ومما أنشده صاحب "المناقب" في مدح في الإمام، وذكر واقعته مع ابن هُبَيرة، قوله:
أرضيت نَفْسَك ضَارب النُّعمانِ … فكسبتَ جَهلًا سَخطةَ الرَّحمنِ
ما زلت تُنقُصُ لا تزيدُ بضَربهِ … يا بشَ ما قدَّمتَ للميزانِ
أضَربْت عابِدَ رَبّه في ليله … ونهارهِ يا عَابِدَ الشَّيْطَانِ
أعْطَيْتَه الدنيا ولكن رَدَّها … رَدَّ التقيِّ الخائف الرباني
حَرّ السَّياط قد ارتضى كي لا يرى … يَوم الجَزاءِ مَقامعَ النِّيرانِ
مَا ذَلَّ يا ابن هُبيرة بالضَّربِ مَنْ … مَلأ الفُؤادَ بعِزَّةِ الإيمَانِ
ولصاحب "المناقب" أيضًا في مدحه قوله:
غدا مذهبُ النعمان خير المذاهب … كما القَمرُ الوَضَّاحُ خيرُ الكواكب
تفقَّه في خيرِ القرونِ مع التُقَى … فمذهبهُ لا شَكَّ خيرُ المذاهبِ
ولا عيبَ فيه غيرَ أنَّ جميعَه … حَلا إذْ تخلى عن جميع المعايب
لأنَّ عِداهُ قد أقرُّوا بحُسْنِه … وإقرارُهم بالحسنِ ضربَةُ لازِب
وكان له صَحبٌ بُنودُ عُلومِهم … تُجلِّي عن الأحْكام سُجْفَ الغَياهِبِ
ثلاثةُ آلافٍ وألفٌ شيوخُه … وأصحابُه مثلُ النجوم الثَّواقِبِ
وله أيضًا يمدحه:
نُعمانُ فحل العلم يَعسُوبُ الهُدى … في خير قَرن قد أتى وقرَانِ
نُعْمَانُ كانَ سِراجَ أفضلِ أُمَّةٍ … لكنْ سِرَاجًا دائمَ اللَّمَعَانِ
الفِقْهُ في نادِيه مُجْتَمِعُ النَّوى … راسي القَواعدِ شامِخُ البُنيانِ
بحر موارده تراها عذبة … قذافة للدر والمرجان
وشقائِقُ النُّعْمَانِ في بَهَجاتِها … هَزأتْ بهنَّ دَقائِقُ النُّعمَانِ
كم قد رَمَوْهُ بمُعْضلاتٍ رَدَّهَا … بحَوابِ حَقٍّ سَاطعِ البُرْهَانِ
وعن سفيان بن عيينة، قال: قال مساور الورَّاق، وكان رجلًا صالحًا، في أبي حنيفة، وله فيه رأي:
стр. 317
إذا ما الناس يومًا قَايَسُونَا … بمُعْضِلةٍ منْ الفُتيَا لَطِيفَهْ
أَتيْنَاهُمْ بمِقْياسٍ صَحيحٍ … بَديعٍ مِن طِرَاز أبي حَنيفه
إذا سَمعَ الفقيهُ به وَعَاهُ … وأثبَتهُ بحِبْرٍ في صَحِيفهْ
وعن الحسن بن الربيع، قال: سمعتُ عبدَ الله بنَ المبارك، يقول:
رأيتُ أبا حنيفة كلَّ يَوْمٍ … يزِيدُ نَباهَةً ويَزيدُ خِيرًا
ويَنْطِقُ بالصَّواب ويصْطفِيهِ … إذا ما قال أهلُ الحقِّ حُورا
يُقايسُ مَن يُقايسُه بلُبٍّ … ومَن ذا تجعلُونَ له نَظيرًا
كَفانا فَقْدَ حَمَّاد وكانتْ … مُصِيبتُنا به أمْرًا كَبيرًا
رَأيتُ أبَا حنيفةَ حين يُؤتَى … ويُطلبُ عِلمهُ بَحْرًا غَزيرًا
إذا ما المشْكِلاتُ تدافعَتْها … رِجَالُ العِلم كانَ بهَا بَصيرًا
وقال بعضهم يرثيه بقصيدة، أظنّها لصاحب "المناقب"، منها:
لقَدْ طَلَعَ النُّعمانُ من أرْضِ كوفةٍ … كَغُرَّةِ صُبْح يَسْتفِيضُ انبلاجُهَا
هو المرتَضى في الدِّين والمقتدى به … وصَدرُ الورَى في الخافقيْنِ وتاجُها
إذا مرض الإسلامُ والدِّينُ مَرْضَةً … فمِن نُكَتِ النُّعمانِ يُلفى عِلاجُها
وإن كسَدتْ سُوقُ الهُدى وتوجعت … فمِن مذهب النُعمان أيضًا رواجُهَا
وَإنْ فُتِحتْ أبْوابُ جهْلٍ وبِدْعَةٍ … على الناسِ يَوْمًا كان منه رتَاجُها
وإن غُمَّة فمِنهُ انْجلاؤُهَا … وإن شِدةٌ ضاقت فمِنه انْفراجُها
سَقَاهُ إلهُ الخَلْق في الخُلْدِ شَرْبةً … بكأسٍ من الكافُور كان مِزاجُهَا
وقال عبد الله بن صهيب الكلبى: كان أبو حنيفة يتمثَّل كثيرًا بهذين البيتين، وهما:
عَطاء العَرْشِ خيرٌ من عطائِكمُ … وسَيْبُهُ واسِعٌ يُرْجَى ويُنتظَرُ
أنتم يُكدِّرُ مَا تُعْطُونَ مَنُّكُمُ .. والله يُعْطي فلا مَنٌّ ولا كَدَرُ
стр. 318
هذا، وما قيل في حق الإمام من المديح، وما رُثي به، وما مدح به، وما تمثل به هو، أو تمثل به الغير عند ذكره، فأمر لا يدخل كما قلنا تحت الحَصر، وفيما ذكرناه منه كفاية، والله تعالى أعلم.
الفصل السابع في بعض بعض المنامات التي رآها له الصالحون:
فمن ذلك ما روي عن الإمام الشافعي، أنه كان يقول: إني لأتبرك بأبى حنيفة رضى الله عنه، وأجيء إلى قبره كل يوم، كنت إذا عَرضت لي حاجة صليت ركعتين، وجئت إلى قبره، وسألت الله تعالى الحاجة، فما تبعد عنى حتى تُقضى.
وقال أبو يوسف: رأيتُ أبا حنيفة في المنام، وهو جالس على إيوان، وحوله أصحابه، فقال: إيتوني بقرطاس ودواة، فقمت من بينهم وأتيته بهما، فجعل يكتب، فقلت: ما تكتب؟ قال: أكتب أصحابي من أهل الجنَّة.
فقلت: أفلا تكتبني فيهم؟ قال: نعم.
فكتبني في آخرهم.
وعن أبي مُعاذ، قال: رأيتُ رسول الله ﷺ في المنام، فقلتُ: يا رسول الله، ما تقول في علم أبي حنيفة؟ فقال: ذلك علم يحتاج إليه الناس عند الحُكم.
وعن بعضهم، قال: كنتُ في حلقة مُقاتل بن سليمان، إمام أهل التفسير في زمانه، فقام إليه رجل، فقال: يا أبا الحسن، رأيتُ البارحةَ في المنام كان رجلًا من السماء.
قد نزل، ثيابه بيض، وقام على المنارة الفُلانية بـ "بغداد"، وهي أطول منارة بها، فنادى: ماذا فقد الناس!! فقال له مقاتل: لئن صدقت رؤياك ليفقدن أعلم الناس.
стр. 319
فأصبحنا، فإذا أبو حنيفة قد مات.
وعن ابن بسطام، أنه قال: صحبتُ أبا حنيفة اثنى عشرة سنة، فما رأيتُ أفقهَ منه، ورأيتُ ليلة كان القيامة قد قامتْ، وإذا أبو حنيفة ومعه لواء وهو واقف، فقلت له: ما بالك واقفًا؟ قال: أنتظر أصحابى، لأذهبَ معهم.
فوقفتُ معه، فرأيتُ جماعة عظيمة اجتمعتْ عليه، ثم مضى، ومعه اللواء، ونحن نتبعه.
فأتيتُه فذكرتُ ذلك له، فجعل يبكى، ويقول: اللهم اجعلْ عاقبتنا إلى خير.
وعن أزهر، أنه قال: كنت زاهدًا في علم أبي حنيفة، فرأيتُ النبي ﷺ ، وخلفه رجلان، فقيل لي: المتقدم هو النبي ﷺ ، واللذان خلفه أبو بكر وعمر ﵄.
فقلت لهما: أسأل النبي ﷺ عن شئٍ؟ فقالا لي: سَلْ، ولا ترفعْ صوتَك.
فسألتُه عن علم أبي حنيفة.
فقال: هذا علمٌ انتسخ من علم الحضرة.
وعن السري بن طلحة، قال: رأيتُ أبا حنيفة في النوم جالسًا في موضع، فقلتُ: ما يجلسك هنا؟ قال: جئتُ من عند ربّ العزّة ، وقد أنصفني من سفيان الثورى.
وعن مسدّد بن عبد الرحمن البصري، قال: نمتُ بين الركن والمقام، فإذا أنا بآتٍ قد دنا منى، فقال لي: أتنام في هذا المكان، وهو مكان لا يحجب فيه دعاء!.
فانتبهتُ من نومي، فقمتُ مبادرًا، أدعو الله للمسلمين والمؤمنين إلى أن غلبتْني عيناي، فإذا أنا بالنبي ﷺ ، فدنا مني، فقلتُ: يا رسول الله، ما تقول في هذا الرجل الذي بـ "الكوفة"، يُقال له: النعمان، أ آخذ
стр. 320
من علمه؟ فقال النبي ﷺ : خذ من علمه، واعملْ به، فنعم الرجل هو.
فقمتُ من نومي، فإذا مُنادي صلاة الغداة، ولقد كنت والله من أكره الناس للنعمان، وأنا أستغفر الله مما كان مني.
ويُحكى: أن أبا حنيفة رضى الله عنه رُئي في المنام على سرير في بستان، ومعه رق عظيم، يكتب جوائزَ قوم، فسُئلَ عن ذلك، فقال: إن الله قبل عملي ومذهبي، وشفعني في أصحابي، وأنا أكتبُ جوائزَهم.
ومنامات الصُلحاء والأولياء، التي رؤيتْ له في مثل ذلك كثيرة، وهذا اليسير منها كافٍ لمن بصره الله تعالى، ولم ينظرْ بعين الحمية، وقوة العصبية.
الفصل الثامن في ما يؤثر عنه من المحاسن، وحسن الاعتقاد
وهي وإن كان مَحلّها الفصول المتقدمة، فقد ذكرناها هُنا على حِدة، لما أنها وقعتْ إلينا بعد الانتهاء من الترتيب المتقدم، لأن النفس إلى مثل هذا أميل، وإلى مطالعته أرغب، فنقول، وبالله التوفيق:
روي عن علي بن مُسهر، أنه قال: خرج الأعمش إلى الحج، فشيعه أهل "الكوفة"، وأنا فيهم، فلما أتى "القادسية"، رأوه مَغمومًا، فقالوا له: ما لك؟.
قال: أعليٌّ بن مسهر شيعنا؟.
قالوا: نعم.
قال: ادعوه لي.
فدعوني، وقد كان عرفني بمجالسة أبي حنيفة، فقال: ارجع إلى المِصر، واسأل أبا حنيفة أن يكتب لنا المناسك.
فرجعتُ، فسألتُه، فأملى علي، ثم أتيتُ بها الأعمش.
стр. 321
وعن أبي مُعاوية، قيل للأعمش في علته: لولا أن أبا حنيفة يأتيك، لأتيناك مرتين في اليوم.
فلما جاءه أبو حنيفة، قال: إن الناس يستثقلونني لما أصنع بهم في الحديث، وقد زدتني أنت عندهم ثقلًا، قالوا لي: كيت وكيت.
فقال له: لولا العلم الذي يُجريه الله على لسانك ما رأيتني ولا أحدًا من أصحابي ببابك، وذلك أن فيك خِصالًا أنا لها كارهٌ، تتسحر عند طلوع الفجر، وتقول: هو الأول، وقد صح عندي أنه الثاني، وترى الماء، وتُفتي به، وتجامع أهلك، فإذا لم تنزل لم تغتسل أنت ولا هي، ولولا أنك تتأول من الحديث ما غاب عنك معانيه ما استحللت أن أكلّمك، ولكنّك تتأول شيئًا غيره، والله أولى بك.
فما تسحر الأعمش بعد ذلك إلا بالليل، ولا قرب أهله إلا اغتسل وأمرها بالغسل، وقال: صيام وصلاةٌ يكونان باختلاف، والله لا أفتيت بذلك أبدًا.
وعن عبد الصمد بن حسَّان، قال: كان سفيان الثوري يختلف إلى أبي حنيفة، فوقعتْ بينهما وحشة، فقعدَ عنه، ثم عادَ إليه، فجلس مُتقنعًا، فسئل أبو حنيفة عن مسئلة، فأسرع الجواب فيها، فقال له السائل: يا أبا حنيفة، ألا تنظر فيها؟ قال: إني أستيقن أنهما كما أجبتُ، كما أستيقن أن هذا سُفيان.
ثم أخذ أبو حنيفة بقناعه، فحركه ابن المبارك.
وقال عبد الصمد أيضًا: قلتُ لأبي عبد الله سفيان الثوري: ما تقول في الدعوة قبل الحرب؟ فقال: إن القوم قد علموا ما يُقاتلون عليه.
فقلت: إن أبا حنيفة يقول فيها: ما قد بَلغك.
فنكس رأسه، ثم رفعه، وأبصر يمينًا وشمالًا، فلم ير أحدًا، فقال: إن كان أبو حنيفة ليركب في العلم أحد من سنان الرمح، وكان، والله، شديد الأخذ
стр. 322
للعلم، ذابًا عن المحارم، مُتبعًا لأهل بلده، لا يستحيل أنا يأخذ إلا بما يصحُّ عنده من الآثار عن النبي ﷺ ، شديد المعرفة بناسخ الحديث ومنسوخه، وكان يطلب أحاديث الثقات، والأخير من فعل النبي ﷺ ؛ وما أدرك عليه عامة أهل "الكوفة"، حيث وجد الحق أخذ به، وجعله دينه، وقد شنَّع عديه قوم بما نستغفر الله منه، بل كان منا اللفظة بعد اللفظة.
قال: فقلتُ أرجو أن يغفر الله لك ذلك.
وعن قاسم بن آدم، قال: قلت للفضل بن موسى السيناني: ما تقول في هولاء الذين يقعون في أبي حنيفة.
قال: إن أبا حنيفة عليم كما يعقلونه، وبما لا يعقلونه من العلم، ولم يترك لهم شيئًا، فحسدوه.
وحدّث أبو سفيان الحميري، قال: قال ابن شبرمة: كنتُ شديد الإزراء على أبي حنيفة، فحضر الموسم، كنت حاجًا يومئذٍ، فاجتمع عليه قوم يسألون، فوقفتُ من حيث لا يعلم من أنا، فجاءه رجل، فقال،: يا أبا حنيفة، قصدتُك عن أمر قد أهمَّني، أو أعجزني.
قال: ما هو؟
قال: لي ولد ليس لي غيره، فإن زَوَّجْتُه طلَّق، وإن سَرَّيْتُه أعْتَقَ، وقد عجزتُ عن هذا، فهل من حيلة؟ فقال له للوقت: اشتر الجارية التي يرضاها لنفسه هو، ثم زوّجها منه، فإن طلّقها رجعتْ مملوكتك، وإن أعتق أعتق ما لَا يملك.
قال: فعلمتُ أن الرجل فقيه من يومئذ، فكففتُ عن ذكره إلا بخير.
وروي عن الليث بن سعد، أنه كان يقول: كنتُ أسمع بذكر أبي حنيفة، وأتمنى أن أراه، فكنتُ يومًا في المسجد الحرام، فرأيتُ حلقة عليها الناس منقضين، فأقبلتُ نحوَها، فرأيتُ رجلًا من أهل "خراسان" أتى أبا حنيفة،
стр. 323
فقال: أنا رجل من أهل "خُراسان"، كثير المال، وأن لي ابنًا ليس بالمحمود، وليس له ولد غيره، وذكر نحو ما تقدم.
قال الليث: فو الله ما أعجبَني قوله بأكثرَ مما أعجبَني سرعة جوابه.
وعن عثمان بن زائدة، قال: كنت عند أبي حنيفة، فقال له رجل: ما قولك في الشرب في قدح أو كأس في بعض جوانبه فضة؟ فقال: لا بأس به.
فقال عثمان: فقلتُ له: ما الحجّة في ذلك؟
فقال: إنما ورد النهي عن الشرب في إناء الفضَّة والذهب، فما كان غير الفضَّة والذهب فلا بأس بما كان فيه منهما.
ثم قال: يا عثمان، ما تقول في رجل مرَّ على نهر، وقد أصابَه عطش، وليس معه إناء، فاغترف الماء من النهر، فضربه بكفّه، وفي أصبعه خاتم؟ فقلتُ: لا بأسَ.
قال: فهذا كذلك.
قال عُثمان: فما رأيتُ أحضرَ جوابًا منه.
وعن زفر بن الهذيل، قال: اجتمع أبو حنيفة وابن أبي ليلى وجماعة من العلماء، في وليمة لقوم، فأتوهم بطيب في مدهن فضَّة، فأبوا أن يستعملوه لحال المدهن، فاخذه أبو حنيفة، وسَلَتَه بأصبعه، وجعله في كفّه، ثم تطيّب به، وقال لهم: ألم تعلموا أن أنس بن مالك أتى بخبيص في جام فضة، فقلبه على رغيف، ثم أكله.
فتعجَّبوا من فطنته وعقله.
وعن أبي الوليد الطيالسي، قال: قدم الضحّاك الشَّارِيُّ "الكوفة"، فقال لأبي حنيفة: تبْ.
فقال: ممَّ أتوب؟ فقال: من قولك بتجويز الحكمين.
فقال: أبو حنيفة: تقتلني أو تناظرني.
قال: بل أناظرك.
стр. 324
قال: فإن اختلفنا في شيء مما تناظرنا فيه، فمن بيني وبينك؟ قال: اجعل أنت من شئتَ.
فقال أبو حنيفة لرجل من أصحاب الضحَّاك: اقعدْ بيننا فيما نختلف فيه إن اختلفنا.
ثم قال الضحًاك: أترضى بهذا بيني وبينك؟.
قال: نعم.
فقال أبو حنيفة: فأنتَ قد جوَّزت التحكيم.
فانقطع الضحَّاك.
وعن أبي يوسف، قال: بعث ابن هُبَيرة إلى أبي حنيفة، وعنده ابن شبرمة، وابن أبي ليلى، فسألهم عن كتاب صُلح الخوارج، وكانت بقيتْ بقية من الخوارج، من أصحاب الضحّاك الخارجي، فقالت الخوارج: نريد أن نكتب لنا صُلحًا، على أن لا نؤخذ بشئٍ أصبناه في الفتنة، ولا قبلها، لا الأموال، ولا الدماء.
فقال ابن شبرمة: لا يجوزُ لهم الصلحُ على ذلك، على هذا الوجه، لأنهم يُؤخَذُون بهذه الأموال والدماء.
وقال ابن أبي ليلى: الصلح لهم جائز في كل شيءٍ.
قال أبو حنيفة: فقال لي ابن هبيرة: ما تقول أنت؟ فقلت: أخطأ جميعًا.
فقال ابن هُبَيرة: أفحشت، فقل أنت.
فقلت: القول في هذا، إن كان مال ودم أصابوه من قبل إظهار الفتنة، فإن ذلك يؤخذ منهم، ولا يجوز لهم الصلح عليه، وأما كل شئ أصابوه من مال ودم في الفتنة، فالصلح عليه جائز، فلا يؤخذون به.
فقال ابن هبيرة: أصبتَ، وقلتَ: الصواب، هذا هو القول.
وقال: يا غلام، اكتب ما قال أبو حنيفة.
стр. 325
وعن علي بن عاصم، قال: سألت أبا حنيفة عن درهم لرجل ودرهمين لآخر، اختلطت، ثم ضاع درهمان من الثلاثة، لا يعلم أيّها هما.
فقال: الدرهم الباقي بينها أثلاثًا.
قال علي: فلقيت ابن شبرمة، فسألتُه عنها. فقال: سألت عنها أحدًا غيرى؟ قلتُ: نعم، سألتُ أبا حنيفة عن ذلك، فقال: يُقسم الدرهم الباقي بينهما أثلاثًا.
قال: أخطأ أبو حنيفة، درهم من الدرهمين الضائعين يحيط العلم أنه من الدرهمين، والدرهم الباقي بعد الماضيين يحتمل أن يكون الدرهم الباقي من الدرهمين، ويحتمل أن يكون الدرهم المنفرد المختلط بالدرهمين، فالدرهم الذي بقي يكون بينهما نصفين.
قال ابن عاصم: فاستحسنتُ ذلك، ثم لقيتُ أبا حنيفة، فوالله لو وزن عقله بنصف عقول أهل المصر يعني "الكوفة" لرجح بهم، فقلتُ له: يا أبا حنيفة: خولفت في تلك المسئلة، وقلت له: لقيت ابن شبرمة، فقال: كذا.
فقال أبو حنيفة: إن الثلاثة حين اختلطت ولم تتميز، رجعت الشركة في الكل، فصار لصاحب الدرهم ثلت كل درهم، ولصاحب الدرهمين ثلثا كل درهم، فأيّ درهم ذهب فعلى هذا.
وعن أبي يوسف، قال: جاء رجل إلى مسجد "الكوفة" يوم الجمعة، فدارَ على الخلق يسألهم عن القرآن، وأبو حنيفة غائب بـ "مكة"، فاختلفَ بـ "مكة"، فاختلفَ الناس في ذلك، والله ما أحسبه إلا شيطانًا تصوّر في سورة الأنس، حتى انتهى إلى حلقتنا؛ فسألنا عنها، وسأل بعضنا بعضًا، وأمسكنا عن الجواب، وقلنا: ليس شيخنا حاضرًا، ونكره أن نتقدم بكلام حتى يكون هو المبتدي بالكلام.
فلمَّا قدم أبو حنيفة تلقيناه بـ "القادسية"، فسألنا عن الأهل والبلد، فأجبناه، ثم قلنا له بعد ذلك: رضي الله عنك، وقعتْ مسئلة، فما قولك
стр. 326
فيها؟ فكأنه كأن في قلوبنا، وأنكرنا، وظنّ أنه وقعتْ مسئلة معنتة، وأنا قد تكلمنا فيها بشيءٍ، فقال: ما هي؟ قلتُ: كذا وكذا.
فأمسك ساكتًا ساعة، ثم قال: فما كان جوابكم فيها؟ قُلنا: لم نتكلم فيها بشيءٍ، وخشينا أن نتكلم فيها بشيءٍ، فتنكره.
فسرى عنه، وقال: جزاكم الله خيرًا، احفظوا عنى وصيتى: لا تكلموا فيها، ولا تسألوا عنها أبدًا، انتهوا إلى أنه كلام الله ، بلا زيادة حرف واحد، ما أحسب هذه المسئلة تنتهى حتى توقع أهل الإسلام في أمر لا يقومون له ولا يقعدون، أعَاذَنا الله وإياكم من الشيطان الرجيم.
وسئل حفص بن مسلم عن القرآن، فقال: القرآن كلام الله، غير مخلوق، ومن قال: غير هذا فهو كافر.
فقال ابنه سالم: هل يخبر عن أبي حنيفة في هذا بشيء؟ فقال: نعم، كان أبو حنيفة على هذا، وما علمتُ منه يضره، ولو علمتُ منه غيره لم أصحبْه.
قال: وكان أبو حنيفة إمام الدنيا في زمانه، فِقهًا وعلمًا وورعًا، وكان محنة، يعرف به أهل الباع من الجماعة ولقد ضرب بالسياط على الدخول في الدنيا لهم، فأبى.
وعن أبي مقاتل: سمعتُ أبا حنيفة يقول: الناس عندنا على ثلاث منازل؟ الأنبياء من أهل الجنة، ومن قالت الأنبياء: إنه من أهل الجنة فهو من أهل الجنة.
والمنزلة الأخرى المشركون، نشهد عليهم أنهم من أهل النار.
والمنزلة الثالثة المؤمنون: نقف عنهم، ولا نشهد على واحد منهم أنه من أهل الجنة، ولا من أهل النار؛ ولكنا نرجو لهم، ونخاف عليهم، ونقول كما قال الله تعالى: ﴿خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ
стр. 327
عَلَيْهِمْ﴾، حتى يكون الله يقضي بينهم، وإنما نرجو لهم، لأن الله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، ونخاف عليهم بذنوبهم وخطاياهم، وليس أحدٌ من الناس أوجب له الجنَّة، ولو كان صوَّامًا قوَّامًا غير الأنبياء، ومن قالتْ فيه الأنبياء: إنه من أهل الجنة.
وعن أبي مقاتل أيضًا، عن أبي حنيفة، قال: الأيمان هو المعرفة، والتصديق، والإقرار بالإسلام.
قال: والناس في التصديق على ثلاث منازل: فمنهم من صدق الله، وما جاء منه بقلبه ولسانه.
ومنهم من صدق بلسانه، وهو يكذبه بقلبه.
ومنهم من يصدق بقلبه، ويكذب بلسانه.
فأما من صدق الله، وما جاءَ به رسوله ﵊، بقلبه ولسانه، فهو عند الله وعند الناس مؤمن.
ومن صدق بلسانه، وكذب بقلبه، كان عند الله كافرًا، وعند الناس مؤمنًا؛ لأن الناس لا يعلمون ما في قلبه، وعليهم أن يُسموه مؤمنًا، بما أظهرَ لهم من الإقرار بهذه الشهادة، وليس لهم أن يتكلّفوا علم القلوب.
ومنهم من يكون عند الله مؤمنًا، وعند الناس كافرًا، وذلك أن يكون المؤمن يظهر الكفر بلسانه في حال التقية، فيسمّيه من لا يعرفه كافرًا، وهو عند الله مؤمن. انتهى.
стр. 328
الفصل التاسع في وصية الإمام الأعظم رحمه الله تعالى:
وللإمام الأعظم رضي الله تعالى عنه وصية مشهورة، أوصى به أصحابه، تشتمل على كثير من أصول الدين، نقلَها كثير من المؤرخين، يتعين إيرادها هنا، لما اشتملت عليه من صحيح الاعتقاد، ودفع الانتقاد، ورد كلام الحُسَّاد، وهي هذه: قال، رضى الله تعالى عنه: اعلموا يا أصحابي وإخواني، أن مذهب أهل السنَّة والجماعة على اثنتى عشرة خصلة، فمن كان يستقيم على هذه الخصال لا يكون مبتدعًا، ولا صاحب هوى، فعليكم بهذه الخصال، حتى تكونوا في شفاعة سيّدنا محمد، ﵊:
الأولى: الإيمان، وهو إقرار باللسان، وتصديق بالجنان.
والاقرار وحدَه لا يكون إيمانًا؛ لأنها لو كان إيمانًا لكان المنافقون كلهم مؤمنين.
وكذلك المعرفة وحدَها لا تكون إيمانًا، لأنها لو كانت إيمانًا لكان أهل الكتاب كلهم مؤمنين.
قال الله تعالى في حق المنافقين: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾.
وقال في حق أهل الكتاب: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾.
والإيمان لا يزيد ولا ينقص، لأنه لا يتصوّر نقصان الإيمان إلا بزيادة الكفر، ولا يتصوّر زيادته إلا بنقصان الكفر، كيف يجوز أن يكون الشخص الواحد في حالة واحدة مؤمنًا وكافرًا.
والمؤمن مؤمن حقًا، والكافر كافر حقًا.
وليس في الإيمان شكٌ، كما أنه ليس في الكفر شكٌ، قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾، و ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾.
стр. 329
والعاصمون من أمة محمد ﷺ كلهم مؤمنون حقًا، وليسوا بكافرين.
والعمل غير الإيمان، والإيمان غير العمل؛ بدليل أن كثيرًا من الأوقات يرتفع العمل عن المؤمن، ولا يجوز أن يُقال: ارتفع عنه الإيمان، فإن الحائض رفع الله عنها الصلاة، ولا يجوز أن يُقال: رفع الله عنها الإيمان، وأمرها بترك الإيمان، وقال لها الشرع: دعى الصوم ثم أقضيه، ولا يجوز أن يقال: دعى الإيمان ثم اقضيه، ويجوز أن يقال: ليس على الفقراء زكاة، ولا يجوز أن يقال: ليس على الفقراء إيمان.
وتقدر الخير والشر من الله تعالى؛ لأنه لو زعم أحد أن تقدير الخير والشر من غيره لصار كافرًا بالله تعالى، وبطل توحيده، والله أعلم.
والثانية: نقرّ بأن الأعمال ثلاثة؛ فريضة، وفضيلة، ومعصية.
فالفريضة بأمر الله تعالى، ومشيئته، ورضائه، وقدره، وتخليقه، وكتابته في اللوح المحفوظ.
والفضيلة ليست بأمر الله، ولكن بمشيئته، ومحبته، ورضائه، وقدره، وتخليقه، وكتابته في اللوح المحفوظ.
والمعصية ليستْ بأمر الله، لكن بمشيئته، لا بمحبته، وبقضائه، لا برضائه، وبتقديره، لا بتوفيقه، وبخذلانه، وعلمه، وكتابته في اللوح المحفوظ.
والثالثة: نقرّ بأن الله على العرش استوى، أي استولى، من غير أن يكون جارحةٌ واستقرار، وهو حافظ للعرش وغير العرش من غير احتياج، فلو كان مُحتاجًا لما قدر على إيجاد العالم وتدبيره، ولو كان مُحتاجًا إلى الجلوس والقرار لكان قبل خلق العرش، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
والرابعة: نقرّ بأن القرآن الكريم كلام الله تعالى غير مخلوق، ووحيه، وتنزيله، لا هو ولا غيره، بل هو صفته على التحقيق، مكتوب في المصاحف، مقروء بالألسنة، محفوظ في الصدور، غير حال فيها، والحبر والكَاغَدُ والكتابة
стр. 330
مخلوق لأنها أفعال العباد، لأن الكتابة والحروف والكلمات والآيات دلالة القرآن، لحاجة العباد إليها.
وكلام الله تعالى قائم بذاته، ومعناه مفهوم بهذه الأشياء، فمن قال: بأن كلام الله مخلوق فهو كافر بالله العظيم، والله تعالى معبود، لا يزال عما كان، وكلامه مقروء، ومكتوب، ومحفوظ في الصدور من غير مزايلة عنه.
والخامسة: نقرّ بأن أفضل هذه الأمة بعد نبينا محمد ﵊ أبو بكر الصديق، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، رضوان الله عليهم أجمعين؛ لقوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾.
كل من كان أسبق إلى الخير فهو أفضل عند الله تعالى، ويحبّهم كل مؤمن تقي، ويبغضهم كل منافق شقي.
والسادسة: نقرّ بأن العبد مع أعماله وإقراره ومعرفته مخلوق، فلما كان الفاعل مخلوقًا، فأفعاله أولى أن تكون مخلوقة.
والسابعة: نقرّ بأن الله خلق الخلق، ولم يكن لهم طاقة؛ لأنهم ضعفاء عاجزون، فالله تعالى خالقهم ورازقهم؛ لقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾.
والكسب بالعلم والمال من الحلال حلال، ومن الحرام حرام.
والناس على ثلاثة أصناف؛ المؤمن المخلص في إيمانه، والكافر الجاحد في كفره، والمنافق المداهن في نفاقه.
والله تعالى فَرَض على المؤمن العمل، وعلى الكافر الإيمان، وعلى المنافق الإخلاص؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾، يعني يا أيها المؤمنون أطيعوا الله بالعمل الصالح، ويا أيها الكافرون آمنوا، ويا أيها المنافقون أخلصوا، والله أعلم.
стр. 331
والثامنة: نقرّ بأن الأستطاعة مع الفعل، لا قبل الفعل، ولا بعد الفعل؛ لأنه لو كان قبل الفعل لكان العبد مُستغنيًا عن الله تعالى وقت الحاجة، فهذا خلاف حكم النص؛ لأنه لو كان قبل الفعل لكان العبد مُستغنيًا عن الله تعالى وقت الحاجة، فهذا خلاف حكم النص؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾، ولو كان بعد الفعل لكان من المحال، لأنه حصول بغير استطاعة، ولا طاقة.
والتاسعة: نقرّ بأن المسح على الخفين واجب للمقيم يومًا وليلة، وللمسافر ثلاثة أيام ولياليها؛ لأن الحديث ورد هكذا، فمن أنكر فإنه يُخشى عليه الكفر، لأنه قريب من الخبر المتواتر.
والقصر والإفطار في السفر رخصة بنص الكتاب؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾، وفي الإفطار قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر﴾.
والعاشر: نقرُّ بأن الله تعالى أمر القلم أن يكتب، فقال القلم: ماذا أكتبُ يا رب؟ فقال الله تعالى: اكتبْ ما هو كائن إلى يوم القيامة؛ لقوله تعالى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾.
والحادية عشر: نقرُّ بأن عذاب القبر كائن لا محالة، وسؤال منكر ونكير حق؛ لورود الأحاديث، والجنة والنار حق، وهما مخلوقتان لأهلهما؛ لقوله تعالى في حق المؤمنين: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾، وفي حق الكافرين: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾، خَلقهما الله تعالى للثواب والعقاب، والميزان حق؛ لقوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾. وقراءة الكتب، لقوله تعالى: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾.
والثانية عشر: نقرُّ بأن الله تعالى يُحيي هذه النفوس بعد الموت، ويبعثُهم في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، للجَزَاء والثواب، وأداء الحُقوق؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾.
стр. 332
ولقاء الله تعالى لأهل الحق حق، بلا كيفية، ولا تشبيه، ولا وجه.
وشفاعة نبينا محمد ﷺ للكل من هو من أهل الجنة، وإن كان صاحب الكبيرة.
وعائشة رضي الله تعالى عنها بعد خديجة الكبرى أفضل نِساء العالمين، وأم المؤمنين، ومطهرة من الزنا، بريئة عن ما قال الروافض، فمن شهد عليها بالزنا فهو ولد الزنا. وأهل الجنة في الجنة خالدون، وأهل النار في النار خالدون، لقوله تعالى في حق المؤمنين: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾، وفي حق الكفار: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
وصية أخرى للإمام الأعظم ﵀:
وللإمام رضى الله تعالى عنه وصية أخرى، أوصى بها الإمام أبا يوسف، رحمه الله تعالى، لا بأس بإيرادها هنا؛ فإنها قد تضمنت كثيرًا من لطائف الحكماء، ومحاسن الكلم، وفيها لمن تدبّرها نفع كبير، وأدب غزير.
وقد نقلها الشيخ الفاضل زين بن نجيم في آخر كتابه "الأشباه والنظائر"، ومنها نقلنا.
وقال رضى الله تعالى عنه: يا يعقوب! وقّر السلطان، وعظّمْ منزلتَه، وإياك والكذبَ بين يديه، والدخولَ عليه في كل وقت ما لم يدعك لحاجة؛ فإنك إذا أكثرتَ الاختلافَ عليه تهاونَ بك، وصغرتْ منزلتُك عنده، فكنْ منه كما أنتَ من النار، تنتفع منها، وتتباعد عنها؛ فإن السلطان لا يرى لأحد ما يرى لنفسه.
وإياك وكثرة الكلام بين يديه، فإنه يأخذ عليك ما قلتَه، ليرى من نفسه بين يدي حاشيته أنه أعلم منك وأنه يخطئك، فتصغر في أعين قومه، ولتكن إذا دخلت عليه تعرف قدرَك وقدرَ غيرك، ولا تدخل عليه وعنده من أهل العلم من لا تعرفه؛ فإنك إن كنت أدون حالًا منه لعلّك ترتفع عليه فيضرّك، وإن كنت أعلم منه لعلك تنحطّ عنه، فتسقط بذلك من عين
стр. 333
السلطان، وإذا عرض عليك شيئًا من أعماله، فلا تقبلْ منه إلا بعد أن تعلم أنه يرضاك، ويرضى مذهبك في العلم والقضايا؛ كيلا تحتاج إلى ارتكاب مذهب غيرك في الحكومات، ولا تواصل أولياء السلطان وحاشيته، بل تقرب إليه فقط، وتباعدْ عن حاشيته؛ ليكون مجدُك وجاهُك باقيًا.
ولا تتكلمْ بين يدي العامة إلا بما تُسأل عنه.
وإياك والكلامَ في العامة والتجّار إلا بما يرجع إلى العلم؛ كيلا يوقف على حبّك ورغبتك في المال؛ فإنهم يُسَيّئُون الظنّ بك، ويعتقدون ميلَك إلى أخذ الرشوة منهم.
ولا تضحكْ، ولا تبتسّمْ بين يدي العامة.
ولا تكثر الخروجَ إلى الأسواق.
ولا تكلم المراهقين، فإنهم فتنة، ولا بأس أن تكلم الأطفال، وتمسح رءوسَهم.
ولا تمش في قارعة الطريق مع المشايخ والعامة، فإنك إن قدمتهم ازدرى بعلمك، وإن أخرتهم ازدرى بك، من حيث إنهم أسنّ منك، قال النبي صلَّى الله عليك وسلَّم: "من لم يرحم صغيرَنا، ولم يوقّر كبيرَنا، فليسَ منا".
ولا تقعدْ على قوارع الطريق، فإذا دعاك ذلك فاقعد في المسجد.
ولا تأكل في الأسواق والمساجد.
ولا تشربْ من السقايات، ولا من أيدي السقائين.
ولا تقعدْ على الحوانيت.
ولا تلبس الديباج، والحلي، وأنواع الإبريسم؛ فإن ذلك يقضي إلى الرعونة.
ولا تكثر الكلام في بيتك مع امرأتك في الفراش، إلا وقت حاجتك إليها بقدر ذلك، ولا تكثرْ لمسَها، ولا تقربْها إلا بذكر الله تعالى، ولا تتكلّم
стр. 334
بأمر نساء الغير بين يديها، ولا بأمر الجواري، فإنها تنبسط إليك في كلامك، ولعلّك إذا تكلمتَ عن غيرها تكلمتَ عن الرجال الأجانب.
ولا تتزوّج امرأة كان لها بعل، أو أب، أو أم، أو بنت، إن قدرت، إلا بشرط أن لا يدخل عليها أحد من أقاربها، فإن المرأة إذا كانت ذات مال يدعي أبوها أن جميع مالها له، وأنه عارية في يدها.
ولا تدخل بيت أبيها ما قدرت، وإياك أن ترضى أن تزف في بيت أبويها، فإنهم يأخذون أموالك، ويطمعون فيها غايةَ الطمع.
وإياك أن تتزوّج بذات البنين والبنات، فإنها تدّخر جميعَ المال لهم، وتسرق من مالك، وتنفق عليهم؛ فإن الولدَ أعزّ عليها منك.
ولا تجمع بين امرأتين في دار واحدة، ولا تتزوّجْ إلا بعدَ أن تعلم أنك تقدر على القيام بجميع حوائجها.
واطلب العلم أولًا، ثم اجمع المال من الحلال، ثم تزوّج، فإنك إن طلبت المال في وقت التعلّم عجزتَ عن طلب العلم، ودعاك المال إلى طلب الجواري والغلمان، وتشتغل بالدنيا والنساء قبل تحصيل العلم، فيضيع وقتك، ويجتمع عليك الولد، وتكثر عيالك، فتحتاج إلى القيام بمصالحهم وترك العلم.
واشتغل بالعلم في عنفوان شبابك، ووقت فراغ قلبك وخاطرك، ثم اشتغل بالمال ليجتمع عندك؛ فإن كثرة الولد والعيال يشوش البال، فإذا جمعت المال فتزوّج.
وعليك بتقوى الله، وأداء الأمانة، والنصيحة لجميع الخاصة والعامة. ولا تستخف بالناس، ووقّر نفسك ووقّرهم، ولا تكثر معاشرتهم إلا بعد أن يعاشروك، وقابل معاشرتهم بذكر المسائل، فإنه إن كان من أهله اشتغل بالعلم، وإن لم يكن من أهله أحبَّك.
стр. 335
وإياكَ أن تكلم العامة بأمر الدين في الكلام، فإنهم قوم يقلّدونك، فيشتغلون بذلك.
ومن جاءَك يستفتيك في المسائل، فلا تجبْ إلا عن سؤاله، ولا تضم إليه غيره؛ فإنه يشوش عليه جواب سؤاله.
وإن بقيت عشر سنين بغير كتب ولا قوة فلا تعرض عن العلم، فإنكَ إن أعرضتَ عنه كانت معيشتُك ضنكا.
وأقبل على مُتفقهيك، كانك اتخذت كل واحد منهم ابنًا وولدا، يزيدهم رغبة في العلم.
ومن ناقشك من العامة والسوقة، فلا تُناقشْه؛ فإنه يذهب ماء وجهك.
ولا تحتشمْ من أحدٍ عند ذكر الحق، وإن كان سُلطانًا.
ولا ترض لنفسك من العبادات إلا بكثرَ مما يفعله غيرك، وتعاطاها؛ فإن العامة إذا لم يروا منك الإقبال عليها بأكثرَ مما يفعلون، اعتقدوا فيك قلة الرغبة، واعتقدوا أن علمك لا ينفعك إلا ما نفعهم الجهل الذي هم فيه.
وإذا دخلت بلدة فيها أهل العلم، فلا تتخذْ لنفسك، بل كن كواحد من أهله؛ ليعلموا أنك لا تقصد جاهَهم، وإلا يخرجون عليك بأجمعهم، ويطعنون في مذهبك، وتصير مطعونًا عندهم بلا فائدة.
وإن استفتوك في المسائل، فلا تناقشْهم في المناظرة والمطارحات، ولا تذكر لهم شيئًا إلا عن دليل واضح، ولا تطعنْ في أساتذتهم، فإنهم يطعنون فيك.
كنْ من الناس على حذر، وكنْ لله تعالى في سرّك، كما أنت له في علانيتك، ولا يصلح أمر العلم إلا بعد أن يجعل سرّه كعلانيته.
وإذا ولاك السلطان عملًا، فلا تقبلْ ذلك منه، إلا بعد أن تعلم أنه إنما يولّيك ذلك لعلمك.
стр. 336
وإياك أن تتكلم في مجلس النظر على خوف؛ فإن ذلك يورثْ الخللَ في الألفاظ، والكللَ في اللسان.
وإياك أن تكثر الضحكَ، فإنه يميت القلب.
ولا تمش إلا على طمأنينة. ولا تكن عجولًا في الأمور.
ومن دعاك من خلفك فلا تجبْه، فإن البهائم تُنادى من خلف.
وإذا تكلمتَ فلا تكثر صياحَك، ولا ترفع صوتَك واتخذْ لنفسك السكون وقلة الحركة؛ كي يتحقق عند الناس ثباتك.
وأكثر ذكر الله تعالى فيما بين الناس؛ ليتعلموا ذلك منك.
واتخذ لنفسك وردًا خلف الصلوات، تقرأ فيه القرآن، وتذكر الله تعالى، وتشكره على ما أودعَك من الصبر، وأولاك من النعم.
واتخذْ أيامًا معدودة من كل شهر تصوم فيها؛ ليقتدي غيرك بك.
وارقبْ نفسك، وحافظْ على الغير؛ لتنتفع من دنياك وآخرتك بعلمك.
ولا تشتر بنفسك ولا تبعْ، بل اتخذْ لك مُصلحًا يقوم بأشغالك، وتعتمدْ عليه في أمورك، ولا تطمئنَّ إلى دنياك، وإلى ما أنتَ فيه، فإن الله تعالى سائلك عن جميع ذلك.
ولا تشتر الغلمان المرد.
ولا تظهر من نفسك التقرّب إلى السلطان قربك؛ فإنه ترفع إليه الحوائج، فإن قمت أهانك، وإن لم تقم أعابك.
ولا تتبع الناس في خطاياهم، بل اتبع في صوابهم.
وإذا عرفت إنسانًا بالشرّ فلا تذكره به، بل اطلبْ منه خيرًا، فأذكره به، إلا في باب الدين، فإنك إن عرفت في دينه ذلك فاذكره للناس؛ كيلا يتبعوه ويحذروه، قال ﵊: "اذكروا الفاجر بما فيه، حتى يحذره الناس"، وإن كان ذا جاه ومنزلة، فادكر ذلك، ولا تبال من جاهه؛ فإن الله
стр. 337
تعالى معينك وناصرك وناصر الدين، فإذا فعلت ذلك مرة هابوك، ولم يتجاسرْ أحد على إظهار البدعة في الدين.
وإذا رأيتَ من سفطانك ما لا يوافق العلم، فاذكر ذلك مع طاعتك إياه؛ فإن يده أقوى من يدك، تقول له: أنا مطيع لك في الذي أنت فيه سلطان، ومُسلط علي، غير أني أذكر لك من سيرتك ما لا يوافق العلم، فإذا فعلت ذلك مع السلطان مرة كَفَاكَ لأنكَ إذا واظبتَ عليه، ودمتَ، لعلهم يمقتونك، فيكون قمعًا للدين، فإذا فعل ذلك مرة أخرى، فادخل عليه وحدَك في داره، وانصحْه في الدين، وناظرْه إن كان مبتدعًا، وإنه كان سلطانًا، فاذكرْ له ما يحضرك من كتاب الله تعالى وسنَّة رسوله ﵊، فإن قبل منكَ، وإلا فاسأل الله تعالى أن يحفظك منه، واذكر الموت، واستغفرْ للأستاذ، ومن أخذت عنهم العلم، وداومْ على التلاوة، وأكثر من زيارة القبور والمشايخ والمواضع المباركة.
واقبل من العامة ما يقضون عليك من رؤياهم للنبي ﷺ ، ورؤيا الصالحين في المنازل، والمساجد، والمقابر.
ولا تجالس أحدًا من أهل الأهواء إلا على سبيل الدعوة إلى الدين، ولا تكثر اللعب، والشتم.
وإذا أذّن الموذّن فتأهبْ لدخول المسجد؛ كيلا تتقدم عليك العامة.
ولا تتخذْ دارك في جوار السلطان.
وما رأيت على جارك فاستره عليه؛ فإنه أمانة، ولا تظهر أسرار الناس.
ومن استشارك في شيء فأشر عليه بما يقربك إلى الله تعالى.
وإياك والبخل؛ فإنه تنتقص به المروءة.
ولا تك طماعًا، ولا كاذبا، ولا صاحب تخاليط، بل احفظْ مروءتك في الأمور كلها.
стр. 338
والبسْ من الثياب البيض في الأحوال كلها.
وأظهرْ غنى القلب، مُظهرًا في نفسك قلة الحرص، والرغبة في الدنيا، وأظهر من نفسك الغنى، ولا تظهر الفقر، وإن كنت فقيرًا.
وكنْ ذا همة، فإن من ضعفتْ همتُه ضعفتْ منزلتُه.
وإذا مشيت في الطريق فلا تلتفت يمينًا ولا شمالًا، بل داوم النظر إلى الأرض.
وإذا دخلت الحمَّام، فلا تساو الناس في أجرة الحمام، بل ارجح على ما تعطي العامة؛ لتظهر مروءتُك بينهم، فيعظمونك.
ولا تسلم الأمتعة إلى الحائك وسائر الصنَّاع، بل اتخذ لنفسك ثقة يفعل ذلك.
ولا تماكس بالحبات والدوانيق، ولا تزنْ بالدراهم، بل اعتمدْ على غيرك.
وحقِّر الدنيا المحقَّرة عند أهل العلم؛ فذلك أحفظ لحاجتك.
وإياك أن تكلم المجانين، ومن لا يعرف المناظرة والحجَّة من أهل العلم، والذين يطلبون الجاة، ويستغرقون بذكر المسائل فيما بين الناس؛ فإنهم يطلبون تخجيلك، ولا يبالون منك، وإن عرفوك على الحق.
وإذا دخلت على قوم كبار فلا ترتفع عليهم بعالم يرفعوك، لئلا يلحق بك منهم أذية.
وإذا كنت في قوم فلا تتقدمْ عليهم في الصلاة، ما لم يقدموك على وجه التعظيم.
ولا تدخل الحمَّام وقت الظهيرة أو الغداة.
стр. 339
ولا تحضر مظالم السلاطين، إلا إذا عرفت أنك إذا قلتْ شيئًا ينزلون على قولك بالحق، فإنهم إن فعلوا ما لا يحل وأنت عندهم ربما لا تملك منعَهم، ويظن الذين هناك أن ذلك حق؛ لسكوتك فيما بينهم وقت الأقدام عليه.
وإياك والغضب في مجلس العلم.
ولا تقصَّ على العامة؛ فإن القاصَّ لا بدَّ له أن يكذب.
وإذا أردتَ اتخاذ مجلس لأحدٍ من أهل العلم، فاحضرْ بنفسك، واذكرْ فيه ما تعلمه؛ كيلا يغترَّ الناس بحضورك، فيظنّون أنه على صفة من العلم، وليس هو على تلك الصفة، فإن كان يصلح للفتوى فاذكرْ منه ذلك، وإلا فلا، ولا ليدرس بين يديك، بل اتركْ أحدًا من أصحابك؛ ليخبرك بكيفية كلامه، كمية علمه.
وفوّض أمرَ المناكح إلى خطيب ناحيتك، وكذا صلاة الجنائز والعيدين.
ولا تنسني من صالح دعائك.
واقبل هذه الموعظة مني، وإنما أوصيك لمصلحتك، ومصلحة المسلمين. انتهى.
هذا، وقد آن لنا أن نحبس عنانَ القلم عن الجري في ميدان لا غاية لمداه، وأن نكفَّ لسانَ المقال عن تعداد ما لا سبيلَ إلى حصره، وليسَ يدرك منتهاه، على أن ما أوردنا منه فيه مقنع لمنَ نوَّر الله بصيرته، وطهر من دنس التعصّب سريرته، وأحسن في السلف عقيدته، ولم ينكر لأحد من الناس فضيلته.
ولقد صنف الفضلاء في مناقب هذا الإمام الجليل كتبًا لا تحصى، وأورد فيها من فضائله ومناقبه ما لا يستقصى، كل منهم معترف بأنه لم يبلغ
стр. 340
من تعداد فضائله، وما يستحقُّه، وما كان عليه من العلم والعمل، عُشر معشاره، رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
الفصل العاشر في مكانة الإمام أبي حنيفة في الحديث
هل كان أبو حنيفة قليلَ البضاعة من الحديث؟ يروي لنا الخطيبُ البغداد نقولا متعددة، يروي فيها أصحابها أبا حنيفة بقلة البضاعة في الحديث، وضعفه فيه، من ذلك: ما نقلَه عن ابنُ المبارك كان أبو حنيفة يتيما في الحديث، وعن أبي قطن كان زمنا في الحديث، وعن يحيى بن سعيد القطَّان لم يكن بصاحب حديث، وعن يحيى بن مَعين أيش كان عند أبي حنيفة من الحديث، حتى تسأل عنه؟ وعن أحمد بن حنبل أنه ليس له رأي ولا حديث، وعن أبي بكر بن أبي داود جميع ما روي عن أبي حنيفة من الحديث مائة وخمسون حديثا، أخطأ في نصفها، وعن عبد الرزاق ما كتبتُ عن أبي حنيفة إلا لأكثر به رجالا، وكان يروي عنه نيفا وعشرين حديثا، وعن ابن المديني أنه روى خمسين حديثا، أخطأ فيها، هذه الأقوال مبثوثة في الجزء الثالث عشر من "تاريخ الخطيب" ص ٤٤٤، وما بعدها.
ونحن نريد أن نورد الجوابَ في هذا الصدد بالبسط والتفصيل، ونحب أن نسوق ما قاله شيخُنا وأستاذُنا البحَّاثة النقَّاد فخر الأحناف مخدوم العلماء الفاضل النبيل الأديب الأريب المحدّث الكبير العلامة محمد عبد الرشيد بن المنشئ محمد عبد الرحيم بن محمد بخش النعماني رحمهم الله تعالى رحمة واسعة، وجعل الفردوسَ مثواه، في كتابه القيم الممتع: "مكانة الإمام أبي حنيفة في الحديث"، فأفاد وأجاد، ونصه ما يلى:
стр. 341
مكانة الإمام أبي حنيفة
وقد كان أبو حنيفة رحمه الله تعالى أحد أئمة الدنيا فقها وعلما وورعا وحفظا وضبطا، وكان معدودا في الأجواد الأسخياء، والألبَّاء الأذكياء، مع الدين والعبادة والتهجّد وكثرة التلاوة وقيام الليل.
وكان ممن عُنِيَ بعلم الكتاب والسنّة وسَعى في طلب الحديث، ورَحَل فيه، كثرتْ عنايتُه بالسنن وجعه لها، وذبِّه عن حريمِها، وقمعِه من خالفها أو رام مُباينتَها، مُؤْثرًا لسنَّة رسول الله صلَّى الله تعالى عليه وسلَّم على غيرها، وهو أول من عرّج على الأقوياء من الثقات، وترك الضعفاءَ في الروايات، لزم الحديثَ والفقهَ، وواظبَ على الورع والعبادة، حتى صار عَلَمًا، يُرجَعُ إليه في الأمصار، ومَلْجأً يُقتدى به في الأقطار.
وأحوالُه في العلم والحفظ والصيانة والإتقان، والاجتهاد في تحصيل العلم والفقه ونشرهما، والصبر على ترك مناصب السلطان، وبذل النفس في إشاعة العلم والعبادة والكرم، وهوانِ الدنيا عنده، وعدم المبالاة بحُطام هذه الفانية الزائلة، مع الدين والسلامة وجَمْعِ أنواع الخير: أكثرُ من أن يُحصر، وأشهرُ من أن يُشَهَّر.
وقد انعقد الإجماعُ على إمامته وجلالته وعلوِّ مرتبته، وكمالِ فضيلته، وأقاويل السلف كثيرة مشهورة في الثناء عليه في ورعه وزهده وعبادته، ومجانبته السلطانَ وإنكاره ولايةَ القضاء، ووفور علمه كثرة حديثه، وبراعته في الفقه واتباعه السنّة، وأخبار إجلال أعيان أئمة زمانه من جميع الأقطار إياه واعترافهم بمزاياه وفيرةٌ مستفيضةٌ، كل ذلك مُدوَّن في كتب التواريخ والرجال، لا حاجةَ لنا بذكرها.
стр. 342
عنايته بطلب الحديث
وقد شهد له أئمةُ النقد وكبارُ المحدّثين بعنايته بطلب الحديث وارتحاله في ذلك ومعاناته في تحصيله.
قال الحافظ الذهبي في ترجمة أبي حنيفة من كتابه "سير أعلام النبلاء" (١): "وعُني بطلب الأثار، وارتحل في ذلك". ا هـ.
وقال أيضًا: (٢) "إن الإمام أبا حنيفة طلب الحديثَ وأكثرَ منه في سنة مائة وبعدها". ا هـ.
وقال أيضًا في جزئه الذي صنّفه في "مناقب أبي حنيفة" في ذكر شيوخه: (٣) "وسمع الحديث من عطاء بن أبي رَبَاح بـ "مكة"، وقال: ما رأيتُ أفضل من عطاء".
قلتُ: وكان عطاء أيضًا يُفضِّلُه على تلامذته، فكان أبو حنيفة إذا حضر مجلسَ السماع أوسَعَ له، وأدناه، كما سيأتي.
وقال في "دول الإسلام" (٤): "وأكبرُ شيوخه عطاء بن أبي رَباح، وشيخه في الفقه حماد بن أبي سليمان". ا هـ.
قال الحافظ أبو بكر الخطيب في "تاريخ بغداد" (٥): أخبرنا أبو نعيم الحافظ، حدثنا أبو بكر عبد الله بن يحيى الطَّلْحي، حدثنا عثمان بن عبيد الله
стр. 343
الطلحي، حدثنا إسماعيل بن محمد الطلحي، حدثنا سعيد بن سالم البصري، قال: سمعتُ أبا حنيفة يقول: لقيتُ عطاءً بـ "مكة" فسألتُه عن شيء، فقال: من أين أنتَ؟ قلتُ: من أهل "الكوفة"، قال: أنت من أهل القرية الذين فرَّقُوا دِيْنَهم وكانوا شِيَعًا؟ قلت نعم! قال: فمِنْ أيِّ الأصناف أنت؟ قلتُ: ممن لا يَسُبُّ السلفَ، ويؤمنُ بالقدر، ولا يُكَفِّرُ أحدًا بذنب، قال: فقال لي عطاء: عرفتَ فالزم". ا هـ.
وقال الإمامُ المحدّثُ الفقيه شيخ الخطيب البغدادي، القاضي، أبو عبد الله الحسين بن علي الصيمرى في كتابه "أخبار أبي حنيفة وأصحابه" (١): "أخبرنا عبد الله بن محمد، قال: حدثنا مُكرَّم، قال: حدثنا عبد الصمد بن عبيد الله، عن عبد الله بن محمد بن نوح، قال: ثنا حفص بن يحيى، قال: ثنا محمد بن أبان، عن الحارث بن عبد الرحمن، قال: كنا نكون عند عطاء، بعضُنا خلفَ بعض، فإذا جاء أبو حنيفة أوسَعَ له، وأدناه". ا هـ.
قلتُ: وصنيعُهُ هذا معه يدلّ على أن الإمام أبا حنيفة كان من أنجب تلامذته في الحديث، وقد ذكر الإمامُ عبد الوهَّاب الشعراني في كتابه "الميزان الكبرى" (٢): سَنَدَ: أبو حنيفة، عن عطاء، عن ابن عباس، كما ذكر سَنَدَ: مالك، عن نافع، عن ابن عمر، حيْنَما تعرض لبيان أسانيد الأئمة المجتهدين في الكتاب والسنَّة.
وكذلك شيخه في الفقه حماد بن أبي سليمان أيضًا يُجْلِسُه في صدر الحلقة حذاءَهُ، قال الحافظ أبو بكر الخطيب في "تاريخ بغداد" (٣): "أخبرنا
стр. 344
الخلّالُ، أخبرنا الحريري أن النخعيَّ حدّثهم، قال: حدثني جعفر بن محمد بن حازم، حدّثنا الوليد بن حماد، عن الحسن بن زياد، عن زفر بن الهذيل، قال: سمعتُ أبا حنيفة يقول: كنتُ أنظر في الكلام حتى بلغتُ فيه مبلَغُا، يُشارُ إليّ فيه بالأصابع، وكنّا نجلِسُ بالقرب من حلقة حماد بن أبي سليمان، فجاءتْني امرأة، فقالت: رجل له امرأة أمة أراد أن يُطلِّقَها للسنّة، كم يُطلِّقُها؟ فلم أدر ما أقول؟ فأمرتُها تسأل حمادا، ثم ترجعُ، فتُخبِرُني، فسألتْ حمادا، فقال: يطلقُها وهي طاهرة من الحيض والجماع تطليقة، ثم يتركها حتى تحيض حيضتين، فإذا اغتسلتْ فقد حلّت للأزواج. فرجعتْ فأخبرتْني، فقلتُ: لا حاجة لي في الكلام، وأخذتُ نعليّ، فجلستُ إلى حماد، فكنتُ أسمع مسائله، فأحفظ قولَه، ثم يُعيِدُها من الغد، فاحفظها، ويُخْطئُ أصحابُه، فقال: لا يجلِسْ في صدر الحلقة بحذائي غيرُ أبي حنيفة". ا هـ.
قلتُ: هذا يدل على جودة حفظ الإمام وإتقانه.
وقال الحافظ أبو بكر الخطيب في "تاريخ بغداد" (١): "أخبرني محمد بن عبد الملك القرشى، أنبأنا أبو العبَّاس أحمد بن محمد بن الحسين الرازي، حدثنا علي بن أحمد القاري، أخبرنا محمد بن الفضل هو البلخى العابد، أنبأنا أبو مطيع، قال: قال أبو حنيفة: دخلتُ على أبي جعفر أمير المؤمنين، فقال لي: يا أبا حنيفة عمن أخذتَ العلمَ؟ قال: قلتُ: عن حماد عن إبراهيم عن عمر بن الخطَّاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، قال: فقال أبو جعفر: بَخ بَخ، استوثقتَ ما شئتَ، يا أبا حنيفة، الطيّبين الطاهرين المباكين، صلوات الله عليهم". ا هـ.
стр. 345
هكذا وقع في المطبوع من "تاريخ بغداد"، والصوابُ ("عن إبراهيم عن أصحاب عمر بن الخطَّاب" … إلخ) صرَّح به العلامة الكوثري في "التأنيب" (١).
قلتُ: وقد فاق الإمام في طلب الحديث على مشايخ عصره، فقد روى الحافظ الذهبي في "مناقب أبي حنيفة" (٢) عن الإمام مِسْعَر بن كِدَام، قال: "طلبتُ مع أبي حنيفة الحديثَ، فغلبَنا، وأخذنا في الزهد، فبرع علينا، وطلبنا الفقه، فجاء منه ما ترون". ا هـ.
قلتُ: ومسعر بن كدام هذا ذكره الذهبي في "تذكرة الحُفّاظ"، وحلّاه في كتابه "سير أعلام النبلاء" بالإمام الثبتِ شيخِ "العراق" الحافظ.
وقال صدر الأئمة المكي: وكان مسعر بن كدام أحدَ مفاخر "الكوفة" في حفظه وزهدهِ، وكان من شيوخ أبي حنيفة، روى عنه في "مسنده" (٣).
إمامة أبي حنيفة في الحديث:
وقد شهد الأئمة في القديم والحديث بإمامة أبي حنيفة في الحديث، قال الإمام المحدّث حافظ المغرب أبو عمر يوسف بن عبد البر النَّمَيرِي القرطبى الأندلسى رحمه الله تعالى في كتابه المعروف "جامع بيانِ العلم وفضله وما ينبغى في روايته وحَمْلته" (٤): "حدثنا عبد الله بن محمد بن يوسف، قال: حدثنا ابن رَحْميون، قال: سمعتُ محمد بن بكر بن داسهْ يقول: سمعتُ أبا داود سليمان بن الأشعث السجستاني، يقول: رحم الله
стр. 346
مالكا، كان إماما، رحم الله الشافعي، كان إماما، رحم الله أبا حنيفة، كان إماما".
وقال في كتابه: "الانتقاء في فضائل الثلاثة الفقهاء، مالك والشافعي وأبي حنيفة ﵃، وذكرِ عيونٍ من أخبارهم وأخبار أصحابهم للتعريف بجلالة أقدارهم" (١): "حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن بن يحيى ﵀، قال: أنا أبو بكر محمد بن بكر بن عبد الرزّاق التمَّار المعروف بابن داسَهْ، قال: سمعتُ أبا داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق السجستاني ﵀، يقول: رَحِمَ اللهُ مالكا كان إماما، رحم الله الشافعي، كان إماما، رحم الله أبا حنيفة، كانا إماما".
فهذه شهادة الإمام الثبتِ سيّدِ الحفّاظ شيخ السنّة أبي داود الأزدي السجستاني صاحب "السنن" رحمه الله تعالى، في حق الأئمة الثلاثة بإمامتهم، وتجدُ شرحَ هذه الإمامة مستوفى فيما كتبه الإمامُ الحافظ العلامة شيخُ "خراسان" أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي رحمه الله تعالى في مدخل كتابه "دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة" (٢) ونصه:
"فصل: ومما يحق معرفته في الباب أن تعلم أن الله تعالى بعث رسوله ﷺ بالحق، وأنزل عليه كتابه الكريم، وضمن حفظه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٣) ووضع رسوله ﷺ من دينه وكتابه موضع الإبانة عنه، كما قال: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٤)، وترك نبيه في أمته حتى يبين لأمته
стр. 347
ما بعث به، ثم قبضه الله تعالى إلى رحمته، وقد تركهم على الواضحة، فلا تنزل بالمسلمين نازلة إلا وفي كتاب الله وسنة رسول الله بيانهًا نصًا أو دلالة.
وجعل في أمته في كل عصر من الأعصار أئمة يقومون ببيان شريعته، وحفظها على أمته، ورد البدعة عنها.
كما أخبرنا أبو سعد أحمد بن محمد الصوفي، قال: أخبرنا أبو أحمد بن عدي الحافظ، حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز، حدثنا أبو الربيع الزهراني، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا بقية بن الوليد، حدثنا مُعَان بن رفاعة، عن إبراهيم بن عبد الرحمن العذري قال: قال رسول الله ﷺ : "يرث هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين".
ورواه الوليد بن مسلم، عن إبراهيم بن عبد الرحمن، عن الثقة من أشياخهم، عن النبي ﷺ .
وقد وُجِدَ تصديقُ هذا الخبر في زمان الصحابة، ثم في كل عصر من الأعصار إلى يومنا هذا، وقام بمعرفة رواة السنَّة في كل عصر من الأعصار جماعة، وقفوا على أحوالهم في التعديل والجرح، وبيَّنوها، ودوَّنوها في الكتب، حتى من أراد الوقوفَ على معرفتها وجد السبيلَ إليها، وقد تكلم فقهاء الأمصار في الجرح والتعديل، فمن سواهم من علماء الحديث.
أخبرنا أبو عبد الرحمن محمد بن الحسين السلمي، حدثنا أبو سعيد الخلّال، حدثنا أبو القاسم البغوي، حدثنا محمود بن غيلان المروزي، قال: حدثني الحمَّاني، عن أبي حنيفة قال: ما رأيتُ أحدًا أكذبَ من جابر الجعفي، ولا أفضلَ من عطاء.
стр. 348
قال: وحدثنا عبد الحميد الحمَّاني، قال: سمعتُ أبا سعد الصغَاني، قام إلى أبي حنيفة، فقال: يا أبا حنيفة ما تقول في الأخذ عن الثورى؟ فقال: أكتبْ عنه، فإنه ثقة ما خلا أحاديث أبي إسحاق عن الحارث، وحديث جابر الجعفي.
وأخبرنا أبو الحسن بن الفضل القطَّان بـ "بغداد"، قال: أخبرنا عبد الله بن جعفر، حدثنا يعقوب بن سفيان، قال: سمعتُ حرملة، يقول: قال الشافعي: الرواية عن حرام بن عثمان حرام.
أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن الحسن الغضائرى بـ "بغداد"، حدثنا أحمد بن سليمان، حدثنا جعفر بن محمد الصائغ، حدثنا عفَّان، قال: حدثني يحيى بن سعيد القطَّان، قال: سألتُ شعبة، وسفيان الثوري، ومالكَ بنَ أنس، وسفيانَ بن عيينة عن الرجل يتّهم في الحديث، ولا يحفظ؟ فقالوا: بين أمرَه للناس.
وأخبرنا أبو علي الحسين بن محمد الروذباري، قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن كامل بن خلف القاضي، قال: حدّثني أبو سعد الهروى، عن أبي بكر بن خلّاد، قال: قيل ليحيى بن سعيد القطَّان: أما تخشى أن يكون الذين تركتَ حديثَهم خصماءك عند الله؟ قال: لأن يكون هؤلاء خصمائى عند الله أحبّ إليَّ من أن يكون خصمي رسول الله ﷺ ، يقول: لم حدثتَ عني حديثًا، تُرى أنه كذب؟
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرنا أبو الوليد الفقيه، حدثنا الحسن بن سفيان، حدثنا حرملة بن يحيى، قال: سمعتُ الشافعيَّ ﵀ يقول: لولا شعبة ما عُرف الحديث بـ "العراق"، وكان يجيء إلى الرجل، فيقول: لا تحدثْ وإلا استعديت عليك السلطان.
стр. 349
فعلى هذه الجملة كان ذبّهم عن حريم السنّة، وشواهد ما ذكرنا كثيرة، وفيما ذكرنا عن التطويل غنية. " ا هـ.
وكذلك قال الإمام الحافظ أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة السلمي الترمذي ﵀ في "كتاب العلل" من "جامعه" (١): وقد عاب بعض من لا يفهم على أهل الحديث الكلام في الرجال، وقد وجدنا غير واحد من الأئمة من التابعين قد تكلّموا في الرجال، منهم: الحسن البصري، وطاوس، تكلّما في معبد الجهنى، وتكلّم سعيد بن جُبير في طلق بن حبيب، وتكلّم إبراهيم النخَعى وعامر الشعبى في الحارث الأعور.
وهكذا روى عن أيوب السختياني، وعبد الله بن عون، وسليمان التيمي، وشعبة بن الحجَّاج، وسفيان الثورى، ومالك بن أنس، والأوزاعى، وعبد الله بن المبارك، ويحيى بن سعبد القطَّان، ووكيع بن الجرَّاح، وعبد الرحمن بن مهدى، وغيرهم من أهل العلم أنهم تكلّموا في الرجال، وضعَّفوا.
وإنما حملهم على ذلك عندنا - والله أعلم - النصيحة للمسلمين، لا يظنُّ بهم أنهم أرادوا الطعنَ على الناس أو الغيبةَ، إنما أرادوا عندنا أن يبيّنوا ضعفَ هؤلاء لكي يعرفوا، لأن بعضهم من الذين ضُعّفوا كان صاحب بدعة، وبعضهم كان متّهما في الحديث، وبعضهم كانوا أصحابَ غفلة وكثرة خطإ. فأراد هؤلاء الأئمة أن يبيّنوا أحوالَهم شفقةً على الدين وتثبيتا، لأن الشهادة في الدين أحق أن يتثبت فيها من الشهادة في الحقوق والأموال … - وسرد أقوالا من أئمة هذا الفن في جرح كثير من الرواة، إلى أن قال -:
стр. 350
حدّثنا محمود بن غيلان، حدّثنا أبو يحيى الحمَّاني، قال: سمعتُ أبا حنيفة يقول: "ما رأيتُ أحدا أكذبَ من جابر الجعفى، ولا أفضلَ من عطاء بن أبي رباح". اهـ.
وقال شيخ البيهقى الحافظ الكبير إمام المحدثين أبو عبد الله محمد بن عبد الله النَّيْسَابوري الحكم المعروف بابن البيِّع في كتابه "المستدرك على الصحيحين" (١) عند سرد طرق حديث "لا نكاحَ إلا بوليّ ما نصه: "وقد وصلَ هذا الحديثَ عن أبي إسحاق جماعة من أئمة المسلمين غير من دكرناهم، منهم: أبو حنيفة النعمان بن ثابت، ورقبة بن مَصْقلة العبدي، ومُطَرِّف بن طريف الحارثي، وعبد الحميد بن الحسن الهلالي، وزكريا بن أبي زائدة وغيرهم، وقد ذكرناهم في الباب". اهـ.
وقال الحكم أيضًا في كتابه "معرفة علوم الحديث" (٢) ما نصه: "ذكر النوع التاسع والأربعين من معرفة علوم الحديث، هذا النوع من هذه العلوم معرفة الأئمة الثقات المشهورين من التابعين وأتباعهم، ممن يجمع حديثهم للحفظ والمذاكرة والتبرّك بهم، وبذكرهم من الشرق إلى الغرب - فذكر خلقا من أعيان كثير من البلدان -.
فمنهم من أهل "المدينة": محمد بن مسلم الزهري، ومحمد بن المنكدر القرشي، وربيعة بن أبي عبد الرحمن الرائي، ومالك بن أنس الأصبحي، وجعفر بن محمد الصادق، وغيرهم.
ومن أهل "مكة": مجاهد بن جَبْر، وعمرو بن دينار، وعبد الملك بن جُريج، وفضيل بن عياض، وغيرهم.
стр. 351
ومن أهل "مصر": عمرو بن الحارث، ويزيد بن أبي حبيب، وحيوة بن شُريح التّجيبى، وغيرهم.
ومن أهل"الشام": عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، وشعيب بن أبي حمزة الحمصي، ومكحول الفقيه، وغيرهم.
ومن أهل "اليمن": طاوس، وعبد الله بن طاوس، وغيرهما.
ومن أهل "اليمامة": يحيى بن أبي كثير، وغيره.
ومن أهل "الكوفة": عامر بن شَراحيل الشعي، وسعيد بن جُبير الأسدي، وإبراهيم النخعي، وأبو إسحاق السَّبيعي، وحماد بن أبي سليمان، ومنصور بن المعتمر، ومغيرة بن مِقْسَم الضَّبِّي، والأعمش الأسدي، ومِسْعِر بن كِدام الهلالي، وأبو حنيفة النعمان بن ثابت التيمي، وسفيان بن سعيد الثوري، وداود بن نصير الطائى، وزفر بن الهذيل، وعافية بن يزيد القاضي، وغيرهم.
ومن أهل "الجزيرة": ميمون بن مِهْران، وعمرو بن ميمون بن مهران، وخالد بن مَعْدان العابد، وغيرهم.
ومن أهل "البصرة": أيوب بن أبي تميمة السَّخْتياني، وشعبة بن الحجّاج، وهشام بن حسان، وقتادة بن دعامة، وغيرهم.
ومن أهل "واسط": العوّام بن حوشب، وأبو خالد يزيد بن عبد الرحمن الدَّالاني، وغيرهم.
ومن أهل "خراسان": إبراهيم بن طَهْمان الفقيه العابد، وإبراهيم بن أدهم الزاهد من أهل "بلخ"، وشقيق بن إبراهيم الزاهد، والنضر بن محمد الشيباني، وغيرهم. رحمة الله عليهم أجمعين". انتهى.
وقال شيخ الإسلام العلامة أبو العبَّاس تقي الدين أحمد بن عبد الحليم الشهير بابن تيمية الحنبلى في كتابه "منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة
стр. 352
والقدرية" (١): "قال أبو العباس بن عُقْدَة: حدّثنا جعفر بن محمد بن عمرو، حدّثنا سليمان بن عبّاد، سمعتُ بشَّار بن دراع، قال: لقي أبو حنيفة محمد بن النعمان، فقال: عمن رويتَ حديث رد الشمس؟ فقال: عن غير الذي رويتَ عنه: يا ساريةُ الجبلَ …
قلتُ - القائل ابن تيمية -: وهذا يدلّ على أن أئمة أهل العلم لم يكونوا يصدقون بهذا الحديث، فإنه لم يروه إمام من أئمة المسليمن، وهذا أبو حنيفة أحد الأئمة المشاهير، وهو لا يتهم على عليّ، فإنه من أهل "الكوفة" دار الشيعة، وقد لقى من الشميعة، وسمع من فضائل على ما شاء الله، وهو يحبّه، ويتولاه، ومع هذا أنكر هذا الحديث على محمد بن النعمان، وأبو حنيفة أعلم وأفقه من الطحاوي وأمثاله.
ولم يجبْه ابن النعمان بجواب صحيح، بل قال: عن غير من رويتَ عنه حديث: يا ساريةُ الجبلَ. فيقال له: هبْ إن ذلك كذب، فأيّ شيء في كذبه مما يدلّ على صدق هذا؟ فإن كان كذلك، فأبو حنيفة لا ينكر أن يكون لعمر وعلي وغيرهما كرامات، بل أنكر هذا الحديث للدلائل الكثيرة على كذبه، ومخالفته للشرع والعقل، وأنه لم يروه أحد من العُلماء المعروفين بالحديث من التابعين وتابعيهم، وهم الذين يروون عن الصحابة، بل لم يروه إلا كذّاب أو مجهول، لا يعلم عدله وضبطه، فكيف يقبل هذا من مثل هؤلاء، وسائر العُلماء المسلمين يودّون أن يكون مثل هذا صحيحا لما فيه من معجزات النبي ﷺ ، وفضيلة عليٍّ، على الذين يحبّونه ويتولّونه، ولكنّهم لا يستجيزون التصديق بالكَذِبِ، فردوه ديانةً. والله أعلم".
стр. 353
وقال في موضع آخر من الكتاب المذكور (١): " … أئمة أهل الحديث، والتفسير، والتصوّف، والفقه، مثل الأئمة الأربعة وأتباعهم".
وقال أبو الفداء الحافظ ابن كثير الدمشقي رحمه الله تعالى في كتابه "البداية والنهاية" (٢):
والطحاوى ﵀ وإن كان قد اشتبهَ عليه أمرُه - أي أمر حديث ردّ الشمس لعليّ - فقد رُوِي عن أبي حنيفة ﵀ إنكارُه والتهكّمُ بمن رواه، قال أبو العبَّاس بن عقدة: ثنا جعفر بن محمد بن عمير، ثنا سليمان بن عبّاد، سمعتُ بشّار بن دراع، قال: لقي أبو حنيفة محمد بن النعمان، فقال: عمن رويتَ حديثَ رد الشمس؟ فقال: عن غير الذي رويتَ عنه: يا ساريةُ الجبلَ.
فهذا أبو حنيفة ﵀، وهو من الأئمة المعتبرين، وهو كوفي، لا يتهم على حبّ علي بن أبي طالب وتفضيله بما فضَّله الله به ورسوله، وهو مع هذا ينكر على راويه.
وقول محمد بن النعمان له ليس بجواب، بل مجرّد معارضة بما لا يجدي، أي أنا رويتُ في فضل علي هذا الحديثَ، وهو إن كان مستغربا، فهو في الغرابة نظير ما رويتيه أنت في فضل عمر بن الخطَّاب في قوله: "يا ساريةُ الجبلَ". وهذا ليس بصحيح من محمد بن النعمان، فإن هذا ليس كهذا إسنادا ولا متنا، وأين مكاشفة إمام، قد شهد الشارع له بأنه محدث بأمر خير من رد الشمس طالعة بعد مغيبها، الذي هو أكبر علامات الساعة؟ ".
стр. 354
وقال الحافظ ابن حجر في "لسان الميزان" (١): "محمد بن علي بن النعمان بن أبي طريفة البجلي الكوفي أبو جعفر الملقَّب "شيطان الطّاق" نسب إلى سوق في طاق المحامل بـ "الكوفة"، كان يجلس للصرف بها … ، ويقال: إن أول من لقبه "شيطان الطاق" أبو حنيفة مع مناظرةٍ جرتْ بحضرته بينه وبين بعض الحرورية … ، ووقعتْ له مناظرة مع أبي حنيفة في شئ يتعلق بفضائل عليٍّ، سُمِّي فيها محمد بن النعمان نسبة إلى جدّه، فقال أبو حنيفة كالمنكر عليه عن من رويت حديث رد الشمس لعلى؛ فقال: عمن رويتَ أنت عنه: (يا ساريةُ الجبلَ)؟. اهـ.
وقال الشيخ الإمام الحافظ الحجّة شمس الدين أبو عبد الله محمد المعروف بابن قيّم الجوزية الحنبلي في كتابه "إعلام الموقّعين عن رب العالمين" (٢): وقد احتجَّ الأئمة الأربعة والفقهاء قاطبة بصحيفة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه، ولا يعرف في أئمة الفتوى إلا من احتاج إليها، واحتجَّ بها، وإنما طَعَنَ فيها من لم يَتَحَمَّل أعباءَ الفقه والفتوى، كأبى حاتم البُسْتِي، وابن حزْم، وغيرهما". اهـ.
وقال أيضًا في موضع آخر منه (٣) ما نصه: "أما طريقة الصحابة والتابعين وأئمة الحديث، كالشافعى، والإمام أحمد، ومالك، وأبي حنيفة، وأبي يوسف، والبخاري، وإسحاق … ". اهـ.
فهؤلاء الأئمة الجِلّةُ الأعلام، جهابذةُ النقد: أبو داود، والترمذي، والحاكم، والبيهقى، وابن عبد البر، وابن تيمية وابن القيّم، وابن كثير، قد أذعنوا أن الإمام أبا حنيفة من أئمة الحديث المعروفين، الذين يرجع إلى
стр. 355
أقوالهم في الجرح والتعدلِل والتصحيح والتعليل كسائرِ الحفَّاظ النقَّاد من أئمة المحدّثين.
وقد اعترف جهابذةُ المحدثين والحُفّاظ من المتقدّمين والمتأخّرين ببراعته في الحديث، وضبطه، وإتقانه، وحفظه، وورعه في روايته.
قال الحافظ أبو بكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد": (١) أخبرنا الجوهرى، أخبرنا محمد بن عمران المرزباني، حدّثنا عبد الواحد بن محمد الخصيبي، حدثني أبو مسلم الكجى إبراهيم بن عبد الله، قال: حدثني محمد بن سعيد أبو عبد الله الكاتب، قال: سمعتُ عبد الله بن داود الخريبي، يقول: يجب على أهل الإسلام أن يدعوا الله لأبي حنيفة في صلاتهم، قال: وذكر حفظه عليهم السنن والفقه". اهـ.
قلتُ: والخريبي هذا من كبار الحفّاظ، ذكره الذهبي في "تذكرة الحفاظ" (٢)، وحلّاه "بالحافظ الإمام القدوة"، ونقل عن وكيع أنه قال: "النظر إلى وجه عبد الله بن داود عبادة".
وذكر "أن الخرب قيل له: رجع أبو حنيفة عن مسائل كثيرة، قال: إنما يرجع الفقيه إذا اتَّسع علمه". اهـ.
فهذا الإمام الحافظ القدوة يصف أبا حنيفة بسعة العلم، وحفظ السنن.
وروى الخطيب أيضًا، قال: أخبرنا الخلَّال، أخبرني الحريري، أن النخَعي حدثهم: أخبرنا سليمان بن الربيع الخزَّاز، حدّثنا محمد بن حفص، عن الحسن بن سليمان أنه قال في تفسير الحديث: "لا تقوم الساعة حتى يظهر العلم"، قال: هو علم أبي حنيفة وتفسيره الآثار". اهـ.