← Тараджим

Тараджим · id 819

البدور المضية في تراجم الحنفية

محمد حفظ الرحمن الكملائي

Полный текст (8 975 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

ومن أهل "مصر": عمرو بن الحارث، ويزيد بن أبي حبيب، وحيوة بن شُريح التّجيبى، وغيرهم. ومن أهل"الشام": عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، وشعيب بن أبي حمزة الحمصي، ومكحول الفقيه، وغيرهم. ومن أهل "اليمن": طاوس، وعبد الله بن طاوس، وغيرهما. ومن أهل "اليمامة": يحيى بن أبي كثير، وغيره. ومن أهل "الكوفة": عامر بن شَراحيل الشعي، وسعيد بن جُبير الأسدي، وإبراهيم النخعي، وأبو إسحاق السَّبيعي، وحماد بن أبي سليمان، ومنصور بن المعتمر، ومغيرة بن مِقْسَم الضَّبِّي، والأعمش الأسدي، ومِسْعِر بن كِدام الهلالي، وأبو حنيفة النعمان بن ثابت التيمي، وسفيان بن سعيد الثوري، وداود بن نصير الطائى، وزفر بن الهذيل، وعافية بن يزيد القاضي، وغيرهم. ومن أهل "الجزيرة": ميمون بن مِهْران، وعمرو بن ميمون بن مهران، وخالد بن مَعْدان العابد، وغيرهم. ومن أهل "البصرة": أيوب بن أبي تميمة السَّخْتياني، وشعبة بن الحجّاج، وهشام بن حسان، وقتادة بن دعامة، وغيرهم. ومن أهل "واسط": العوّام بن حوشب، وأبو خالد يزيد بن عبد الرحمن الدَّالاني، وغيرهم. ومن أهل "خراسان": إبراهيم بن طَهْمان الفقيه العابد، وإبراهيم بن أدهم الزاهد من أهل "بلخ"، وشقيق بن إبراهيم الزاهد، والنضر بن محمد الشيباني، وغيرهم. رحمة الله عليهم أجمعين". انتهى. وقال شيخ الإسلام العلامة أبو العبَّاس تقي الدين أحمد بن عبد الحليم الشهير بابن تيمية الحنبلى في كتابه "منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة

стр. 352

والقدرية" (١): "قال أبو العباس بن عُقْدَة: حدّثنا جعفر بن محمد بن عمرو، حدّثنا سليمان بن عبّاد، سمعتُ بشَّار بن دراع، قال: لقي أبو حنيفة محمد بن النعمان، فقال: عمن رويتَ حديث رد الشمس؟ فقال: عن غير الذي رويتَ عنه: يا ساريةُ الجبلَ … قلتُ - القائل ابن تيمية -: وهذا يدلّ على أن أئمة أهل العلم لم يكونوا يصدقون بهذا الحديث، فإنه لم يروه إمام من أئمة المسليمن، وهذا أبو حنيفة أحد الأئمة المشاهير، وهو لا يتهم على عليّ، فإنه من أهل "الكوفة" دار الشيعة، وقد لقى من الشميعة، وسمع من فضائل على ما شاء الله، وهو يحبّه، ويتولاه، ومع هذا أنكر هذا الحديث على محمد بن النعمان، وأبو حنيفة أعلم وأفقه من الطحاوي وأمثاله. ولم يجبْه ابن النعمان بجواب صحيح، بل قال: عن غير من رويتَ عنه حديث: يا ساريةُ الجبلَ. فيقال له: هبْ إن ذلك كذب، فأيّ شيء في كذبه مما يدلّ على صدق هذا؟ فإن كان كذلك، فأبو حنيفة لا ينكر أن يكون لعمر وعلي وغيرهما كرامات، بل أنكر هذا الحديث للدلائل الكثيرة على كذبه، ومخالفته للشرع والعقل، وأنه لم يروه أحد من العُلماء المعروفين بالحديث من التابعين وتابعيهم، وهم الذين يروون عن الصحابة، بل لم يروه إلا كذّاب أو مجهول، لا يعلم عدله وضبطه، فكيف يقبل هذا من مثل هؤلاء، وسائر العُلماء المسلمين يودّون أن يكون مثل هذا صحيحا لما فيه من معجزات النبي ﷺ ، وفضيلة عليٍّ، على الذين يحبّونه ويتولّونه، ولكنّهم لا يستجيزون التصديق بالكَذِبِ، فردوه ديانةً. والله أعلم".

стр. 353

وقال في موضع آخر من الكتاب المذكور (١): " … أئمة أهل الحديث، والتفسير، والتصوّف، والفقه، مثل الأئمة الأربعة وأتباعهم". وقال أبو الفداء الحافظ ابن كثير الدمشقي رحمه الله تعالى في كتابه "البداية والنهاية" (٢): والطحاوى ﵀ وإن كان قد اشتبهَ عليه أمرُه - أي أمر حديث ردّ الشمس لعليّ - فقد رُوِي عن أبي حنيفة ﵀ إنكارُه والتهكّمُ بمن رواه، قال أبو العبَّاس بن عقدة: ثنا جعفر بن محمد بن عمير، ثنا سليمان بن عبّاد، سمعتُ بشّار بن دراع، قال: لقي أبو حنيفة محمد بن النعمان، فقال: عمن رويتَ حديثَ رد الشمس؟ فقال: عن غير الذي رويتَ عنه: يا ساريةُ الجبلَ. فهذا أبو حنيفة ﵀، وهو من الأئمة المعتبرين، وهو كوفي، لا يتهم على حبّ علي بن أبي طالب وتفضيله بما فضَّله الله به ورسوله، وهو مع هذا ينكر على راويه. وقول محمد بن النعمان له ليس بجواب، بل مجرّد معارضة بما لا يجدي، أي أنا رويتُ في فضل علي هذا الحديثَ، وهو إن كان مستغربا، فهو في الغرابة نظير ما رويتيه أنت في فضل عمر بن الخطَّاب في قوله: "يا ساريةُ الجبلَ". وهذا ليس بصحيح من محمد بن النعمان، فإن هذا ليس كهذا إسنادا ولا متنا، وأين مكاشفة إمام، قد شهد الشارع له بأنه محدث بأمر خير من رد الشمس طالعة بعد مغيبها، الذي هو أكبر علامات الساعة؟ ".

стр. 354

وقال الحافظ ابن حجر في "لسان الميزان" (١): "محمد بن علي بن النعمان بن أبي طريفة البجلي الكوفي أبو جعفر الملقَّب "شيطان الطّاق" نسب إلى سوق في طاق المحامل بـ "الكوفة"، كان يجلس للصرف بها … ، ويقال: إن أول من لقبه "شيطان الطاق" أبو حنيفة مع مناظرةٍ جرتْ بحضرته بينه وبين بعض الحرورية … ، ووقعتْ له مناظرة مع أبي حنيفة في شئ يتعلق بفضائل عليٍّ، سُمِّي فيها محمد بن النعمان نسبة إلى جدّه، فقال أبو حنيفة كالمنكر عليه عن من رويت حديث رد الشمس لعلى؛ فقال: عمن رويتَ أنت عنه: (يا ساريةُ الجبلَ)؟. اهـ. وقال الشيخ الإمام الحافظ الحجّة شمس الدين أبو عبد الله محمد المعروف بابن قيّم الجوزية الحنبلي في كتابه "إعلام الموقّعين عن رب العالمين" (٢): وقد احتجَّ الأئمة الأربعة والفقهاء قاطبة بصحيفة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه، ولا يعرف في أئمة الفتوى إلا من احتاج إليها، واحتجَّ بها، وإنما طَعَنَ فيها من لم يَتَحَمَّل أعباءَ الفقه والفتوى، كأبى حاتم البُسْتِي، وابن حزْم، وغيرهما". اهـ. وقال أيضًا في موضع آخر منه (٣) ما نصه: "أما طريقة الصحابة والتابعين وأئمة الحديث، كالشافعى، والإمام أحمد، ومالك، وأبي حنيفة، وأبي يوسف، والبخاري، وإسحاق … ". اهـ. فهؤلاء الأئمة الجِلّةُ الأعلام، جهابذةُ النقد: أبو داود، والترمذي، والحاكم، والبيهقى، وابن عبد البر، وابن تيمية وابن القيّم، وابن كثير، قد أذعنوا أن الإمام أبا حنيفة من أئمة الحديث المعروفين، الذين يرجع إلى

стр. 355

أقوالهم في الجرح والتعدلِل والتصحيح والتعليل كسائرِ الحفَّاظ النقَّاد من أئمة المحدّثين. وقد اعترف جهابذةُ المحدثين والحُفّاظ من المتقدّمين والمتأخّرين ببراعته في الحديث، وضبطه، وإتقانه، وحفظه، وورعه في روايته. قال الحافظ أبو بكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد": (١) أخبرنا الجوهرى، أخبرنا محمد بن عمران المرزباني، حدّثنا عبد الواحد بن محمد الخصيبي، حدثني أبو مسلم الكجى إبراهيم بن عبد الله، قال: حدثني محمد بن سعيد أبو عبد الله الكاتب، قال: سمعتُ عبد الله بن داود الخريبي، يقول: يجب على أهل الإسلام أن يدعوا الله لأبي حنيفة في صلاتهم، قال: وذكر حفظه عليهم السنن والفقه". اهـ. قلتُ: والخريبي هذا من كبار الحفّاظ، ذكره الذهبي في "تذكرة الحفاظ" (٢)، وحلّاه "بالحافظ الإمام القدوة"، ونقل عن وكيع أنه قال: "النظر إلى وجه عبد الله بن داود عبادة". وذكر "أن الخرب قيل له: رجع أبو حنيفة عن مسائل كثيرة، قال: إنما يرجع الفقيه إذا اتَّسع علمه". اهـ. فهذا الإمام الحافظ القدوة يصف أبا حنيفة بسعة العلم، وحفظ السنن. وروى الخطيب أيضًا، قال: أخبرنا الخلَّال، أخبرني الحريري، أن النخَعي حدثهم: أخبرنا سليمان بن الربيع الخزَّاز، حدّثنا محمد بن حفص، عن الحسن بن سليمان أنه قال في تفسير الحديث: "لا تقوم الساعة حتى يظهر العلم"، قال: هو علم أبي حنيفة وتفسيره الآثار". اهـ.

стр. 356

قلتُ: والحسن بن سليمان هذا معدود في الحفّاظ، ترجم له الذهبي في "تذكرة الحفاظ" (١)، و "سير أعلام النبلاء" (٢)، وقال في "السير": قُبَّيْطَة الحافظ المتقن الإمام أبو علي الحسن بن سليمان البصري نزيل "مصر"، وصفه ابن يونس بالحفظ. اهـ. فهذا الحافظ الإمام يطري أبا حنيفة، ويثني على علمه وتفسيره الأحاديث والآثار. وقال الخطيب أيضًا في "تاريخ بغداد" (٣): أخبرنا الحسن بن أبي بكر، أخبرنا القاضي أبو نصر أحمد بن نصر بن محمد بن إشكاب البخاري، قال سمعتُ: محمد بن خلف بن رجاء، يقول: سمعتُ محمد بن سلمة، يقول: قال خلف بن أيوب: "صار العلم من الله تعالى إلى محمد ﷺ ، ثم صار إلى أصحابه، ثم صار إلى التابعين، ثم صار إلى أبي حنيفة وأصحابه، فمن شاء فليرض، ومن شاء فليسخط". اهـ. قلتُ: وقول خلف بن أيوب هذا يشبه ما قال ابن حزْم في حق محمد بن نصر المروزي، قال الذهبي في ترجمة ابن نصر المروزي من كتابه "سير أعلام النبلاء" ما نصه: قال أبو محمد بن حزْم في بعض تواليفه: أعلم الناس من كان أجمعهم للسنن، وأضبطهم لها، وأذكرهم لمعانيها، وأدراهم بصحتها، وبما أجمع الناس عليه مما اختلفوا فيه. قال: وما نعلم هذه الصفة بعد الصحابة أتمَّ منها في محمد بن نصر المروزى، فلو قال قائل: ليس لرسول الله ﷺ حديث ولا لأصحابه إلا وهو عند محمد بن نصر، لما أبعد عن الصدق.

стр. 357

قلتُ - القائل الذهبي -: هذه السعة والإحاطة ما ادَّعاها ابن حزْم لابن نصر إلا بعد إمعان النظر في جماعة تصانيف لابن نصر، ويمكن ادّعاء ذلك لمثل أحمد بن حنبل ونظرائه، والله أعلم". انتهى. قلت: وإذا ان ادّعاء ذلك صحيحا لمحمد بن نصر عند ابن حزم، ولأحمد ونظرائه عند الذهبي، فيكون ادّعاء ذلك صحيحا بالأولى للإمام الأعظم أبي حنيفة، فإنه أسبق المجتهدين المتبوعين، وأعلمهم وأفقههم وأقدمهم، رضي الله تعالى عنه وعن أصحابه، على ما شهد به شيخ أحمد وابن مَعين خلف بن أيوب هذا، ولم تكن شهادته بذلك لأبي حنيفة رحمه الله تعالى إلا بعد إمعان النظر في فقهه وإتقانه لمذهبه، وهذه شهادة صدق من إمام بارع تقي، كيف لا؟ والعلم برا وبحرا شرقا وغربا، بعدا وقربا تدوينه رضى الله تعالى عنه، كما قاله ابن النديم في كتابه "الفهرست" (١). وقال الجامع للعلوم النقلية والعقلية، والمتضلع من السنة النبوية، أحد كبار الأعلام، ومشاهير أولي الحفظ والأفهام، ملا على القاري شارح "المشكاة" في كتابه "مسند الأنام في شرح مسند الإمام" (٢) ما نصه: "إن حسن الظن بأبي حنيفة أنه أحاط بالأحاديث الشريفة من الصحيحة والضعيفة". اهـ (٣).

стр. 358

وخلف المذكور هذا قال فيه صدر الأئمة الموفَّق بن أحمدِ المكّي في "مناقب الإمام الأعظم" (١) ما لفظه: "خلف بن أيوب كان من "بلخ"، ما روى عن أبي حنيفة، ويروي عن أبي يوسف، وكان أزهد أهل زمانه وأعبدهم، قدم على عبد الله بن المبارك، فعانقه، وأكرمه، فلما قام من عنده قال: ما أشبه سيماه بسيما أهل الجنة، وكان يسمع من حمَّاد بن سلمة، فلما قام من عنده قال حمَّاد: ما أحسن سمت هذا الرجل وهديه، ما قدم علينا من "خراسان" خير منه، توفي سنة خمس ومائتين، فلما رفعت جنازته أقبل نوح بن أسد والي "بلخ" إلى جنازته، فوضعها على عاتقه، حتى بلغ المصلَّى، وصلى عليه نوح بن أسد، فلما سلَّم سمع صوتا في الهواء يا نوح بن أسد صليتَ على خير أهل الأرض، صليتَ على خلف بن أيوب، فزتَ". اهـ. وقال الحافظ الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (٢): "خلف بن أيوب الإمام المحدّث الفقيه، مفتى المشرق، أبو سعيد العامري البلخى الحنفي الزاهد، عالم أهل "بلخ". تفقّه على القاضي أبي يوسف، وسمع من ابن أبي ليلى، وعوف الأعرابي، ومعمر بن راشد، وطائفة، وصحب إبراهيم بن أدهم مدة، حدّث عنه يحيى بن مَعين، وأحمد بن حنبل، وأبو كُريب، وعلي بن سلمة اللبقي، وأهل بلده." اهـ. وسيأتيك في الفصول الآتية من ثناء أئمة المحدّثين القدامى والحفّاظ المتأخرين على الإمام أبي حنيفة في جودة حفظه وسعة علمه ما يصدّق قولَ خلف هذا، ويزيد، وبالله التوفيق.

стр. 359

ثناء الذهبي على أبي حنيفة إن من أصدق الكلمات التي قالها الإمام الذهبي رحمه الله تعالى - وهو من أهل الاستقراء التام في نقد الرجال - قوله في ترجمة العلامة الإمام فقيه "العراق" حمَّاد بن أبي سليمان رحمه الله تعالى: من كتابه "سير أعلام النبلاء" (١): "فأفقه أهل "الكوفة" علي وابن مسعود، وأفقه أصحابهما علقمة، وأفقه أصحابه إبراهيم - النخعي - وأفقه أصحاب إبراهيم حمَّاد، وأفقه أصحاب حمَّاد أبو حنيفة، وأفقه أصحابه أبو يوسف، وانتشر أصحاب أبي يوسف في الآفاق، وأفقههم محمد - بن الحسن -، وأفقه أصحاب محمد أبو عبد الله الشافعي، رحمهم الله تعالى". وقال أيضًا في "سير أعلام النبلاء" (٢)، في ترجمة الإمام أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه: "الإمام، فقيه الملة، عالم العراق، أبو حنيفة … ، وعُني بطلب الآثار، وارتحل في ذلك، وأما الفقه والتدقيق في الرأي وغوامضه، فإليه المنتهى، والناس عليه عيالٌ في ذلك". وقال أيضًا (٣): "الإمامة في الففه ودقائقه مسلَّمة إلى هذا الإمام، وهذا أمر لا شكَّ فيه. وليس يصح في الأذهان شئ … إذا احتاج النهار إلى دليل".

стр. 360

وقال في ترجمة الإمام مالك ﵀ (١) بعد أن نقل عن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى أنه قال: "العلم يدور على ثلاثة: مالك، والليث، وابن عيينة" ما نصه: "قلتُ: بل وعلى سبعة معهم، وهم: الأوزاعى، والثوري، ومعمر، وأبو حنيفة، وشبعة، والحمَّادان". وذكر في ترجمته أيضًا (٢)، عن الإمام أبي يوسف أنه قال: "ما رأيتُ أعلمَ من أبي حنيفة، ومالك، وابن أبي ليلى". ولما حكى في ترجمته (٣) الأسطورة التي تعزى إلى محمد والشافعي رحمهما الله تعالى في المقارنة بين علم مالك وأبي حنيفة رحمهما الله تعالى، ولفظها: "ابن عبد الحكم سمعتُ الشافعي يقول: قال لي محمد: أيهما أعلم صاحبنا أم صاحبكم؟ يعني أبا حنيفة ومالكا، قلتُ: على الإنصاف؟ قال: نعم، قلتُ: أنشدك بالله، من أعلم بالقرآن؟ قال: صاحبكم، قلتُ: من أعلم بالسنّة؟ قال: صاحبكم، قلتُ: فمن أعلم بأقاويل الصحابة والمتقدمين؟ قال: صاحبكم، قلتُ: فلم يبق إلا القياس، والقياس لا يكون إلا على هذه الأشياء، فمن لم يعرف الأصول، على أيّ شيء يقيس؟ ". عقَّب عليها قائلا: "قلتُ: وعلى الإنصاف، لو قال قائل: بل بها سواء في علم الكتاب، والأول أعلم بالقياس، والثاني أعلم بالسنّة، وعنده علم جم من أقوال كثير من

стр. 361

الصحابة، كما أن الأول أعلم بأقاويل على، وابن مسعود، وطائفة ممن كان بـ"الكوفة" من أصحاب رسول الله ﷺ ، فرضي الله عن الإمامين، فقد صرنا في وقت لا يقدر الشخص على النطق بالإنصاف، نسأل الله السلامة". وقال في ترجمة الإمام مالك أيضًا (١) ما نصّه: فالمقلَّدون صحابة رسول الله ﷺ ، بشرط ثبوت الإسناد إليهم، ثم أئمة التابعين، كعلقمة، ومسروق، وعبيدة السلماني، وسعيد بن المسيّب، وأبي الشعثاء، وسعيد بن جبير، وعبيد الله بن عبد الله، وعروة، والقاسم، والشعبي، والحسن، وابن سيرين، وإبراهيم النخَعي. ثم كالزهري، وأبي الزناد، وأيوب السختياني، وربيعة، وطبقتهم. ثم كأبي حنيفة، ومالك، والأوزاعى، وابن جُريج، ومعمر، وابن أبي عروبة، وسفيان الثوري، والحمَّادين، وشعبة، والليث، وابن الماجاشون، وابن أبي ذئب. ثم كابن المبارك، ومسلم الزنجي، والقاضى أبي يوسف، والهقل بن زياد، ووكيع، والوليد بن مسلم، وطبقتهم. ثم كالشافعى، وأبى عُبيد، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، والبويطى، وأبي بكر بن أبي شيبة. ثم كالمزني، وأبي بكر الأثرم، والبخاري، وداود بن علي، ومحمد بن نصر المروزي، وإبراهيم الحربي، وإسماعيل القاضي. ثم كمحمد بن جرير الطبري، وأبي بكر بن خُزيمة، وأبي عباس بن سُريج، وأبي بكر بن المنذر، وأبي جعفر الطحاوي، وأبي بكر الخلَّال.

стр. 362

ثم من بعد هذا النمط تناقص الاجتهاد، ووضعت المختصرات، وأخلد الفقهاء إلى التقليد، من غير نظر في الأعلم، بل بحسب الاتفاق، والتشهّي، والتعظيم، والعادة، والبلد. فلو أراد الطالب اليوم أن يتمذهب في المغرب لأبي حنيفة، لعسر عليه، كما لو أراد أن يتمذهب لابن حنبل بـ "بخارى"، و "سمرقند"، لصعب عليه، فلا يجيء منه حنبلى، ولا من المغربى حنفي، ولا من"الهند" مالكي". انتهى. وقال في ترجمة يحيى بن آدم (١)، بعد ما نقل عن محمود بن غيلان، قال: سمعتُ أبا أسامة يقول: كان عمر في زمانه رأسَ الناس، وهو جامع، وكان بعده ابن عباس في زمانه، وبعده الشعبي في زمانه، وكان بعده سفيان الثوري في زمانه، ثم كان بعد الثورى يحيى بن آدم". قال الذهبي بعد هذا: قلت: قد كان يحيى بن أدم من كبار أئمة الاجتهاد. وقد كان عمر كما قال في زمانه. ثم كان علي، وابن مسعود، ومعاذ، وأبو الدرداء. ثم كان بعدهم في زمانه زيد بن ثابت، وعائشة، وأبو موسى، وأبو هريرة. ثم كان ابن عبّاس، وابن عمر. ثم علقمة، ومسروق، وأبو إدريس، وابن المسيّب. ثم عروة، والشعبي، والحسن، وإبراهيم النخعى، ومجاهد، وطاوس، وعدة، ثم الزهرى، وعمر بن عبد العزيز، وقتادة، وأيوب. ثم الأعمش، وابن عون، وابن جُريج، وعُبيد الله بن عمر.

стр. 363

ثم الأوزاعى، وسفيان الثوري، ومعمر، وأبو حنيفة، وشعبة. ثم مالك، والليث، وحماد بن زيد، وابن عيينة. ثم ابن المبارك، ويحيى القطّان، ووكيع، وعبد الرحمن، وابن وهب. ثم يحيى بن آدم، وعفَّان، والشافعى وطائفة. ثم أحمد، وإسحاق وأبو عبيد، وعلي بن المديني، وابن مَعين، ثم أبو محمد الدارِمى، ومحمد بن إسماعيل البخاري، وآخرون من أئمة العلم والاجتهاد". وقال في ترجمة ابن حزْم (١)، بعد نقل قوله: أنا أتبع الحق، وأجتهد، ولا أتقيّد بمذهب، ما نصّه: "قلت: نعم، من بلغ رتبة الاجتهاد، وشهد له بذلك عدة (٤) من الأئمة، لم يسغ له أن يقلّد، كما أن الفقيه المبتدئ والعامى الذي يحفظ القرآن أو كثيرًا منه لا يسوغ له الاجتهاد أبدًا، فكيف يجتهد، وما الذي يقول؟ وعلام يبني؟ وكيف يطير ولما يريش؟ والقسم الثالث: الفقيه المنتهى اليقظ الفهم المحدّث، الذي قد حفظ مختصرا في الفروع، وكتابا في قواعد الأصول، وقرأ النحو، وشارك في الفضائل مع حفظه لكتاب الله وتشاغله بتفسيره وقوة مناظرته. فهذه رتبة من بلغ الاجتهاد المقيّد، وتأهّل للنظر في دلائل الأئمة، فمتى وضح له الحق في مسئلة، وثبت فيها النصّ، وعمل بها أحد الأئمة الأعلام كأبي حنيفة مثلا، أو كمالك، أو الثوري، أو الأوزاعي، أو الشافعي، وأبي عبيد، وأحمد، وإسحاق، فليتبع فيها الحق، ولا يسلك الرُّخَص، وليتورّعْ، ولا يسعه فيها بعد قيام الحجّة عليه تقليد".

стр. 364

وقد سرد الإمام الحافظ الذهبي في ترجمة أبي حنيفة رحمه الله تعالى (١)، الأسطورة التي رواها الخطيب البغداي في "تاريخه"، عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة، في ابتداء طلبه العلم، واختياره الفقه من بين سائر العلوم، وحكم عليها بالوضع والاختلاق، فأفاد وأجاد، قال رحمه الله تعالى: "أخبرنا ابن علَّان كتابة، أنبأنا الكندي، أنبأنا القزّاز، أنبأنا الخطيب، أنبأنا، الخلال، أنبأنا علي بن عمرو الحريري، حدّثنا علي بن محمد بن كاس النخعى، حدّثنا محمد بن محمود الصيدناني، حدّثنا محمد بن شُجَاع بن الثلجي، حدّثنا الحسن بن أبي مالك، عن أبي يوسف، قال: قال أبو حنيفة: لما أردتُ طلب العلم، جعلتُ أتخير العلوم، وأسأل عن عواقبها. فقيل: تعلم القرآن. فقلتُ: إذا حفظتُه فما يكون آخره؟ قالوا: تجلس في المسجد، فيقرأ عليك الصبيان والأحداث، ثم لا يلبثُ أن يخرج فيهم من هو أحفظ منك أو مساويك، متذهب رياستُك. قلت - القائل الذهبي -: من طلب العلم للرياسة قد يفكر في هذا، وإلا فقد ثبت قول المصطفى صلوات الله عليه "أفضلكم من تعلّم القرآن وعلَّمه"، يا سبحان الله! وهل محل أفضل من المسجد؟ وهل نشر العلم يقارب تعليم القرآن؟ كلا والله، وهل طلبة خير من الصبيان الذين لم يعملوا الذنوب؟ وأحسب هذه الحكاية موضوعة … ففي إسنادها من ليس بثقة. تتمة الحكاية: "قال: قلتُ: فإن سمعتُ الحديث وكتبتُه حتى لم يكن في الدنيا أحفظ مني؟ قالوا: إذا كبرتَ، وضعفتَ، حدثتَ، واجتمع عليك هؤلاء

стр. 365

الأحداث والصبيان. ثم لم تأمن أن تغلط، فيرموك بالكذب، فيصير عارا عليك في عقبك. فقلتُ: لا حاجة لي في هذا. قلتُ - القائل الذهبي -: الآن كما جزمتُ بأنها حكاية مختلقة، فإن الإمام أبا حنيفة طلب الحديثَ وأكثرَ منه في سنة مائة وبعدها، ولم يكن إذ ذاك يسمع الحديث الصبيانُ، هذا اصطلاح وجد بعد ثلاثمائة سنة، بل كان يطلبه كبارُ العُلماء، بل لم يكن للفقهاء علم بعد القرآن سواه، ولا كانت دوّنتْ كتب الفقه أصلا. ثم قال: قلتُ: أتعلم النحو. فقلت: إذا حفظتُ النحو والعربية، ما يكون آخر أمري؟ قالوا: تقعد معلّما، فأكثر رزقك ديناران إلى ثلاثة. قلتُ: وهذا لا عاقبة له. قلتُ: فإن نظرت في الشعر فلم يكن أحد أشعر مني؟ قالوا: تمدح هذا فيهب لك، أو يخلع عليك، وإن حرمك هجوتَه. قلتُ: لا حاجة فيه. قلت: فان نظرت في الكلام، ما يكون آخر أمره؟ قالوا: لا يسلم من نظر في الكلام من مشنَّعات الكلام، فيرمى بالزندقة، فيقتل، أو يسلم مذموما. قلتُ - القائل الذهبي -: قاتل الله من وضع هذه الخُرافةَ، وهل كان في ذلك الوقت وجد علم الكلام؟ قال: قلتُ: فإن تعلمتُ الفقهَ؟ قالوا: تسال، وتفتي الناس، وتطلب للقضاء، وإن كنت شابّا. قلتُ: ليس في العلوم شيء أنفعَ من هذا، فلزمتُ الفقه وتعلمتُه". وقال الحافظ الذهبي أيضًا في ترجمة الإمام سفيان الثوري من كتابه "تذكرة الحفَّاظ" (١) معلّقا على قوله رحمه الله تعالى:

стр. 366

"ليس طلب الحديث من عُدَّة الموتِ، لكنه عِلّة، يتشاغل بها الرجل"، ما نصّه: "قلت: صدق والله، إن طلب الحديث شيء غير الحديث، فطلب الحديث اسم عرفي الأمور زائدة على تحصيل ماهية الحديث، وكثير منها مراق إلى العلم، وأكثرها أمور يُشْغَفُ بها المحدّث، من تحصيل النسخ المليحة، وتطلُّب العالي، وتكثير الشيوخ، والفرخ بالألقاب، والثناء، وتمنّي العمر الطويل ليروي، وحبّ التفرَّد، إلى أمور عديدة لازمة للأغراض النفسانية، لا الأعمال الربَّانية. فإذا كان طلبك الحديث النبوي محفوفا بهذه الآفات، فمتى خلاصُك منها إلى الإخلاص؟! وإذا كان علم الآثار مدخولا، فما ظنّك بعلم المنطق والجدل وحكمة الأوائل التي تسلب الإيمان، وتورث الشكوكَ والحيرةَ؟ التي لم تكن والله من علم الصحابة ولا التابعين، ولا من علم الأوزاعي، والثوري، ومالك، وأبي حنيفة، وابن أبي ذئب، وشعبة. ولا والله عرفها ابن المبارك، ولا أبو يوسف القائل: من طلب الدين بالكلام تزندق، ولا وكيع، ولا ابن مهدي، ولا ابن وهب، ولا الشافعي، ولا عفَّان بن مُسلم - ولا أبو عبيد، ولا ابن المديني، وأحمد وأبو ثور، والمزني، والبخاري، والأثرم، ومسلم، والنسائي، وابن خزيمة، وابن سُريج، وابن المنذر، وأمثالهم، بل كانت علومهم القرآن، والحديث، والفقه، والنحو، وشبه ذلك. نعم، وقال سفيان أيضًا: فيما سمعه منه الفريابي: ما من عمل أفضل من طلب الحديث إذا صحت النية فيه". وقال في خاتمة الطبقة الخامسة (١)، التي ذكر فيها أبا حنيفة، ومالكا، والأوزاعي، وسفيان: "وفي زمان هذه الطبقة، كان الإسلام وأهله في عِزٍّ تامّ،

стр. 367

وعِلْمٍ غزير … وكان في هذا الوقت من الفقهاء، كأبي حنيفة، ومالك، والأوزاعي، الذين مرّوا". انتهى. قلت: فقد ثبت مما نقلناه من تصريحات الحافظ الذهبي أمور: ١ - كانت علوم أبي حنيفة ﵀ القرآن، والحديث، والفقه، والنحو، وشبه ذلك. ٢ - أن الإمام أبا حنيفة طلب الحديث وأكثر منه في سنة مائة وبعدها، بل لم يكن إذ ذاك للفقهاء علم بعد القرآن سواه، وقد عُنِي الإمام بطلب الآثار، وارتحل في ذلك. ٣ - وكان أعلم بأقاويل عليّ، وابن مسعود، وطائفة ممن كان بـ "الكوفة" من أصحاب رسول الله ﷺ . ٤ - وكان من الأئمة العَشَرة الذين يدور عليهم العلمُ في ذلك العصر. فهو قرين مالك، والأوزاعي، والثوري، والليث، وابن عُيينة، ومَعْمَر، وشعبة، والحمَّادين، في علم الكتاب والسنّة. ٥ - وكان من كبار أئمة الاجتهاد، وأحد الأئمة الأعلام، وإليه المنْتَهَى في الفقه، والناس عِيَالٌ عليه في ذلك. فهذا رأيُ مؤرّخ الإسلام الحافظ الناقد البصير شمس الدين الذهبي، الذي هو من أهل الاستقراء التام في نقد الرجال، في حق إمامنا الأعظم أبي حنيفة النعمان رضي الله تعالى عنه. ثناء ابن تيمية على أبي حنيفة ويقول شيخه ابن تيمية، الشيخ الإمام، العلامة، الحافظ، الناقد، الفقيه، المفسّر، شيخ الإسلام تقي الدين، أبو العبَّاس أحمد بن عبد الحليم

стр. 368

الحَرَّاني، البارع في الرجال، وعِلَل الحديث في كتابه "منهاج السنة النبوية في نقض قول الشيعة والقَدَرية" (١) ما نصّه: وهؤلاء أهل العلم، الذين يبحثون الليل والنهار عن العلم، وليس لهم غرض مع أحد، بل يرجّحون قول هذا الصحابي تارة، وقول هذا الصحابي تارة، بحسب ما يرونه من أدلة الشرع، كسعيد بن المسيّب، وفقهاء "المدينة" مثل عروة بن الزبير، والقاسم بن محمد، وعلي بن الحُسين، وأبي بكر بن عبد الرحمن، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وسليمان بن يَسَار، وخارجة بن زيد، وسالم بن عبد الله بن عمر، وغير هؤلاء، ومن بعدهم، كابن شهاب الزهري، ويحيى بن سعيد، وأبي الزناد، وربيعة، ومالك بن أنس، وابن أبي ذئب، وعبد العزيز الماجشون، وغيرهم. ومثل طاوس اليماني، ومجاهد، وعطاء، وسعيد بن جبير، وعبيد بن عمير، وعكرمة مولى ابن عباس، ومن بعدهم، مثل عمرو بن دينار، وابن جريج، وابن عيينة، وغيرهم من أهل "مكة". ومثل الحسن البصري، ومحمد بن سيرين، وجابر بن زيد أبي الشعثاء، ومطرّف بن عبد الله بن الشخّير، ثم أيوب السختياني، وعبد الله بن عون، وسليمان التيمي، وقتادة، وسعيد بن أبي عروبة، وحمَّاد بن سلمة، وحمَّاد بن زيد. وأمثالهم مثل علقمة، والأسود، وشُريح القاضي، وأمثالهم، ثم إبراهيم النخَعي، وعامر الشعبي، والحكم بن عُتيبة، ومنصور بن المعتمر، إلى سفيان الثوري، وأبي حنيفة، وابن أبي ليلى، وشريك، إلى وكيع بن الجرَّاح، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن، وأمثالهم.

стр. 369

ثم الشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبي عبيد القاسم بن سلام، والحُميدي عبد الله بن الزبير، وأبو ثور، ومحمد بن نصر المروزي، ومحمد بن جرير الطبري، وأبو بكر بن المنذر". انتهي. فقد عدّ الحافظ ابن تيمية أبا حنيفة، وصاحبه أبا يوسف، ومحمد بن الحسن في "أهل العلم الذين يبحثون الليل والنهار عن العلم، وليس لهم غرض مع أحد، بل يرجّحون قول هذا الصحابي تارة، وقول هذا الصحابي تارة، بحسب ما يرونه من أدلة الشرع"، وسرد أسماء قرنائهم. وصرح في موضع آخر من كتابه هذا أن "أبا حنيفة وأصحابه ممن له في الأمة لسان صدق من علمائها" (١). وقال في موضع آخر من "منهاج السنة" (٢)، ما نصه: "فقد جاء بعد أولئك في قرون الأمّة من يعرف كل أحد زَكاءهم وذكاءهم، مثل سعيد بن المسيّب، والحسن البصري، وعطاء بن أبي رَباح، وإبراهيم النخَعي، وعلقمة، والأسود، وعبيدة السلماني، وطاوس، ومجاهد، وسعيد بن جُبير، وأبي الشعثاء جابر بن زيد، وعلي بن زيد، وعلي بن الحُسين، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وعروة بن الزبير، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، ومطرف بن الشخير، ومحمد بن واسع، وحبيب العجمي، ومالك بن دينار، ومكحول، والحكم بن عُتيبة، ويزيد بن أبي حبيب، ومن لا يحصي عددَهم إلا الله. ثم بعدهم أيوب السختياني، وعبد الله بن عون، ويونس بن عبيد، وجعفر بن محمد، والزهري، وعمرو بن دينار، ويحيى بن سعيد الأنصاري،

стр. 370

وربيعة بن أبي عبد الرحمن، وأبو الزناد، ويحيى بن أبي كثير، وقتادة، ومنصور بن المعتمر، والأعمش، وحمّاد بن أبي سليمان، وهشام الدستوائي، وسعيد بن أبي عروبة. ومن بعد هؤلاء مثل مالك بن أنس، وحمّاد بن زيد، وحمّاد بن سلمة، والليث بن سعد، والأوزاعي، وأبي حنيفة، وابن أبي ليلى، وشريك، وابن أبي ذئب، وابن الماجشون. ومن بعدهم مثل يحيى بن سعيد القطّان، وعبد الرحمن بن مهدي، ووكيع بن الجرَّاح، وعبد الرحمن بن القاسم، وأشهب بن عبد العزيز، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبي عبيد، وأبي ثور، ومن لا يحصي عددَه إلا الله تعالى، ممن ليس لهم غرض في تقديم غير الفاضل، لا لأجل رياسة ولا مال، وممن هم من أعظم الناس نظرا في العلم، وكشفا لحقائقه". انتهى. وقال في موضع آخر من "منهاج السنة" (١): " … أئمة أهل الحديث، والتفسير، والتصوّف، والفقه، مثل الأئمة الأربعة وأتباعهم". وقال ﵀ أيضًا في موضع آخر من "منهاج السنَّة" (٢): " … أئمة الإسلام المعروفون بالإمامة في الدين، كمالك، والثوريّ والأوزاعيّ، والليث بن سعد، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاقَ، وأبي حنيفة، وأبي يوسف". وقال ﵀ أيضًا ما لفظه (٣):

стр. 371

" .. وهذا مذهب الأئمة المتبوعين مثل مالك بن أنس، والثوريّ، والليث بن سعد، والأوزاعي، وأبي حنيفة، والشافعيّ، وأحمد بن حنبل، وإسحاق، وداود، ومحمد بن خُزيمة، ومحمد بن نصر المروزي، وأبي بكر بن المنذر، ومحمد بن جرير الطبري، وأصحابهم". انتهى. فمن يقرأ تراجم هؤلاء العُلماء الأعلام، والأئمة البرَرة الكرام، في كتب الرجال والتواريخ، يذعن لجلالة شأنهم وإمامتهم. والحافظ ابن تيمية يعدُّ الإمام وصاحبيه في زُمرة هؤلاء الكبار، ويصفهم تارة "بالأئمة المتبوعين" وتارة: "بأئمة الإسلام المعروفين بالإمامة في الدين" ومرة "بأئمة أهل الحديث، والتفسير، والتصوّف، والفقه" ومرة يقول: "هم من أعظم الناس نظرا في العلم، وكشفا لحقائقه، ويعرف كل أحد زكَاءهم وذكاءهم" وأخرى يصفهم: "بأنهم الذين يبحثون الليل والنهار عن العلم". فمن يكون موصوفا بهذه الصفات العُليا، فلا تَسأْل عن إمامته في الحديث، وثقته في الرِّواية، وكثرة إتقانه وضبطه، وحفظه وبراعته، وتضلُّعه في علوم الكتاب والسنة، فهؤلاء الذين قد جاوَزوا القنطرة، ووصلوا ذِروَةَ الكمال في العلم، وكُتُب الرجال والطبقات مشحونة بذكر فضائلهم ومناقبهم، وسارت الرُّكْبان بمآثرهم ومعاليهم، وقد جعل الله لهم لسان صدق في الآخرين، وجرتْ على أقاويلهم الفتاوى، وتبعتْهم الأمة، فلا يُقْبل في هؤلاء قول كلِّ قائلٍ يَرْميهم بسوءٍ أو تقصيرٍ في العلم والرواية، والله يقول الحق، وهو يهدي السبيل.

стр. 372

أبو حنيفة من الأئمة الجِلّة الذين عرفت عدالتهم واشتهرتْ وهؤلاء الأئمة هم الذين يقول فيهم الشيخ الإمام القدوة المجتهد شيخ الإسلام أبو إسحاق الشيرازي الشافعي في كتابه "اللُّمَع في أصول الفقه" (١) في "باب القول في الجرح والتعديل" ما نصه: "وجملته أن الراوي لا يخلو إما أن يكون معلوم العدالة، أو معلوم الفسق، أو مجهول الحال، فإن كانت عدالته معلومة، كالصحابة ﵃، أو أفاضل التابعين، كالحسن، وعطاء، والشعبي، والنخعي، أو أجلاء الأئمة، كمالك، وسفيان، وأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، ومن يجري مجراهم: وجب قبول خبره، ولم يجب البحث عن عدالته". ا هـ. ويقول فيهم ابنُ الصلاح الإمام الحافظ المفتي شيخ الإسلام تقي الدين أبو عَمرو عثمان بن صلاح الدين عبد الرحمن الكُردي الشَّهْرَزُوري الشافعي، في كتابه المشهور (٢) "علوم الحديث": "فمن اشتهرت عدالته بين أهل النقل من أهل العلم، وشاع الثناء عليه بالثقة والأمانة، استُغْنِيَ فيه بذلك عن بينة شاهدة بعدالته تنصيصا. وهذا هو الصحيح في مذهب الشافعي، وعليه الاعتماد في فن أصول الفقه. ومن ذكر ذلك من أهل الحديث أبو بكر الخطيب الحافظ، ومثَّل ذلك مالك، وشعبة، والسفيانيين، والأوزاعي، والليث، وابن المبارك، ووكيع، وأحمد

стр. 373

بن حنبل، ويحيى بن مَعين، وعلي بن المديني، ومن جرى مَجْرَاهم في نباهة الذكر واستقامة الأمر، فلا يُسأل عن عدالة هؤلاء وأمثلاهم، وإنما يُسأل عن عدالة من خَفِي أمره، على الطالبين". وقال الإمام العلامة الأصولي الناقد المحدث محقق الحنفية الكمال بن الحمام في "تحرير الأصول": "عرف أن الشهرة معرِّف العدالة والضبط، كمالك، والسفيانين، والأوزاعي، والليث، وابن المبارك، وغيرهم، للقطع بأن الحاصل بها من الظن فوق التركية، وأنكر أحمد على من سأله عن إسحاق، وابن مَعين عن أبي عبيد، وقال: أبو عبيد يُسأل عن الناس". ا هـ (١). وقال الشيخ الإمام العالم الكبير العلامة عبد العلي بن نِظام الدين الأنصاري السِّهالوي اللَّكْنَوِي بَحْرُ العلوم مَلِكُ العُلماء: " (مسئلة: مُعرِّف العدالة) أمور منها: (الشهرة)، والتواتر، (كمالك) الإمام، و (الأوزاعي، و) عبد الله بن المبارك وغيرهم)، كالإمام الهُمام أبي حنيفة وصاحبيه وبواقي أصحابه، والإمام الشافعي، وأحمد بن حنبل، وسائر الأئمة الكرام قُدِّس سِرُّهم، (لأنها فوقَ التزكية) في إفادة العلم بالعدالة. (ولهذا) أي لأجل كونِ الشُّهرة فوق التزكية (انكَر أحمدُ) بن حنبل (على من سأله عن إسحاق بن راهويه: هو عدْلٌ أم لا؟ (و) أنكر يحبي (بن مَعين على من سأله عن أبي عبيد، فقال ابن مَعين: (أبو عُبيد يُسأل عن

стр. 374

الناس)، وأنت تسأل عنه! يعني أنه مشهور بالعدالة، حتى يُجْعَلِ مُزَكِّيًا، وأنت تسأله عنه" (١). وقال الإمام العلامة الحافظ الكبير محدث الديار المصرية وفقيهها أبو جعفر أحمد بن محمد الطحاوي الحنفي في "بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب فقهاء المِلَّة أبي حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي وأبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري وأبي عبد الله محمد بن الحسن الشيباني": "وعلماء السلف من السابقين ومن بعدهم من التابعين أهل الخبر والأثر، وأهل الفقه والنظر، لا يُذكَرون إلا بالجميل، ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل". وهذا هو السبب في عدم إيراد الذهبي الإمام الأعظم أبا حنيفة، والهُمام الأقدم الشافعي، والإمام البخاري في كتابه "المغني في الضعفاء" و"الميزان" (٢) فقد صرَّح في مقدمة "ميزان الاعتدال" بما نصه: "وكذا لا أذكر في كتابي من الأئمة المتبوعين أحدا، لجلالتهم في الإسلام وعظمتهم في النفوس، مثل أبي حنيفة، والشافعي، والبخاري". ا هـ.

стр. 375

كثرة أتباع أبي حنيفة واشتهار مذهبه في الآفاق ثم قد امتاز الإمام أبو حنيفة من بين هؤلاء الأئمة بكثرة أتباع واشتهار مذهبه في الآفاق، فقد تبعه شطر أهل البسيطة، بل ثلثاها، ومذهبه هو أول المذاهب تدوينا. قال الحافظ الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (١): اشتهر مذهب الأوزاعي مدةً، وتلاشَى أصحابه، وتفانَوْا، وكذلك مذهب سفيان وغيره ممن سمينا، ولم يبق اليوم إلا هذه المذاهب الأربعة، وقلَّ من ينهض بمعرفتها كما ينبغي، فضلًا عن أن يكون مجتهدا. وانقطع أتباع أبي ثور بعد الثلاثمائة، وأصحاب داود إلا القليل، وبقي مذهب ابن جرير إلى ما بعد الأربعمائة … ، ولا بأس بمذهب داود، وفيه أقوال حسنة، ومُتابعة للنصوص، مع أن جماعة من العُلماء لا يعتدّون بخلافه، وله شذوذ في مسائل شانت مذهبه". وقال في "تذكرة الحفاظ" (٢): "كان أهل الشام" ثم أهل "الأندلس" على مذهب الأوزاعي مدة من الدهر، ثم فَنِيَ العارفون به، وبقي منه ما يوجد في كتب الخلاف". وقال الإمام الرَّبَّاني سيدي عبد الوهَّاب الشَّعراني في كتاب الميزان (٣): "ومذهبه - أي أبي حنيفة - أول المذاهب تدوينا، وآخرها انقراضا، كما قاله بعض أهل الكشف، قد اختاره الله تعالى إماما لدينه وعباده، ولم يزل أتباعه في زيادة في كل عصر إلى يوم القيامة، لو بس أحدهم وضرب على أن يخرج

стр. 376

عن طريقه ما أجاب، فرضي الله عنه وعن أتباعه وعن كل من لزم الأدب معه ومع سائر الأئمة". وقال أيضًا رحمه الله تعالى في "الميزان (١): "إن الله تعالى لما مَنَّ عليَّ بالاطلاع على عينِ الشريعة، رأيت المذاهب كلَّها متصلة بها، ورأيت مذاهب الأئمة الأربعة بحري جداولها كلها، ورأيت جميع المذاهب التي اندرستْ، قد استحالتْ حِجارة، ورأيت أطوَل الأئمة جَدْولا الإمامَ أبا حنيفة، ويليه الإمام مالك، ويليه الإمام الشافعي، ويليه الإمام أحمد بن حنبل، وأقصرهم جدولا مذهبَ الإمام داود، وقد انقرض في القرن الخامس، فأولتُ ذلك بطول زمن العمل بمذاهبهم وقصره، فكما كان مذهب الإمام أبي حنيفة أولَ المذاهب المدوَّنة تدوينا، فكذلك يكون آخرها انقراضا، وبذلك قال أهل الكشف". كان أبو حنيفة حُجَّة ثَبْتًا أعلمَ أهل عصرهِ بالحديث، ومن صَيارِفَته وقال شمس الأئمة الإمام أبو بكر محمد بن أحمد بن أبي سهل السَّرَخسي رحمه الله تعالى: في "أصول الفقه" (٢): "كان الإمام أبو حنيفة أعلم - أهل - عصره بالحديث، ولكن لمراعاة شرط كمال الضبط قلَّت روايته". وقال الإمام علاء الدين أبو بكر بن مسعود الكَاساني رحمه الله تعالى: في "بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع" (٣): "إنه كان من صَيارفة الحديث، وكان

стр. 377

من مذهبه تقديم الخَبَر وإن كان في حد الآحاد على القياس، بعد أن كان راويه عَدْلا، ظاهرَ العدالة". وقال الإمام الكاساني أيضًا في كتابه المذكور (١): "وحديث صحَّحه أبو حنيفة لم يبق فيه لأحد مطعن". عِدَاد الإمام أبي حنيفة في الحُفَّاظ وقد أطبق الحُفاظ الجهابذة المحدثون الذين صنَّفوا في طبقات الحُفاظ على ذكر الإمام فيهم، فهذا الحافظ الذهبي، يُترجِم له في "تذكرة الحفاظ"، ويُثني عليه، وقد قال في مبدأ كتابه: "هذه تذكرةٌ بأسماء مُعَدَّلي حَمَلةِ العلم النَّبَوي، ومن يُرْجَعُ إلى اجتهادهم في التوثيق والتضعيف، والتصحيح والتزييف". وكتابه (تذكرة الحفاظ) مطبوع مُتداول، قد طبع مرارا. وتبعه الإمام المحدث الحافظ ذو الفنون شمس الدين محمد بن أحمد بن عبد الهادي المِقْدِسِي الحنبلي في كتابه "المختصر في طبقات علماء الحديث"، فأورده في كتابه، وترجم له، وأثنى عليه خيرا، والكتاب غير مطبوع إلى الآن (٢)، فأحب أن أذكر ما قاله برمَّته. قال رحمه الله تعالى: "ت، س" أبو حنيفة النعمان بن ثابت بن زوطي، التيمي مولاهم، الكوفي، الإمام، فقيه العراق، مولده سنة ثمانين، رأى أنس بن مالك غير مرة، لما قدم عليهم "الكوفة"، رواه ابن سعد عن سيف بن جابر، أنه سمع أبا حنيفة يقوله.

стр. 378

وحدَّث عن عطاء، ونافع، وعبد الرحمن بن هُرْمُزْ الأعرج، وعدي بن ثابت، وسلمة بن كُهَيْل، وأبي جعفر محمد بن علي، وقتادة، وعَمْرو بن دينار، وأبي إسحاق، وخَلْق. تفقه به زُفَر بن الهُذيل، وداود الطائي، وأبو يوسف، ومحمد، وأسد بن عمرو، والحسن بن زياد اللُّؤلؤي، ونوح الجامع، وأبو مطيع البلخي، وعِدَّة وكان قد تفقه بحماد بن أبي سليمان، وغيره. وحدث عنه وكيع، ويزيد بن هارون، وسعد بن الصَّلْت، وأبو عاصم، وعبد الرزَّاق، وعُبيد الله بن موسى، وأبو نُعَيم، وأبو عبد الرحمن المقري، وخلق. وكان إماما، وَرِعا، عالما، عاملا، متعبدا، كبير الشأن، لا يقبلُ جوائزَ السلطان، بل يتَّجر، ويكتسب. قال ضِرار بن صُرد: سُئِلَ يزيد بن هارون، أيهما أفقه، الثوري أو أبو حنيفة؟ فقال: أبو حنيفة أفقه، وسفيان أحفظ للحديث. وقال ابن المبارك: "أبو حنيفة أفقه الناس"، وقال الشافعي: "الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة"، وقال يزيد: "ما رأيت أحدا أورع ولا أعقل من أبي حنيفة"، وقال أبو داود: "﵀ أبا حنيفة كان إماما". وروي بِشْر بن الوليد، عن أبي يوسف قال: كنت أمشي مع أبي حنيفة، فقال رجل لآخر: هذا أبو حنيفة لا ينام الليل، فقال: والله لا يتحدَّث عني بما لا أفعل، فكان يُحْيي الليل صلاة، ودعاء وتضرّعا، ومناقبه وفضائله كثيرة. وكان موته في رجب سنة خمسين ومائة. رحمه الله تعالى". انتهى. وقال في مبدأ كتابه: "وبعدُ، فهذا كتابٌ مختصر، يشتمل على جُملة من الحفاظ، من أصحاب النبي ﷺ والتابعين، ومَنْ بَعدهم، لا يَسَع من يشتغل بعلم الحديث الجهل بهم".

стр. 379

ومع كون الكتاب مختصرا، ذكر الإمام فيه، وهذا يدلّ على كون الإمام من الحفاظ المعدودين الذين ينبغي الاعتناءُ بتراجمهم. ثم ذكره في الحُفاظ الإمام العلامة الحافظ مؤرّخ الديار الشامية وحافظها، شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر الشهير بابن ناصر الدين الشافعي رحمه الله تعالى، في كتابيه: "بديعة البيان عن موت الأعيان" منظومة، وشرحها "التِّبيان لبديعة البيان"، وهي طبقات الحُفاظ نظما نثرا، وقد رأيت منها نسخة مخطوطة في مكتبة شيخ الإسلام عارف حكمت، بـ "المدينة المنورة"، حين سافرتُ للحج في عام ١٣٨٧ هـ، ضِمنَ كتب التواريخ رقم (٤٨) جاء فيها ما نصه: بعدهما فتى جريج الداني … مثل أبي حنيفة النعمان أي بعد وفاة الحجَّاج، والزُّبيدي بعام (١)، وفاة ابن جريج، وأبي حنيفة الإمام. فالأول عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، أبو الوليد، وقيل: أبو خالد الأموي مولاهم المكي … والثاني النعمان بن ثابت بن زوطَى التيمي مولاهم، الكوفي، وقيل: هو من أبناء فارس، قال إسماعيل بن حمَّاد بن أبي حنيفة فيما روي عنه: أنا إسماعيل بن حمَّاد بن النعمان بن ثابت بن النعمان بن المرزبان، من أبناء فارس الأحرار، والله ما وقع علينا رِقٌّ قط. انتهى.

стр. 380

رأى الإمام أنسَ بن مالك غير مرة، لما قدم عليهم "الكوفة"، فيما رواه سيف بن جابر سماعا من أبي حنيفة، وحدَّث عن عطاء، ونافع، وعمرو بن دينار، والأعرج، وقتادة، وخَلْقٍ من الأخبار. وكان أحد أئمة الأمصار، فقيهَ العراق، متعبدا، كبير الشأن، وكان يتجر، ولا يقبلُ جوائز السلطان. وهو أحد من كان يختم في ركعة القرآن، ومكث أربعين سنة يصلي الصبح بوضوء العتمة، وفضائله كثيرة معروفة. قال الشافعي: "الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة". انتهى. وذكره أيضًا الإمام المحدث جمال الدين يوسف بن حسن بن أحمد بن عبد الهادي الصالحي الحنبلي الشهير بابن المبْرَدِ (بكسر الميم وسكون الموحّدة، وفتح الراء الخفيفة) في كتابه "طبقات الحفاظ" وقد نقل عنه الشيخ العلامة المحدث عبد اللطيف بن المخدوم العلامة محمد هاشم السِّندي، في كتابه "ذَبّ ذُباباتِ الدِّراسات، عن المذاهب الأربعة المتناسبات" (١). ثم ذكره بعدهم خاتمةُ الحفاظ الإمام جلال الدين السيوطي في كتابه "طبقات الحفاظ"، وقد ذكرت ما قاله الحافظ السيوطي في ترجمة الإمام أبي حنيفة في "التعليقات على ذب ذُبابات الدراسات، عن المذاهب الأربعة المتناسبات" فليراجع، وقد طبع كتابُ "طبقات الحفاظ" للسيوطي في "أوروبا" و"بيروت". وقال في مبدأ كتابه: "أما بعدُ، فهذا كتاب "طبقات الحفاظ ومُعَدَّلي حَمَلَةِ العلم النبوي، ومَنْ يُرْجَعُ إلى اجتهادهم في التوثيق، والتجريح، والتضعيف

стр. 381

والتصحيح، لخصتُها من طبقات إمام الحفَّاظ أبي عبد الله الذهبي، وذيلتُ عليه مَنْ جاء بعده". ثم ذكره من بعده الشيخ العلامة المحدث محمد بن رُسْتُم بن قُبَاد الحارثي البَدَخْشي، أحدُ البارعين في علم الحديث والرجال، في كتابه (تراجم الحفاظ)، وهو مجلّد ضخم في تراجم الحفاظ، استخرجها من (كتاب الأنساب) للإمام الحافظ السمعاني، مع اختصار في بعض التَّراجم وزيادة مفيدة في أكثرها، فرغ من تصنيفه يوم الخميس لتسع خَلَوْنَ من ربيع الأول سنة ست وأربعين ومائة وألف بمدينة "دِهْلِي" عاصمة "الهند"، فقال ما نصه: "النعمان بن ثابت الكوفي أبو حنيفة الإمام الأعظم، أحد الأئمة الأربعة المتبوعين، ذكره في نسبة "الخَزَّاز"، وقال: بفتح الخاء المعجمة، وتشديد الزاء الأولى، اشتهر بهذه الصنعة والحِرفة جماعة من أهل العِراقين، من أئمة الدين وعلماء المسلمين: فأما من أهل "الكوفة"، فأبو حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي، مع تبحّره في العلم وغَوْصه على دقائق المعاني وخفيها، كان يبيع الخزَّ، ويأكل منه طلبا للحلال، وقيل: كان ذلك في ابتداء أمره. وشُهرته تُغني عن الإطناب في ذكره. ولد سنة سبعين، وتوفي سنة خمسين ومائة، انتهى كلامه في الخزاز. ثم أعاد ذكره في "الرائي"، وقد مرَّ تحقيقه في ترجمة ربيعة بن أبي عبد الرحمن (١) فقال:

стр. 382

وأبو حنيفة النعمان بن ثابت بن النعمان بن المرْزُبان التَّيمي الكوفي، صاحب الرأي، وإمام أصحاب الرأي، وفقيه أهل العراق. رأى أنسَ بن مالك ﵁. وسمع عطاءَ بن أبي رباح، وأبا إسحاق السَّبِيْعي، ومُحارِبَ بن دِثار، وحمّاد بن أبي سليمان، والهيثَمَ بن حبيب، وقَيْسَ بن مُسْلِم، ومحمد بن المنكدر، ونافعا مولى ابنِ عمر ﵄، وهشامَ بن عروة، وسِمَاكَ بن حرب. رَوَى عنه هُشَيْمُ بن بَشِيْر، وعبَّاد بن العَوَّام، وعبد الله بن المبارك، ووكيع بن الجرَّاح، ويزيد بن هارون، وأبو يوسف القاضي، ومحمد بن الحسن الشيباني، وعمرو بن محمد العَنْقَزي، وهَوْذَةُ بن خَلِيفة، وأبو عبد الرحمن المقْرِيء، وعبد الرزَّاق بن هَمَّام، وغيرهم. وهو كوفي تَيميّ من رهط حمزة بن حبيب الزيَّات، وُلِدَ بـ "الكوفة"، ونقله أبو جعفر المنصور إلى "بغداد"، فسكنها إلى حين وفاته. قيل: إن أباه ثابت بن النعمان بن المرزبان من أبناء فارس الأحرار، ذهب إلى علي بن أبي طالب ﵁ وهو صغير، فدعا له بالبركة فيه وفي ذريته. وقيل: إن جدّه النعمان بن المرزبان هو الذي أهدى لعلي بن أبي طالب ﵁ الفالوذج في يوم النَّيْروز، فقال: نَوْرِزونا كل يوم، وفي رواية كان في يوم المهرجان، فقال: مَهْرجونا كل يوم. وكلمه ابن هُبيرة على أن يلي القضاءَ، فأبى، فضربه مائة سوطٍ وعشرة أسواط، كل يوم عشرة أسواط، فصبر، وامتنع، فلما رأى ذلك خلَّى سبيله.

стр. 383

واشتغل بطلب العلم، وبالغ فيه، حتى حصل له ما لم يحصل لغيره. ودخل يومًا على المنصور، فكان عنده عيسى بن موسى، فقال للمنصور: هذا عالم الدنيا اليوم. ورأى أبو حنيفة في المنام أنه يَنْبِش قبر رسول الله ﷺ ، فقيل لمحمد بن سيرين، فقال: صاحب هذه الرؤيا رجل يثوِّر عِلْمًا - أي يستخرج علما - لم يسبقه إليه أحد قبله. وكان مسعر بن كِدام يقول: ما أحسُد أحدا بـ "الكوفة" إلا رجلين: أبو حنيفة في فقهه، والحسن بن صالح في زهده، وقال مِسْعر أيضًا: من جعل أبا حنيفة بينه وبين الله رجوتُ أن لا يخاف، ولا يكونَ فرَّط في الاحتياط لنفسه. وقال الفضيل بن عياض: كان أبو حنيفة رجلًا فقيها معروفا، بالفقه، مشهورا بالورع، واسع المال، معروفا بالإفضال على كل من يُطيف به، صبورا على تعليم العلم بالليل والنهار، حسَنَ الدين، كثير الصمت، قليلَ الكلام حتى تَرِدَ مسئلة في حرامٍ أو حلال، وكان يحسن يدلّ على الحق، هاربا من مال السلطان، وإذا وردتْ عليه مسئلة فيها حديث صحيح اتبعه، وإن كان عن الصحابة والتابعين، وإلا قاسَ، فأحسن القياس. وكانت ولادته سنة ثمانين، ومات في رجب سنة خمسين ومائة، ودُفن بمقبرة الخَيْزُران بباب الطاق، وصُلِّيَ عليه ستَّ مرات من كثرة الزحام، آخرهم صلى عليه ابنه حمَّاد، وغسَّله الحسن بن غمارة، ورجلٌ آخر. قلتُ: وزرت قبره غير مرة. انتهى. قلت: ذكره الذهبي وابن ناصر الدين في "طبقات الحفَّاظ". انتهى ما ذكره البدخشي.

стр. 384

ورأيت من هذا الكتاب نسخة خطية في خزانة الكتب بدار العلوم الندوة العُلماء لكنو بـ "الهند". وقد عقد الشيخ العلامة الثقة المطَّلع، والحافظ المتَّبع، الشيخ الإمام، شمس الدين محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي الشافعي، مؤلّف "السيرة الشامية"، في كتابه "عقود الجُمان في مناقب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان" (١)، "الباب الثالث والعشرين" في "بيان كثرة حديثه، وكونه من أعيان الحفَّاظ من المحدّثين" قال فيه رحمه الله تعالى: "إعلم رحمك الله تعالى أن الإمام أبا حنيفة رحمه الله تعالى، من كبار حُفاظ الحديث، وذكره الحافظ الناقد أبو عبد الله الذهبي في كتابه "المُمْتِع" و"طبقات الحُفَّاظ المحدثين" منهم، ولقد أصاب وأجاد، لولا كثرة اعتنائه بالحديث ما تهيأ له استنباط مسائل الفقه، فإنه أول من استنبطه من الأدلة". انتهى. وقال العلامة المحدث إسماعيل العجلُوني بن محمد جَرَّاح الشافعي في رسالته المسماة: "عِقد الجوهر الثمين في أربعين حديثًا من أحاديث سيد المرسلين"، وهي ثَبَتُه المعروف "بالرسالة العَجْلُوْنِية" (٢): "وزدتُّ على ما فيها مُسْنَدَ الإمام أبي حنيفة النعمان، تنويها بأنه من أهل هذا الشأن". ثم علق على قوله: "الإمام أبي حنيفة النعمان" بالحاشية ما نصه (٣): "هو إمام الأئمة، هادي الأمة، أبو حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي، ووُلد سنة ثمانين، وتوفاه الله تعالى سنة مائة وخمسين من الهجرة.

стр. 385

أحد من عُدَّ من التابعين، إمام المجتهدين بلا نزاع، أول من فتح باب الاجتهاد بالإجماع، لا يشك من وقف على فقهه، وفروعه، في سعة علومه، وجلالة قدره، وأنه كان أعلم الناس بالكتاب والسنة، لأن الشريعة إنما تؤخذ من الكتاب والسنّة، ومن كان قليل البضاعة من الحديث فيتعين عليه طلبه وتحمله، والجِدُّ والتشمير في ذلك، ليأخذ الدين من أصولٍ صحيحة، ويتلقَّى الأحكام عن صاحبها المبلغ لها. وقد أجمع الناقلون عنه من أهل الأصول وأهل الحديث أنه يقدم الحديث الصحيح على القياس المعتبر، نعم لم يكن هو ﵁ من المكثرين كسائر الأئمة، وليس من شروط الإمامة والاجتهاد الإكثار في الرِّواية، لأن الاجتهاد إنما يتوقف على حفظ السنن، وتحملها، لا على أداءها وتبليغها. فالصِّدِّيق ﵁ إمام الصحابة، وأفقههم، وأحفظهم، لا يشك فيه مسلم: لم يكثر، وإنما رَوَى أحاديث معدودة، وإمامُ المحدثين بالإجماع إمام الأئمة وإمام دار الهجرة مالك ﵁، لم يصحَّ عنده إلا ما في (كتاب الموطأ) (١)، فهل يقول قائل فيه شيئًا. ونحن لا ننكر أن في السنن سُننًا لم تبلغ الإمام أبا حنيفة، أو بلغتْه ولم تثبتْ عنده صحتُها، لكن هذا أمر لا يمسّ شأنَ المجتهد، وقد كان عُمر ﵁، يرى رأيا ثم تبلغه السنة، فيرجع، مع أنه ثبت عند أهل العلم بالأثر أن عمر أفقه الصحابة - بعد أبي بكر -. ثم الطاعنون فيه كانوا يقرذون بإمامته وتقدمه من حيث لا يدرون. كانوا يَرمونه بالرأي، وليس الرأي في سلفنا إلا قُوَّةُ الاطّلاع على معاني النصوص

стр. 386

الشرعية، وعلى الحكم المعتبرة من عند الشارع في شرعه الأحكام، ولن يَتِمَّ اجتهاد، بل ولا عِلْمٌ إلا بالحفظ، وفقهِ معاني المحفوظ. فهو ﵁، حافظ، حُجَّةٌ، فقيه، لم يُكْثر في الرِّواية، لما شَدَّد في شروط الرِّواية، والتحمل، وشروط القبول". انتهى. فثبت أن الإمام أبا حنيفة ﵁ أحدُ أئمة الأمصار، الذين هم من أهل هذا الشأن، ومن أعيان حُفَّاظ الحديث، الذين لا يسع من يشتغل بعلم الحديث الجهل بهم، ومن كبار مُعَدَّلِي حَمَلَة العلم النبوي، وممن يُرجع إلى اجتهادهم في التوثيق والتجريح، والتضعيف والتصحيح، ومن أعلم الناس بالكتاب والسنَّة. أبو حنيفة من أئمة الجَرح والتعديل قال الحافظ العلامة أبو العبَّاس تقيُّ الدين أحمد بن عبد الحليم المعروف بابن تيمية رحمه الله تعالى في "تلخيص كتاب الاستغاثة" المعروف بالرد على البكري (١): "وكلام يحيى بن مَعين، والبخاري، ومسلم، وأبي حاتم، وأبي زُرْعة، والنسائي، وأبي أحمد بن عَدِيّ، والدارقطني، وأمثالهم، في الرجال، وصحيح الحديث، وضعيفه، هو مثل كلام مالك، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأمثالهم في الأحكام، ومعرفة الحلال والحرام، وفي الأئمة من هو إمام مع هؤلاء وهؤلاء، مشارك للطائفتين، وإن كان بأحد الصِّنفين أجْدَرُ. وأكثر أئمة الحديث والفقه كمالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق بن راهويه، وأبي عُبيد، وكذلك الأوزاعي، والثوري، والليث، هولاء، وكذلك لأبي يوسف صاحب أبي حنيفة، ولأبي حنيفة، أيضًا ما له من ذلك، ولكن لبعضهم في الإمامة في الصنفين ما ليس للآخر، وفي بعضهم من صِنف المعرفة

стр. 387

بأحد الصِّنفين ما ليس في الآخرَ، فرضي الله عن جميع أهل العلم والإيمان". انتهى. وقال إمام الحفاظ، الجِهْبِذُ الناقد، شمس الدين الذهبي، في كتابه "ذكر من يُعتمدُ قوله في الجرح والتعديل" (١) "فأول مَن زَكّى وجرَّح عند انقراض عصر الصحابة: ١ - الشعبي. ٢ - وابن سيرين، ونحوهما، حُفظ عنهم توثيق أناس وتضعيف آخرين. وسبب قِلّة الضعفاء في ذلك الزمان: قِلَّة متبوعهم من الضعفاء، إذ أكثر المتبوعين صحابة عدول، وغير الصحابة من المتبوعين أكثرهم ثقات، يَعون ما يرون، وهم كبار التابعين، فيوجد فيهم الواحد بعد الواحد فيه مقال، كالحارث الأعور، وعاصم بن ضَمْرَة، ونحوها. نعم فيهم عِدَّة من رؤوس أهل البدع، من الخوارج، والشِّيعة، والقَدَرية، نسأل الله العافية، كعبد الرحمن بن مُلْجَم، والمختار بن أبي عُبيد الكذَّاب، ومَعْبَد الجُهني، ثم كان في المائة الثانية في أوائلها جماعة من الضعفاء من أوساط التابعين وصغارهم، ممن تُكِلّم فيهم من قبل حفظهم، أو لبدعة فيهم، كعطية العَوفي، وفَرْقَد السَّبَخِي، وجابر الجُعْفي، وأبي هارون العَبْدِي. فلما كان عند انقراض عامة التابعين في حدود الخمسين ومائة، تكلم طائفة من الجهابذة في التوثيق والتضعيف. ٣ - فقال أبو حنيفة: ما رأيت أكذب من جابر الجُعفي.

стр. 388

٤ - وضعَّف الأعمش جماعةً، ووثَّق آخرين. ٥ - وانتقد الرجال شعبة. ٦ - ومالك". وقال الحافظ أبو الخير محمد بن عبد الرحمن السَّخاوي صاحب الحافظ ابن حجر العسقلاني (١): "وتكلم في الرجال، كما قاله الذهبي جماعة من الصحابة، ثم من التابعين كالشعبي، وابن سيرين، ولكنه في التابعين بقلة، لقلة الضعف في متبوعهم، إذ أكثرهم صحابةٌ عُدول، وغير الصحابة من المتبوعين أكثرهم ثقات، ولا يكاد يوجد في القرن الأول الذي انقرض، في الصحابة وكبار التابعين ضعيف، إلا الواحد بعد الواحد، كالحارث الأعور، والمختار الكذَّاب. فلما مضى القرن الأول، ودخل الثاني، كان في أوائله من أوساط التابعين جماعة من الضعفاء، الذين ضُعِّفوا غالبا من قبل تحمّلهم، وضبطهم للحديث. فتراهم يرفعون الموقوف، ويرسلون كثيرًا، ولهم غلط، كأبي هارون العَبْدِي. فلما كان عند آخر عصر التابعين وهو حدود الخمسين ومائة، تكلَّم في التوثيق والتضعيف طائفة من الأئمة، فقال أبو حنيفة: ما رأيت أكذبَ من جابر الجُعفي، وضعَّف الأعمش جماعةً، ووثَّق آخرين، ونظر في الرجال شعبةُ، وكان متثبِّتًا، لا يكاد يَرْوي إلا عن ثقة، وكذلك مالك". انتهى. وقال الإمام العلامة الحافظ عبد القادر القرشي رحمه الله تعالى في "الجواهر المضية في طبقات الحنفية": (٢)

стр. 389

"اعلم أن الإمام أبا حنيفة قد قبل قوله في الجرح والتعديل، وتلقّاه عنه علماء هذا الفن، وعملوا به، كتلقّيهم عن الإمام أحمد، والبخاري، وابن مَعين، وابن المديني، وغيرهم من شيوخ الصنعة، وهذا يدلُّك على عظمة شأنه وسعة علمه وسيادته. فمن ذلك ما رواه الترمذي رحمه الله تعالى في "كتاب العلل" من "الجامع الكبير" حدّثنا محمود بن غيلان، عن يحيى الحمَّياني، سمعتُ أبا حنيفة يقول: "ما رأيتُ أكذب من جابر الجعفي، ولا أفضلَ من عطاء بن أبي رباح". ورَوَينا في "المدْخل لمعرفة دلائل النبوة" للبيهقي الحافظ، بسنده عن عبد الحميد الحِمَّاني، سمعت أبا سعد الصَّغاني، وقام إلى أبي حنيفة، فقال: يا أبا حنيفة، ما تقول: في الأخذ عن الثوري؟ قال: أكتب عنه، فإنه ثقة، ما خلا أحاديث أبي إسحاق عن الحارث، وحديث جابر الجعفي. وقال أبو حنيفة: "طَلْق بن حبيب كان يرى القَدَر". وقال أبو حنيفة: "زيد بن عيَّاش ضعيف". وقال سُويد بن سعيد، عن سفيان بن عيينة، قال: "أول من أقعدني للحديث أبو حنيفة، قدِمتُ "الكوفة"، فقال أبو حنيفة: "إن هذا أعلم الناس بحديث عمرو بن دينار، فاجتمعوا عليَّ، فحدثتهم". وقال يعقوب بن شيبة: "كلام رَقَبَةٍ بن مَصْقَلَة، الذي يحدثه سفيان بن عيينة، عن أبي حنيفة" قال يعقوب: "فعرفه ابن المديني، وقال: "لم أجدْه عندي". وقال أبو سليمان الجُوزَجاني: "سمعتُ حمَّاد بن زيد يقول: ما عرفنا كنية عمرو بن دينار إلا بأبي حنيفة، كنا في المسجد الحرام، وأبو حنيفة مع عمرو

стр. 390

بن دينار، فقلنا له: يا أبا حنيفة، كلّمْه يُحدّثنا، فقال: يا أبا محمد، حدِّثْهم، ولم يقلْ، يا عمرو". وقال أبو حنيفة: "لعن الله عمرو بن عبيد، فإنه فتح للناس بابًا إلى علم الكلام". وقال أبو حنيفة: "قاتَلَ الله جَهمَ بنَ صفوان، ومُقاتِلَ بن سليمان. هذا أَفْرط في النفي، وهذا أفرط في التشبيه". انتهى وجاء في "الجواهر المضية في طبقات الحنفية" للحافظ عبد القادر القرشي أيضًا (١): "قال الطحاوي: حدّثنا سليمان بن شعيب، حدّثنا أبي، قال: أملي علينا أبو يوسف، قال: قال أبو حنيفة: لا ينبغي للرجل أن يحدِّث من الحديث إلا بما حفظه من يوم سمعه إلى يوم يحدث به. قلت: سمعتُ شيخنا العلامة الحجّة زين الدين بن الكِناني، في درس الحديث بالقُبَّة المنصورية، وكان أحد سلاطين العُلماء، ينصر هذا القول، وسمعتُه يقول في هذا المجلس: لا يحلّ لي أن أروي إلا قوله ﵌: أنا النبي لا كذب، … أنا ابن عبد المطلب فإني حفظته من حين سمعته إلى الآن. قلت: ولكن أكثر الناس على خلاف ذلك، ولهذا قلّت روايةُ أبي حنيفة لهذه العلة، لا لعلة أخرى، زعمها المتحاملون عليه. وقال أبو عاصم: سمعتُ أبا حنيفة يقول: القراءة جائزة، يعني عرض الكتب. قال: سمعت ابن جريج يقول: هي جائزة، يعني عرض الكتب. قال: وسمعتُ مالك بن أنس وسفيان، وسألت أبا حنيفة عن الرجل يُقْرأ عليه الحديث يقول: أخبرنا أو كلاما هذا معناه، فقالوا: لا بأس.
следующие страницы →