الاستفتاء والاشتكاء ونحو ذلك، وفيه جواز سماع كلام الأجنبية عند الحكم والإفتاء، وفيه جواز استماع كلام أحد الخصمين في غيبة الآخَر، وفيه وجوب نفقة الزوجة وأنها مقدَّرة بالكفاية، وهي معتبرة بحال الزوجين معًا؛ لقوله - تعالى -: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو
سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آَتَاهُ اللَّهُ ... ﴾ [الطلاق: ٧] الآية، وفيه وجوب نفقة الأولاد بشرط الحاجة، واستدلَّ به على أن مَن له عند غيره حق وهو عاجز عن استيفائه جاز له أن يأخذ من ماله قدر حقِّه بغير إذنه، وتسمَّى مسألة الظفر، وأن للمرأة مدخلاً في القيام على أولادها وكفالتهم والإنفاق عليهم، وفيه اعتماد العرف في الأمور التي لا تحديد فيها من قِبَل الشرع، وفيه جواز القضاء على الغائب.
قال ابن بطال: أجاز مالك والليث والشافعي وأبو عبيد وجماعة الحكم على الغائب واستثنى ابن القاسم عن مالك ما يكون للغائب فيه حجج كالأرض والعقار، إلا إن طالت غيبته أو انقطع خبرة.
قال الحافظ: واحتج مَن منع بحديث عليٍّ رفعه: ((لا تقضِ لأحد الخصمين حتى تسمع كلام الآخر)) ، وبحديث الأمر بالمساواة بين الخصمين، وبأنه لو حضر لم تسمع بيِّنة المدَّعي حتى يسأل المدَّعى عليه فإذا غاب فلا تسمع، وبأنه لو جاز الحكم مع غيبته لم يكن الحضور واجبًا عليه، وأجاب مَن أجاز بأن ذلك كله لا يمنع الحكم على الغائب؛ لأن حجته إذا حضر قائمة فتسمع ويعمل بمقتضاها ولو أدَّى إلى نقض الحكم السابق، وحديث عليٍّ محمول على
следующие страницы →