وأخرج (١) عن هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة، رضي الله تعالى عنها، قالت: قال رسول الله ﷺ : "كُلُّ مُسْكِرٍ حَرامٌ، وكُلُّ حَرَم خَمْرٌ، وما أَسْكَرَ كثيرُه فالقَطْرَةُ منه حَرام" والله تعالى أعلم.
* * *
٢٤١١ - الأمير الفاضل عاصم بن قاسم بن مؤمن بن علي خان الأكبرآبادي، ثم الدهلوي، أمير الأمراء صمصام الدولة نواب خان دوران خان بهادر *
ذكره صاحب "نزهة الخواطر"، وقال: كان من نسل الشيخ علاء الدين العطّار الموسوي الحسيني النقشبندي.
ولد بمدينة "أكبرآباد" (٢)، ونشأ بها، وتقرّب إلى عظيم الشأن بن شاه عالم بن عالمغير، ثم إلى ولده فرخ سير، ثم إلى محمد شاه بن جهان شاه بن شاه عالم، وتدرّج إلى الإمارة في عهد فرخ سير، ونال أقصاها في عهد محمد شاه.
стр. 3467
وكان رجلا حازما، شجاعا، فاتكا، مقداما، باسلا، محبّا لأهل العلم، محسنا إليهم، يجالسُهم بعد العشاء، ويذاكرهم في العلوم، قتل في المعركة في حرب نادر شاه سنة إحدى وخمسين ومائة وألف، كما في "مآثر الأمراء".
* * *
٢٤١٢ - الشيخ الفاضل عافيَة بن يزيد بن قيس بن عافية بن شدّاد بن ثُمامة بن سَلَمة بن كعب بن أوْد بن صَعْب سعد العَشيرة بن مالك بن أُدَد بن زيد بن يَشْجُب بن عريب بن زيد بن كَهْلان بن سَبَأ بن يشْجُب بن يعْرُب بن قَحْطان الكُوفِيّ *
ذكره التميمي في "طبقاته"، وقال: هو الإمام، العالم، العامل، أحد أعلام الأئمة، وأماثل قُضاة الأمّة.
ولّاه أمير المؤمنين المهديّ القضاء بـ "بغداد"، في الجانب الشرقيِّ.
وحدَّث عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وسليمان الأعْمَش، وغيرهما.
стр. 3468
وروَى الخطيب، عن إسحاق بن إبراهيم، أنه قال: كان أصحاب أبي حنيفة، رضي الله تعالى عنه، الذين يُذاكِرونه؛ أبو يوسف، وزُفَر، وداود الطَّائِيُّ، وأسَد بن عمرو، وعافية الأوْدِيّ، والقاسم بن مَعْن، وعلي بن مُسْهِر، ومَنْدَل وحِبَّان، ابنا عليِّ، وكانوا يخوضون في المسألة، فإن لم يحضُر عافيةُ، قال أبو حنيفة، رضي الله تعالى عنه: لا تَرْفعوا المسألة حتى يحضُرَ عافيةُ. فإذا حضر عافيةُ، فإن وافقهم، قال أبو حنيفة، رضي الله تعالى عنه: أثْبِتُوها، وإن لم يُوافقْهم، قال أبو حنيفة: لا تُثْبِتوها.
وقد كان المهدِيُّ أشْرَك في القضاء بينه وبين محمد بن عبد الله بن عُلاثَةَ الكِلابِيّ، فكانا يقْضيان جميعا في المسجد الجامع في الرُّصافة، هذا في أدْناه وهذا في أقصاه، وكان عافيةُ أكثرَهما دخولا على المهدِيِّ.
وحدَّث إسماعيل بن إسحاق القاضي، عن أشياخه، قال: كان عافية القاضي يتقلَّد للمهدِيّ القضاء بإحدى جانِبِيْ "بغداد"، مكانَ ابن عُلاثَة، وكان عافية عالما زاهدا، فصار إلى المهدِيِّ في وقت الظهر في يوم من الأيَّام، وهو خالٍ، فاسْتأذَن عليه، فأدخله فإذا معه قِمَطْرُه، فاستَعْفاه من القضاء، واسْتأْذَنه في تسليم القِمَطْرِ إلى من يأمُرُ بذلك، فَظَنَّ أن بَعضَ الأولياء قد غضَّ منه أو أضْعَفَ يدَه في الحُكْم، فقال له في ذلك، فقال: ما جرى من هذا شيء. فقال: فما سببُ اسْتِعْفائِك؟ فقال: كان يتقدَّم إليَّ خَصْمان مُوسران وَجيهان منذ شهرين، في قضيّة مُعْضِلَة مُشْكِلَة، وكلُّ يدَّعِي بَيِّنَة وشُهودا، ويُدْلِي بِحُججٍ تحتاح إلى تأمُّل وتثَبُّب، فردَدْتُ الخصومة، رجاءَ أن يَصْطلحا، أو يَعِنَّ لي وجه فصل ما بينهما. قال: فوقف أحدُهما من خبري على أنِّي أُحِبّ الرُّطَب السُّكَّر، فعَمد في وقتِنا، وهو أوَّل أوقات الرُّطَب، إلى أن جمَع رُطبا سُكَّرا، لا يتهَيَّأ في وقتنا جَمْعُ مثلِه إلى أمير المؤمنين، وما رأيت أحسنَ منه، ورَشَا بَوَّابِي جملةَ دراهم، على أن يُدْخَلَ الطَّبَق إليَّ، ولا يُبالِي أن يُرَدَّ، فلمّا أُدْخِل إليَّ، أنْكَرتُ ذلك، وطَرَدْتُ بَوَّابِي، وأَمَرْتُ بردِّ الطَّبَق، فرُدَّ، فلمّا كان اليوم تقدَّم إليَّ مع خصْمِه، فما تساوَيا في قلبِي ولا في عينِي،
стр. 3469
وهذا يا أميرَ المؤمنين ولم أقْبَلْ، فكيف يكونُ حالي لو قَبِلْتُ، ولا آمنُ أن يقعَ عليَّ حيلَةٌ في ديني فأهْلِكَ، وقد فسدَ الناس، فأقِلْنِي أقالَكَ الله، وأعْفِنِي، فأعْفاه.
ورُوِيَ عن بعضهم، أنَّه قال: كنتُ عند الرَّشيد يوما، فرُفِع إليه في قاضٍ كان استقْضاه يُقال له: عافية، فكَبُرَ عليه، وأمر بإحْضاره، فأُحْضِرَ، وكان في المجلس جَمْعٌ كثير، فجعل أميرُ المؤمنين يُخاطِبُه، ويُوقِفُه على ما رُفِع إليه، وطال المجلس، ثم إنَّ أميرَ المؤمنين عَطَسَ، فشمَّتَه من كان بالحَضْرَةِ ممن قَرُبَ منه سِواه، فإنَّه لم يُشَمِّتْه، فقال له الرشيد: ما بالُك لم تُشَمِّتْنِي كما فعل القوم؟ فقال له عافية: لأنك يا أمير المؤمنين لم تَحمد الله، فلذلك لم أشَمِّتْك، هذا النبيّ ﷺ عَطَسَ عنده رجلان، فَشَمَّتَ أحدَهما، ولم يُشمِّت الآخَرَ، فقال: يا رسول الله ما لَكَ شَمَّتَ ذلك ولم تشمِّتني. قال: لأنَّ هذا حَمِدَ اللهَ، فَشَمَّتناه، وأنتَ فلَمْ تَحْمَدْه فَلمْ أُشَمِّتْكَ (١). فقال له الرشيد: ارْجِع إلى عملك، أنْتَ لم تُسامِحْ في عَطْسةٍ، تُسامحُ في غيرها. وصَرَفه مُنْصَرفًا جميلا، وزبر القوم الذين كانوا رفَعوا عليه.
стр. 3470
وقال ابن الأعرابِيّ: خاصَم أبو دُلامةَ رجلا إلى عافية، رحمه الله تعالى، فقال (١):
لقد خاصَمَتْنِي غُواةُ الرجال … وخاصَمْتُهم سَنَةً وافِيَهْ
فما أدْحَضَ الله لي حُجَّةً … وما خَيَّبَ الله لي قافيَهْ
فمن كنتُ من جَوْرِه خائفا … فلستُ أخاكَ يا عافيهْ
فقال له عافية: لأشكُوَنَّكَ إلى أمير المؤمنين. قال لم تَشْكُونِي؟ قال: لأنَّك هجَوْتَنِي. قال: والله لئن شَكَوْتَنِي إليه ليَعْزِلَنَّك. قال: ولم؟ قال: لإنَّك لا تعرف الهجاء من المديح، رحمه الله تعالى ما كان أصْفَيَ نِيَّتَهُ، وأسْلَم طَوِيَّتَه. - نَفعنا الله ببركاته، آمين -.
* * *
٢٤١٣ - الشيخ الفاضل عالم بن عارف الكابلي *
ذكره صاحب "نزهة الخواطر"، وقال: أحد العلماء المبرّزين في العلوم الآلية، ذكره البدايوني، قال: إنه كان مداعبا، مزاحا، حسن القصص، حلوّ الكلام، مليح الشمائل، يأتي بما يضحك الناس، حتى تكاد النفوس تزهق عن كثيرة الضحك، وقد كتب تعليقا على "شرح المقاصد" في كشكوله، وسماها "القصد"، وكان يقول: إنه من مصنّفاته، وكذلك كتب حاشية أو حاشيتين "المطوّل"، وسماها "الطول"، وادّعى أنه كتاب بسيط من مصنّفاته حذاء "المطول"، وألّف مجموعا في أخبار الأولياء، وسماه "فواتح الولاية"،
стр. 3471
وأورد فيه كل فقير سائل ومجاور بقبول الأولياء، وأتى في أخبارهم بكلّ ما سمع من الناس.
قال: إنه دعاني مرّة لـ "فتحبُور"، ودعى صاحبنا نظام الدين النخشبي أيضًا، فلم يسعنا إلا القبول، فغدونا إلى بيته، وأحضر معجونا مشهيا للطعام، فتناولناه، ثم عرض علينا كتبه، فاشتغلنا بها إلى نصف النهار، وقد غلب علينا الجوع، وكنا نترقّب المائدة، فلمّا لم نر أثرا منها سألناه، فقال: إني كنت أظنّ أنكم أكلتم الطعام في بيوتكم! فاضطررنا إلى الخروج، وتركناه، وأكلنا ما وجدنا في بيوتنا.
قال: وكان يغبط على نظام الدين البدخشي أنه اخترع السجدة لصاحبه أكبر شاه، فأدخلها في آداب التحيّة له، قال: وكان يغبط على البدخشي وابن المبارك أنهما صارا من الأمراء، ولذلك دخل في الجندية، ولكنّه ما بلغ مبلغ الأمراء لسوء حظّه في الإمارة.
توفي سنة اثنتين وتسعين وتسعمائة.
* * *
٢٤١٤ - الشيخ الإمام العالم الكبير فريد الدين عالم بن العلاء الإندربتي *
أحد العلماء المبرّزين في الفقه والأصول والعربية.
ذكره صاحب "نزهة الخواطر"، وقال: له "الفتاوى التاتارخانية" في الفقه المسمّى بـ "زاد السفر"، صنّفه في سنة سبع وسبعين وسبعمائة للأمير الكبير
стр. 3472
تاتارخان، وسمّاه باسمه، وكان فيروز شاه يريد أن يسمّيه باسمه، فلم يقبله لصداقة كانتْ بينه وبين تاتارخان، كما في "كلزار أبرار".
قال الفاضل الجلبي في "كشف الظنون": هو كتاب عظيم في مجلّدات، جمع فيه مسائل "المحيط البرهاني"، و"الذخيرة"، و"الخانية"، و"الظهيرية". وجعل الميم علامة لـ "لمحيط"، وذكر اسم الباقي، وقدّم بابا في ذكر العلم، ثم رتّب على أبواب "الهداية"، وذكر أنه أشار إلى جمعه الخان الأعظم تاتارخان، ولم يسمّه، ولذلك اشتهر به. وقيل: إنه سمّاه "زاد المسافر".
ثم إن الإمام إبراهيم بن محمد الحلبي، المتوفى سنة ستّ وخمسين وتسعمائة لخّصه في مجلّد، وانتخب منه ما هو غريب، أو كثير الوقوع، وليس في الكتب المتداولة، والتزم بتصريح أسماء الكتب، وقال: متى أطلق "الخلاصة"، فالمراد به "شرح التهذيب"، وأما المشهورة فتقيد بالفتاوى. انتهى.
وقال في موضع آخر من ذلك الكتاب: "زاد المسافر" في الفروع، وهو المعروف بـ "الفتاوى التاتارخانية" لعالم بن علاء الحنفي، المتوفّى سنة ٢٨٦ هـ ستّ وثمانين ومائتين، انتخبها إبراهيم بن محمد الحلبي، أوله: الحمد لله ربّ العالمين. انتهى.
وأنت تعلم ما ذكرنا من سنة وفاته، لعلّه التبس عليه عدد السبع بالاثنين، لأنهما متقاربان في الشكل، فالمظنون أنه توفي سنة ستّ وثمانين وسبعمائة.
ذكره التميمي في "طبقاته"، وقال: قرأتُ بخطِّ صاحبِنا الفاضل البارع، أحمد جلبِي بن قاضي القضاة حسن بن عبد المحسن، ما صورته: قال العبدُ الملْتجِي إلى رحمة الغَفّار، المنْتَسِبُ إلى الأنصار، عالم ابن العَلا، عصمَه الله من الزيغ والهوى، وهَداه إلى المنْهَج السَّوا.
ثم قال أحمد جلبي المذكور: هذه عبارة صاحب "الفتاوى التاتارخانيَّة"، في أوَّلها. انتهى.
стр. 3473
وأما أنا فلم أقِفْ له على ترجمة سوى ما ذكَر، وإن وقفتُ على شيء سوى ذلك ألْحَقْتُه هنا، والله الموفِّق للصَّواب.
وذكره المفتي شبير أحمد القاسمي في مقدمة تحقيقه على "الفتاوى التاتارخانية"، وقال: إنني لم أقفْ على جملة وافرة مفصّلة من أحوال صاحب "الفتاوى التاتارخانية"، ولم أظفر بسنّ ولادته، غير أنّ بعض المؤرّخين البارزين في "الهند" ذكروا شذرات من أحواله في كتبهم، وحاصلها: أن صاحب "الفتاوى التاتارخانية" هو الإمام فريد الدين عالم بن العلاء الإندربتي الدهلوى الحنفي، المتوفى سنة ٧٨٦ هـ.
كان من أجلّ العلماء الكبار في زمنه، وله شغف بالفقه، والفتاوى، والأصول العربية.
فلأجل ذلك نشأت الروابط العلمية بينه وبين الخان الأعظم الأمير تاتارخان، الذي كان قائد الجيش في عصر السلطان فيروز تغلق في "الهند"، وكان متديّنا، يحبّ العلماء، ويجالسهم، وهو الذي أشار الإمام فريد الدين عالم بن العلاء إلى تأليف "الفتاوى التاتارخانية"، فاشتغل عالم بن العلاء بتصنيفها امتثالا لأمره، وتفخيما لشأنه، ولم يزل يجتهد، ويسعى، ويقلّب الأوراق من أكثر من مائة كتاب، حتى فرغ من تأليفها في سنة سبع وسبعين وسبعمائة من الهجرة، وفي هذه السنة مضت على إمارة السلطان فيروز تغلق مدّة خمس وعشرين سنة.
ومن أهمّ ما استفيد من كتب التاريخ أن الأمير تاتارخان توفي قبل تكميل "الفتاوى التاتارخانية"، وتوفي المصنف عالم بن العلاء في عصر السلطان فيروز تغلق سنة ٧٨٦ هـ ست ثمانين وسبعمائة من الهجرة، وتوفي السلطان فيروز تغلق ٧٩٠ هـ سنة تسعين وسبعمائة من الهجرة (١).
стр. 3474
وقال المؤرّخ الكبير محمد إسحاق البهتي في كتابه المسمّى بـ "علم الفقه في شبه القارة الهندية" الهند وباكستان (بر صغير باك وهند مين علم فقه) ناقلا عن "تاريخ فيروز شاهي" أن الأمير تاتارخان توفي بعد مضي سنوات من جلوس فيروز تغلق على عرش المملكة، وتم الانتهاء من تأليف "الفتاوى التاتارخانية" في سنة سبع وسبعين وسبعمائة بعد ما مضت خمس وعشرون سنة على إمارة فيروز تغلق، فعلم بذلك أن تاتارخان توفي قبل تكميل "الفتاوى التاتارخانية".
زلة من صاحب كشف الظنون
أورد المؤرّخ الكبير حاجي خليفة في "كشف الظنون" ذكر "الفتاوى التاتارخانية" على موضعين. الأول منهما تحت عنوان "تاتارخانية في الفتاوى"، والثاني تحت عنوان "زاد المسافر" في الفروع. وقال: في الثاني "زاد المسافر" في الفروع، وهو المعروف بـ "الفتاوى التاتارخانية" لعالم بن العلاء الحنفي، المتوفى سنة ستّ وثمانين ومائتين هـ.
قلت: قد اتفق المؤرّخون أن "الفتاوى التاتارخانية" صنّفت في عصر السلطان فيروز تغلق بعد عصر الملك محمد تغلق، وعصر السلطان فيروز تغلق في القرن الثامن من الهجرة، لأنه تولى المملكة سنة اثنتين وخمسين وسبعمائة، وتوفي سنة تسعين وسبعمائة، من ٧٥٢ هـ إلى ٧٩٠ هـ، ثم بناء على هذا التفصيل كيف يصحّ أن يقال: إن المصنف الإمام فريد الدين عالم بن العلاء توفي سنة ٢٨٦ هـ قبل خمسمائة سنة من عصره، إلا أن نتأول كما تأول المؤرّخ الكبير عبد الحي الحسني في كتابه "نزهة الخواطر" بقوله: وأنت تعلم من سنة وفاته، لعلّه التبس عليه، يعني صاحب "الكشف" عدد السبع بالاثنين، لأنهما متقاربان في الشكل، فالمظنون أنه توفي سنة ستّ وثمانين وسبعمائة (١).
стр. 3475
نسبة المؤلف إلى إندربت
أولا نورد فيما يلي خلاصة ما قاله المؤرّخون البارزون عن "إندربت"، يقول الدكتور سر سيّد أحمد خان في كتابه المسمّى بـ "آثار الصناديد": إن "إندربت" اسم حيّ من أحياء "دهلي"، وكانت تتوسّط بين القلعة القديمة والباب المتلطّخ بالدماء، المعروفتين في الأردية باسم "برانا قلعة" و"خوني دروازه"، وكان اسمها الأول "إندربرسته"، ثم صار "إندربت" لكثرة الاستعمال. وقيل: إنه مركّب من لفظين هنديين: "إندر" و"بت"، ومعنى الأول ملك السماء، ومعنى الثاني الحاكم، أو المالك، فأما الملك الذي عمر تلك البلدة يقال له: ملك السماء، ومن ثم اشتهر اسمها بـ "إندربت".
وقال في موضع آخر من كتابه تحت عنوان "إندربرسته": هي قرية صغيرة، كانت واقعة في الموضع الذي بنيت اليوم فيه دوائر حكومية من أشهرها إدارة شؤون ضرائب الدخل، ثم اشتهرت هذه القرية فيما بعد على الألسن باسم "إندربت".
وقال الدكتور بشير الدين أحمد في كتابه المسمّى بـ "واقعات دار الحكومت دهلي": إن قرية "إندربت" آثارها كانت باقية إلى بضعة أعوام أخيرة مضت، وهي قطعة باقية من الجانب الداخلي من سور البلد، وكانت ممتدة في الجنوب إلى ضريح همايون، وفي الشمال إلى باب "دهلي المسمّى في الأردية بـ "دلي كيت".
وقال في موضع آخر من كتابه ص ٢٠: إن "إندربرسته "وهو اسم قديم لمدينة "دهلي"، وحدودها كانت تبدأ من قرية أو كهلا، وتنتهي إلى قرية "برابري".
وألقى صاحب "آثار الصناديد" الضوء عند ذكره مدينة "دهلي" على أن "دهلي" كيف تغير اسمها من "إندربت" إلى "دهلي"، فقال: يروى أنه قبل المسيح ﵇ بألف وأربعمائة عاما كانت عاصمة "الهند" مدينة "هستنا
стр. 3476
فور"، وكان ملكها الأول يد هشتر، ثم بعد مضي ثلاث وعشرين ومائتين سنة تقريبا تولى المملكة الملك شهكر (جهكر) في عام (١١٠٠ ق م)، وجعل "إندربت" التي كانت قطعة من مدينة "دهلي" عاصمة البلاد، ثم استمرّ الأمر على هذا، حتى أعمر الملك دهلو الذي كان يحكم "قنّوج" مدينة، سمّاها باسم نفسه، (يعني دهلو) على أراضي "إندربت"، ثم تبدلت الواو ياء، وصار اسمها "دهلي".
قلت: وبهذه التفاصيل يظهر لي والله أعلم أن الصحيح ما قاله الدكتور سيّد أحمد في "آثار الصناديد" وفي ضوء ما كتبه نتوصّل إلى بضعة أمور:
الأمر الأول: أن مدينة "دهلي" كانت تسمّى بـ "دهلي" في عهد السلاطين التغلقية في "الهند"، كالسلطان غياث الدين تغلق المتوفى ٧٢٥ هـ، والسلطان محمد تغلق المتوفى ٧٥٢ هـ، والسلطان فيروز تغلق المتوفى ٧٩٠ هـ.
الأمر الثاني: أنه كانت بقرب بلدة "دهلي" قرية اسمها "إندربت"، والإمام فريد الدين عالم بن العلاء مؤلّف "الفتاوى التاتارخانية" كان من سكّان هذه القرية، ولأجل ذلك نسبه المؤرّخون إلى "إندربت" وإلى "دهلي" معا.
الأمر الثالث: أن موضع هذه القرية بقرب من المكتب الرئيسي لجمعية علماء الهند، ومسجد عبد النبي الواقع بجوار بهادر شاه ظفر مارك"، وفي أراضي تلك القرية بنيت اليوم إدارة شؤون ضرائب الدخل والمركز الرئيسي لشرطة "دهلي".
الفتاوى التاتارخانية
لما تم تأليف "التفسير التاتارخاني" كما سيأتي تفصيله بعنوان يخصّ بذكر "التفسير التاتارخاني" وقعت في قلب الأمير تاتارخان فكرة بتأليف مجموعة في الفتاوى في مذهب الإمام أبي حنيفة، فانتخب للقيام بهذا العمل الجليل الإمام فريد الدين عالم بن العلاء الحنفي الإندربتي الدهلوي، الذي كان من أحد العلماء
стр. 3477
المبرّزين في الفقه والفتاوى في عصره، وكلّفه بوضع مجموعة جامعة للفتاوى، وقد كانت بينهما صداقة، وكانت تربطهما روابط علمية من قبل، فرضي الشيخ عالم بن العلاء، واستجاب لدعوته، ثم وفّر الأمير له على حساب الحكومة كلّ كتاب في الفقه الحنفي، كان يوجد في ذلك العصر، فكلّ من يطالع "الفتاوى التاتارخانية" يعلم أن المؤلّف لم يكتف في النقل على كتاب أو كتابين أو ثلاثة كتب، فحسب، بل كانت عنده ذخيرة كبيرة من الكتب، كما قد ذكره المؤلّف نفسه ثلاثين كتابا في مقدمة الكتاب.
وقد تتبعت عند مقابلة المخطوطات، فاطلعت على أكثر من مائة كتب، نقل عنها المصنّف في فتاواه، ولم يذكرها في مقدمته، وقد ذكرتها ببعض التفاصيل في مقدمة التحقيق تحت الفصل السابع، وقد يكون هناك كثير من الكتب التي فاتت من إحصائي.
منهج المؤلف في كتابه
ومن المناسب أن نذكر بعض الأمور التي التزمها المؤلّف في "الفتاوى التاتارخانية"، ذكر المؤلّف في بداية الكتاب السبب الذي بعثه على تأليف الكتاب، فقال: إن السبب الذي حمله على تأليف الكتاب أنه كان تربطه صداقة ودّ بالأمير تاتارخان وزير الملك فيروز شاه تغلق، وقائد جيشه، وكان رجلا متديّنا، حنفيا، يحبّ العلم، ويحترم العلماء، هو الذي أمر الإمام فريد الدين عالم بن العلاء بتأليف كتاب في الفتاوى، يجمع جميع نواحي المسائل الفقهية في المذهب الحنفي.
وقد ذكر المصنّف ذلك في المقدّمة بقلمه، وأثنى على الأمير تاتارخان كثيرا في عبارة فصيحة وبليغة، وأوضع كثيرا أن إشارة الأمير هي التي وفّرت له فرصة تأليف "الفتاوى التاتارخانية" (١)
стр. 3478
الأمر الثاني: ثم بعد الحمد والثناء، وذكر السبب الباعث لتأليفها، أقام المؤلّف بابا في العلم والحثّ عليه، وجعله على سبعة فصول.
الفصل الأول: في فضيلة العلم، أورد فيه أحاديث، وآثارا في فضيلة العلم.
الفصل الثاني: في فضل العلم والفقه والعالم والمتعلّم والتعليم والتعلّم، أورد فيه أيضًا أحاديث وآثارا عديدة، وردت في فضل تلك الأشياء.
الفصل الثالث: في فرض العين والكفاية من العلوم.
أولا أورد فيه أيضًا أحاديث وآثارا عديدة، وردت في طلب العلم، وثانيا بين النافع وغير النافع من العلوم، مع بيان أن حفظ القرآن مقدار ما يجوز به الصلاة فرض عين على المسلمين.
الفصل الرابع: في آفة العلم. أورد فيه أحاديث وآثارا عديدة، وردت في آفة العلم.
الفصل الخامس: في بيان السنة والجماعة.
أورد فيه أثرا عن علي ﵁، وحديثا طويلا عن ابن عمر ﵄ في بيان أهل السنّة، ومتى يعلم الرجل أنه من أهل السنّة، لكن لم أجدهما في الكتب التي بين يديّ.
الفصل السادس: فيمن يحلّ له الفتوى، ومن لا يحلّ له، أورد فيه أقوال السلف في بيان العلوم والآداب، التي لا بدّ منها لأرباب الفتوى أن يعلموها.
الفصل السابع: في آداب المفتي والمستفتي، فيه بيان ما على المفتي عند اختلاف أقوال المذهب، وشرائط المفتي عند نقل المذاهب، ثم بعد ذلك أقام المصنّف تمهيدا لبداية كتاب الطهارة، وقسم فيه الأحكام الشرعية إلى حقوق الله وحقوق العباد، وما اجتمع فيه حقّان، وحقّ الله فيه غالب، وما اجتمع فيه حقان، وحق العبد فيه غالب.
стр. 3479
الأمر الثالث: قام المؤلّف ببداية كتابه من كتاب الطهارة، وعند نقل المسائل اهتمّ بخمسة أمور:
الأول: نقل المسائل من الكتب المعتمدة بالإحالة إلى أساميها مصرّحا.
الثاني: لم يلتزم المؤلّف بالدلائل والنصوص، واكتفى على نقل المسائل فقط، لأن المقصود في الفتاوى هو الإخبار بنفس المسائل، لا الدلائل والنصوص.
الثالث: أحيانا نقل المؤلّف مسألة واحدة من كتب عديدة، مع تصريح أساميها.
الرابع: من الكتب المنقول عنها "المحيط البرهاني"، وإن المؤلّف وضع أساس كتابه عليه، فلكثرة دوره وتكراره جعل الميم رمزا لـ "محيط"، وذكر اسم الباقي.
الخامس: عدد جملة الكتب التي نقل عنها الإمام المؤلّف فريد الدين عالم بن العلاء في كتابه يبلغ أكثر من ثلاثين ومائة، إلا أنه ذكر ثلاثين كتابا منها في المقدمة فقط، وترك الباقي، فلأجل ذلك تتبعت عند المقابلة بين المخطوطات من أولها إلى آخرها، فوجدت مائة كتاب سوى ذلك، فذكرتها مع تعريفها وتعريف مؤلّفيها في تحقيق المقدمة بشيء من التفصيل، ومن هذا يظهر أنه كان عند المؤلّف ذخيرة عظيمة من الكتب الفقهية، التي لا يمكن الحصول عليها للمؤلّف وحده، بل لعلّه ساعده الأمير تاتارخان في تحصيلها وتوفيرها من البلدان على مستوى رسمي.
إزالة شبهة حول الفتاوى التاتارخانية
ومن مفاخر الأمير تاتارخان أنه شكّل جماعة من العلماء لأجل تأليف "التفسير التاتارخاني"، فقامت تلك الجماعة بتأليفه، حتى أكملته، كما سيأتي توضيح ذلك بعنوان "التفسير التاتارخاني".
стр. 3480
فهذا الأمر ربما يورث شبهة بأن الفتاوى التاتارخانية هي أيضًا من تأليف الجماعة العلماء، التي قامت بأمر الأمير تاتارخان، كما زعم بعض العلماء.
قلت: تكفي لإزالة هذه الشبهة العبارتان من كلام المؤلّف الإمام فريد الدين عالم بن العلاء الإندربتي، اللتان تدلّان صراحة على أن المؤلّف هو وحده ألّف الكتاب من غير اشتراك آخرين من العلماء، وأما استعانة المؤلّف بتلاميذه وخدّامه فهذا الأمر لا يسع لأحد أن ينكره.
العبارة الأولى: يقول المؤلّف في بداية المقدمة: فقد أشار إليّ من إشارته حكم، وطاعته غنم، إلى أن قال: وزائر الحرمين، كالعين للإنسان، والإنسان للعين، الخان الأعظم، القهرمان المعظم، تاتارخان، الذي ألقى إليه الدهر قيادة.
العبارة الثانية: يقول المؤلّف في آخر المقدمة: قال العبد الملتجئ إلى رحمة الله الغفّار، المنتسب إلى الأنصار، عالم بن العلاء، عصمه الله عن الزيغ، وهداه إلى منهج السواء، فإن العبارة الأولى تدلّ صراحة إلى أن الأمير تاتارخان لم يشكّل الجماعة لتأليف "الفتاوى التاتارخانية"، بل أشار لتأليفها على المصنّف وحده، وأما العبارة الثانية فهي تصرّح بأن "الفتاوى التاتارخانية" هي من نتاج جهود عالم بن العلاء وحده، لا من جهد الجماعة.
الأمير تاتارخان الدهلوي
كان الأمير تاتارخان رجلا صالحا، متديّنا، متمسّكا بالشريعة في السفر والحضر، ويحافظ على الصلوات، ويحجّ البيت، ويحبّ العلماء، ويحسن إليهم.
هكذا ذكر من أوصاف الأمير، فإذا لا بدّ لنا أن نعرف أنه من هو؟ وأنه كيف توصّل إلى "دهلي"، وكان من أصل الترك؟ وبأيّ سبب سمي بتاتارخان؟ وأنه كيف توصّل إلى حضرة الملك فيروز تغلق؟ وبأيّ عمل لقّب بالخان الأعظم.
стр. 3481
ذكر المؤرّخ الكبير محمد قاسم فرشته في كتابه المسمّى بـ "تاريخ فرشته" (١: ٤١٧) أن السلطان غياث الدين تغلق تولى المملكة في غرّة شعبان سنة ٧٢١ هـ إحدى وعشرين وسبعمائة.
وذكر في موضع آخر من ذلك الكتاب (١: ٤٢٤): أن السلطان غياث الدين تغلق توفي سنة ٧٢٥ هـ خمس وعشرين وسبعمائة، ومدّة حكومته كانت أربع سنين وشهورا، ثم بعد ثلاثة أيام من موته جلس محلّه ابنه سلطان محمد تغلق.
ونقل مولانا محمد إسحاق البهتي في كتابه المسمّى بـ "بر صغير باك وهند مين علم فقه": حكي أن ملكا من ملوك "خراسان" هجم على مناطق "ملتان" و"ديبالفور"، واستولى عليهما، وذلك في عهد السلطان غياث الدين تغلق، وكانت للملك زوجة حسناء، تضرب لها الأمثال في حسنها، وكان لا يفارقها عن نفسه أبدا، فأخرجها معه في هذه الغارة، وكانت حاملة، فولدت ولدا بعد دخول مناطق "ملتان" و"ديبالفور"، وبينما هم في ذلك إذ أغار السلطان غياث الدين تغلق على الجيش الخراساني ليلا، وشنَّ الغارة عليهم، وقتل النفوس، وسفك الدماء، وهرب الجيش الخراساني.
ووسط هذا القلق والاضطراب تركوا ذلك الصبي المولود في الأرجوحة، ثم التقطه جيش السلطان غياث الدين تغلق، وعرضوه عليه، فلمّا رآه السلطان أعجبه، وتبنّاه، وربّاه في مهد الإمارة، وسماه بتاتارملك.
ثم شبّ هذا الغلام، وبلغ أشدّه في عهد السلطان محمد تغلق، ونال الصيت، وصار وحيد دهره في الشجاعة والبسالة والمصارعة، وافتتح بلادا كثيرة بقوّة ساعده، وبإلاغارة عليها، ثم توفي السلطان محمد تغلق سنة ٧٥٢ هـ اثنتين وخمسين وسبعمائة، ومدّة حكومته كانت سبع وعشرين سنة.
وقال القاسم فرشته في "تاريخ فرشته" (١: ٤٩٤): تم بعد ذلك تولى المملكة السلطان فيروز تغلق في الثالث والعشرين من شهر الله المحرّم الحرام عام ٧٥٢ هـ اثنين وخمسين وسبعمائة من الهجرة.
стр. 3482
وقال مولانا محمد إسحاق البهتي في "بر صغير باك وهند مين علم فقه" ص ٢١ لما كان السلطان فيروز تغلق يجلس في البلاط الملكي يفسح المكان لجلوس الأمير تاتارخان في الجانب الأيمن من السلطان، الذي كان مختصا للوزراء في جانبه الأيسر يفسح المكان لخان جهان، وإن كان خان جهان وزيرا مقبولا، له مكانة عند السلطان، وكان السلطان فيروز تغلق يثق بتاتارخان ثقة كاملة، ويشاور معه في جميع الأمور، فكانت نتيجته أنه كان لا يصدر حكما في مهمّات الدولة إلا بعد موافقة الأمير تاتارخان، ومن توفيق الله وعونه أن الأمير سار إلى الحرمين الشريفين، فسعد بالحجّ والزيارة، ولم يزل يشتغل بالعلم، ويجالس العلماء، ويذاكرهم.
ومن الجدير بالذكر أنّ تاتارخان هو اسم رجلين، الأول الذي نحن بصدد ذكره، والثاني هو تاتارخان بن مظفّر الشاه، الذي كان أبوه حاكما على ولاية "كجرات"، وهو أيضًا كان أمير الجيش في عهد أبيه، كما صرّح بذلك صاحب "تاريخ فرشته"، (٢: ٥٠٠) فلذا أرى أن أنبّه هنا على أن تاتارخان الذي نحن بصدد ذكره، وهو ليس ابن المظفّر الشاه، بل هو ابن السلطان الخراساني، الذي تركه أبوه في المهد، ثم التقطه السلطان غياث الدين تغلق خلال غاراته على "ملتان"، و"ديبالفور"، تبنّاه، وربّاه، فلا يغترّ أحد بعبارة "تاريخ فرشته".
ذكر التفسير التاتارخاني
ذكر مولانا محمد إسحاق البهتي في كتابه المسمّى بـ "بر صغير باك وهند مين علم فقه" أن الأمير تاتارخان كان من أحسن الناس إكراما للعلماء ورجال الدين، وله شغف بالقرآن والحديث والفقه، وهذا الذي بعثه على أن يأمر بتألف كتاب جامع في التفسير، فجمع لنيل هذا الغرض جميع كتب التفسير، التي كانت توجد في عهده، وكوَّن جماعة من العلماء والفضلاء، فكان يجمع في
стр. 3483
ضمن كلّ آية سائر الأقوال والآثار، التي وردت في تفسير الآية، والتي كتبها المفسّرون السابقون في تفاسيرهم، وبُذِلت أقصى الجهود في جمع الأقوال، وصرّح في النقل أسامي المفسّرين مع الإحالة إلى كتبهم، فيمكن لقائل أن يقال: إنه كتاب جمع فيه جميع تفاسير تلك العهد (١).
ثم لما انتهى هذا التفسير، سماه الأمير بـ "التفسير التاتارخاني". وتلقي مجلة معارف العدد الصادر في شهر يوليو سنة ١٤٠٩ هـ الضوءَ على أن "التفسير التاتارخاني" ألّفته جماعة من العلماء بأمر الأمير تاتارخان، كما أن "الفتاوى العالمكيري" ألّفتها جماعة من العلماء تحت إشراف السلطان الإمام أورنك زيب العالم الكبير.
ونقل المؤرّخ الكبير مولانا عبد الحي الحسني اللكنوي في كتابه "نزهة الخواطر" (٢: ١٩) في ترجمة الأمير تاتارخان العبارة الآتية التي تتعلّق بـ "التفسير التاتارخاني"، قال شمس الدين عفيف في "تاريخه": إنه لم يزل يشتغل بالعلم، ويجالس العلماء، ويذاكرهم، ويحسن إليهم، وإنه صنّف كتابا في التفسير، وسماه "التاتارخاني"، وهو أجمع ما في الباب، فأسأل الله تعالى أن يخلق من الرجال من يعثر على مخطوطات "التفسير التاتارخاني"، ويقوم بإخراجه وإصداره، لكي ينتفع الناس به.
مفاخر علمية للملوك المسلمين في الهند
ساد المسلمون الهندَ ثمانمائة سنة إلا خمسين عاما، فأول ملوكهم هو السلطان شهاب الدين غوري، الذي حكم "الهند"، وجعل عاصمة "الهند" بلدة "دهلي" سنة ٥٨٦ هـ، واستمرّ المسلمون يحكمون "الهند"، حتى غلب الإنكليزيون على "الهند" في أواخر القرن الخامس عشر المسيحي وبداية القرن الحادي عشر الهجري، وأقاموا فيها حكومتهم بعد نفي السلطان المغولي بهادر
стр. 3484
ظفر الشاه من "الهند" سنة ١٢٧٤ هـ، وهنا انتهت حكومة المسلمين على "الهند".
ويبلغ عدد السلاطين المسلمين الذي حكموا "الهند" في هذه المدّة الطويلة خمسة وستين ملكا، وامتاز عهد الاثنين منهم بأعمال علمية دينية، ومآثر جليلة (١).
* * *
٢٤١٥ - الشيخ العالم المحدّث عالم علي بن كفاية علي بن فتح علي الحسيني النكينوي، ثم المرادآبادي، أحد أكابر الفقهاء الحنفية *
ذكره صاحب "نزهة الخواطر"، وقال: ولد، ونشأ بـ "نكينه"، وسافر للعلم، فقرأ الكتب الدرسية على المفتي شرف الدين الرامبوري، والشيخ غفران ابن تائب الفقيه الأفغاني، ثم سار إلى "دهلي"، وأخذ عن الشيخ مملوك العلي النانوتوي، وتطبّب على الحكيم نصر الله، وقرأ الحديث على الشيخ إسحاق بن أفضل العمري، وأسند عنه، ثم أقبل على الطبّ، والحديث إقبالا كليا، وسكن بـ "مرادآباد" (٢).
أخذ عنه خلق كثير من العلماء.
له شرح بسيط على "ضابطة التهذيب"، ورسالة في تنقيح مخرج الضاد، ورسالة فضل الصيام، ورسالة في فضائل النبيّ ﷺ ، وله "الحجّة البالغة"، و"الوثيقة الباهرة".
стр. 3485
توفي لثلاث بقين من رمضان سنة خمس وتسعين ومائتين وألف، كما في "تذكرة العلماء" للناروي.
* * *
٢٤١٦ - الإمام المجاهد المظفّر المنصور السلطان بن السلطان أبو المظفّر محي الدين محمد أورنك زيب عالمغير بن شاهجهان الغازي المؤيّد من الله القائم بنصرة الدين الذي أيّد الإسلام *
وفتح الفتوحات العظيمة، وساس الأمور، وأحسن إلى الرعايا، وصرف أوقاته في القيام بمصالح الناس، وبما يرضى به ربّ العالمين من صيام وقيام ورياضة، لا يتيسّر بعضها لآحاد الناس، فضلا عن الملوك والسلاطين، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
ذكره صاحب "نزهة الخواطر"، وقال: ولد ليلة الأحد لخمس عشرة خلون من ذي القعدة سنة ثمان وعشرين وألف بقرية "دوحد" على مائة أميال من "أجين"، وسبعين ميلا من "بروده"، من بطن أرجمند بانو بنت آصف جاه أبي الحسن بن غياث الدين الطهراني في أيام جدّه جهانغير بن أكبر شاه، فعمل لولادته بعض العلماء تاريخا من "آفتاب عالمتاب"، ونشأ في مهد السلطة، وتنبّل في أيام جدّه وأبيه، وقرأ العلم على مولانا عبد اللطيف السلطانبوري، ومولانا محمد هاشم الكيلاني، والشيخ محي الدين بن عبد الله البهاري، وعلى غيرهم من الأساتذة.
وأخذ خطّ النسخ عن الحاج القاسم، والنستعليق عن السيّد علي بن محمد مقيم الماهرين في الخطّ، حتى كتب خطّ المنسوب، وصار مضرب المثل في جودة الخطّ، وبرَّز في كثير من العلوم والفنون.
стр. 3486
وبايع الشيخ محمد معصوم بن الشيخ أحمد السرهندي (١)، وأخذ الطريقة عن الشيخ سيف الدين بن محمد معصوم المذكور، وكان يلازمه بأمر والده لذلك، حتى حصلت له نفحة منه، وبشّره بأشياء، واشتهر ذكره في حياة والده، وعظم قدره، فولّاه والده الأعمال العظيمة في أرض "الدكن"، فباشرها أحسن مباشرة، ثم حصل لوالده مرض صعب عطله عن الحركة، وكان ولي عهده من بعده أكبر أولاده دارا شكوه، فبسط يده على البلاد، وصار هو المرجع والسلطان معنى، فلم ترض نفوس إخوته بذلك، فنهض شجاع من "بنغاله"، ومراد بخش من "كجرات"، وعالمغير من أرض "الدكن"، كل منهم يريد أن يقبض على أخيه دارا شكوه، ويتولّى المملكة، فاتفق عالمغير ومراد بخش على ذلك، فقاتلاه، وغلبا عليه، ثم احتال عالمغير على مراد بخش، وقبض عليه، واعتقل أخويه، ثم قتلهما لأمور صدرتْ منهما، وأفتى العلماء أنهما استوجبا القتل، وحبس والده في قلعة "أكبرآباد"، وهيّأ له ما يشتهيه من الملبوس والمأكول وأهل الخدمة من الجواري والغلمان، وكانت جهان آرابيكم بنت شاهجهان تقيم مع والدها في القلعة، والسيّد محمد الحسيني القنّوجي يلازمه، يشتغل عليه، ويذاكره في ما ينفعه في عقباه.
وجلس عالمغير على سرير الملك سنة ثمان وستين وألف، فافتتح أمره بالعدل والإحسان، ورفع المظالم والمكُوس، وأسر غالب ملوك "الهند" المشهورين، وصارتْ بلادهم تحت طاعته، وجبيتْ له الأموال، وأطاعته
стр. 3487
البلاد والعباد، ولم يزل في اجتهاد من الجهاد، لم يرجع إلى مقرّ ملكه وسلطته بعد أن خرج منه، وكلما فتح بلادا شرع في فتح أخرى، حتى لحقتْ حدود ملكه في الجهة الشمالية إلى حدود "خيوا" و"بخارا"، وفي الجهة الجنوبية إلى البحر المحيط الهندي، وفي الجهة الغربية إلى "سومنات" على شاطئ بحر "الهند"، وفي الجهة الشرقية إلى "بوري" منتهى أرض "أريسه".
وكان عالمغير عالما ديّنا، تقيّا، متورّعا، متصلّبا في المذهب، ويتديّن بالمذهب الحنفي، لا يتجاوز عنه في قول ولا فعل، وكان يعمل بالعزيمة، وكان يصلّي الصلوات المفروضة في أوائل أوقاتها بالجماعة في المسجد مهما أمكن، ويقيم السنن والنوافل كلّها، ويصلّي صلاة الجمعة في الجامع الكبير، ولو كان غائبا عن البلدة لأمر من الأمور يأتيها يوم الخميس، ويصلّي صلاة الجمعة، ثم يذهب حيث شاء.
وكان يصوم في رمضان في شدة الحر، ويحيي الليالي بالتراويح، ويعتكف في العشرة الأخيرة من رمضان في المسجد، وكان يصوم يوم الاثنين والخميس والجمعة في كلّ أسبوع من أسابيع السنة، ويصوم في أيام ورد عن النبي ﷺ أنه كان يصوم فيها.
وكان يخرج الزكاة من أمواله قبل أن يجلس على سرير الملك، وبعده مما خصّ لنفسه من عدة قرى، وبعض معادن الملح للمصارف الخاصّة من نقير وقطمير.
وكان يريد أن يرحل إلى الحرمين الشريفين للحجّ والزيارة في أيام والده، فلم يرض بفراقه، وبعد ذلك لم تمهله المصالح الملكية، ولكنه كان يرسل الناس إلى الحرمين الشريفين للحجّ والزيارة، ويبذل عليهم العطايا الجزيلة، ويبعث إليهما أموالا طائلة لأهل الحوائج في أيام الحجّ بعد سنة أو سنتين، ويؤظّف الذاكرين والذاكرات، ويجعل لهم الأرزاق السنية.
стр. 3488
يداوم على الطهارة بالوضوء، ويحافظ على الأذكار والأدعية المأثورة عن النبي ﷺ في غالب أوقاته، ويحيى الليالي المتبرَّكة بالصلاة والصدقة وصحبة العلماء والمشايخ في المسجد، وكان يحترز عن كلّ سوء ومكروه منذ نعومة أظفاره، لم يشرب الخمر قطّ، ولم يقارب امرأة لا تحلّ له.
وكان لا يستمع الغناء بالمزامير منذ جلس على سرير الملك، مع أنه كان ماهرا بالإيقاع والنغم، وما كان أن يلبس الملبوسات غير المشروعة، وما كان أن يأكل في الظروف الذهبية والفضّية، وأمر أن يصاغ الجواهر الثمينة في الحجر اليشب مقام الذهب، ونهى الأمراء أن يلبسوا الغير المشروع، وكان يمنعهم أن يتذاكروا بين يديه بكذب وغيبة وقول الزور، وأمرهم أن يعبروا عن الأمور المستكرهة إن وقع لهم حاجة إلى ذلك بكناية واستعارة.
وكان موزّعا لأوقاته، فوقت للعبادة، ووقت للمذاكرة، ووقت لمصالح العساكر، ووقت للشكاة، ووقت لقراءة الكتب والأخبار الواردة عليه كلّ يوم وليلة من مملكته، لا يخلط شيئا بشيء، فإنه كان ينهض في الليل قبيل الصبح الصادق، فيتوضّأ، ويذهب إلى المسجد، ويصلّي الفجر بجماعة، ثم يشتغل بتلاوة القرآن والأوراد الموظّفة، ثم يجلس بدولت خانه، ويتمثّل بين يديه الأمراء المقرّبون، ويحضر لديه ناظر العدلية (داروغه عدالت) بجماعة من المتظلّمين، سواء كانوا من أهل "دهلي" أو من خارجها، فيقضي فيهم بما يبدو له من الشرع أو العرف.
ثم كان يذهب إلى البرج المشرف على نهر "جمن"، ويسمّونه "جهروكه درشن" على سنة أسلافه، وبعد مدّة من الزمان ترك ذلك، فكان يدخل المنزل، فيمكث به نحو ساعتين أو ثلاث ساعات، ثم يظهر في الديوان العام، ويجلس للناس، فيحضر لديه أبناء الملوك، وكبار الأمراء وعظماء "الهند" والسفراء، وكلّهم يقفون بين يديه، ومن ورائهم تقف عامّة الأمراء، ويتلوهم
стр. 3489
الناس من كلّ صنف ودرجة أعلاهم وأدناهم، ثم يتمثّل بين يديه الأمراء الوافدون من بلاد، ويستأذنه الأمراء المأمورون إلى جهات، فيخلع عليهم، ويأذن لهم بالخروج، ويعرض عليه عرائض الأمراء والولاة ونذورهم، ويعرض عليه "المير بخشي" مطالب أهل المناصب و"المير آتش". أغراض "البرقندازية"، وغيرهم، وصدر الصدور يعرض عليه حوائج السادة والعلماء والمشايخ وغيرهم من أهل الاستحقاق، وناظر العرض المكرّر الأحكام السلطانية من المناصب والأقطاع والنقود وغيرها، ثم يعرض عليه ناظر الاصطبلات الأفراس الخاصّة وشحنة الفيلة الأفيال الشاهانية على الرسم المعتاد، وناظر الداغ والتصحيحة فرسان الأمراء، مع أفراسهم التي امتازت بالداغ والتصحيحة حالا.
وكان يجلس بالديوان العام نحو خمس ساعات، ثم يذهب إلى "دولت خانه"، فيحضر لديه الوزير والديوان والبخشي وصدر الصدور، وغيرهم من كبار الأمراء، فيكلّمه الوزير في مهمّات الدولة، والديوان في الأموال الخالصة "الشريفة، والمير بخشي في العسكرية، وصدر الصدور في أهل الحوائج، والسلطان يجاوبهم بما يبدو له من المعروف، ويكتب بيده بعض التوقيعات، ويأمر في بعضها أن يكتبه الوزير، ثم يعرض عليه المناشير، التي أنشأها الوزير، فيقرأها، ويصلحها إن رأى فيها خللا، ويجلس بها نحو خمس ساعات.
ثم يدخل المنزل، ويتغدّى، ويقيل نحو ساعة، ثم يتوضّأ، ويمشي إلى المسجد، ويصلّي الظهر بجماعة، ثم يذهب إلى "خلوت خانه"، ويشتغل بتلاوة القرآن، وكتابة المصحف، ومطالعة الكتب، وتحقيق المسائل، وربما يدعو بها بعض الأمراء، ويباشر المهمّات من أمور الدولة، وربما يدعو أهل المظالم والشكاوي، فيقضي بينهم بالمعروف، وربما يدعو المخدّرات، فيعرضن عليه حوائج النساء، فيبذل عليهن العطايا الجزيلة.
стр. 3490
ثم يذهب إلى المسجد، ويصلّي العصر بجماعة، ثم يجلس بدولت خانه مرّة ثانية، فيتمثّل بين يديه الأمراء، ويكلّمونه في المهمات كأول النهار، كما تقدّم، ثم يخرج إلى المسجد، ويصلّى المغرب بجماعة، ويشتغل نحو ساعتين بالأذكار والأشغال، ثم يذهب إلى دولت خانه، ويشتغل بالمهمّات إلى وقت العشاء، ثم يذهب إلى المسجد، ويصلّي العشاء، ثم يدخل المنزل.
وأما يوم الأربعاء فكان لا يجلس بالديوان العام والخاص، ويجلس بدار العدل على سنة أسلافه، فيحضر لديه المفتون والقضاة، ويعرض عليه ناظر العدلية المتظلّمين واحدا بعد واحد، فيستنطقه السلطان بنفسه، ويسأله بكلّ هوادة ورفق، ويقضي بينهم بالمعروف.
وأما يوم الخميس فإنه كان يكتفي بالجلوس بالديوان العام والخاص على أول النهار، ويترك الجلوس بعد العصر، فكان يشتغل سائر أوقاته بالعبادة.
وكان يجلس للمذاكرة في الكتب الدينية كـ "الإحياء"، و"الكيمياء"، و"الفتاوى الهندية"، وغيرها في كلّ أسبوع ثلاثة أيام على السيّد محمد الحسيني القنّوجي، والعلامة محمد شفيع اليزدي، ونظام الدين البرهانبوري، وغيرهم من العلماء.
ومن مآثره الجميلة: أنه حفظ القرآن الكريم بعد جلوسه على سرير الملك، فأرّخ بعض العلماء لبدء حفظه من قوله تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى﴾، ولتمامه من قوله: ﴿لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾.
ومنها: أنه كانت له معرفة بالحديث، له "كتاب الأربعين"، جمع فيه أربعين حديثا من قول النبي ﷺ قبل أن يتولّى المملكة، وله كتاب آخر، جمع فيه أربعين حديثا بعد الولاية، وترجمهما بالفارسية، وعلّق عليهما الفوائد النفيسة.
стр. 3491
ومنها: أنه كانت له مهارة تامة بالفقه، ويضرب به المثل في استحضار المسائل الجزئية، وقد صنّف العلماء بأمره "الفتاوى الهندية" في ستة مجلّدات كبار، فاشتهرت في الأقطار الحجازية والمصرية والشامية والرومية، وعمّ النفع بها، وصارت مرجعا للمفتين، وأنفق على جمعها مائتي ألف من النقود.
ومنها: أنه كان بارعا في الخطّ، يكتب النسخ والنستعليق وشكسته بغالِة الجودة والحلاوة، كتب مصحفا بيده قبل جلوسه على السرير، وبعثه إلى "مكّة المباركة"، وبعد جلوسه مصحفا آخر، وأنفق على التذهيب والتجليد سبعة آلاف روبية، ثم بعثها إلى "المدينة المنوّرة"، وكان انتسخ "الألفية" لابن مالك في صباه، فأرسل إلى "مكّة" بيد الحاج عبد الرحمن المفتي، لينتفع بها الناس من أهل البلدة المباركة.
ومنها: أنه كان ماهرا بالإيقاع، والنغم، ولكنّه كان يحترز من استماع الغناء تورّعا. قال مكرّم خان الصفوى: سألته يوما عن الغناء، فقال: لأهله مباح، فقلت له: إني لا أعلم أحدا يتأهّل له غيركم، فقال: إن الغناء بالمزامير لا سيّما بالبكهاوج حرام بالاتفاق، فإذنْ لا أرغب إلى الغناء بغيرها.
ومنها: أنه كان ماهرا بالإنشاء والترسّل، لم يكن له نظير في زمانه في ذلك، وقد جمع شيئا كثيرا منها أبو الفتح قابل خان التتوي في "آداب عالمغيري"، وعناية الله خان في "الكلمات الطيّبات"، و"الرقائم الكرائم"، وبعضهم في "دستور العمل"، وأما الشعر فإنه كان مقتدرا عليه، ولكنّه كان لا يعتني به، ويمنع الناس أن يضيّعوا أوقاتهم في الشعر، لقوله تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ﴾، ولله درّ الشافعي ﵀:
ولولا الشعر بالعلماء يزري … لكنتُ اليوم أشعرَ من لبيد
стр. 3492
ومن شعره قوله:
غم عالم فراوان است ومن يك غنجه دل دارم
جسان در شيشة ساعت كنم ريك بيابان را.
ومنها: أنه كان ماهرا بالرمي والطعن والضرب والفروسية وغيرها من الفنون الحربية والتصيّد، كان شُجاعا، مقداما، باسلا، لا يظهر له في الهيجاء فزع ولا جزع ولا طيش ولا خفة ولا وجل ولا خطل، بل من رآه ظنّ أنه جاء من بعض المتنزّهات، وهو قد خرج من معركة تطير لها العقول، وتشيب لها الولدان، وترجف منها الأفئدة، وتخرس الألسن.
وإنك تقرأ في كتب الأخبار أن والده شاهجهان كان يوما يتفرّج في البرج المشرف على نهر "جمن" على مصارعة الأفيال، التي كانت في عرصة القلعة فيما بينها وبين النهر، والأفواج كانت قائمة بين ظهرانيها، وخلق كثير يتفرّجون عليها في تلك العرصة، وكان عالمغير أيضًا في ذلك الزحام، وهو يومئذ في الرابع عشر من سنّه، وكان على فرس على جري العادة، فإذا هو بفيلة، قد ثارت، وقصدت الأفواج، ففرّ الناس كلّهم من بين يديها إلا عالمغير، فإنه ثبت على مقامه، فتوجّهت إليه الفيلة، ولفت فرسه بخرطومها، وصرع عالمغير من صهوة الفرس، ثم قام، وسلّ السيف عليها، ثم جاء الناس، ودفعوها بالضرب والطعن وإيقاد النار وغير ذلك. وهذه مفخرة عظيمة في الثبات والعزيمة، لا تجدها لغيره من أبناء الملوك في تلك السنّ.
ومن مآثره:
أنه كان سخيا، جوادا، كريما، يبذل على الفقراء وأهل الحاجة العطايا الجميلة، ويسامحهم في الغرامات.
ومن ذلك: أنه أبطل ثمانين نوعا من المكوس في سنة تسع وستين وألف، وكانت تحصل له من تلك الأبواب ثلاثون لكا (ثلاثون ملايين) قي كلّ سنة.
стр. 3493
ومن ذلك: أنه نهى المستوفين أن يطالبوا الأبناء بغرامات الآباء، ويصادروا أموالهم في القضاء، وأمرهم أن يميزوا في ذلك فيما بين أهل المناصب، فمن كان له منصب "دو بيستي" أو فوق ذلك إلى أربعمائة، فتعفى لهم المطالبة كلّها. ومن كان له منصب فوق تلك المناصب إلى سبعة آلاف فيؤخذ عنهم بقدر الوسع والحالة، فإن ورثوا من آبائهم مالا قدر المطالبة أو فوقها فيؤخذ عنه بالتقسيط في سنين عديدة، وإن ورثوا مالا أقلّ من المطالبة، فيؤخذ عنهم بقدر الميراث تدريجا، وإن علم أنهم لم يرثوا شيئا، فتعفى المطالبة، ولا يؤخذ عنهم شيء.
ومن ذلك: أنه بذل أموالا طائلة على إصلاح الشوارع والطرق في نواحي "الهند" من "أورنك آباد" إلى "أكبرآباد"، ومن "لاهور" إلى "كابل"، وكذلك من "لاهور" إلى "كشمير"، وحفر الآبار، وأجرى العيون، وأسّس الجسور، ورباطات وحمامات ومساجد وإصطبْلات لأبناء السبيل في تلك المسالك، ليستريح الناس بها، فظلّوا آمنين مطمئنّين.
ومن ذلك: أنه بذلَ الأموال الطائلة في بناء المساجد، وبنى مساجد كثرة في أرض "الهند"، وعمّر القديمة منها، وجعل الأرزاق للأئمّة والمؤذّنين والرواتب للمساجد من بسط وسرج وغير ذلك.
ومن ذلك: أنه أسّس دور العجزة (بلغو خانات) في أكثر البلاد فوق ما كانت في العصور الماضية، والمارستانات في أكثر بلاده.
ومن ذلك: أنه كان يرسل العطايا الجميلة إلى أهل الحرمين الشريفين - زادهما الله شرفا - بعد سنة أو سنتين.
ومن ذلك: أنه وظّف خلقا كثيرا من العلماء والمشايخ ليشتغلوا بالعلم والعبادة، منقطعين فارغي القلوب عن كلّ همّ، ولم يفرّق فيها بين أهل
стр. 3494
الإسلام وكفّار "الهند"، توجد مناشيره عند أحبار الهنادك في "بنارس" (١)، وفي غير تلك البلدة، حتى اليوم.
وأما الصدقات التي يتصدّق بها في الأيام والمواسم، فكان والده شاهجهان، ومن قبله من الملوك التيمورية يتصدّقون باثني عشر ألفا في المحرّم واثني عشر ألفا في ربيع الأول، وعشرة آلاف في رجب، وخمسة عشر ألفا في شعبان، وعشرين ألفا في رمضان، فكانوا يتصدّقون بتسع وسبعين ألفا في كلّ سنة.
وأما عالمغير فإنه أمر أن يتصدّق بها في تلك الأيام، ويتصدّق بعشرة آلاف في كلّ شهر غير الأشهر المذكورة، فكان يتصدّق بتسع وأربعين ألفا ومائة ألف في السنة غير ما يتصدّق به في الأعياد والمواسم، كما في "مرآة العالم".
ومن مآثره:
أنه كان مقتصدا في الخيرات غير مسرف في المال، فإنه كان لا يعطي الشعراء شيئا، ولا لأهل الإيقاع والنغم خلافا لأسلافه، فإنهم كانوا يجيزون رجلا منهم بما لا يسعه أن يحمل تلك العطية، ويبذّرون في المال تبذيرا كثيرا، وكان عالمغير إذا وظّف العلماء، وأقطعهم أرضا أو اليومية يشترطها بالدرس والإفادة، لكيلا يجعلوها ذريعة لأخذ المال فقط، ومتى
стр. 3495
يبعث الأموال إلى الحرمين الشريفين - زادهما الله شرفا - يشترطها بأن تعطى لأهل الحاجة غير الأغنياء، ولذلك كان الناس ينسبونه إلى البخل، وحاشاه عن ذلك.
ومن مآثره:
أنه كان مجبولا على العدل والإحسان، وفصل القضاء على وفق الشريعة المطهّرة، ولذلك أمر العلماء أن يدوّنوا المسائل والأقضية من كلّ باب من أبواب الفقه، فدوّنوها، وصنّفوا "الفتاوى العالمغيرية" في ستة مجلّدات كبار، ثم إنه أمر القضاة أن يقضوا بها، وكان أسلافه يجلسون يوم الأربعاء من كلّ أسبوع بدار العدل، ويقضون بما يفتيهم العلماء، فإنه اقتدى بهم في ذلك، ولكنّه لشدّة ميله إلى هذا الأمر كان يبالغ فيه، وكان يظهر كلّ بوم بدار العدل بعد الإشراق، فيعرض عليه ناظر العدلية الأقضية، فيحكم بما ألقى الله سبحانه في روعه، ثم كان يطلب الناظر المذكور بالديوان الخاصّ أيضًا، فيعرض عليه المتظلّمين، فيستنطق المتخاصمين بحضرته، ويتأمّل في الأقضية، ويحكم بما أراه الله سبحانه، وربما يدعوهم بين الظهر والعصر أيضًا، ولا يكل من ذلك أبدا.
وهو أول من وضع الوكالة الشرعية في دور القضاء، فولّى رجالا من أهل الدين والأمانة في دور القضاء بكلّ بلدة وعمالة، ليكونوا وكلاءَ عنه فيما يستغاث عليه في الحقوق الشرعية والديون الواجبة عليه، وأجاز للناس أن يستغيثوا عليه عند القاضي، وهو أول من نصب المحتسبين في بلاده، وامتاز في الملوك التيمورية في ذلك.
وقد جمع سيرته كثير من الأخباريين في كتبهم، منهم بختاور خان العالمغيري، فإنه أورد شيئا واسعا من أخباره في كتابه المشهور "مرآة العالم"، ومحمد كاظم بن محمد أمين الشيرازي في "عالمغير نامه"، وهو مقتصر على عشر سنين من ولايته، وألّف مستعد خان كتابه "مآثر عالمغيري" في مآثره
стр. 3496
الجميلة، وعاقل خان الرازي، وخافي خان في "منتخب اللباب"، والطباطبائي في "سير المتأخّرين"، وغيره في "مناقب عالمغيري"، وأطال الكلام في مناقبه، ونسخة منه موجودة في "المكتبة الحامدية" بـ "رامبور"، والشيخ محمد بقاء السهارنبوري صنّف كتابا حافلا في سيرته، وسمّاه "تاريخ عالمغيري"، صرّح به المؤلّف في كتابه "مرآة جهان نما".
قال المحبي في "خلاصة الأثر": ولما أراد الله تعالى بـ "الهند" خيرا وإحسانا، وقدر ظهور العدل فيهم كرما وامتنانا، أظهر في خافقها شموس السلطنة بلا ريب، وأنار في سماء سلطنتها أنوار بدور الملك السلطان أورنك زيب، وطوى بساط إخوته، ونتف جللهم، ومزق، وحرق بنار المظلومين لباسهم، وخرق، وقتل أخاه دارا شكوه، واقتلعه هو وأصحابه، وكان دارا شكوه ذا ذوق وفطنة بهيئة وصفات مستحسنة، إلا أنه في آخر عمره صارت سيرته مذمومة، وأحدث مظالم كثيرة، وقتل أخاه الثاني مراد بخش، وفرّ محمد شجاع أخوه الثالث، ولم يعرف أين ذهب.
وأورنك زيب ممن يوصف بالملك العادل الزاهد، وبلغ من الزهد مبلغا، أناف فيه على ابن أدهم، فإنه مع سعة سلطانه يأكل في شهر رمضان رغيفا من خبز الشعير من كسب يمينه، ويصلّي بالناس التراويح، وله نعم بارة وخيرات دارة جدا، وأمر من حين ولي السلطنة برفع المكوس والمظالم عن المسلمين، ونصب الجزية بعد أن لم تكن على الكفّار، وتمّ له ذلك، مع أنه لم يتمّ لأحد من أسلافه، أخذ الجزية منهم لكثرتهم وتغلبهم على إقليم "الهند"، وأقام فيها دولة العلم، وبالغ في تعظيم أهله، وعظمت شوكته، وفتح الفتوحات العظيمة، وهو مع كثرة أعدائه وقوتهم غير مبال بهم، مشتغل بالعبادات، وليس له في عصره من الملوك نظير في حسن السيرة، والخوف من الله تعالى، والقيام بنصرة الدين. انتهى.
وقال المرادي في "سلك الدرر":
стр. 3497
السلطان المشهور سلطان "الهند" في عصرنا، وأمير المؤمنين وإمامهم، وركن المسلمين ونظامهم، المجاهد في سبيل الله، العالم العلامة، الصوفي، العارف بالله، الملك القائم بنصرة الدين، الذي أباد الكفّار في أرضه، وقبرهم، وهدم كنائسهم، وأضعف شركهم، وأيّد الإسلام، وأعلى في "الهند" مناره، وجعل كلمة الله هي العليا، وقام بنصرة الدين، وأخذ الجزية من كفّار "الهند"، ولم يأخذها منهم ملك قبله لقوتهم كثرتهم، وفتح الفتوحات العظيمة، ولم يزل يغزوهم، وكلّما قصد بلدا ملكها، إلى أن نقله الله إلى دار كرامته، وهو في الجهاد، وصرف أوقاته للقيام بمصالح الدين، وخدمة ربّ العالمين، من الصيام والقيام والرياضة، التي لا يتيسّر بعضها لأحاد الناس فضلا عنه، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وكان موزّعا لأوقاته، فوقت للعبادة، ووقت للتدريس، ووقت لمصالح العسكر، ووقت للشكاة، ووقت لقراءة الكتب والأخبار الواردة عليه كلّ يوم وليلة من مملكته، لا يخلط شيئا بشيء.
والحاصل أنه كان حسنة من حسنات الزمان، ليس له نظير في نظام سلطنته ولا مدان، وقد ألّفت في سلطنته وحسن سيرته الكتب الطويلة بالفارسية، وغيرها، فمن أرادها فليطلع عليها.
مولده سنة ثمان وعشرين وألف، وجاء تاريخه بالفارسية "آفتاب عالمتاب"، وربي في حجر والده، واشتغل بحفظ القرآن من صغره، حتى حفظه، وجوّده، واشتغل بالخط، حتى كتب الخطّ المنسوب، يضرب بحسنه المثل، وكتب مصحفا بخطّه، وأرسل للحرم النبوى، وهو معروف، ثم شرع في تحصيل العلوم، حتى حصل منها الكثير الطيب، وصار مرجعا للعلماء، وحضرته محطّ رجال الفضلاء.
ثم اشتغل بعلوم الطريق، وأخذ عن كثير من أهله العارفين بالله، حتى حصلت له نفحة من بعض أولياء الله تعالى، وبشّره بأشياء حصلت له،
стр. 3498
واشتهر ذكره في حياة والده، وعظم قدره، وولّاه الأعمال العظيمة، فباشرها أحسن مباشرة، ثم حصل لوالده فالج، عطله عن الحركة، وكان ولي عهده من بعده أكبر أولاده دارا شكوه، فبسط يده على البلاد، وصار هو المرجع والسلطان معنى، فلم ترض نفس المترجم، وأخوه مراد بخش بذلك، فاتفقا على أن يقبضا عليه، ويتولى المملكة منهما مراد بخش، فقبضا عليه، ثم احتال أورنك زيب على مراد بخش أيضًا، وقبض عليه، ووضع أخويه في الحبس، ثم قتلهما لأمور صدرتْ منهما، زعم أنهما استوجبا بها ذلك، وحبس والده، واشتغل بالمملكة من سنة ثمان وستين، وألّف، وأراد الله بأهل "الهند" خيرا، فإنه رفع المظالم والمكوس، وطلع من الأفق الهندي فجره، وظهر من البرج التيموري بدره، وفلك مجده دائر، ونجم سعده سائر، وأسر غالب ملوك "الهند" المشهورين، وصارت بلادهم تحت طاعته، وجبيت إليه الأموال وأطاعته البلاد والعباد، ولم يزل في الاجتهاد في الجهاد، ولم يرجع إلى مقرّ ملكه وسلطنته بعد أن خرج منه، وكلما فتح بلادا شرع في فتح أخرى، وعساكره لا يحصون كثرة وعظمة، وقوته لا يمكن التعبير عنها بعبارة، تؤدّيها حقّها، والملك لله وحده، وأقام في "الهند" دولة العلم، وبالغ في تعظيم أهله، حتى قصده الناس من كلّ البلاد.
والحاصل أنه ليس له نظير في عصره في ملوك الإسلام في حسن السيرة، والخوف من الله تعالى، والجدّ في العبادة، وأمر علماء بلاده الحنفية أن يجمعوا باسمه فتاوى، تجمع جلّ مذهبهم، مما يحتاج إليه من الأحكام الشرعية، فجمعت في مجلّدات، وسمّاها بـ "القتاوى العالمغيرية"، واشتهرت في الأقطار الحجازية والمصرية والشامية والرومية، وعمّ النفع بها، وصارت مرجعا للمفتين، ولم يزل على ذلك، حتى توفي بـ "دكن" في شهر ذي القعدة الحرام سنة ثماني عشرة ومائة وألف، وأقام في الملك خمسين سنة. انتهى.
* * *
стр. 3499
٢٤١٧ - الشيخ الفاضل عالي بن إبراهيم بن إسماعيل الغزنوي (ناصر الدين) *
مفسّر، نحوي. أقام بـ "حلب".
من مؤلّفاته: "تقشير التفسير" في مجلّدين، و"شرح مقدّمة في النحو" لابن بابشاذ، و"مشارع الشرائع" في الفقه، و"المنابع في شرح المشارع".
قال الإمام اللكنوي في "الفوائد البهية": أرّخ صاحب"الكشف" وفاته سنة إحدى وثمانين وخمسمائة، ونسب إليه "المنابع شرح المشارع"، ونسب "المشارع" إلى نجم الدين عمر بن محمد النسفي، المتوفى سنة سبع وثلاثين وخمسمائة، وذكر أن أوله: الحمد لله الذي أغنى الفقهاء بالإمداد من نفائس كنوزه.
* * *
٢٤١٨ - الشيخ الفاضل عالي بن أبي القاسم عليّ بن الإمام أبي منصور محمد بن عبد الجبّار التَمِيمِيّ أبو العلاء، السَّمْعانِيّ * *
стр. 3500
ذكره التميمي في "طبقاته"، وقال: كان إماما، عالما، علامة، فقيها بارعا، وهو إمام ابن إمام ابن إمام، من بيت العلم والفضل والتقدُّم.
ولم يذكرْه صاحب "الجواهر المضية".
وسيأتي له ذكرٌ في ترجمة جدّه أبي منصور محمد، إن شاء الله تعالى.
* * *
٢٤١٩ - الشيخ الفاضل عَبّاد بن صُهَيْب *
ذكره التميمي في "طبقاته"، وقال: ذكره الطَّحاوِيُّ، عن شيخه ابن أبي عِمران، أنَّه قال: حدَّثني محمد بن شُجاع، قال: قلتُ لعَبّاد بن صُهَيْب: أخْرِج إليَّ ما عندك عن أبي حنيفة. فقال: عندى قِمَطْرٌ، ولكن لا أُحَدِّثك برأْيه، وأُحدِّثك بما شئتَ من حديثه، فقلتُ: ولم؟ قال: قدِمْتُ "الكوفةَ"، فسمعتُه يُفْتِي، فكتبتُ جَوابا (١)، ثم غِبْتُ عن "الكوفة" عشرَ سنِين، ثم قَدِمْتُها، فسمعتُه يُفْتي في تلك المسائل بغير ذلك الجواب.
قال محمد بن شُجاع: فوقَع في نفسي مثلُ الذي وقَع في نَفْس عَبّادٍ، فأتيتُ عبدَ الله بن داود، فذكرت ذلك له، فقال: هذا يَدُلُّك على سَعَة العِلم، لو كان عِلْمه ضَيِّقا لكان جَوابه (٢) واحدا، ولكنَّ أمرَه واسع: يتناولُهُ كيف يشاء.
* * *
стр. 3501
٢٤٢٠ - الشيخ الفاضل عَبّاد بن العبّاس بن عبَّاد بن أحمد بن إدريس، أبو الحسن *
ذكره التميمي في "طبقاته"، وقال: هو والدُ الصاحب إسماعيل بن عبّاد، الوزير المشهور، والقلم المنْشور، والجواد المشْكور.
كان عبَّاد وزيرا لمؤيّد الدَّولة الحسن بن بُوَيْه.
حدَّه عن محمد بن حِبَّان المازِنِيّ، ومحمد بن يحيى المرْوَزِيّ، وأبي خليفة.
وعنه أبو الشَّيخ، وأبو بكر ابن المقْرِي، وولده إسماعيل.
ومن جُمْلة روايات ولده عنه، أنَّه قال: قال رجُلٌ لأبي: أنتَ على مذهب أبي حنيفة، ولا تشربُ النَّبيذ؟ قال: تركته لله إجْلالا، وللناس جَمالا.
وذكره ياقوتُ في "معجم البلدان"، في مَن يُنْسَب إلى" الطَّالِقان"، فقال: سمع أبا خَليفَةَ الفضلَ بن الحُباب، والبَغْدادِيِّين في طبقته. قال أبو الفضل: ورأيتُ في دار كتب ابنه أبي القاسم بن عبّاد بالرَّيِّ "كتابا في أحكام القرآن"، ينْصُر فيه مذهبَ الاعْتزال، اسْتَحْسَنه كلُّ مَن رآه. روَى عنه أبو بكر بن مَرْدويَه، والأصبهانيُّون، وابنه الصاحب أبو القاسم. روَى هو عن
стр. 3502
البَغْدادِيّين والرّازِيِّين. [ووُلد سنة ستّ وعشرين وثلاثمائة. ومات سنة خمس وثمانين وثلاثمائة] (١). انتهى.
قلتُ: والذي يَغْلِبُ على الظنّ، وتشْهَد به العادة، من أنَّ الخَلَف يكون على مذهب السَّلَف، أنَّ ولدَه أبا القاسم إسماعيل بن عبّاد المذكور، كان على مذهب أبيه في الفقه، كما كان على مذهبه في الاعتزال، فأحْبَبْتُ أن أذكرَه هنا، وأشرَحَ أحوالَه على سبيل الاختِصار، وأجْعلَ ذلك كالذَّيل لترجمة والدِه، فإن كان حنفيًّا، فنكون قد سلِمْنا من التَّقْصير في إغْفالِه، وإن كان غيرَ ذلك فالولدُ سِرّ أبيه، وهو من جملة مَحاسِنه أو مَساوِيه، فلا نكون خرجْنا بذكرِه عن المقصود، ولا أتَيْنا بأجْنَبِيٍّ ليس بمَعْهود، فنقول:
[إسماعيل بن عباد] هو الإمام العالم العلامة، البليغ المنْشئ، الذي طبَّق الآفاقَ ذكرُه، وملأ الخافِقَين حَمْدُه وشكرُه، وجمَّل كلُ أحدٍ من الأدباء بذكره تاريخَه وديوانه، وجعلوا أخبارَه زينَةَ المجالس، وبَهْجَة المجالِس، وسَلْوَة الحزين، ونُزْهة الطَّرْف.
ذكره الحافظ السُّيوطِيّ في "طبقات النحاة"، ومن خَطِّه نقلتُ، فقال: وُلد سنة أربع وعشرين وثلاثمائة، وأخذ الأدب عن ابن فارِس، وابن العَمِيد. وسمع من أبيه وجماعة.
وكان نادرةَ عصرِه، وأعْجوبة دهره، في الفضائل والمكارم. حدَّث وقَعَد للإمْلاء، حضر الناسُ الكثير عنده، بحيث كان له سِتَّة مُسْتَمْلين. وكان في الغِّرَ إذا أراد المضِيِّ إلى المسجد ليقرأ، تُعْطيه والدته دينارا في كلّ يوم ودرهما، وتقول له: تصدّق بهذا على أوّل فقير تَلْقاه. فكان هذا دأبُه في شبابه إلى أن كَبِر، فصار يقول للفَرَّاش كلَّ ليلة: اطْرَح تحت المطَّرَح دينارا ودرهما، لئلا
стр. 3503
يَنْساه، فبَقِيَ على هذا مُدَّة، ثم إنَّ الفَرَّاش نَسِيَ ليلةً من الليالي أن يطْرح له الدرهم والدينار، فانْتَبَه وصلَّى، وقلَّب المطَّرحَ ليأخذ الدِّرهم والدينار ففقدهما، فتَطيَّر من ذلك، وظنَّ أنّه لقُرْب أجله، فقال للفرَّاشين: خذوا كلَّ ما هنا من الفراش، وأعْطوه لأوَّل فقير تلقونه، حتى يكونَ كفّارةً لتأخير هذا. فلَقَوْا أعْمًى هاشِميًّا يتَّكِئُ على يد امرأة، فقالوا: تَقْبَل هذا؟ فقال: ما هو؟ فقالوا: مُطَّرَحٌ وديباج، ومَخادُّ وديباج. فأُغْمِي عليه، فأعْلَمُوا الصاحب بأمره، فأحضره، ورَشَّ عليه ماء، فلمّا أفاق سأله، فقال: اسْألوا هذه المرآة إن لم تصدِّقونِي. فقال له: اشْرَح، فقال: أنا رجل شريف، ولي ابنةٌ من هذه المرأة، خطبها رجل، فزوَّجناه، ولي سنتين آخذ القَدْرَ الذي يفضُلُ عن قُوتنا واشْترِي به لها جِهازا، فلمّا كان البارحةَ قالتْ أمُّها: اشْتهَيْتُ لها مُطَّرح ديباج ومَخادَّ ديباج. فقلتُ من أين لي ذلك؟ وجرَى بيني وبينها خُصومة إلى أن سألتُها أن تأخذَ يدي، وتُخْرِجَني حتى أمْضِيَ على وجهي، فلمّا قال لي هولاء هذا الكلام، حُقَّ لي أن يُغْشَى عليَّ. فقال لا يكون الدِّيباج إلا مع ما يليق به. ثم اشترى له جهازا يليق بذلك المطَّرَح، وأحْضَر زَوْج الصَّبِيَّة، ودفع إليه بضاعة سَنِيَّة.
وَلِيَ الصاحبُ الوَزارة ثمانية عشر سنة وشهرا، لمؤيَّد الدولة بن ركن الدولة بن بُوَيْه، وأخيه فخر الدولة، وهو أوَّل من سُمِّي الصاحب مِن الوزراء؛ لأنه صحب مُؤيَّد الدولة من الصِّبا، وسمّاه الصاحب، فغلب عليه هذا اللَّقَب، ولم يُعَظِّمْ وزيرا مَخدومُه، ما عظَّمه فخرُ الدولة، ولم يجتمعْ بحضرة أحدٍ من العلماء والشعراء والأكابر، ما اجْتَمَع بحضرته.
وعنه أنَّه قال: مُدِحْتُ بمائة ألف قصيدة؛ عربية وفارسية، ما سرَّنِي شاعر كما سرَّني أبو سعيد الرُّسْتُمِيُّ الأصْبَهانِيّ بقوله:
* وَرِثَ الوَزارةَ كابرا عن كابرِ*
البَيْتين الآتيين في أثناء الترجمة.
стр. 3504
ولم يكن يقوم لأحد من الناس، ولا يُشِيرُ إلى القيام، ولا يطمع أحدٌ منه في ذلك كائنا مَن كان.
وأمّا أبو حَيَّا التَّوْحِيدِيُّ، فإنّه أمْلَى في ذَمِّه وذمِّ ابن العَميد مُجلَّدة، سمّاها "ثَلْب الوزيرين" لنقص حَظٍّ نالَه منه، وعدَّه فيها قبائحَ له.
وللصاحب من التصانيف "المحيط باللغة"، عشر مجلَّدات، و"رسائله"، و"الكشف عن مساوي المتنبي"، و"جوهرة الجمهرة"، "ديوان شعره"، وغير ذلك.
وأرَّخ وفاته كما سيأتي، ثم قال: وأغْلِقَتْ له مدينة "الرَّيِّ"، واجْتمع الناس على باب قصرِه ينتظرون لجنازته، فلمّا خرج نعشُه، صاح الناس. وشُهرتُه تُغْنِي عن الإطناب. انتهى.
وأحسَنُ ترجمةٍ وقفتُ له عليها، في كتاب "يتيمة الدَّهر" للثَّعالبِيِّ، فإنَّه رحمه الله تعالى، قد أجاد فيها، وأفاد، وبلَغ أقْصَى غايات المراد، وها أنا أُلَخِّص منها ترجمة مُخْتصرة، غيرَ مُخِلَّة بالمقصود، ويَقَرُّ بها الناظر، ويُسَرُّ بها الخاطر، فأقول، وبالله التوفيق:
قال - أعني الثَّعالبي -: ليست تحْضُرني عبارة أرْضاها للإفصاح عن عُلُوِّ محلِّه في العلم والأدب، جلالة شأنه في العلوم والكَرَم، وتفَرُّده بغايات المحاسِن، وجَمْعِه أشْتات المفاخِر؛ لأنَّ هِمَّة قولي تنْخَفِض عن بُلوغ أدْنى فضائله ومَعاليه، وجُهْدَ وَصْفِي يقْصرُ عن أيْسَر فَواضله ومَساعِيه، ولكنِّي أقول: هو صَدْرُ المشرق، وتاريخ المجد، وغُرَّة الزمان، ويَنْبُوع العدل والإحسان، ومَن لا حَرَج في مَدْحه بكلِّ ما يُمْدَح به مخلوق، ولولاه ما قامتْ للفضل في دهرنا سوق، وكانتْ أيامه للعَلَوِيَّة والعُلماء والأدباء والشعراء، وحضرتُه مَحَطَّ رحالهم، وموسمَ فُضَلائهم، ومَنْزَعَ آمالهم، وأمْوالهُ مَصْروفةً إليهم، وصَنائعُه مقصورةً عليهم، وهِمَّته في مجدٍ يُشيِّده، وإنْعام يُجدِّده، وفاضلٍ يصْطَنِعه، وكلامٍ حسن يصنعُه أو يسمعه، ولما كان نادرةَ عُطارِد في البلاغة، وواسِطةَ عقْج الدَّهر في السَّماحة، جُلِب إليه من
стр. 3505
الآفاق وأقاصِي البلاد كلُّ خطاب جَزْل، وقولٍ فصْل، وصارتْ حضرته مَشْرَعا لروائع الكلام، بدائع الأفهام، وثمار الخَواطر، ومجلسُه مَجْمَعا لصَوب العقول، وذَوْب العلوم، ودُرَرِ القرائح، فبلغَ من البلاغة ما يُعَدُّ في السِّحر، ويكاد يدخلُ في حَدِّ الإعجاز، وسار كلامه مَسِيرَ الشمس ونَظَم ناحِيَتَيِ الشرق والغرب، واحْتفَّ به من نُجوم الأرض، وأفْراد العصر، وأبناء الفضل، وفُرْسان الشِّعر، مَن يُرْبِي عددهم على شعراء الرشيد، ولا يقَصِّرون عنهم في الأخذ برقاب القوافي، ومَلَكَ رِقَّ المعاني، فإنَّه لم يجْتمِعْ بباب أحد من الخلفاء والملوك، مثلُ ما اجْتمع بباب الرشيد من قُحولة الشعراء المذكورين، كأبي نُواس، وأبي العَتاهية، والعَتّابِيّ، والنَّمرِيّ، ومُسلم بن الوليد، وأبي الشيص، ومَرْوان بن أبي حَفْصة، ومحمد ابن مُناذر، وجمعتْ حضرةُ الصاحب بـ "أصْبَهانَ" و"الرَّيِّ" و"جُرجان" مثلَ أبي الحسن السَّلامِيِّ، وأبي بكر الخُوارَزْمِي، وأبي طالب المأْمونِيِ، وأبي الحسن البَدِيهِيِّ، وأبي سعيد الرُّسْتُمِيّ، أبي القاسم الزَّعْفَرانِيّ، وأبي العباس الضَّبِّيِّ، وأبي الحسن بن عبد العزيز الجُرجانِيِّ، أبي القاسم بن أبي العلاء، وأبي محمد الخازن، وأبي هاشم العَلَوِيّ، وأبي الحسن الجَوْهَرِيِّ، وبني المنَجِّم، وابن بابَك، وابن القاشانِيِّ، وأبي الفضل الهَمَذانِيّ، وإسماعيل الشّاشِّيِّ، وأبي العلاء الأسَدِيِّ، وأبي الحسن الغُوَيْريِّ، وأبي دُلّف الخَزْرجِيّ، وأبي حفص الشَّهْرَزُورِيّ، وأبي مَعْمَر الإسماعيليِّ، أبي الفَيّاض الطَّبَرِيّ، وغيرهم ممن لم يبْلُغْنِي ذِكرُه، أو ذهب عني اسمُه.
ومدحه مُكاتَبةً: ابنُ الموسَوِيِّ، وأبو إسحاق الصَّابِيُّ، ابنُ الحَجّاج، ابن سُكَّرةَ، ابن نُباتةَ
وما أحْس وأصْدق قولَ الصاحب، يعني صاحبَ الترجمة (١):
إنّ خيرَ المدّاح مَن مدحَتْه … شعراءُ البلاد في كلِّ نادِ