كتاب مفهوم التفسير والتأويل
والاستنباط والتدبر والمفسر
جميع الحقوق محفوظة
١٤٢٣ هـ - ٢٠٠٢ م
مَفْهُومُ التَّفْسيرِ وَالتَّأويلِ والاسْتِنْبَاطِ والتَّدبُّرِ والمُفسِّرِ
د. مُساعِدُ بن سُلَيْمَان بن نَاصِر الطَّيَّار
الأستاذ المساعد بكلية المعلمين بالرياض
دار ابن الجوزي
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 2
ـ[عرض كتاب مَفْهُوم التَّفْسيرِ وَالتَّأويلِ والاسْتِنْبَاطِ والتَّدبُّرِ والمُفسِّرِ]ـ
د. مُساعِدُ بن سُلَيْمَان بن نَاصِر الطَّيَّار
الأستاذ المساعد بكلية المعلمين بالرياض
دار ابن الجوزي
عرض: عمرو الشرقاوي
بدأ المؤلف وفقه الله الكتاب بمقدمة بين فيها أهمية تحرير المصطلحات، وأنَّ هذا التحرير يفيدُ في أمورٍ؛ منها:
* بيان المصطلحِ بذاتِه.
* عدم دخول ما ليس منه فيه.
* التفريق بين ما يُظنُّ أنه من المترادفات في المصطلحات.
كما قدَّم بتطبيق على مصطلح وقع فيه خلل، وهو مصطلح «التفسير بالمأثور والتفسير بالرأي».
وفي مفهوم التفسير:
تحدث المؤلف عن تعريف علم التفسير من جهة اللغة والاصطلاح، وبين أنَّ التَّفسيرَ إنَّما هو شرحٌ وبيانٌ للقرآنِ الكريمِ، فما كانَ فيه بيانٌ، فهو تفسيرٌ، وما كان خارجاً عن حدِّ البيانِ، فإنَّه ليس من التَّفسيرِ، وإن وُجِدَ في كتبِ المفسِّرينَ.
وبين أنه لو جُرِّدَ التَّفسيرُ من كثيرٍ من المعلوماتِ التي تخرج عن حد البيان، لتقاربتْ مناهجُ المفسِّرين، ولكان جلُّ الخلافِ بينهم في وجوهِ التَّفسيرِ، وترجيحِ أقوالِ المتقدِّمينَ.
وعقد المؤلف تطبيقًا على سورة الكوثر، بين فيه ما يدخل في التفسير وما لا يدخل.
وفي مفهوم التأويل:
بين معناها في اللغة والاصطلاح، كما بين الفرق بين إطلاق المصطلح عند المتقدمين والمتأخرين، والدليل على ذلك، وما ترتب عليه من آثار.
стр. 3
وعرض للحديث عن آية آل عمران، وهي قوله تعالى: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧]، وعلاقتها التأويل بالمتشابه.
وفي مفهوم الاستنباط:
بين المؤلف حد الاستنباط، وحلل عملية الاستنباط، وذكر أنواعه المندرجة تحته.
كما تعرض لحكم الاستنباط، وذكر قواعد كلية تعين على صحة الاستنباط.
وذكر مسألة في التَّفسيرِ الإشاري وفوائدِ الآياتِ، وبين أن كثيرًا من التَّفاسيرِ الإشاريَّةِ وتفاسيرِ الوعاظِ وما يذكرُه بعض المعاصرينَ من فوائِد الآياتِ = إلى الاستنباطِ، ومن ثَمَّ، فإنَّ حُكْمَها حُكْمُ الاستنباطات.
كما نبه على خطورة التكلف في الاستنباطات، وذكر اللطائف والفوائد.
وفي مفهوم التدبر:
بين المؤلف حد التدبر، وسياقات الأمر به في القرآن.
وأنَّ مرحلةَ التَّدبُّرِ تأتي بعدَ الفَهْمِ، إذ لا يُمكنُ أن يُطلبَ تدبُّرُ كلامٍ لا يعقل!
كما ذكر الفرق بين التدبر والمصطلحات السابقة، والفرق بين التدبر والتأثر.
كما ذكر أنه يقربُ من معنى التَّدبُّرِ التَّفكُّرُ والتَّذكُّرُ والنَّظرُ والتَّأملُّ والاعتبارُ والاستبصارُ، وقد وردت هذه المعاني في القرآن في مواطن.
وتعرض للفرق بين التَّدبُّرِ والتَّأثُّرِ من سماعِ القرآن.
وفي مفهوم المفسِّرِ:
ذكر أنه لم يحظ مصطلح المُفَسِّرِ من علماء القرآن والتفسير بتعريفٍ كما عرَّفوا مصطلح التفسير.
стр. 4
كما ذكر أنه لو تم سبر المفسرين المذكورين في كتب طبقات المفسرين، والاطلاع على ما دوَّنوه من منجزاتهم في التفسير = لظهر لك أنَّهم لا يخرجون عن أربعة أنواع:
الأول ـ طبقة المجتهدين الأُوَلِ.
الثاني ـ نَقَلَةُ التفسير.
الثالث ـ المفسر الناقد.
الرابع ـ المفسر المتخيِّر قولاً واحداً.
وأخيراً ...
بين المؤلف أنه إنما حرصت على بيانها لأنها تدعو إلى الانضباط في المعلومات، وتجعل المرء يميِّز بين المتشابه منها، فلا تتداخل عليه المعلومات، ويعرف بها كثيراً من الزيادات التي لا تدخل في المصطلح، ويبين له متى دخلت، وكيف دخلت، والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
стр. 5
المقدّمة
الحمد لله مُتِمِّ النِّعمِ على عباده، يعيدُ فضلَه عليهم كما يبديه لهم، وينشر لهم رحمته، ويُيسِّر لهم عبادته. والصلاة والسلام على رسوله الأمين، وعلى آله الطاهرين، وعلى صحبِه الكرام، وعلى من تبعهم إلى يوم الدين.
أمَّا بعد، فلقد كنتُ أحجمُ عن تحريرِ بعضِ المصطلحاتِ خوفَ الوقوعِ في مشكلةِ تفلسفٍ لا معنى لها، وكنت قد تتبعت بعض المصطلحات، فرأيت فيها خللاً من جهة التعريفِ، أو خللاً من جهة النتائج؛ كمصطلحِ التَّفسيرِ، ومصطلح التفسير الموضوعي، ومصطلح الإعجاز العلمي (١)، وغيرها.
ورأيت أنَّ بعضها بحاجة إلى تحرير؛ لأنها لم تُحرَّر، كمصطلح المفسر، وكالفرق بين مصطلح علومِ القرآنِ ومصطلح أصول التَّفسيرِ، إلى غير ذلك من المصطلحاتِ المنثورةِ في علومِ القرآنِ (١).
وكنت أخشى أن لا يكون البحث فيها مجدياً ولا مفيداً، وأن يكون الأمرُ من بابِ تسويدِ الورقِ بلا ثمرةٍ علميَّةٍ. ولكنِّي رأيتُ أنَّ بعضها يُبنى عليه مسائلُ علميَّة، وأنَّ تحرير هذه المصطلحات يفيدُ في أمورٍ؛ منها:
* بيان المصطلحِ بذاتِه.
* عدم دخول ما ليس منه فيه.
* التفريق بين ما يُظنُّ أنه من المترادفات في المصطلحات.
وقد كان من أكبر ما دعاني إلى خوضِ ذلك الغمارِ
стр. 13
عدمُ وضوحِ بعض المصطلحاتِ، أو تداخلُ بعضها ببعضٍ، أو بناءُ نتائجَ علمية على تعريفاتٍ غير صحيحةٍ لبعضِ هذه المصطلحات (١).
وقد رأيت أن أقدِّم لهذا الكتاب بتطبيق على مصطلح وقع فيه خلل، وهو مصطلح «التفسير بالمأثور والتفسير بالرأي»، ليتبيَّن به أهمية البحث في هذه المصطلحات، وأسأل الله أن يوفِّقني فيما أقول، إنه هو المستعان، وعليه الاتكال.
стр. 14
تطبيق على مصطلح التفسير بالمأثور والتفسير بالرأي
стр. 15
إنَّ مصطلح التفسير بالمأثور معروف عند العلماء السابقين، لكنَّ تعريفه بأنه: تفسير القرآن بالقرآن، وتفسير القرآن بالسنة، وتفسير القرآن بأقوال الصحابة، وتفسير القرآن بأقوال التابعين = مصطلحٌ معاصر.
وقد جُعِلَ مصطلح التفسير بالمأثور هذا مقابلاً للتفسير بالرأي؛ أي أنَّ ما لم يكن من التفسير بهذه الأنواع الأربعة، فهو من التفسير بالرأي.
ومما بُنِيَ على هذين المصطلحين من نتائج: تقسيم كتب التفسير على هذين المصطلحين.
وهناك غير ذلك مما ذكره من كتب في هذا المصطلح سيأتي ذكر بعضها أثناء الحديث عنه.
مناقشة هذا المصطلح:
أولاً: في تحديد التفسير بالمأثور في هذه الأنواع الأربعة:
١ - إنَّ من جعل التفسيرَ بالمأثور يشمل هذه الأنواع الأربعة، لم يبين سبب تحديد المأثورِ بها. وهذا التحديد
стр. 16
اجتهادٌ، وهو قابل للأخذ والردِّ، كما هو الحال في غيره من المصطلحات العلميَّةِ غير الشرعيَّةِ.
وأقدم من رأيته نص على كون هذه الأربعة هي التفسير بالمأثور الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني (ت:١٣٦٧)، حيث ذكر تحت موضوع (التفسير بالمأثور) ما يأتي: «هو ما جاء في القرآن أو السنة أو كلام الصحابة تبياناً لمراد الله من كتابه» (١).
ثم جاء بعده الشيخ محمد حسين الذهبي (ت:١٣٩٧)، فذكر هذه الأنواع الأربعة تحت مصطلح (التفسير المأثور)، فقال: «يشمل التفسير المأثور: ما جاء في القرآن نفسه من البيان والتفصيل لبعض آياته، وما نُقلَ عن الرسول ﷺ ، وما نُقلَ عن الصحابة رضوان الله عليهم، وما نُقِلَ عن التابعين، من كل ما هو بيان وتوضيح لمراد الله تعالى من نصوص كتابه الكريم» (٢).
ثمَّ تتابع بعض المعاصرين على هذا المصطلحِ
стр. 17
بتقسيماته الأربعة. لذا فإنَّ كثرة وجوده في كتب علوم القرآن المعاصرة، أو غيرها من كتب مناهج المفسرين، أو مقدمات بعض المحققين لبعضِ التفاسير (١) = لا يعني صحَّته على الإطلاق، بل هؤلاء نقلوه عن كتاب «التفسير والمفسرون» بلا تحرير ولا تأمُّلٍ فيه، إلا القليل منهم.
٢ - إن المعروف من لفظة مأثور: ما أُثرَ عن السابقين، وتحديد زمنٍ معيَّنٍ إنما هو اصطلاحٌ. وإذا كان ذلك كذلك؛ فكيف يكون تفسير القرآن بالقرآن مأثوراً، وأنت ترى الله يَمُنُّ عليك بتفسير آيةٍ بآيةٍ، فعن من أثرته؟!
عن من أَثَرَ ابن كثيرٍ (ت:٧٧٤) تفسيراتِه القرآنيةِ للقرآنِ؟! وكذا محمد الأمين الشنقيطيُّ (ت:١٣٩٣) في كتابه أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، عمَّن أَثَرَ تفسيراتِه القرآنيةِ للقرآنِ؟!
стр. 18
وإذا كان ذلك واضحاً لك، فكيف يكون اجتهاد المتأخرين والمعاصرين وأهل البدع الذين يحملون بعض الآي على بعضٍ ويفسِّرونها بها، كيف يدخل كلُّ هذا في المأثورِ عن الصحابة والتابعين؟!
ولا شكَّ أن حمل معنى آية على آية هو من اجتهاد المفسِّر، سواءً أكان المفسر من الصحابة، أم كان من التابعين، أم كان ممن جاء بعدهم، والاجتهاد عرضة للخطأ، ويوزن بميزانٍ علميٍّ معروفٍ، ولا يقبل إلاَّ إذا حَفَّتْ به شرائطُ القبولِ، كأيِّ اجتهادٍ علميٍّ آخر (١).
стр. 19
ومن هنا يجب أن تُفَرِّقَ بين كون القرآن مصدراً من مصادر التفسير، أو أنه أحسن طرق التفسير، وبين كون التفسير به يُعدُّ من التفسير بالمأثور، والفرق بين هذين واضحٌ.
٣ - أين يقع تفسير أتباع التَّابعين في هذين المصطلحين، وما علَّةُ جعلِه مأثوراً أو غير مأثورٍ عند هؤلاء؟.
لقد عَلَّلَ محمد حسين الذهبي (ت:١٣٩٧) لسبب إدخال تفسير التَّابعين في المأثور، فقال: «وإنما أدرجنا في التفسير المأثور ما رُوي عن التابعين ـ وإن كان فيه خلاف: هل هو من قبيل المأثور أو من قبيل الرَّأي؟ (١) ـ لأننا وجدنا كتب التفسير المأثور ـ كتفسير ابن جرير وغيره ـ لم تقتصر على ما ذكر مما روي عن النبي ﷺ وما روي عن الصحابة، بل ضمَّنت ذلك ما نقل عن التابعين في التفسير» (٢).
стр. 20
وإذا تأمَّلت هذه العِلَّة التي ذكرها، وجدتها أنها تندرج على مفسِّري أتباع التابعين؛ كابن جُريج (ت:١٥٠)، وسفيان الثوري (ت:١٦١) وابن زيد (ت:١٨٢) وغيرهم ممن ترى تفسيراتهم منثورةً في كتب التفسير التي تُعنى بنقل أقوال مفسري السلف ـ كتفسير الطبري (ت:٣١٠) وابن أبي حاتم (ت:٣٢٧) وغيرهما ـ بل قد لا يوجدُ في مقطع من مقاطع الآية إلا تفسيرُهم، فَلِمَ لمْ يعُدَّها من التفسيرِ بالمأثورِ؟!.
٤ - إن بيان أصل الخلطِ في هذا المصطلحِ يدلُّ على عدمِ تحريره وصحَّته، فقد كان أصل النقل عن شيخ الإسلام ابن تيمية (ت:٧٢٨) في حديثه عن أحسن طرق التفسير، وهي تفسير القرآن بالقرآن، ثم بالسنة، ثم بأقوال الصحابة، ثم بأقوال التابعين (١). ومما يبيِّنُ أنهم اعتمدوا على ما قاله شيخ الإسلام ابن تيميَّةَ (ت:٧٢٨) وغيَّرُوا المصطلحَ من «طرق التفسير» إلى «التفسيرِ بالمأثور» أنهم حكوا الخلاف في كونِ تفسير التابعين يُعَدُّ من التفسيرِ بالمأثورِ أو لا يُعدُّ، قال الزرقانيُّ
стр. 21
(ت:١٣٦٧): «وأمَّا ما ينقل عن التابعين ففيه خلاف بين العلماء: منهم من اعتبره من المأثور؛ لأنهم تلقوه من الصحابة غالباً، ومنهم من قال: إنه من التفسير بالرأي» (١).
وقال محمد حسين الذهبي (ت:١٣٩٧): «وإنما أدرجنا في التفسير المأثور، ما رُوي عن التابعين ـ وإن كان فيه خلاف: هل هو من قبيل المأثور أو من قبيل الرَّأي؟ ـ لأننا وجدنا كتب التفسير المأثور ـ كتفسير ابن جرير وغيره ـ لم تقتصر على ما ذكر مما روي عن النبي ﷺ ، وما روي عن الصحابة، بل ضمنت ذلك ما نقل عن التابعين في التفسير» (٢).
والأصلُ الذي نقلا منه ـ وهو رسالة شيخ الإسلام ابن تيمية (ت:٧٢٨) ـ جاء فيه ما يأتي: «وقال شعبة بن الحجاج وغيره: أقوال التابعين في الفروع ليست حجة، فكيف تكون حجة في التفسير؟ يعني أنها لا تكون حجة على غيرهم ممن خالفهم. وهذا صحيح. أمَّا إذا اجتمعوا على الشَّيء فلا يُرتابُ في كونه حُجَّةً، فإن اختلفوا فلا
стр. 22
يكون قول بعضهم حجة على بعض، ولا على من بعدهم، ويرجع في ذلك إلى لغة القرآن والسُّنَّةِ، أو عموم لغة العربِ، أو أقوال الصحابةِ في ذلك» (١).
وإذا وازنت بين هذه النُّقولِ تبيَّنَ لك أنَّهم تركوا مصطلحَ «طرق التفسير» إلى مصطلحٍ أحدثوه بدلاً عنه، وهو مصطلح «التفسير بالمأثور»، ونزَّلوا ما ذكرَه شيخ الإسلام (ت:٧٢٨) في حديثه عن «طرق التفسيرِ» على هذا المصطلحِ الذي اصطلحوا عليه.
ثانياً: علاقة المأثور بالرأي:
يُفهم ممن جعل التفسير بالرأي قسيماً للتفسير بالمأثور، أنَّ التفسير بالرأي ما عدا الأربعة المذكورة في التفسير بالمأثور، وهذا فيه عدم تحرير، وقد ظهر من ذلك نتائج؛ منها: أنَّ التفسير المأثور أصح من التفسير بالرأي، وأنه يجب الاعتمادُ عليه.
وهذا الكلام من حيث الجملة صحيحٌ، إلا أنه لم يقع فيه تحديد مصطلح الرأي، ومعرفة مستندات الرأي لكلِّ
стр. 23
جيلٍ من العلماءِ، وإذا تبينت هذه الأمور بانت العلاقة بينهما، وإليك بيانُ ذلك باختصار.
إنَّ تسمية هذه الأربعة بأنها مأثور جعل بعض الباحثين الذين اعتمدوا هذا المصطلح يغفل عن وقوع الاجتهاد في التفسير عند السلف، فإذا كان لهم اجتهاد، فهل هو تفسير بالرأي، أو يُعدُّ بالنسبة لهم مأثوراً؟.
فإذا كان المفسِّر المجتهد من الصحابة، فهل يُعدُّ تفسيرُه مأثوراً بالنسبة لغيره من الصحابة؟.
وإذا كان المفسر المجتهد من التابعين، فهل يُعدُّ تفسيرُه بالنسبة للصحابة مأثوراً؟.
لا شكَّ أنَّ الجواب: لا، لا يُعدُّ مأثوراً.
لكنَّ تفسير الصحابةِ بالنسبة للتابعين وأتباعهم مأثورٌ.
وتفسير التابعين بالنسبة لأتباع التابعين مأثورٌ.
والمراد بالمأثور هنا مطلق المعنى اللغوي أو الاصطلاحي عند علماء مصطلح الحديث. ولا يعني وصفه بأنه مأثور مطلق القبول، وتقديمه على غيره؛ لأنَّ في الأمر تفصيل ليس هذا محلُّه ولا يُمكن الخروجُ من هذه إلا إن قال من اصطلح على هذا المصطلح: أنا أريد بالرأي:
стр. 24
الرأيَ المذمومَ، وهذا ما لم يشر إليه من درج على هذين المصطلحين.
ولبيان المسألة أكثر، أقول: بعد أن تشكَّل تفسيرُ السلفِ، وتحدَّد في طبقاتِه الثلاثِ (الصحابة والتابعين وأتباع التابعين) كما هو ظاهرٌ من نقولِ المعتنين بكتابة علم التفسيرِ من علماء أهل السُّنة، الذين اعتمدوا النقل أو الترجيح بين الأقوالِ، صار التفسير المأثور عن السلف مصدراً يجب الرجوع إليه، والاعتماد عليه، وهذا ظاهر لا مشكلة فيه.
لكن هل يعني وصفه بأنه مأثور أنه لم يقع فيه تفسير بالرأي؟.
إنَّ التفسيرَ بالرأي كان منذ عهد الصحابةِ الكرام، وكان لهم مستندهم في الرأي، من القرآن والسنة واللغة وأسباب النُّزول وشيءٍ من مرويات بني إسرائيل، وأحوال من نزل فيهم القرآن ... إلخ.
وجاء التابعون، وكان جملةٌ كبيرةٌ من تفسيرِهم بالرأي، وكان لهم اختيارٌ في التفسيرِ قد يخالفُ اختيارَ أفراد الصحابةِ، وكانت مستندات الرأي عندهم ما كان عند الصحابةِ، وزاد في مصادرهم تفسيرُ الصحابةِ؛ لأنهم جاءوا بعدهم.
стр. 25
ثمَّ جاء أتباع التابعين، وكان الحالُ كما كان في عهد التابعين، وعليهم وقف النقلُ في التفسير، كما هو ظاهر من كتب التفسير التي نقلت أقوال السلف.
وكان تفسيرُ كل طبقة بالنسبة لمن جاء بعدهم مأثوراً، لكنه لا يحملُ صفة القبولِ المطلقِ لأنه مأثورٌ فقط؛ لأنَّ فيه جملة من الاختلاف التي تحتاج إلى ترجيح القول الأولى = بل له أسباب أخرى مع كونه مأثوراً.
إذا تبين ما سبق، فإنَّ التفسيرَ المأثورَ عن السلف على قسمين:
القسم الأول: المنقول المحض الذي لا يمكن أن يرد فيه اجتهاد، ويشمل تفسيرات النبي ﷺ وأسباب النُّزول وقصص الآي والغيبيات.
والقسم الثاني: ما كان لهم فيه اجتهاد، ويظهر فيما يرد عليه الاحتمال من التفسير.
وما دام في تفسيرهم رأي، فما نوع الرأي الذي عندهم، وما نوع الرأي الذي جاء بعدهم؟.
أما الرأي الوارد عنهم، فهو من قبيل الرأي المحمود؛ لأنهم لم يكونوا يقولون في القرآن بغير علم،
стр. 26
كما لم يكن عندهم هوى مذهبي يجعلهم يحرفون معاني الآيات إلى ما يعتقدونه، فلما سِلموا من هذين السببين اللذين هما من أكبر أسباب الوقوع في التحريف في التفسير، وكانوا يفسرون كلام الله على علمٍ، كان رأيهم محموداً في التفسير.
ووجود قول ضعيف في تفسيرهم لا يعني أنه من الرأي المذموم، وما ورد من تفسيرات غريبة عن بعضهم؛ أعني بعض تفسيرات مجاهد (ت:١٠٤) لمسخ بني إسرائيل قردة وخنازير، والميزان، والنظر إلى وجه الله = إنما هي أفراد في تفاسيرهم، وهي نادرة لا تكاد تذكر.
وأما الرأي الذي جاء بعد تفسير السلف فهو على قسمين:
القسم الأول:
الرأي المحمود، وهو المبني على علم، وهو نوعان:
النوع الأول: الاختيار من أقوالهم بالترجيح بينها إذا دعا إلى ذلك داعٍ، بشرط أن يكون المرجِّح ذا علم، ولا يختار من أقوالهم حسب هواه وميوله. ولا بدَّ أن يكون المرجِّح على علم بأنواع ما يقع من الاختلاف عنهم، وهو قسمان:
стр. 27
الأول: أن يكون الخلاف راجعاً إلى معنى واحدٍ، ويكون الخلاف بينهم خلاف عبارة، ويدخل الرأي هنا في توجيه أقوالهم إلى كونها على قول واحد وأنه لا يوجد خلاف حقيقي ولا خلاف معتبر فيه بين هذه الأقوال.
الثاني: أن يكون الخلاف بينهم راجعاً إلى أكثر من معنى، فتصحيح أقوالهم على أنها من اختلاف التنوع، أو اختيار أحد هذه المعاني من المفسرين الذين جاءوا بعدهم إنما يكون برأي واجتهادٍ، كما فعل الطبري (ت:٣١٠).
النوع الثاني: الإتيان بمعنى جديد صحيح لا يُبْطِلُ تفسير السلف، ولا يُقْصَر معنى الآية عليه.
لا شكَّ في أن المعاني تنتهي، ولكن هذا لا يعني أن تفسير القرآن قد توقَّف على جيل أتباع التابعين، وأنه لا يجوز لغيرهم أن يفسِّر القرآن.
نعم لا يعني هذا، ولكن لا بدَّ من ضوابط في هذا، وهو ما يشير إليه عنوان الفقرة من أن يكون المعنى صحيحاً وارداً في اللغة، وأن يكون غير مناقض [أي: مُبطل] لقول السلف، وأن لا يعتقد المفسر بطلان قولهم وصحة قوله فقط. فإذا حصلت هذه الضوابط = صحَّ ـ والله أعلم ـ التفسير الجديد، وصار من التفسير بالرأي المحمود المعتمد على علمٍ، والله أعلم.
стр. 28
القسم الثاني:
الرأيُ المذموم، وله عدة صور، ويغلب عليه أن يكون تفسيراً عن جهل أو عن هوى، وعلى هذا أغلب تفاسير المبتدعة من المعتزلة والرافضة والصوفية وغيرهم.
وبعد هذا يتبين ما يأتي:
١ - أنَّ جعل التفسير بالمأثور مقابلاً للتفسير بالرأي لا يصح.
٢ - أنَّ تسمية الوارد عن السلف بأنه مأثور لا إشكال فيه، لكن لا يقابله غيره على أنه تفسير بالرأي؛ لأنَّ في هذا نسيان للرأي الواردِ عن السلفِ.
٣ - أنَّ الحكم على التفسير المأثور بالقبول، يصحُّ من حيث الجملة، لكنه لا يتلاءم مع الاختلاف المحقق الوارد عنهم؛ وفي هذه الحال لا بدَّ من معرفة القول الأولى أو القول الصحيح في الآية، وهذا يحتاج إلى رأي جديد، فهل تقف عند الاختلاف بزعم قبول المأثور، أم ترجِّح ما تراه صواباً، فتكون ممن قال برأيه؟.
٤ - إنَّ ما ورد عن الصحابة أو التابعين أو أتباعهم، فإنه مأثورٌ، ولكنه لا يُقبلُ لأجل هذه العلةِ فقط، بل هو
стр. 29
درجات في القبول؛ كأن يكون إجماعاً منهم، أو قول جمهورهم، أو غيرها من الأسباب.
هذا، ولقد تتبَّعتُ مصطلحَ «مأثور» و «المأثور»، فلم أظفر على هذا التَّقسيمِ الرُّباعيِّ الذي ذكرهُ هؤلاءِ، بل يطلقُه العلماءُ على ما أثرَ عن الرسول ﷺ أو عن السلفِ، أو الصحابةِ، أو عن التابعين (١)، وأحسبُ أنَّ هذه القضيَّة ليست بحاجةٍ إلى نقلٍ لتدعيمِها؛ لكثرةِ ما تردُ في كتب اللغة، ومصطلح الحديث، وغيرها، فتجد المأثور في اللغةِ: ما نقله الخلف عن السلفِ، وقد يكون اصطلاحاً عند بعضهم على ما أُثِرَ عن الرسولِ ﷺ ، أو عن أصحابهِ أو عن التَّابعينَ، وهو في كلِّ هذه الاصطلاحاتِ لم يخرج عن المعنى العامِّ للَّفظةِ.
وقد يُسمَّى المأثورُ عنهم بالتفسيرِ المنقولِ، ويقسمونَ
стр. 30
التفسيرَ إلى نقليٍّ واجتهاديٍّ، ولكن لا يعنون أنَّ ما نُقِلَ عنهم لا يقعُ فيه اجتهادٌ، بل مرادهم اجتهادُ المفسِّر في أيِّ عصرٍ كان (١).
أو يُسمَّى المنقولُ عنهم بالرِّوايةِ، والمأخوذُ من طريقِ الاجتهادِ بالدِّرايةِ (٢)، ولكن يجب أن تنتبه إلى أنَّ لهم في
стр. 31
تفسيرِهم درايةٌ، ثمَّ صار لمن بعدهم روايةً.
وأيًّا ما اصطلحتَ على المنقولِ عن السَّلفِ، فإنه يجبُ أن تتنبَّه إلى ورودِ الاجتهادِ عنهم، وأنَّهم صاروا بعد ذلك مصدراً لمن جاء بعدهم، يعتمدُ عليهم، ويتخيَّرُ من أقوالِهم، أو يضيفُ ما صحَّ من المعنى ولم يناقض أقوالَهم.
ويمكنُ تلخيصُ هذا الموضوعِ فيما يأتي:
١ - إنَّ القرآن مصدرٌ مهمٌّ من مصادرِ التَّفسيرِ، ولا يُقبلُ التَّفسيرُ به لمجرَّدِ كونِه تفسيرَ قرآنٍ بقرآنٍ، بل لاعتبارٍ آخر؛ كأن يكونَ من تفسيرِ النَّبيِّ ﷺ ، أو مما لا يمكنُ الاختلافُ في كونه مفسَّراً بقرآنٍ، أو مما يكونُ مجمعاً عليه، أو بالنَّظرِ إلى عُلُوِّ مرتبةِ مفسِّرِه، أو غيرها من القرائنِ التي تدلُّ على صحَّةِ التفسيرِ به.
стр. 32
وإذا كان التفسيرُ بالقرآن ممن هو دون النَّبيِّ ﷺ ، فهو من اجتهادِ المفسِّرِ به، لذا قد يختلفُ مفسر وغيرُه في حمل آيةٍ على آيةٍ، وإنما كان ذلك بسبب الاجتهادِ.
٢ - إنَّ إطلاقَ المأثور على المرويِّ عن الرسولِ ﷺ والسَّلفِ من الصحابة والتَّابعين وأتباعهم إطلاقٌ صحيحٌ.
٣ - إنَّ الصَّحيحَ المرويَّ من تفسيرِ الرسولِ ﷺ المباشرِ حجَّةٌ في تفسيرِ الآيةِ بلا خلافٍ.
٤ - إنَّ هذا المأثورَ عنهم حجة من حيث الجملة، وهو ـ لمن جاء بعدهم ـ من أهمِّ مصادر التفسير التي يجبُ الرجوع إليها.
٥ - إنَّ جملةً من التفسيرِ المرويِّ عن السلفِ معتمدُه النَّقل، وهو كسائر المنقولاتِ من حيثُ اعتماد الصحيحِ منها، ويدخل في ذلك أسباب النُّزول وقصص الآي، وغيرها من المغيَّباتِ التي تفتقرُ إلى النَّقلِ.
وهذه المنقولات تردُ عن الصحابةِ وعن التابعين وأتباعهم ويختلفُ قبولها بين هذه الطبقاتِ، فالمرويُّ عن صحابيٍّ ليس كالمرويِّ عن تابعيٍّ، ولا عن تابع تابعيٍّ.
والمرويُّ عن جماعةٍ منهم، ليس كالمرويِّ عن فردٍ
стр. 33
منهم، وهكذا غيرها من القرائن التي تحفُّ بقبولِ الأخبارِ.
٦ - إنَّ جملةً من تفسير السَّلفِ تفسيرٌ بالرأي المحمودِ، ولهم في ذلك معتمدَاتٌ؛ كالقرآنِ واللغةِ، والعلمِ بأحوال من نزل فيهم الخطابُ، والعلمُ بأحوالِ المصطفى ﷺ ، وغيرها.
٧ - إنَّ التَّعاملَ مع تفسيرِهم يختلفُ من مثالٍ إلى غيرِه، فقد يكونُ في موطنٍ لا يصحُّ أن يُتعدَّى ما قالوا، وفي بعضِ المواطنِ قد يجتهدُ المفسِّرُ ويختارُ من أقوالِهم ما يراه الأصوبَ، وقد يجوزُ له في موطن غيره أن يزيدَ على ما قالوا من المعاني الصحيحةِ التي تحتملها الآيةُ ولا تبطل ما قالوا.
ثالثاً: ما ترتب على مصطلح التفسير بالمأثور:
لقد ترتَّبت نتائج على مصطلح التفسير بالمأثور فيها خلل علمي، وسأذكر بعض هذه النتائج.
الأولى: الحكم على التفسير بالمأثور بأنه يجب الأخذ به .
قال مناع القطان: «التفسير بالمأثور هو الذي يجب الأخذ به؛ لأنه طريق المعرفة الصحيحة، وهو آمن سبيل
стр. 34
للحفظ من الزلل والزيغ في كتاب الله» (١).
وهذا كلام ينقصه التحرير، من جانبين:
الأول: أن أغلب تفسير القرآن بالقرآن من قبيل الاجتهاد، وهو يدخل في التفسير بالرأي، وقبوله إنما يكون من جهة أخرى لا من جهة كونه مأثوراً فقط، كما سبق بيانه.
الثاني: كيف يجب الأخذ بالتفسير الذي يقع فيه الاختلاف بين السلف؟.
هل يقبل الاختلاف على إطلاقه، أم في الأمر تفصيل؟ أما قبول الاختلاف على إطلاقه، فلا يُتصوَّر القول به.
وأما إذا رجع الأمر إلى اختيار القول الأَولى أو الصحيح، فقد دخلت في التفسير بالرأي والاجتهاد؛ لأنك ترى أن هذا القول أولى من غيره.
وبهذا تكون قد خرجت عن التفسير بالمأثور على هذا الاصطلاح المذكور.
стр. 35
الثانية: افتراض وقوع الاختلاف بين المأثور والرأي .
جاء في كلام بعض من كتب في التفسير بالمأثور فرضيات عقلية لا تثبت أمام العمل التفسيري، ولم يُعملْ بها من قبل، ولا أُخِذَ بها من بعد.
وسأذكر لك ما يدلُّ على ما قلت لك، وهو من كلام من أَصَّلَ هذا التقسيم وانتشر من بعده.
عقد عبد العظيم الزرقاني (ت:١٣٦٧) في كتابه مناهل العرفان مبحثاً بعنوان (التعارض بين التفسير بالرأي والتفسير بالمأثور وما يتبع في الترجيح بينهما)، وقال فيه: «ينبغي أن يعلم أن التفسير بالرأي المذموم ليس مراداً هنا لأنه ساقط من أول الأمر فلا يقوي على معارضة المأثور.
ثم ينبغي أن يعلم أن التعارض بين التفسير بالمأثور والتفسير بالرأي المحمود معناه: التنافي بينهما، بأن يدل أحدهما على إثبات والآخر على نفي؛ كأن كلا من المتنافيين وقف في عرض الطريق فمنع الآخر من السير فيه.
وأما إذا لم يكن هناك تناف، فلا تعارض، وإن تغايرا؛ كتفسيرهم الصراط المستقيم بالقرآن أو بالسنة أو بطريق العبودية أو طاعة الله ورسوله، فهذه المعاني غير متنافية وإن تغايرت ...
стр. 36
إذا تقرر هذا، فإن التفسير بالمأثور الثابت بالنص القطعي لا يمكن أن يعارض بالتفسير بالرأي؛ لأن الرأي: إما ظني، وإما قطعي؛ أي مستند إلى دليل قطعي: من عقل أو نقل، فإن كان قطعياً، فلا تعارض بين قطعيين، بل يؤول المأثور؛ ليرجع إلى الرأي المستند إلى القطعي إن أمكن تأويله، جمعاً بين الدليلين.
وإن لم يكن تأويله، حُمِلَ اللفظ الكريم على ما يقتضيه الرأي والاجتهاد، تقديماً للأرجح على المرجوح.
أما إذا كان الرأي ظنياً، بأن خلا من الدليل القاطع، واستند إلى الأمارات والقرائن الظاهرة فقط، فإن المأثور القطعي يقدم على الرأي الظني ضرورة أن اليقين أقوى من الظن. هذا كله فيما إذا كان المأثور قطعياً، أما إذا كان المأثور غير قطعي في دلالته؛ لكونه ليس نصاً، أو في متنه؛ لكونه خبر آحاد، ثم عارضه التفسير بالرأي فلا يخلو الحال: إما أن يكون ما حصل فيه التعارض مما لا مجال للرأي فيه، وحينئذٍ فالمعوَّل عليه المأثور فقط، ولا يقبل الرأي.
وإن كان للرأي فيه مجال، فإن أمكن الجمع فبها ونعمت، وإن لم يكن قدِّمَ المأثور عن النبي أو عن
стр. 37
الصحابة؛ لأنهم شاهدوا الوحي، وبعيد عليهم أن يتكلموا في القرآن بمجرد الهوى والشهوة.
أما المأثور عن التابعين، فإذا كان منقولاً عن أهل الكتاب، قدم التفسير بالرأي عليه. وأما إذا لم ينقل عنهم، رجعنا به إلى السمع، فما أيده السمع، حُمِلَ النظم الكريم عليه، فإن لم يترجح أحدهما بسمع ولا بغيره من المرجحات، فإننا لا نقطع بأن أحدهما هو المراد، بل نُنَزل اللفظ الكريم منْزلة المجمل قبل تفصيله والمشتبه أو المبهم قبل بيانه» (١).
إنك في هذا النَّصِّ أمام فَرَضيات مبنية على أن التفسير بالمأثور ليس فيه رأي، وأنه يمكن أن يناقضه التفسير بالرأي، ويظهر لي أن ههنا معركة دائرة بين أشياء متوهَّمة؛ لذا لم يذكر الزرقاني (ت:١٣٦٧) أمثلة لهذه الفرضيات التي استنتجها، وقد جاء بمصطلحات لا تستخدم إلا عند المتكلمين ممن كتب في علم الكلام أو في علم
стр. 38
الأصول، وذهب يعمل بطريقة السبر والتقسيم في المحتملات التي يمكن أن ترد في التعارض المزعوم بين التفسير بالمأثور والتفسير بالرأي.
ولعلك تلحظ فيه روح أحد علماء الكلام الذين يقدمون العقل على النقل في قوله: «إذا تقرر هذا، فإن التفسير بالمأثور الثابت بالنص القطعي لا يمكن أن يعارض بالتفسير بالرأي؛ لأن الرأي: إما ظني، وإما قطعي؛ أي: مستند إلى دليل قطعي من عقل أو نقل، فإن كان قطعياً فلا تعارض بين قطعيين بل يؤول المأثور ليرجع إلى الرأي المستند إلى القطعي إن أمكن تأويله جمعاً بين الدليلين».
وبهذا صار حظُّ التفسير بالمأثور أن يكون عرضةً للعقول تؤولِّه على ما تراه مناسباً لها، وليس مقدَّماً عليها.
وأعيد فأقول: إن هذا الكلام لو خرج ممن لم يقرأ في التفسير، ولا كتب في علوم القرآن لما كان مستغرباً، لكن أن يكون في كتاب من أهم كتب علوم القرآن المعاصرة، فهذا ما يُعجبُ منه!.
وإني أظنُّ أنَّ قارئاً لو أراد أن يطبق هذه الفرضيات التي ذكرها لظهر له زيفُها وبُعْدُها عن التحقيق، مع ما تتَّسمُ به ـ من أول وهلة ـ من النظر والتحرير والتقسيم والتحبير
стр. 39
، لكنها في الواقع بعيدة كل البعد عن طريقة التفسير ومهيعه المعروف عند العلماء (١).
الثالثة: تقسيم كتب التفسير بين المأثور الرأي .
كان من أكبر نتائج مصطلحي المأثور والرأي أن قُسِّمت كتب التفسير بين هذين النوعين، وليس هناك حجة واضحة في هذا التوزيع، ولا تكاد تجد حدًّا فاصلاً في عَدِّ تفسير من التفاسير بأنه من المأثور أو من الرأي، ومن ذلك تقسيم محمد حسين الذهبي (ت:١٣٩٧)، فقد جعل كتب التفسير المأثور ما يأتي:
جامع البيان، لابن جرير الطبري (ت:٣١٠)، وبحر العلوم، لأبي الليث السمرقندي (ت:٣٧٥)، والكشف والبيان عن تفسير القرآن، لأبي إسحاق الثعلبي (ت:٤٢٧)، ومعالم التنْزيل، لأبي محمد الحسين البغوي (ت:٥١٦)، والمحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، لابن عطية الأندلسي (ت:٥٤٢)، والجواهر الحسان في تفسير القرآن، لعبد الرحمن
стр. 40
الثعالبي (ت:٨٧٦)، والدر المنثور في التفسير المأثور، للسيوطي (ت:٩١١) (١).
وجعل من كتب التفسير بالرأي المحمود:
مفاتح الغيب، للفخر الرازي (ت:٦٠٦)، وأنوار التنْزيل وأسرار التأويل، للبيضاوي (ت:٦٨٥)، ومدارك التنْزيل وحقائق التأويل، للنسفي (ت:٧٠١)، ولباب التأويل في معاني التنْزيل، للخازن (ت:٧٤١)، والبحر المحيط، لأبي حيان (ت:٧٤٥)، وغرائب التنْزيل ورغائب التأويل، للنيسابوري (ت:٧٢٨)، وتفسير الجلالين، والسراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الخبير، للشربيني (ت:٩٧٧)، وإرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم، لأبي السعود (ت:٩٨٢)، وروح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، للآلوسي (ت:١٢٧٠) (٢).
ثم ذكر التفسير بالرأي المذموم، وذكر ضمنه بعض كتبه؛ ككتاب تنْزيه القرآن عن المطاعن، للقاضي عبد الجبار (ت:٤١٥)، وأمالي الشريف المرتضى (ت:٤٣٦) والكشاف، للزمخشري (ت:٥٣٨).