← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 8199

مفهوم التفسير والتأويل والاستنباط والتدبر والمفسر

مساعد الطيار

Полный текст (224 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

إذا تقرر هذا، فإن التفسير بالمأثور الثابت بالنص القطعي لا يمكن أن يعارض بالتفسير بالرأي؛ لأن الرأي: إما ظني، وإما قطعي؛ أي مستند إلى دليل قطعي: من عقل أو نقل، فإن كان قطعياً، فلا تعارض بين قطعيين، بل يؤول المأثور؛ ليرجع إلى الرأي المستند إلى القطعي إن أمكن تأويله، جمعاً بين الدليلين. وإن لم يكن تأويله، حُمِلَ اللفظ الكريم على ما يقتضيه الرأي والاجتهاد، تقديماً للأرجح على المرجوح. أما إذا كان الرأي ظنياً، بأن خلا من الدليل القاطع، واستند إلى الأمارات والقرائن الظاهرة فقط، فإن المأثور القطعي يقدم على الرأي الظني ضرورة أن اليقين أقوى من الظن. هذا كله فيما إذا كان المأثور قطعياً، أما إذا كان المأثور غير قطعي في دلالته؛ لكونه ليس نصاً، أو في متنه؛ لكونه خبر آحاد، ثم عارضه التفسير بالرأي فلا يخلو الحال: إما أن يكون ما حصل فيه التعارض مما لا مجال للرأي فيه، وحينئذٍ فالمعوَّل عليه المأثور فقط، ولا يقبل الرأي. وإن كان للرأي فيه مجال، فإن أمكن الجمع فبها ونعمت، وإن لم يكن قدِّمَ المأثور عن النبي أو عن

стр. 37

الصحابة؛ لأنهم شاهدوا الوحي، وبعيد عليهم أن يتكلموا في القرآن بمجرد الهوى والشهوة. أما المأثور عن التابعين، فإذا كان منقولاً عن أهل الكتاب، قدم التفسير بالرأي عليه. وأما إذا لم ينقل عنهم، رجعنا به إلى السمع، فما أيده السمع، حُمِلَ النظم الكريم عليه، فإن لم يترجح أحدهما بسمع ولا بغيره من المرجحات، فإننا لا نقطع بأن أحدهما هو المراد، بل نُنَزل اللفظ الكريم منْزلة المجمل قبل تفصيله والمشتبه أو المبهم قبل بيانه» (١). إنك في هذا النَّصِّ أمام فَرَضيات مبنية على أن التفسير بالمأثور ليس فيه رأي، وأنه يمكن أن يناقضه التفسير بالرأي، ويظهر لي أن ههنا معركة دائرة بين أشياء متوهَّمة؛ لذا لم يذكر الزرقاني (ت:١٣٦٧) أمثلة لهذه الفرضيات التي استنتجها، وقد جاء بمصطلحات لا تستخدم إلا عند المتكلمين ممن كتب في علم الكلام أو في علم

стр. 38

الأصول، وذهب يعمل بطريقة السبر والتقسيم في المحتملات التي يمكن أن ترد في التعارض المزعوم بين التفسير بالمأثور والتفسير بالرأي. ولعلك تلحظ فيه روح أحد علماء الكلام الذين يقدمون العقل على النقل في قوله: «إذا تقرر هذا، فإن التفسير بالمأثور الثابت بالنص القطعي لا يمكن أن يعارض بالتفسير بالرأي؛ لأن الرأي: إما ظني، وإما قطعي؛ أي: مستند إلى دليل قطعي من عقل أو نقل، فإن كان قطعياً فلا تعارض بين قطعيين بل يؤول المأثور ليرجع إلى الرأي المستند إلى القطعي إن أمكن تأويله جمعاً بين الدليلين». وبهذا صار حظُّ التفسير بالمأثور أن يكون عرضةً للعقول تؤولِّه على ما تراه مناسباً لها، وليس مقدَّماً عليها. وأعيد فأقول: إن هذا الكلام لو خرج ممن لم يقرأ في التفسير، ولا كتب في علوم القرآن لما كان مستغرباً، لكن أن يكون في كتاب من أهم كتب علوم القرآن المعاصرة، فهذا ما يُعجبُ منه!. وإني أظنُّ أنَّ قارئاً لو أراد أن يطبق هذه الفرضيات التي ذكرها لظهر له زيفُها وبُعْدُها عن التحقيق، مع ما تتَّسمُ به ـ من أول وهلة ـ من النظر والتحرير والتقسيم والتحبير

стр. 39

، لكنها في الواقع بعيدة كل البعد عن طريقة التفسير ومهيعه المعروف عند العلماء (١). الثالثة: تقسيم كتب التفسير بين المأثور الرأي . كان من أكبر نتائج مصطلحي المأثور والرأي أن قُسِّمت كتب التفسير بين هذين النوعين، وليس هناك حجة واضحة في هذا التوزيع، ولا تكاد تجد حدًّا فاصلاً في عَدِّ تفسير من التفاسير بأنه من المأثور أو من الرأي، ومن ذلك تقسيم محمد حسين الذهبي (ت:١٣٩٧)، فقد جعل كتب التفسير المأثور ما يأتي: جامع البيان، لابن جرير الطبري (ت:٣١٠)، وبحر العلوم، لأبي الليث السمرقندي (ت:٣٧٥)، والكشف والبيان عن تفسير القرآن، لأبي إسحاق الثعلبي (ت:٤٢٧)، ومعالم التنْزيل، لأبي محمد الحسين البغوي (ت:٥١٦)، والمحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، لابن عطية الأندلسي (ت:٥٤٢)، والجواهر الحسان في تفسير القرآن، لعبد الرحمن

стр. 40

الثعالبي (ت:٨٧٦)، والدر المنثور في التفسير المأثور، للسيوطي (ت:٩١١) (١). وجعل من كتب التفسير بالرأي المحمود: مفاتح الغيب، للفخر الرازي (ت:٦٠٦)، وأنوار التنْزيل وأسرار التأويل، للبيضاوي (ت:٦٨٥)، ومدارك التنْزيل وحقائق التأويل، للنسفي (ت:٧٠١)، ولباب التأويل في معاني التنْزيل، للخازن (ت:٧٤١)، والبحر المحيط، لأبي حيان (ت:٧٤٥)، وغرائب التنْزيل ورغائب التأويل، للنيسابوري (ت:٧٢٨)، وتفسير الجلالين، والسراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الخبير، للشربيني (ت:٩٧٧)، وإرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم، لأبي السعود (ت:٩٨٢)، وروح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، للآلوسي (ت:١٢٧٠) (٢). ثم ذكر التفسير بالرأي المذموم، وذكر ضمنه بعض كتبه؛ ككتاب تنْزيه القرآن عن المطاعن، للقاضي عبد الجبار (ت:٤١٥)، وأمالي الشريف المرتضى (ت:٤٣٦) والكشاف، للزمخشري (ت:٥٣٨).

стр. 41

وإليك بعض الملحوظات على توزيعاتهم: ١ - يعدون تفسير الطبري (ت:٣١٠) من كتب التفسير بالمأثور، ويغفلون عن ذكر تعرضه لتوجيه الأقوال والترجيح بينها، وإذا كانت هذه طريقته، فلم لا يكون من التفسير بالرأي، وما الحدُّ الفاصل في جعله من كتب التفسير بالمأثور لا من كتب التفسير بالرأي؟!. فالتفسير ينسب إليه، وفيه آراؤه في التفسير، وفيه مصادره التي من أعظمها التفسير المأثور عن السلف، ومنها اللغة، ولو سلك من يكتب عن تفسيره الأسلوب الذي انتهجه هؤلاء في عدِّهم لتفسيره أنه من التفسير بالمأثور بسبب أسانيده ورواياته لتفسير السلف، لو عدَّه من كتب التفسير اللغوي بسبب كثرة اعتماده عليها، لما أبعد في ذلك. لكن النظر هنا إلى تحريراته في التفسير، لا إلى مصادره، وإذا كان النظر من هذه الزاوية ـ وهي الصحيحة لا غير ـ فهو من أعظم كتب التفسير بالرأي المحمود. ٢ - يعدُّون تفسير الخازن المسمى (لباب التأويل في معاني التَّنْزيل) من التفسير بالرأي (١)، مع أن مؤلفه نصَّ في

стр. 42

المقدمة على أنه ليس له في هذا التفسير سوى النقل، قال: «... ولما كان هذا الكتاب كما وصفت [يعني كتاب معالم التنْزيل للبغوي] أحببت أن أنتخب من غُرَرِ فوائدِه، ودُرَرِ فرائده، وزواهرِ نصوصِه، وجواهرِ فُصوصِه = مختصراً جامعاً لمعاني التفسير، ولباب التنْزيل والتعبير، حاوياً لخلاصة منقوله، متضمناً لنكته وأصوله، مع فوائد نقلتها، وفرائد لخصتها من كتب التفاسير المصنفة في سائر علومه المؤلفة، ولم أجعل لنفسي تصرفاً سوى النقل والانتخاب، وحذفت منه الإسناد؛ لأنه أقرب إلى تحصيل المراد ...» (١). يظهر من هذا النص أن الخازن (ت:٧٤١) قد اختصر تفسير البغوي (ت:٥١٦)، وأنه قد انتخب من غيره من التفاسير، وأنه ليس له فيها سوى النقل والانتخاب. وتراهم قد عدَّوا تفسير البغوي (ت:٥١٦) من كتب التفسير بالمأثور (٢)، فلِمَ لم يجعلوا المختصر الخازنيَّ من كتب التفسير بالمأثورِ تبعاً لأصله البغويِّ؟!

стр. 43

تصحيح المسار في مصطلح التفسير بالمأثور والتفسير بالرأي ليكن قد خرج من ذهنك المقابلة المفتعلة بين التفسير بالمأثور والتفسير بالرأي، فإذا كان، فإني سأرشدك إلى نظرٍ آخر يبين لك ما يقع فيه الرأي وما لا يقع فيه بناءً على ما ورد في كتب التفسير من المصادر التي اعتمدوها من تفسير للقرآن بالقرآن، وتفسير له بالسنة أو بتفسيرات النبي ﷺ ، أو تفسير بسبب نزول، أو تفسير لصحابي، أو لتابعي أو لتابع تابعي، أو لمن جاء بعدهم إلى أن تقوم الساعة، فما حركة التفسير التي نشأت ولا زالت حتى هذا اليوم؟. أولاً: التفسير الذي لا يدخله الرأي: يشمل التفسير الذي لا يدخله رأي نوعين: الأول: ما لا يحتمل إلا معنى واحداً من التفسير، لأنه لو احتمل أكثر من معنى لكان اختيار أحد المعاني دون غيرها يعتمد على الرأي والاجتهاد. الثاني: جملة من التفسير المنقول الذي ليس للمفسر فيه إلاَّ النقل، كائناً من كان هذا المفسر، ويشمل هذا القسم: ١ - التفسير النبوي الصريح.

стр. 44

٢ - أسباب النُّزول. ٣ - الأخبار الغيبية الواردة في الآيات من قصص وأوصاف للأشياء، وأسماء للمبهمات وغيرها. والمقام هنا مقام وصفٍ لا مقام ترجيح، فلو ورد سبب نزول صريح ضعيف، فإنَّ الحكم عليه من حيث الوصف أنه مما لا يمكن أخذه إلا من طريق الرواية، لكن لا يلزم كونه كذلك أن يكون تفسيراً للآية، وهكذا غيره من المنقولات؛ لأنه يشترط فيها الصحة. ثانياً: التفسير الذي يدخله الرأي: يشمل هذا القسم كل التفسيرات التي فيها أكثر من احتمال في المراد من الآية؛ لأن الاحتمال عرضة للاختلاف والاجتهاد في معرفة أيها المراد. وهذا يشترك فيه كل المفسرين من عهد الصحابة إلى يوم الدين، ولهم مصادر معروفة، وهي: التفسير المنقول الذي سبق ذكره، والقرآن، والسنة، واللغة، وهم يجتهدون على حسب ما عندهم من العلم. والتابعون يزيد عندهم مصدر، وهو تفسير الصحابة، وكذا أتباع التابعين يزيد عندهم مصدر، وهو تفسير

стр. 45

التابعين، وكذا من جاء بعدهم يكون تفسير السلف من الصحابة والتابعين وأتباعهم مصدراً لهم. وبعد هذا، فإن كل ما يُنقل عن النبي ﷺ ، أو عن السلف من تفسير القرآن، فإنه يصحُّ أن يُطلق عليه «تفسير مأثور» (١)، وهذا يعني كيفية الوصول إليه، فأنت لا تدرك هذه المنقولات عنهم بعقلك، بل لا بدَّ من أن تأخذها عن طريق الأثر؛ لذا تذهب إلى من اعتنى بالمنقول عنهم؛ كعبد الرزاق (ت:٢١١)، والطبري (ت:٣١٠)، وابن أبي حاتم (ت:٣٢٧)، وغيرهم، ثمَّ تقرأ ما رَوَوه عن السلف، وتعتبر ما جاء عنهم ـ من حيث الجملة ـ من أهم مصادر التفسير. والحديث هنا ـ كما قلت لك ـ وصف للتفسير باعتبار

стр. 46

مصادره، وليس حديثاً عما يقبل وما لا يقبل من التفسير، فهذا له مجال آخر من الحديث. وبعد هذا الحديث المفصل عن مصطلح التفسير بالمأثور والتفسير بالرأي سأشرع في بيان المصطلحات التي عُقِدَ الكتاب من أجلها، وهذا أوانه، وبالله التوفيق.

стр. 47

مفهوم التفسير

стр. 48

تدور مادَّةُ «فَسَرَ» في لُغةِ العربِ على معنى البيانِ والكشفِ والوضوحِ (١)، ومما وردَ في ذلكَ: فَسَرْتُ الذِّراعَ: إذا كشفتُها. وفسَّرتُ الحديثَ: إذا بيَّنتُه. وقد زعم قومٌ أنَّ «فَسَرَ» مقلوبٌ من «سَفَرَ» (٢)، وهذا القولُ ليسَ بسديدٍ؛ لأنَّ الأصلَ أن يكون للفظةِ ترتيبُها، ودعوى القلبِ خلافُ الأصلِ. كما أنه يكونُ لها المعنى الخاصُّ بها الذي تستقلُّ به. واشتراكُها مع غيرِها في معنى أصل المادَّةِ لا يعني أنَّها مشتقَّةٌ منها، ولو ادُّعي العكسُ لما كان هناك ما يبيِّنُ صحَّةَ إحدى الدَّعويينِ.

стр. 49

قال الآلوسيُّ (ت:١٢٧٠): «والقول بأنه مقلوب السَّفر، مما لا يسفر له وجه» (١). والصَّحيحُ أنَّه كما بين المادَّتين تقاربٌ في اللَّفظِ، فكذلك بينهما تقاربٌ في المعنى، كما قاله الرَّاغبُ الأصفهانيُّ (ت: بعد ٤٠٠) (٢). هذا، وقد اختلفتْ عباراتُ العلماءِ في البيان عن معنى التَّفسيرِ في الاصطلاحِ، وجاءوا بعباراتٍ شَتَّى، وقد اجتهدتُ في معرفةِ الصحيحِ منها في بيانِ مصطلحِ التَّفسيرِ، ورأيتُ أنَّ المرادَ بالتَّفسيرِ بيان المعنى الَّذي أرادَه اللهُ بكلامِه، فانطلقتُ من المعنى اللُّغويِّ للَّفظةِ، وهو البيانُ أو الكشفُ أو الشَّرحُ أو الإيضاحُ، وجعلتُه أصلاً أعتمدُه في تحديدِ المرادِ بالتَّفسيرِ. وظهرَ لي بعدَ ذلك أن تكونَ أيُّ معلومةٍ فيها بيانٌ للمعنى، فإنها من التَّفسيرِ، وإن كان ليس لها أثرٌ في بيانِ المعنى فإنَّها خارجةٌ عن مفهومِ التَّفسيرِ، وإنما ذُكرت في

стр. 50

كتبِه، إمَّا لقربها من علمِ التَّفسيرِ بكونها من علومِ القرآنِ، وإمَّا لتفنُّنِ المفسِّر بذكرِ العلمِ الذي برز فيه، فجعل تفسيره للقرآنِ ميداناً لتطبيقاتِ علمِه، وإمَّا لوجودِ علاقةٍ أخرى بينها وبين ما يذكره المفسِّرُ، وإمَّا أن لا يكون لها علاقةٌ البتَّةَ، وإنما ذكرَها المفسِّرُ بسببِ المنهجِ الذي نهجَه في تفسيرِه. وهذا البيان قد يكون بآية، وقد يكون بتفسير نبوي، وقد يكون بسنة عامة، وقد يكون بسبب نزول، وقد يكون باللغة، وقد يكون بذكر قصة الآية، وقد يكون بغيرها من المصادر التي هي من أنواع البيان عن معنى آي القرآن. وهذا يعني أن المعلومات التي يذكرها المفسرون، وهي خارجة عن حدِّ البيان للآيات = ليس من صلب التفسير، وذِكْرُهم لها في تفاسيرهم ليس حجةً في إدخالها، لهذا قد يذكر بعضهم اعتراضات على بعض المفسرين، أو يذكر تنبيهاً في عدم دخول بعض المعلومات في التفسير، ومن ذلك: ١ - قال ابن عطية الأندلسي (ت:٥٤٢) في تفسير قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: ١]: «وطلاق النساء حَلُّ عصمتهنَّ. وصور ذلك وتنويعه مما لا يختصُّ بالتفسير» (١).

стр. 51

٢ - قال أبو حيان الأندلسي (ت:٧٤٥) في تفسير قوله تعالى: ﴿فَاتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣]: «وقد تعرَّض الزمخشري هنا لذكر فائدة تفصيل القرآن وتقطيعه سوراً، وليس ذلك من علم التفسير، وإنما هو من فوائد التفصيل والتسوير» (١). ٣ - قال الشوكاني (ت:١٢٥٠) في أول سورة الإسراء: «واعلم أنه قد أطال كثير من المفسرين ـ كابن كثير والسيوطي وغيرهما ـ في هذا الموضع بذكر الأحاديث الواردة في الإسراء على اختلاف ألفاظها، وليس في ذلك كثير فائدة، فهي معروفة في موضعها من كُتب الحديث، وهكذا أطالوا بذكر فضائل المسجد الحرام والمسجد الأقصى، وهو مبحث آخر، والمقصود في كُتب التفسير ما يتعلق بتفسير ألفاظ الكتاب العزيز وذكر أسباب النُّزول وبيان ما يؤخذ منه من المسائل الشرعية وما عدا ذلك فهو فضلة لا تدعو إليه حاجة» (٢). ٤ - قال الطاهر بن عاشور (ت:١٣٩٣) في تفسير قوله

стр. 52

تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة: ٢]: «ولم يشر القرآن إلى اسم الظَّهْرِ، ولا إلى اسم الأمِّ = إلا مراعاة للصيغة المتعارفة بين الناس يومئذٍ، بحيث لا ينتقل الحكم من الظهار إلى صيغة الطلاق إلا إذا تجرد من هذه الكلمات الثلاث تجرداً واضحاً. والصور عديدة، وليست الإحاطة بها مفيدة، وذلك من مجال الفتوى، وليس من مهيع التفسير» (١). ولا شكَّ أنَّ أقوال هؤلاء تشير إلى ما ذكرته من وجود حدٍّ للتفسيرِ، ووجود معلومات زائدةٍ عن هذا الحدِّ يذكرها المفسرون. نظرة في المعلومات الواردة في كتب التفسير لقد تأمَّلتُ المعلومات الواردة في كتبِ التَّفسيرِ، فوجدت منها ما ينطبق عليه حدُّ البيان، ومنها ما لا ينطبقُ عليه حدُّ البيانِ؛ أي أنَّ عدمَ وجودِها لا يؤثِّرُ في فهم المعنى وبيانِه. وقد قمتُ بترتيبِ هذه المعلوماتِ الواردة في كتب التفسير على الشَّكلِ الآتي:

стр. 53

١ - تفسيرُ القرآنِ، أي: بيانه بياناً مباشراً. ومن الأمثلةِ تفسيرُ لفظِ: «البروجِ» في قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ [البروج: ١]، فقد فسِّر لفظ البروج بأنه النُّجومُ، فيكونُ المعنى: يقسمُ ربُّنا تعالى بالسماءِ صاحبةِ النُّجومِ. فإنْ قلتَ: ما الموقفُ من الوجوهِ التَّفسيريَّةِ، هل تُعَدُّ من التَّفسيرِ؟. فالجوابُ: نعم. واحتمالُ الآيةِ لأكثرَ من وجهٍ لا يعني خروجَ هذه الأوجه عن التَّفسيرِ، بل هي منه؛ لأنَّ في كلٍّ منها بياناً، وإن اختلفتْ في تحديده. مثالُ ذلك، اختلافهم في معنى «انكدرت» من قوله تعالى: ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾ [التكوير: ٢]، فقد ورد فيها معنيان: الأول: تناثرت، فجعلهُ من الانكدار؛ أي: الانصباب، ويشهدُ له قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ [الانفطار: ٢]. الثاني: تغيَّرت، فجعله من الكُدرةِ، وهي التَّغيُّرُ بعد

стр. 54

الصَّفاء، ويشهد له قوله تعالى: ﴿فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾ [المرسلات: ٨]. وفي كلا المعنيينِ بيانٌ، فلو قلتَ بالقولِ الأولِ، لكان المعنى: «وإذا النُّجومُ تناثرت وسقطت». وإذا قلتَ بالقول الثاني، كان المعنى: «وإذا النُّجومُ تغيَّرت وذهب ضوؤها». وهذا يعني أنَّك في هذه الخلافاتِ التَّفسيريَّةِ لا ترى: هل وقع الخلافُ في المعنى المرادِ أم لا؟. وإنَّما الذي يَعْنِيكَ فيها: هل هذه الأوجهُ التَّفسيريَّةُ المختلفةُ ينطبقُ عليها حدُّ البيانِ أم لا؟. ٢ - معلوماتٌ تفيدُ في تقويةِ بيانِ المعنى، وبهذا تكونُ أقربَ إلى علمِ التَّفسيرِ من غيرها، والفرق بينها وبين سابِقها: أنَّ المعنى يكونُ قد اتَّضحَ وبانَ، وهذه المعلوماتُ تزيدُه وضوحاً وتقويِّه، بحيثُ لو جهلها المفسِّرُ، فإنَّها لا تؤثِّر على فَهمِ المعنى المرادِ. ومن أمثلتِه، ما لو قال من فسَّرَ البروجَ بالنُّجومِ: أنَّ مادَّةَ: «بَرَجَ» في اللُّغةِ تدلُّ على الظهورِ والبروزِ، كقولهم: تبرَّجت المرأةُ: إذ أظهرتْ زينتها ومحاسنَها، ومنه كانتِ

стр. 55

النُّجومُ بروجاً؛ لظهورِها وبروزِها للعيانِ، فيكونُ إطلاقُ البروجِ على النُّجومِ من هذا البابِ. لو كُنتَ تفتقِد هذه المعلومةَ بعدَ معرفتِك أنَّ البروجَ هي النُّجومُ، لما أثَّرَ ذلك عليكَ في البيانِ عن المعنى المرادِ بالبروجِ. لكنَّ ورودَ هذه المعلومةِ يقوِّي عندك هذا التَّفسيرَ، ويبيِّنُ لك أصلَه الذي صدرَ عنه، واللهُ أعلمُ. ٣ - استنباطاتٌ عامَّةٌ، في الآدابِ، والفقه، وغيرِها. ومن أمثلةِ هذه الاستنباطاتِ ما ذكرَه السُّيوطيُّ (ت:٩١١)، قال: «قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ﴾ [المسد: ٤]، استدلَّ به الشَّافعيُّ على صحَّة أنكحةِ الكفَّارِ» (١). والآيةُ لم تأتِ لأجلِ هذا الحُكمِ الذي استنبطَه الإمامُ الشَّافعيُّ (ت:٢٠٤). والمرادُ بهذه الاستنباطات هنا ما كانَ وراءَ الأحكامِ الصَّريحةِ في الآيةِ؛ لأنَّ بيانَ الحُكمِ الَّذي تدلُّ عليه الآيةُ صراحةً = تفسيرٌ. هذا، وسيأتي لاحقاً مزيدُ بسطٍ لموضوع الاستنباطات.

стр. 56

٤ - لطائفُ ومُلَحٌ تفسيريَّة (١). ومن أمثلتِها، ما ذُكرَ من دلالةِ لفظ «بعث» في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ﴾ [الجمعة: ٢]، أَنَّه يفيدُ أنَّ هؤلاءِ كانوا موتى باعتقاداتِهم، فبعثَ الله لهم النَّبي ﷺ ليحييهم. وهذه اللَّطائفُ يختلفُ في استملاحِها النَّاسُ، وليس لها ضابطٌ يُتَّفق عليه في استحسانها؛ لتعلُّقِها ـ غالباً ـ بالأذواقِ، وأذواقُ المتذوِّقينَ تختلفُ. ٥ - معلوماتٌ علميَّةٌ تتعلَّقُ بعلومِ القرآنِ. لتعلُّقِ مسائلِ علومِ القرآنِ والتَّفسيرِ بالقرآنِ = يختلطُ الأمرُ على بعضِ النَّاسِ، فيعدُّ بعضَ مسائلِ علومِ القرآنِ من التَّفسيرِ، وهي ليست كذلك، والضَّابطُ في ذلكَ أنَّ أيَّ معلومةٍ من علومِ القرآنِ لها أثرٌ في فهمِ الآيةِ، فإنها تُعَدُّ من التَّفسيرِ، أَمَّا إِذا لم يكنْ لها أثرٌ في الفَهمِ، ولا يقومُ عليها بيانُ المعنى، فإنَّها من علومِ القرآنِ لا التَّفسيرِ.

стр. 57

ومن الأمثلةِ على ذلك، ما ذكره ابن عطيَّةَ (ت:٥٤٢) في أوَّل تفسيرِ سورة البقرةِ، قال: «هذه السُّورةُ مدنيَّةٌ، نزلت في مُدَدٍ شتَّى، وفيها آخرُ آيةٍ نزلت على رسول الله ﷺ : ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٨١]. ويقال لسورةِ البقرةِ: «فسطاطُ القرآن»؛ لعِظَمِها وبهائها، وما تضمَّنته من الأحكامِ والمواعظِ. وتعلَّمَها عبد الله بن عمر ﵄ بفقهها وجميع ما تحتوي عليه من العلومِ في ثمانية أعوامٍ. وفيها خمسمائةِ حكمٍ، وخمسة عشر مثلاً ...» (١). ثمَّ ذكر أحاديث في فضلها، ثمَّ قال: «وعدد آي سورةِ البقرةِ مائتانِ وخمسٌ وثمانون آية، وقيل: وستٌ وثمانون، وقيل: وسبعٌ وثمانون» (٢). وإذا فرزتَ هذه المعلوماتِ، وجدتَ أنَّها من علومِ القرآنِ، وأنَّ جلَّها مما لا يفيدُ في بيانِ المعنى، سوى ما ذكرَ من مدنيَّتِها، فإنَّه قدْ يُحتاجُ إلى ذلكَ في بعضِ

стр. 58

المواطنِ، كادِّعاءِ نسخِ آيةٍ من آياتِها بآيةٍ مكيَّةٍ، أو غيرِ ذلكَ مما له أثرٌ في البيانِ. ٦ - معلوماتٌ علميَّةٌ عامَّةٌ من شتَّى المعارفِ الإسلاميَّةِ وغيرِها، والغالبُ عليهَا أنَّها لا صلةَ لها بعلمِ التَّفسيرِ، وإنما يكونُ المفسِّرُ ممن برزَ في علمٍ من هذه العلومِ، فيحشو تفسيرَه به، فالفقيهُ يوردُ مسائل علمِ الفقهِ، والنَّحويُّ يوردُ مسائلَ علمِ النَّحوِ، والمتكلِّمُ يوردُ مسائلَ علم الكلامِ، وهكذا غيرُها من فروعِ العلومِ، خصوصاً العلوم الإسلاميَّة. ويدخلُ في هذا القسمِ كثيرٌ من التَّفاسيرِ التي اعتمدت مناهجَ مخالفةً؛ كالتَّفاسيرِ الصُّوفيَّةِ، والباطنيَّةِ، والفلسفيَّةِ، وغيرِها. والأمثلةُ في هذا النَّوعِ تطولُ، وفي هذا من الوضوحِ ما ليس في سابقِه، فمثلاً: لأجل أن ابن كثير (ت:٧٧٤) محدثٌ، فإنه يورد الحديث بعد الحديث من الأحاديث الكثيرة المتعلقة بالآية، وقد علَّق عليه الشَّوكانيُّ (ت:١٢٥٠) في هذا الباب، فقال: «واعلمْ أنَّه قد أطالَ كثيرٌ من المفسرين ـ كابن كثير والسُّيوطيِّ وغيرهما ـ في هذا الموضعِ بذكرِ الأحاديثِ الواردةِ في الإسراءِ على اختلافِ ألفاظِها.

стр. 59

وليس في ذلك كثيرُ فائدةٍ، فهي معروفةٌ في موضعِها من كتبِ الحديثِ، وهكذا أطالوا بذكرِ فضائلِ المسجدِ الحرامِ والمسجدِ الأقصى، وهو مبحثٌ آخر، والمقصودُ في كتبِ التَّفسيرِ ما يتعلَّقُ بتفسيرِ ألفاظِ الكتابِ العزيزِ، وذكرِ أسبابِ النُّزولِ، وبيان ما يؤخذُ منه من المسائلِ الشَّرعيَّةِ، وما عدا ذلك فهو فَضْلَةٌ لا تدعو إليه حاجةٌ» (١). وهذه الاستطراداتُ العلميَّةُ إنما يكونُ محلُّها كتبَ العلمِ الذي تنتمي إليه، فالاستطراد في المسائل الفقهية محله كتب الفقه، والاستطراد في المسائل النحوية محله كتب النحو، وهكذا. وبعد استعراضِ المعلوماتِ التي في كتبِ التَّفسيرِ، أعودُ فأقولُ: إنَّ التَّفسيرَ إنَّما هو شرحٌ وبيانٌ للقرآنِ الكريمِ، فما كانَ فيه بيانٌ، فهو تفسيرٌ، وما كان خارجاً عن حدِّ البيانِ، فإنَّه ليس من التَّفسيرِ، وإن وُجِدَ في كتبِ المفسِّرينَ. وبهذا الضَّابطِ يمكنُ تحديدُ المعلوماتِ التي هي من التَّفسيرِ، وليس بلازمٍ هنا أن يُذكرَ كلُّ ما هو من التَّفسيرِ؛ لأنَّ المرادَ ذكرُ الحدِّ الضابطِ، وليس ذكرَ منثوراتِ هذا البيانِ.

стр. 60

وبهذا فتخصيصُ العامِّ بيانٌ، وتقييدُ المطلقِ بيانٌ، وبيانُ المجملِ بيانٌ، وتفسيرُ اللفظِ الغريبِ بيانٌ، وذكرُ سببِ النُّزولِ بيانٌ، وكلُّ ما له أثرٌ في فهم المعنى بيانٌ، وهو التَّفسيرُ. تعريفاتُ العلماءِ للتَّفسيرِ للعلماء في تعريف التَّفسيرِ تعبيراتٌ كثيرةٌ، يطولُ المقامُ بسردها (١)، ولقد اطَّلعتُ على جملةٍ من التَّعريفاتِ، منها: ١ - تعريفُ ابن جُزَيٍّ (ت:٧٤١)، قالَ: «معنى التَّفسيرِ: شرحُ القرآنِ، وبيانُ معناه، والإفصاحُ بما يقتضيه بنصِّه أو إشارَتِه أو نجواه» (٢).

стр. 61

* وعرَّفَهُ أبو حيان (ت:٧٤٥)، فقال: «التفسيرُ: علمٌ يُبحثُ فيه عن كيفيةِ النطقِ بألفاظِ القرآنِ، ومدلولاتِها، وأحكامِها الإفراديَّةِ والتركيبيَّةِ، ومعانيها التي تُحمَلُ عليها حالَ التركيبِ، وتتماتُ ذلك. فقولنا: «علم»: هو جنسٌ يشملُ سائرَ العلومِ. وقولنا: «يُبحثُ فيه عن كيفيَّةِ النُّطقِ بألفاظِ القرآنِ»: هذا علمُ القراءاتِ. وقولنا: «ومدلولاتها» أي: مدلولاتِ تلك الألفاظِ، وهذا علمُ اللُّغةِ الذي يُحْتاجُ إليه في هذا العلمِ. وقولنا: «وأحكامها الإفرادية والتَّركيبية»: هذا يشملُ علمَ التَّصريفِ وعلمَ الإعرابِ وعلمَ البيانِ وعلمَ البديعِ. «ومعانيها التي تحمل عليها حال التَّركيب»: شملَ بقوله: «التي تحمل عليها»: ما دلالته عليه بالحقيقةِ، وما دلالتُه عليه بالمجازِ، فإنَّ التَّركيبَ قد يقتضي بظاهره شيئاً، ويصدُّ عن الحملِ على الظَّاهرِ صادٌّ، فيحتاج لأجل ذلك أن يُحملَ على غيرِ الظَّاهرِ، وهو المجازُ. وقولنا: «وتتمات ذلك»: هو معرفةُ النَّسخِ، وسببُ

стр. 62

النُّزولِ، وقصةٌ توضِّحُ ما انبهَم في القرآنِ، ونحو ذلك» (١). * وعرَّفه الزَّرْكَشِيُّ (ت:٧٩٤) في موضعينِ من كتابِه البرهانِ في علومِ القرآن، فقالَ في الموضعِ الأوَّلِ: «علمٌ يُعرفُ به فَهْمُ كتابِ اللهِ المنَزَّلِ على نبيه محمدٍ ﷺ ، وبيانُ معانيه، واستخراجُ أحكامِه وحِكَمِهِ» (٢). وعرَّفه في الموضعِ الثاني، فقال: «هو عِلْمُ نُزولِ الآيةِ وسورتِها وأقاصيصِها والإشاراتِ النَّازلةِ فيها، ثُمَّ ترتيبُ مكِّيِّها ومدنيِّها، ومحكمِها ومتشابِهها، وناسخِها ومنسوخِها، وخاصِّها وعامِّها، ومطلقِها ومقيدِها، ومجملِها ومفسرِها. وزادَ فيه قومٌ، فقالوا: علمُ حلالِها وحرامِها، ووعدِها ووعيدها، وأمرِها ونهيِها، وعِبَرِها وأمثالِها» (٣). * وقال ابنُ عَرَفَة المالكي (ت:٨٠٣): «... هو العلمُ بمدلولِ القرآنِ وخاصِّيَةِ كيفيةِ دلالتِه، وأسبابِ النُّزولِ، والنَّاسخِ والمنسوخِ.

стр. 63

فقولنا: خاصيةِ كيفيَّةِ دلالتِه: هي إعجازُه، ومعانيه البيانيَّةُ، وما فيه من علمِ البديعِ الذي يذكره الزَّمَخْشَرِيُّ، ومن نحا نحوه» (١). * وقال الكَافِيجِيُّ (ت:٨٧٩): «وأمَّا التَّفسيرُ في العُرْفِ، فهو كشفُ معاني القرآنِ، وبيانُ المرادِ. والمرادُ من معاني القرآنِ أعمُّ، سواءً كانت معاني لغويَّةً أو شرعيَّةً، وسواءً كانت بالوضعِ أو بمعونةِ المقامِ وسَوْقِ الكلامِ وبقرائنِ الأحوالِ؛ نحو: السمَّاء والأرض والجنَّة والنَّار، وغير ذلك. ونحو: الأحكام الخمسة. ونحو: خواصِّ التَّركيب اللازمة له بوجه من الوجوه» (٢). تحليل هذه التَّعريفاتِ: أوَّلاً: أنَّ بعضَ هذه التَّعريفاتِ قد نصَّ على مهمَّةِ المفسِّرِ، وضابطِ التَّفسيرِ، وهي الشَّرحُ والبيانُ والإيضاحُ. ثانياً: أنَّ بعضها قد أدخل جملةً من علومِ القرآنِ في تعريفِ التَّفسيرِ، وأنَّها قد جاءت في بعضِها على سبيلِ المثالِ لا الحصرِ، وسبب ذلك: كثرةُ هذه العلومِ، كتعريف أبي حيَّان (ت:٧٤٥) والزركشيِّ (ت:٧٩٤).

стр. 64

ويظهرُ أنَّ أصحابَ هذه التَّعريفاتِ لم يُميِّزوا بين التَّفسيرِ وعلوم القرآن، فأدخلوا في مصطلحِ التَّفسيرِ ما ليس منه. ثالثاً: أنَّ بعضَهم قد توسَّعَ في تعريفِه، وجعلَ بعضَ العلومِ التي ليست من علمِ التَّفسيرِ، ولا من مُهِمَّةِ المفسرِ، جعلَها من صلبِ تعريفِ التَّفسيرِ؛ كابن عرفة (ت:٨٠٣) الذي جعل علم الإعجازِ من علمِ التَّفسيرِ، والكافيجيِّ (ت:٨٧٩) الذي أدخل في تعريفه علم أصول الفقه. وهذا ليسَ بصحيحٍ، ويظهرُ أنَّ سببَ ذلك؛ أنهم لم يُحدِّدُوا مهمةَ المفسِّرِ، حتَّى أنَّ بعضَ من تحدَّث عن العلوم التي تلزمُ المفسِّرَ ذكرَ جملةَ العلومِ الإسلاميَّةِ التي لو كانت في مفسِّرٍ لكان مجتهداً مطلقاً في الشَّريعةِ. وهذه العلوم، وإن كان المفسِّرُ بحاجةِ شيءٍ منها، إلاَّ أنَّ من ذكرَها لم يذكر المقدارَ الذي يحتاجُه المفسِّرُ من كلِّ علمٍ منها. كما يظهر أنَّ التخصص الذي يغلب على المفسر يجعله لا يرى أحداً أحقَّ بالتفسير حتى يكتمل في العلم الذي برز هو فيه، لذا ترى الزمخشري (ت:٥٣٨) لا يرى المفسر مفسراً حتى يكون له نصيب من علم المعاني وعلم البيان (أي: علم البلاغة).

стр. 65

قال الزمخشري: (ت:٥٣٨): «ثُمَّ إن أملأَ العلوم بما يغمرُ القرائحَ، وأنهضَها بما يبهرُ الألبابَ القوارحَ من غرائبِ نكتٍ يلطفُ مسلكُها، ومستودعاتِ أسرارٍ يدقُّ سِلْكها = علمُ التفسير الذي لا يتمُّ لتعاطيه وإجالةِ النظرِ فيه كلُّ ذي علم، كما ذكر الجاحظ في كتاب نظم القرآن. فالفقيهُ وإن برز على الأقران في علم الفتاوى والأحكام، والمتكلمُ وإن بزَّ أهلَ الدنيا في صناعةِ الكلامِ، وحافظُ القصصِ والأخبارِ وإن كان من ابن القِرِّيَّة أحفظ، والواعظُ وإن كان من الحسنِ البصري أوعظ، والنحويُّ وإن كان أنحى من سيبويه، واللغويُّ وإن علك اللغاتِ بقوة لحييه = لا يتصدى منهم أحد لسلوك تلك الطرائق، ولا يغوص على شيء من تلك الحقائق إلا رجلٌ قد برعَ في علمين مختصين بالقرآنِ، وهما علم المعاني وعلم البيان، وتمهَّلَ في ارتيادِهما آونةً، وتعبَ في التنقيرِ عنهما أزمنةً، وبعثته على تتبُّعِ مظانِّهما هِمَّةٌ في معرفةِ لطائفِ حجةِ اللهِ، وحرصٌ على استيضاحِ معجزةِ رسولِ اللهِ، بعد أن يكونَ آخذاً من سائرِ العلومِ بحظٍ، جامعاً بين أمرين: تحقيقٍ وحفظٍ ...» (١).

стр. 66

وإذا تأمَّلت هذا العلم الذي نصَّ عليه الزمخشري (ت:٥٣٨) ـ أي: علم البلاغة ـ وجدت أنه إنَّما يحتاجُه من كانَ عملُه زائداً عن مهمَّةِ التَّفسيرِ، كمن يريدُ بيانَ إعجازِ القرآنِ الكريمِ ببلاغتِهِ، فإنَّه لا شكَّ بحاجةٍ إلى التَّبحُّرِ في علم البلاغةِ ليُبيِّنَ البلاغةَ القرآنيَّةَ، ولكن هذا ليس من مهمةِ المفسِّر، واللهُ أعلمُ. ولو جُرِّدَ التَّفسيرُ من كثيرٍ من هذه المعلوماتِ، لتقاربتْ مناهجُ المفسِّرين، ولكان جلُّ الخلافِ بينهم في وجوهِ التَّفسيرِ، وترجيحِ أقوالِ المتقدِّمينَ. ولا شكَّ أنَّ هذا لو كانَ، لما كان هناكَ معلوماتٌ كثيرةٌ ومفيدةٌ مما يُرَى الآن في التَّفاسيرِ، ولذا فإنَّ هذه المرحلةَ المهمَّة ـ وهي بيانُ القرآنِ ـ يحسنُ أن تُبرز ويُعتَنَى بها، ثمَّ يمكن أن يؤتَى بعد ذلك بالمعلوماتِ التي ليست من صلبِ التَّفسير. ولو أخذتَ مجموعةَ آياتٍ، وقرأتها في عددٍ من التَّفاسيرِ، فإنَّكَ ستجدُ اتِّفاقَها في المعلوماتِ المتعلِّقةِ بالبيانِ، وإن اختلفت في طريقةِ عرضِها لها، وفي تحديدِ الوجه المرادِ بالآيةِ، وطريقتِها في التَّرجيحِ. ثمَّ ستجدُ أنَّ كلَّ تفسيرٍ يتميَّزُ بمعلوماتٍ لا تَجدُها عند الآخرِ، وهذه المعلومات لا حصرَ لها، فقد تكونُ في

стр. 67

علم اللُّغةِ، أو علمِ النَّحوِ، أو علم الصَّرفِ، أو علمِ البلاغةِ، أو علمِ الفقهِ، أو علم الحديثِ، أو علومٍ أخرى. كما ستجدُ تميُّزاً في ذكرِ بعضِ فوائدِ الآي والاستنباطِ منها، فقد يذكر بعضهم فوائدَ مستنبطةً لا يشيرُ إليها غيرُه، كقول ابن كثيرٍ (ت:٧٧٤) في تفسير قوله تعالى: ﴿كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١٦]، قال: «وقوله: ﴿كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١٦]، أي: خُلُقُهم كريمٌ حَسَنٌ شريفٌ، وأخلاقهم وأفعالُهم بارَّةٌ طاهرةٌ كاملةٌ [يعني: الملائكة]. ومن ها هنا ينبغي لحامل القرآنِ أن يكونَ في أفعالِه وأقوالِه على السَّدادِ والرَّشادِ» (١). ولمَّا كان المقصدُ من التَّعريفِ تحريرُ المرادِ بالعلمِ، كانَ ما ذكرتُ لكَ من نقدِ بعضِ التَّعريفاتِ، أمَّا ما سلكه بعضُ العلماءِ من منهجٍ في كتابةِ تفاسيرِهم، فهذا لا يوجَّهُ إليه النَّقدُ من هذه الجِهةِ؛ لأنَّه أرادَ أن يكونَ في تفسيرِه مثلُ هذه المعلوماتِ الفقهيَّةِ أو النَّحويَّةِ أو الأصوليَّةِ أو غيرِها، لكن إن جُعلتْ هذه المعلوماتُ التي هي خارجةٌ عن حدِّ البيانِ من صلبِ التَّفسيرِ، فها هنا يكونُ النِّقاشُ وتحريرُ المرادِ بمصطلحِ التَّفسيرِ.

стр. 68

والمصطلحُ الذي ذكرتُه بضابطِه ـ وهو بيانُ القرآنِ ـ أقربُ إلى منهجِ تفسير السَّلفِ، إذ لا تجدُ عندهم في تفاسيرِهم تلك الاستطراداتُ التي عند المتأخِّرينَ. وقد كان الطبري (ت:٣١٠) يحرص على بيان المعنى ـ الذي هو التفسير ـ، وقد يذكره بعد جملة الآيات التي يفسرها، وقد يذكره في ترجيحاته. زيادات المتأخرين في كتب التفسير: قد تأمَّلتُ ما يكونُ من الزِّياداتِ التي زادها المتأخِّرونَ على تفاسيرِ السَّلفِ، فظهرَ لي الآتي: ١ - تقويةُ ما وردَ عن السَّلفِ من اختياراتٍ تفسيريَّةٍ، وزيادةُ الاحتجاجِ لها، سواءٌ اختارَ إحدَى هذه التَّفسيراتِ أم لم يختر. ٢ - ذكر معلوماتٍ قرآنيَّةٍ لا علاقةَ لها بتفسيرِ الآيةِ مباشرةً، وإن كانت تتعلَّقُ بالآيةِ من وجهٍ آخرَ، وهو كونها من علومِ القرآنِ. ٣ - التوسُّع في العلمِ الذي برزَ فيه المؤلِّفُ، والاستطرادُ في ذكر تفاصيلِ مسائلِه، حتَّى يكادُ أن يخرجَ بتفسيرِه من كونِه كتاباً في التَّفسيرِ إلى كونِه كتاباً في ذلك العلمِ الذي برع فيه.

стр. 69

ويظهر على بعض هذه العلوم أنها مما زاده المتأخرون في التفسير على ما ورد عن السلف؛ كعلم الإعراب والتفصيلات الواردة فيه، والتوسع في المسائل اللغوية والتصريفية والاشتقاقية، والتفصيل في وجوه الأداء في القراءة، وبيان مواطن البلاغة القرآنية للدلالة على إعجازه، والتفصيل في الأحكام الفقهية التي لم يرد النصُّ عليها في القرآن، وغيرها من العلوم التي حدثت وضُبِطت مسائلها بعد جيل السلف. ٤ - ذكرُ أوجهٍ تفسيريَّةٍ جديدةٍ عمَّا هو واردٌ عن السَّلفِ. ٥ - ذكر جملةٍ من الاستنباطات الفقهيَّةِ والأدبيَّةِ، والاستدلال للمسائل العقدية، وغيرِها. ويمكنُ أن تظهرَ لك هذه النِّقاطُ بتأمُّلِ سورةٍ من السُّورِ، وعرضها ـ على سبيل المثال ـ على تفسيرِ الطَّبريِّ (ت:٣١٠)، وتفسيرِ القرطبيِّ (ت:٦٧١)، وتفسير أبي حيَّان (ت:٧٤٥)، وتفسير الطاهر بن عاشور (ت:١٣٩٣)، وسيظهرُ لك هذا جليًّا بإذن اللهِ. تطبيق على سورة الكوثر قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ *فَصَلِّ لِرَّبِكَ وَانْحَرْ *إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ﴾ [الكوثر: ١ - ٣].

стр. 70

أولاً ـ التفسيرُ: يخبر ربنا ﵎ نبيَّه ﷺ عن ذلك النهر العظيم في الجنة الذي اسمه الكوثر ، وهو جزء من الخير الكثير الذي أعطاه إيَّاه. ثم أمره الله بأن يؤدي شكر هذه النعمة بأن تكون الصلاة والذبح له سبحانه لا كما يفعل المشركون الذين يذبحون للأصنام. ثم أخبره أنَّ مبغضه هو المنقطع عن كل خير، بخلافك أنت فيما أعطاك الله من الخير. وجوه التفسير في السورة: ليُعلم أن المراد هنا ذكرُ وجوه التفسير التي وردت في هذه الكتب، وليس المراد تصحيح هذه الوجوه أو تضعيفها؛ لأن المقام مقام بيان كونها تفسيراً فحسب، وإليك ألفاظ الآية وما ورد فيها من وجوه: الكوثر: الوجه الأول: الكوثر: الشيء الكثيرُ، ويكون المعنى: إن وهبناك شيئاً كثيراً، وهذا يشملُ كلَّ خيرٍ أعطاه اللهُ لنبيِّه ﷺ من خير الدُّنيا والآخرةِ، من النبوة،

стр. 71

والقرآن، وكثرةِ الأتبَاعِ، والشفاعة، والحوضِ، وغيرِها. الوجه الثاني: الكوثرُ: النهر الذي أُعطيَه في الجَنَّةِ، ويكونُ المعنى: إنَّا وهبناك نهر الكوثرِ الذي في الجنَّةِ. وفي الكوثرِ غيرُ هذه الأقوالِ، قال أبو حيَّان معلِّقاً عليها: «وينبغي حمل هذه الأقوال على التَّمثيلِ» (١). الصلاة والنَّحرُ: الوجه الأول: الصلاة والنَّحرُ على عمومِهما، فيشملُ كلَّ صلاةٍ وكلَّ نحرٍ، ويكونُ المعنى: اجعل صلاتك كلَّها، وذبائحكَ كلها لله ربِّكَ. الوجه الثاني: صلِّ يوم النَّحرِ صلاةَ العيدِ لأجلِ ربِّكَ، واذبح أضحيتك بعدها. الوجه الثالث: اجعل صلاتك لله ربِّك، واجعل يديك على صدركَ، قريباً من نحركَ. الوجه الرابع: اجعل صلاتك لله ربِّك، وارفع يديك عند الافتتاح للصلاة إلى نحرك. الوجه الخامس: اجعل صلاتك لله ربِّك، واستقبل القبلةَ بنحركَ.

стр. 72

الشانئ الأبتر: لم يقع خلافٌ في معنى الشانئ الأبتر، وأنَّ معناه: إنَّ مبغضك هو المقطوع؛ أي: عن الخير. وما وردَ من تحديدِ بعضِ الأعيانِ الذين نزل فيهم الخطابُ لا يعني أنَّ هذه التحديدات أقوالٌ أخرى، بل هي أمثلةٌ لمن يتَّصفُ بأنه مبغضٌ للرسولِ ﷺ ، وأنَّ هذا المبغض هو الذليلُ المقطوع عن كلِّ خيرٍ. ثانياً ـ المعلومات التي تأتي بعد التَّفسيرِ: بعد هذه المعلومات التي سبقت في التَّفسيرِ ووجوههِ، فإنَّ الغالبَ عليها أنَّها تكونُ خارجةً عن حدِّ البيانِ، ومن هذه المعلومات: * حكايةُ مناسبةِ السُّورةِ لما قبلها، قال أبو حيان (ت:٧٤٥): «ولما ذكر فيما قبلها [أي: سورة الماعون] وصف المنافق بالبخل وترك الصلاة والرِّياءِ ومنع الزَّكاةِ، قَابَلَ في هذه السورةِ البخل بـ ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١]، والسَّهوَ في الصلاةِ بقوله: ﴿فَصَلَ﴾، والرِّياءِ بقوله: ﴿لِرَّبِكِ﴾، ومنع الزَّكاةِ بقولِه: ﴿وَانْحَرْ﴾؛ أراد: تصدَّق بلحم الأضاحي، فقابل أربعاً بأربعٍ» (١).

стр. 73

وهذا الذي ذكره أبو حيَّان (ت:٧٤٥) من مُلحِ التَّفسيرِ، وغالبُ علمِ المناسباتِ من باب المُلحِ واللَّطائِفِ؛ لأنَّ معرفتها لا تؤثِّرُ بالتَّفسيرِ، وفقدها لا ينقص من معرفته. * ذكر الطَّاهرُ بن عاشور (ت:١٣٩٣) ما يتعلَّق بتسميةِ السورةِ، وأورد الآثارَ في ذلك (١). وتسمية السورة والاختلافُ فيها لا أثر له في تفسيرِ الآيات، بل هو من علومِ القرآنِ. * ذكر الطاهرُ بن عاشور (ت:١٣٩٣) عدد آياتها (٢)، وأنَّها أقصر سور القرآن. وكلُّ هذا لا أثر له في التَّفسيرِ، وهو من علوم القرآنِ. * ذكر الطاهرُ بن عاشور (ت:١٣٩٣) أغراض السُّورةِ، وهي جملةُ الموضوعات التي طرحتها السُّورةُ (٣). وهذا من علوم القرآنِ؛ لأنَّه لا أثر له في بيانِ الآيات.

стр. 74

* حكايةُ قراءة من قرأ «أعطيناك»، قرأها: «أنطيناك»، وهما بمعنًى، وقد ذكروا شاهداً لغويًّا لهذه القراءةِ (١)، وهذا لا أثر له في التفسيرِ، وهو من علمِ القراءةِ المحضِ. * وذكروا معنى الكوثر في اللغةِ وشواهده، وأنَّه بناءُ مبالغةٍ من الكثرةِ. وفي هذا تقويةٌ لتفسيرِ معنى الكوثرِ بالشَّيء الكثيرِ، وبيانٌ لوجه كونِ غيرِه من الأشياء يطلق عليها مسمَّى الكوثرِ؛ لأنَّ فيها أصلَ معنى هذا اللَّفظِ، فبيان المعنى قد تمَّ بعد معرفةِ مدلولِ اللَّفظِ، وما يُذكرُ بعد ذلك من المعاني فهي من باب تقويةِ التَّفسيرِ وتأييده. * ذكر الطاهرُ بن عاشور (ت:١٣٩٣) بعض النِّكات البلاغية، فقال: «افتتاح الكلامِ بحرفِ التَّأكيدِ للاهتمام بالخبرِ. والإشعار بأنه شيء عظيمٌ، يستتبعُ الإشعار بتنويه شأن النَّبي ﷺ كما تقدَّم في ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١]. والكلام مسوق مساق البشارةِ وإنشاءِ العطاءِ لا مساق الإخبار بعطاءٍ سابقٍ.

стр. 75

وضميرُ العظمةِ مشعرٌ بالامتنانِ بعطاءٍ عظيمٍ» (١). وهذا كلُّه خارجٌ عن حدِّ التَّفسيرِ؛ لأنَّه لا أثر له في بيانِ المعاني، وإن كان من العلوم المتعلِّقةِ بالآيةِ مباشرةً. وذكر مناسبةَ ذكر الصلاة والشكر إلى قوله: ﴿الأَبْتَرُ﴾، والعدولَ عن الضمير إلى الاسم الظَّاهرِ في قوله: ﴿فَصَلِّ لِرَّبِكَ﴾، وفائدةَ إضافة اسم الرَّبِّ إلى النَّبي ﷺ ، وكلُّ هذا من علومِ الآيةِ التي تتعلَّقُ ببلاغتها، وجهلُها لا يؤثِّرُ في فهم المعنى العَامِّ الذي هو التَّفسيرُ. وقس على ذلك غيرها من الفوائد التي ذكرها الطَّاهر بن عاشور (ت:١٣٩٣) مما هو خارجٌ عن حدِّ بيانِ المعنى المرادِ بالآيةِ. * أشار القرطبيُّ (ت:٦٧١) إلى عدَّة مسائل فقهيَّة، وفصَّل في بعضِها، وهذه المسائلُ تتعلَّقُ بأحكامِ الأضحية، ـ ووضع اليمين على الشمال في الصلاةِ، والموضع الذي توضع عليه اليَدُ في الصلاةِ، وأحوالُ رفع اليَدَين، فقال: «الثانية: قد مضى القول في سورة الصافات في الأضحية وفضلها ووقت ذبحها فلا معنى لإعادة ذلك،
следующие страницы →