قوله: ((وجُعِلت لي الأرض مسجدًّا وطهورًا)) فيه دليلٌ على أن التيمم يرفع الحدث كالماء لاشتراكهما في هذا الوصف، وعلى أن التيمم جائز بجميع أجزاء الأرض.
وعن ابن عباس ﵄ قال: "من السنة أن لا يصلي الرجل بالتيمم إلا صلاة واحدة ثم يتيمَّم للصلاة الأخرى)) ؛ رواه الدارقطني.
قال شيخ الإسلام بن تيميَّة: التيمم لوقت كلِّ صلاة إلى أن يدخل وقت الصلاة الأخرى كمذهب مالك وأحمد في المشهور عنه، هو أعدل الأقوال.
قوله: ((وأُحِلَّت لي المغانم، ولم تحلَّ لأحدٍ قبلي)) كان مَن قبلنا إذا غنموا شيئًا لم يحل لهم أن يأكلوه وجاءت نار فأحرقته، وقد قال الله - تعالى -: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلاً طَيِّبًا﴾ [الأنفال: ٦٩] .
قوله: ((وأُعطِيت الشفاعة)) ؛ أي: الشفاعة العظمى في إراحة الناس من هول الموقف بتعجيل حسابهم، وهو المقام المحمود المذكور في قوله - تعالى -: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] .
قال ابن دقيق العيد: والشفاعات خمس: أحدها: هذه وهي مختصَّة بمحمد ﷺ والثانية: الشفاعة في إدخال قومٍ الجنة من دون حساب، والثالثة: قوم قد استوجبوا النار فيشفع في عدم دخولهم، والرابعة: قوم أدخلوا النار فيشفع في خروجهم
منها، والخامسة: الشفاعة بعد دخول الجنة في زيادة الدرجات لأهلها، انتهى ملخصًا.
وعن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((مَن قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامَّة والصلاة القائمة آتِ محمدًا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته حلَّت له شفاعتي يوم القيامة)) ؛ أخرجه البخاري والأربعة، زاد البيهقي: ((إنك لا تخلف الميعاد)) .
* * *
باب الحيض
الحديث الأول
عن عائشة ﵂ أن فاطمة بنت أبي حبيش سألت النبي ﷺ فقالت: إني أستحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة؟
стр. 37
قال: ((لا، إن ذلك دم عرق ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها ثم اغتسلي وصلِّي)) .
وفي رواية: ((وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة فيها فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي)) .
((الحيض)) : دم طبيعة وجبلة يُرخِيه الرحم إذا بلغت المرأة، ثم يعتادها في أوقات معلومة لحكمة تربية الولد، يخرج في الغالب في كلِّ شهر ستة أيام أو سبعة، وقد يزيد على ذلك وينقص.
قال الله - تعالى -: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] .
قولها: "إني أستحاض فلا أطهر" (الاستحاضة) : جريان الدم من فرج المرأة في غير أوانه.
قوله: ((إن ذلك دم عِرق)) بكسر العين يسمونه العاذل.
قوله: ((ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها، ثم اغتسلي وصلي)) فيه دليل على أن المستحاضة تبنى على عادتها.
قوله: وفي رواية: ((وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة فيها، فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي)) فيه دليلٌ على أن المرأة إذا ميزت دم الحيض من دم الاستحاضة تعتبر دم الحيض وتعمل على إقباله وإدباره، فإذا انقضى قدره اغتسلت عنه ثم صار حكم دم الاستحاضة حكم الحدث تتوضَّأ لكلِّ صلاة، وروى أبو داود والنسائي عن عائشة ﵂: أن فاطمة
بنت أبي حبيش كانت تستحاض، فقال لها رسول الله ﷺ : ((إن دم الحيض دم أسود يُعرَف، فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة، وإذا كان الآخر فتوضَّئي وصلِّي)) ، انتهى.
وإذا كان للمستحاضة عادة وتمييز قدَّمت التمييز فعملتْ به وتركت العادة، وهو ظاهر كلام الخرقي ورواية عن الإمام أحمد، وإن كانت لا تمييز لها ولا عادة فإنها تقعد ستة أيام أو سبعة في كل شهر ثم تغتسل وتصلي؛ لحديث حمنة ﵂ قالت: كنت أستحاض حيضة كثيرة شديدة فأتيت النبي ﷺ أستفتيه
стр. 38
فقال: ((إنما هي ركضة من الشيطان فتحيضي ستة أيام أو سبعة ثم اغتسلي)) الحديث.
والمبتدِئَة تجلس عادة نسائها، قال في "المغني": روى صالح قال: قال أبي: "أوَّل ما يبدأ الدم بالمرأة تقعد ستة أيام أو سبعة وهو أكثر ما تجلسه النساء"، على حديث حمنة.
وفي الحديث جواز استفتاء المرأة بنفسها ومشافهتها للرجل فيما يتعلق بأحوال النساء وجواز سماع صوتها للحاجة.
* * *
الحديث الثاني
عن عائشة ﵂: أن أم حبيبة استحيضت سبع سنين فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك، فأمرها أن تغتسل، فكانت تغتسل لكل صلاة.
قال الحافظ: قوله: "فأمرها أن تغتسل" زاد الإسماعيلي: "وتصلي"، وهذا الأمر بالاغتسال مطلق فلا يدلُّ على التكرار، وقال الليث بن سعد في روايته عند مسلم: لم يذكر ابن شهاب أن رسول الله ﷺ أمرها أن تغتسل لكلِّ صلاة، ولكنه شيء فعلته هي، انتهى.
وللمستحاضة أحكامٌ تخالف الحائض: منها جواز وطئها، وكونها لا تترك الصلاة والصيام والطواف، والحائض بضد ذلك.
قوله: "فكانت تغتسل لكلِّ صلاة" فيه دليلٌ على استحباب الغسل للمستحاضة عند كل صلاة، والواجب عليها الوضوء كما في رواية للبخاري: ((وتوضيء لكل صلاة)) ، انتهى.
فإذا دخل الوقت غسلت المستحاضة فرجها وعصبته وصلت؛ لقوله في حديث أم سلمة: ((ولتستثفر ثم تصلي)) ؛ رواه أبو داود.
* * *
الحديث الثالث
عن عائشة ﵂ قالت: "كنت اغتسل أنا ورسول الله
стр. 39
- ﷺ من إناء واحد كلانا جنب، وكان يأمرني فأتَّزر فيباشرني وأنا حائض، وكان يُخرِج رأسه إلي وهو معتكف فأغسله وأنا حائض".
فيه جواز مباشرة الحائض فيما فوق الإزار، وفيه دليل على طهارة بدن الحائض وعرقها، وفيه أن الحائض لا تدخل المسجد، وفيه جواز اغتسال الزوجين من إناء واحد، وقد تقدم.
* * *
الحديث الرابع
عن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ يتَّكئ في حجري وأنا حائض فيقرأ القرآن".
فيه جواز ملامسة الحائض، وفيه إشارة إلى أن الحائض لا تقرأ القرآن، وقال البخاري "باب قراءة الرجل في حجر امرأته وهي حائض"، وكان أبو وائل يرسل خادمة وهي حائض إلى أبي رزين فتأتيه بالمصحف فتُمسِكه بعلاقته وساق الحديث.
* * *
الحديث الخامس
عن معاذة قالت: "سألت عائشة ﵂ فقلت: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فقالت: أحرورية أنت؟ فقلت: لست بحرورية، ولكني أسأل، فقالت: كان يصيبنا ذلك فنُؤمَر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة".
стр. 40
قال ابن دقيق العيد: (الحروري) نسبة إلى حروراء، وهو موضع بظاهر الكوفة اجتمع فيه أوائل الخوارج ثم كثر استعماله حتى استُعمِل في كل خارجي، ومنه قول عائشة لمعاذة: أحرورية أنت؟ وإنما قالت ذلك لأن مذهب الخوارج أن الحائض تقضي الصلاة.
قال الحافظ: والخوارج فِرَق كثيرة، لكن من أصولهم المتَّفق عليها بينهم الأخذ بما دلَّ عليه القرآن، وردُّ ما زاد عليه من الحديث مطلقًا.
قولها: "ولكني أسأل"؛ أي: سؤالاً مجرَّدًا لطلب العلم لا للتعنُّت، وفي الحديث الجواب بالنص لأنه أبلغ وأقوى وأقطع لِمَن يعارض، وبالله التوفيق.
* * *
стр. 41
كتاب الصلاة
باب المواقيت
الحديث الأول
عن أبي عمرو الشيباني - واسمه سعد بن إياس - قال: حدثني صاحب هذه الدار - وأشار بيده إلى دار عبد الله بن مسعود - قال: "سألت النبي ﷺ : أيُّ الأعمال أحبُّ إلى الله ؟ قال: ((الصلاة على وقتها)) ، قلت: ثم أي (١) ؟ قال: ((بر الوالدين)) ، قلت: ثم أي؟ قال: ((الجهاد في سبيل الله)) ، قال: حدثني بهن رسول الله ﷺ ولو استزدته لزادني.
(الصلاة) : في اللغة الدعاء: قال الله - تعالى -: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] ؛ أي: ادعُ لهم، وهي في الشرع عبارة عن الأفعال المعلومة.
قال الله - تعالى -: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥] ، وقال - تعالى -: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَلاَ تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الروم: ٣١] .
وعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة)) ؛ رواه الجماعة إلا البخاري والنسائي.
وعن بريدة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((العهد الذي بيننا وبينكم الصلاة، فمَن تركها فقد كفر)) ؛ رواه الخمسة.
ومناسبة تعقيب الطهارة
стр. 42
بالصلاة لتقدُّم الشرط على المشروط والوسيلة على المقصود.
و (المواقيت) : جمع ميقات قال الله - تعالى -: ﴿إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣] ؛ أي: مقدرًا وقتها، فلا تُقدَّم عليه ولا تُؤخَّر عنه.
قال ابن عباس: أي: مفروضًا.
وقال - تعالى -: ﴿أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨] .
والدلوك: زوال الشمس، فيدخل فيه وقت الظهر والعصر، ويدخل في غسق الليل وقتُ المغرب والعشاء.
وعن عبد الله بن عمر ﵄: أن النبي ﷺ قال: ((وقت الظهر إذا زالت الشمس وكان ظل الرجل كطوله ما لم يحضر العصر، ووقت العصر ما لم تصفر الشمس، ووقت صلاة المغرب ما لم يَغِب الشفق، ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل الأوسط، ووقت صلاة الصبح من طلوع الفجر ما لم تطلع الشمس)) ؛ رواه مسلم.
قوله: "سألت رسول الله ﷺ : أي الأعمال أحب إلى الله - تعالى؟ قال: ((الصلاة على وقتها)) "؛ أي: في وقتها، فلا تصحُّ الصلاة قبل دخول وقتها، ويحرم تأخيرها حتى يخرج وقتها؛ قال الله - تعالى -: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاَةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩] ، قال ابن مسعود: أخَّروها عن وقتها، وقال سعيد بن المسيب: هو أن لا يصلي الظهر حتى يأتي العصر، ولا العصر حتى تغرب الشمس.
وعن ابن مسعود أنه قيل له: إن الله يكثر ذكر الصلاة في القرآن: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: ٥] ، و ﴿عَلَى صَلاَتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ [المعارج: ٢٣] ، و ﴿عَلَى صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [المعارج: ٣٤] .
فقال بن مسعود: على مواقيتها، قالوا: ما كنَّا نرى ذلك إلا على الترك، قال: ذلك الكفر.
وفي الحديث تعظيم الوالدين، وأن أعمال البر يفضُل بعضها على بعض، وفيه السؤال عن مسائل شتَّى في وقت واحد، والرفق بالعالم والتوقُّف عن الإكثار عليه خشيةَ إملاله، وفيه أن الإشارة تتنزل منزلة التصريح إذا كانت مبيِّنة.
* * *
الحديث الثاني
عن عائشة ﵂ قالت: "لقد كان رسول الله - صلى الله عليه
стр. 43
وسلم - يصلي الفجر فيشهد معه نساء من المؤمنات متلفِّعات بمروطهن، ثم يرجعن إلى بيوتهن ما يعرفهن أحد من الغلس".
قال: "المروط": أكسية معلمة تكون من خزٍّ وتكون من صوف، و"متلفِّعات": ملتحفات، و"الغلس": اختلاط ضياء الصبح بظلمة الليل.
فيه استحباب المبادرة بصلاة الصبح في أوَّل الوقت وهو تحقُّق طلوع الفجر كما في حديث أبي موسى: "فأقام الفجر حين انشقَّ الفجر والناس لا يكاد يعرف بعضهم بعضًا"، وأمَّا المبادرة بها من حين طلوع الفجر فلم يفعله النبي ﷺ إلا يوم مزدلفة.
قال الشوكاني: ولا معارضة بين هذا الحديث وبين حديث أبي برزة أنه كان ينصرف من صلاة الغداة حين يعرف الرجل جليسه؛ لأن هذا إخبار عن رؤية المتلفِّعة على بعد، وذاك إخبار عن رؤية الجليس.
وعن معاذ بن جبل ﵁ قال: "بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن، فقال: ((يا معاذ، إذا كان في الشتاء فغلِّس بالفجر، وأطِل القراءة قدر ما يطيق الناس ولا تملهم، وإذا كان الصيف فأسفِر بالفجر، فإن الليل قصير والناس ينامون فأمهلهم حتى يدركوا)) ؛ رواه البغوي في "شرح السنة".
قوله: " (والغلس) اختلاط ضياء الصبح بظلمة الليل"؛ أي: الصبح الصادق وهو الفجر الثاني، وأمَّا الفجر الأول فلا تصحُّ فيه، وفي الحديث جواز خروج النساء إلى المساجد إذا لم يخشَ فتنة.
* * *
الحديث الثالث
عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: "كان النبي ﷺ يصلِّي الظهر بالهاجرة، والعصر والشمس نقيَّة، والمغرب إذا وجبت، والعشاء أحيانًا وأحيانًا إذا رآهم اجتمعوا عجَّل وإذا رآهم
стр. 44
أبطؤوا أخَّر، والصبح كان النبي ﷺ يصليها بغلس".
(الهاجرة) : هي شدة الحر بعد الزوال.
وهذا الحديث يدلُّ على فضيلة أوَّل الوقت، وهو عام مخصوص بالإبراد في شدَّة الحر، وتأخير العشاء إذا لم يشق.
قوله: "والعصر والشمس نقية"؛ أي: صافية لم تدخلها صفرة.
قوله: "والمغرب إذا وجبت"؛ أي: إذا سقطت؛ يعني: غربت الشمس.
وعن أبي بن كعب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((يا بلال، اجعل بين أذانك وإقامتك نفَسًا يفرغ الآكِل من طعامه في مهَل، ويقضي المتوضِّئ حاجته في مهَل)) ؛ رواه عبد الله بن أحمد في "زوائد المسند".
قال ابن دقيق العيد: وتأخير صلاة الجماعة أفضل من صلاة المنفرد في أول الوقت؛ لأن التشديد في ترك الجماعة والترغيب في فعلها موجود، للأحاديث الصحيحة، وفضيلة الصلاة في أوَّل الوقت وردت على جهة الترغيب في الفضيلة، وأمَّا جانب التشديد في التأخير عن أوَّل الوقت فلم يرد كما في صلاة الجماعة.
* * *
الحديث الرابع
عن أبي المنهال سيار بن سلامة قال: "دخلت أنا وأبي على أبي برزة الأسلمي، فقال له أبي: كيف كان النبي ﷺ يصلي المكتوبة؟ فقال: كان يصلي الهجير التي تدعونها الأولى حين تدحض الشمس، ويصلي العصر ثم يرجع أحدنا إلى رحله
في أقصى المدينة والشمس حية، ونسيت ما قال في المغرب، وكان يستحبُّ أن يؤخِّر من العشاء التي تدعونها العَتَمة، وكان يكره النوم قبلها
стр. 45
والحديث بعدها، وكان ينفتل من صلاة الغداة حين يعرف الرجل جليسه وكان يقرأ بالستين إلى المائة".
قوله: "والشمس حية"؛ أي: بيضاء نقية، و"رحله": مسكنه.
قال ابن دقيق العيد: وإنما قيل لصلاة الظهر الأولى؛ لأنها أول صلاة أقامها جبريل ﵇ للنبي ﷺ .
قوله: "وكان يكره النوم قبلها والحديث بعدها" فيه دليلٌ على كراهة الأمرين.
وروى الحافظ المقدسي في "الأحكام" من حديث عائشة ﵂ مرفوعًا: ((لا سمر إلا لثلاثة: مصلٍّ، أو مسافر، أو عروس)) .
قال النووي: واتَّفق العلماء على كراهة الحديث بعدها إلاَّ ما كان في خير.
* * *
الحديث الخامس
عن علي ﵁ أن النبي ﷺ قال يوم الخندق: ((ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارًا كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس)) .
وفي لفظٍ لمسلم: ((شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر)) ، ثم صلاها بين المغرب والعشاء.
وله عن عبد الله بن مسعود قال: "حبس المشركون رسولَ الله ﷺ عن صلاة العصر حتى احمرَّت الشمس أو اصفرَّت، فقال رسول الله ﷺ : ((شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر، ملأ الله أجوافهم وقبورهم نارًا أو حشا الله أجوافهم وقبورهم نارًا)) .
في الحديث دلالةٌ صريحةٌ على أن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر.
قوله: "ثم
стр. 46
صلاها بين المغرب والعشاء"؛ أي: بعد دخول وقت المغرب، كما في حديث جابر: فصلى العصر بعدما غربت الشمس، ثم صلى بعدها المغرب.
* * *
الحديث السادس
عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: أعتَمَ النبي ﷺ بالعشاء فخرج عمر فقال: الصلاة يا رسول الله، رقد النساء والصبيان، فخرج ورأسه يقطر يقول: ((لولا أن أشقَّ على أمتي - أو: على الناس - لأمرتهم بهذه الصلاة هذه الساعة)) .
فيه دليلٌ على استحباب تأخير العشاء إذا لم يشقَّ على الناس.
قال ابن دقيق العيد: وفي الحديث دليل على تنبيه الأكابر؛ إمَّا لاحتمال غفلة، أو لاستثارة فائدة.
* * *
الحديث السابع
عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: ((إذا أُقِيمت الصلاة وحضر العشاء فابدؤوا بالعشاء)) ، وعن ابن عمر نحوه.
* * *
الحديث الثامن
ولمسلم عن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لا صلاة بحضرة طعام ولا وهو يدافعه الأخبثان)) .
فيه دليل على تقديم فضيلة الخشوع في الصلاة على فضيلة أوَّل الوقت ولو فاتته
стр. 47
الجماعة، ولا يجوز اتِّخاذ ذلك عادة.
وعن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((إذا قدم العشاء فابدؤوا به قبل أن تصلُّوا المغرب)) .
قوله في حديث عائشة: ((ولا وهو يدافعه الأخبثان)) ؛ يعني: البول والغائط.
قال ابن دقيق العيد: ومدافعة الأخبثين إمَّا أن تؤدِّي إلى الإخلال بركن أو شرط أو لا، فإن أدَّى إلى ذلك امتنع دخول الصلاة معه، وإن دخل واختلَّ الركن أو الشرط فسَدت الصلاة بذلك الاختلال، وإن لم يؤدِّ إلى ذلك فالمشهور فيه الكراهة.
* * *
الحديث التاسع
عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: "شهد عندي رجال مرضيُّون وأرضاهم عندي عمر، أن النبي ﷺ نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تشرق الشمس وبعد العصر حتى تغرب".
وما في معناه من الحديث العاشر.
* * *
الحديث العاشر
عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: ((لا صلاة بعد الصبح حتى ترتفع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس)) .
قال المصنف - رحمه الله تعالى -: وفي الباب عن علي بن أبي طالب ﵁ وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وأبي هريرة، وسمرة بن جندب، وسلمة بن الأكوع، وزيد بن ثابت، ومعاذ بن جبل، وكعب بن مرة،
стр. 48
وأبي أمامة الباهلي، وعمرو بن عبسة الأسلمي، وعائشة ﵃ والصنابحي، ولم يسمع من النبي ﷺ من قوله، قال المصنف: إلى آخره من الأصل.
قال النووي: أجمعت الأمة على كراهة صلاة لا سبب لها في الأوقات المنهيِّ عنها، واتَّفقوا على جواز الفرائض المؤدَّاة فيها، واختلفوا في النوافل التي لها سبب، انتهى.
وقال الموفق في "المقنع": ويجوز قضاء الفرائض في أوقات النهي، وتجوز صلاة الجنازة وركعتا الطواف وإعادة الجماعة إذا أُقِيمت وهو في المسجد بعد الفجر والعصر، وهل يجوز في الثلاثة الباقية؟ على روايتين، ولا يجوز التطوُّع بغيرها في شيء من الأوقات الخمسة إلا ما له سبب؛ كتحية المسجد وسجود التلاوة وصلاة الكسوف وقضاء السنن الراتبة فإنها على روايتين، انتهى.
وعن جبير بن مطعم ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((يا بني عبدمناف، لا تمنعوا أحدًا طاف بهذا البيت وصلَّى أية ساعة شاء من ليل أو نهار)) ؛ رواه الخمسة.
وهذا الحديث يدلُّ على مشروعية ركعتي الطواف في أوقات النهي تبعا للطواف.
قال الموفق في "المغني": ولا فرق بين مكة وغيرها في المنع من التطوُّع في أوقات النهي، والله أعلم.
* * *
الحديث الحادي عشر
وعن جابر بن عبد الله ﵄: أن عمر بن الخطاب ﵁ جاء يوم الخندق بعدما غربت الشمس، فجعل يسبُّ كفار قريش، وقال: يا رسول الله، ما كدت أصلي العصر حتى كادت الشمس تغرب، فقال النبي ﷺ : ((والله ما صليتها)) ، قال: فقمنا إلى بطحان فتوضَّأ للصلاة وتوضَّأنا لها، فصلى العصر بعدما غربت الشمس ثم صلى بعدها المغرب.
стр. 49
في الحديث دليلٌ على جواز قضاء الفوائت في أوقات النهي، وفيه جواز اليمين من غير استحلاف إذا اقتضت مصلحة من زيادة طمأنينة أو نفي توهُّم، وفيه مشروعية ترتيب قضاء الفوائت وصلاتها في الجماعة.
* * *
باب فضل الصلاة الجماعة ووجوبها
الحديث الأول
عن عبد الله بن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذِّ بسبعٍ وعشرين درجة)) .
* * *
الحديث الثاني
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((صلاة الرجل في الجماعة تضعف على صلاته في بيته وفي سوقه خمسًا وعشرين ضعفًا؛ وذلك أنه إذا توضَّأ فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى المسجد لا يُخرِجه إلا الصلاة لم يخطُ خطوةً إلا رُفِعت له بها درجة، وحُطَّ عنه بها خطيئة، فإذا صلَّى لم تزل الملائكة تصلِّي عليه ما دام في مصلاَّه: اللهم صلِّ عليه، اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، ولا يزال في صلاة ما انتظر الصلاة)) .
قوله: ((صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة)) قال الترمذي: عامة من رواه قالوا: "خمسًا وعشرين"، إلا ابن عمر فإنه قال: "سبعًا وعشرين"؛ انتهى.
стр. 50
وقد جمع بينهما بأن ذكر القليل لا ينفي الكثير وفضل الله واسع، وقيل: السبع مختصَّة بالجهرية والخمس بالسرية؛ لأن في الجهرية الإنصات عند قراءة الإمام والتأمين عند تأمينه.
وفي حديث أبي هريرة إشارة إلى بعض الأسباب المقتضية للدرجات وهو قوله: ((وذلك أنه إذا توضَّأ فأحسن الوضوء ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة لم يخطُ خطوة إلا رُفِعت له بها درجة وحُطَّ عنها بها خطيئة)) ، ومنها الاجتماع والتعاون على الطاعة، والألفة بين الجيران، والسلامة من صفة النفاق
ومن إساءة الظن به، ومنها صلاة الملائكة عليه واستغفارهم له، وغير ذلك، والله أعلم.
* * *
الحديث الثالث
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوًا، ولقد هممت أن آمُر بالصلاة فتُقَام، ثم آمر رجلاً فيصلِّي بالناس، ثم أنطلق برجال معهم حِزَم من حطب إلى قومٍ لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار)) .
هذا الحديث يدلُّ على وجوب الصلاة في الجماعة، وفيه تقديم التهديد على العقوبة، وسر ذلك أن المفسدة إذا ارتفعت بالأهون من الزجر اكتفى به عن الأعلى من العقوبة، وفيه جواز أخذ أهل الجرائم على غرَّة، وفيه الرخصة للإمام في ترك الجماعة لمثل ذلك.
وعن ابن مسعود ﵁ قال: ((لقد رأيتنا وما يتخلَّف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يُؤتَى به يُهادِي بين الرجلين حتى يُقَام في الصف)) ؛ رواه الجماعة إلا البخاري والترمذي، وقال البخاري: "باب وجوب صلاة الجماعة".
وقال الحسن: إن منعته أمه عن العشاء في الجماعة شفقة عليه لم يطعها وساق الحديث، ولفظه: أن رسول الله -
стр. 51
صلى الله عليه وسلم - قال: ((والذي نفسي بيده لقد هممتُ أن آمُر بحطب فيحطب، ثم آمُر بالصلاة فيؤذن لها، ثم آمُر رجلاً فيؤمُّ الناس، ثم أخالف إلى رجال فأحرق عليهم بيوتهم، والذي نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عرقًا سمينًا أو مرماتين (١) حسنتين لشهد العشاء)) .
* * *
الحديث الرابع
عن عبد الله بن عمر ﵄: عن النبي ﷺ قال: ((إذا استأذنت أحدكم امرأته إلى المسجد فلا يمنعها)) ، قال: فقال بلال بن عبد الله، والله لنمنعهن، قال: فأقبل عليه عبد الله فسبَّه سبًّا سيئًا ما سمعته سبَّه مثله قطُّ، وقال: أخبرك عن رسول الله ﷺ وتقول: والله لنمنعهن، وفي لفظ: ((لا تمنعوا إماء الله مساجد الله)) .
فيه دليلٌ على جواز خروج النساء إلى المساجد إذا أُمِنت الفتنة بهن أو منهن.
ولأبي داود: ((ولا تمنعوا نساءكم المساجد، وبيوتهن خيرٌ لهن)) .
قال ابن دقيق العيد: وقد صحَّ أن النبي ﷺ قال: ((أيما امرأة أصابت بخورًا فلا تشهد معنا العشاء الآخرة)) ، ويلحق به حسن الملابس، ولبس الحلي الذي يظهر أثره في الزينة، انتهى.
وفي الحديث تأديب المعترض على السنن برأيه وعلى العالم بهواه وتأديب الرجل ولده وإن كان كبيرًا إذا تكلم بما لا ينبغي له، وجواز التأديب بالهجران.
* * *
стр. 52
الحديث الخامس
عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: "صليت مع رسول الله ﷺ ركعتين قبل الظهر وركعتين بعدها، وركعتين بعد الجمعة وركعتين بعد المغرب وركعتين بعد العشاء"، وفي لفظ: "فأمَّا المغرب والعشاء والفجر والجمعة ففي بيته".
وفي لفظ للبخاري أن ابن عمر قال: "حدثتني حفصة أن النبي ﷺ كان يصلي سجدتين خفيفتين بعدما يطلع الفجر وكانت ساعة لا أدخل على النبي ﷺ فيها".
قوله: "صليت مع رسول الله ﷺ ركعتين قبل الظهر"، في رواية "حفظت من رسول الله ﷺ عشر ركعات"، فالمراد بقوله: "مع" التبعية لا التجميع، وهذا الحديث يدلُّ على سنيَّة الرواتب العشر وتأكيدها.
قوله: "فأمَّا المغرب والعشاء والفجر والجمعة ففي بيته" قال الحافظ: والظاهر أن ذلك لم يقع عن عمد، وإنما كان ﷺ يتشاغَل بالناس في النهار غالبًا، وبالليل يكون في بيته غالبًا، انتهى.
قال ابن دقيق العيد: وفي تقديم السنن على الفرائض وتأخيرها عنها معنًى لطيف مناسب، أمَّا في التقديم فلأن الإنسان يشتغل بأمور الدنيا وأسبابها فتتكيَّف النفس في ذلك بحال بعيدة عن حضور القلب في العبادة والخشوع فيها الذي هو روحها، فإذا قدمت السنن على الفريضة تأنَّست النفس بالعبادة وتكيَّفت بحالة تقرِّب من الخشوع فيدخل في الفرائض على حالة حسنة لم تكن تحصل له لو لم تقدم السنة، فإن النفس مجبولة على التكييف بما هي فيه لا سيَّما إذا كثر أو طال، وورود الحالة المنافية لما قبلها قد تمحو أثر الحالة السابقة أو تضعفه، وأمَّا السنن المتأخِّرة فلما ورد أن النوافل جابرة لنقصان الفرائض، فإذا وقع الفرض ناسَب أن يكون بعده ما يجبر خللاً فيه إن وقع.
* * *
стр. 53
الحديث السادس
عن عائشة ﵂ قالت: "لم يكن رسول الله ﷺ على شيء من النوافل أشدَّ تعاهدًا منه على ركعتي الفجر"، وفي لفظ لمسلم: ((ركعتا الفجر خيرٌ من الدنيا وما فيها)) .
فيه دليل على تأكيد ركعتي الفجر وعظم ثوابهما.
تنبيه:
إذا صلى الرجل ركعتي الفجر في بيته وأتى المسجد قبل أن تُقَام الصلاة فليركع ركعتين؛ لقوله ﷺ : ((إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين)) .
باب الأذان
الحديث الأول
عن أنس بن مالك ﵁ قال: ((أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة)) .
الأذان: لغة الأعلام؛ قال الله - تعالى -: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٣] ، وشرعًا: الإعلام بوقت الصلاة بألفاظ مخصوصة في أوقات مخصوصة.
قال الله - تعالى -: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَ يَعْقِلُونَ﴾ [المائدة: ٥٨] .
قال القرطبي وغيره: الأذان على قِلَّة ألفاظه مشتَمِل على مسائل العقيدة؛ لأنه بدأ بالأكبرية وهي تتضمَّن وجود الله وكماله، ثم ثنَّى بالتوحيد ونفي الشريك، ثم بإثبات الرسالة لمحمد ﷺ ثم دعا إلى الطاعة المخصوصة بالرسالة؛ لأنها لا تُعرَف إلا
стр. 54
من جهة الرسول، ثم دعا إلى الفلاح وهو البقاء الدائم، وفيه الإشارة إلى المعاد، ثم أعاد ما أعاد توكيدًا.
ويحصل من الأذان الإعلامُ بدخول الوقت والدعاءُ إلى الجماعة، وإظهارُ شعائر الإسلام، والحكمة في اختيار القول له دون الفعل سهولةُ القول وتيسُّره لكل أحد في كل زمان ومكان.
قوله: "أمر بلال"؛ أي: أمره النبي ﷺ .
والحديث له قصة، وهي ما رواه البخاري عن ابن عمر: كان المسلمون حين قدِمُوا يجتمعون فيتحيَّنون الصلاة ليس يُنادَى لها، فتكلَّموا يومًا في ذلك، فقال بعضهم: اتخذوا ناقوسًا مثل ناقوس النصارى، وقال بعضهم: بل بوقًا مثل قرن
اليهود، فقال عمر: أوَلاَ تبعثون رجلاً ينادي بالصلاة، فقال رسول الله ﷺ : ((يا بلال، قم فنادِ بالصلاة)) .
قوله: "أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة"؛ أي: بألفاظ الأذان شفعًا والإقامة فُرادَى إلا قد قامت الصلاة.
قال ابن عبد البر: ذهب أحمد وإسحاق وداود وابن جرير إلى أن تربيع التكبير الأوَّل في الأذان وتثنيته والترجيع في التشهد وتركه وتثنية الإقامة وإفرادها من الاختلاف المباح، فالجميع جائز، انتهى.
* * *
الحديث الثاني
عن أبي جحيفة وهب بن عبد الله السُّوائي قال: "أتيت النبي ﷺ وهو في قُبَّة له حمراء من أدم، قال: فخرج بلال بوضوء فمن ناضح ونائل، قال: فخرج النبي ﷺ وعليه حُلَّة حمراء كأني أنظر إلى بياض ساقيه، قال: فتوضَّأ وأذَّن بلال، قال: فجعلت اتبع فاه ها هنا وها هنا يقول يمينًا وشمالاً: حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح، ثم ركَّزت له عنزة فتقدَّم وصلَّى الظهر ركعتين، ثم لم يزل يصلي ركعتين حتى رجع إلى المدينة".
стр. 55
فيه دليلٌ على مشروعية الالتفات عند الحيعلتين، ووضع السترة للمصلي، والاكتفاء بمثل العنزة، وأن السنَّة في السفر قصر الصلاة، قال أحمد: لا يدور المؤذن إلا إن كان على منارة يقصد إسماع أهل الجهتين.
* * *
الحديث الثالث
عن عبد الله بن عمر ﵄ عن رسول الله ﷺ أنه قال: ((إن بلالاً يؤذِّن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذِّن ابن أم مكتوم)) .
في الحديث دليلٌ على جواز أذان الأعمى إذا كان له مَن يخبره، وكان ابن أم مكتوم رجلاً أعمى لا ينادي حتى يُقَال له: أصبحت أصبحت.
وللبخاري: ((فإنه لا يؤذِّن حتى يطلع الفجر)) .
ولمسلم: ((ولم يكن بينهما إلا أن ينزل هذا ويرقى هذا)) ، وفيه جواز اتِّخاذ مؤذنَين في المسجد الواحد، وفيه جواز الأكل مع الشك في طلوع الفجر؛ لأن الأصل بقاء الليل، وجواز ذكر الرجل بما فيه من العاهة إذا كان يقصد التعريف ونحوه، وجواز نسبة الرجل إلى أمِّه إذا اشتهر بذلك واحتيج إليه.
قال الموفق في "المغني": ويستحبُّ أن لا يؤذِّن قبل الفجر إلا أن يكون معه مؤذِّن آخر يؤذِّن إذا أصبح كفعل بلال وابن أم مكتوم اقتداءً برسول ﷺ .
* * *
الحديث الرابع
عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا سمعتم المؤذِّن فقولوا مثلما يقول)) .
стр. 56
فيه دليلٌ على مشروعية إجابة المؤذِّن بمثل ما يقول إلا في الحيعلتين، فيقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، ويقول بعد فراغه: اللهم ربِّ هذه الدعوة التامَّة والصلاة القائمة، آتِ محمدًا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته إنك لا تخلف الميعاد، رضيت بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد ﷺ نبيًّا.
تتمة:
وعن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: ((لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا، ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه، ولو يعلمون ما في العتَمَة والصبح لأتوهما ولو حبوًا)) .
* * *
باب استقبال القبلة
الحديث الأول
عن ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ كان يسبِّح على ظهر راحلته حيث كان يومئ برأسه، وكان ابن عمر يفعله.
وفي رواية: كان يوتر على بعيره.
ولمسلم: غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة.
وللبخاري: إلا الفرائض.
استقبال القبلة شرط في صحة الصلاة، والقبلة هي الكعبة؛ والأصل في ذلك قول الله - تعالى -: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤] .
قوله: "كان يسبح على ظهر راحلته"؛ أي: يصلي عليها.
وفيه دليلٌ على جواز صلاة النافلة على الدابة سواء كان إلى جهة القبلة أو غيرها.
وعن جابر ﵁ قال: "بعثني رسول الله ﷺ في حاجة فجئت وهو يصلي على راحلته نحو المشرق والسجود أخفض من الركوع"؛ رواه أبو داود.
وتجوز صلاة الفرض
стр. 57
على الراحلة للعذر؛ لحديث يعلي بن مرة: أن النبي ﷺ انتهى إلى مضيق هو وأصحابه وهو على راحلته والسماء من فوقهم والبِلَّة من أسفل منهم، فحضرت الصلاة، فأمر المؤذن فأذَّن وأقام، ثم تقدَّم رسول الله ﷺ على راحلته فصلَّى بهم يومئ إيماء يجعل السجود أخفض من الركوع؛ رواه أحمد والترمذي.
وعن ابن عمر ﵄ قال: "سُئِل النبي ﷺ كيف أصلي في السفينة؟ قال: ((صلِّ فيها قائمًا إلاَّ أن تخاف الغرق)) ؛ رواه الدارقطني.
وقال البخاري: "وصلى جابر وأبو سعيد في السفينة قائمًا، وقال الحسن: "قائمًا ما لم تشق على أصحابك تدور معها وإلا فقاعدًا.
* * *
الحديث الثاني
عن ابن عمر ﵄ قال: "بينما الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آتٍ فقال: إن النبي ﷺ قد أُنزِل عليه الليلة قرآن، وقد أُمِر أن يستقبل القبلة فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة".
فيه دليلٌ على صحة صلاة مَن صلَّى إلى غير القبلة جاهلاً أو ساهيًا أو مجتهدًا، وفيه أن العمل الكثير لمصلحة الصلاة لا يبطلها، وفيه قبول خبر الواحد ووجوب العمل به، وفيه جواز تعليم مَن ليس في الصلاة لِمَن هو فيها، وأن استماع المصلي لكلام مَن ليس في الصلاة لا يفسد صلاته.
* * *
الحديث الثالث
عن أنس بن سيرين قال: "استقبلنا أنسًا حين قدم من الشام
стр. 58
فلقيناه بعين التمر، فرأيته يصلي على حمار ووجه من ذا الجانب - يعني: عن يسار القبلة - فقلت: رأيتك تصلي لغير القبلة؟ فقال: لولا أني رأيت رسول الله ﷺ يفعله ما فعلته".
فيه دليلٌ على جواز الصلاة على الحمار.
قال ابن دقيق العيد: يُؤخَذ من هذا الحديث طهارة عرق الحمار؛ لأن ملابسته مع التحرُّز منه متعذِّرة، لا سيَّما إذا طال الزمان في ركوبه واحتمل العرق.
قال الحافظ: وفي هذا الحديث من الفوائد أن مَن صلَّى على موضع فيه نجاسة لا يباشرها بشيء منه أن صلاته صحيحة؛ لأن الدابة لا تخلو من نجاسة ولو على منفذها، وفيه الرجوع إلى أفعاله ﷺ كالرجوع إلى أقواله من غير عرضة للاعتراض عليه، وفيه تلقِّي المسافر، وسؤال التلميذ شيخَه عن مستند فعله، والجواب بالدليل، وفيه التلطُّف في السؤال والعمل بالإشارة؛ لقوله: "من ذا الجانب"، انتهى.
تتمَّة:
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما بين المشرق والمغرب قبلة)) .
وعن عامر بن ربيعة ﵁ قال: "كنَّا مع رسول الله ﷺ في ليلة مظلمة فأشكلت علينا القبلة فصلَّينا فلمَّا طلعت الشمس إذا نحن صلينا إلى غير القبلة فنزلت: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] "؛ رواهما الترمذي.
* * *
باب الصفوف
الحديث الأول
عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((سوُّوا صفوفكم؛ فإن تسوية الصفوف من تمام الصلاة)) .
стр. 59
فيه دليلٌ على وجوب تسوية الصفوف.
وفي رواية البخاري: ((فإن تسوية الصفوف من إقامة الصلاة)) .
وعن جابر بن سمرة ﵁ قال: "خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: ((ألا تصفُّون كما تصفُّ الملائكة عند ربها)) ، فقلنا: يا رسول الله، كيف تصفُّ الملائكة عند ربها؟ قال: يتمُّون الصف الأول ويتراصون في الصف)) ؛ رواه الجماعة إلا البخاري والترمذي.
* * *
الحديث الثاني
عن النعمان بن بشير ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لتسوُّنَّ صفوفكم أو ليخالفنَّ الله بين وجوهكم)) .
ولمسلم: كان رسول الله ﷺ يسوِّي صفوفنا حتى كأنما يسوي بها القداح حتى رأى أن قد عقلنا عنه، ثم خرج يومًا فقام حتى كاد أن يكبر فرأى رجلاً باديًا صدره فقال: ((عباد الله، لتسوُّنَّ صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم)) .
قال في "القاموس": "القدح": السهم قبل أن يُرَاش وينصل، جمعه قداح.
قال ابن دقيق العيد: القداح خشب السهام حين تُبرَى وتُنحَت وتُهيَّأ للرمي وهي مما يطلب فيها التحرير وإلا كان السهم طائشًا، انتهى.
وفي الحديث دليلٌ على وجوب تسوية الصفوف وعلى جواز كلام الإمام فيما بين الإقامة والصلاة لما يعرض من حاجة، وفيه مراعاة الإمام لرعيته والشفقة عليهم وتحذيرهم من المخالفة.
* * *
стр. 60
الحديث الثالث
عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك ﵁: أن جدته مليكة دعت رسول الله ﷺ لطعام صنعته له، فأكل منه ثم قال: ((قوموا فلأصلي لكم)) ، قال أنس: فقمت إلى حصيرٍ لنا قد اسودَّ من طول ما لُبِس فنضحته بماء، فقام عليه رسول الله ﷺ وصففت أنا واليتيم وراءه والعجوز من ورائنا فصلى ركعتين ثم انصرف.
ولمسلم: أن رسول الله ﷺ صلَّى به وبأمه فأقامني عن يمينه وأقام المرأة خلفنا.
(اليتيم) : هو ضميرة جد حسن بن عبد الله بن ضميرة.
فيه دليلٌ على أن المرأة وحدها تكون صفًّا، وفيه إجابة الدعوة ولو لم تكن عرسًا ولو كان الداعي امرأة إذا أمنت الفتنة، وفيه جواز صلاة النافلة جماعة، وفيه تنظيف مكان المصلي، وقيام الصبي مع الرجل صفًّا، وتأخير النساء عن صفوف الرجال، وفيه أن المرأة لا تصفُّ مع الرجال، فلو خالفت أجزأت صلاتها عند الجمهور.
* * *
الحديث الرابع
عن ابن عباس ﵄ قال: "بتُّ عند خالتي ميمونة فقام النبي ﷺ يصلي من الليل فقمت عن يساره، فأخذ برأسي فأقامني عن يمينه".
стр. 61
فيه دليلٌ على أن موقف المأموم الواحد يكون عن يمين الإمام، وفيه دليل على جواز الائتمام بمن لم ينوِ الإمامة، وأن العمل اليسير في الصلاة لا يفسدها.
* * *
باب الإمامة
الحديث الأول
عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((أمَا يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحوِّل الله رأسه رأس حمار أو يجعل صورته صورة حمار)) .
قوله: ((أمَا)) استفهام توبيخ، وفيه وعيد شديد لِمَن سابق الإمام، وفيه وجوب متابعة الإمام، وفي الحديث كمال شفقته ﷺ بأمته وبيانه لهم الأحكام وما يترتَّب عليها من الثواب والعقاب.
* * *
الحديث الثاني
عن أبي هريرة ﵁: عن النبي ﷺ قال: ((إنما جُعِل الإمام ليُؤتَمَّ به فلا تختلفوا عليه، فإذا كبَّر فكبِّروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لِمَن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا صلَّى جالسًا فصلُّوا جلوسًا أجمعون)) .
* * *
стр. 62
الحديث الثالث
عن عائشة ﵂ قالت: "صلى رسول الله ﷺ في بيته وهو شاكٍ، فصلى جالسًا وصلى وراءه قوم قيامًا فأشار إليهم أن اجلسوا؟ فلمَّا انصرف قال: ((إنما جُعِل الإمام ليُؤتَمَّ به، فإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا قال: سمع الله لِمَن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد، وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعين)) .
قوله: ((إنما جُعِل الإمام ليؤتَمَّ به)) ؛ أي: ليقتدي به ويتبع، ومن شأن التابع أن لا يسبق متبوعه ولا يساويه ولا يتقدَّم عليه في موقفه.
قوله: ((وإذا قال: سمع الله لِمَن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد)) ، فيه دليلٌ على أن المأموم لا يقول: سمع الله لِمَن حمده، بل يقول: ربنا ولك الحمد.
وعن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ كان إذا رفع رأسه من الركوع قال: ((اللهم ربنا لك الحمد ملء السموات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء المجد، لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد)) .
وعن رفاعة ابن رافع الزرقي ﵁ قال: كنَّا يومًا نصلي وراء النبي ﷺ فلمَّا رفع رأسه من الركعة قال: ((سمع الله لِمَن حمده)) ، قال رجل وراءه: ربنا ولك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه)) ، فلمَّا انصرف قال: ((مَن المتكلم؟)) ، قال: أنا، قال: ((رأيت بضعة وثلاثين ملكًا يبتدرونها أيهم يكتبها أول)) .
قوله: ((وإذا صلى جالسًا فصلُّوا جلوسًا أجمعون)) ، قال البخاري في "صحيحه": قال الحميدي: قوله: ((إذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا)) هو في مرضه القديم، ثم صلى بعد ذلك النبي ﷺ جالسًا والناس خلفه قيامًا لم يأمرهم بالقعود، وإنما يؤخذ بالآخِر فالآخِر من فعل النبي ﷺ .
* * *
стр. 63
الحديث الرابع
عن عبد الله بن يزيد الخطمي الأنصاري ﵁ قال: حدثني البراء وهو غير كذوب قال: كان رسول الله ﷺ إذا قال: ((سمع الله لِمَن حمده)) ، لم يحنِ أحدٌ منَّا ظهره حتى يقع رسول الله ﷺ ساجدًّا ثم نقع سجودًا بعده.
فيه دليلٌ على أن المأموم يتأخَّر حتى يتمكَّن الإمام من الركن الذي ينتقل إليه، وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إنما جُعِل الإمام ليؤتمَّ به فإذا كبَّر فكبِّروا، ولا تكبِّروا حتى يكبِّر، وإذا ركع فاركعوا، ولا تركعوا حتى يركع، وإذا قال: سمع الله لِمَن حمده فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد، وإذا
سجد فاسجدوا ولا تسجدوا حتى يسجد، وإذا صلى قائمًا فصلوا قيامًا، وإذا صلى قاعدًا فصلوا قعودًا أجمعون)) ؛ رواه أبو داود.
* * *
الحديث الخامس
عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((إذا أمَّن الإمام فأمِّنوا؛ فإنه مَن وافَق تأمينه تأمين الملائكة غُفِر له ما تقدم من ذنبه)) .
فيه دليلٌ على مشروعية التأمين للإمام والمأموم والجهر به في الجهرية.
ومعنى آمين: اللهم استجب.
* * *
стр. 64
الحديث السادس
عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((إذا صلى أحدكم للناس فليخفف؛ فإن فيهم الضعيف والسقيم وذا الحاجة، وإذا صلى أحدكم لنفسه فليطوِّل ما شاء)) .
* * *
الحديث السابع
عن أبي مسعود الأنصاري ﵁ قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: إني لأتأخر عن صلاة الصبح من أجل فلان مما يطيل بنا، فما رأيت النبي ﷺ غضب في موعظة أشد مما غضب يومئذ، فقال: ((يا أيها الناس، إن منكم منفِّرين، فأيكم أمَّ الناس فليوجز؛ فإن وراءه الكبير والصغير وذا الحاجة)) .
فيه دليلٌ على استحباب التخفيف للإمام حيث يشق التطويل على المأمومين، وفيه الغضب في التعليم.
قال ابن القيم: الإيجاز أمر نسبي إضافي راجع إلى السنة لا إلى شهوة الإمام ومَن خلفه.
وقال شيخنا سعد بن عتيق - رحمه الله تعالى -: ليس في هذا الحديث حجة للنقارين.
* * *
стр. 65
باب صفة صلاة النبي ﷺ -
الحديث الأول
عن أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا كبَّر في الصلاة سكت هنيهة قبل أن يقرأ، فقلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة ما تقول؟ قال: ((أقول: اللهم باعد بين وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقِّني من خطاياي كما ينقَّى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاي بالماء والثلج والبرد)) .
قوله: "هنيهة" وفي رواية: "هنيَّة"؛ أي: شيئًا يسيرًا.
قوله: "بأبي أنت وأمي"؛ أي: أفديك بأبي وأمي.
قوله: ((بالماء والثلج والبرد)) قال ابن دقيق العيد: عبَّر بذلك عن غاية المحو؛ فإن الثوب الذي يتكرَّر عليه ثلاثة أشياء منقية يكون في غاية النقاء.
وفي الحديث دليلٌ على مشروعية الاستفتاح بين التكبير والقراءة، وحديث الباب أصحُّ ما ورد في ذلك، وقد ورد فيه أحاديث منها: ((وجهت وجهي ... )) إلى آخره، ومنها: ((سبحانك اللهم وبحمدك ... )) إلى آخره.
ونقل عن الشافعي استحباب الجمع بين التوجيه والتسبيح، وإن جمع بين ((سبحانك اللهم وبحمدك)) وبين ((اللهم باعد بيني وبين خطاياي)) فحسن.
وفي الحديث من الفوائد جواز الدعاء في الصلاة بما ليس في القرآن، وفيه ما كان الصحابة عليه من المحافظة على تتبُّع أحوال النبي ﷺ في حركاته وسكناته، وإسراره وإعلانه، حتى حفظ الله بهم الدين.
стр. 66
وعن الحسن عن سمرة عن النبي ﷺ : أنه كان يسكت سكتتين: إذا استفتح الصلاة، وإذا فرغ من القراءة كلها.
وفي رواية: سكتت إذا كبر، وسكتت إذا فرغ من قراءة: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] ؛ رواه أبو داود.
قال النووي: يسكت قدر قراءة المأمومين الفاتحة، وقال في "الفروع": ويستحبُّ سكوته بعدها قدر قراءة المأموم.
وقال في "المغني": يستحب أن يسكت الإمام عُقَيب قراءة الفاتحة سكتةً يستريح فيها، ويقرأ فيها مَن خلفه الفاتحة كي لا ينازعوه فيها.
* * *
الحديث الثاني
عن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ يستفتح الصلاة بالتكبير والقراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] ، وكان إذا ركع لم يشخص رأسه ولم يصوِّبه ولكن بين ذلك، وكان إذا رفع رأسه من الركوع لم يسجد حتى يستوي قائمًا، وكان إذا رفع رأسه من السجدة لم يسجد حتى يستوي قاعدًا، وكان يقول في كل ركعتين التحية، وكان يفرش رجله اليسرى وينصب رجله اليمنى، وكان ينهى عن عقبة الشيطان، وينهى أن يفرش الرجل ذراعيه افتراش السبع، وكان يختم الصلاة بالتسليم".
قال ابن دقيق العيد: هذا الحديث سها المصنف في إيراده في هذا الكتاب فإنه مما انفرد به مسلم عن البخاري، وشرط الكتاب تخريج الشيخين للحديث.
قوله: "كان يستفتح الصلاة بالتكبير"؛ أي: يقول: الله أكبر، وهي تكبيرة الإحرام.
قوله: "والقراءة" بالنصب؛ أي: ويستفتح القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] ، بضم الدال على الحكاية٠
قوله: "وكان إذا ركع لم يشخص رأسه ولم يصوبه"؛ أي: لم يرفعه ولم يخفضه.
قوله:
стр. 67
"وكان يقول في كل ركعتين التحية"؛ أي: يجلس للتشهد ويقول: ((التحيات لله)) .
قوله: "وكان ينهى عن عقبة الشيطان" هي أن يلصق الرجل إليتيه في الأرض وينصب ساقيه وفخذيه ويضع يديه على الأرض كما يقعي الكلب.
قوله: "وينهى أن يفترش الرجل ذراعيه افتراش السبع"؛ أي: يبسطهما في سجوده كالكلب.
قوله: "وكان يفرش رجله اليسرى وينصب اليمنى" هذه الجلسة تكون في التشهد الأول وفي القعود بين السجدتين، وأمَّا التشهد الأخير فيتورَّك فيه لحديث أبي حميد في صفة صلاة النبي ﷺ قال: "وإذا جلس في الركعتين جلَس على رجله اليسرى ونصب اليمنى، وإذا جلس في الركعة الآخرة قدَّم رجله اليسرى ونصب الأخرى وقعَد على مقعدته"؛ أخرجه البخاري.
قال في "سبل السلام": وللعلماء خلاف في ذلك، والظاهر أنه من الأفعال المخير فيها.
* * *
الحديث الثالث
عن عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ كان يرفع يديه حذوَ منكبيه إذا افتتح الصلاة، وإذا كبَّر للركوع، وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك وقال: ((سمع الله لِمَن حمده ربنا ولك الحمد، وكان لا يفعل ذلك في السجود)) .
فيه دليلٌ على استحباب رفع اليدين في هذه المواضع الثلاثة، ويستحب أيضًا حين يقوم من التشهد الأول لما روى البخاري عن نافع: أن ابن عمر كان إذا دخل في الصلاة كبَّر ورفع يديه، وإذا ركع رفع يديه، وإذا قال: سمع الله لِمَن حمده رفع يديه، وإذا قام من الركعتين رفع يديه، ورفع ذلك ابن عمر إلى النبي ﷺ .
ويستحب أن يضع يده اليمنى على كوعه؛ لحديث وائل بن حجر: أنه رأى النبي ﷺ وضع يده اليمنى على كفِّه اليسرى والرسغ والساعد؛ رواه أحمد وأبو داود، ويضعهما تحت سرَّته أو فوق صدره.
قال العلماء: الحكمة في هذه الهيئة أن ذلك صفة السائل الذليل وهو أمنع من العبث وأقرب إلى الخشوع.
* * *
стр. 68
الحديث الرابع
عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((أُمِرت أن أسجد على سبعة أعظم: على الجبهة - وأشار بيده إلى أنفه - واليدين، والركبتين، وأطراف القدمين)) .
فيه دليلٌ على وجوب السجود على هذه الأعضاء السبعة.
قوله: "وأشار بيده إلى أنفه" يدل على دخول الأنف في السجود مع الجبهة فصارا كالعضو الواحد.
وعن العباس بن عبد المطلب ﵁: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: ((إذا سجد العبد سجد معه سبعة آراب: وجهه، وكفاه، وركبتاه، وقدماه)) ؛ رواه الجماعة إلا البخاري.
* * *
الحديث الخامس
عن أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم، ثم يكبر حين يركع، ثم يقول سمع الله لِمَن حمده حين يرفع صلبه من الركعة، ثم يقول وهو قائم: ((ربنا ولك الحمد)) ، ثم يكبر حين يهوي، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يكبر حين يسجد، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يفعل ذلك في صلاته كلها حتى يقضيها ويكبر حين يقوم من الثنتين بعد الجلوس.
* * *
стр. 69
الحديث السادس
عن مطرف بن عبد الله قال: صليت أنا وعمران بن حصين خلف علي بن أبي طالب ﵁ فكان إذا سجد كبَّر، وإذا رفع رأسه كبَّر، وإذا نهض من الركعتين كبَّر، فلمَّا قضى الصلاة أخذ بيدي عمران بن حصين فقال: ذكَّرَني هذا صلاة محمد ﷺ أو قال: صلى بنا صلاة محمد ﷺ .
في ذلك دليلٌ على مشروعية التكبير في كل خفض ورفع وقيام وقعود، إلا في الرفع من الركوع فإن الإمام يقول: سمع الله لِمَن حمده، ويقول هو والمأموم: ربنا ولك الحمد ... إلى آخره.
قال البغوي في "شرح السنة": اتفقت الأئمة على هذه التكبيرات.
وقال النووي: قد كان فيه خلاف في زمن أبي هريرة، وكان بعضهم لا يرى التكبير إلا للإحرام، انتهى.
واختلف العلماء هل التكبير واجب أو مندوب؟ فذهب جمهورهم إلى أنه مندوب فيما عدا تكبيرة الإحرام، وقال أحمد في رواية عنه وبعض أهل الظاهر: إنه يجب؛ لقول النبي ﷺ : ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) ؛ رواه البخاري، ولحديث أبي موسى قال: إن رسول الله ﷺ خطبنا فبين لنا سنَّتنا وعلَّمنا صلاتنا فقال: ((إذا صليتم فأقيموا صفوفكم، ثم ليؤمَّكم أحدكم، فإذا كبَّر فكبِّروا وإذا قرأ فأنصتوا، وإذا قال: غير المغضوب عليهم ولا الضالين، فقولوا: آمين يحبكم الله، وإذا كبَّر وركع فكبِّروا واركعوا؛ فإن الإمام يركع قبلكم ويرفع قبلكم)) ، فقال رسول الله ﷺ : ((فتلك بتلك)) ، وإذا قال: سمع الله لِمَن حمده فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد يسمع الله لكم، فإن الله - تعالى - قال على لسان نبيه: سمع الله لِمَن حمده، وإذا كبر وسجد فكبروا واسجدوا فإن الإمام يسجد قبلكم ويرفع قبلكم.
قال رسول الله ﷺ : ((فتلك بتلك)) ؛ الحديث رواه أحمد ومسلم والنسائي وأبو داود.
* * *
стр. 70
الحديث السابع
عن البراء بن عازب ﵄ قال: "رمقت الصلاة مع محمد ﷺ فوجدت قيامه فاعتداله بعد ركوعه فسجدته فجلسته بين السجدتين فسجدته فجلسته ما بين التسليم والانصراف قريبًا من السواء، وفي رواية البخاري: ما خلا القيام والقعود قريبًا من السواء".
فيه دليلٌ على تقارب الأركان في الطول من الركوع والرفع منه والسجود والجلوس بين السجدتين.
قوله: "ما خلا القيام والقعود"؛ يعني: القيام للقراءة والقعود للتشهد الأخير؛ فإنهما أطول من بقية الأركان.
* * *
الحديث الثامن
عن ثابت البناني عن أنس بن مالك ﵁ قال: "إني لا آلو أن أصلي بكم كما كان رسول الله ﷺ يصلي بنا".
قال ثابت: "فكان أنس يصنع شيئًا لا أراكم تصنعونه؛ كان إذا رفع رأسه من الركوع انتصب قائمًا حتى يقول القائل: قد نسي، وإذا رفع رأسه من السجدة مكث حتى يقول القائل: قد نسي".
قوله: "لا آلو"؛ أي: لا أقصر، وفي الحديث دليل على تطويل هذين الركنين كسائر الأركان.
وعن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ -
стр. 71
كان يقول بين السجدتين: ((اللهم اغفر لي، وارحمني، واجبرني، واهدني، وارزقني)) ؛ رواه أبو داود والترمذي واللفظ له.
وأمَّا الرفع من الركوع فكان يقول فيه: اللهم ربنا لك الحمد ملء السموات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد)) .
* * *
الحديث التاسع
عن أنس بن مالك ﵁ قال: "ما صليت وراء إمام قطُّ أخف صلاة، ولا أتم صلاة من رسول الله ﷺ ".
قال ابن دقيق العيد: الحديث يدلُّ على طلب أمرين في الصلاة: التخفيف في حقِّ الإمام مع الإتمام، والثاني عدم التقصير، وذلك هو الوسط العدل، والميل إلى أحد الطرفين خروجٌ عنه، أمَّا التطويل في حقِّ الإمام فإضرارٌ بالمأمومين، وأمَّا التقصير عن الإتمام فبخس في حق العبادة، انتهى.
* * *
الحديث العاشر
عن أبي قلابة عبد الله بن زيد الجرمي البصري قال: "جاءنا مالك بن الحويرث في مسجدنا هذا فقال: إني لأصلي بكم وما أريد الصلاة، أصلي كيف رأيت رسول الله ﷺ يصلي، فقلت لأبي قلابة: كيف كان يصلي؟ قال: مثل صلاة شيخنا هذا، وكان يجلس إذا رفع رأسه من السجود قبل أن ينهض".
стр. 72
أراد بشيخهم أبا بريد عمر بن سلمة الجرمي.
قال ابن دقيق العيد: هذا الحديث مما انفرد به البخاري عن مسلم وليس من شرط هذا الكتاب، وقال الحافظ: أخرج صاحب "العمدة" هذا الحديث وليس هو عند مسلم من حديث مالك بن الحويرث.
قوله: "إني لأصلي بكم وما أريد الصلاة"؛ أي: ما أريد الصلاة بكم، ولم يرد نفي القربة إنما أراد تعليمهم؛ ولهذا قال: "أصلي كيف رأيت رسول الله ﷺ يصلي".
وفي رواية: كان مالك ابن الحويرث يرينا كيف كانت صلاة النبي ﷺ وذلك في غير وقت صلاة.
قوله: "وكان يجلس إذا رفع رأسه من السجود قبل أن ينهض" هذه تسمى جلسة الاستراحة، واختلف العلماء في مشروعيتها؛ فذهب الشافعي وطائفة من أهل الحديث إلى مشروعيتها، وهو رواية عن الإمام أحمد، ولم يستحبَّها الأكثر لحديث وائل بن حجر: أن النبي ﷺ لما سجد وقعت ركبتاه على الأرض قبل أن يقع كفاه، فلمَّا سجد وضع جبهته بين كفَّيه وجافى عن إبطيه، وإذا نهض نهض على ركبتيه واعتمد على فخذيه؛ رواه أبو داود.
* * *
الحديث الحادي عشر
عن عبد الله بن مالك بن بحينة ﵁: أن النبي ﷺ كان إذا صلى فرج بين يديه حتى يبدو بياض إبطه.
فيه دليلٌ على استحباب التجافي للرجال في السجود.
* * *
الحديث الثاني عشر
عن أبي سلمة سعيد بن يزيد قال: "سألت أنس بن مالك: أكان النبي ﷺ يصلي في نعليه؟ قال: نعم".
стр. 73
فيه دليلٌ على جواز الصلاة في النعلين.
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر، فإن رأى في نعليه أذًى أو قذرًا فليمسحه وليصلِّ فيهما)) ؛ رواه أبو داود.
وعن شداد بن أوس قال: قال رسول الله ﷺ : ((خالِفوا اليهود، فإنهم لا يصلون في نعالهم ولا خفافهم)) ؛ رواه أبو داود.
وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: "رأيت رسول الله ﷺ يصلي حافيًا ومنتعلاً"؛ رواه أبو داود.
* * *
الحديث الثالث عشر
عن أبي قتادة الأنصاري ﵁: أن رسول الله ﷺ كان يصلي وهو حامل أمامة بنت زينب بنت رسول الله ﷺ ولأبي العاص بن الربيع بن عبدشمس، فإذا سجد وضعها وإذا قام حملها.
هذا الحديث دليلٌ على جواز مثل ذلك في الصلاة وأنه لا يبطلها، وفيه جواز دخول الصبيان المساجد، وفيه تواضعه ﷺ وشفَقَته على الأطفال وإكرامه لهم؛ رحمة بهم وجبرًا لوالديهم.
* * *
الحديث الرابع عشر
عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((اعتدلوا في السجود، ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب)) .
стр. 74
قوله: ((اعتدلوا في السجود)) قال الحافظ: أي: كونوا متوسِّطين بين الافتراش والقبض، انتهى.
وينتصب على كفَّيه وركبتيه وصدوره قدميه، ويُجافِي عضُدَيه عن جنبيه، وبطنه عن فخذيه، وفخذيه عن ساقيه، ويسجد بين كفيه، ويفرق ركبتيه.
قوله: ((ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب)) ؛ أي: لا يفترش ذراعيه، وقد أمر النبي ﷺ بمخالفة الحيوانات في هيئة الصلاة، قال بعض العلماء:
إِذَا نَحْنُ قُمْنَا فِي الصَّلاَةِ فَإِنَّنَا = نُهِينَا عَنِ الإِتْيَانِ فِيهَا بِسِتَّةِ
بُرُوكِ بَعِيرٍ وَالْتِفَاتٍ كَثَعْلَبٍ = وَنَقْرِ غُرَابٍ فِي سُجُودِ الفَرِيضَةِ
وَإِقْعَاءِ كَلْبٍ أَوْ كَبَسْطِ ذِرَاعِهِ = وَأَذْنَابِ خَيْلٍ عِنْدَ فِعْلِ التَّحِيَّةِ
* * *
باب وجوب الطمأنينة في الركوع والسجود
الحديث الأول
عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ دخل المسجد فدخل رجلٌ فصلَّى ثم جاء فسلَّم على النبي ﷺ فقال: ((ارجع فصلِّ، فإنك لم تصلِّ)) ، فرجع فصلَّى كما صلَّى، ثم جاء فسلَّم على النبي ﷺ فقال: ((ارجع فصلِّ، فإنك لم تصلِّ)) ثلاثًا، فقال: والذي بعثك بالحق ما أحسن غيره فعلِّمني، فقال: ((إذا قمتَ إلى الصلاة فكبِّر، ثم اقرأ ما تيسَّر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئنَّ راكعًا، ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًّا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا وافعل ذلك في صلاتك كلها)) .
стр. 75
قوله: "باب وجوب الطمأنينة في الركوع والسجود"؛ أي: ووجوبها في الاعتدال من الركوع، وفي الجلوس بين السجدتين.
وهذا حديث جليل مشتَمِل على معظم ما يجب في الصلاة وما لا تتمُّ إلا به، وفيه وجوب الطمأنينة في جميع الأركان.
قوله: "فسلم على النبي ﷺ "، في رواية فقال: ((وعليك السلام، ارجع فصلِّ فإنك لم تصلِّ)) .
قوله: ((ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا)) ، زاد البخاري: ((ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًّا)) .
قال الحافظ: وفي هذا الحديث من الفوائد وجوبُ الإعادة على مَن أخلَّ بشيء من واجبات الصلاة، وفيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحسن التعليم بغير تعنيف، وإيضاح المسألة، وطلب المتعلِّم من العالم أن يعلمه، وفيه تكرار السلام وردُّه وإن لم يخرج من الموضع إذا وقعت صورة انفصال، وفيه
جلوس الإمام في المسجد وجلوس أصحابه معه، وفيه التسليم للعالم والانقياد له، والاعتراف بالتقصير، والتصريح بحكم البشرية في جواز الخطأ، وفيه حسن خلقه ﷺ ولطف معاشرته، وفيه تأخير البيان في المجلس للمصلحة.
* * *
باب القراءة في الصلاة
الحديث الأول
عن عبادة بن الصامت ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((لا صلاة لِمَن يقرأ بفاتحة الكتاب)) .
فيه دليلٌ على وجوب قراءة الفاتحة على الإمام والمأموم والمنفرد، وروى أبو داود والترمذي عن عبادة قال: صلى رسول الله ﷺ الصبح فثقلت عليه القراءة، فلمَّا انصرف قال: ((إني أراكم تقرؤون وراء إمامكم)) ، قال: قلنا: يا رسول الله، إي والله، قال: ((لا تفعلوا إلا بأمِّ القرآن؛ فإنه لا صلاة لِمَن يقرأ بها)) .
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ((مَن صلى صلاةً لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج)) ، يقولها ثلاثًا، فقيل