قرأ على الحسين بن على الصَّيْمري، عن أبي بكر محمد الخوارزمي، عن الجصّاص، عن البردعي، عن موسى بن نصر، عن محمد.
وله تفسير القرآن.
مات سنة أربع وثمانين وأربعمائة.
قال الإمام اللكنوي في "الفوائد البهية": دكر على القارئ أن له يدا في الكلام على مذهب المعتزلة، وله التفسير، وكان يعظ على عادة أهل "خراسان"، وورد مع السلطان طغربل إلى "بغداد" لما رجع إلى "نَيْسَابور" انقطع، وتزهّد، فلم يدخل على السلاطين، وقال له السلطان ملك شاه في جامع "نَيْسَابور" لم لا تجيئ عندي، فقال: أردت أن تكون خير الملوك، حيث تزور العلماء، ولا أكون من شر العلماء، حيث أزور الملوك، وكان مستعمل السنة في ملابسه، ويسعى ماشيا إلى الجمعة، ويسلم على كل من اجتاز به، وكان بينه وبين الشيخ أبي محمد (١) الجوفي، وابنه أبي المعالي مخالفة في الفرع والأصول، ولكلّ واحد منهما طائفة، ومات سنة أربع وثمانين وأربعمائة. انتهى. ملخّصا. ودكر القارئ أيضا عدّة حكايات في مناظرته، فلتطالع، لم أوردها حذرا عن التطويل.
* * *
стр. 4972
٣٦٥٧ - الشيخ الفاضل علي بن الحسن بن علي *
ذكره الحافظ عبد القادر القرشي في "الجواهر المضية"، وقال: تفقّه على أبيه،
وقد تقدّم أبوه (١).
وتولى على هذا القضاء بـ "هيت" بعد أبيه الحسن بن علي (٢)، رحمهم الله تعالى.
* * *
٣٦٥٨ - الشيخ الفاضل علي بن الحسن بن محمد ابن أبي جعفر وقيل: جعفر البلخي أبو الحسن الزاهد الجعفري، المعروف بالبرهان البلخي* *
стр. 4973
ذكره الحافظ عبد القادر القرشي في "الجواهر المضية"، وقال: هو أحد من نشر العلم في بلاد الإسلام.
تفقّه بـ"بخارى" على الإمام عبد العزيز بن عمر بن مازة، وعلى غيره، حتى برع في الفقه.
درس بـ"حلب" بالحلاوية، وهو أول [مدرس بها] (١)، [وبالطرخانية (٢) وهو أول مدرّس بها] (٣)، وبمسجد خاتون (٤) وهو أول مدرس له، وبـ"الصادرية" وبـ"الأمينية"، وهو أول مدرّس بها (٥) أيضا.
стр. 4974
وسمع الحديث بـ"ما وراء النهر" من شيخه ابن مازة، وأبي المعين النسفي.
قال ابن عسكر: قدم "دمشق"، ونزل بـ"الصادرية" ومدرسها علي بن مكي (١) الكاساني (٢)، وناظر في الخلافيات، وعقد مجلس التذكير، فحسده الكاساني، وتعصّب عليه الحنابلة.
قال ابن قاضى العسكر: ذكر البلخي من حفظه "طريقة" برهان الأئمة ابن مازة مرتين، وعلقت عنه (٣) بـ"دمشق"، ولم يكن عنده بها نسخة، ثم وردت بعد ذلك نسخة، فقوبلت بها، بفلم يَشِذّ شيء] (٤) من معانيه عما عُلّق عنه.
وكان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة، فيغتسل، ويغلق عليه بابه، ويصلّي.
صلى الصبح مرة، فقرأ (٥) ﴿ومنهم﴾ الآية (٦)، فاحتبس بالبكاء، فرجع (١٢)(٧)، وأتم (١٣)(٨) الصلاة، ودخل منزله، فلم يخرج.
стр. 4975
ومات في شعبان سنة ثمان وأربعين وخمسمائة، ودفن بباب الصغير بمقابر الشهداء.
له ترجمة واسعة في "تاريخ ابن عساكر"، رحمه الله تعالى.
* * *
٣٦٥٩ - الشيخ الفاضل علي بن الحسن بن محمد بن محمد الصقّار ، الإمام أبو القاسم ابن الإمام أبي علي الصفّار النَّيْسَابوري الفاضل البارع ذو الفنون *
دكره الحافظ عبد القادر القرشي في "الجواهر المضية"، وقال: جاء نَعِيُّه من "أسفراين" في رمضان سنة اثنتين وعشرين (١) وخمسمائة، رحمه الله تعالى. تقدّم أبوه في بابه (٢).
* * *
٣٦٦٠ - الشيخ الفاضل النحرير الكبير الشيخ علي زين العابدين بن الحسن بن موسى بن زين العابدين بن الحاج ولي ابن
стр. 4976
الحافظ عبد الله الألَصُوني *
ذكره الإمام الكوثري رحمه الله تعالى في كتابه "التحرير الوجيز فيما يبتغيه المستجيز"، فقال: ولد سنة ١٢٦٨ هـ في "ألاصُونيا" من مقاطعة يَكِيْشَهر في "مورة".
تعلّم مبادئ العلوم في بلده، ثم رَحَل إلى "إستانبول" لتحصيل العلم، فحضر درس العلامة رجب الأرْنَوُطي، وحيث توفي أستاذه هذا سنة ١٢٨٩ هـ، انتقل إلى درس عمدة الجهابذة الحافط أحمد شاكر الكبير، به نحرّج في العلوم.
وأخذ الحديث عن الشيخ حسن القَسْطمُوني، وتلقّي برهان الكَلَنْبَوي، وغيرَه من المحقّق الشهير عبد الكريم النادر الألْبَصاني، المتوفى سنة ١٣٠٠ هـ.
ودرَّس العلوم في جامع الفاتح، وتخرّح عنده طبقتان من أهل العلم، الأولى نحوُ مائة عالم، والثانية نحوُ مائة وأربعين عالما، وكان هو من أضبط أصحاب شيخه لتقاريره، وكان العلماء بعد طبقته يستعيرون منه كتبه في العلوم لما في هوامشها من تقييدات نافعة من تقرير أستاذه، ومن بنات أفكاره، بل لو جرّدت تلك التقييدات من هوامش كتبه كانت حوشي أفيَدَ من كثير مما في أيدينا من الحواشي.
وكان ﵀ آية في الورع، حتى إنه بعد أن أتمّ التدريس لزملائنا في الطبقة الثانية من تلاميذه، تخلّى عن مرتّبه لبيت مال المسلمين، مرتئيا أنه لم يَعُدَّ يستطيع التدريس، فلم يبق وجه لصلته من بيت المال، فطار هذا الخبر كلّ مطار، فكثُيرَ الزوّار إلى أن توهّم متوهّمونه مؤامرة سياسية في المتردّدين إليه، فأصابه بعض أذى إلى أن أذاع بين محبّيه أن لا يزوروه،
стр. 4977
فامتنع من مقابلة الزوّار لهذ العذر إلى الانقلاب الدستوري في الدولة العثمانية سنة ١٣٢٦ هـ.
ولما أحيل أمرُ إصلاح المعاهد الدينية إلى كفاءة العلامة محمد خالص الشِّرْواني بأن عُيّن لوكالة الدرس بالمشيخة الإسلامية، أعني وظيفة الإشراف العام الفعلي علي شئون العلم العلماء - اختار صاحب الترجمة في عداد من اختارهم لمجلس الوكالة، فأبى شيخنا قبول ذلك بأدئ ذي بدء.
لكن لما أصرّ الأستاذ محمد خالص قائلا: إن الإصلاح لا يتمّ إلا بمؤازرتكم، فإن رفضتم ذلك نهائيا، فوالله إني أستقيل حالا، فيكون وزر تأخير أمر الإصلاح على أكتافك، فاهتزّ شيخنا، واضطرُّ إلى قبول مؤازرته، متوكّلا على الله سبحانه، فعاد ثانية إلى ساحة التوطف بالحكومة، إلى أن عيّن سنة ١٣٢٩ هـ، لوكالة الدرس، بعد أن مرض الشيخ الشرواني مرضان لا يرجَى برؤه، واستمرّ على ذلك إلى وفاته.
وكان امتحان العالمية (امتحان الرؤس) يجرى في كلّ خمس سنوات مرّة في عند تخرجنا في العلوم، فمن لم ينجح في الامتحان يبغي في اضطرار أن ينتظر خمس سنوات أخرى، ليتقدّم للامتحان، وهذا كان مما يستنفد صبر الصابرين، فكان من الضروريّ جدا لمن يريد النجاح في ذلك الامتحان أن يستعدّ في حينه للامتحان بكلّ ما أوتي من حول وطول،
ولذلك كنت أذاكر مع بعض زملائي العلوم بعناية بالغة قبل انتهائنا.
من الدروس المرتّبة، وكان درس الصبح بلغ إلى مبحث ما بعد عذاب القبر من الحواشي على "النسفية"، فقرّرتُ التخلّفَ عن درس الصبح أياما، لسهولة ما بعد هذا المبحث، حتى أتفرّغ لما نحن بسبيله، من مذاكرة العلوم، استعدادا للامتحان، ففعلتُ.
ففى ليلة الخميس من الأسبوع الذي تخلّفت فيه عن درس الصبح رأيت في المنام الأستاذ في جامع الفاتح، وهو يبتسم إليّ، ويقول: إني لا أراك
стр. 4978
فيِ درس الصباح منذ أيام، فلا تتخلّفْ عن الدرس بأعذار واهية، فإن الدرس لا يخلو من فائدة.
ولما استيقظتُ قلتُ: إني ربما كنت فكّرت فيما إذا كان الأستاذ أحسن بعدم حضوري من أيام، فرأيت هذه الرؤيا من قبيل حديث النفس، ولم أحكها لأحد.
وفي ليلة الجمعة حضر أحد خُلَّص إخواني يفي الدرس إلى سَكَني، وقال لي: إني صادفت الأستاذ قرب جامع الفاتح قبل المغرب، فوقف، فسلّمتُ عليه، ثم قال لي: لعلّك تذهب إلى فلان يعنيني، فقلت: نعم، فقال: بلّغه سلامي، وقل له: إني لا أراه في درس الصباح منذ أيام، فلا يتخلّف عن الدرس بأعذار واهية، لأن الدرس لا يخلو من فائدة على طِبَق ما رأيته في المنام، فلم أستطع بعد ذلك التخلّفَ.
ولا أقول: إن الصالحنِن من العلماء يعرفون الغيب، وإنهم يعلمون ما يحدث في المنام، ولكن التوافق بهذا الشكل بنِن اليقظة والمنام، مما لا يدع شكا في أن الله سبحانه يسدّد كلمات الصالحين، من العلماء نحو ما يرشد تلاميذهم إلى السداد.
ومن عادة الناجحين في امتحان العالمية أن يزوروا أستاذهم قبل البدء في التدريس، راجين دعاءه، ومسترشدين بنصائحه الثمينة، ومستأذنين في بدئ التدريس.
وعلي طِبَق هذه العادة ذهبتُ إلى الأستاذ بعد النجاح في الامتحان قبل البدء في التدريس بأيام، مسترشدا طالبا أن يدعو لي، فقال: كنت ذهبت إلى بلدي بعد النجاح فِى الامتحان، وبعد العيد توجّهتُ إلى العاصمة لأبدأ في التدريس، ولم يكن معي إلا طالب واحد، فصادفت في الطريق أحد أصدقائي، فتال لي: ألم تكن عازما على أن تبتدي التدريس في هذا العام، قلت: بلى.
стр. 4979
فقال: أهكذا يفعل من يبتدي في التدريس، إني لا أرى معك إلا طالبا واحدا من بلدك، وعادة الناجحين أن يوصوا أصدقاءهم في شتّى البلدان، أن ييعثوا باسمه طلابا جددا إلى جامع الفاتح، أزهر العاصمة، بل يشدّون الرحال إلى بلاد، يلقون فيها دروسا ليعلم الجماهير مبلغ مقدرته العلمية، فيرسلوا أبناءهم إليه، والطلبة أحرار في الحضور عند أيّ عالم شاءوا، فربما تبقى وحدك في مجلسك، حيث لم تتّخذ أيّ تدبير في الأمر، قال الأستاذ: فشوّش كلامه خاطري بعض تشويش، وفي مثل هذه الحالة النفسية كنت زرت أستاذي، مستأذنا مسترشدا بدون أن أفاتحه بشيء، مما أقلق فكري، من تلك الوساوس، فقال لي الأستاذ الكبير:
اسع جهدّك في تحقيق درسك من كلّ مصدر، واهتمّ بالتفكير في أحسن طربق في إيصال تحقيقك إلى أذهان الطلبة قدر اهتمامك بتحقيق الدرس، لأن صوغ الإلقاء في قالب متّزن مستساغ عليه مدار استفادة الطلبة كما يجب، ثم لا تبال بكثرة الطلبة أو قلّتها أصلا، لأنّ بركة نشر العلم تحصل بالقليل، إذا شاء الله سبحانه، وربما لا يحصل أيّ نضر العلم من الجماعة الكثيرة، إذا لم يبارك الله في علومهم، إذ أن بركة العلم إلى الله سبحانه، وإنما عليك السعي في العلم جهد الطاقة، مع الإخلاص، وما سوى ذلك ليس إليك.
ثم إيّاك أن تشتغل بترفيه طلبتك من ناحية السكن أو المعيشة أو نحوهما، لأن ذلك مما لا آخر له، ومما لا قبل لك به، ولأن الدرهم لا يدخل محلّا، إلا ويخرج منه الإخلاص، فليقصدك من يقصد العلم فقط، واحدا كان أو ألفا، وإيّاك أن يفسد عليك إخلاصك في العلم عقصد دنيويّ.
ثم إن العالم الجديد إذا أجهد نفسه صباحَ مساءَ بإلقاء الدرس والاستعداد للدرس انتهكت قواه، فلا بدَّ من تدارك ذلك بحسن التغذية الجسمية بشرب قدر رطل من الحليب صباحا، ممزوجا بمحَّة بَيْض مُسْتَمْرأة، وبأكل نحو ربع أقّة لحم ضأني مشويّ غداء.
стр. 4980
وبعدْ أنْ حكى أستاذنا نصيحة أستاذه هكذا، قال: هذه وصية أستاذي فيمن يبتدي في التدريس، ولا أزيد عليها كلمة، وقد كانت كلمته أزالت من نفسي ما كان يساورني من القلق من كلام ذلك الصديق، وخرجت من عند الأستاذ بعد هذه النصيحة، وقد أصبحت كثرة الجماعة وقلّتها عندي سواء، حتى تم لي بتوفيق الله سبحانه ما تعلمونه، وهنا انتهي كلام الأستاذ.
والواقع أن أستاذي أقلقني في المجلس بما لم أكن فكّرت فيه، ثم أزال عني القلقَ في المجلس نفسه بما دكره عن أستاذه، فاكتفيت بهذه الوصيّة الغالية، فقمتُ، وقلبي ممتلئ نورا، فترّسمت خِطَّتَه بتوفيق الله سبحانه، ولله الحمد على ما أولاني من نعمه المتوالية بعد أخذي بوصيّة الأستاذ، ولم أستطع أن أفوت هذه النصيحة القيّمة بدون تسجيلها، وإن كانت قيلتْ في زمن غير هذا الزمن الذي نحن فيه.
ومن جملة مرويّات الألَصوني ثبت الشيخ صاع الجينيني بطريق هبة الله البعلي عنه، وثبت السيّد أحمد بن محمد الطحطاوي التوقادي، بطريق أبي القاسم الأزهري، عن مفتي الإسكندرية محمد بن صاع البنَّاء عنه، والطحطاوي يروي فيه الأصول الستّة، و"مسند ابن خسرو"، و"موطأ محمد"، و"مسند الشافعي"، و"مسند أحمد" بطريق ابن عقيلة.
ويروي "المواهب" بطريق الزرقاني، وقد تفقّه على أربعة.
منهم: والده تلميذ أحمد الحماقي، تلميذ علي السيواسي، تلميذ شاهين، وعبد الحي، تلميذي أحمد الشوبري الحشن الشرنبلالي.
منهم: السيّد محمد الحريري، تلميذ الحسن بن علي المقدسي تلميذ سليمان المنصور تلميذ عبد الحي، ومنهم: الحسن بن إبراهيم الجبرتي الرياضي، راوي "نور الإيضاح" عن الحسن بن أبي الإخلاص عن أبيه المؤلّف.
стр. 4981
ومنهم: مصطفى بن محمد الطائي، عن والده، عن محمد بن عبد العزيز الزيادي، عن المشايخ شاهين، وعبد الحي، والسيّد أحمد الحموي، وعثمان بن عبد الله النحراوي، وعمر الزهري الدفري، ويحيى الشاوي، وفائد الأبياري، أصحاب المؤلّفات المعروفة، وهم عن أبي الإخلاص الحسن الشرنبلالي بسنده المعروف.
وأروى الثبتين بطرق شتّى، كما أروي ثبت فتح الله بن محمود البيلوني، بطريق الشرنبلالي عنه، وثبت أبيه بطريق ابنه.
توفي أستاذنا الألَصوني يوم الجمعة ١٨ صفر الخير سنة ١٣٣٦ هـ عن ٦٨، ودفن في مقبرة السلطان محمد الفاتح جنوبي قبر شيخه، بنحو خمسة عشر قبرا بعد أن صلّى عليه بعد الظهر من يوم السبت في مصلّى الفاتح جمع عظيم، يزيد على عشرات الألوف، فيهم شيخ الإسلام الحيدري، ومن دونه، أفاض الله سبحانه على جدثه سحب رضوانه، وأعلى منزلته في غرف جنانه، ونفعنا بعلومه وبركاته.
* * *
٣٦٦١ - الشيخ الفاضل علي بن حسن البباي ، *
متكلم.
من تصانيفه: "المغاني السنية في شرح مقدمة السنوسية" في العقائد، فرغ منها في ٢٩ ذى الحجة سنة ١١٧٨ هـ.
стр. 4982
كان حيا ١١٧٨ هـ.
* * *
٣٦٦٢ - الشيخ الفاضل علي بن الحسن الصندلي النيسابوري ، أبو الحسن من أصحاب أبي عبد الله الصَّيْمري *
ذكره الحافظ عبد القادر القرشي في "الجواهر المضية"، وقال: قرأ بـ"نيسابور" علَى الحسن الصعبي، ودرس هناك، وله يد في الكلام على مذهب المعتزلة، وله نصف "تفسير القرآن".
وكان يعظ على عادة أهل "خراسان".
وورد مع السلطان طُغريل إلى "بغداد"، ولما رجع إلى "نيسابور" انقطع، وتزهّد، فلم يدخل على السلاطين.
وقال له السلطان ملك شاه في جامع "نيسابور: لم لا تجيء إليّ؟
فقال: أردت أن تكون من خير الملوك، حيث تزور العلماء، ولا أكون من شرّ العلماء، حيث أزور الملوك.
قال الهمذاني: وحدّثني أبو محمد عبد الله بن أحمد السمرقندي المحدّث، قال: كان الصندلي يستعمل السنة في ملابسه، ويسعى ماشيا إلى الجمعة، فيسلّم على كلّ من اجتاز به.
стр. 4983
وكانت بينه وبين "أبي محمد الجويني (١) إمام الشافعيةْ وابنه أبي المعالي (٢) بعده مخالفة في الأصول والفروع، ولكل واحد منهما طائفة، وكانوا إذا اجتمعوا يبادر بعضهم على بعض، وكان إلْكِيا أبو الحسن المعروف بالهرَّاسي (٣) يحكى أشياء، جرتْ بينهم.
ويحكي عن الصندلي حدّة الخاطر مع التهاتر.
فتناظر فيما إذا قال رجل (٤) لعبده، وهو أكبر سنَّا منه: أنت ابني. فاستدلّ أبو محمد الجويني، وقال: لا يثبت النسب، فلا يثبت العتق. فاعترض عليه الصندلي، وقال: يبطل (٥) هذا الكلام بمشهور النسب، فإنه يعتق عليه، ولا يلحقه نسبه.
فقال الجويني: لا أسلّم، فإنه يلحقه (٦) النسب أيضا.
فقال الصندلي: فأبو المعالي، -وأشار إليه ابنه- ابني، فضحك من حضر، وتولد من قوله [جفاء وسُبَّة] (٧).
стр. 4984
ولما مات أبو المعالي الجويني أحرق أصحابه الكرسيّ الذي كان يدرّس عليه.
فقال الصندلي: حقيق بكرسيّ يذكر عليه كذا أربعين سنة أن يحرق.
فقال أصحاب أبي المعالي: لو علمنا أن هذه الكلمة تسير وتصير نادرة بين العوام ما أحرقناه.
وبـ"نيسابور". طائفة من الكَرَّامية (١)، يقال لها: الهيضمية (٢)، ينسبون إلى محمَّد ين الهيضم، وفرقه يعرفون بالتونية (٣)، فقال مدرس التونية يوما للصندلاني: ليس العجب من أتُّون (٤) يصر مدرسة، إنما العجب من أتُّونيّ (٥) يصير مدرّسا.
стр. 4985
وقيل للصندلي يوما: إن السمعاني (١) صار شافعيا.
قال: إن السمعاني لا يصير شافعيا.
وقال أبو المعالي يوما: النكاح بغير ولي هذه المسئلة خلاف بين أبي حنيفة وبين رسول الله ﷺ ، فإنه ﷺ قال: إيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل (٢).
وقال أبو حنيفة: بل نكاحها صحيح.
فصارت هذه عن أبي المعالي، فحضر مع الصندلي، وسئل عن التسمية على الذبيحة هل هي واجبة أم لا.
فقال الصندلاني: هذه المسئلة خلاف بين الشافعي وبين الله تعالى، فإن الله تعالى يقول ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ (٣)، والشافعي قال: وكلوا.
وبلغه أيهم شنَّعوا على أبي حنيفة كأنه قال: ولو رماه بأبو قبيس (٤) ما أقَدْتُه به، وأن أحد أصحاب [احتجّ بحجّة للعرب] (٥) عن ذلك، وذهبت عن حفظي (٦).
стр. 4986
ودرس يوما أن التحريم بالرضاع عند أبي حنيفة يتعلق بالقليل والكثير.
وقال الشافعي: يتعلق التحريم بخمس رضعات.
وقال: دليل أبي حنيفة قول النبي ﷺ : الرضاعة من المجاعة (١)، يعني ما شدّ الجوعة، فقالوا: ودليل أصحاب الشافعية ما هو؟
قال: كان لهم دليل، فأكلته الشاة.
قالوا: كيف؟.
стр. 4987
قال: لأن أصحابه يرْوُون عن عائشة رضي الله. عنها، قالت (١) كان تحريم الرضاع في صحيفة، فلما توفي رسول الله ﷺ تشاغلنا (٢) بغسله، فدخل داجن الحيّ، فأكلها.
وهذا اعتراض يعترض به أصحاب أبي حنيفة، ويقولون: لو كان قرآنا لكان محروسا.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٣).
وأجاب أصحاب الشافعي أنا أثبتنا ذلك من القرآن حكما، لا تلاوة، والأحكام ثبت بأخبار الآحاد، سواء أضيفت إلى السنّة أو إلى القرآن، كما أثبتوا بقراءة ابن مسعود، فصيام ثلاثة أيام متابعات (٤) حكم التتابع، وإن لم يثبتوا تلاوته.
وأجابوا (٥) أن الذي أكله داجن الحي رضاع الكبير، وحكمه منسوخ.
مات يوم الأحد عند غروب الشمس، التاسع عشر، من ربيع الآخر، سنة أربع وثمانين وأربعمائة، رحمه الله تعالى.
* * *
стр. 4988
باب من اسمه علي بن الحسين
٣٦٦٣ - الشيخ الفاضل علي بن الحسين بن إبراهيم الملقّب والده بإشكاب تقدّم (١) *
روى عن أبيه، وتفقّه عليه، [ويأتي أخوه] (٢)، رحمه الله تعالى.
* * *
٣٦٦٤ - الشيخ الفاضل علي بن الحسين بن على بن سعيد بن حامد السِّنْجاري ، المعروف بابن دبانة * *
стр. 4989
ذكره الحافظ عبد القادر القرشي في "الجواهر المضية"، وقال: روى عن والده شيئا من نظمه.
ودرس بالمدرسة العمادية بـ"سنجار".
وكان فقيها، فاضلا.
وله معرفة بالأدب.
توفي في [ذي القعدة] (١) أو في ذي الحخة سنة اثنتين وأربعين وسئمائة بـ"إربل".
نقلتُه من خطّ الشريف عز الدين أحمد بن محمد بن عبد الرحمن في "وفياته" (٢).
* * *
٣٦٦٥ - الشيخ الفاضل علي بن الحسين بن علي البيهقي ، (علاء الدين، أبو الحسن) *
طبيب.
стр. 4990
من تصانيفه: "ترويح الأرواح لتصحيح الأشباح" في الطب، و"معادن النوادر في معرفة الجواهر".
كان حيا ٩١٢ هـ.
* * *
٣٦٦٦ - الشيخ الفاضل علي بن الحسين بن محمد بن الفضل بن سهل أبو الحسن الدهقان، المروزي، القاضي (١) *
وهو خال الإمام (٢) خواهرزاده.
ذكره الحافظ عبد القادر القرشي في "الجواهر المضية"، وقال: تفقّه على القاضي أبي الهيثم عتبة ابن خيثمة، ثم صار له أصحاب يختلفون إليه.
قال السمعاني: ورد "بغداد" حاجا سنة ثلاث عشرة وأربعمائة.
وكان إماما، فقيها، فاضلا، بارعا.
مات سنة أربع وستين وأربعمائة، رحمه الله تعالى.
* * *
٣٦٦٧ - الشيخ الفاضل علي بن الحسين بن محمد البلخى السَّكِلِكَنْدِي * *
стр. 4991
ذكره الحافظ عبد القادر القرشي في "الجواهر المضية"، وقال: سكن "دمشق".
تفقّه بـ"بخارى" على الإمام عبد العزيز بن عمر ابن مازه.
وروى الحديث بـ"دمشق" عن أبي المعين المكحولي.
قال السمعاني: لقيته بـ"دمشق"، وكان له يد قوية في النظر، وكان مشتغلا بنشر العلم، وكان فقيها، فاضلا، زاهدا.
توفي بـ"حلب" سنة سبع وأربعين وخمسمائة (١).
والسكلكندي (٢) بكسر السين المهملة، واللام بين الكافين، أولاهما بالكسر، والثانية بالفتح، وسكون النون، وفي آخرها الدال المهملة، نسبة إلى "سكلكند"، وهي من من نواحي "طخارستان"، وهي بليدة من ناحية (٣) "بلخ".
* * *
٣٦٦٨ - الشيخ الفاضل علي بن الحسين بن محمد السُّغْدي ، القاضي أبو الحسن، الملقّب شيخ الإسلام *
стр. 4992
دكره الحافظ عبد القادر القرشي في "الجواهر المضية"، وقال: و"السُّغد" بضم السين المهملة، وسكون الغين المعجمة، وفي آخرها دال مهملة، ناحية كثيرة المياه والأشجار، من نواحي "سمرقند".
قال السمعاني: سكن "بخارى"، وكان إماما، فاضلا، وفقيها، مناظرا، سمع الحديث.
روى عنه شمس الأئمة السرخسي "السير الكبير".
وتوفي بـ"بخارى" سنة إحدى وستين وأربعمائة.
من تصانيفه أعني السغدي: "النتف" [في الفتاوى] (١)، و"شرح السير الكير"، رحمه الله تعالى.
* * *
٣٦٦٩ - الشيخ الفاضل علي بن أبي طالب الحسين بن محمد الزينبي ، قاضي القضاة أبو القاسم، عرف بالأكمل *
стр. 4993
ذكره الحافظ عبد القادر القرشى في "الجواهر المضية"، وقال: تفقّه على أبيه الحسين، وقد تقدّم (١).
درس في حياة أبيه بمشهد أبي حنيفة ﵁، ودرّس به بعد وفاته.
وتولى القضاء للمسترشد بالله.
مات سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة، رحمه الله تعالى.
* * *
٣٦٧٠ - الشيخ الفاضل علي بن الحسين بن نصر بن خراسان ابن عبد الله البابَدَسْتاني *
بالألف بين البائين الموحّدتين، وفتح الدال، وسكون السين المهملتين، وفتح التاء المنقوطة باثنتين من فوقها، وفي آخرها النون، نسبة إلى "باب دستان"، وهي معروفة بـ"سمرقند".
ذكره الحافظ عبد القادر القرشي في "الجواهر المضية"، وقال: قال السمعاني: من الفقهاء الحنفية.
стр. 4994
كان فاضلا، راغبا (١) في العلم، ثقة. (٢)
توفي بـ"سمرقند" في صفر سنة ثمان وستين وثلاثمائة، رحمه الله تعالى.
* * *
٣٦٧١ - الشيخ الفاضل علي بن الحسين ركن الإسلام أبو الحسن السغدي *
نسبته إلى "سغد" بضم السين المهملة، وسكون الغين المعجمة، بعدها دال مهملة، ناحية من نواحي "سمرقند".
كان إماما فاضلا، فقيها، مناظرا.
سكن "بخارى"، وتصدّر للإفتاء، وولى القضاء.
انتهت إليه رياسة الحنفية، ورحل إليه في النوازل والواقعات.
تكرّر دكره في "فتاوى قاضيخان"، وسائر مشاهير الفتاوى.
أخذ الفقه عن شمس الأئمة السرخسي، وروى عنه "شرح السير الكبير".
قال الإمام اللكنوي في "الفوائد البهية": كانت وفاته سنة إحدى وستين وأربعمائة بـ"بخارى"، كذا قال السمعاني. وقال: كان إماما فاضلا، مناظرا، سمع جماعة. انتهى.
ومن تصانيفه: "النتف" في الفتاوى، و"شرح الجامع الكبير"، ذكره القارئ وغيره.
стр. 4995
٣٦٧٢ - الشيخ الفاضل علي بن حسين المسرعي، المعروف بالبولاقي *
بياني.
من آثاره: "تبيان البيان على حاشية أحمد الصاوي" على "شرح تحفة الإخوان" للدردير في علم البيان.
كان حيا ١٣٠٧ هـ.
* * *
باب من اسمه علي بن خليل، داود، زكري .
٣٦٧٣ - الشيخ الفاضل علي بن خليل بن على بن الحسين الدمشقي ، أبو الحسن الأديب الفقيه، عرف بابن قاضى العسكر * *
ذكره الحافظ عبد القادر القرشي في "الجواهر المضية"، وقال: مولده بـ"دمشق" منتصف جمادى الأولى سنة ثمان وستمائة.
стр. 4996
[وتوفي يوم الأربعاء غرة ذي القعدة. سنة إحدى وخمسين وستمائة] (١)، ودفن يوم الخميس بـ"سفح قاسيون" عند والده، وله ثلاث وأربعون سنة.
تقدّم أبوه في حرف الخاء المعجمة (٢).
أنبأني الحافظ الدمياطي أنشدنا القاضي (٣) الفاضل أبو الحسن علي ابن خليل لنفسه بـ"دمشق" (٤): شعر:
تطلبت في الدنيا خليلا فلم أجد … وما أحد غيري لذلك واجد
فكم مضمِر بغضا يريك محبة … وفي الزند نار وهو في اللمس بارد
* * *
٣٦٧٤ - الشيخ الفاضل علي بن داود أبو الحسن نجم الدين القحقازي *
كان إماما، فاضلا، أصوليا، نحويا.
أخذ العلم من أفواه الأخيار.
وكان والده القاضي عماد الدين داود بن يحيى بن كامل بن يحيى بن حبان بن عبد الملك. ينتهى نسبُه إلى الزبير بن العوام.
стр. 4997
إماما فاضلا محقّقا.
مات سنة أربع وثمانين وستمائة.
قال الإمام اللكنوي في "الفوائد البهية": وأما وفاة نجم الدين، فكانت في رابع عشر رجب سنة خمس وأربعين وسبعمائة، وولادته في جمادى الأولى سنهَ ثمان وستين وستمائة، كما ذكره السيوطي في "بغية الوعاة"، وذكر في نسبه ونسبته علي بن داود بن يحيى بن كامل ابن يحيى نجم الدين أبو الحسن القحقازي الزبيدي القرشي الأسدي. وقال: قال الصفدي: شيخ أهل "دمشق" في عصره، خصوصا في العربية، ومَرأ النحو على العلاء بن المطرزي، والفقه على الشمس الحريري، والأصول على البدر ابن جماعة، والعربية على المجد التونسي، وسمع الحديث على النجم الشقراوي. وقال: ولم أصنّف شيئا للمؤاخذين على المصنّفين، فكرهت أن أجعل نفسي عرضا لمن يأخذ، غير أني جمعت نسكا للحج، وله نظم ونثر.
* * *
٣٦٧٥ - الشيخ الفاضل علي بن زكري بن مسعود الأنصاري المنبجي ، والد محمد يأتي في بابه (١) *
* * *
стр. 4998
باب من اسمه علي بن سالم وسعيد وسلطان.
٣٦٧٦ - الشيخ الامام العالم الفقيه الحبر الفهّاهة النبيه علي بن سالم بن ولي الدين ، التركماني الأصل، الدمشقي المولد، أمين الفتوى عند مفتي الحنفية بـ"دمشق" *
كان متقنًا متفوّقًا بفقه الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان، ﵁، وماهرًا بمقتضياته، وإليه النهاية فيه بوقته، مع الفضل، الذي لا مطعن فيه.
ولد سنة ثلاث ومائة وألف، وقرأ، وأخذ عن جماعة من شيوخ "دمشق"، و "الروم"، واستفاد، وصار أمين الفتوى مدّة مديدة عند العلامة الإمام المولى حامد العمادي، ثم من بعده عند والدى، رحمه الله تعالى.
ودرس بالجامع الأموي في الفقه، وكانت عليه وظائف عديدة، وله رسائل، وتعليقات، وحواشي كثيرة.
وبالجملة ففضله لا شكّ فيه، سيَما بالفقه فروعًا وأصولًا، وكان العمادي في غالب الأوقات يزجره، خوفًا من إدخال الرشوة في أمور الفتيا عليه، رحم الله العمادي رحمة واسعة، وقطع أيدي المرتشين عن أمور عباده بحرمة رسوله.
стр. 4999
وكانت وفاته في يوم الجمعة، ثالث رجب، سنة ثمان ومائة وألف، ودفن بمقبرة الحفلة عند داره بميدان الحصا، رحمه الله تعالى.
الرشوة يجوز فتح الراء وضمها كسرها، ولا يجوز قبولها، ويذمون الراشي حيًا وميتًا، ويذكرونه باللعنة، لأن الرشوة رأس الفساد للملل والدول.
* * *
٣٦٧٧ - الشيخ الفاضل علي بن سعيد أبو الحسن الرُّسْتُغْفني *
من كبار مشايخ "سمرقند".
ذكره الحافظ عبد القادر القرشي في "الجواهر المضية"، وقال: له كتاب "إرشاد المهتدي"، وكناب "الزوائد والفوائد" في أنواع العلوم، وهو من أصحاب الماتريدي الكبار (١). له دكر في الفقه والأصول في كتب الأصحاب.
والخلاف بينه وبين الماتريدي في مسئلة المجتهد إذا أخطأ في إصابة الحق يكون مخطئا في الاجتهاد عند أبي منصور، وعند أبي الحسن مصيب (٢) في الاجتهاد على كلّ حال أصاب الحق، أو لم يصب.
стр. 5000
وقد روي عن أبي حنيفة أنه قال: كلّ مجتهد مصيب.
والحقّ عند الله واحد، ومعناه أنه مصيب في الطلب، وإن أخطأ المطلوب.
قال أبو الحسن: رأيت إمام الهدى أبا منصور الماتريدي في المنام، فقال: يا أبا الحسن! ألم تر أن الله غفر لامرأة لم تصلّ قطّ.
فقلت بماذا؟ قال باستماع الأذان وإجابة الموذّن.
والرستغفني بضم الراء، وسكرن المهملة، وضم التاء ثالث الحروف، وسكون الغين المعجمة، وفي أخرها النون بعد الفاء، نسبة إلى قرية من قرى "سمرقند"، ويأتي في الأنساب (١)، رحمه الله تعالى.
* * *
٣٦٧٨ - علي بن سلطان الإمام الهمام المحدّث الكبير الفقيه الضليع محمد القاري ، وهو من المجاورين *
стр. 5001
قلت: ترجم شيخنا العلامة المحقق البحّاثة الشيخ عبد الحليم بن عبد الرحيم الجشتي -حفظه الله تعالى- للإمام علي القاري ترجمةً حافلةً، قدمت ههنا منها موجزا، ونصّه ما يلي: هو هجر من بلدة "هراة" في العجم، ودأب العجم أن يسمّوا أولادهم اسما زوجا، مثل فاضل محمد، وصادق محمد.
واسم أبيه سلطان محمد من هذا القبيل على ما سمع، وأما كونه من الملوك فلم يسمع.
وكنية علي القاري أبو الحسن، حسبما دكره الحافظ السيّد عبد الحي الكتّاتي الفاسي، المتوفى سنة ١٣٨١ هـ في مقدمة كتابه "التراتيب الإدارية والعمالات والصناعات والمتاجر والحالة العلمية التي كانت على عهد تأسيس
стр. 5002
المدينة المنوّرة"، حيث يقول: وشرح "مسند أبي حنيفة" رواية الحصكفي لأبي الحسن علي القاري، المعروف بابن سلطان المكّي، ولقب علي القاري نور الدين.
ولد الملا علي القاري بـ"هراة"، ولم أقف على سنة ميلاده إلى الآن، ونشأ بها، وحفظ القرآن، وعلم التجويد من ابن الخطيب في جامع "هراة" الشيخ العالم المقري معين الدين بن الحافظ زين الدين الهروي، كما صرّح به في رسالته "سم القوارض في ذم الروافض" ما نصّه، حرفيا: أستاذى المرحوم في علم القراءة مولانا معين الدين بن الحافظ زين الدين من أهل "رمانكاه" (كازركاه).
وقرأ الكتب الدراسية، وأخذ العلوم المتعارفة عن شيوخ عصره بـ"هراة"، وبعد تغلب السلطان إسماعيل بن حيدر الصفوي الموسوي أول ملوك الصفوية الرافضة على "هراة"، وقتله المسلمين ظلما، ونهبه إياها، وإشاعته شعائر الرافضة فيها، ضاقت عليهم أرضها مما رحبت، فخرج المسلمون منها، وهاجر المولى علي القارى منها إلى حرم الله، وطاب به المقام بـ"مكة المكرّمة"، واستوطنها، وحمد الله على إقامته بها في رسالته "سم القوارض"، حيث قال:
وقد ورد لا تسبّوا الشيطان، وتعوذوا بالله من شرّه، وفيه تنبيه على الترقّي من التفرقة المعبّر عنها الاثنية إلى مقام التوحيد الصرف والجمعية، والحمد لله على ما أعطاني من التوفيق والقدرة على الهجر، من دار البدع إلى خير ديار السنّة، التي هي مهبط الوحي، وظهور النبوة، وأثبتني على الإقامة من غير حول مني، ولا قوّة.
وقرأ القرآن العظيم بـ"مكة المكرمة" على القرّاء الأجلاء، وأتقن الحفظ أبدع إتقان، وحفظ "الشاطبية"، وقرأ السبعة من طريقها، وأتفن القراءات بوجوهها، وتلا، ورتّل القرآن العظيم أحسن ترتيل، حتى اشتهر
стр. 5003
بالقاري، وذكر سنده للقراءات في آخر كتابه "المنح الفكرية على متن الجزرية"، وكذا في شرحه على "الشاطبية"، حيث قال: أما سندي في تحقيق القراءات وتدقيق الروايات، فعلى المشايخ العظام والقرّاء الكرام، من أجلّهم في هذا الفن الشريف، وأكملهم: شيخ القزاء بـ"مكة" الغرّاء، وحيد عصره، وفريد دهره، العالم العامل، الصاع الكامل، الشيخ سراج الدين عمر اليمني الشوافي، بلغه الله سبحانه المقام العالي الوافي، وجزاه عني، وعن سائر المسلمين الجزاء الكافي، وقد قرأ على جماعة، قرؤوا على الإمام العلامة محمد بن القطّان، خطيب "المدينة المنوّرة"، وإمامها، وهو قرأ على الشيخ زين الدين عبد الغني الهيثمي المصري، وهو على خاتمة القرّاء والمحدّثين الشيخ شمس الدين محمد بن محمد بن محمد الجزري، قدّس سرّه السري.
واشتغل بسماع الحديث بـ"مكة"، فأخذ عن شيوخها، منهم: مفسّر "مكة"، وفقيهها في عصره الشيخ زين الدين عطية بن علي بن حسن السلمي المكّي، المتوفى سنة ٩٨٣ هـ، فقد قال في مقدمة كنابه "مرقاة المفاتيح" ما نصّه: قرأتُ هذا الكناب المعظم "المشكاة" على مشايخ الحرم المحترم، نفعنا الله بهم، وببركات علومهم.
منهم: فريد عصره، ووحيد دهره، مولانا العلامة، الشيخ عطية السلمي، تلميذ شيخ الإسلام، ومرشد الأنام، مولانا الشيخ أبي الحسن البكري، والمولى. علي القارى ينقل عنه، وعن تفسيره في كتابه "المرقاة" الفوائد، ويصفه تارة بشيخنا وأستاذنا ومولانا، وتارة بعمدة المفسّرين، وقد وصفه في رسالته "سم القوارض" بسيّدي في علم التفسير، الشيخ عطية المكّي السلمي.
ومنهم: مسند "مكّة". العلامة الشيخ زكريا، الذى قال عنه المولى علي القاري في مقدمة كنابه "المرقاة" ما نصّه: ومنهم: أى من المشايخ الذين قرأت عليهم زبدة الفضلاء، وعمدة العلماء، مولانا السيّد زكريا، تلميذ العالم الربّاني،
стр. 5004
مولانا إسماعيل الشرواني، من أصحاب قطب العارفين، غوث السالكين، خواجه عبيد الله السمرقندي، أحد أتباع خواجه بهاء الدين النقشبندي، روّح الله روحهما، ورزقنا فتوحهما، ويصفه القاري في كتابه "المرقاة" بشيخنا السيّد.
ومنهم: الإمام العالم الكبير، مسند الحرم الشيخ، علي بن حسام الدين المتقي الحنفي، المتوفى سنة ٩٧٥ هـ، دكره المولي على القاري في مقدمة كتابه "مرقاة المفاتيح" بالعالم العامل، والفاضل الكامل، العارف بالله الولي، مولانا علي، أفاض الله علينا من مدده العلي، ويحكي عنه في شرحه حكايات عجيبة عن بعض عاداته الشريفة.
ومنهم: خاتمة المحقّقين، ومسند الحرم، وحافظها العلامة، الشيخ أبو العبّاس شهاب الدين أحمد ابن محمد، المعروف بابن حجر الهيثمي السعدي الأنصاري الشافعي المكّي، المتوفى سنة ٩٧٣ هـ، دكره في كتابه "مرقاة المفاتيح لمشكاة المصابيح" بشيخنا العالم العلامة، والبحر الفهّامة، شيخ الإسلام، ومفتي الأنام، صاحب التصانيف الكثيرة، والتآليف الشهيرة، مولانا وسيّدنا وسندنا، الشيخ شهاب الدين بن حجر المكّي، ولكن المولى علي القاري يتعقّب عليه، ويناقضه كثيرا في شرحه المذكور آنفا.
ومنهم: العلامة المحدّث، ومسند "الحجاز"، الشيخ عبد الله السندي، المتوفى سنة ٩٩٦ هـ، وقد ذكره على القاري في كتابه "فتح المغطّا شرح الموطّأ" للإمام محمد بأستاذي، حيث قال في مقدمته: وقد وجدت بخطّ أستاذي المرحوم الشيخ عبد اللى السندي في ظهر هذا الكتاب أنه "موطأ مالك بن أنس" برواية محمد بن الحسن، وهو مشكل، إذ يروي الإمام محمد فيه عن غير الإمام مالك أيضا، كالإمام أبي حنيفة، وأمثاله، ولعلّه نظر إلى الأغلب. ووصفه في شرحه على "مسند الإمام الأعظم" برواية الحصكفي بشيخنا ومولانا.
стр. 5005
ومنهم: العلامة الحافظ مسند عصره، صاحب "الطبقات الحنفية"، ومفتي "مكة"، الشيخ قطب الدين المكّي الحنفي، المتوفى سنة ٩٩٩ هـ، حيث وصفه في رسالته "بيان فعل الخير إذا دخل "مكة" من حج عن الغير" بعمدة المتأخّرين، وزبدة المتبحّرين، شيخنا، مفتي المسلمين بحرم الله الأمين، مولانا، قطب الدين.
فهؤلاء المحدّثون المتقنون الذين أجازوه لمروياتهم، واستفاد المولى على القاري منهم، وحصل له إجازة عامة عن غيرهم من المسندين.
ومنهم: العارف الفقيه المحدّث الشيخ محمد بن أبي الحسن البكري المصري الشافعي، المتوفى ٩٩٤ هـ، وقد ذكره المولى علي القاري في رسالته "سم القوارض" حيث قال: شيخنا المبرور، المغفور، محمد بن أبي الحسن البكري.
ومنهم: الشيخ العالم الفقيه بدر الدين الشهاوي الحنفي، المفتي بالحرم المكّي، وقد وصفه في رسالته "لسان الاهتداء في بيان الاقتداء" بشيخنا بدر الدين الشهاوي الحنفي، المفتي بالحرم المكّي.
ومن ضمنهم: الفقيه الواعظ الشيخ سنان الدين يوسف بن عبد الله الأماسي الرومي الحنفي، نزيل "مكة"، المعروف بسنان الواعظ، صاحب "قرّة العين في المناسك"، المتوفى في حدود ألف، وقد وصفه المولى علي القاري في رسالته "بيان فعل الخر إذا دخل مكة من حج عن الغير" بشحيخنا، فخر العلماء، وذخر الصلحاء، مولانا سنان الواعظ الرومي.
ومن جملتهم: الشيخ المسند محمد بن علي بن أحمد بن سالم الجناني، وقد دكره في مقدمة كتابه "مرقاة المفاتيح"، حيث يقول: وقد حصل لي إجازة عامة، ورخصة تامة، من الشيخ العلامة علي بن أحمد الجناني الأزهري الشمافعي الأشعري الأنصاري. وقد قال: قرأت على شيخ الإسلام، وإمام أئمة الأعلام، الشيخ جلال الدين السيوطي كتبا من الحديث وغيره من العلوم، كـ"البخاري"، و"مسلم"، وغيرهما من الكتب الستة، وغيرها البعض
стр. 5006
قراءة والبعض سماعا، وقد أجازني بحميع مرويّاته، وبما قرئ به، وبما أجازه به خاتمة المحدّثين مولانا الشيخ ابن حجر العسقلاني قراءة وسماعا ورواية، إجازة، وعلى الشيخ القسطلاني، صاحب "المواهب"، وشارح "البخاري" من أجلاء تلامذة العسقلاني، وأجازني بمروياته، ومؤلّفاته، وهذا على ما يوجد من السند المعتمد في هذا الزمان المكدّر المنكّد.
ثم إني قرأت أيضا بعض أحاديث "المشكاة" على منبع بحر العرفان، مولانا الشهير بمير كلان، وهو قرأ على زبدة المحقّقين، وعمدة المدقّقين، ميرك شاه، وهو على والد السيّد السنذ مولانا جال الدين، المحدّث، صاحب "روضة الأحباب"، وهو على عمّه السيّد أصيل الدين الشيرازي، روي أنه أدرك من أكابر العلماء أحدا وثمانين.
منهم: مولانا محمد بن محمد بن محمد الجزري، والشيخ مجد الدين الفيروزآبادي، صاحب "القاموس"، والعلامة السيّد الشريف الجرجاني، وسمع منه مولانا نور الدين الجامي، قدّس سرّه السامي، وغيره، توفي سنة أربع وثمانين وثمانمائة.
قال أروي كتاب "المشكاة" عن مولانا شرف الدين الجرهي، وهو يروي عن خواجه إمام الملّة والدين علي بن مبارك شاه الصدّيقي، وهو يروي عن المؤلّف. وهذا الإسناد لا يوجد أعلى منه للاعتماد.
وقد استفاد من الشيخ العالم الكبير عبد الله الهندي، الشهير بمخدوم الملك السلطانفوري، حيث قال في رسالته في تحقيق أحوال المهدي ما نصّه حرفيا:
إني سمعت الشيخ العلامة، والمفيد الفهّامة، الشيخ عبد الله الهندي، الشهير بمخدوم الملك بين الخاص والعام، وأخذ الطريقة العليّة النقشبندية والقادرية والجشتية وغيرها عن مشايخ عصره، ولازمهم، واجتهد في أداء حقّ خدمتهم، ونال ما نال، وأقرّ بولايته الخاص والعام، واشتهر فضله في الأنام،
стр. 5007
قال الشيخ مستقيم زاده سليمان سعد الدين أفندي، المتوفى ١٢٠٢ هـ في كتابه "تحفة خطّاطين" بالتركية، كان المولى على حنفيا مذهبا، ونقشبنديا مشربا، تعلّم الخط عن الخطّاط، المشهور الشيخ حمد الله الأماسي، وبرع في خطّ الثلث، والنسخ براعة تامة، وكان يكتب خطّ النسخ والثلث بغاية الجودة والحلاوة، ويعيش من كسب يديه، ويأكل من شغل الكتابة، قال الشيخ محمد طاهر بن عبد القادر الكردي المكّي في كتابه "تاريخ الخط العربي وآدابه": كان يكتب الخطّ الحسن، والغالب أنه أخذ الخط عن الشيخ حمد الله الأماسي، وكان يكتب في كلّ سنة مصحفا واحدا، ويبيعه، ويصرف ثمنه على نفسه طول السنة.
وقال الشيخ عبد الحق المحدّث الدهلوي في ترجمة علي المتّقي من كتابه "زاد المتقين": كان رجلا من أهل العجم، جميل الخطّ، يقال لة: الملا على القاري، اشترى منه الشيخ علي المتقي نسخة من "تفسير الجلالين"، التي كتبه بخطّه الحسن باثنتي عشرة جديدة، اعترافا بفضله وأهليته، ونظرا إلى حاجته، وهو يقول في حقّه: إنه أتعب نفسه في الإجادة في الكتابة، هو أحق أن تشترى بأغلى مما دفعته، مع أنه كان يوجد في تلك الأيام نسخة واحدة من "تفسير الجلالين" بخطّ أهل "مكّة" بجديد واحد. انتهى ما نقله السيّد صدّيق حسن القنوجي في ترجمة الشيخ على المتقي من كتابه "إتحاف النبلاء المتقين عن زاد المتقين".
وقد رأيت بنفسي المصحف بخطّ الشيخ علي القاري عند العالم الكبير الشيخ محمد هاشم المجدّدي بـ"تنتو سائين داد" بـ"السند" في "باكستان الغربية" في سنة ١٣٧٧ هـ.
ظلّ المولى علي القاري قانعا مما يحصل من بيع كتبه، وغلب على حاله الزهد والعفاف والرضى بالكفاف، وكان قليل الاختلاط بغيره، كثير العبادة والتقوى، شديد الإقبال على عالم السرّ والنجوى.
стр. 5008
وقد أكبّ المولى على القاري منذ بلغ رشده على الاستفادة والطلب، ولازم أكابر العلماء، حتى حذق في فنّ الأصول والحديث والتفسير والتصوّف والمعقول، وفاق أقرانه، وصار إماما شهيرا، وعلامة كبيرا، نظّارا، متضلّعا في كثير من العلوم العقلية والنقلية، متمكّنا بفنّ الحديث والتفسير والقراءات والأصول والكلام والعربية وسائر علوم اللسان والبلاغة، مع الإتقان في كلّ ذلك، والإحاطة بأسرارها ومعرفة محاسنها، وغوامضها، وتحرير عويصاتها، وحلّ مشكلاتها، وارتقى إلى رتبة الكملاء الراسخين من العلم، واجتمع فيه من الكمال ما تضرب به الأمثال، وقد ذكر المؤرّخون له أوصافا كثيرة.
فقال محمد أمين بن فضل الله الدمشقي المحبي المتوفى ١١١١ هـ في "خلاصة الأثر في تراجم أعيان القرن الحادي عشر": على بن محمد سلطان الهروي، المعروف بالقاري، نزيل "مكة"، أحد صدور العلم، فرد عصره، الباهر السمت في التحقيق وتنقيح العبارات، شهرته كافية عن الإطراء في وصفه.
وقال عبد الملك بن حسين العصامي المكّي الشافعي في "سمط النجوم والعوالي في إنباء الأوائل والتوالي": الشيخ الملا علي الجامع للعلوم العقلية والنقلية، والمتضلّع من السنة النبوية، أحد جماهير أولي الحفظ والأفهام.
وذكر السيّد صديق حسن القنوجي في ترجمة الملا على القاري من كتابه "إتحاف النبلاء المتقين"، قال السيّد محمد بن أبي بكر الباعلوى في ترجمته من كتابه "عقد الجواهر والدرر": هو الجامع للعلوم العقلية والنقلية، والمتضلّع من السنة النبوية، وأحد علماء الأعلام، وجماهير أولي الحفظ والأفهام.
وقال عنه حافظ العصر العلامة الشيخ محمد عابد السندي ثم المدني، المتوفى سنة ١٢٥٧ هـ في كتابه: "المواهب اللطيفة على مسند الإمام أبي حنيفة" الشيخ العلامة الحبر الفهّامة الشيخ علي القاري.
стр. 5009
وقال عنه الشيخ العلامة أبو الحسنات محمد عبد الحي اللكنوي المتوفى سنة ١٣٠٤ هـ في مقدمة كتابه "التعليق الممجّد على موطأ محمد": صاحب العلم الباهر، والفضل الظاهر، علي القاري الهروي ثم المكي، وقال أيضا في مقدمة "السعاية في كشف ما في شرح الوقاية": هو محدّث جليل، ومحقّق نبيل.
وقال الشيخ العالم الفقيه حسين بن محمد سعيد عبد الغني المكّي الحنفي في كتابه "إرشاد الساري إلى مناسك الملا على القاري" ما نصّه: علي بن سلطان محمد القاري علامة زمانه، وواحد عصره وأوانه، والمتفرّد، الجامع لأنواع العلوم العقلية والنقلية، المتضلّع من علوم القرآن والسنة النبوية، وعالم بلاد الله الحرام، والمشاعر العظام، وأحد جماهير الأعلام، ومشاهير أولي التحقيق والأفهام.
وقال المحقق المحدّث البارع الشيخ محمد إدريس الكاندهلوي في مقدمة كتابه "التعليق الصبيح على مشكاة المصابيح": المحدّث الجليل والفاضل النبيل، فريد دهره، ووحيد عصره، الشيخ نور الدين على بن سلطان محمد الهروي القاري.
كان المولى علي القاري الحنفي ديّنا تقيا، ورعا، فقيها بارعا، واسع الرواية، واسع الدراية، وكان يتمتّع بحرية تامة، يعمل، ويقول بما صحّ له من الدليل في الكتاب والسنة والإجماع، ويردّ ما يجد خلافا لها مهما كان القائل به صغيرا أو كبيرا، إماما أو مجتهدا، ويبيّن خطأه، وينصر قولا واحدا، يوافق القرآن والحديث، والأصول. وهذا كان دأبه في المباحثات، فالب عليه بعض معاصريه من المالكية والشافعية، وبلغ بهم التعصّب إلى حدّ أنهم نهوا عن مطالعة تصانيفه، والنظر في كلامه.
قال المحبي في "خلاصة الأثر": لكنه امتحن بالاعتراض على الأئمة، لا سيّما الشافعي وأصحابه، رحمهم الله تعالى، واعترض على الإمام مالك في
стр. 5010
إرسال اليد في الصلاة، وألّف في ذلك، فانتدب لجوابه الشيخ محمد مكين، وألّف رسالة جوابا له في جميع ما قاله، وردّ عليه اعترضاته. وقال المؤرخ عبد الملك العصامي: امتحن بالاعتراض على الأئمة لا سيّما الشافعي، وأصحابه، واعترض على الإمام مالك في إرسال يديه، ولهذا تجد مؤلّفاته ليس عليها نور العلم، ومن ثمهنهى عن مطالعتها كثير من العلماء والأولياء، ولا يخفى أن اختلاف العلماء في الشريعة الإسلامية على درجات، قال محمد بن محمد الخطابي المتوفى ٣٨٨ هـ: وقد روى عن النبي ﷺ ، أنه قال: اختلاف أمتي رحمة، والاختلاف في الدين ثلاثة أقسام.
أحدها: في إثبات الصانع ووحدانيته، وإنكار ذلك كفر.
وثانيها: في صفاته، وإنكارها بدعة.
وثالثها: في أحكام الفروع المحتملة وجوها، فهذا جعله الله تعالى رحمة وكرامة، ويقول النووي: حذر رسول الله ﷺ عن اختلاف يؤدّي إلى الكفر والبدعة، كاختلاف اليهود والنصارى، وذلك مثل الاختلاف في نفس القرآن، أوفي معنى، لا يسوغ الاجتهاد فيه، أو فيما يوقع في شكّ وشبهة وفتنة وخصومة، وأما الاختلاف لاستنباط فروع في الدين منه، ومناظرة أهل العلم فيه على سبيل الفائدة، وإظهار الحق، فليس بمنهيّ عنه، بل هو مأمور به، وفضيلته ظاهرة، وقد أجمع المسلمون عليه من عهد الصحابة إلى الآن.
وقد قال المولى علي القاري عين ما قاله الخطّابي والنووي، فذكر في شرح حديث اتبعوا السواد الأعظم ما نصّه: يعبر به عن الجماعة الكثيرة، والمراد ما عليه أكثر المسلمين. وقيل: هذا في أصول الاعتقاد، كأركان الإسلام.