← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 8199

مفهوم التفسير والتأويل والاستنباط والتدبر والمفسر

مساعد الطيار

Полный текст (224 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

والقرآن، وكثرةِ الأتبَاعِ، والشفاعة، والحوضِ، وغيرِها. الوجه الثاني: الكوثرُ: النهر الذي أُعطيَه في الجَنَّةِ، ويكونُ المعنى: إنَّا وهبناك نهر الكوثرِ الذي في الجنَّةِ. وفي الكوثرِ غيرُ هذه الأقوالِ، قال أبو حيَّان معلِّقاً عليها: «وينبغي حمل هذه الأقوال على التَّمثيلِ» (١). الصلاة والنَّحرُ: الوجه الأول: الصلاة والنَّحرُ على عمومِهما، فيشملُ كلَّ صلاةٍ وكلَّ نحرٍ، ويكونُ المعنى: اجعل صلاتك كلَّها، وذبائحكَ كلها لله ربِّكَ. الوجه الثاني: صلِّ يوم النَّحرِ صلاةَ العيدِ لأجلِ ربِّكَ، واذبح أضحيتك بعدها. الوجه الثالث: اجعل صلاتك لله ربِّك، واجعل يديك على صدركَ، قريباً من نحركَ. الوجه الرابع: اجعل صلاتك لله ربِّك، وارفع يديك عند الافتتاح للصلاة إلى نحرك. الوجه الخامس: اجعل صلاتك لله ربِّك، واستقبل القبلةَ بنحركَ.

стр. 72

الشانئ الأبتر: لم يقع خلافٌ في معنى الشانئ الأبتر، وأنَّ معناه: إنَّ مبغضك هو المقطوع؛ أي: عن الخير. وما وردَ من تحديدِ بعضِ الأعيانِ الذين نزل فيهم الخطابُ لا يعني أنَّ هذه التحديدات أقوالٌ أخرى، بل هي أمثلةٌ لمن يتَّصفُ بأنه مبغضٌ للرسولِ ﷺ ، وأنَّ هذا المبغض هو الذليلُ المقطوع عن كلِّ خيرٍ. ثانياً ـ المعلومات التي تأتي بعد التَّفسيرِ: بعد هذه المعلومات التي سبقت في التَّفسيرِ ووجوههِ، فإنَّ الغالبَ عليها أنَّها تكونُ خارجةً عن حدِّ البيانِ، ومن هذه المعلومات: * حكايةُ مناسبةِ السُّورةِ لما قبلها، قال أبو حيان (ت:٧٤٥): «ولما ذكر فيما قبلها [أي: سورة الماعون] وصف المنافق بالبخل وترك الصلاة والرِّياءِ ومنع الزَّكاةِ، قَابَلَ في هذه السورةِ البخل بـ ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١]، والسَّهوَ في الصلاةِ بقوله: ﴿فَصَلَ﴾، والرِّياءِ بقوله: ﴿لِرَّبِكِ﴾، ومنع الزَّكاةِ بقولِه: ﴿وَانْحَرْ﴾؛ أراد: تصدَّق بلحم الأضاحي، فقابل أربعاً بأربعٍ» (١).

стр. 73

وهذا الذي ذكره أبو حيَّان (ت:٧٤٥) من مُلحِ التَّفسيرِ، وغالبُ علمِ المناسباتِ من باب المُلحِ واللَّطائِفِ؛ لأنَّ معرفتها لا تؤثِّرُ بالتَّفسيرِ، وفقدها لا ينقص من معرفته. * ذكر الطَّاهرُ بن عاشور (ت:١٣٩٣) ما يتعلَّق بتسميةِ السورةِ، وأورد الآثارَ في ذلك (١). وتسمية السورة والاختلافُ فيها لا أثر له في تفسيرِ الآيات، بل هو من علومِ القرآنِ. * ذكر الطاهرُ بن عاشور (ت:١٣٩٣) عدد آياتها (٢)، وأنَّها أقصر سور القرآن. وكلُّ هذا لا أثر له في التَّفسيرِ، وهو من علوم القرآنِ. * ذكر الطاهرُ بن عاشور (ت:١٣٩٣) أغراض السُّورةِ، وهي جملةُ الموضوعات التي طرحتها السُّورةُ (٣). وهذا من علوم القرآنِ؛ لأنَّه لا أثر له في بيانِ الآيات.

стр. 74

* حكايةُ قراءة من قرأ «أعطيناك»، قرأها: «أنطيناك»، وهما بمعنًى، وقد ذكروا شاهداً لغويًّا لهذه القراءةِ (١)، وهذا لا أثر له في التفسيرِ، وهو من علمِ القراءةِ المحضِ. * وذكروا معنى الكوثر في اللغةِ وشواهده، وأنَّه بناءُ مبالغةٍ من الكثرةِ. وفي هذا تقويةٌ لتفسيرِ معنى الكوثرِ بالشَّيء الكثيرِ، وبيانٌ لوجه كونِ غيرِه من الأشياء يطلق عليها مسمَّى الكوثرِ؛ لأنَّ فيها أصلَ معنى هذا اللَّفظِ، فبيان المعنى قد تمَّ بعد معرفةِ مدلولِ اللَّفظِ، وما يُذكرُ بعد ذلك من المعاني فهي من باب تقويةِ التَّفسيرِ وتأييده. * ذكر الطاهرُ بن عاشور (ت:١٣٩٣) بعض النِّكات البلاغية، فقال: «افتتاح الكلامِ بحرفِ التَّأكيدِ للاهتمام بالخبرِ. والإشعار بأنه شيء عظيمٌ، يستتبعُ الإشعار بتنويه شأن النَّبي ﷺ كما تقدَّم في ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١]. والكلام مسوق مساق البشارةِ وإنشاءِ العطاءِ لا مساق الإخبار بعطاءٍ سابقٍ.

стр. 75

وضميرُ العظمةِ مشعرٌ بالامتنانِ بعطاءٍ عظيمٍ» (١). وهذا كلُّه خارجٌ عن حدِّ التَّفسيرِ؛ لأنَّه لا أثر له في بيانِ المعاني، وإن كان من العلوم المتعلِّقةِ بالآيةِ مباشرةً. وذكر مناسبةَ ذكر الصلاة والشكر إلى قوله: ﴿الأَبْتَرُ﴾، والعدولَ عن الضمير إلى الاسم الظَّاهرِ في قوله: ﴿فَصَلِّ لِرَّبِكَ﴾، وفائدةَ إضافة اسم الرَّبِّ إلى النَّبي ﷺ ، وكلُّ هذا من علومِ الآيةِ التي تتعلَّقُ ببلاغتها، وجهلُها لا يؤثِّرُ في فهم المعنى العَامِّ الذي هو التَّفسيرُ. وقس على ذلك غيرها من الفوائد التي ذكرها الطَّاهر بن عاشور (ت:١٣٩٣) مما هو خارجٌ عن حدِّ بيانِ المعنى المرادِ بالآيةِ. * أشار القرطبيُّ (ت:٦٧١) إلى عدَّة مسائل فقهيَّة، وفصَّل في بعضِها، وهذه المسائلُ تتعلَّقُ بأحكامِ الأضحية، ـ ووضع اليمين على الشمال في الصلاةِ، والموضع الذي توضع عليه اليَدُ في الصلاةِ، وأحوالُ رفع اليَدَين، فقال: «الثانية: قد مضى القول في سورة الصافات في الأضحية وفضلها ووقت ذبحها فلا معنى لإعادة ذلك،

стр. 76

وذكرنا أيضاً في سورة الحج جملة من أحكامها. قال ابن العربي: ومن عجيب الأمر أن الشافعي قال: إن من ضحَّى قبل الصلاة أجزأه، والله تعالى يقول في كتابه: ﴿فَصَلِّ لِرَّبِكَ وَانْحَرْ﴾، فبدأ بالصلاة قبل النحر، وقد قال النبي ﷺ في البخاري وغيره عن البراء بن عازب قال: «أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلي ثم نرجع فننحر من فعل فقد أصاب نسكنا ومن ذبح قبل فإنما هو لحم قدمه لأهله ليس من النسك في شيء»، وأصحابه ينكرونه وحبذا الموافقة. الثالثة: وأما ما روي عن علي ﵇ ﴿فَصَلِّ لِرَّبِكَ وَانْحَرْ﴾، قال: وضع اليمين على الشمال في الصلاة خرجه الدارقطني، فقد اختلف علماؤنا في ذلك على ثلاثة أقوال: الأول: لا توضع فريضة ولا نافلة لأن ذلك من باب الاعتماد، ولا يجوز في الفرض ولا يستحب في النفل. الثاني: لا يفعلها في الفريضة ويفعلها في النافلة استعانة؛ لأنه موضع ترخُّصٍ. الثالث: يفعلها في الفريضة والنافلة، وهو الصحيح؛

стр. 77

لأنه ثبت أن رسول الله ﷺ وضع يده اليمنى على اليسرى من حديث وائل بن حجر وغيره. قال ابن المنذر: وبه قال مالك وأحمد وإسحاق، وحكى ذلك عن الشافعي، واستحبَّ ذلك أصحاب الرَّأي، ورأت جماعة إرسال اليد، وممن روينا ذلك عنه ابن المنذر والحسن البصري وإبراهيم النخعي، قلت: وهو مروي أيضاً عن مالك. قال ابن عبد البَرِّ: إرسال اليدين ووضع اليمنى على الشمال كل ذلك من سنَّة الصلاة. الرابعة: واختلفوا في الموضع الذي توضع عليه اليد، فروي عن علي بن أبي طالب: أنه وضعهما على صدره. وقال سعيد بن جبير وأحمد بن حنبل: فوق السُّرَّةِ، وقال: لا بأس إن كانت تحت السُّرَّةِ. وقالت طائفة: توضع تحت السُّرَّةِ، وروي ذلك عن علي وأبي هريرة والنخعي وأبي مجلز، وبه قال سفيان الثُّوريُّ وإسحاق. الخامسة: وأما رفع اليدين في التكبير عند الافتتاح والركوع والرفع من الركوع والسجود فاختلف في ذلك. فروى الدارقطني من حديث حميد عن أنس قال: كان رسول الله ﷺ يرفع يديه إذا دخل في الصلاة وإذا ركع وإذا

стр. 78

رفع رأسه من الركوع وإذا سجد، لم يروه عن حميد مرفوعاً إلا عبد الوهاب الثقفي. والصواب: من فعل أنس. وفي الصحيحين من حديث ابن عمر قال: رأيت رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة رفع يديه حتى تكونا حذو منكبيه، ثم يُكَبِّرُ، وكان يفعل ذلك حين يُكَبِّرُ للركوع، ويفعل ذلك حين يرفع رأسه من الركوع، ويقول: سمع الله لمن حمده، ولا يفعل ذلك حين يرفع رأسه من السجود. قال ابن المنذر: وهذا قول الليث بن سعد، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وحكى ابن وهب عن مالك هذا القول، وبه أقول؛ لأنه الثَّابت عن رسول الله ﷺ . وقالت طائفة: يرفع المصلي يديه حين يفتتح الصلاة، ولا يرفع فيما سوى ذلك، هذا قول سفيان الثوري وأصحاب الرأي. قلت: وهو المشهور من مذهب مالك لحديث ابن مسعود، خرَّجه الدارقطني من حديث إسحاق بن أبي إسرائيل قال: حدثنا محمد بن جابر، عن حماد، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال: «صلَّيتُ مع النبي ﷺ ومع أبي بكر وعمر ﵄، فلم يرفعوا أيديهم إلا أولاً عند التكبيرة الأولى في افتتاح الصلاة».

стр. 79

قال إسحاق: به نأخذ في الصلاة كلها. قال الدارقطني: تفرد به محمد بن جابر، وكان ضعيفاً عن حمَّاد عن إبراهيم. وغيرُ حمَّاد يرويه عن إبراهيم مرسلاً، عن عبد الله من فعله، غير مرفوع إلى النبي ﷺ ، وهو الصواب. وقد روى يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء: «أنه رأى النبي ﷺ حين افتتح الصلاة رفع يديه حتى يحاذي بهما أذنيه، ثم لم يعد إلى شيء من ذلك حتى فرغ من الصلاة». قال الدارقطني: وإنما لُقِّنَ يزيد في آخر عمره: «ثم لم يعد» فَتَلَقَّنَهُ. وكان قد اختلط. وفي (مختصر ما ليس في المختصر) عن مالك: لا يرفع اليدين في شيء من الصلاة. قال ابن القاسم: ولم أر مالكاً يرفع يديه عند الإحرام. قال: وأَحَبُّ إليَّ تركُ رفع اليدين عند الإحرام» (١) وكُلُّ هذا محلُّه كتبُ الفقهِ، لا كتب التَّفسيرِ، وهو

стр. 80

من التَّوسُّعِ بسببِ بروع القرطبيِّ (ت:٦٧١) في علمِ الفقه، ولأجلِ أَنَّه قصد إبرازَ ما يتعلَّقُ بالآيةِ من أحكامٍ فقهيَّةٍ من أيِّ وجه كان هذا التَّعَلقُ، ولا يلزم من هذا أن يكونَ كلُّ ما ذكره من مسائل الفقه هو من التَّفسيرِ، واللهُ أعلمُ. وبعد هذا التَّطبيقِ، أرجو أن أكون قد وُفِّقتُ لتحديد مفهومِ التَّفسيرِ، وإن اختلفتَ معي في مثالٍ من الأمثلةِ التي أخرجْتها من صلبِ التَّفسرِ، فأرجو أن تكون موافقاً لي في مفهومِ التَّفسيرِ. تنبيهان: الأول: لا يعني حديثي هنا عن تحرير مصطلحِ التَّفسيرِ أنَّ المفسِّرَ يجبُ أن يقفَ على التَّفسيرِ، دونَ الشُّروع فيما يتعلَّقُ بالآية من علومٍ أخرى، وإنما مرادي هنا تحرير المصطلحِ فقط، فليُفهم هذا. الثاني: أنه لا يُعترضُ على المفسرين الذين أدخلوا ما ليس من التفسير في تفاسيرهم؛ لأنَّه كان من منهجهم في كتبهم هذه أن يذكروا هذه المعلومات، لكن يُعترضُ عليهم إن جعلوا أنَّ التفسير لا يتمُّ إلا بها. فائدة معرفة مفهوم التفسير: الفائدة الأولى: معرفة أوَّل ما يجب أن يعرفه من قرأ

стр. 81

في التفسير، وهو بيان المعنى الجملي؛ لأنَّه إذا صحَّ له المعنى صار أصلاً صحيحاً يعتمد عليه في الاستنباط وغيره. الفائدة الثانية: معرفة علاقة المعلومات التي يذكرها المفسرون في كتبهم بمفهوم التفسير، وبهذا يستخلص الأصل الأول الذي سبق ذكره في الفائدة الأولى. الفائدة الثالثة: معرفة العلوم التي يجب على المفسر معرفتها، ومعرفة العلوم التي يحتاجها من أراد الزيادة على التفسير. وقد كتب في موضوع العلوم التي يحتاجها المفسر بعض العلماءِ، لكنهم توسعوا في طلب هذه العلوم، وجعلوا فيها جملةَ العلومِ الشرعيةِ وعلومِ الآلة وغيرها مما يزيد عن حاجة المفسر، وهي إنما يحتاجها من أراد الزيادة عن التفسير، والدخول في التدبر والاستنباط. ومن أول من بيَّن هذه العلوم الراغب الأصفهاني (ت: بعد: ٤٠٠)، فقد ذكرها تحت عنوان: «بيان الآلات التي يحتاج إليها المفسر»، وقد جعلها عشرة علوم، وهي علم اللغة، والاشتقاق والنحو، والقراءات، والسير، والحديث،

стр. 82

وأصول الفقه، وعلم الأحكام، وعلم الكلام، وعلم الموهبة (١). وزاد من جاء بعده بعض العلوم؛ كعلوم البلاغة الثلاثة: المعاني والبيان والبديع، وجعلها ثلاثة علوم مستقلة (٢). وإذا كانت مهمة المفسِّر بيان معاني القرآن، فإنَّه عند تأمُّل هذه العلوم، وفحصها سيظهر ما يأتي: ١ - أنَّ بعضها لا يلزم المفسِّرَ معرفتها؛ كعلم البلاغة وعلم أصول الفقه. ٢ - وأنَّ بعضها يكفيه منها مبادىء العلم دون الدخول في تفصيلته؛ كعلم النحو. ٣ - وأنَّ بعضها يحتاج منه جزءاً معيَّناً؛ كمعرفة دلالة الألفاظ من علم اللغة.

стр. 83

ولا شكَّ أنَّ من حصَّل هذه العلوم كان أوسع بحثاً وتقريراً في تفسيرِه؛ لكنه فيما يكون خارجَ حدِّ البيان عن معاني القرآن، والله أعلم.

стр. 84

مفهوم التأويل

стр. 85

تدورُ كلمةُ «أَوَلَ» في اللُّغةِ على معنى الرُّجوعِ (١). وهذا يعني تأويلَ الكلامِ هو الرُّجوعُ به إلى مرادِ المتكلِّمِ، وهو على قسمين: الأولُ: بيانُ مرادِ المتكلِّمِ، وهذا هو التَّفسيرُ. الثَّاني: الموجودُ الذي يؤول إليه الكلامُ، أي ظهورُ المُتكلَّمِ به إلى الواقعِ المحسوسِ.

стр. 86

فإن كانَ خبراً، كان تأويلُه وقوعُ المُخبَرِ به؛ كمن يقولُ: جاء محمَّدٌ، فتأويلُ هذا الكلامِ مجيءُ محمَّدٍ بنفسِه. وإذا كانَ طلباً (أي: أمراً أو نهياً)، كان تأويلُه أن يفعلَ هذا الطلبُ. وهذان المعنيان هما الواردان في القرآن والسنة وتفسير السلف واللغة. ما الفرق بين معنيي التأويل ؟ الفرقُ بين معنيي التَّأويل السَّابقين: أنَّ تفسيرَ الكلامِ ليس هو نفس ما يوجدُ في الخارجِ، بل هو بيانه وشرحُه وكشفُ معناه. فالتَّفسيرُ من جنسِ الكلامِ، يفسِّرُ الكلامَ بكلامٍ يوضِّحُهُ. وأمَّا التَّأويلُ الذي هو فعلُ المأمورِ به، وتركُ المنهيِّ عنه، وكذا وقوعُ المخبرِ به، فليس هو من جنسِ الكلامِ (١). ومثال ذلك: ١ - قال الطبري (ت:٣١٠) حدثنا بشر قال: ثنا يزيد

стр. 87

قال: ثنا سعيد عن قتادة ﴿جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الأَحْزَابِ﴾ [ص: ١١]، قال: «وعده الله وهو بمكة يومئذٍ أنه سيهزم جنداً من المشركين، فجاء تأويلها يوم بدر» (١). ٢ - وقال حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن أيوب، قال: لا أعلمه إلا عن عكرمة: أن عمر قال: «لما نزلت ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ﴾ [القمر: ٤٥]، جعلت أقول: أيُّ جمعٍ يهزمُ. فلما كان يوم بدر، رأيت النبي ﷺ يثب في الدرع، ويقول: سيهزم الجمع ويولون الدبر» (٢). آثار في إطلاقِ التَّأويلِ على التَّفسيرِ: كثُرَ في كلامِ العلماءِ إطلاقُ التَّأويلِ على التَّفسيرِ من لدن عهد الصَّحابةِ، ومن الآثارِ الواردةِ في ذلك: * قول الرسولِ ﷺ في ابن عباس (ت:٦٨): «اللهمَّ فقِّهُ في الدِّينِ، وعلِّمْهُ التَّأويلَ»؛ أي: تفسيرَ القرآنِ الكريمِ. قال الطَّبريُّ (ت:٣١٠): «وأمَّا قوله ﷺ : «وعلِّمهُ التَّأويل»، فإنَّه عَنَى بالتَّأويل: ما يؤولُ إليه معنى ما أنزل الله تعالى ذكره على نبيه ﷺ من التَّنْزيلِ، وآي الفرقان، وهو

стр. 88

مصدر من قول القائل: أوَّلتُ هذا القول تأويلاً، وأصله من آل الأمر إلى كذا، إذا رجع إليه، ثمَّ قيل: أوَّل فلان له كذا على كذا، إذا حملها على وجْهٍ جعل مَرجعها إليها تأويلاً. ومن قولهم: أوَّل فلانٌ له كذا على كذا، قولُ أعشى بني قيس بن ثعلبة، لعلقمة بن عُلاثَة العامريِّ: وأوِّلِ الحُكْمَ على وَجْهِهِ ليسَ قَضَائِي بِالهَوَى الجَائرِ يعني بقوله: وأوِّلِ الحُكمَ على وجهِه: وجِّهْهُ إلى وَجْهِهِ الذي هو وجه الصَّوابِ» (١). * وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]، قال أبو عِمران التُّجِيبيِّ (٢): «كنا بمدينة الرُّومِ (٣)، فأخرجوا إلينا صفًّا عظيماً من الرُّومِ، فخرجَ إليهم من المسلمين مثلُهم أو أكثرُ، وعلى أهلِ مصرَ عقبةُ بن عامرٍ، وعلى الجماعةِ فضالةُ بن عبيدٍ، فحملَ رجلٌ من

стр. 89

المسلمينَ على صفِّ الرُّومِ حتَّى دخلَ فيهم، فصاح النَّاسُ، وقالوا: سبحانَ اللهِ يُلقي بيدِه إلى التَّهلُكةِ. فقامَ أبو أيوبَ، فقال: أيُّها النَّاس، إنَّكم تتأوَّلون هذه الآيةَ هذا التَّأويلَ، وإنما أنزلت هذه الآيةُ فينا معشرَ الأنصارِ لما أعزَّ اللهُ الإسلامَ، وكَثُرَ ناصروه، فقال بعضنا لبعضٍ سرًّا دون رسول الله ﷺ : إنَّ أموالنا قد ضاعت، وإنَّ الله قد أعزَّ الإسلامَ، وكَثُرَ ناصروه، فلو أقمنا في أموالنا، فأصلحنا ما ضاع منها. فأنزل اللهُ على نبيِّه ﷺ يردُّ علينا ما قلنا ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]، فكانت التَّهلُكةُ الإقامةَ على الأموالِ وإصلاحِها، وترْكَنا الغَزْوَ» (١). * ومنه قول الشَّافعيِّ (ت:٢٠٤) في أكثر من موطن من كتاب الأمِّ: «وذلك ـ واللهُ أعلمُ ـ بيِّنٌ في التَّنْزيل، مُستغنًى به عن التَّأويل ...» (٢). * وفي قوله: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠]، قال الأخفشُ (ت:٢١٥): «فزعم أهلُ

стр. 90

التَّأويلِ أنَّه في معنى: سفَّهَ نفسَه» (١). * وقال ابن الأعرابيِّ (ت:٢٣١): «التَّفسيرُ والتَّأويلُ والمعنى واحدٌ» (٢). * وأسندَ النَّحَّاسُ (ت:٣٣٨) إلى أحمد بن حنبل (ت:٢٤٢)، قال: «بمصر كتابُ التَّأويلِ عن معاويةَ بنِ صالحٍ، لو جاء رجلٌ إلى مصرَ، فكتبهُ، ثمَّ انصرفَ به، ما كانت رحلتُه عندي ذهبت باطلاً» (٣). * وعنْ شَمِرِ بن حَمْدُويَه (ت:٢٥٥) (٤) أنه قال: «ورُوِيَ لنا عنِ ابنِ المُظَفَّرِ (٥) ـ ولم أسمعْه لغيرِهِ ـ ذَكَرَ أَنَّه يقال:

стр. 91

أدركَ الشيءُ: إذا فَنِيَ (١). وإن صحَّ، فهو في التأويل (٢): فَنِيَ عِلمُهم في معرفةِ الآخرةِ» (٣). * وأشهرُ من أطلقَه على التَّفسيرِ، محمدُ بن جريرٍ الطَّبريُّ (ت:٣١٠) في كتابِه جامع البيانِ عن تأويلِ آي القرآنِ، وقد كان يطلق مصطلح «أهل التَّأويل»، ويصدِّرُ تفسيرَه للآي بقوله: «القول في تأويلِ قوله تعالى». * وجاء التَّأويلُ في تسمياتِ كثيرٍ من كتبِ التَّفسيرِ مراداً به التَّفسيرَ، كتفسيرِ ابن جرير الطبريِّ (ت:٣١٠). ونصوص العلماء في إطلاقِ التَّأويلِ مراداً به التَّفسيرُ كثيرةٌ جدًّا، لا تكادُ تنحصرُ، وما ذكرته، فإنه على سبيلِ المثالِ، واللهُ الموفِّقُ. آثار في إطلاقِ التَّأويلِ على ما تؤول إليه حقيقة الشيء: التَّأويلُ بمعنى: ما تؤولُ إليه حقيقةُ الكلامِ، هو

стр. 92

الغالبُ على معنى لفظِ التَّأويل في موارِده في القرآنِ، وقد ورد في تأويلِ الرُّؤى ثمانُ مواضع من سورةِ يوسف (١). ووردَ في سورةِ الكهفِ موضعانِ في قصَّةِ الخَضِرِ وموسى ﵉، وهما قوله تعالى: ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَاوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٧٨]، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ تَاوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٨٢]، والمعنى: سأنبئكُ بحقيقةِ ما رأيت من الأمورِ العجيبةِ التي لم تصبرْ عليها. ووردَ قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ تَاوِيلَهُ يَوْمَ يَاتِي تَاوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٥٣]، وقوله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَاتِهِمْ تَاوِيلُهُ﴾ [يونس: ٣٩]، وهو بمعنى الحقائق التي أخبرَ بها من الثوابِ والعقابِ. ووردَ التَّأويل في موضعينِ بمعنى العاقبةِ في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَومِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَاوِيلاً﴾ [النساء: ٥٩]، وقوله تعالى: ﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَاوِيلاً﴾ [الإسراء: ٣٥].

стр. 93

وأمَّا موضع سورة آل عمران، فسيأتي الحديث عنه لاحقاً. هذا، ومما وردَ في الآثارِ من معنى التَّأويل: ما تؤول إليه حقيقةُ الكلامِ، ما يأتي: * أوردَ البخاري (ت:٢٥٦) تحت تفسيرِ قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: ٣]، عن عائشة قالت: «كان رسول الله يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهمَّ ربَّنا وبحمدك، اللهمَّ اغفر لي، يتأوَّلُ القرآن» (١). تعني بقولها: يتأوَّل القرآن: يعملُ ويطبِّقُ ما أُمِرَ به من التَّسبيحِ والتَّحميدِ. * وعن سعيد بن جبير، عن ابن عمر: «أنه كان يصلي حيث توجهت به راحلته ويذكر أن رسول الله ﷺ كان يفعل ذلك، ويتأوَّل هذه الآية: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]» (٢). * وفي موطأ مالك (ت:١٩٧) عن كعب الأحبار: «أنَّ

стр. 94

رجلاً نزعَ نعليه، فقال: لِمَ خلعتَ نعليك، لعلَّكَ تأوَّلت هذه الآيةَ: ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً﴾ [طه: ١٢]، قال: ثمَّ قال كعبٌ للرجلِ: أتدري ما كانت نعلا موسى، قال مالك: لا أدري ما أجابه الرَّجل، قال كعبٌ: كانتا من جلدِ حمارٍ ميِّتٍ» (١). * ورُوي عن الثَّوري: أنه بلغه أنَّ أمَّ ولدِ الرَّبيعِ بن خُثَيم قالت: كان إذ جاءه السَّائل، يقول لي: يا فلانة، أعطي السَّائل سُكَّراً، فإن الرَّبيعَ يُحِبُّ السُّكَّرَ. قال سفيان: يتأوَّل قوله : ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] (٢). * عن قتادةَ، عن أبي مازن الأزدي، قال: «انطلقتُ على عهد عثمان إلى المدينة، فإذا قومٌ من المسلمين جلوسٌ، فقرأ أحدهم هذه الآية: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]، فقال أكثرُهم: لم يجيء تأويلُ هذه الآيةِ اليوم» (٣).

стр. 95

* وكذا فسَّر مكحولٌ (ت:١١٣) هذه الآية، قال: «إنَّ تأويلَ هذه الآيةِ لم يجيء بعدُ» (١). * وعن أبي العالية (ت:٩٣) في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ١٠٥]، قال: «كانوا عند ابن مسعود جلوساً، فكان بين رجلين ما يكونُ بين النَّاسِ، حتَّى قامَ كلُّ واحدٍ منهما إلى صاحِبه، فقال رجلٌ من جُلساءِ عبد اللهِ: ألا أقومُ فآمرُهما بالمعروفِ وأنهاهما عن المنكرِ؟. فقال رجلٌ آخرُ إلى جنبهِ: عليك بنفسك، فإنَّ الله يقولُ: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]. قال: فَسَمِعَهُمَا ابنُ مسعودٍ، فقال: مَهْ، لمَّا يجيء تأويلُ هذه بعدُ. إنَّ القرآنَ أُنزِلَ حيثُ أنْزِلَ، ومنه آيٌ قد مضى تأويلهُنَّ قبل أن ينْزلن، ومنه آيٌ وقع تأويلُهَنَّ على عهدِ النَّبيِّ ﷺ ، ومنه آيٌ وقع تأويلُهُنَّ بعد النَّبيِّ ﷺ بيسيرٍ، ومنه آيٌ يقع تأويلُهنَّ بعد اليوم، ومنه آيٌ يقع تأويلُهُنَّ عند

стр. 96

السَّاعةِ على ما ذُكرَ من السَّاعةِ، ومنه آيٌ يقع تأويلُهُنَّ يوم الحسابِ على ما ذُكرَ من الحسابِ والجنَّةِ والنَّارِ. فما دامت قلوبكم واحدةٌ، وأهواؤكم واحدةٌ، لمْ تُلبسُوا شِيَعاً، ولمْ يُذَقْ بعضُكم بأسَ بعضٍ، فأمروا وانهوا. فإذا اختلفت القلوبُ والأهواءُ، وأُلبِستم شِيَعاً، وذاقَ بعضُكم بأس بعضٍ، فامرؤٌ ونفسُه، فعند ذلك جاء تأويلُ هذه الآيةِ» (١). المصطلحُ المتأخِّرُ في مفهومِ التَّأويل: لقد كان المعنيانِ السَّابقانِ في مفهومِ التَّأويلِ هما اللَّذان سارَ عليهما متقدِّمو الأمُّةِ من الفقهاءِ والمفسِّرينَ واللُّغويِّين (٢)، ولم يرد عنهم غيرُ هذين المعنيين، حتى ظهر

стр. 97

اصطلاحٌ ثالثٌ حادثٌ على اللُّغةِ ومصطلحِ القرآنِ، وقد صارَ المراد بالتَّأويلِ مشكلاً بسببِ بروز هذا المصطلحِ الحادثِ. والتَّأويلُ بالاصطلاحِ الحادثِ: صرفُ اللَّفظِ عن ظاهرِه إلى معنى مرجوحٍ لقرينةٍ تدلُّ عليه. وممن ورد عنه ذلك، ابن حزم (ت:٤٥٦)، قال: «التأويل: نقل اللفظ عَمَّا اقتضاه ظاهره وعَمَّا وُضِعَ له في اللُّغة = إلى معنى آخر، فإن كان نقله قد صحَّ ببرهان، وكان ناقله واجب الطاعة = فهو حق. وإن كان نقله بخلاف ذلك، اطُّرِحَ ولم يلتفت إليه، وحُكِمَ لذلك النَّقل بأنه باطل» (١). وأبو الوليد الباجي (ت:٤٧٤)، قال: «التَّأويلُ: صرف الكلامِ عن ظاهره إلى وجه يحتملُه» (٢). وقال ابن الزاغوني (ت:٥٢٧) (٣): «نقل الكلام عن

стр. 98

وضعه وأصله السابق إلى الفهم من ظاهره في تعاريف اللغة والشرع أو العادة = إلى ما يحتاج في فهمه والعلم بالمراد به إلى قرينة تدل عليه لعائق منع من استمراره على مقتضى لفظه، وهو مأخوذ من المآل، ومن ذلك ما وقع الخطاب فيه على سبيل المجاز، ولم يكن يراد به الأصل في الحقيقة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة: ٩٣]، أراد: حُبَّ العجل؛ لأنه لو أراد حمل الكلام على حقيقته لكان العجل يكون في بطونهم لا في قلوبهم؛ لأن الأعيان إنما تنتقل إلى البطن لا إلى القلب ...» (١). وقال ابن الجوزي (ت:٥٩٧): «التأويل: العدولُ عن ظاهر اللفظِ إلى معنى لا يقتضيه؛ لدليل عليه» (٢). * مثال لأثر هذا المصطلح في حملِ كلام الله أو رسوله ﷺ عليه: إنَّ من العجيبِ أن يُجعَلَ هذا المصطلحُ المتأخِّرُ أصلاً يُعتمدُ في تفسير القرآن وشرح السنة، ولقد حصلَ بسبِبه انحرافٌ كبيرٌ في ذلك.

стр. 99

ومن أمثلة ذلك ما وقع من شرح حديثِ النَّبيِّ ﷺ في دعائه لابن عمِّه عبدِ اللهِ بن العبَّاسِ: «اللهمَّ فقِّهُ في الدِّينِ، وعلِّمْهُ التَّأويلَ». قال ابن الجوزي (ت:٥٩٧): «قوله: وعَلِّمْهُ التَّأويلَ: فيه قولان: أحدهما: أنه التفسير. والثاني: أن التَّأويل: نقل الظَّاهر عن وضعه الأصلي إلى ما يحتاج في إثباته إلى دليل لولاه ما ترك ظاهر اللفظ، فهو من آل الشيء إلى كذا أي صار إليه» (١). وقال ابن الأثيرِ (ت:٦٠٦): «وفي حديث ابن عباس ﵄ اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل»: هو من آل الشيء يؤول إلى كذا؛ أي: رجع وصار إليه. والمراد بالتأويل: نقل ظاهر اللفظ عن وضعه الأصلي إلى ما يحتاج إلى دليل لولاه ما ترك ظاهر اللفظ، ومنه حديث عائشة ﵄ «كان النبي ﷺ يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم وبحمدك يتأول القرآن»: تعني أنه مأخوذ من

стр. 100

قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ [النصر: ٣] (١). ومنه حديث الزهري، قال: «قلت لعروة: ما بال عائشة تُتِمُّ في السَّفر ـ يعني: الصلاة ـ قال: تأوَّلت كما تأوَّل عثمان، أراد بتأويل عثمان: ما روي عنه أنه أتَمَّ الصَّلاة بمكة في الحج، وذلك أنه نوى الإقامة بها» (٢). قكيف يُحمل كلامُ رسولِ اللهِ ﷺ على مصطلحٍ حدث بعده بمدة طويلة؟!. إنَّ مما تقع فيه الغفلةُ أنْ تُحكَّمَ مصطلحات متأخرةٌ في الظهورِ على ألفاظِ الشرعِ، أو كلام السابقين، فيقع بذلك التحريف أو التخطئةُ للعلماء، وهذا مبحث مهم من مباحث العلمِ تحتاج إلى تجليةٍ ليس هذا محلُّها، ولعل في هذا المثال غُنْيَةً وبياناً عن هذه الفكرةِ، والله الموفق. تنبيه: من الملاحظ أن صاحب لسان العرب نقل كلام ابن الأثير؛ لأن كتاب ابن الأثير أحد مصادر ابن منظور، فلا

стр. 101

يُحتجُّ بهذا أنه وارد في معاجم اللغة، وكذا الحال في تاج العروس، فقد نقله ونقل أقوال غيره، وهذا مما دخل في هذه المعاجم اللغوية، وليس له أصل في لغة العربِ (١). سبب ظهور هذا المصطلح الحادث: كان سببُ ظهورِه ـ فيما يبدو ـ نشوءَ القولِ بالمجازِ الذي يقابلُه مصطلحُ الحقيقةِ عند من اعتمدَه. فحقيقةُ اللَّفظِ: ما وُضِعَ له أصلاً، فالحمارُ: اسمٌ للدَّابَّةِ المعروفةِ، إذ لا ينصرفُ الذِّهنُ إلى غيرِه عند إطلاقِ هذا اللَّفظِ. ومجازُ اللَّفظِ: ما أُريدَ به غير المعنى الموضوعِ له في أصلِ اللُّغةِ، كإطلاقِ الحمارِ على الرَّجلِ البليدِ. والتَّأويلُ بالاصطلاحِ الحادثِ: صرفُ اللَّفظِ عن ظاهرِه إلى معنى مرجوحٍ لقرينةٍ تدلُّ عليه. ومن ثَمَّ، فإنَّ كلَّ استعمالٍ للمجازِ تأويلٌ، لأنه يتركُ ما يدلُّ عليه ظاهرُ اللَّفظ إلى ما يسمِّيهِ مجازاً. قال ابن حزم (ت:٤٥٦): «... فقد بان بما ذكرنا: أنَّ

стр. 102

نقل الأمر عن الوجوب، والفَور إلى النَّدب والتراخي = هو باب واحد مع نقل اللفظ عما يقتضيه ظاهره إلى معنى آخر، وهذا الباب يسمى في الكلام وفي الشعر الاستعارة والمجاز، ومنه قوله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩]، ومثل هذا كثير» (١). والمجازُ هو آلةُ المُؤوِّلِ التي يستخدِمها لصرفِ اللَّفظِ عن ظاهرِه إلى باطنٍ لا يدلُّ عليه اللَّفظُ في سياقِه. وهنا تعلمُ أنَّ مصطلحَ التَّأويلِ الحادِثِ ومصطلحَ المجازِ لا يكادانِ ينفكَّانِ. هل هناك فرق بين التفسير والتأويل ؟ كان من آثار هذا المصطلح الحادث أن طلب بعض العلماءِ فروقاً بين التفسير والتأويل، وليس المقصود هنا استقصاء هذه الفروق التي ذكروها، ولكن سأذكر بعضها ليتبين مدى تأثير المصطلح الحادث على الفرق بين هذين المصطلحين. قال الشريف الجرجاني (ت:٨١٦) (٢) في شرح مقدمة

стр. 103

الكشاف: «التفسير: علم يُبحث فيه عن أحوالِ كلامِ اللهِ المجيدِ من حيثُ دلالتُه على مراده، وينقسم: إلى تفسير، وهو ما لا يدرك إلاَّ بالنقل؛ كأسباب النُّزول والقصص، فهو ما يتعلق بالرواية. وإلى تأويل، وهو ما يمكن إدراكه بالقواعد العربية، وهو ما يتعلق بالدراية. فالقول في الأول بلا نقل خطأٌ، وكذا القول في الثاني بمجرد التشهي، وإنْ أصابَ فيهما. وأما استنباطُ المعاني على قوانين اللغةِ، فمِمَّا يُعَدُّ فَضْلاً وكمالاً» (١). قال صديق حسن خان (ت:١٣٠٧): «واختلف في التفسير والتأويل فقال أبو عبيد وطائفة: هما بمعنى وقد أنكر ذلك قوم (٢).

стр. 104

وقال الراغب: التفسير أعم من التأويل، وأكثر استعماله في الألفاظ ومفرداتها، وأكثر استعمال التأويل في المعاني والجمل، وأكثر ما يستعمل في الكتب الإلهية. وقال غيره: التفسير: بيان لفظ لا يحتمل إلا وجهاً واحداً، والتأويل: توجيهُ لفظ متوجهٍ إلى معان مختلفة إلى واحد منهما بما ظهر من الأدلة. وقال الماتريدي: التفسير: القطعُ على أن المرادَ من اللفظ هذا، والشهادةُ على الله أنه عنَى باللَّفظِ هذا، والتأويل: ترجيح أحد المحتملات بدون القطع والشهادة. وقال أبو طالب الثعلبي: التفسير: بيانُ وضعِ اللفظِ إمَّا حقيقةً أو مجازاً، والتأويلُ: تفسيرُ باطنِ اللَّفظِ، مأخوذ من الأَولِ، وهو الرجوعُ لعاقبةِ الأمرِ، فالتأويلُ: إخبارٌ عن حقيقةِ المرادِ، والتفسيرُ إخبارٌ عن دليلِ المرادِ؛ مثاله: قوله : ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر]، وتفسيره: أنه من الرَّصْدِ، مفعالٌ منه، وتأويله: التحذير من التهاون بأمر الله . وقال الأصبهاني: التفسير: كشفُ معاني القرآنِ، وبيانُ المرادِ أعمُّ من أن يكونَ بحسبِ اللفظِ أو بحسبِ المعنى، والتأويل أكثره باعتبار المعنى، والتفسير: إما أن يُستعملَ في غريب الألفاظ أو في وجيزٍ يتبيَّنُ بشرحِه، وإمَّا

стр. 105

في كلامٍ متضمِّنٍ لقصةٍ لا يمكنُ تصويرُه إلا بمعرفتها، وأما التأويل فإنه يستعمل مرة عاماً، ومرة خاصاً؛ نحْو: الكفرِ المستعملِ تارةً في الجحودِ المطلق، وتارة في جحودِ الباري خاصةً، وإما في لفظ مشتركٍ بين معانٍ مختلفةٍ. وقيل: يتعلق التفسير بالرواية، والتأويل بالدراية. وقال أبو نصر القشيري: التفسير: مقصور على السماع والاتباع. والاستنباط فيما يتعلق بالتأويل. وقال قوم: ما وقع مبيَّناً في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ يسمى تفسيراً، وليس لأحد أن يتعرض إليه باجتهاد، بل يُحمل على المعنى الذي ورد، فلا يَتعدَّاه. والتأويل: ما استنبطه العلماءُ العالمون بمعنى الخطابِ، الماهرون في آلات العلوم. وقال قوم ـ منهم البغوي والكواشي ـ: هو صرف الآيةِ إلى معنى موافقٍ لما قبلها وبعدها، تحتملُه الآية، غيرِ مخالف للكتابِ والسنةِ، من طريقِ الاستنباطِ. انتهى. ولعله هو الصواب. هذا خلاصة ما ذكره أبو الخير في مقدمة علم التفسير» (١).

стр. 106

وقال الآلوسي (ت:١٢٧٠): «وعندي أنه إن كان المراد الفرق بينهما بحسب العرف، فكل الأقوال فيه ما سمعتها وما لم تسمعها مخالفة للعرف اليوم، إذ قد تعارف من غير نكير (١) أن التأويل: إشارةٌ قدسيةٌ، ومعارفُ سبحانيةٌ تنكشف من سُجُفِ العباراتِ للسالكين، وتنهلُّ من سُحُبِ الغيبِ على قلوب العارفين، والتفسيرُ غيرُ ذلك (٢). وإن كان المراد الفرق بينهما: بحسب ما يدل عليه اللفظ مطابقة، فلا أظنك في مرية من رد هذه الأقوال. أو بوجه ما، فلا أراك ترضى إلا أن في كل كشف إرجاعاً، وفي كل إرجاع كشفاً فافهم» (٣). وهذه النقول تدلُّ على وجود إشكال عند هؤلاء العلماء في الفرق بين التفسير والتأويل، والذي يظهر عليها كلها أنها تخصيصاتٌ لا دليل عليها، وتفريقات لا يستقيم

стр. 107

لها وجه، فكلُّ واحدٍ منهم يرى ما لا يراه الآخر، وتراهم لم يثبتوا على قولٍ سوى وجود الفرق، ثمَّ اختلفوا في بيانه. وتحقيق الأمر في ذلك كما يأتي: بعد أن تبيَّنَ أنَّ التفسيرَ يتعلَّقُ ببيانِ المعنى، وأنَّ التَّأويلَ له مفهومانِ صحيحانِ: أحدُهما يوافقُ معنى التَّفسيرِ، والآخر يرادُ به ما تؤول [أي: ترجع] إليه حقيقةُ الشيء؛ أي: كيف تكونُ، فإنَّ ملاك القولِ في ذلكَ أن يُقالَ: إنَّ لهذه الفروق احتمالين: الاحتمال الأول: أن ترجع الفروق إلى أحد هذه المعاني الصحيحة المذكورة في مصطلحِ التَّأويلِ. فإن رجعتْ إلى أحدِ هذه المعاني المذكورةِ، فإنها تُقبَلُ، ولكن لا تكونُ هي حدُّ الفرقِ، بل هي جزءٌ من الفَرْقِ لا غير، وهذا يعني أنه قد يكونُ غيرُها صحيحاً؛ لأنها تذكرُ فرقاً آخرَ صحيحاً، وهو مندرجٌ في المعاني المذكورةِ في المرادِ بالتَّفسيرِ والتَّأويل. ولأضرب لك مثالاً بأحد ما ذُكر من الفروقِ، قال أبو

стр. 108

منصور الماتريدي (ت:٣٣٠): «التفسير: القطعُ على أن المرادَ من اللفظ هذا، والشهادةُ على الله أنه عنَى باللَّفظِ هذا، والتأويل: ترجيح أحد المحتملات بدون القطع والشهادة». إذا فسَّرتَ قوله تعالى: ﴿وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ﴾ [البروج: ٢] بأنه يوم القيامة؛ لإجماع المفسرين على ذلك، وقطعت بهذا المعنى، أليس هذا تفسيراً، أليس هذا تأويلاً بمعنى التفسيرِ. فإذا قلتَ: معنى قوله: ﴿وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ﴾ [البروج: ٢]؛ أي اليوم الذي وعد الله عباده بأن يبعثهم فيه، وهو يوم القيامة. أو قلت: تفسير قوله تعالى ... أو قلت: تأويل قوله تعالى ... فالتعبير عن بيان كلام الله بهذه العبارات ـ كما ترى ـ مؤدَّاهُ واحدٌ، ويُفهم منه معنى واحدٌ. وإذا جئت إلى قوله تعالى: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ﴾ [التكوير: ١٥]، ورأيت أنَّ للمفسرين أقوالاً: الأول: أنَّ المراد بالخنس: النجوم والكواكب. والثاني: أنَّ المراد بها بقر الوحش والظباء.

стр. 109

فهذه محتملاتٌ في التفسير، واخترت أنَّ المراد بالخنسِ النجومُ والكواكبُ، وعللَّت لذلك الاختيار بأمرين: ١ - موافقة السياق، حيث ذُكرَ في لحاقِها آيات كونية، والنجوم والكواكب آيات كونية، فالنجوم والكواكب أنسبُ لهذا المعنى اللحاقي من أن تكون بقر الوحش والظباءِ. ٢ - وأنَّها أظهر وأشهر للخلق من بقر الوحش والظباء، فلا أحد يخفى عليه معرفة النجومِ، وإن خفي عليه معنى الخنوس والجريان والكنوس فيها، أمَّا بقر الوحش والظباء فإنَّ بعض الناس قد لا يعرفُها وكثير منهم لا يعرف أمر خنوسها وجريانها وكنوسها. فإذا اخترت هذا المحتمل فأنت مؤوِّلٌ عند الماتريدي (ت:٣٣٠). لكن هل تسمية هذا الأسلوب ـ وهو ترجيح أحد المحتملات بدون القطع والشهادة ـ تأويلاً = صحيحٌ؟. ألست قد فسَّرتَ وبيَّنتَ المعنى المراد، فأنت ـ إذاً ـ باختياركَ هذا المعنى دون غيره لو قلت: تأويل هذه الآية كذا، أو تفسير هذه الآية كذا، لكان الأمر واحداً ولا فرق.

стр. 110

وبهذا يظهر أنك سواءً قطعت أو لم تقطع، فأنت مؤوِّلٌ؛ أي: مفسرٌ، ولا معنى لتخصيص التأويل بأنه ترجيح أحد المحتملات بدون القطع والشهادة على الله أنه عنى باللفظ هذا، والله أعلم. الاحتمال الثاني: أن لا يرجع شيءٌ من هذه الفروق إلى هذه المعاني الصحيحةِ، ومن ثمَّ، فإنَّه قولٌ غيرُ مقبولٍ؛ لأنَّه مخالفٌ لمصطلح القرآنِ، ومصطلح السَّلفِ واللُّغةِ. ولأنه لا دليلَ عليه من نقل ولا عقل. وبهذا يكونُ ما وردَ في بيانِ مصطلحِ التَّفسيرِ والتَّأويلِ الواردِ عن السَّلفِ وأهلِ اللُّغةِ أصلاً يقاسُ عليه ما يذكرُه المتأخِّرُون من فروقٍ. مسألة: هل في مصطلح التأويل الحادث حظٌّ من الصِّحة في تطبيقه على بعض الأمثلة ؟ إنَّه إذا عُلِمَ أنَّ المتكلِّمَ أراد المعنى الذي يقال: إنَّه خلافُ الظَّاهرِ، فإنَّه إمَّا أن يكونَ من بيانِ كلامِ المتكلِّمِ، فيكونُ من باب التَّفسيرِ، وإمَّا أن يكونَ هو الحقيقةُ التي يؤولُ إليها الكلامُ، فإذا كان ذلك كذلك كان تأويلاً صحيحاً مندرجاً تحت هذين النَّوعينِ، وإن سُمِّيَ بهذا الاسمِ؛ لأنَّ العبرةَ بصحَّةِ المعنى المذكورِ.
следующие страницы →