وذُكِر أيضا سبب قول من قال عنه ما قال، والحامل له على ما نسب إليه. ولا حاجة لنا إلى ذكر ما قالوه، فإن مثل أبي حنيفة ومَحَلَّه في الإسلام لا يحتاجُ إلى دليل يُعْتَذَرُ به مما نُسب إليه. والله أعلم". انتهى.
وقَبْلَ هؤلاء كلِّهم الحافظ البارع العلامة تاج الإسلام أبو سَعْد عبد الكريم السَّمْعاني المزوَزِي الشافعيُّ، ترجَمَ له في كتاب "الأنساب" ترجمةً حسنةً، وذكر فضائله ومناقبه، ولم يعرّج على شيء من مثالبه.
وعلى هذا المنوال جرى من أتى بعد هؤلاء العلماء الأكابر المذكورين، من الحفَّاظ الجهابذة والأئمة المحدّثين وغيرهم من أهل العلم، الذين ترجموا للإمام أبي حفيفة رضى الله تعالى عنه، أو أفردوا في أخباره كُتُبا وأجزاءً فلم يَذكروا شيئا سوى فضائله، ومناقبه والثناء عليه في دينه وورعه، وسعة علمه بالكتاب والسنَّة.
وأورد هنا كلام واحد من هولاء الأجلَّة أحد كبار علماء القرن الحادي عشر، وهو الإمام العلامة ابن عَلّان، محمد علي بن محمد عَلّان بن إبراهيم الصِّدِّيقي العَلَوِي، الشافعي، محي السُّنَّة بالديار الحجازية، وأحد العلماء المفسّرين والأئمة المحدّثين في تلك الديار، المولود سنة ٩٩٦ هـ، والمتوفى سنة ١٠٥٧ هـ، رحمه الله تعالى، وقد ترجم للإمام أبي حنيفة في كتابه "الفتوحات الربَّانية على الأذكار النووية"، حيث جاء ذكر الإمام في متن "الأذكار"، فقال ما نصه:
"الإمام أبو حنيفة هو الإمام الأعظم، والعَلَمُ المفرَد المُكَرَّم، إمام الأئمة، المتَّفق على عُلُوِّ مرتبته، ووفور علمه، وزهده، وتَمَلِّيه من العلوم الباطنة
стр. 422
فضل عن الظاهرة بما فاق به أهلَ عصره، وفاق بحُسنِ الثناء عليه وإذاعة ذكره من أكابر التابعين: النعمان بن ثابت بن زُوطَى - بضم الزاي وفتح الطاء - بن ماه، مَوْلى تَيْمِ الله بن ثَعْلَبَة الكوفي.
رَوَى الخطيب بإسناده عن حفيده عُمر بن حمَّاد بن أبي حنيفة: أن ثابتا وُلِد على الإسلام، وزُوطَى كان مملوكا لبني تَيمٍ، فأعتقوه، فصار ولاؤه لهم، وأنكر إسماعيل أخو عمر حفيد أبي حنيفة ذلك، وقال: إن والدَ ثابت من أبناء "فارس"، وأنهم أحرار، - قال -: والله ما وقع علينا رِقٌّ قط، قال: وذهب. زوطَى. بثابت ابنه إلى علي بن أبي طالب، وهو صغير، فدعا له بالبركة فيه وفي ذريته، ونحن نرجو الله أن يكون ذلك قد استجيب فينا. اهـ.
وهو كما رجا - إسماعيل - فقد بارك الله في جدّه أبي حنيفة بركةً، لا نهِاية لأقصاها، ولا حدَّ لمنتهاها، وبارك في أتباعه، فكثروا في سائر الأقطار، وظهر عليهم من بركة إخلاصه وصدقه ما اشتهر به في سائر الأمصار.
أخذ الفقه عن حمّاد بن أبي سليمان، وأدرك أربعة من الصحابة، بل ثمانية، منهم أنس، وعبد الله بن أبي أوفى، وسهل بن سَعَدٍ، وأبو الطفيل، وقد نظم بعضهم أسماء بعض من رَوَى عنه الإمام أبو حنيفة من الصحابة، فقال:
أبو حنيفة زين التابعين رَوَى … عن جابر وابن جَزءٍ والرِّضا أنس
ومَعقِلٍ وحُرَيثيٍّ (١) وواثلة … وبنت عَجْرَد، عِلْمَ الطيِّبين قَبَس
وقيل: لم يلق أحدا منهم.
стр. 423
وسمع من عطاء وأهل طبقته، وروى عنه ابن المبارك، ووكيع بن الجرَّاح، وآخرون.
وطلب منه المنصور أن يلي القضاء، فامتنع، فحبسه على ذلك، وضربه، وهو مُصِرٌّ على الامتناع، حتى مات في السجن، رضى الله عنه.
قال عبد الله بن المبارك في حقه: أتذكرون رجلا عُرِضَتْ عليه الدنيا بحذافيرها، ففرَّ منها.
وكان حسن الثياب، طَيِّبَ الريح، يُعرف بريح الطِّيب إذا أقبل، حسن المجلس، كثير الكَرَم، حسَنَ المواساة لأخوانه، رَبْعَة، وقيل: كان طُوالا، أحسن الناس مَنْطِقا، وأحلاهم نَغْمَةً.
قال: قَدِمتُ "البصرة"، فظننتُ أني لا أسأل عن شئ إلا أجبتُ عنه، فسألوني عن أشياء لم يكن عندي فيها جواب، فجعلتُ على نفسي ألا أفارق حمادا حتى يموتَ، فصحبتُه ثمانيَ عَشْرَةَ سنة، ثم ما صليتُ صلاةً إلا استغفرتُ له مع والدَيَّ، وإني لأستغفر لمن تعلمتُ منه علما أو تعلَّم مني علما.
قال سهل بن مُزاحم: بُذِلت له الدنيا فلم يُرِدْها، وضُرب عليها بالسِّياطِ، فلم يَقْبَلها.
وكان خَزَّازًا، يبيع الخَزَّ، ودكانهُ في دار عَمْرو بن حُريث.
ولما بلغ ابنَ جُريج موته توجَّع، وقال: أيّ علمٍ ذهب.
وقال الفُضيلُ بن عياض. وناهيكَ بها شهادةً من هذا الحَبْر: كان أبو حنيفة معروفا بالفقه، مشهورا بالوَرَع، واسعَ العلم، معروفا بالإفضال، صبورا على تعليم العلم بالليل والنهار، قليلَ الكلام، حتى تردَ مسئلة في الحلال والحرام.
وفضائله كثيرة …
стр. 424
ولما غَسَّله الحَسَنُ بن عُمارة - قاضي "بغداد" قاله: غَفَر الله لك، لم تُفطِر منذ ثلاثين سنة، ولم تتوسَّد يمينك في الليل أربعين سنة.
وُلد ﵁ سنة ثمانين من الهجرة، وتوفي بـ "بغداد". قيل: في السجن، على أن يلي القضاء - سنة خمسين على المشهور، أو إحدى أو ثلاث وخمسين ومائة، في شهر رجب. وقبره بـ "بغداد"، يُزار.
ومن فضله قول إمامنا الشافعي: الناس في الفقه عِيال على أبي حنيفة، رحمه الله تعالى. انتهى كلام ابن عَلّان، رحمه الله تعالى.
فهولاء الحُفّاظ النُّقَّاد أئمة الجرح والتعديل لم يُوردوا في تصانيفهم شيئا مما ذكر أعداؤُه وحُسّادُه من مطاعنه ومَثَالبه، فثبت من صنيع هؤلاء جميعا أن كل ما ذُكِر في بعض كتب الرجال من جَرْحِه، ينبغى أن يُرمَى به عُرْضَ الحائط.
ولا شكَّ أنه ما طَعَن أحد في قول من أقواله إلا لجهله به، إما من حيث دليلُه، وإما من حيث دِقَّةُ مداركه عليه، - رضى الله تعالى عنه -، وقد أجمع السَّلَفُ والخَلَفُ على كثرة علمه، ووَرَعِه، وعبادته، ودقَّة مداركه واستنباطاته. ولا عبرة بقول الجُهَّال والحُسَّاد والأعداء على كل حال. ولقد صَدَق الإمام عبد الوهَّاب الشَّعْراني رحمه الله تعالى؛ حيث يقول في "الميزان الكبرى" (١):
"وأما ما نقل عن الأئمة الأربعة رضى الله عنهم أجمعين في ذم الرأي، فأوَّلهم تَبَرِّيًا من كل رأي يخالف ظاهر الشريعة الإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان بن ثابت رضى الله عنه، خِلافَ ما يضيفه إليه بعض المتعصّبين، ويا فضيحته يوم القيامة من الإمام إذا وقع الوجه في الوجه، فإن من كان في قلبه نور لا يتجرأ أن يذكر أحدا من الأئمة بسوء.
стр. 425
وأين المقامُ من المقام؟ إذ الأئمة كالنجوم في السماء وغيرُهم كأهل الأرض، الذين لا يعرفون من النجوم إلا خيالها على وجه الماء! وقد روى الشيخ محيي الدين في "الفتوحات المكية" بسنده إلى الإمام أبي حنيفة ﵁ أنه كان يقول: إيَّاكم والقولَ في دين الله تعالى بالرأى، وعليكم باتباع السنَّة، فمن خرج عنها ضلّ".
وقال أيضا رحمه الله تعالى (١): "والعلماء أمناء الشارع على شريعته من بعده، فلا اعتراض عليهم فيما بيَّنوه للخلق، واستنبطوه من الشريعة، لا سيّما الإمام أبو حنيفة ﵁، فلا ينبغي لأحدٍ الاعتراض عليه، لكونه من أجلِّ الأئمة، وأقدمهم تدوينا للمذهب، وأقربهم سندا إلى رسول الله ﷺ ، ومُشاهِدًا لفعل أكابر التابعين من الأئمة، ﵃ أجمعين.
كيف يَليقُ بأمثالنا الاعتراض على إمام عظيم، أجمع الناسُ على جلالته، وعلمه، وورعه، وزهده، وعفّته، وعبادته، كثرة مراقبته لله ، وخوفه منه طُول عمره، ما هذا والله إلا عمَى في البصيرة …
وإيَّاك أن تخوضَ مع الخائضين في أعراض الأئمة بغير علم، فتخسر في الدنيا والآخرة، فإن الإمام ﵁ كان متقيّدا بالكتاب والسنَّة، متبرّئا من الرأي، كما قدمنا لك في عِدَّة مواضع من هذا الكعاب.
ومن فتَّش مذهبَه ﵁ وَجَده من أكثر المذاهب احتياطا في الدين، ومن قال غير ذلك فهو من جملة الجاهلين المتعصّبين المنكرين على أئمة الهُدى بفهمه السقيم، وحاشا ذلك الإمامَ الأعظمَ من مثل ذلك حاشاه، بل هو إمام عظيم مُتَّبَع إلى انقراض المذاهب كلها.
стр. 426
وأتباعه لن يزالوا في ازدياد كلما تقارب الزمان، وفي مزيد اعتقادٍ في أقواله، وأقوال أتباعه، وقد قدمنا قول إمامنا الشافعي رضى الله عنه: "الناس كلهم عِيالٌ في الفقه على أبي حنيفة".
وقد ضُرِب بعض أتباعه، وحُبِسَ ليُقلِّدَ غيره من الأئمة، فلم يفعل، وما ذلك والله سُدًى، ولا عبرة بكلام بعض المتعصّبين في حق الإمام، ولا بقولهم: إنه من جملة أهل الرأي، بل كلام مَنْ يَطْعَن في هذا الإمام عند المحققين يُشْبِهُ الهَذَيانات. ولو أن هذا الذي طَعَن في الإمام، كان له قدمٌ في معرفة مَنازع المجتهدين، ودِقَّة استنباطاتهم، لقدَّم الإمام أبا حنيفة في ذلك على غالب المجتهدين، لخفاء مُدْرَكهِ، رضي الله تعالى عنه.
واعلم يا أخى، أننى ما بسطتُ لك الكلام على مناقب الإمام أبي حنيفة أكثر من غيره، إلا رحمةً بالمتهوِّرين في دينهم من بعض طلبة المذاهب المخالفة له، فإنهم ربما وقعوا في تضعيف شيء من أقواله، لخفاء مُدْرَكِه عليهم، بخلاف غيره من الأئمة، فإن وجوه استنباطاتهم من الكتاب والسنَّة ظاهرة لغالب طلبة العلم، الذين لهم قَدَمٌ في الفهم ومعرفة المدارك". انتهى.
اعتداء الألباني على الإمام أبي حنيفة
فهذا ما نقلناه من أركان النقل وأئمة الرجال، الذين عليهم المعوَّل في هذا الباب، في حق أبي حنيفة الإمام الأعظم رضي الله تعالى عنه، من الثناء على حفظه وإتقانه وعلمه، وحد قال الحافظ أبو الحَجَّاج المزِّي في "مقدمة تهذيب الكمال":
واعلم: أن ما كان في هذا الكتاب من أقوال أئمة الجرح والتعديل ونحو ذلك، فعامته منقول من كتاب "الجرج والتعديل" لأبي محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازى الحافظ ابن الحافظ،. ومن كتاب "الكامل" لأبي أحمد عبد الله بن عدي الجرجاني الحافظ، ومن كتاب "تاريخ بغداد" لأبي بكر أحمد بن علي
стр. 427
بن ثابت الخطيب البغدادي الحافظ، ومن كتاب "تاريخ دمشق" لأبي القاسم علي بن الحسن بن هبة الله المعروف بابن عساكر الدمشقي الحافظ، وما كان فيه من ذلك منقولا من غير هذه الكتب الأربعة، فهو أقلّ مما كان فيه من ذلك منقولا منها، أو من بعضها …
وقد اشتمل هذا الكتاب على ذكر عامة رواة العلم، وحملة الآثار، وأئمة الدين، وأهل الفتوى، والزهد والورع والنسك، وعامة المشهورين من كل طائفة من طوائف أهل العلم المشار إليهم من أهل هذه الطبقات، ولم يخرج عنهم إلا القليل.
فمن أراد زيادة اطلاع على ذلك، فعليه بعد هذه الكتب الأربعة بكتاب "الطبقات الكبرى" لمحمد بن سعد كاتب الواقدى، وكتاب "التاريخ" لأبي بكر أحمد بن أَبي خيثمة زهير بن حرب، وكتاب "الثقات" لأبي حاتم محمد بن حبّان البستي، وكتاب "تاريخ مصر" لأبي سَعِيد عبد الرحمن بن أحمد بن يونس بن عبد الأعلى الصدفي، وكتاب "تاريخ نيسابور" للحكم أبى عَبد الله محمد بن عَبد الله النيسابورى الحافظ، وكتاب "تاريخ أصبهان" لأبي نُعَيم أحمد بن عَبد الله بن أحمد الأصبهاني الحافظ، فهذه الكتب العشرة أمهات الكتب المصنفة في هذا الفن". انتهى (١).
ومعلوم أن ابن عَدِيّ قد تعدَّى وجاوز الحدَّ في الوقيعة في الإمام الأعظم، وكذا الخطيب البغدادي قد استوعب مثالبَ الإمام، فأتى بقاذورات، لا تَغْسِلُها البحار!
وكانت عامة كتب الجرح والتعديل في متناول أهل العلم، الذين نقلنا مناقب الإمام الأعظم من تصانيفهم، كالسمعاني، والنووى، والمِزِّي، والذهبي، وابن كثير، والحُسَيْنى، والبرهان الحَلَبى، وابن حجر العَسْقلاني.
стр. 428
وهؤلاء كلهم من أئمة هذا الشأن، ومع ذلك لم يلتفتوا إلى ما قيل في أبي حنيفة أصلا، بل على رغم هؤلاء الطاعنين يَعُدّونه في الحُفَّاظ، ويوثّقونه ويجعلونه من أئمة النقد، الذين يُرْجَع إلى اجتهادهم في التزييف والتصحيح، والجرح والتعديل، ويذكرون أقواله في هذا الباب.
فهذا الإمام أبو الحجَّاج المزِّي كل ما ذكره في ترجمة أبي حنيفة في كتابه "تهذيب الكمال" إنما أخذه من كتاب "تاريخ بغداد" للخطيب البغدادي، ولم يُعرّج على ما ذكر فيه من قدحه أصلا، عِلْمًا منه أن كلام من تكلَّم فيه إنما صدر عن هوى وعصبية، والإمام بريء عما رُمي به من أعدائه، فلا ينبغي أن يُذكر منه شيء.
وقد صرَّح الإمام الذهبي رحمه الله تعالى: "أن كتاب "تهذيب الكمال" ينبوع معرفة الثقات" (١)، وقد أثنى على صنيعه هذا قائلا:
"قد أحسن شيخنا أبو الحَجَّاج حيث لم يورد شيئا يلزم منه التضعيف". انتهى كما مرَّ سابقا (٢).
وعلى منواله جرى مَن أتى بعده كالذهبي، وابن كثير، والحُسيني، والبرهان الحلبى، وابن حجر، كلهم من السادة الشافعية رحمهم الله تعالى، وهلُمَّ جرًّا إلى يومنا هذا، إلا أن بعض منتحلي الحديث من أهل عصرنا - وهو الشيخ ناصر الألباني - قد شذَّ وحاد عن الطريق، فأخذ يقع في مثل هذا الإمام، ويتكلم في حفظه وإتقانه، ويُضعِّفه، ويَرْميه بسوء الحفظ، وينفي عنه الضبط والحفظ.
стр. 429
وتعامَى عن نصوص موثقيه أمثال الإمام الحجَّة الحافظ شيخ الإسلام أبي بِسطام شبعة بن الحجَّاج الأزدي، والإمام العلَمِ سيِّد الحفَّاظ أبي سعيد يحيى بن سعيد القطَّان، والإمام الحافظ قدوة أصحاب الجرح والتعديل أبي الحسن علي بن المديني، والامام الفرد سيّد الحفَّاظ ملك الجرح والتعديل يحيى بن مَعين، والامام الثبت سيّد الحفَّاظ أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني، وغيرهم من أئمة هذا الشأن، حيث يقول في كتابه "سلسلة الأحاديث الضعيفة" (١)، عند الكلام على حديث "إذا طلع النجم رُفعت العاهةُ عن أهل كل بلد ما نصّه:
"ضعيف، أخرجه الإمام محمد بن الحسن في كتاب "الآثار" (ص ١٥٩) أخبرنا أبو حنيفة، قال: حدثنا عطاء بن أبي رباح، عن أبي هريرة مرفوعا، ومن طريق أبي حنيفة أخرجه الثقفي في "الفوائد" (١: ٣:١٢)، وكذا الطبراني في "المعجم الصغير" (ص ٢٠) وفي "الأوسط" (٢: ١٤٠: ١)، وعنه أبو نعيم في "أخبار أصبهان" (١٢١: ١)، وقال: "النجم هو الثريَّا".
وهذا إسناد، رجاله ثقات، إلا أن أبا حنيفة رحمه الله تعالى على جلالته في الفقه، قد ضعَّفه من جهة حفظه البخاري، ومسلم، والنسائي، وابن عدي، وغيرهم من أئمة الحديث. ولذلك لم يزد الحافظ ابن حجر في "التقريب" على قوله في ترجمته "فقيه مشهور". انتهى.
ونحن نسأل الألبانيَّ إذا كان ضَعْفُ أبي حنيفة متحقّقا عند ابن حجر، فلم لم يضعّفْه، واكتفى بقوله "فقيه مشهور" مع تصريحه في "مقدمة تقريبه" بقوله: "إنني أحكُمُ على كل شخص منهم بحكم يَشْمَل أصح ما قيل فيه، وأعدل ما وُصِفَ به، بألخَص عبارة وأخلص إشارة". انتهى.
стр. 430
فهل قرأ الألباني في كتاب من كتب المصطلح أن كلمة "فقيه مشهور"، تدلّ على ضعف الراوي تصريحا أو تلويحا، بيِّنْه لنا مأجورا، وهل اتِّصاف راوٍ بالفقه والشُّهرة يَدُلّ على ضعفه وتركه، أم يُخرجه من الجهالة والستر إلى الشهرة والمعرفة، ويفيد تبجيله بالعلم والجلالة، ويُثْبِتُ له كل خير، فقد ثبت عن المصطفى ﷺ أنه قال: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين"، فهل بعد الفقه خير يُرجَى له، ولفظ "الفقيه" في عرف السلف كان لا يُطلق إلا على المجتهد، فما بالُ الألباني يجعل الثناء ذمًّا؟! ويعكِسُ الأمر! والله حسيبه.
وأما قوله: "لم يزد الحافظ ابن حجر في "التقريب" على قوله: "فقيه مشهور"، فهذا كذب وبهت! ونفيُ الزيادة لا يصحُّ، كيف وقد أقرَّ الحافظ ابن حجر بإمامته في موضعين! فقد جاء في الكنى من "التقريب" ما نصه: "أبو حنيفة النعمان بن ثابت، الإمام المشهور". وقال في حرف النون، ما نصه: "النعمان بن ثابت الكوفي أبو حنيفة الإمام، يقال أصله من "فارس"، ويقال مولى بني تَيْم، فقيه مشهور، من السادسة، مات سنة خمسين - ومائة - على الصحيح، وله سبعون سنة". انتهى.
ولفظ الإمام إذا أطلق ولم يقيد في كتب الجرح التعديل من أعلى مراتب التوثيق، وهو أرفع من ثقة، أو مُتقن، أو ثَبْت، أو عَدْل، ولكن الإنسان إذا وقع في كبار الأئمة ينزل عليه المقت، ويُسلَب عقله، فيخبط كخبط عشواء.
وظهر من هذا أن الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى لم يقبل تضعيف هؤلاء في حق الإمام أبي حنيفة أصلا، وفي لفظ "الفقيه" و"الإمام" إشارة إلى ترجيح روايته على رواية غير الفقيه وغير الإمام من عامة الرواة، ولم يتفطن له الألباني أصلا - إن لم نقل: علمه كتمه! - بل عكس الأمر،
стр. 431
وزَعَم أن الوصف "بفقيه مشهور" يدل على ضعف الراوي، فسبحان قاسم العقول!
وقد دكر الإمام الزكي يوسف بن الحجّاج المِزِّي ﵀ في "مقدمة تهذيب الكمال" (١):
"قال أبو بكر بن خُزيمة: عن عبد الله بن هاشم الطُوسي: كنا عند وكيع، فقال: الأعمش أحب إليكم، عن أبي وائل، عن عبد الله، أو سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة عن عبد الله؟ فقلنا: الأعمش، عن أبي وائل أقرب، فقال: الأعمق شيخ، وأبو وائل شيخ، وسفيان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله، فقيه، عن فقيه، عن فقيه، عن فقيه، زاد غيره، قال: وحديث يتداوله الفقهاء أحبّ إلينا من حديث يتداوله الشيوخ". انتهى.
ثم لا يخفى أن الحافظ ابن حجر العسقلاني في سائر تصانيفه لم ينقل عن أحد من أهل العلم شيئا في تضعيف الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى، على رغم أنف الألباني، بل نقل توثيق الإمام نصا في كتابه "تهذيب التهذيب" (٢) عن إمام الصنعة يحيى بن مَعين رحمه الله تعالى، وهذا نصه:
"قال محمد بن سعد العَوفي: سمعتُ يحيى بن مَعين يقول: كان أبو حنيفة ثِقةً، لا يُحدِّث بالحديث إلا بما يحفظه، ولا يحدّث بما لا يحفظه، وقال صالح بن محمد الأسدي عن ابن مَعين: كان أبو حنيفة ثقة في الحديث". انتهى.
стр. 432
وقال أيضا رحمه الله تعالى: "قال ابن أبي داود، عن نصر بن علي، سمعتُ ابن داود يعني الخريبي يقول: الناس في أبي حنيفة حاسد وجاهل.
وقال أحمد بن عَبْدَة قاضي "الرَّيِّ" عن أبيه: كنا عند ابن عائشة، فذكر حديثا لأبي حنيفة، ثم قال: أما إنكم لو رأيتموه لأردتموه، فما مثله ومثلكم إلا كما قيل:
أقلُّوا عليهم ويلكم لا أبا لكم … من اللَّوم أو سُدُّوا المكان الذي سَدُّوا".
وختم ترجمته بقوله: "ومناقب الإمام أبي حنيفة كثيرة جدا، فرضى الله تعالى عنه وأسكنه الفردوس آمين".
والخُريبيُّ هو الإمام الحافظ القُّدوَة أبو عبد الرحمن عبد الله بن داود بن عامر الهَمْداني الشَّعْبي الكوفي، كان يَسْكُن محلة الخُرَيْبَة بـ "البصرة"، ذكره الذهبي في "تذكرة الحفاظ".
وقال الحافظ في "التقريب " في ترجمة الخُريبي هذا: " (خ، عـ) عبد الله بن داود بن عامر الهَمْداني، أبو عبد الرحمن الخُريبى، بمعجمة وموحدة مصغرا، كوفيّ الأصل، ثقة عابد، من التاسعة، مات سنة ثلاث عشرة - ومائتين - وله سبع وثمانون سنة، أمسك عن الرواية قبل موته، فلذلك لم يسمع منه البخاري" انتهى.
وقال في "تهذيب التهذيب": "قال ابن سعد: كان ثقة عابدا ناسكا، وقال معاوية بن صالح عن ابن مَعين: ثقة صدوق مأمون، وقال عثمان الدارِمي: سألت ابن مَعين عنه وعن أبي عاصم، فقال: ثقتان، قال الدارمي: الخُرَيبيُّ أعلى، وقال أبو زُرعَة والنسائي: ثقة، وقال أبو حاتم: كان يميل إلى الرأي، وكان صدوقا، وقال الدارقطني: ثقة زاهد، وقال ابن عُيَيْنة: ذاك أحد الأحدين، وقال مرة: ذلك شيخنا القديم". انتهى.
فانظر أيها الألباني المتعصّب - ولا تغمض عينيك - ما ذا يقول أحد الأحدين الخُريبي شيخ ابن عيينة الثقة الصدوق الزاهد العابد الناسك المأمون:
стр. 433
إن الناس في أبي حنيفة حاسد وجاهل، فلا تغترَّ بما قاله الحسَّاد والجاهلونِ في هذا الإمام.
وأما ابن عائشة فهو أبو عبد الرحمن عبيد الله بن محمد بن حفص العيشي بتحتانية ومعجمة، ذكره الحافظ في "التقريب"، فقال: " (ر، ت، س) عُبيد الله بن محمد بن عائشة، اسم جدّه حفص بن عمر بن موسى بن عبيد الله بن مَعْمَر التَّيمي، وقيل له: ابن عائشة، والعائشيُّ، والعيَشِيُّ نسبة إلى عائشة بنتِ طلحة، لأنه من ذريتها، ثقة، جَواد، رُمِيَ بالقدر، ولم يثبت، مِن كبار العاشرة، مات سنة ثمان وعشرين - ومائتين".
وقال في "تهذيب التهذيب": "قال أبو طالب عن أحمد: صدوق في الحديث، وقال أبو حاتم: صدوق ثقة، روى عنه أحمد، وكان عنده عن حماد بن سلمة تسعة آلاف، وكان عنده دقائق، وفصاحة، وحُسنُ خلُق، وسخاء، وقال الآجُرِيُّ عن أبي داود: سمع علما كثيرا … ، قال الساجيُّ: وكان من سادات أهل "البصرة" غير مُدافَع، وكان كريما سخيا. وقال إبراهيم الحربي: ما رأتْ عَيْني مِثْلَه … وقال ابن حبَّان: كان حافظا عالما بأنساب العَرَب". انتهى باختصار.
وحلَّاه الذهىبي في "سير أعلام النبلاء" بقوله: "الإمام العلامة الثقة … الأخباري، الصادق". انتهى.
فهذا شيخ الإمام أحمد العلامة الأخباريّ الحافظ الصَّدوق الثقة، حامل العلم الكثير، من سادات أهل "البصرة": يذكر حديثا لأبى حنيفة، فقال: بعض من حضر: لا نريده (كما يقول الألباني في عصرنا هذا) فيقول له: "أما إنكم لو رأيتموه لأردتموه، وما أعرف له ولكم مثلا إلا ما قال الشاعر:
стр. 434
أقلُّوا عليهم ويلكم لا أبا لكم … من اللَّوم أو سُدُّوا المكان الذي سَدُّوا" (١).
وفي ذلك عبرة للألباني، لو كان من أولى الألباب والأمانة.
ولما كان أبو حنيفة ثقة لا يحدّثُ بالحديث إلا بما يحفظه، ولا يحدّث بما لا يحفظه، كما ينقله ابن حجر عن ابن مَعين ويقرّه، ولا يتعقّب عليه، فكيف يظنّ به أنه قد تأثر بجرح المخالفين له، فما بال الألباني لا يتفطن لهذا الأمر الظاهر المكشوف؟ وما حجبه عن رؤية هذا الكلام وفهمه إلا تعصّبه وحنقه الأسود على الإمام أبي حنيفة!
وفي "الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر" تأليف الحافظ الإمام شمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي، ما نصه:
وسئل - أي الحافظ ابن حجر - عما ذكره النسائي في "الضعفاء والمتروكين": عن أبي حنيفة ﵁ أنه: ليس بقوي في الحديث، وهو كثير الغلط والخطأ على قلّة روايته (٢)، هل هو صحيح؟ وهل وافقه على هذا أحد من أئمة المحدثين أم لا؟
فأجاب النسائي من أئمة الحديث، والذى قاله إنما هو حسب ما ظهر له، وأداه إليه اجتهاده، وليس كل أحد يؤخذ بجميع قوله، وقد وافق
стр. 435
النسائي على مُطلق القول جماعة من المحدثين، واستوعب الخطيب في ترجمته من "تاريخه" أقاويلهم، وفيها ما يُقبل وما يُردُّ، وقد اعتُذِرَ عن الإمام بأنه كان يرى أنه لا يحدث إلا بما حفظه منذ سمعه إلى أن أداه، فلهذا قلّت الروايةُ عنه، وصارتْ روايتُه قليلة بالنسبة لذلك، وإلا فهو في نفس الأمر كثير الرواية.
وفي الجملة: ترك الخوض في مثل هذا أولى، فإن الإمام وأمثاله ممن قفزوا القنطرة، فما صار يؤثر في أحد منهم قول أحد، بل هم في الدرجة التي رفعهم
стр. 436
الله تعالى إليها، من كونهم متبوعين يُقْتدى بهم، فليعتمد هذا، والله ولي التوفيق. انتهى (١).
فعلى الألباني أن يتقي الله تعالى فيما يقول، وليجتنب الخِداعَ والتقويلَ لابن حجر - وغيره - ما لم يقلْه، والله ولي التوفيق.
وبهذا ظهر الجوابُ عمن شاركَ النسائي في الجرح للإمام، وقد حَثّ أبرُّ أصحاب ابن حجر إليه الإمام الحافظ السَّخاويّ، في كتابه "الإعلان بالتوبيخ لمن ذَمَّ التاريخ" (٢) على الاجتناب عن اقتفاء الجارحين والطاعنين فيه، حيث يُوصي رحمه الله تعالى قائلا:
"ويلتحق بذلك (أبي في التأويل والتجنّب عن ذكره) ما وقع بين الأئمة، سِيَّما المتخالفين في المناظرات والمباحثات، وأما ما أسنده الحافظ أبو الشيخ بن حَيَّان في "كتاب السنة" له، من الكلام في حق بعض الأئمة المقَلَّدين، وكذا الحافظ أبو أحمد بن عَدِيَّ في "كامله"، والحافظ أبو بكر الخطيب في "تاريخ بغداد" وآخرين ممن قبلهم كابن أبي شيبة في "مصنفه"، والبخاري، والنسائى، مما كنت أنزههم عن إيراده مع كونهم مجتهدين، ومقاصدهم جميلة: فينبغي تجنّب اقتفائهم فيه، ولذا عَزَّر بعضُ القُضاة الأعلام من شيوخنا من نُسب إليه التحدّث ببعضه، بل منعنا شيخنا - الحافظ ابن حجر - حين سمعنا عليه "كتاب ذم الكلام" للهروي، من الرواية عنه، لما فيه من ذلك". انتهى.
стр. 437
رد الإمام ابن عبد البر على الطاعنين في الإمام، وفيه عبرة للألباني لو اعتبر
وأما الإمام شيخ الإسلام حافظ المغرب أبو عمر يوسف بن عبد البر النَّمَري القرطي ﵀ فقد صدع بالحق، كشف القناع عن وجوه الطاعنين في الإمام في كتابيه "الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء"، و"جامع بيان العلم وفضله وما ينبغى في روايته وحمله" حيث قال في ترجمة الإمام أبي يوسف من "الانتقاء" ما لفظه: "كان يحيى بن مَعين يُثني عليه، ويوثّقه، وأما سائر أهل الحديث فهم كالأعداء لأبي حنيفة وأصحابه".
فنسئلك أيها الألباني هل يُقْبل قول الأعداء من غير إقامة برهان على دعواهم في حق إمام، قد خضعت الأمة لجلالته وعلمه وورعه، وتبعه شطر أهل البسيطة على توالي القرون إلى يومنا هذا؟ أفما لك عقل يمنعك عن الخوض في مثل تلك الورطات؟
وقال الإمام ابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (١):
"أفرط أصحاب الحديث في ذم أبي حنيفة، وتجاوزوا الحدّ في ذلك، والسبب الموجب لذلك عندهم إدخاله الرأي والقياس على الآثار واعتبارهما، وأكثر أهل العلم يقولون: إذا صحَّ الأثرُ بطل القياس والنظر.
وكان ردّه لما ردَّ من أخبار الآحاد بتأويل محتمل، كثير منه قد تقدمه إليه غيره، وتابعه عليه مثله ممن قال بالرأي، وجُل ما يوجد له من ذلك ما كان منه اتباعا لأهل بلده، كإبراهيم النخَعي، وأصحاب ابن مسعود، إلا أنه أغرق وأفرط في تنزيل النوازل هو وأصحابه، والجواب فيها برأيهم واستحسانهم، فأتى منه من ذلك خلاف كبير للسلف، وشُنع هي عند مخالفيهم بدع.
стр. 438
وما أعلم أحدا من أهل العلم إلا وله تأويل في آية، أو مذهب في سنة، رد من أجل ذلك المذهب سنة أخرى بتأويل سائغ أو إدعاء نسخ، إلا أن لأبي حنيفة من ذلك كثيرا، وهو يوجد لغيره قليل.
وقد ذكر يحيى بن سلام، قال: سمعتُ عبد الله بن غانم في مجلس إبراهيم بن الأغلب يحدّث عن الليث بن سعد أنه قال: أحصيتُ على مالك بن أنس سبعين مسئلة كلها مخالفة لسنّة النبي ﷺ ، مما قال مالك فيها برأيه، قال: ولقد كتبتُ إليه في ذلك".
قال أبو عمر (ابن عبد البر): "ليس أحد من علماء الأمة" يُثبتُ حديثا عن النبي ﷺ ، ثم يَرُدُّه دون إدعاء نسخ عليه بأثر مثله، أو بإجماع، أو بعمل يجب على أصله الانقياد إليه، أو طعن في سنده، ولو فعل ذلك أحد سقطت عدالتُه، فضلا عن أن يتخذ إماما، ولزمه إثمُ الفسق.
ونقموا أيضا على أبي حنيفه الإرجاءَ، ومن أهل العلم من ينسب إلى الإرجاء كثير.
ولم يُعْنَ أحد بنقل قبح ما قيل فيه، كما عُنُوا بذلك في أبى حنيفة، لإمامته، وكان أيضا مع هذا يُحسدُ، وينسب إليه ما ليس فيه، ويُختلَق عليه ما لا يليق.
وقد أثنى عليه جماعة من العلماء، وفضَّلوه، ولعلَّنا إن وجدنا نَشْطةً أن نجمع من فضائله، وفضائل مالك أيضا، والشافعي، والثوري، والأوزاعي كتابا أمَّلنا جمعه قديما في أخبار أئمة الآثار، إن شاء الله تعالى (١).
стр. 439
حدثنا عبد الرحمن بن يحيى، قال: حدثنا أحمد بن سعيد، قال: حدثنا أبو سعيد بن الأعرابي، قال: حدثنا عباس بن محمد الدوري، قال: سمعتُ يحيى بن مَعين يقول: أصحابنا يُفْرطون في أبي حنيفة وأصحابه، فقيل له: أكان أبو حنيفة يكذبُ؟ فقال: كان أنبل من ذلك.
وذكر محمد بن الحسين الأزدي الحافظ الموْصِلى في الأخبار التي في آخر كتابه في "الضعفاء": قال يحيى بن مَعين: ما رأيتُ أحدا أقدمه على وكيع، وكان يفتي برأي أبي حنيفة، وكان يحفظ حديثه كله، وكان قد سمع من أبي حنيفة حديثا كثيرا.
وقال علي بن المديني: أبو حنيفة روى عنه الثوري، وابن المبارك، وحماد بن زيد، وهُشَيْم، وكيع بن الجرَّاح، وعبَّاد بن العوَّام، وجعفر بن عون، وهو ثقة لا بأس به. وقال يحيى بن سعيد: ربما استحسنا الشئ من قول أبي حنيفة، فنأخذ به. قال يحيى: وقد سمعتُ من أبي يوسف "الجامع الصغير". ذكره الأزدي، قال: حدثنا محمد بن حرب سمعتُ: علي بن المديني، فذكره من أوله إلى آخره حرفا بحرف".
قال أبو عمر (ابن عبد البر): "الذين رووا عن أبي حنيفة ووثقوه وأثنوا عليه، أكثر من الذين تكلّموا فيه، والذين تكلّموا فيه من أهل الحديث أكثر ما عابوا عليه الإغراق في الرأي والقياس، والإرجاء.
وكان يقال: يُستدلُّ على نباهة الرجل من الماضين بتباين الناس فيه. قالوا: ألا ترى إلى علي بن أبي طلب أنه هلك فيه فئتان، محبّ أفرط، ومبغض فرَّط. وقد جاء في الحديث: "أنه يَهْلكُ فيه رجلان، محب مُطْرٍ، ومُبْغِض مُفتَرٍ". وهذه صفة أهل النباهة، ومن بلغ في الدين والفضل الغاية، والله أعلم".
стр. 440
وقال ابن عبد البر في (باب حكم قول العلماء بعضهم في بعض) من "جامع بيان العلم" (١) أيضا، ما نصه:
"هذا باب قد غلط فيه كثير من الناس، وضلَّتْ به نابتة جاهلة، لا تدري ما عليها في ذلك، والصحيح في هذا الباب أن من صحتْ عدالتُه، وثبتتْ في العلم أمانتُه، وبات ثقته، وعنايته بالعلم، لم يُلتَفَتْ فيه إلى قول أحد، إلا أن يأتي في جَرْحته ببينة عادلة، تصح بها جرحتُه على طريق الشهادات، والعمل فيها من المشاهدة والمعاينة لذلك كما يوجب قوله من جهة الفقه والنظر.
وأما من لم تثبت إمامتُه، ولا صحتْ لعدم الحفظ والإتقان روايتُه، فإنه يُنظر فيه إلى ما اتفق أهل العلم عليه، ويُجتهد في قبول ما جاء به على حسب ما يؤدِّي النظر إليه.
والدليل على أنه لا يُقْبل فيمن اتخذه جمهور من جماهير المسلمين إماما في الدين قول أحد من الطاعنين: أن السلف رضوان الله عليهم قد سبق من بعضهم في بعض كلام كثير في حال الغصب، ومنه ما حمل عليه الحسد، كما قال ابن عباس، ومالك بن دينار، وأبو حازم (٢)، ومنه على جهة التأويل مما لا
стр. 441
يلزم المقولَ فيه ما قاله القائل فيه، وقد حمل بعضهم على بعض بالسيف تأويلا واجتهادا، لا يلزم تقليدهم في شيء منه دون برهان، ولا حجّة توجبه، ونحن نورد في هذا الباب من قول الأئمة الجلّة الثقات السادة بعضهم في بعض، مما يجب أن لا يُلتفت فيهم إليه، ولا يعرّج عليه: ما يوضح لك صحة ما ذكرنا، وبالله التوفيق … ، ثم سرد ابن عبد البر من قول بعضهم في بعض ممن لا يلتفت إليه أمثلة كثيرة، ثم قال:
وقد كان بين أصحاب رسول الله ﷺ وجلَّةِ العلماء عند الغصب كلام أكثر من هذا، ولكن أهل الفهم والعلم والميز لا يلتفتون إلى ذلك، لأنهم بشر يغضبون ويرضون، والقول في الرضا غير القول في الغضب، ولقد أحسن القائل:
لا يُعرف الحِلْمُ إلا ساعة الغضب
وما مَثَل من تكلَّم في مالك والشافعى ونظرائهما من الأئمة، إلا كما قال الأعشى:
كناطح صخرة يوما ليوهنها … فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل
أو كما قال الحسين بن حُميد:
يا ناطحَ الجَبَل العالي ليَكْلِمه … أشفِق على الرأس لا تُشْفِق على الجبل
ولقد أحسن أبو العتاهية، حيث يقول:
ومن ذا الذي ينجو من الناس سالما .. وللناس قالٌ بالظنون وقيل
وهذا خير من قول القائل:
стр. 442
وما اعتذارك من قولٍ إذا قيلا؟!
فقد رأينا البغيَ والحسدَ قديمًا، ألا ترى إلى قول الكوفي في سعد بن أبي وقاص: إنه لا يعدل في الرعية، ولا يغزو في السَّرِيَّة، ولا يَقْسم بالسَّوِيَّة. وسعدٌ بَدْرِيّ، وأحد العشرة المشهود لهم بالجنَّة، وأحد الستَّة الذين جعل عمر بن الخطاب الشورى فيهم، وقال: توفّي رسول الله ﷺ وهو عنهم راضٍ.
وروى أن موسى ﷺ قال: يا ربِّ ادفع عني ألْسُنَ بني إسرائيل، فأوحى الله إليه يا موسى لم أقطعها عن نفسي، فكيف أقطعها عنك.
قال أبو عمر: والله لقد تجاوز الناس الحدّ في الغيبة والذّمِّ، فلم يقنعوا بذم العامّة دون الخاصة، ولا بذم الجهَّال دون العلماء، وهذا كله يحمل عليه الجهل والحسد، قيل لابن المبارك: فلان يتكلم في أبي حنيفة، فأنشد بيتَ ابن الرُّقَيَّات:
حسدوك أن رأوك فضَّلك الله بما فُضِّلت به النُّجَباءُ
وقيل لأبي عاصم النبيل: فلان يتكلم في أبى حنيفة، فقال: هو كما قال نُصَيْبُ:
حسدوا الفتى إذا لم ينال سعيه … فالقوم أعداء له وخصوم
فمن أراد أن يقبل قول العلماء الثقات الأئمة الأثبات بعضهم في بعض، فليقبل قول من ذكرنا قوله من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين بعضهم في بعض، فإن فعل ذلك فقد ضلّ ضلالا بعيدا، وخَسِرَ خسرانا مبينا. وكذلك إن قَبِل في سعيد بن المسيّب قول عكرمة، وفي الشعبى والنخعي وأهل "الحجاز"، وأهل "مكة"، وأهل "الكوفة"، وأهل "الشام" على الجملة،
стр. 443
وفي مالك والشافعى وسائر من ذكرنا في هذا الباب: ما ذكرنا عن بعضهم في بعض.
فإن لم يفعل ولن يفعل إن هداه الله، وألهمه رُشده، فليقف عند ما شرطنا في أن لا يقبل فيمن صَحَّت عدالته، وعُلِمَتْ بالعلم عنايته، وسَلِمَ من الكبائر، ولزم المروءة والتعاون، وكان خيره غالبا وشرُّه أقلَّ عمله، فهذا لا يقبل فيه قول قائل لا برهان له به، فهذا هو الحق الذي لا يصح غيره، إن شاء الله. قال أبو العتاهية:
بَكَى شَجْوه الإسلام من عُلمائه … فما اكترثوا لما رأوا من بكائه
فأكثرهم مُستَقبح لصواب من … يخالفه مستحسن بخطائه
فأيهم المرجوّ فينا لدينه ..... وأيهم الموثوق فينا برأيه
والذين أثنوا على سعيد بن المسيّب، وعلى سائر من ذكرنا من التابعين، وأئمة المسلمين أكثر من أن يُحصوا، وقد جمع الناس فضائلهم، وعُنُوا بسيرهم، وأخبارهم، فمن قرأ فضائل مالك، وفضائل الشافعي، وفضائل أبي حنيفة بعد فضائل الصحابة والتابعين، وعُنِىَ بها، ووَقف على كريم سيرهم وهديهم، كان ذلك له عملا زاكيا، نفعنا الله بحب جميعهم. قال الثوري ﵀: عند ذكر الصالحين تنزل الرحمة، ومن لم يحفظ من أخبارهم إلا ما بدر من بعضهم في بعض على الحسد والهفوات والغضب والشهوات، دون أن يُعني بفضائلهم، حُرم التوفيق، ودخل في الغيبة، وحاد عن الطريق، جعلنا الله وإياك ممن يسمع القول، فيتبع أحسنه.
وقد افتتحنا هذا البابَ بقوله ﷺ : "دَبَّ إليكم داء الأمم قبلكم الحسد والبغضاء"، وفي ذلك كفاية … ومن صحبه التوفيق أغناه من الحكمة يسيُرها، ومن المواعظ قليلُها، إذا فَهِم، واستعمل ما علم، وما توفيقى إلا بالله، وهو حسبى ونعم الوكيل.
стр. 444
وحدثنا عبد الله بن محمد بن يوسف، قال حدثنا ابن رَحمْون، قال: سمعتُ محمد بن بكر بن داسه، يقول: سمعتُ أبا داود سليمان بن الأشعث يقول: رحم الله مالكا كان إماما، رحم الله الشافعي كان إماما، رحم الله أبا حنيفة كان إماما". انتهى باختصار.
وقال ابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (١) أيضا:
"حدثنا خلف بن القاسم، نا أبو عبد الله محمود الورَّاق، نا أحمد بن مَسعَدة، نا محمد بن حماد المِصِّيصي، نا أحمد بن القاسم، ثنا أحمد بن أبي رجاء، قال: سمعتُ أبي يقول: رأيتُ محمد بن الحسن في المنام، فقلتُ: إلى ما صرتَ، قال: غُفِر لي، ثم قيل لي: لم نجعل هذا العلم فيك إلا ونحن نريد أن نغفر لك، قال: قلتُ: وما فعل أبو يوسف؟ قال: فوقنا بدرجة، قلتُ: وأبو حنيفة؟ قال: في أعلى علّيين". انتهى.
جواب الحافظ ابن التركماني عن جروح الإمام
وقال قاضي القضاة الإمام العلامة الحافظ الشيخ علاء الدين علي بن عثمان المارديني الشهير بابن التركماني في "الجوهر النقي في الرد على البيهقي" (٢) عند الكلام على أثر ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: "لا تقتل النساء إذا ارتددن"، ما نصه:
"وأبو حنيفة وإن تكلم فيه بعضُهم فقد وثَّقه كثيرون، وأخرج له ابن حبَّان في "صحيحه"، واستشهد به الحكمُ في "المستدرك"، ومثله في دينه
стр. 445
وعلمهِ لا يَقدح فيه كلامُ أولئك، وقد ذكر جماعة من السلف أنه كان محسودا، حكى أبو عمر - ابن عبد البر - في "الانتقاء في فضائل الثلاثة الفقهاء" عن حاتم بن داود، قال: قلتُ للفضل بن موسى السِّيناني: ما تقول في هؤلاء الذين يقعون في أبي حنيفة؟ فقال: إن أبا حنيفة جاءهم بما يعقلونه من العلم وما لا يعقلونه، ولم يترك لهم شيئا، فحسدوه". انتهى.
رد ابن الوزير اليماني على من حاول التشكيك في علم أبي حنيفة بالحديث والعربية
وقال الإمام الحافظ العلامة النظَّار أبو عبد الله محمد بن إبراهيم ابن الوزير اليماني المتوفى سنة ٨٤٠ هـ رحمه الله تعالى، في "الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم" (١) ﷺ ، ردًّا على السيّد جمال الدين علي بن محمد بن أبي القاسم، حيث حاول التشكيك في علم أبي حنيفة بالحديث والعربية، قال ما نصه:
"لا يخلوا إما أن يُنكر - هذا المعترض - صدور الفتوى عنه رضى الله عنه، وينكر نقل السلف والخلف مذاهبه في الفقه، أو يقرّ بذلك، إن أنكره أنكر الضرورة، ولم تكن لمناظرته صورة، وإن لم ينكره فهو يدلّ على اجتهاده، ولنا في الاستدلال به على ذلك مسالك:
المسلك الأول: أنه ثبت بالتواتر فضله، وعدالته، وتقواه، وأمانته، فلو أفتى بغير علم، وتأهّل لذلك، وليس له بأهل، لكان جرحا في عدالته، وقدحا
стр. 446
في ديانته وأمانته، ووصما في عقله ومروءته، لأن تعاطي الإنسان ما لا يحسنه ودعواه لمعرفة ما لا يعرفه من عادت السفهاء، ومن لا حياء له ولا مروءة من أهل الخساسة والدَّناءة، ووجوه مناقبه مصونة عن ابتذالها وتسويدها بهذه الوَصْمة القبيحة، والمذَمَّة الشنيعة.
المسلك الثاني: أن رواية العلماء لمذاهبه، وتدوينها في كتب الهداية، وخزائن الإسلام يدل على أنهم قد عرفوا اجتهاده، لأنه لا يحلُّ لهم رواية مذهبٍ إلا بعد المعرفة لعلمه، لأن إيهام ذلك من غير معرفة محرم، لما يترتب عليه من الأحكام الشرعية المجمع عليها كانخرام إجماع أهل عصره بخلافه، والمختلف فيها كانخرام إجماع من بعده بخلافه، وجواز تقليده بعد موته.
المسلك الثالث: أن نقول: الإجماع منعقد على اجتهاده، فإن خالف في ذلك مخالف، فقد انعقد الإجماع بعد موته، وإنما قلنا بذلك لأن أقواله متداولة بين العلماء الأعلام، سائرة في مملكة الإسلام في الشرق والغرب، و"اليمن" و"الشام" من عصر التابعين من سنة خمسين ومائة إلى يوم الناس هذا، وهو أوَّل المائة التاسعة بعد الهجرة، لا يُنْكَرُ على من يرويها، ولا من يعتمد عليها، والمسلمون بين عامل عليها، وساكتٍ عن الإنكار على من يعمل عليها، وهذه الطريقة هي التي تثبت بمثلها دعوى الإجماع في أكثر المواضع.
المسلك الرابع: أنه قد نَصَّ كثير من الأئمة والعلماء على أن أحد الطرق الدالة على اجتهاد العالم هي انتصابه للفتيا، ورجوع العامة إليه، من غير نكير من العلماء والفضلاء، وموضع نصوص العلماء على ذلك في علم الأصول، وهناك يُذكر الدليل على أن ذلك كاف في معرفة اجتهاد العالم
стр. 447
وجواز تقليده، وممن ذكر ذلك من أئمة الزيدية وشيوخ المعتزلة المنصور بالله في كتابه "الصفوة"، وأبو الحسين البصري في كتابه "المعتمد".
وهذا في سكوت سائر العلماء عن النكير على المفتي، فكيف بسكوت رُكن الإسلام من عصابة التابعين ونبلاء سادات المسلمين، ومن هم من خير القرون بنص سيّد المرسلين، فقدكان الإمام أبو حنيفة معاصرا لذلك الطِّراز الأول، كما سياتي.
وقد تَطابق الفريقان من أهل السنّة والاعتزال على التعظيم لأبي حنيفة والإجلال.
أما أهل السنَّة فذلك أظهر من الشمس، وأوضح، من أن يدخل فيه لَبسٌ.
وليس يصح في الأذهان شئ … إذا احتاج النهار إلى دليل.
وأما المعتزلة فقد تشرف أكثرهم بالانتساب إليه، والتعويل في التقليد عليه، كأبي علي، وولده أبي هاشم من متقدّميهم، وأبي الحسين البصري، والزمخشري من متأخِّريهم، وهم وإن قدَّرنا دعواهم الاجتهادَ والخروج من التقليد، فذلك إنما كان بعد طلب العلم وطول المدة، وهم قبل ذلك وفي خلاله مُعترفون باتباع أقواله، وبعد ذلك لم يستنكفوا من الانتساب إلى اسمه، والمتابعة في المعارف لرسمه.
وفِي كلام علّامتهم الزمخشري: وتَدَ الله الأرض بالأعلام المنيفة، كما وَطَد الحنفية بعلوم أبي حنيفة، الأئمة الجِلَّة الحنفية، أزمَّة الملة الحنيفية، الجود والحلمُ حاتمي وأحنفي، والدين والعلم حنيفى وحنفى.
وقد عقد الحكم أبو سعيد فصلا في فضل أبي حنيفة وعلمه، ذكره في كتابه "سفينة العلوم".
стр. 448
وقد أطبق أهل التاريخ على تعظيمه، وأفرد بعضهم سيرته رضى الله عنه في كتاب سماه "شقائق النعمان في مناقب النعمان".
ولو كان الإمام أبو حنيفة جاهلا، ومن حِلْية العلم عاطلا ما تَطابقت جبال العلم من الحنفية على الاشتغال مذاهبه، كالقاضي أبي يوسف، ومحمد بن الحسن الشيباني، والطحاوي، وأبي الحسن الكرخى، وأمثالهم وأضعافهم.
فعلماء الطائفة الحنيفة في "الهند" و"الشام"، و"مصر"، و"اليمن"، و"الجزيرة"، و"الحرمين"، و"العراقَين" منذ مائة وخمسين من الهجرة إلى هذا التاريخ يزيد على ستمائة سنة، فهم أُلوف لا ينحصرون وعوالم لا يُحصَون، من أهل العلم والفتوى والوَرَع والتقوى.
فكيف يجترئ هذا المعترض، ويُجوِّز عليهم أنهم تطابقوا على الاستناد إلى عامي جاهل، لا يعرف أن الباء تجرُّ ما بعدها، ولا يدرى ما يخرج من رأسه من حديث رسول الله ﷺ ؟ ما هذا إلا كلام عامي أو أعمى يخبط من الجهل في ظَلْماء.
وهبك تقول هذا الصبح ليل … أيعمى العالمون عن الضياء
وأما ما قدح به على الإمام أبي حنيفة من عدم العلم باللغة العربية، فلا شك أن هذا كلام مُتحامل مُتنكب عن سبيل المحامل، فقد كان الإمام أبو حنيفة من أهل اللسان القديمة واللغة الفصيحة.
وليس بنحويّ يلوك لسانه … ولكن سليقي يقول فيُعربُ
وذلك لأنه أدرك زمانَ العرب، واستقامةَ اللسان، فعاصرَ جريرا والفرزدق، ورأى أنس بنَ مالك، خادمَ رسول الله ﷺ مرتين، وقد توفي أنس سنة ثلاث وتسعين من الهجرة، والظاهر أن أبا حنيفة ما رآه وهو في المهد، وإنما رآه بعد التمييز، فدلَّ على أن أبا حنيفة
стр. 449
كان المعمرين، وتأخّرت وفاتُه، إلى سنة خمسين ومائة. وقد جاوز التسعين في العمر (١).
وهذا يقتضى أنه بلغ الحُلمَ، وأدرك بعد موت رسول الله ﷺ بقدر الثمانين سنة، لأنه ﵇ توفي بعد مُضيِّ عشرٍ من الهجرة، فهذا يدل على تقدم أبي حنيفة، وإدراكه زمان العرب، وهو أقدم الأئمة وأكبرهم سنا، فهذا مالك على تقدمه توفي بعده بنحو ثلاثين سنة.
ولا شك أن تغير اللسان في ذلك الزمان كان يسيرا، وأنه لم يشتغل في ذلك الزمان بعلم اللغة وفن الأدب أحد من مشاهير العلماء المتبوعين المعتمد عليهم في التقليد لعدم مسيس الحاجة إلى ذلك في ذلك العصر، كما أشار إلى ذلك أبو السعادات ابن الأثير في ديباجة كتابه "النهاية"، وكما لا يخفى ذلك على من له أنس بعلم التاريخ.
فلو أجبنا قراءةَ علم العربية في ذلك الزمان على المجتهد لم نقتصر على أبي حنيفة، ولزم أن لا يصح استشهاد علماء العربية بأشعار جرير والفرزدق، وهذا ما لم يقل به أحد، وإنما احتلَّ اللسانُ الاختلالَ الكبيرَ في حق بعض الناس بعد ذلك العصر، وقد سلم من تغير اللسان من لم يُخالط العجم في الأمصار، من خُلص العرب، وأدرك الزمخشري كثيرا منهم ممن لزم البادية - وكان الزمخشري في القرن السادس توفي سنة ٥٣٨ هـ -، وأكثر ما أسرع التغير إلى العامة، ومن لا تمييز له.
стр. 450
وقد قال الأمير العالم الحسين بن محمد في كتاب "شفاء الأوام": إن الإمام يحيى بن الحسين رضى الله عنه كان عربي اللسان، حجازيَّ اللغة، من غير قراءة، وروى علامة الشيعة علي بن عبد الله بن أبي الخير أنه - أي الإمام يحيى - قرأ في العربية أربعين يوما، وهذا قد توفي على رأس ثلاثمائة سنة من الهجرة.
وأما سنة ثمانين من الهجرة فليس أحد من أهل التمييز يعتقد أن أهل العلم في ذلك الزمان كانوا لا يتمكنون من معرفة معاني كلام الله ورسوله إلا بعد القراءة في علم العربية، ولو كان ذلك منهم لنقل ذلك، وعرف شيوخ التابعين فيه.
وليت شعري من كانوا في ذلك شيوخ علقمة بن قيس، وأبي مسلم الخولاني، ومَسْروق بن الأجدع، وجبير بن نفير، كعب الأحبار؟ ومن كانوا شيوخَ من بعدهم من التابعين، كالحسن، وأبي الشَّعْثاء، وزين العابدين، وإبراهيم التيمي، والنَّخعى، وسعيد بن جبير، وطاوس، وعطاء، ومجاهد، والشعبى، وأضرابهم؟ فلم خُصَّ أبو حنيفة بوجوب تعلم العربية، وفي أيّ المصنّفات البسيطة يقرأ في ذلك الزمان؟!
وأما قوله: (بأبا قبيس) فالجواب عليه من وجوه:
الأول: أن هذا يحتاج إلى طريق صحيحة، والمعترض - السيّد جمال الدين علي - قد شدّد في نسبة الصحاح إلى أهلها مع اشتهار سماعها والمحافظة على ضبطها، فكيف بهذه الرواية؟
الثاني: أنه إن ثبت بطريق صحيحة فإنه لم يشتهرْ ولم يصح مثل شهرة صدور الفتيا ودعوى الاجتهاد عن الإمام أبي حنيفة، وقد تواتر علمه وفضله، وأُجْمِع عليه، وليس يُقدح في المعلوم بالمظنون، بل بما لا يستحق أن يُسمى مظنونا.
стр. 451
الثالث: أنا لو قدرنا أن ذلك صح عنه بطرق معلومة، لم يَقْدح به، لأنه ليس بلحن، بل هو لغة صحيحة، حكاه الفرَّاء عن بعض العرب، وأنشد:
إن أباها وأبا أباها … قد بلغا في المجد غايتاها
الرابع: سلمنا أن هذا لحن، لا وجه له، فإنه لا يدلّ على عدم المعرفة. فإن كثيرا من العلماء العربية يتكلم بلسان العامة، ويتعمد النطق باللحن، بل قد يتكلم العربي بالعجمية، ولا يقدح ذلك في عربيته.
وعلى الجملة: فكيف ما دارت المسئلة، فإن ذلك لا يدل على قصور الإمام أبى حنيفة، بل يدل على غفلة المعترض به وتغفيله، وجُرأته على وصم هذا الإمام الجليل وتجهيله.
وأما قدحه عليه بالرواية عن المضعفين، وقوله: إن ذلك ليس إلا لقلة معرفته بالحديث، فهو وَهم فاحش، ولا يتكلم به منصف، والجواب على ذلك يتبين بذكر محامل:
المِحْمِلُ الأول: أنه قد عُلم من مذهب أبى حنيفة ﵀ أنه يقبل المجهولَ، وإلى ذلك ذهب كثير من العلماء كما قدمنا (١)، ولا شك أنهم إنما يقبلونه، حيث لا يعارضه حديث الثقة المعلوم العدالة، لأن الترجيح بزيادة الثقة والحفظ عند التعارض أمر مجمع عليه.
ولا شك أن الغالب على حملة العلم النبوى في ذلك الزمان العدالة.
ويشهد لذلك الحديث الثابت المشهور: "خيركم القرن الذي أنا فيه، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يفشو الكذب".
стр. 452
وقد كان علي رضى الله عنه يتَّهم بعض الرواة، فيستحلفه، ثم يقبله، وهذا إنما يكون في حديث من فيه جهالة أو نحوها، ولهذا لم يستحلف المقداد لما أخبره بحكم المِذْي.
وقد روى الحافظ ابن كثير في جزء، جمعه في أحاديث السِّباق عن الإمام أحمد بن حنبل أنه كان يرى العمل بالحديث الذي فيه ضعف إذا لم يكن في الباب حديث صحيح يدفعه، وأنه روى في "المسند" أحاديث كثيرة من هذا القبيل، وذلك على سبيل الاحتياط من غير جهل بضعف الحديث، ولا بمقادير الضعف، وما يحرم معه قبول الحديث بالإجماع، وما فيه خلاف.
وقال الحافظ أبو عبد الله بن مَنْدَة: إن أبا داود يخرج الإسناد الضعيف إذا لم يجد في الباب غيرَه، لأنه أقوى عنده من رأي الرجال. انتهى.
وفي هذا شهادة واضحة على أن رواية الحديث الضعيف لا تَسْتلزمُ الجهلَ بالحديث، فأحمد وأبو داود من أئمة علم الأثر بلا مُدافعة.
وهذا الحديث الضعيف الذي ذكروه ليس حديث الكذَّابين، ولا الفسَّاق المصرِّحين، فذلك عندهم لا يستحقّ اسم الضعيف، إنما يقال فيه: إنه باطل وموضوع، أو ساقط أو متروك، أو نحو ذلك.
وإنما الضعيف حديث الراوي الصدوق الذي ليس بحافظ، أو المعلوم بالاختلاف في رفعه أو إسناده، واضطرب اضطرابا يسيرا، أو نحو ذلك مما اختلف العلماء في التعليل للحديث به أو الجرح للراوي به، ولا يظهر قوة في دليل ردِّه ولا دليل قبوله.
وأكثر التضعيف إنما يكون من جهة الحفظ، وعند الأصوليين أنه لا يُقدَح به، حتى يكون الخطأ راجحا على الصواب، أو مساويا له. وفي المساوي خلاف عندهم، والمسئلة مقرَّرة في كتب علوم الحديث، وكتب الأصول.
стр. 453
فعلى هذا الوجه تكون رواية الإمام أبي حنيفة عن بعض الضعفاء مذهبا واختيارا، لا جَهْلا واغترارا.
المحْمَلُ الثاني: أن يكون ضعف أولئك الرواة الذين روي عنهم مختلفا فيه، ويكون مذهبه وجوب قبول حديثهم، وعدم الاعتداد بذلك التضعيف، إما لكونه غير مفسّر السبب، أو لأجل مذهب، أو غير ذلك، وقد جرى ذلك لغير واحد من العلماء والحفَّاظ، بل لم يَسْلَم من ذلك صاحبا "الصحيح".
وكذلك أئمة هذا العلم: هذا الإمام الشافعي ﵁ أكثر من الرواية عن إبراهيم بن أبي يحيى الأسلمى، ووثَّقه، وقد خالفه الأكثرون في ذلك، وقال ابن عبد البر في "تمهيده": أجمعوا على تجريح ابن أبي يحيى إلا الشافعي.
قلت: أما الإجماع على تجريحه فغير مسلَّم، فقد وافق الشافعيَّ على توثيقه أربعة من كبار الحفَّاظ، وهم ابن جُريج، وحَمْدان بن محمد الأصبهاني، وابن عَدي، ابن عُقْدَة.
وقال الذهبي في "التذكرة": لم يكن ابن أبي يحيى في وزن من يضع الحديث. انتهى. ولكن تضعيفه قول الجماهير، وهو المصحّح عند أئمة الحديث من الشافعي كالنووي، والذهبى، وابن كثير، وابن النَّحْوي - وهو ابن الملَقِّن شيخ الحافظ ابن حجر -، وغيرهم.
وكذلك روى الشافعي عن ابن خالد الزِّنْجِي المكّى، وهو مختلَفٌ في توثيقه.
وكذلك الإمام أحمد يروي عن جاعة مختلَفٍ فيهم.
وكذلك القاسم بن إبراهيم، ويحيى بن الحسين رضى الله عنه قد رويا عن ابن أبي أُويس، وهو مختلَفٌ فيه.
стр. 454
وقد ذكر أهل العلم بالرجال ذلك الاختلاف، وبينوا في علوم الأحاديث ما يقبل من الجرح والتعديل، ومراتبهما، كيفية العمل عند تعارضهما.
المحْمَلُ الثالث: أن يكون إنما رَوَى عن أولئك الضعفاء على سبيل المتابعة والاستشهاد، وقد اعتمد على غير حديثهم من عموم آية أو حديث أو قياس أو استدلال، مثل ما صنع مالك في الرواية عن عبد الكريم بن أبي المخارق البصري، قال ابن عبد البر في "تمهيده": كان مُجمعا على تجريحه، ولم يرو عنه مالك إلا حديثا واحدا معروفا من غير طريقه، وهو حديث وضع اليمين على الشِّمال في الصلاة، وقد رواه مالك في "الموطأ" من طريق صحيحة من رواية أبي حازم التابعي الجليل عن سهل بن سعد الصحابي، ﵁.
وكذلك القاسم بن إبراهيم وحفيده يحيى بن الحسين من أئمة الزيدية، قد أكثر من رواية أحاديث الأحكام والاحتجاج عليها من حديث ابن أبي ضَمرة، وأهل الرواية متفقون على تجريحه والقَدْح في روايته.
وكذلك قد روى شعبة على جلالته وتشدّده عن أبان بن أبي عيَّاش مع قول شعبة فيه: لأن أشرب من بول حمار حتى أروَى أحبُّ إليَّ من أن أقول: حدثنا أبان بن أبي عيَّاش. رواه شعيب بن جرير عنه، وروى ابن إدريس وغيره عن شعبة أنه قال: لأن يزني الرجل خير من أن يروي عن أبان.
فإن قلتَ: فكيف روى عنه مع اعتقاده تحريمَه، قلتُ: إنما أراد تحريم ذلك على من لا يعرف الحق من الباطل من غيره، وتحريم رواية العارف عن المتروكين في حضرة من لا يعرف، فإن الثوري نهى عن الرواية عن بعض
стр. 455
المتروكين، فقيل له: ألستَ تروي عنه؟ فقال: إني أروي ما أعرف، وهذا من لطيف علم الحديث.
وعن مسلم أنه ربما أخرج الإسناد الضعيف لعلوِّه، واقتصر عليه، وترك الإسناد الصحيح لنزوله ومعرفة أهل الشأن له، روى ذلك النووي عن مسلم تنصيصا، وفيه دلالة على أن رواية العالم لحديث الرجل الضعيف لا تدل على جهله بضعفه.
وكذلك البخاري قد ضعَّف هو بعض من روى عنه في "الصحيح"، ذكر ذلك الذهبي في "الميزان"، وهذا يدل على أنه لم يتعمدْ على ذلك الراوي الذي ضعَّفه لو لا شواهد بحديثه ومتابعات، وهذا من لطائف علم الحديث.
ولذا قال الإمام النووي: إن من صحَّح حديثا على شرط مسلم لكون رواته من رواة "صحيح مسلم" فقد وَهِمَ في ذلك.
المحْمَلُ الرابع: أن تكون رواية الإمام أبي حنيفة من قبيل تدوين ما بلغه من الحديث صحيحه وضعيفه، كما هو عادة كثير من مصنّفي الحفَّاظ أهل السنن والمسانيد، وغرضهم بذلك حفظ الحديث للأمة، لينظر في توابعه وشواهده، فإن صحَّ منه شيء عُمل به، وإن بطل شئ حُذِّر من العمل به، وإن احتمل شيء الخلاف كان للناظر من العلماء أن يعمل فيه باجتهاده.
وفي الرواية المشهورة عن البخاري أنه كان يحفظ ثلاثمائة ألف حديث، منها مائتا ألف غير صحاح.
وقال إسحاق بن راهُويه: أحفظُ مكان مائة ألف حديث، كأني أنظر إليها، وأحفظُ سبعين ألف حديث صحيحة عن ظهر قلبي، وأحفظ أربعة آلاف حديث مُزوَّرة، فقيل له في ذلك، فقال: لأجل إذا مرَّ بي منها حديث في الأحاديث الصحيحة فلَيْتُه فَلْيا.
стр. 456
المحمل الخامس: أن يكون كثير من الأحاديث المنسوبة إلى الإمام أبي حنيفة ضعيفة من قِبَل من روى عنه، لا من جهته، ولا من جهة شيوخه، ومَنْ فوقهم، كما في كثير من الأحاديث المنسوبة إلى جعفر الصادق وكثير من الثقات، فقد روى الذهبي في "الميزان" عن الحافظ ابن حبَّان أن أبان بن جعفر (١) وضع على أبي حنيفة أكثر من ثلاثمائة حديث، ما حدَّث بها أبو حنيفة قط. رواه الذهبي في ترجمة أبان بن جعفر.
إذا عرفتَ هذا فاعلم أن الإمام أبا حنيفة ﵁ طلب العلم بعد أن أسنَّ، (٢) وقد كان الحافظ المشهور بالعناية في هذا الشأن إذا كَبُر وأسنّ تناقَضَ حفظه، فلهذا لم يكن في الحفظ في أرفع المراتب، وكذلك غيره من الأئمة، فقد كان الإمام أحمد بن حنبل أوسع الأئمة الأربعة معرفة بالحديث وحفظا له، ولم يكن عيبا فيهم، ولا قَدْحا في اجتهادهم.
وقد كان حديث ابن المسَيّب، ومحمد بن سيرين، وإبراهيم النخعي أصحّ وأقوى من حديث عطاء، والحسن البصري، وأبي قِلابة، وأبي العالية، وكان ابن المسيّب أصحّ الجماعة حديثا من غير قدح في علم من هو دونه.
ولهذا السبب تكلَّم بعضُ الحفَّاظ في حديث الإمام الأعظم أبي حنيفة ﵁، فظنَّ بعض الجهَّال أن ذلك يقتضي القدحَ في اجتهاده وإمامته، وليس كذلك، فغاية ما في الباب أن غيره أحفظ منه، وذلك لا يستلزم أن غيره أفضل منه، ولا أعلم منه على الإطلاق، فقد كان أبو هريرة رضى الله عنه أحفظ الصحابة ﵃، ولم يكن أعلمَهم ولا أفقهَهم
стр. 457
ولا أفضلَهم، وقد كان معاذ أفقهَهم، وزيد أفرضَهم، وعلي أقضاهم، وأبي أقرأَهم، والخلفاء أفضلَهم، وبعد فالمناقب مواهب يهب الله منها ما يشاء لمن شاء.
وقد أشارَ الذهبي إلى الاعتذار عن ذكر الإمام أبي حنيفة وأمثاله، وإلى أنه لا قَدْح عليه بما ذكر فيه من الاختلاف، فقال في خطبة "الميزان": "وكذا لا أذكر من الأئمة المتبوعين في الفروع أحدا لجلالتهم في الإسلام، وعظمتهم في النفوس، فإن ذكرت أحدا منهم فأذكره على الإنصاف، وما يضرّه ذلك عند الله، ولا عند الناس، إذ إنما يضرّ الإنسان الكذب والإصرار على كثرة الخطأ، والتجرِّي على تدليس الباطل، فإنه خيانة وجنايةٌ، فالمرء المسلم يُطبَع على كل شئ إلا الخيانة والكذب. انتهى كلامه (١).
стр. 458
فانظر كيف تأدَّب أبو عبد الله الذهبي، وذكر جلالة الأئمة المتبوعين في الإسلام، ونصَّ على أن ذكرَهم في كتب الجرح والتعديل لا يضرّ عند الله ولا عند الناس، وهكذا فليكن ذكرُ العالم لمن هو أعلم منه بأدب وتواضع وتعظيم وتوقير، جعلنا الله ممن عرف قَدْرَ الأئمة وعصمنا عن مخالفة إجماع الأئمة.
وبهذه الجملة تَمَّ كشف عُوار هاتين الشُّبهتين الضعيفتين، في علم إمام من أكبر أئمة أهل الإسلام، الذي أجمع على إمامته العلماء الأعلام. وقد أحببتُ التقرُّب إلى الله تعالى والتشرُّفَ بخدمة مناقبه العزيزة، والذبِّ عن معارفه الغزيرة، بذكر هذه الأحرف الحقيرة اليسيرة، ولم أقصد التعريفَ بمجهول من فضائله، ولا الرفعَ لمخفوض من مناقبه، فهو من ذلك أرفع مكانا وأجلّ شأنا.
والشمس في صادع أنوارها … غَنِيَّةٌ عن وصف الواصف".
انتهى كلام ابن الوزير بطوله. وفيه وفي ما تقدَّم من نصوص الأئمة المتقدمين، والحفَّاظ الجهابذة المتأخرين من المالكية، والشافعية، والحنابلة، وغيرهم، في تقريظ الإمام أبي حنيفة، والثناء على سعة علمه بالكتاب والسُّنة، والرد على جارحيه والإنكار عليهم بالحُجج الواضحة والأدلة النَّيِّرة: إبطال لطعن الشَّانئين المتحاملين على الإمام رضى الله تعالى عنه، في هذا الزمن المتأخر!
وفي كل ذلك أيضا ما يزيل الغِشاوَة عن عُيونهم الرَّمداء، ونفوسهم المريضة، إذا هُدُوا ووفقوا، وفي كل ما تقدم أيضا ما تقرّ به أعين طلبة العلم
стр. 459
وأهله، الذين رزقهم الله تعالى التأدب مع أئمة الدين، رضوان الله تعالى عليهم أجمعين.
انتهى كلام أستاذي وسيدي المحدث الناقد العلامة عبد الرشيد النعماني رحمه الله تعالى من كتابه القيّم "مكانة الإمام أبي حنيفة في الحديث".
آخر الجزء الأول ويليه الجزء الثاني، وأوله: باب من اسمه آدم والحمد لله حق حمده
стр. 460
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
حرف الألف الممدودة
باب من اسمه آدم
١ - الشيخ العارف الولي الكبير آدم بن إسماعيل بن بهوه بن يوسف بن يعقوب ابن الحسين، الحسيني، الكاظمى، البنوري .*
أحد كبار المشايخ النقشبندية.
بشّر به والده في رؤيا له صالحة، بشّره بذلك النبي ﷺ .
وُلِدَ، ونشأ بقرية "بنّور" - بفتح الموحدة وتشديد النون - من أعمال "سرهند"، وأخذ الطريقة عن الحاج خضر الروغاني أحد أصحاب الشيخ أحمد بن عبد الأحد العمري السرهندي بمدينة "ملتان"، ولازمه شهرين كاملين، ثم قدم "سرهند" بأمره، ولازم الشيخ أحمد المذكور مدّة من الزمان، وأخذ عنه، وقد ذكر في "خلاصة المعارف" أنه حصلت له نفخة من الجذبات الربّانية عن الشيخ محمد طاهر اللاهوري بحقّ ما وصل إليه عن الشيخ إسكندر عن جدّه كمال الدين الكيتهلي.