Полный текст (406 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
كان يقول بين السجدتين: ((اللهم اغفر لي، وارحمني، واجبرني، واهدني، وارزقني)) ؛ رواه أبو داود والترمذي واللفظ له.
وأمَّا الرفع من الركوع فكان يقول فيه: اللهم ربنا لك الحمد ملء السموات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد)) .
* * *
الحديث التاسع
عن أنس بن مالك ﵁ قال: "ما صليت وراء إمام قطُّ أخف صلاة، ولا أتم صلاة من رسول الله ﷺ ".
قال ابن دقيق العيد: الحديث يدلُّ على طلب أمرين في الصلاة: التخفيف في حقِّ الإمام مع الإتمام، والثاني عدم التقصير، وذلك هو الوسط العدل، والميل إلى أحد الطرفين خروجٌ عنه، أمَّا التطويل في حقِّ الإمام فإضرارٌ بالمأمومين، وأمَّا التقصير عن الإتمام فبخس في حق العبادة، انتهى.
* * *
الحديث العاشر
عن أبي قلابة عبد الله بن زيد الجرمي البصري قال: "جاءنا مالك بن الحويرث في مسجدنا هذا فقال: إني لأصلي بكم وما أريد الصلاة، أصلي كيف رأيت رسول الله ﷺ يصلي، فقلت لأبي قلابة: كيف كان يصلي؟ قال: مثل صلاة شيخنا هذا، وكان يجلس إذا رفع رأسه من السجود قبل أن ينهض".
стр. 72
أراد بشيخهم أبا بريد عمر بن سلمة الجرمي.
قال ابن دقيق العيد: هذا الحديث مما انفرد به البخاري عن مسلم وليس من شرط هذا الكتاب، وقال الحافظ: أخرج صاحب "العمدة" هذا الحديث وليس هو عند مسلم من حديث مالك بن الحويرث.
قوله: "إني لأصلي بكم وما أريد الصلاة"؛ أي: ما أريد الصلاة بكم، ولم يرد نفي القربة إنما أراد تعليمهم؛ ولهذا قال: "أصلي كيف رأيت رسول الله ﷺ يصلي".
وفي رواية: كان مالك ابن الحويرث يرينا كيف كانت صلاة النبي ﷺ وذلك في غير وقت صلاة.
قوله: "وكان يجلس إذا رفع رأسه من السجود قبل أن ينهض" هذه تسمى جلسة الاستراحة، واختلف العلماء في مشروعيتها؛ فذهب الشافعي وطائفة من أهل الحديث إلى مشروعيتها، وهو رواية عن الإمام أحمد، ولم يستحبَّها الأكثر لحديث وائل بن حجر: أن النبي ﷺ لما سجد وقعت ركبتاه على الأرض قبل أن يقع كفاه، فلمَّا سجد وضع جبهته بين كفَّيه وجافى عن إبطيه، وإذا نهض نهض على ركبتيه واعتمد على فخذيه؛ رواه أبو داود.
* * *
الحديث الحادي عشر
عن عبد الله بن مالك بن بحينة ﵁: أن النبي ﷺ كان إذا صلى فرج بين يديه حتى يبدو بياض إبطه.
فيه دليلٌ على استحباب التجافي للرجال في السجود.
* * *
الحديث الثاني عشر
عن أبي سلمة سعيد بن يزيد قال: "سألت أنس بن مالك: أكان النبي ﷺ يصلي في نعليه؟ قال: نعم".
стр. 73
فيه دليلٌ على جواز الصلاة في النعلين.
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر، فإن رأى في نعليه أذًى أو قذرًا فليمسحه وليصلِّ فيهما)) ؛ رواه أبو داود.
وعن شداد بن أوس قال: قال رسول الله ﷺ : ((خالِفوا اليهود، فإنهم لا يصلون في نعالهم ولا خفافهم)) ؛ رواه أبو داود.
وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: "رأيت رسول الله ﷺ يصلي حافيًا ومنتعلاً"؛ رواه أبو داود.
* * *
الحديث الثالث عشر
عن أبي قتادة الأنصاري ﵁: أن رسول الله ﷺ كان يصلي وهو حامل أمامة بنت زينب بنت رسول الله ﷺ ولأبي العاص بن الربيع بن عبدشمس، فإذا سجد وضعها وإذا قام حملها.
هذا الحديث دليلٌ على جواز مثل ذلك في الصلاة وأنه لا يبطلها، وفيه جواز دخول الصبيان المساجد، وفيه تواضعه ﷺ وشفَقَته على الأطفال وإكرامه لهم؛ رحمة بهم وجبرًا لوالديهم.
* * *
الحديث الرابع عشر
عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((اعتدلوا في السجود، ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب)) .
стр. 74
قوله: ((اعتدلوا في السجود)) قال الحافظ: أي: كونوا متوسِّطين بين الافتراش والقبض، انتهى.
وينتصب على كفَّيه وركبتيه وصدوره قدميه، ويُجافِي عضُدَيه عن جنبيه، وبطنه عن فخذيه، وفخذيه عن ساقيه، ويسجد بين كفيه، ويفرق ركبتيه.
قوله: ((ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب)) ؛ أي: لا يفترش ذراعيه، وقد أمر النبي ﷺ بمخالفة الحيوانات في هيئة الصلاة، قال بعض العلماء:
إِذَا نَحْنُ قُمْنَا فِي الصَّلاَةِ فَإِنَّنَا = نُهِينَا عَنِ الإِتْيَانِ فِيهَا بِسِتَّةِ
بُرُوكِ بَعِيرٍ وَالْتِفَاتٍ كَثَعْلَبٍ = وَنَقْرِ غُرَابٍ فِي سُجُودِ الفَرِيضَةِ
وَإِقْعَاءِ كَلْبٍ أَوْ كَبَسْطِ ذِرَاعِهِ = وَأَذْنَابِ خَيْلٍ عِنْدَ فِعْلِ التَّحِيَّةِ
* * *
باب وجوب الطمأنينة في الركوع والسجود
الحديث الأول
عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ دخل المسجد فدخل رجلٌ فصلَّى ثم جاء فسلَّم على النبي ﷺ فقال: ((ارجع فصلِّ، فإنك لم تصلِّ)) ، فرجع فصلَّى كما صلَّى، ثم جاء فسلَّم على النبي ﷺ فقال: ((ارجع فصلِّ، فإنك لم تصلِّ)) ثلاثًا، فقال: والذي بعثك بالحق ما أحسن غيره فعلِّمني، فقال: ((إذا قمتَ إلى الصلاة فكبِّر، ثم اقرأ ما تيسَّر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئنَّ راكعًا، ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًّا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا وافعل ذلك في صلاتك كلها)) .
стр. 75
قوله: "باب وجوب الطمأنينة في الركوع والسجود"؛ أي: ووجوبها في الاعتدال من الركوع، وفي الجلوس بين السجدتين.
وهذا حديث جليل مشتَمِل على معظم ما يجب في الصلاة وما لا تتمُّ إلا به، وفيه وجوب الطمأنينة في جميع الأركان.
قوله: "فسلم على النبي ﷺ "، في رواية فقال: ((وعليك السلام، ارجع فصلِّ فإنك لم تصلِّ)) .
قوله: ((ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا)) ، زاد البخاري: ((ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًّا)) .
قال الحافظ: وفي هذا الحديث من الفوائد وجوبُ الإعادة على مَن أخلَّ بشيء من واجبات الصلاة، وفيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحسن التعليم بغير تعنيف، وإيضاح المسألة، وطلب المتعلِّم من العالم أن يعلمه، وفيه تكرار السلام وردُّه وإن لم يخرج من الموضع إذا وقعت صورة انفصال، وفيه
جلوس الإمام في المسجد وجلوس أصحابه معه، وفيه التسليم للعالم والانقياد له، والاعتراف بالتقصير، والتصريح بحكم البشرية في جواز الخطأ، وفيه حسن خلقه ﷺ ولطف معاشرته، وفيه تأخير البيان في المجلس للمصلحة.
* * *
باب القراءة في الصلاة
الحديث الأول
عن عبادة بن الصامت ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((لا صلاة لِمَن يقرأ بفاتحة الكتاب)) .
فيه دليلٌ على وجوب قراءة الفاتحة على الإمام والمأموم والمنفرد، وروى أبو داود والترمذي عن عبادة قال: صلى رسول الله ﷺ الصبح فثقلت عليه القراءة، فلمَّا انصرف قال: ((إني أراكم تقرؤون وراء إمامكم)) ، قال: قلنا: يا رسول الله، إي والله، قال: ((لا تفعلوا إلا بأمِّ القرآن؛ فإنه لا صلاة لِمَن يقرأ بها)) .
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ((مَن صلى صلاةً لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج)) ، يقولها ثلاثًا، فقيل
стр. 76
لأبي هريرة: إنَّا نكون وراء الإمام؟ فقال: اقرأ بها في نفسك، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((قال الله : قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال الله: حمدني عبدي، فإذا قال: الرحمن الرحيم، قال الله: أثنى عليَّ عبدي، فإذا قال: مالك يوم الدين، قال: مجَّدني عبدي، وقال مرة: فوض إلي عبدي، وإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين، قال: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل، فإذا قال: اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين، قال: هذا لعبدي، ولعبدي ما سأل)) ؛ رواه الجماعة إلا البخاري وابن ماجه.
* * *
الحديث الثاني
عن أبي قتادة الأنصاري ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ يقرأ في الركعتين الأوليَين من صلاة الظهر بفاتحة الكتاب وسورتين يطول في الأولى
ويقصر في الثانية، وفي الركعتين الأخريين، بأم الكتاب، وكان يطول في الركعة الأولى في صلاة الصبح ويقصر في الثانية".
فيه دليلٌ على استحباب تطويل القراءة في الأوليين من الصلاة، وكون الأولى أطول من الثانية، وجواز الجهر في السرية بالآية ونحوها أحيانًا، وجواز النظر إلى الإمام، وفيه الاقتصار على الفاتحة في الأخريين، وفيه التنصيص على قراءة الفاتحة في كل ركعة.
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "كُنَّا نَحْزِر قيام رسول الله ﷺ في الظهر والعصر، فحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من الظهر قدر ألم تنزيل السجدة، وفي الأخريين قدر النصف من ذلك، وفي الأوليَين من العصر على قدر الأخريين من الظهر، والأخريين على النصف من ذلك"؛ رواه مسلم.
والجمع بين الحديثين أنه ﷺ كان يصنع هذا تارة،
стр. 77
وهذا تارة؛ فيقرأ في الأخريين غير الفاتحة معها أحيانًا، ويقتصر على الفاتحة أحيانًا.
وروى مالك من طريق الصنابحي: أنه سمع أبا بكر الصديق ﵁ يقرأ في ثالثة المغرب: ﴿رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ [آل عمران: ٨]
* * *
الحديث الثالث
عن جبير بن مطعم ﵁ قال: "سمعت النبي ﷺ يقرأ في المغرب بالطور".
فيه دليلٌ على استحباب القراءة في المغرب بطوال المفصل أحيانًا.
وعن سليمان بن يسار عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: "ما رأيت رجلاً أشبه صلاةً برسول الله ﷺ من فلان، لإمامٍ كان بالمدينة، قال سليمان: فصليت خلفه، فكان يطيل الأوليين من الظهر ويخفف الأخريين، ويخفف العصر،
ويقرأ في الأوليين من المغرب بقصار المفصل، ويقرأ في الأوليين من العشاء من وسط المفصل، ويقرأ في الغداة بطوال المفصل"؛ رواه أحمد والنسائي.
* * *
الحديث الرابع
عن البراء بن عازب ﵁: أن النبي ﷺ كان في سفر فصلَّى العشاء الآخرة فقرأ في إحدى الركعتين بالتين والزيتون فما سمعت أحدًا أحسن صوتًا أو قراءة منه ﷺ .
стр. 78
فيه استحباب تحسين الصوت بالقراءة في الصلاة وغيرها، وتخفيف القراءة في السفر.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((ما أَذِن الله لشيء ما أَذِن لنبيٍّ حسن الصوت يتغنَّى بالقرآن يجهر به)) ؛ متفق عليه.
* * *
الحديث الخامس
عن عائشة ﵂: أن رسول الله بعث رجلاً على سرية فكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم فيختم بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] ، فلمَّا رجعوا ذكروا ذلك لرسول الله ﷺ : فقال: ((سلوه لأيِّ شيء يصنع ذلك؟)) ، فقال: لأنها صفة الرحمن فأنا أحب أن أقرأها، فقال رسول الله ﷺ ((أخبروه أن الله - تعالى - يحبه)) .
فيه دليلٌ على جواز الجمع بين السورتين في ركعة واحدة، وفيه فضل ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] ، وفيه دليلٌ على جواز تخصيص بعض القرآن بميل النفس إليه والاستكثار منه، ولا يعد ذلك هجرانًا لغيره.
وقال البخاري: "باب الجمع بين السورتين في ركعةٍ والقراءة بالخواتيم وبسورة قبل سورة وبأول سورة"، ويذكر عن عبد الله بن السائب: "قرأ النبي ﷺ
المؤمنون في الصبح حتى إذا جاء ذكر موسى وهرون أو ذكر عيسى أخذته سعلة فركع".
وقرأ عمر في الركعة الأولى بمائة وعشرين آية من البقرة، وفي الثانية بسورة من المثاني، وقرأ الأحنف بالكهف في الأولى، وفي الثانية بيوسف أو يونس، وذكر أنه صلى مع عمر ﵁ الصبح بهما، وقرأ ابن مسعود بأربعين آية من الأنفال، وفي الثانية بسورة من المفصل.
وقال قتادة فيمَن يقرأ سورة واحدة في ركعتين أو يردِّد سورة واحدة في ركعتين: كل
стр. 79
كتاب الله.
وقال عبيد الله عن ثابت عن أنس: "كان رجل من الأنصار يؤمُّهم في مسجد قباء، وكان كلَّما افتتح سورة يقرأ بها لهم في الصلاة مما تقرأ به افتتح بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] حتى يفرغ منها، ثم يقرأ سورة أخرى معها، وكان يصنع ذلك في كلِّ ركعة، فكلَّمه أصحابه فقالوا: إنك تفتتح بهذه السورة ثم لا ترى أنها تجزئك حتى تقرأ بأخرى، فإمَّا تقرأ بها، وإمَّا أن تدعها وتقرأ بأخرى، فقال: ما أنا بتاركها، وإن أحببتم أن أؤمَّكم بذلك فعلت وإن كرهتم تركتكم، وكانوا يرون أنه من أفضلهم وكرهوا أن يؤمَّهم غيره، فلمَّا أتاهم النبي ﷺ أخبروه الخبر، فقال: ((يا فلان، ما منعك أن تفعل ما يأمرك به أصحابك وما يحملك على لزوم هذه السورة في كل ركعة؟)) ، فقال: إني أحبها، فقال: ((حبك إيَّاها أدخلك الجنة)) .
* * *
الحديث السادس
عن جابر ﵁: أن النبي ﷺ قال لمعاذ: ((فلولا صليت بسبح اسم ربك الأعلى، والشمس وضحاها، والليل إذا يغشى؛ فإنه وراءك الكبير والضعيف وذو الحاجة)) .
قال البخاري: "باب مَن شكا إمامه إذا طوَّل"، وقال أبو أسيد: طوَّلت بنا يا بني، وذكر حديث أبي مسعود: قال رجل: يا رسول الله، إني لأتأخر عن الصلاة في الفجر مما يطيل بنا فلان فيها، ثم ذكر حديث جابر، ولفظه قال: "أقبل رجل بناضحين وقد جنح الليل، فوافَق معاذًا يصلي، فترك ناضحه وأقبل إلى معاذ، فقرأ بسورة البقرة أو النساء، فانطلق الرجل وبلغه أن معاذًا نال منه، فأتى النبي ﷺ فشكا إليه معاذًا، فقال النبي ﷺ : ((يا معاذ، أفتَّان أنت - أو: أفاتن؟ ثلاث مرار - فلولا صلَّيت بسبح اسم ربك الأعلى، والشمس وضحاها، والليل إذا يغشى، فإنه يصلي وراءك الكبير والضعيف وذو الحاجة)) .
وفي الحديث دليلٌ على استحباب قراءة أوساط المفصل في العشاء، واقتداء الإمام
стр. 80
بأضعف المأمومين، ومراعاة حوائجهم، وعدم المشقة عليهم.
قال الحافظ: وفيه استحباب تخفيف الصلاة مراعاة لحال المأمومين، وفيه أن الحاجة من أمور الدنيا عذر في تخفيف الصلاة، وجواز خروج المأموم من الصلاة لعذر، وفيه الاكتفاء في التعزير بالقول، وفيه أن التخلُّف عن الجماعة من صفة المنافقين، انتهى ملخصًا.
* * *
باب ترك الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم
الحديث الأول
عن أنس بن مالك ﵁: أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر ﵄ كانوا يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين.
وفي رواية: "صليت مع أبي بكر وعمر وعثمان فلم أسمع أحدًا منهم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم".
ولمسلم: "صليت خلف النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان ﵃ وكانوا يستفتحون الصلاة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] ، لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول قراءة ولا في آخرها".
قال ابن دقيق العيد: يستدلُّ به مَن يرى عدم الجهر بالبسملة في الصلاة، والعلماء في ذلك على ثلاثة مذاهب: أحداها تركها سرًّا وجهرًا، وهو مذهب مالك - رحمه الله تعالى - الثاني: قراءتها سرًّا لا جهرًا، وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد - رحمهما الله - الثالث: الجهر بها في الجهرية، وهو مذهب الشافعي ﵀ والمتيقن من هذا الحديث عدم الجهر، انتهى.
وقال ابن القيم: إن النبي ﷺ كان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم تارة ويخفيها أكثر مما يجهر بها.
وقال صاحب "الاختيارات
стр. 81
لشيخ الإسلام ابن تيميَّة": ويستحبُّ الجهر بالبسلمة للتأليف، كما استحبَّ أحمد ترك القنوت في الوتر تأليفًا للمأموم، ولو كان الإمام مطاعًا يتبعه المأموم فالسنَّة أولى.
* * *
باب سجود السهو
الحديث الأول
عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة ﵁ قال: "صلى بنا رسول الله ﷺ إحدى صلاتي العشي"، قال ابن سيرين: وسمَّاها أبو هريرة ولكن نسيت أنا، قال: "فصلَّى بنا ركعتين ثم سلَّم، فقام إلى خشبة معروضة في المسجد فاتَّكأ عليها كأنه غضبان ووضع يده اليمنى على اليسرى وشبَّك بين أصابعه، وخرجت السرعان من أبواب المسجد فقالوا: قصرت الصلاة؟ وفي القوم أبو بكر وعمر فهابَا أن يكلِّماه، وفي القوم رجلٌ في يديه طول يقال له: ذو اليدين، فقال: يا رسول الله، أنسيت أم قصرت الصلاة؟ فقال: ((لم أنس ولم تقصر)) ، فقال: ((أكما يقول ذو اليدين؟)) ، قالوا: نعم، فتقدَّم فصلى ما ترك ثم سلم ثم كبر وسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه فكبر ثم كبر وسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه وكبر، فربما سألوه ثم سلَّم، قال: فنبئت أن عمران بن حصين قال: ثم سلم".
стр. 82
(العشي) ما بين زوال الشمس إلى غروبها؛ قال الله - تعالى -: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [طه: ١٣٠] .
قوله: "إحدى صلاتي العشاء"؛ يعني: إمَّا الظهر وإمَّا العصر، وفي رواية لمسلم: "صلاة العصر"، والحديث دليل على مشروعية سجود السهو، وعلى أن كلام الناس لا يبطل الصلاة، وأن السلام سهوًا والخروج من الصلاة على ظن التمام لا يبطلها، وإذا تكلم عامدًا لمصلحة الصلاة لم تبطل، كما فعل ذو اليدين ولم يأمره النبي ﷺ بالإعادة، وفيه جواز البناء على الصلاة بعد السلام سهوًا، وفيه دليلٌ على أن سجود السهو يتداخَل ولا يتعدَّد بتعدُّد أسبابه؛ فإن النبي ﷺ تكلَّم ومشى، وفيه دليلٌ على أنه إذا سها الإمام فسجد سجد معه المأمومون وإن لم يسهوا، وفيه التكبير في سجود السهو والسلام بعده.
وفي الحديث جواز السهو على النبي في الأفعال، كما قال ﷺ : ((إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكِّروني)) ، ولكنه لا يقرُّ عليه بل يقع له بيان ذلك، وفائدته بيان الحكم الشرعي إذا وقع مثل ذلك لغيره، وفيه أن الاعتقاد عند فَقْدِ اليقين يقوم مقام اليقين لقوله: ((لم أنسَ)) ؛ أي: في اعتقادي لا في نفس الأمر، وفيه جواز تشبيك الأصابع في المسجد وغيره، وأمَّا الحديث الذي أخرجه أبو داود عن كعب بن عجرة قال: قال رسول الله ﷺ ((إذا توضَّأ أحدكم ثم خرج عامدًا إلى الصلاة فلا يشبِّكن بين يديه فإنه في صلاة)) ، فمن العلماء مَن ضعَّفه، ومنهم مَن جمع بين الأحاديث بأن النهي مقيَّد بما إذا كان في الصلاة أو قاصدًا لها، والله أعلم.
* * *
الحديث الثاني
عن عبد الله بن بحينة - وكان من أصحاب النبي، ﷺ أن النبي ﷺ صلى الظهر فقام في الركعتين الأوليَين ولم يجلس، فقام الناس معه حتى إذا قضى الصلاة
стр. 83
وانتظر الناس تسليمه كبر وهو جالس، فسجد سجدتين قبل أن يسلم ثم سلم.
فيه دليلٌ على أن مَن ترك التشهد الأول ساهيًا جبره بسجود السهو قبل السلام، وقد اختلف أهل العلم في حكم سجود السهو هل هو واجب أو سنة؛ فمنهم مَن قال: مسنون، ومنهم مَن قال: واجب، ومنهم مَن فصَّل في ذلك.
واختلفوا أيضًا في محلِّه؛ فمنهم مَن قال: قبل السلام، ومنهم مَن قال: بعده، ومنهم مَن قال: يستعمل كل حديث فيما ورد فيه، وما لم يَرِدْ فيه حديث فمحلُّه قبل السلام، قال الحافظ: ورجَّح البيهقي طريقة التخيير في سجود السهو قبل السلام أو بعده، ونقل الماوردي وغيره الإجماع على الجواز، وإنما الخلاف في الأفضل انتهى.
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا شكَّ أحدكم في صلاته فلم يدرِ كم صلى ثلاثًا أم أربعًا فليطرح الشك وليبنِ
على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلِّم فإن كان صلى خمسًا شفعن صلاته، وإن كانتا ترغيمًا للشيطان)) ؛ رواه مسلم.
فائدة:
قال الموفق في "المغني": وإذا نسي سجود السهو حتى طال الفصل لم تبطل الصلاة، وحكم النافلة حكم الفرض في سجود السهود، والله أعلم.
* * *
باب المرور بين يدي المصلي
الحديث الأول
عن أبي جهم بن الحارث بن الصمة الأنصاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لو يعلم المارُّ بين يدي المصلي ماذا عليه من الإثم لكان أن يقف أربعين خيرًا له من أن يمرَّ بين
стр. 84
يدي المصلي)) ، قال أبو النضر: لا أدري قال أربعين يومًا أو شهرًا أو سنة؟
فيه دليلٌ على تحريم المرور بين يدي المصلي، ولا فرق بين مكة وغيرها، واغتفر بعض الفقهاء ذلك للطائفين دون غيرهم للضرورة.
* * *
الحديث الثاني
عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس فأراد أحدٌ أن يجتاز بين يديه فليدفعه، فإن أبى فليقاتله؛ فإنما هو شيطان)) .
(المقاتلة) : المدافعة باليد لا بالسلاح، ولو صلى إلى غير سترة فليس له الدفع لتقصيره، والحكمة في السترة كفُّ البصر عمَّا وراءها، ومنع من يجتاز دونها.
* * *
الحديث الثالث
عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: "أقبلت راكبًا على حمار أتان وأنا يومئذ قد ناهَزت الاحتلام، ورسول الله ﷺ يصلي بالناس بمنًى إلى غير جدار فمررت بين يدي بعض الصف فنزلت وأرسلت الأتان ترتع ودخلت في الصف فلم ينكر ذلك عليَّ أحد".
стр. 85
قوله: "إلى غير جدار" قال ابن دقيق العيد: ولا يلزم من عدم الجدار عدم السترة، انتهى.
واستدل به على أن سترة الإمام سترة لِمَن خلفه، وفيه تقديم المصلحة الراجحة على المفسدة الخفيفة.
* * *
الحديث الرابع
عن عائشة ﵂ قالت: "كنت أنام بين يدي رسول الله ﷺ ورجلاي في قبلته فإذا سجد غمَزَني فقبضت رجلي، وإذا قام بسطتهما، والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح.
فيه دليلٌ على جواز الصلاة إلى النائم إذا لم يشغله، وعلى أن اللمس بغير لذَّة لا ينقض الطهارة، وعلى أن العمل اليسير لا يفسد الصلاة.
وعن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا قام أحدكم يصلي فإنه يستره إذا كان بين يديه مثل آخِرة الرحل، فإذا لم يكن بين يديه مثل آخِرة الرحل فإنه يقطع صلاته المرأة والحمار والكلب الأسود)) ، قلت: يا أبا ذر، ما بالُ الكلب الأسود من الكلب الأحمر من الكلب الأصفر؟ قال: يا ابن أخي: سألت رسول الله ﷺ كما سألتني فقال: ((الكلب الأسود شيطان)) ؛ رواه الجماعة إلا البخاري.
واختلف العلماء في معنى قطع الصلاة؛ فقال قوم: تبطل الصلاة بالمذكورات في هذا الحديث، وعن أحمد تبطل بمرور الكلب الأسود فقط، وقال جمهور العلماء: لا تبطل بمرور شيء من ذلك، وتأوَّلوا القطع بنقص الصلاة لشغل القلب بهذه الأشياء، وليس المراد إبطالها.
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((إذا صلى أحدكم فليجعل تلقاء وجهه شيئًا فإن لم يجد فلينصب عصا، فإن لم يكن معه عصا فليخطَّ خطا ثم لا يضرُّه مَن مرَّ بين يديه)) ؛ رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه.
стр. 86
باب جامع
الحديث الأول
عن أبي قتادة الحارث بن ربعي الأنصاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين)) .
فيه دليل على استحباب صلاة تحية المسجد، قال الحافظ: واتَّفق أئمَّة الفتوى على أن الأمر في ذلك للندب، وقال الطحاوي: الأوقات التي نهى عن الصلاة فيها ليس هذا الأمر بداخل فيها.
قال الحافظ: هما عمومان تعارضَا: الأمر بالصلاة لكلِّ داخل غير تفصيل، والنهي عن الصلاة في أوقات مخصوصة فلا بُدَّ من تخصيص أحد العمومين؛ فذهب جمعٌ إلى تخصيص النهي وتعميم الأمر وهو الأصح عند الشافعية، وذهب جمعٌ إلى عكسه وهو قول الحنفية والمالكية انتهى.
والحديث له سبب؛ وهو أن أبا قتادة دخل المسجد فوجَد النبي ﷺ جالسًا بين أصحابه فجلس معهم، فقال له: ((ما منعك أن تركع؟)) ، قال: رأيتك جالسًا والناس جلوس، قال: ((فإذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين)) ؛ رواه مسلم.
ولابن أبي شيبة: ((أعطوا المساجد حقَّها)) ، قيل: له: وما حقها؟ قال: ((ركعتين قبل أن تجلس)) .
* * *
الحديث الثاني
عن زيد بن أرقم قال: "كنَّا نتكلم في الصلاة يكلم الرجل منَّا
стр. 87
صاحبه وهو إلى جنبه في الصلاة حتى نزلت: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] ، فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام.
(القنوت) : هنا السكوت، وأجمع العلماء على أن الكلام في الصلاة من عالم بالتحريم عامد لغير مصلحتها أو إنقاذ مسلم مُبطِل لها.
* * *
الحديث الثالث
عن عبد الله بن عمر وأبي هريرة ﵃ عن رسول الله ﷺ أنه قال: ((إذا اشتدَّ الحر فأبردوا عن الصلاة؛ فإن شدَّة الحر من فيح جهنم)) .
فيه دليلٌ على استحباب تأخير الظهر في شدَّة الحر إلى أن يبرد الوقت وينكسر الوهج، والأحاديث الدالَّة على فضيلة التعجيل عامة، وهذا خاصٌّ، والخاص مقدَّم على العام، والحكمة في الإبراد دفع المشقَّة لكونها قد تسلب الخشوع.
* * *
الحديث الرابع
عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((مَن نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلاَّ ذلك)) ، وتلا قوله - تعالى -: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاَةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] ، ولمسلم: ((مَن نسي صلاة أو نام عنها فكفَّارتها أن يصليها إذا ذكرها)) .
стр. 88
قوله: وتلا قوله - تعالى -: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاَةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] ، قال مجاهد في قوله - تعالى -: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاَةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] ؛ أي: أقم الصلاة لتذكرني بها، وقال مقاتل: إذا تركت صلاة ثم ذكرتها فأقمها.
وفي الحديث دليلٌ على وجوب قضاء الصلاة إذا فاتت بالنوم أو بالنسيان فورًا ولا إثم عليه، وأمَّا العامد فإنه يجب عليه قضاؤها والإثم باقٍ عليه بإخراجه الصلاة عن وقتها؛ قال الله - تعالى -: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاَةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا * إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٥٩- ٦٠] .
* * *
الحديث الخامس
عن جابر بن عبد الله ﵁ أن معاذ بن جبل كان يصلي مع رسول الله ﷺ العشاء الآخرة ثم يرجع إلى قومه فيصلي بهم تلك الصلاة.
فيه دليلٌ على جواز اقتداء المفترض بالمتنفِّل، وللدارقطني: ((فهي لهم فريضة وله تطوع)) .
قال الحافظ: وهو حديث صحيح رجاله رجال الصحيح، وفيه جواز إعادة الصلاة الواحدة في اليوم الواحد مرتين.
* * *
الحديث السادس
عن أنس بن مالك ﵁ قال: "كنَّا نصلي مع رسول الله ﷺ في شدَّة الحر، فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكِّن جبهته من الأرض بسَط ثوبه فسجد عليه".
стр. 89
فيه دليلٌ على جواز استعمال الثياب وغيره في الحيلولة بين المصلي وبين الأرض لاتِّقاء حرِّها وبردها، وفيه جواز السجود على الثوب المتَّصل بالمصلي، وفيه جواز العمل القليل في الصلاة ومراعاة الخشوع فيها، وفيه جواز الصلاة في شدَّة الحر وإن كان الإبراد أفضل.
* * *
الحديث السابع
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ((لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء)) .
قوله: ((لا يصلي)) (لا) نافية، وهو خبر بمعنى النهي، واختلف العلماء في وجوب ستر العاتق؛ فذهب الجمهور إلى استحبابه وصحة صلاة من تركه، وحملوا النهي على التنزيه.
وعن أحمد: لا تصحُّ صلاة مَن قدر على ذلك فتركه، وعنه: تصحُّ ويأثم؛ واختار ابن المنذر وجوبه إذا كان الثوب واسعًا؛ لحديث جابر ﵁: أن النبي ﷺ قال: ((إذا كان الثوب واسعًا فالتحِف به)) ؛ يعني: في الصلاة، ولمسلم: ((فخالِف بين طرفيه، وإن كان ضيقًا فاتَّزر به)) ؛ متفق عليه.
* * *
الحديث الثامن
عن جابر بن عبد الله ﵄ عن النبي ﷺ قال: ((مَن أكل ثومًا أو بصلاً فليعتزلنا - أو: ليعتزل مسجدنا - وليقعد في بيته)) ، وأتي بقدر فيه خضرات من بقول فوجد لها ريحًا، فسأل، فأُخبِر بما فيها من البقول، فقال: ((قرِّبوها)) إلي بعض أصحابه، فلمَّا رآه كره أكلها، قال: ((كُلْ فإني أناجي من لا تناجي)) .
* * *
стр. 90
الحديث التاسع
عن جابر أن النبي ﷺ قال: ((مَن أكل البصل أو الثوم أو الكراث فلا يقربن مسجدنا؛ فإن الملائكة تتأذَّى مما يتأذَّى منه بنو الإنسان)) .
فيه دليل على النهي عن حضور الجماعة لِمَن به رائحة من هذه المذكورات؛ لإيذائه المسلمين والملائكة.
قال الخطابي: توهَّم بعضهم أن أكل الثوم عذر في التخلُّف عن الجماعة، وإنما هو عقوبة لآكله على فعله؛ إذ حُرِم فضل الجماعة.
قال الحافظ: ولا تعارض بين امتناعه ﷺ من أكل الثوم وغيره مطبوخًا وبين إذنه لهم في أَكْلِ ذلك مطبوخًا؛ فقد علَّل ذلك بقوله: ((إني لست كأحدٍ منكم)) .
* * *
باب التشهد
الحديث الأول
عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "علمني رسول الله ﷺ التشهد كفِّي بين كفَّيه كما يعلمني السورة من القرآن: ((التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله)) ، وفي لفظ: ((إذا قعد
стр. 91
أحدكم للصلاة فليقل: ((التحيات لله ... )) وذكره، وفيه: ((فإنكم إذا فعلتم ذلك فقد سلَّمتم على كلِّ عبدٍ صالح في السماء والأرض)) ، وفيه: ((فليتخير من المسألة ما شاء)) .
قال الترمذي: حديث ابن مسعود حديث في التشهد، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين، انتهى.
قوله: ((ثم ليتخيَّر من المسألة ما شاء)) فيه دليل على جواز كلِّ سؤال يتعلَّق بالدنيا والآخرة في الصلاة وغيرها.
* * *
الحديث الثاني
عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: "لقيني كعب بن عجرة فقال: ألاَ أهدي لكم هدية؟ إن النبي ﷺ خرج علينا فقلنا: يا رسول الله، عَلِمنا كيف نسلم عليك فكيف نصلي عليك؟ قال: ((قولوا: اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم، إنك حميد مجيد)) .
قوله: ((كما صليت على آل إبراهيم)) وقع للبخاري في كتاب أحاديث الأنبياء من "صحيحه" في ترجمة إبراهيم ﵇ بلفظ: ((كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم)) ، وكذا في قوله: ((كما باركت)) .
* * *
стр. 92
الحديث الثالث
عن أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يدعو في صلاته: ((اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، ومن عذاب النار، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال)) .
وفي لفظٍ لمسلم: ((إذا تشهَّد أحدكم فليستعذ بالله من أربع؛ يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم ... )) ثم ذكر نحوه.
((الدجال)) : الكذاب؛ والمراد به هنا الذي يخرج في آخر الزمان يدَّعي الألوهية، وفي الحديث دليل على استحباب الدعاء بعد التشهد والصلاة على النبي ﷺ والاستعاذة بالله من هذه الأربع في كلِّ صلاة؛ لعظم الأمر فيها وشدة البلاء في وقوعها.
* * *
الحديث الرابع
عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن أبي بكر الصديق ﵃ إنه قال لرسول الله ﷺ : علِّمني دعاء أدعو به في صلاتي، قال: قل: ((اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم)) .
فيه دليلٌ على استحباب هذا الدعاء في الصلاة خصوصًا بعد التشهد، وفيه استحباب طلب التعليم من العالم.
* * *
стр. 93
الحديث الخامس
عن عائشة ﵂ قالت: ما صلى رسول الله ﷺ صلاةً بعد أن نزلت عليه ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١] ، إلا يقول فيها: ((سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي)) ، وفي لفظ: كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: ((سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي)) .
فيه دليلٌ على استحباب هذا الدعاء في الركوع والسجود.
قال ابن دقيق العيد: ولا يعارضه قوله ﵇: ((فأمَّا الركوع فعظِّموا فيه الرب، وأمَّا السجود فاجتهدوا في الدعاء)) ، فإنه يُؤخَذ من هذا الحديث الجواز، ومن ذلك الأولوية بتخصيص الركوع بالتعظيم.
* * *
باب الوتر
الحديث الأول
عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: "سأل رجل النبي ﷺ وهو على المنبر ما ترى في صلاة الليل؟ قال: ((مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى واحدة)) ، فأوترت له ما صلى، وأنه كان يقول: ((اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا)) .
стр. 94
الوتر من آكَد السنن لا ينبغي تركه.
وفي الحديث دليلٌ على استحباب التسليم في كل ركعتين من صلاة الليل، واستحباب الإيتار بركعة واحدة، وإن أوتر بثلاث أو خمس فلا بأس كما ورد ذلك في الأحاديث الأخرى، ويجوز الوصل، والفصل أفضل؛ لكونه ﷺ أجاب به السائل.
* * *
الحديث الثاني
عن عائشة ﵂ قالت: "من كل الليل قد أوتر رسول الله ﷺ من أوَّل الليل وأوسطه وآخره فانتهى وتره إلى السحر".
فيه دليلٌ على استحباب تأخير الوتر إلى آخر الليل لِمَن وثق بالاستيقاظ.
* * *
الحديث الثالث
عن عارئشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة يوتر من ذلك بخمس، ولا يجلس في شيء إلى في أخرها".
فيه دليلٌ على جواز الإيتار بخمسٍ بسلامٍ واحد.
وعن أم سلمة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة يوتر بسبع وبخمس، لا يفصل بينهن بسلام ولا كلام)) ؛ رواه أحمد والنسائي وابن ماجه.
* * *
стр. 95
باب الذكر عقب الصلاة
الحديث الأول
عن عبد الله بن عباس ﵄: أن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد رسول الله ﷺ قال ابن عباس: "كنت أعلم إذا انصرفوا بذلك إذا سمعته".
وفي لفظ: "ما كنا نعرف انقضاء صلاة رسول الله ﷺ إلا بالتكبير".
فيه دليلٌ على استحباب رفع الصوت بالذكر عقب المكتوبة.
* * *
الحديث الثاني
عن وارد مولى المغيرة بن شعبة قال: "أملى عليَّ المغيرة بن شعبة في كتابٍ إلى معاوية: أن النبي ﷺ كان يقول في دبر كل صلاة مكتوبة: ((لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد)) ، ثم وفدت بعد على معاوية فسمعته يأمر الناس بذلك".
وفي لفظ: "كان ينهى عن قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال، وكان ينهي عن عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنع وهات".
стр. 96
قوله: ((ولا ينفع ذا الجد منك الجد)) ؛ أي: لا ينفع ذا الحظ حظه، وإنما ينفعه العمل الصالح كما قال - تعالى -: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] ، وقال - تعالى -: ﴿يَوْمَ لاَ يَنْفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ * إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨- ٨٩] ، وإضاعة المال: بذلُه في غير مصلحة دينية ولا دنيوية.
قال ابن دقيق العيد: وأمَّا كثرة السؤال ففيه وجهان: أحدهما: أن يكون ذلك راجعًا إلى الأمور العلمية، وقد كانوا يكرهون تكلُّف المسائل التي لا تدعو الحاجة إليها، وفي حديث معاوية: "نهى الله عن الأغلوطات"؛ وهي شداد المسائل وصعابها، وإنما كان ذلك مكروهًا لما يتضمَّن كثيرًا من التكلُّف في الدين والتنطُّع والرجم بالظن من غير ضرورة تدعو إليه، مع عدم الأمن من العثار وخطأ الظن، والأصل المنع من الحكم بالظن إلا أن تدعو الضرورة إليه.
الوجه الثاني: أن يكون ذلك راجعًا إلى سؤال المال، وقد وردت أحاديث في تعظيم مسألة الناس، انتهى.
قال الحافظ: والأَوْلَى حَمْلُه على العموم.
قوله: "وكان ينهي عن عقوق الأمهات ووأد البنات"؛ أي: قتلهن.
"ومنع وهات"؛ أي: منع ما أمر ببذله، وسؤال ما ليس له، وحكم اختصاص الأم بالذكر إظهار لعِظَم حقها، والعقوق محرَّم في حق الوالدين جميعًا.
وفي لفظ: ((إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات، ووأد البنات ومنعًا وهات، وكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال)) .
قال الحافظ: وفي الحديث استحباب هذا الذكر عقب الصلوات؛ لما اشتمل عليه من ألفاظ التوحيد، ونسبة الأفعال إلى الله، والمنع والإعطاء وتمام القدرة، وفيه المبادرة إلى امتثال السنن وإشاعتها.
* * *
الحديث الثالث
عن سمي مولى أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، عن أبي صالح السمان، عن أبي هريرة ﵁: أن فقراء المسلمين
стр. 97
أتوا رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله، ذهب أهل الدثور بالدرجات العُلَى والنعيم المقيم، قال: ((وما ذاك؟)) ، قالوا: يصلُّون كما نصلِّي، ويصومون كما نصوم، ويتصدَّقون ولا نتصدَّق، ويعتقون ولا نعتق، فقال رسول الله ﷺ : ((أفلا أعلِّمكم شيئًا تدركون
به مَن سبقكم، وتسبقون من بعدكم، ولا يكون أحدٌ أفضل منكم إلا مَن صنع مثل ما صنعتم)) ، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: ((تسبِّحون وتكبرون وتحمدون دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين مرة)) ، قال أبو صالح: فرجع فقراء المهاجرين فقالوا: يا رسول الله، سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا ففعلوا مثله، فقال رسول الله ﷺ : ((ذلك فضل الله يؤتيه مَن يشاء)) ، قال سمي: فحدَّثت بعض أهلي بهذا الحديث فقال: وهمت، إنما قال: ((تسبح الله ثلاثًا وثلاثين، وتحمد الله ثلاثًا وثلاثين، وتكبر الله ثلاثًا وثلاثين)) ، فرجعت إلى أبي صالح فذكرت له ذلك فقال: "الله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، حتى يبلغ من جميعهن ثلاثًا وثلاثين".
"الدثور": جمع دثر هو المال الكثير قوله: ((تسبحون وتكبرون وتحمدون دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين)) ، قال الحافظ: يحتمل أن يكون المجموع للجميع فإذا وُزِّع كان بكلِّ واحد إحدى عشرة، والأظهر أن المراد أن المجموع لكل فرد فرد؛ أي: تسبحون خلف كل صلاة ثلاثًا وثلاثين، وتحمدون كذلك، وتكبرون كذلك، انتهى.
стр. 98
قلت: ويؤيِّده ما رواه مسلم عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: ((مَن سبَّح الله دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين، وحمد الله ثلاثًا وثلاثين، وكبر الله ثلاثًا وثلاثين، فتلك تسع وتسعون وقال تمام المائة: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، غُفِرت خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر)) .
قال الحافظ: وفي الحديث من الفوائد غير ما تقدَّم أن العالِم إذا سُئِل عن مسألة يقع فيها الخلاف أن يجيب بما يلحق به المفضول درجة الفاضل، ولا يجيب بنفس الفاضل لئلاَّ يقع الخلاف، وفيه التوسعة في الغبظة والفرق بينهما وبين الحسد المذموم، وفيه المسابقة إلى الأعمال المحصلة للدرجات العالية لمبادرة الأغنياء إلى العمل بما بلَغَهم، وفيه أن العمل السهل قد يدرك به صاحبه فضل العمل الشاق، وفيه أن العمل القاصر قد يساوي المتعدِّي.
* * *
الحديث الرابع
عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ صلى في خميصة لها أعلام، فنظر إلى أعلامها نظرة، فلمَّا انصرف قال: ((اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جهم، وأتوني بأنبجانية أبي جهم؛ فإنها ألهتني آنفًا عن صلاتي)) .
((الخميصة)) : كساء مربع له أعلام، ((والأنبجانية)) : كساء غليظ.
قال ابن دقيق العيد: فيه دليل على جواز لباس الثوب ذي العلم، وعلى أن اشتغال الفكر يسيرًا غير قادح في الصلاة، وفيه دليلٌ على طلب الخشوع في الصلاة والإقبال عليها، ونفي ما يقتضي شغل الخاطر بغيرها، انتهى.
وقال شيخنا سعد بن عتيق - رحمه الله تعالى -: في الحديث دليلٌ على جواز الكلام بعد السلام قبل الذكر والدعاء، والله أعلم.
стр. 99
تتمَّة:
وعن ثوبان قال: "كان رسول الله ﷺ إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثًا وقال: ((اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام)) ؛ رواه الجماعة إلا البخاري.
وعن أبي أمامة قال: قيل: يا رسول الله، أيُّ الدعاء أسمع؟ قال: ((جوف الليل الآخر، ودبر الصلوات المكتوبات)) ؛ رواه الترمذي.
وعن أم سلمة: أن النبي ﷺ كان يقول إذا صلى الصبح حين يسلم: ((اللهم إني أسألك علمًا نافعًا ورزقًا طيبًا وعملاً متقبَّلاً)) ؛ رواه أحمد وابن ماجه.
وأخرج مسلم من حديث البراء أنه ﷺ كان يقول بعد الصلاة: ((رب قني عذابك يوم تبعث عبادك)) .
قال الشوكاني: ووَرَد عقب المغرب والفجر بخصوصهما عند أحمد والنسائي: ((مَن قال قبل أن ينصرف منهما: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، عشر مرَّات كُتِب له عشر حسنات، ومُحِي عنه عشر سيئات، وكان يومه في حرز من الشيطان)) .
باب الجمع بين الصلاتين في السفر
الحديث الأول
عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: "كان رسول الله ﷺ يجمع في السفر بين صلاة الظهر والعصر إذا كان على ظهر سير ويجمع بين المغرب والعشاء".
قال الموفق في "المغني": الجمع بين الصلاتين في السفر في وقت إحداهما جائز في قول أكثر أهل العلم.
وقال المجد في "المنتقى": "باب جمع المقيم لمطر أو غيره، عن ابن عباس ﵄: "أن النبي ﷺ صلى بالمدينة سبعًا وثمانيًا الظهر والعصر والمغرب والعشاء"؛ متفق عليه".
* * *
стр. 100
باب قصر الصلاة في السفر
الحديث الأول
عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: "صحبت رسول الله ﷺ فكان لا يزيد في السفر على ركعتين وأبا بكر وعمر وعثمان كذلك".
هذا هو لفظ رواية البخاري في الحديث، ولفظ رواية مسلم أكثر وأزيد، فليعلم ذلك.
الأصل في قصر الصلاة الكتاب والسنة والإجماع.
قال الله - تعالى -: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١] .
وروى مسلم عن يعلى بن أمية: قلت لعمر بن الخطاب: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١] ، وقد آمن الناس، فقال: عجبت مما عجبت منه فسألت رسول الله ﷺ فقال: ((صدقة تصدَّق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته)) .
قوله: "ولفظ رواية مسلم أكثر وأزيد"، قال مسلم: وحدثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب، حدثنا عيسى بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، عن أبيه قال: "صبحت ابن عمر في طريق مكة، قال: فصلَّى بنا الظهر ركعتين ثم أقبل وأقبلنا معه حتى جاء رحلة، وجلس وجلسنا معه، فحانَت منه التفاتة نحو حيث صلى فرأى ناسًا قيامًا فقال: ما ينصع هؤلاء؟ قلت: يسبحون، قال: لو كنت مسبحًا أتممت صلاتي يا ابن أخي، إني صحبت رسول الله ﷺ في السفر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وصحبت أبا بكر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وصحبت عمر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، ثم صحبت عثمان فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله،
стр. 101
وقد قال الله: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] ".
قال النووي: وقد اتَّفق العلماء على استحباب النوافل المطلقة في السفر، واختلفوا في استحباب النوافل الراتبة، فكرهها ابن عمر وآخرون، واستحبَّها الشافعي وأصحابه والجمهور.
فائدة:
عن ابن عباس ﵄: أنه قيل له: ما بال المسافر يصلي ركعتين في حال الإنفراد وأربعًا إذا ائتمَّ بمقيم؟ فقال: تلك السنة؛ رواه أحمد.
تنبيه:
ليس الجمع بسنة راتبة كما يعتقد أكثر المسافرين، بل هو رخصة عارضة، فسنة المسافر قصر الرباعية سواء كان له عذر أو لم يكن، وأمَّا جمعه بين الصلاتين فحاجة ورخصة.
* * *
باب الجمعة
الحديث الأول
عن سهل بن سعد الساعدي ﵁ أن رجالاً تمارَوْا في منبر رسول الله ﷺ من أي عود هو؟ فقال سهل: من طرفاء الغابة، وقد رأيت رسول الله ﷺ قام عليه فكبَّر وكبَّر الناس وراءه وهو على المنبر، ثم ركع فنزل القهقرى حتى سجد في أصل المنبر، ثم عاد حتى فرغ من آخر صلاته، ثم أقبل على الناس فقال: ((يا أيها الناس، إنما صنعت هذا لتأتمُّوا بي ولتتعلموا صلاتي)) ، وفي لفظ: "صلى عليها، ثم كبَّر عليها، ثم ركع وهو عليها ثم نزل القهقرى".
стр. 102
الأصل في فرض الجمعة الكتاب والسنة والإجماع.
قال الله - تعالى -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الجمعة: ٩] .
قال الحافظ: يستفاد من الحديث أن مَن فعل شيئًا يخالف العادة أن يبين حكمته لأصحابه، وفيه مشروعية الخطبة على المنبر لكلِّ خطيب خليفة كان أو غيره، وفيه جواز قصد تعليم المأمومين أفعال الصلاة بالفعل، وجواز العمل اليسير في الصلاة وكذا الكثير إن تفرَّق، وفيه استحباب اتخاذ المنبر لكونه أبلغ في مشاهدة الخطيب والسماع منه، واستحباب الافتتاح بالصلاة في كل جديد، إمَّا شكرًا، وإمَّا تبركًا.
* * *
الحديث الثاني
عن عبد الله بن عمر ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: ((مَن جاء منكم الجمعة فليغتسل)) .
فيه دليلٌ على استحباب الغسل يوم الجمعة وتأكيد سنيته.
* * *
الحديث الثالث
عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: جاء رجل والنبي ﷺ يخطب الناس يوم الجمعة، فقال: ((صليت يا فلان؟)) ، قال: لا، قال: ((قم فاركع ركعتين)) ، وفي رواية: ((فصلِّ ركعتين)) .
فيه دليلٌ على استحباب صلاة تحية المسجد حالَ الخطبة، وفي الحديث الآخَر: ((إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوَّز فيهما)) ؛ رواه مسلم.
وفيه أن التحية لا تفوت بالقعود، وأن للخطيب أن يأمر في خطبته وينهي
стр. 103
ويبيِّن الأحكام المحتاج إليها.
وعن بريدة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يخطبنا، فجاء الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران، فنزل رسول الله ﷺ من المنبر فحملهما فوضعهما بين يديه، ثم قال: صدق الله ورسوله ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥] ، نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران، فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما)) ؛ رواه الخمسة.
* * *
الحديث الرابع
عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: "كان رسول الله ﷺ يخطب خطبتين وهو قائم يفصل بينهما بجلوس".
فيه دليلٌ على مشروعية الجلوس بين الخطبتين، ولفظ الحديث في البخاري عن عبد الله بن عمر قال: "كان النبي ﷺ يخطب خطبتين يقعد بينهما".
* * *
الحديث الخامس
عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((إذا قلت لصاحبك: أنصت، يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لغوت)) .
(اللغو) : ما لا يحسن من الكلام، وفيه دليل على وجوب الإنصات حال الخطبة، فإن احتاج إلى ما لا بُدَّ منه فبالإشارة.
* * *
الحديث السادس
عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((مَن اغتسل يوم الجمعة ثم راح في الساعة الأولى فكأنما قرَّب
стр. 104
بدَنَة، ومَن راح في الساعة الثانية فكأنما قرَّب بقَرَة، ومَن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرَّب كبشًا أقرن، ومَن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرَّب دجاجة، ومَن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرَّب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر)) .
قوله: ((ثم راح)) ؛ أي: ذهب، وابتداء الساعات بعد ارتفاع الشمس، وفيه من الفوائد الحضُّ على الاغتسال يوم الجمعة وفضله، وفصل التبكير إليها.
* * *
الحديث السابع
عن سلمة بن الأكوع - وكان من أصحاب الشجرة، ﵁ قال: "كنَّا نصلي مع رسول الله ﷺ في صلاة الجمعة ثم ننصرف وليس للحيطان ظل يستظل به".
وفي لفظ: "كنَّا نجمع مع رسول الله ﷺ إذا زالت الشمس، ثم نرجع فنتتبَّع الفيء".
قوله: "نجمع"؛ أي: نصلي الجمعة.
قوله: "وليس للحيطان ظل يستظل به" لا ينفي أصل الظل، ولكن ينفي الظل الكثير الذي يستظلُّون به، وفيه دليلٌ على مشروعية التبكير بصلاة الجمعة في أوَّل الوقت بعد الزوال.
قال الموفق في "المغني": المستحَبُّ إقامة الجمعة بعد الزوال؛ لأن النبي ﷺ كان يفعل ذلك، ولأن في ذلك خروجًا من الخلاف، فإن علماء الأمة اتَّفقوا على أن ما بعد الزوال وقت للجمعة، وإنما الخلاف فيما قبله، انتهى.
وقال النووي: وقد قال مالك وأبو حنيفة
стр. 105
والشافعي وجماهير العلماء: لا تجوز الجمعة إلا بعد زوال الشمس، ولم يخالف في هذا إلا أحمد بن حنبل وإسحاق فجوَّزاها قبل الزوال، انتهى.
وقال البخاري: "وقت الجمعة إذا زالت الشمس)) .
* * *
الحديث الثامن
عن أبي هريرة ﵁ قال: "كان النبي ﷺ يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة: آلم تنزيل السجدة، وهل أتى على الإنسان".
فيه دليلٌ على استحباب قراءة هاتين السورتين في صلاة الفجر يوم الجمعة، وقيل: إن الحكمة في ذلك الإشارة إلى ما فيهما من ذكر خلق آدم وأحوال يوم القيامة؛ لأن ذلك كان وسيقع يوم الجمعة.
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خُلِق آدم ﵇ وفيه أُدخِل الجنة، وفيه أُخرِج منها، ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة)) ؛ رواه مسلم.
* * *
باب صلاة العيدين
الحديث الأول
عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: "كان النبي ﷺ وأبو بكر وعمر يصلون العيدين قبل الخطبة".
الأصل في صلاة العيد: الكتاب والسنة والإجماع.
قال الله - تعالى -: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢] ، وفي الحديث دليل على مشروعية صلاة العيد قبل الخطبة.
* * *
стр. 106
الحديث الثاني
عن البراء بن عازب ﵁ قال: خطب النبي ﷺ يوم الأضحى بعد الصلاة قال: ((مَن صلى صلاتنا ونسَك نسكنا فقد أصاب النسك، ومَن نسَك قبل الصلاة فلا نسك له)) ، فقال أبو بردة بن نِيَار خال البراء بن عازب: يا رسول الله، إني نسكت شاتي قبل الصلاة، وعرفت أن اليوم يوم أكل وشرب، وأحببت أن تكون شاتي أوَّل ما يُذبَح في بيتي، فذبحت شاتي وتغدَّيت قبل أن آتي الصلاة، قال: ((شاتك شاة لحم)) ، قال: يا رسول الله، فإن عندنا عناقًا وهي أحب إلينا من شاتين، أفتجزي عنِّي؟ قال: ((نعم، ولن تجزي عن أحد بعدك)) .
قوله: ((تجزي)) ؛ أي: تقضي، ومنه قوله - تعالى -: ﴿لاَ تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨] ، وفي الحديث دليلٌ على مشروعية الصلاة يوم العيد قبل الخطبة، وأمَّا ما ذبح قبل الصلاة لا تجزي عن الأضحية، وأن العناق لا تجزي في الأضحية.
قال ابن دقيق العيد: وفيه دليلٌ على أن المأمورات إذا وقعتْ على خلاف مقتضى الأمر لم يعذر فيها بالجهل، وقد فرَّقوا في ذلك بين المأمورات والمنهيَّات
فعذَرُوا في المنهيَّات بالنسيان والجهل، كما جاء في حديث معاوية بن الحكم حين تكلم في الصلاة، انتهى.
قال الحافظ: وفي الحديث من الفوائد غير ما تقدَّم، أن المرجع في الأحكام إنما هو إلى النبي ﷺ وأن خطابه للواحد يعمُّ جميع المكلَّفين حتى يظهر دليل الخصوصية، وفيه أن الإمام يعلِّم الناس في خطبة العيد أحكام النحر، وفيه جواز الاكتفاء في الأضحية بالشاة الواحدة عن الرجل وعن أهل بيته.
قال الشيخ
стр. 107
أبو محمد بن أبي جمرة: وفيه أن العمل وإن وافق نية حسنة لم يصح إلا إذا وقع على وفق الشرع، وفيه جواز أكل اللحم يوم العيد مع ما لهم فيها من الشهوة بالأكل والادِّخار، ومع ذلك ثبت لهم الأجر في الذبح، وفي الحديث أن الجذع من المعز لا يجزي وهو قول الجمهور، وفيه تأكيد أمر الأضحية، وأن المقصود منها طيب اللحم وإيثار الجار على غيره، وأن المفتي إذا ظهرت له من المستفتي أمارة الصدق كان له أن يسهل عليه حتى لو استفتاه اثنان في قضية واحدة جاز أن يفتي كلا منهما بما يناسب حاله، وجواز إخبار المرء عن نفسه بما يستحق به الثناء عليه بقدر الحاجة، انتهى ملخصًا.
قوله: "وتغديت قبل أن آتي الصلاة" فيه جواز الأكل قبل صلاة الأضحى.
قال ابن القيم في "إعلام الموقعين": وتختلف الفتوى باختلاف الأشخاص والأحوال والأزمان، والله أعلم.
* * *
الحديث الثالث
عن جندب بن عبد الله البَجَلي ﵁ قال: صلى رسول الله ﷺ يوم النحر، ثم خطب وقال: ((مَن ذبح قبل أن يصلي فليذبح أخرى مكانها، ومَن لم يذبح فليذبح باسم الله)) .
قوله: ((فليذبح بسم الله)) ؛ أي: فليذبح قائلاً: بسم الله، وفيه دليل على أن وقت الأضحية بعد صلاة العيد.
* * *
الحديث الرابع
عن جابر ﵁ قال: "شهدت مع رسول الله ﷺ يوم العيد فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بلا أذان ولا إقامة،
стр. 108
ثم قام متوكئًا على بلال، فأمَر بتقوى الله وحثَّ على الطاعة، ووعَظ الناس وذكَّرهم، ثم مضى حتى أتى النساء فوعظهن وذكَّرهن، فقال: ((تصدَّقن فإنكنَّ أكثر حطب جهنم)) ، فقامت امرأة من سِطَة النساء سفعاء الخدَّين فقالت: لِمَ يا رسول الله؟ قال: ((لأنكن تكثرن الشِّكَاية، وتكفرن العشير)) ، قال: فجعلن يتصدَّقن من حليهن يلقين في ثوب بلال من أقراطهن وخواتيمهن".
قوله: "فقامت امرأة من سِطَة النساء"؛ أي: من وسطهن في المجلس.
قوله: "سفعاء الخدَّين" (الأسفع) و (السفعاء) : مَن أصاب خدَّه لونٌ يخالف لونه الأصلي من سواد أو خضرة أو غيره، والحديث يدلُّ على عدم مشروعية الأذان والإقامة لصلاة العيد وهو بإجماع العلماء.
قال ابن دقيق العيد: وكان تخصيص الفرائض بالأذان تمييزًا لها بذلك عن النوافل، وإظهارًا لشرفها، وهذه المقاصد التي ذكرها الراوي من الأمر بتقوى الله والحث على طاعته، والموعظة والتذكير، هي مقاصد الخطبة، انتهى.
قال الحافظ: وفي هذا الحديث من الفوائد أيضًا استحباب وعظ النساء وتعليمهن أحكام الإسلام، وتذكيرهن بما يجب عليهن، وحثهن على الصدقة، وتخصيصهن بذلك في مجلس منفرد، ومحلُّ ذلك كله إذا أمن الفتنة والمفسدة، وفيه خروج النساء إلى المصلى، واستدلَّ به على جواز صدقة المرأة من مالها من غير توقُّف على إذن زوجها أو على مقدار معيَّن، وفيه أن الصدقة من دوافع العذاب، وفيه بذل النصيحة والإغلاظ بها لِمَن احتِيج في حقِّه إلى ذلك، وفيه جواز طلَب الصدقة للمحتاجين ولو كان الطالب غير محتاج، وفي مبادرة تلك النسوة على الصدقة بما يعزُّ عليهن من حليِّهن مع ضيق الحال في ذلك الوقت دلالة على رفيع
مقامهن في الدين وحرصهن على امتثال أمر الرسول ﷺ ، ورضي عنهن.
* * *
стр. 109
الحديث الخامس
عن أم عطية نسيبة الأنصارية ﵂ قالت: "أمرنا - تعني: النبي، ﷺ أن نُخرِج في العيدين العواتق وذوات الخدور، وأمر الحُيَّض أن يعتزلن مصلى المسلمين"
وفي لفظ: "كنَّا نُؤمَر أن نخرج يوم العيد، حتى تخرج البكر من خدرها، وحتى تخرج الحُيَّض، فيكبِّرن بتكبيرهم، ويدعون بدعائهم، يرجون بركة ذلك اليوم وطُهرَتَه".
"العواتق": جمع عاتق، وهي مَن بلغت الحلم، أو قاربت، أو استحقَّت التزويج، أو هي الكريمة على أهلها، أو التي عتقت عن الامتهان في الخروج للخدمة.
"والخدور": جمع خدر، وهو ستر يكون في ناحية البيت تقعد البكر وراءه، وبين العاتق والبكر عموم وخصوص وجهي.
وفي الحديث مشروعية صلاة العيدين في الصحراء، واستحباب خروج النساء يوم العيد، وحضور الحيَّض واعتزالهن المصلى، والله أعلم.
* * *
باب صلاة الكسوف
الحديث الأول
عن عائشة ﵂: أن الشمس خسفت على عهد رسول الله ﷺ فبعث مناديًا ينادي: الصلاة جامعة فاجتمعوا، وتقدَّم فكبَّر وصلى أربع ركعات في ركعتين وأربع سجدات.
стр. 110
(الكسوف والخسوف) : شيء واحد، وكلاهما قد وردت به الأخبار، وقال - تعالى -: ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ * وَخَسَفَ الْقَمَرُ﴾ [القيامة: ٧- ٨] ، وفي الحديث مشروعية صلاة الكسوف جماعة ركعتين في كل ركعة ركوعان وسجدتان.
* * *
الحديث الثاني
عن أبي مسعود عقبة بن عامر الأنصاري البدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله يخوِّف الله بهما عباده، وإنهما لا ينكسفان لموت أحدٍ من الناس ولا لحياته، فإذا رأيتم منها شيئًا فصلُّوا وادعوا حتى ينكشف ما بكم)) .
فيه دليل على مشروعية الصلاة لكسوف الشمس أو القمر، وعلى مشروعيتها في أيِّ وقت حدث فيه الكسوف، وفيه الأمر بالدعاء والتضرُّع إلى الله - تعالى - قوله: ((وأنهما لا ينكسفان لموت أحد من الناس ولا لحياته)) .
قال الحافظ: وفي هذا الحديث إبطال ما كان أهل الجاهلية يعتقدونه من تأثير الكواكب في الأرض، وهو نحو قوله في الحديث الآخر: ((يقولون: مُطِرنا بنوء كذا)) .
قال الخطابي: كانوا في الجاهلية يعتقدون أن الكسوف يُوجِب حدوث تغيُّر في الأرض من موت أو ضرر، فأعلم النبي ﷺ أنه اعتقاد باطل، وأن الشمس والقمر خلقان مسخَّران ليس لهما سلطان في غيرهما ولا قدرة على الدفع عن أنفسهما.
قوله: ((يخوف الله بهما عباده)) قال الحافظ: فيه ردٌّ على مَن يزعم من أهل الهيئة أن الكسوف أمر عادي لا يتأخر ولا يتقدم؛ إذ لو كان كما يقولون لم يكن ذلك تخويف ويصير بمنزلة الجزر والمد في البحر.
وقال ابن دقيق العيد: ربما يعتقد بعضهم أن الذي يذكره أهل الحساب ينافي قوله: ((يخوِّف الله بهما عباده)) وليس
следующие страницы →