← Тараджим

Тараджим · id 819

البدور المضية في تراجم الحنفية

محمد حفظ الرحمن الكملائي

Полный текст (8 975 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

البُدُورُ المَضِيَّةُ في تَراجِمِ الحَنَفِيَّةِ للإمَام الفَقِيهِ المُحَدِّث الشيخِ الأستاذُ المُفتِي محمد حفظ الرحمن بن الشيخ العلامة محب الرحمن الكملائي رئيس دار الإفتاء بالجامعة الرّحمانيّة العربية داكا - بنجلاديش دَارُ الصَّالِح

стр. 2

نِيَّاتُ قِرَاءَةِ الكِتَابِ (*) اللَّهُمَّ إِنِّي أُقَدِّمُ إلَيْكَ بَينَ يَدَي كُلِّ نَفَسٍ وَلَمَحَةٍ وَطَرْفَةٍ يَطرِفُ بِهَا أَهلُ السَّمَاوَاتِ وَأَهلُ الأرضِ، وَكُلِّ شَيءٍ هُوَ في عِلْمِكَ كَائِنٌ أَوْ قَدْ كان. أُقَدِّمُ لَكَ بَيْنَ يَدَي ذَلِكَ كُلِّهِ .. نَوَيتُ بِالتَّعَلُّمِ وَجْهَ الله تَعَالَى، وَنَشْرَ الْعِلْمِ، وَتَعلِيمِهِ، وَبَثَّ الْفَوَائِدِ الشَّرْعِيَّةِ، وتَبْلِيغَ أَحْكَامِ اللهِ تَعَالَى، وَالازدِيادَ مِن العِلمِ، وَإِحْيَاءَ الشَّرع الشَّرِيف، وَدَوامَ ظُهُورِ الْحَقِّ، وَخُمُول الْبَاطلِ، وَإِظهَارَ الصَّوَابِ، والرُّجُوعَ اِلَى الْحَقِّ، وَالاجْتِمَاعَ عَلَى ذِكْرِ اللهِ تَعَالى، وَالدُّعَاءَ لِلْمُسْلِمينَ، ولِلسَّلَفِ الصَّالحِينَ، وَدَوَامَ خَيِرْ الأُمَّةِ، بِكَثْرَةِ عُلُمَائِهَا، وَاغتِنَامَ ثَوَابِهِمْ، وَتَحصِيلَ ثوَابَ مَن يَنتَّهِي إلَيْهِ هَذَا الْعِلْمُ، وَبَرَكَةَ دُعَائِهِمْ لِي وَتَرَحُمُهُمْ عَلَيَّ، ودُخُولِي فيِ سِلْسِلَةِ الْعِلْمِ بَينَ رِسُولِ الله صَلَّى اللهُ تعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّم، وَبْنَهُمْ، وعِدَادِي في جُمْلَةِ مُبَلِّغِي الوَحْي، وَأَحْكَامِهِ، وَإِزَالَةِ الجْهْلِ عَنْ نَفْسِي وَعَنْ غَيْرِي لله تَعَالَى. وَشُكْرَ اللهِ عَلَى نِعَمِهِ: الصِّحَّةِ، وَالْعَقْلِ، والمَال، وَ. . . . . . وَ. . . . . . وَ. . . . . .

стр. 3

مقدمة الطبعة الثانية الحمدُ لله حمد الذاكرين والشاكرين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. وبعد؛ فهذه الطبعة الثانية من كتابي "البدور المضية في تراجم الحنفية"، وقد أنعم الله عليَّ بإعادة طبعه مزيدًا من التحقيق والتدقيق، منقّحًا من التصحيف والتحريف، الذي بقي في طبعته الأولى، مع ما كنت بذلت من أقصى الجهد في تنقيحها وتصحيحها، فالحمد لله جَلَّ وعَلَا، الذي يسَّر وأعان. هذا، وقد لقي الكتاب قبولًا كريمًا من القرَّاء وطلبة العلم، والفضل لله وحده والحمد له، وتلقيت كلمات كثيرة من كبار العلماء، تخصه بالتقدير والثناء، ونفدت طبعته الأولى في وقت قصير لم يكن مقدَّرًا أن تنفد فيه، ولما كثر الطلب عليه رأيت إعادة طبعه، وحرصت أن يخرج في حلَّة قشيبة جميلة محبَّبة إلى القرَّاء، ليبقى محافظًا على سمته الرفيع، الذي خرج فيه في طبعته الأولى. والله تعالى هو ولي التوفيق والسداد، بيده الهدى والرشاد، نرجو منه أن يتقبل هذا الكتاب، ومن ساعدني في هذا الصدد. آمين. محمد حفظ الرحمن بن الشيخ العلامة محب الرحمن الكملائي رئيس دار الإفتاء بالجامعة الرّحمانيّة العربية - داكا - بنجلاديش ١٧ ربيع الثاني ١٤٣٩ هـ

стр. 4

ترجمة مؤلف الكتاب الشيخ الفاضل مولانا محمد حفظ الرحمن بن العلامة محب الرحمن بن القاريء المقريء سمير الدين بن الشيخ سليمان بن علي محمود بن شيخ فطن بن محمود حسين المِيَانْجِي الكُمِلَّائي البَنْغَلادِيْشِي. من بيت العلم والفضل، كان أبوه ممن تخرَّجَ على شيخ الإسلام المحدث الكبير السيد حسين أحمد المدني رحمه الله تعالى، وقد أجازه في السلوك والطريقة، وكان من شيوخه أستاذ العلماء العلامة رسول خان الهزاروي، والمفتي الأعظم عزيز الرحمن الديوبندي صاحب "الفتاوى العزيزية"، والعلامة السيد أصغر حسين الديوبندي، والعلامة إبراهيم البلياوي، صاحب "ضياء النجوم" والعلامة إعزاز علي الأمروهوي، صاحب "نفحة العرب" والمفتي الأعظم محمد شفيع، صاحب "معارف القرآن" رحمهم الله تعالى، وكان جده من الأب القاريء سمير الدين من أخص تلامذة شيخ القراء القاريء المقريء الشيخ إبراهيم الأجانوي رحمه الله تعالى، وجده من الأم العلامة غياث الدين الرئيس الأعلى للمدرسة الإسلامية بـ "نواخالي" كان من أرشد تلامذة شيخ الهند محمود حسن الديوبندي، ومن زملاء شيخ الإسلام السيد حسين أحمد المدني رحمهم الله تعالى. ولد المؤلفُ في السادس والعشرين من رمضان المبارك سنة سبع وسبعين وثلاثمائةِ بعد الألف من الهجرة النبوية على صاحبها الصلاة والسلام في مولوي باري، من قرية "فِنُوَا الشمالية، من "أتَّرْ حَوْلَا"، من مضافات "لَكْسَام" من أعمال "كُمِلَّا" من أرض "بَنْغَلادِيش"، فنشأ فيها، وترعرع، ودأب، وحصل. قرأ مبادئ العلم على أبويه الكريمين، ثم التحق بالمدرسة الفرقانية أمام داره، التي أسَّسها أحد أجداده من الأب العلامة آفتاب الدين رحمه الله

стр. 5

تعالى، وكان من خرّيجي مظاهر العلوم سهارنبور. وهو الذي أسَّس دار العلوم برورا، كملا، وهي من أكبر الجامعات وأقدمها في هذا البلد، وهو ممن أجازه شيخ القرَّاء الشيخ إبراهيم الأجانوى في الطريقة والسلوك. قرأ المؤلف القرآن الكريم مع التجويد والإتقان فيها على أعمامه الثلاث: المولوى عبد الودود بن القارئ حمير الدين، والحافظ يوسف بن العلامة آفتاب الدين، والمولوي عبد المتين بن مولانا منير الدين، رحمهم الله تعالى، وقرأ أيضا الكتب الأردية الابتدائية عليهم. ثم التحق بالمدرسة العصرية سنة ست وثمانين وثلاثمائة بعد الألف، فقرأ العلوم العصرية إلى الصف السابع في عدة أساكيل، ونجح في سائر الامتحانات بدرجة الامتياز بفضله جل وعلا، ثم التحق بالمدرسة الإسلامية الحسينية الواقعة بمنشير هات سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة بعد الألف، وقرأ فيها سنتين، ومن أساتذته فيها مولانا عبد المنَّان البَرَلَّاوي، رحمه الله تعالى: قرأ عليه "الميزان"، و"المنشغب" في علم التصريف، ومولانا صفى الله الأتِيَا باروي، حفظه الله تعالى، قرأ عليه الكتب الابتدائية في اللغة الفارسية، منها: "فارسى كي بهلي كتاب"، و"الكلستان" للشيخ مصلح الدين الشيرازي المعروف بسعدي، و"نحو مير" للسيد الجرجاني، و"شرح مائة عامل"، وغيرها من الكتب، ومولانا عاصم بالله بن العلامة المحدث دلاور حسين الفِنُوَائى، رحمه الله تعالى، قرأ عليه "كريما" في الأشعار الفارسية للشيخ مصلح الدين الشيرازي، وعدة كتب من الأردية، ومولانا صالح أحمد البَرَلَّاوي رحمه الله تعالى، قرأ عليه "بهمشتي زيور" في الفقه لحكيم الأمة الإمام أشرف على التهانوي رحمه الله تعالى، ومولانا عبد الله الأتَّرْحَولَاوي، حفظه الله تعالى، قرأ عليه عدة كتب ابتدائية. ثم سَارَ إلى "جاتجام" سنة خمس وتسعين وثلاثمائة بعد الألف، والتحق بالمدرسة حامي السنة كيخل، التي أسّسَها المفتي الأعظم محمد فيض الله الجاتجامي، تلميذ الإمام الكشمميري، صاحب "فيض الباري شرح البخاري" رحمهما الله تعالى، وقرأ فيها خمس سنين متوالية.

стр. 6

من شيوخه فيها مولانا عزيز الله النواخالوي، رحمه الله تعالى، قرأ عليه "نحو مير" للسيد الجرجاني، و"شرح مائة عامل" للعلامة عبد القاهر الجرجاني، و"كلستان" لمصلح الدين الشيرازي، و"مفيد الطالبين" في الأدب العربي، و"فيض الكلام"، و"هدية العباد" للمفتي الأعظم فيض الله الجاتجامى، ومن شيوخه فيها المفتي سيف الإسلام السنديفى رحمه الله تعالى، قرأ عليه عدة أوراق من أوائل "نحو مير"، والمفتي غلام قادر الساتكانوي، حفظه الله تعالى، قرأ عليه "أخلاق محسني" للكاشفي في الأدب الفارسى، و"هداية النحو"، و"نور الإيضاح"، و"أصول الشاشي" في أصول الفقه، ومولانا مظفر حسين الميخلى، رحمه الله تعالى، قرأ عليه "المختصر" في الفقه الحنفي للإمام القدوري، و"كنز الدقائق" في الفقه الحنفى، ومولانا نعمان الميخلى، حفظه الله تعالى، صاحب المؤلفات الكثيرة، قرأ عليه "علم الصيغة" للمفتي عنايت أحمد الكاكوروي، و"الصغرى"، و"الأوسط"، و"الكبرى" في المنطق للسيد الجرجاني، و"ميزان المنطق"، و"نفحة اليمن" في الأدب العربي، و"شرح الكافية" للملا الجامي، ومولانا الحافظ عزيز الرحمن الميخلى، رحمه الله تعالى، قرأ عليه "الميزان"، و"المنشعب"، و"بنج كنج"، و"زبده" في علم التصريف، و"الكافية" لابن الحاجب، و"شرح الجامي" بحث الفعل، وشرح التهذيب لليزدي في المنطق، والمفتي إبراهيم الميخلي، حفظه الله تعالى، قرأ عليه "بوستان" للشيخ مصلح الدين الشيرازي، و"نفحة العرب" في الأدب العربي، ومولانا يوسف رحمه الله تعالى، قرأ عليه "المرقاة" في المنطق، و"قصيدة الإمام البوصيري" رحمه الله تعالى. ثم التحق سنة أربعمائة وألف من الهجرة بأكبر الجامعات في "بنغلاديش" وهي الجامعة الأهلية دار العلوم معين الإسلام هاتهزاري، التي أسَّسَها العلامة البارع الداعي الكبير مولانا حبيب الله القريشى سنة ١٣٢٠ هـ، وكان تلميذا خاصا للإمام حكيم الأمة أشرف علي التهانوى رحمه الله تعالى. قرأ فيها أيضا خمس سنين متوالية، فمن شيوخه فيها: العلامة المحدث الكبير عبد العزيز رحمه الله تعالى، قرأ عليه "الصحيح" للإمام البخاري، و"الجامع" للإمام الترمذي، والمفتي الأكبر العلامة أحمد الحق المجاز الخاص

стр. 7

من شيخ الإسلام السيد حسين أحمد المدني، رحمه الله تعالى، قرأ عليه الجزء الأول والثاني من "الهداية" للإمام المرغيناني، و"الموطأ" للإمام محمد، و"الصحيح" للإمام مسلم بن الحجَّاج القُشَيري، والعلامة محمد حامد، رحمه الله تعالى، قرأ عليه الجزء الأول من "تفسير الجلالين" المحلّي والسيوطى، والجزء الأول من "السنن" للإمام أبي داود السجستاني، والعلامة حافظ الرحمن رحمه الله تعالى، قرأ عليه "نور الأنوار" في أصول الفقه، والجزء الثاني من "تفسير الجلالين" المحلّي والسيوطى، والعلامة أبو الحسن البابونغرى، رحمه الله تعالى، صاحب "تنظيم الأشتات في حل عويصات المشكاة"، و"تنظيم الدراية في حل عويصات الهداية"، قرأ عليه عدة أحاديث من أوائل "السنن" للإمام النسائي، ومن أوائل "قاضى مبارك" في المنطق، والعلامة الأديب محمد علي النظامبوري، رحمه الله تعالى، صاحب "مرآة الأماليح في شرح مشكاة المصابيح"، و"العقد الفرائد على شرح العقائد" للإمام النسفى، قرأ عليه "شرح العقائد النسفية"، و"المقامات" للعلامة الحريري، والعلامة شيخ الإسلام أحمد شفيع صاحب المصنفات الكثيرة حفظه الله تعالى، وبارك في حياته، شيخ الجامعة وشيخ الحديث لها، مجاز شيخ الإسلام السيد حسين أحمد المدني، قرأ عليه "ديوان الحماسة"، و"المعلقات السبع" في الأدب العربي، و"الصدرا"، و"الشمس البازغة" في الفلسفة، والجزء الأول من "مشكاة المصابيح" للخطيب التبريزي، و"الشمائل" للإمام الترمذي، و"السنن" للإمام النسائي، والحديث الأول والحديث الآخر من "صحيح البخاري"، والعلامة عبد الحق المدَارْشَاهي رحمه الله تعالى، قرأ عليه "شرح الوقاية" في الفقه، و"الميبذي" في الحكمة، والجزء الثاني من "مشكاة المصابيح"، والعلامة محمد هارون الهاتهزاروي رحمه الله تعالى، قرأ عليه "الأمور العامة"، و"السنن" لابن ماجه، والعلامة محمد قاسم الفتحبُوري رحمه الله تعالى، قرأ عليه "القطي"، و"الميرقطي" في المنطق، "مختصر المعاني" في علم المعاني والبيان للتفتازاني، والجزء الثالث والرابع من "الهداية" للمرغيناني، و"حجة الله البالغة" لإمام الهند الشماه ولي الله الدهلوي، و"التصريح"، و"أوقليدس"، و"شرح

стр. 8

جغميني"، و"شرح معاني الآثار" للإمام أبي جعفر الطحاوي، والجزء الثاني من "السنن" لأبي داود السجستاني، والعلامة شيخ أحمد حفظه الكه تعالى، قرأ عليه "سلَّم العلوم"، و"ملا حسن"، و"القاضي مبارك"، و"حمد الله"، وحصة من أواخر "شرح العقائد" للنسفي، و"حاشية العلامة الخيالي" على شرح العقائد، و"ديوان المتن"، و"لامية المعجزات"، و"التوضيح" مع "التلويح"، و"مسلَّم الثبوت" في أصول الفقه، وحصة من أوائل الجزء الثالث من "الهداية"، و"موطأ الإمام مالك". بعد إتمام الدراسة التحق بإرشاد شيخه وأستاذه العلامة أحمد شفيع حفظه الله تعالى بدار العلوم برورا سنة خمس وأرلعمائة بعد الألف، التي هي من أكبر الجامعات، وأقدمها بعد جامعة هاتهزاري، درس فيها سنة واحدة، ثم ارتحل إلى "باكستان" سنة ست وأربعمائة بعد الألف، والتحق بقسم التخصص في الفقه الإسلامي في جامعة العلوم الإسلامية علامه بنوي تاؤن كراتشى، ومن شيوخه فيها المفتي الأعظم ولي حسن خان التونكي، الذي أجازه في الطريقة والسلوك شيخ الحديث زكريا الكاندهلوي، صاحب "أوجز المسالك في شرح موطأ الإمام مالك"، قرأ عليه مقدمة "الدر المختار" للعلاء الحصكفي، والعلامة المحدث الناقد عبد الرشيد النعماني، صاحب المصنفات الكثيرة الممتعة، منها: "ما تمس إليه الحاجه لما يطالع سنن ابن ماجه"، ألَّفَ تحتَ إشرافه مقالته التي عنوانها: "ما ينبغي به العناية لمن يطالع الهداية"، والعلامة المفتى عبد السلام الجاتجامي، صاحب "جواهر الفتاوى"، كتب تحت إشرافه الفتاوى والفرائض، والتحق في آخر السنة الثانية بامتحان تكميل الحديث تحتَ وفاق المدارس العربية باكستان، وفاز بدرجة الامتياز. ثم وصلَ إلى وطنه الأليف سنة ثمان وأربعمائة بعد الألف، والتحق بالمدرسة السابقة، إلتي كان يدرس فيها، واشتغل بالتدريس والإفادة والتصنيف والتأليف، وكان يدرس فيها "كافية ابن الحاجب"، و"شرحه" للعلامة الجامي، و"سلم العلوم"، و "ملا حسن"، والجزء الثالث لـ"لهداية"، و"تفسير البيضاوي"، والجزء الأول من "مشكاة المصابيح"، و"الموطأ" للإمام

стр. 9

محمد، و"السنن" للإمام النسائي، و"الصحيح" للإمام مسلم القشيري، وغيرها من الكتب الدراسية، وأقام على هذه الخدمة الجليلة خمس عشرة سنة، وعين أمين التعليم سنة خمس عشرة وأربعمائة بعد الألف، وأقام على هذا المنصب الجليل خمس سنين، ثم فارق منها، والتحق بالجامعة الرحمانية العربية داكا، التي هي من أشهر الجامعات في بنغلاديش سنة عشرين وأربعمائة بعد الألف، وبعد سنة عين رئيس دار الإفتاء، ويدرس فيها "شرح الكافية" للجامي، والجزء الثالث من "الهداية" للمرغيناني، والجزء الأول من "الصحيح" للإمام مسلم القشيري، وكان يدرس "الصحيح" للإمام البخاري خلال هذه المدة في الجامعات المختلفة، منها: الجامعة الإسلامية لالْ مَاتِيا، والجامعة الإسلامية بيت الفلاح، ومظهر العلوم ميرفور، والجامعة الإسلامية العربية ميرفور، وغيرها من المدارس العربية الإسلامية. ألف كتبا ممتعة كثيرة، باللغة البنغالية والعربية، فأفاد، وأجاد، ومن مؤلفاته العربية: "التعليقات" على أصول الإفتاء، لشيخ الإسلام العلامة محمد تقي العثماني، صاحب "تكملة فتح الملهم" شرح صحيح مسلم، و"مكانة أبي حنيفة في الفقه والحديث"، و"التعليقات" على فقه أهل العراق وحديثهم، الذي ألَّفَه الإمام محمد زاهد بن الحسن الكوثري رحمه الله تعالى تقدمة على "نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية"، و"ما ينبغى به العناية لمن يطالع الهداية"، و"معجم الفقيه والمتفقه"، و"الدرر المنتقاة على مقدمة الشيخ"، و"فتح الودود على شرح العقود"، و"الروض النضير على النافع الكبير"، و"الإمام محمد وكتابه الجامع الصغير"، و"الإمام القدوري وكتابه المختصر"، و"البدر المنير على الفوز الكبير"، و"البدور المضية في تراجم الحنفية"، وغيرها، من الكتب النفيسة. وهو الآن في عقد الستين، أطال الله بقاءه بالعمر المديد، والعيش الرغيد، آمين.

стр. 10

التقاريظ تقريظ المحدث الجليل والفاضل النبيل العلامة البارع الشيخ أبي القاسم النعماني ، حفظه الله تعالى ورعاه، الرئيس الأعلى لأزهر الهند دار العلوم، ديوبند، الهند. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسيلن، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى الأئمة المتبوعين، الذين حذوا حذوَهم في فهم القرآن والحديث، خصوصا على الإمام الهمام أبي حنيفة النعمان، وتلامذته وأصحابه، الذين بذلوا جهودَهم في نشر علوم القرآن والسنة. وبعدا فإن مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان يعدّ من المذاهب الحقّة، التي انتشرتْ في البلاد شرقا وغربا، قديما وحديثا، وهو أكثر المذاهب تبعا، وأوفرها رجالا، وإن العلماء الحنفية لهم سعى مشكور في خدمة الحديث النبوي وعلومه، لكن الحَسَدة الجَهَلة يغضّون أبصارَهم عن خدماتهم ومساعيهم، خصوصا في مجال الحديث الشريف وعلومه، يكثرون الغوغاء، ويقولون ما يقولون. فمست الحاجةُ إلى تأليف مجموعة تكشفُ عن براعة الحنفية في الحديث النبوي، وخاصة في هذا العصر الراهن، لكثرة المطاعن والمثالب من بعض الجَهَلة اللامذهبية، فنحمد الله ونشكره على أنه وفّق الأخ المكرم محمد حفظ الرحمن الكملائي لهذا العمل الجليل، فصنّف كنابا حاويا، هو شفاء العليل بل الغليل، وسماه "البدور المضية في تراجم الحنفية"، ورتبه على ترتيب الحروف الهجائية، ليكون سهل المنال والإفادية. وهذا كله بإشارة شيخه المحدث الكبير الشيخ عبد الرشيد النعماني - تغمده الله بغفرانه - فكفى لهذا الكتاب استنادا واعتمادا، إني وإن لم أطالع

стр. 11

هذا الكتاب مباشرة لكثرة الاشتغال، لكني أثق أنه كتاب جامع، شامل في موضوعه. نسال الله جلَّ وعلا أن يديم نفعَه إلى يوم القيامة، ويعمّم فيضه في الدنيا والآخرة، ويكون سدا لباب المطاعن على الحنفية، وأن يوفّق المؤلف لمزيد من العمل البناء، وخدمة العلم وأهله، وما ذلك على الله بعزيز. * * * تقريظ المحدث الكبير الفقيه الضليع الجهبذ العلامة المفتي سعيد أحمد البالنبوري ، حفظه الله ورعاه، شيخ الحديث بدار العلوم ديوبند، وصدر المدرسين بها. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد، وآله وصحبه أجمعين، ومن تبعَهم بإحسان إلى يوم الدين. وبعد! فإن العلماء الحنفيين لهم دور بارز في الفقه، وجهد مشكور في الحديث وعلومه، ولما كان الجانب الحديثيّ قد يختفي على بعض

стр. 12

الأذهان لكثرة اشتغالهم بالفقه وفنونه، ويجعله الحَسَدَة ذريعة إلى النيل منهم مسّت الحاجةُ إلى تأليف كتب تكشف عن براعة الحنفية في الحديث النبوي الشريف، لا سيما في العصر الراهن، فالناس في أمسّ حاجة إلى ذلك لكثرة الغوغاء من بعض الجهَلَة اللامذهبية. وقد قدم إليَّ الأخ محمد حفظ الرحمن الكملائي البنغلاديشي صفحات من كتابه القيّم: "البدور المضية في تراجم الحنفية"، الذي ألَّفه بإشارة المحدث الكبير عبد الرشيد النعماني رحمه الله تعالى، وبذل في جمعه وترتيبه أقصى مجهود عبر مدة طويلة. وإني وإن لم أجدْ فرصة للاستفادة من هذا الكتاب، لكننى واثق بحسن جمعه وجودة ترتيبه اعتمادا بالصلة، التي كانتْ بينه وبين المحدث الجليل عبد الرشيد النعماني رحمه الله تعالى، حيث أعدّ تحت إشرافه مقالة علمية، وشرع في تأليف هذا الكتاب بإشارته. أسأل الله العظيم أن يجعله خالصا لوجهه الكريم، ويحقّق به أمنية شيخه النعماني رحمه الله تعالى، آمين، يا رب العالمين.

стр. 13

تقريظ شيخ الإسلام المحدث الكبير الفقيه البارع العلامة الشاه أحمد شفيع، حفظه الله تعالى ورعاه، الرئيس الأعلى وشيخ الحديث لأكبر الجامعات في بنغلاديش، الجامعة الأهلية دار العلوم معين الإسلام هاتهزاري، جاتجام، بنغلاديش . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الذي أعلى منازل الفقهاء، ووفَّقهم في خدمة الشريعة السمحة البيضاء، والصلاة والسلام على سيّد الأنبياء، وعلى آله الأتقياء، وأصحابه الأصفياء، أما بعد! فإن علم التاريخ وسير الأفراد من العلوم التي يُحتاج إليها، إذ به يعرف الخلف أحوال السلف، وبه يُعرف الوفاء ومحاسن الأخلاق، وتجد الأجيال دراسة للحياة، وزادا للمعاد. قال تعالى حكاية عن إبراهيم الخليل ﵇: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾. قال محمد على الصابوني ﵀ في تفسيره: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ﴾ أي: اجعل ذكرا حسنا، وثناء عاطرا، ﴿فِي الْآخِرِينَ﴾ أي فيمن يأتي بعد إلى يوم القيامة، أذكر به، ويقتدي بي، فاستجابَ الله دعاءَه، فوهب له من العلم والحكم، وجعله مقتدى في جميع الملل في كل الأوقات، ونالت هذه الأمة ما يقتدي به له. فلا شك أن تراجم الرجال مدارس الأجيال، وهذا الفن الشريف من أفضل الفنون، التي تحفظ أنساب الأفراد من أن تُنْسَى، قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾.

стр. 14

ورحم الله الإمام الصفدي، حيث قال: والتاريخ للزمان مرآة، وتراجم العالم للمشاركة في المشاهدة مرقاة، وأخبار الماضين لمعاقر الهموم ملهاة. وربما أفاد التاريخ حزمًا وعزمًا، وموعظةً وعلمًا، وهمةً تذهب همًا، وبيانًا يزيل وهنًا ووهمًا، وجيلًا تثار للأعادي من مكامن المكايد، وسبلًا لا تعرج بالأماني إلى أن تقع من المصائب في مصايد، وصبرًا يبعثه التأسّي بمن مضى، واحتسابًا يوجب الرضا بما مرّ، وحلا من القضا، ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، فكم تشبث من وقف على التواريخ بإذيال معال تنوعت أجناسها، وتشبه بمن أخلده خموله إلى الأرض، وأصعده سعده إلى السهى، لأنه أخذ التجارب مجانًا من أنفق فيها عمره، وتجلت له العبر في مرآة عقله، فلم تطفح لها من قلبه جمرة، ولم تسفح لها في خده عبرة، ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾. ولقد أدرك العقلاء والفضلاء أهمية علم التراجم وسير الأفراد، لأن ذكر رجالات الأمم والبلدان فيه إحياء الأولين والآخرين من علمائها … ، فإن ذكرها حياة جديدة، و ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾. ومن فوائد التراجم: حسن الاقتداء بمن سلف، قال الحافظ ابن الجوزي: واعلم أن في ذكر السير والتواريخ فوائد كثيرة، أهمها فائدتان: أحدهما أنه إذا ذكرت سيرة حازم، ووصفت عاقبة حاله، أفادت حسن التدبير، واستعمال الحزم، وإن ذكرت سيرة مفرط، ووصفت عاقبته، أفادت الخوف من التفريط، فيتأدّب المتسلط، ويعتبر المتذكر، ويتضمن ذلك شحذ صوارم المعقول، ويكون روضة للمتنزه في المنقول.

стр. 15

إن صاحبي وتلميذي الخاص المفتي محمد حفظ الرحمن الكُمِلَّائي الذي قرأ عليَّ عدة كتب من الكتب الدراسية، حينما كان طالبا في الجامعة الأهلية دار العلوم معين الإسلام هاتهزاري، منها: "ديوان الحماسة"، و"المعلقات السبع" في الأدب العربي، و"الصدرا"، و"الشمس البازغة" في الحكمة والفلسفة، والجرء الأول من "مشكاة المصابيح"، و"الشمائل" للإمام الترمذي، و"السنن" للإمام النسائي، والحديث الأول والآخر من "صحيح البخاري"، واستجازَ مني روايةَ الحديث، فأجزتُه، وإنه ألف عدة كتب نفيسة في العربية، والآن يقدم إليَّ كتابه "البدور المضية في تراجم الحنفية"، جع فيه أماثل الفضلاء وأفاحل العلماء من السادة الحنفية من قديم الزمان إلى العصر الراهن، فطالعتُ عدة مواضع منها، فأشكر له من صميم فؤادي، لأنه أبدى لدى أهل العلم هذه الموسوعة الكبرى التي تشتمل على تراجم الحنفية في البلدان العامة لا سيما في بنغلاديش والهند وباكستان، الذين كانوا مختفين في كنز مخفي، ولم تدر الدنيا خدماتهم الجليلة، فجزاه الله عنا وعن جميع المستفيدين منه إلى يوم الدين، تقبل الله هذه الخدمة العظيمة، وجعلها نافعة للأجيال المستقبلة. آمين.

стр. 16

تقريظ المحدث الكبير بحر العدوم العلامة نعمة الله الأعظمي الهندي أستاذ الحديث بدار العلوم ديوبند الهند بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد! فإن مما يبعث الفرحَ والسرورَ أن إخواننا من بنغلاديش المتضلِّعين في علوم الدين يعنون بخدمة السنَّة - بجانب عنايتهم بالفقه - عنايةً بالغةً، ويَتنوَّعون في خدمتها تنوُّعًا حسنًا، فقد طلعتْ في الأيام الأخيرة تأليفات مُتنوِّعة، كلُّها تهدف إلى خدمة السنة المشرَّفَةِ، وهذه سلسلةٌ مشكورةٌ قدَّرَ اللهُ لها النفعَ والقبولَ والدوامَ. ومن تلك السلسلة الذهبية هذا الكتاب البسيط الجامع "البُدور المضيَّة في تراجم الحنفيَّة" للشيخ محمد حفظ الرحمن الكملائي، وهي موسوعةٌ للرجال الحنفية، الذين لهم دَوْرٌ بارزٌ في الفقه والحديث أو أحدِهما، وقد رأيتُ جزءًا منه، فوجدتُه نافعًا. أسأل اللهَ تعالى أن يَجْعَلَه نافعًا، ويُقَدِّرَ له القبولَ، ويجعله ذُخْرًا لمؤلِّفِهِ آمين، يا رب العالمين.

стр. 17

تقريظ العلامة الكبير المحدث النبيل مولانا محمد عاقل، حفظه الله تعالى، صدر المدرسين، وأستاذ الحديث الشريف بمظهر العلوم، سهارنبور، الهند . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، وبعد! فقد أرسل إليّ أخي في الله الشيخ محمد حفظ الرحمن الكملائي البنغلاديشي طائفة من كتابه: "البدور المضية على تراجم الحنفية"، وطلب مني أن أقرظ له بكلمات، فأقول - وبالله التوفيق -: إني رأيت قطعة من المجلد الثاني للكتاب، فوجدت أن مؤلّفه قد وفّق - بعون الله تعالى - فترجم لكل من ورد ذكرُه في كتب التراجم من علماء الحنفية: من أشهر أئمتهم إلى عامة أهل العلم منهم، حتى المعاصرين وأشباههم ترجمة عالم يرد ذكرُه في مجال العلم، ولا يجد هناك مصدرا يلقي ضوءً على شخصيته الذاتية، بل ربما لا يستطيع تحديد زمنه وتعيين طبقته، حتى تجمع لدى بعض العلماء فهرس لمساتير العلماء، الذين هم معروفون بأعمالهم العلمية، وفيضانهم العلمي، ومغمورة شهرتهم الشخصية والذاتية. فالله أسأل أن يجزي عنا مؤلّفه، ويبارك في حياته، ويتقبل عمله هذا وسائر أعماله، والله ولي كل خير وتوفيق، وصلى الله تعالى على خير خلقه محمد وآله وأصحابه أجمعين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. وكتبه محمد عاقل (صدر المدرسين، أستاذ الحديث) مظاهر العلوم، سهارنفور، يوبي، الهند. التاريخ: ١٥/ ٢/ ١٤٣٨ هـ، يوم الأربعاء

стр. 18

تقريظ العلامة الجهبذ الفقيه الضليع المفتي عبد السِّلام الجاتجامي حفظه الله تعالى ورعاه ، رئيس دار الإفتاء بجامعة العلوم الإسلامية، علامة بنوري تاؤن كراتشي، باكستان، سابقا، ورئيس دار الإفتاء بالجامعة الأهلية دار العلوم معين الإسلام هاتهزاري، بنغلاديش، حالا. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وخاتم النبيين، محمد بن عبد اللّه، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعَهم بإحسان، ودعا بدعوتهم إلى يوم الدين، أما بعد! فإن علم التاريخ هو علم جليل القدر وجدير الذكر، تزيّن به الأمة مستقبلها، وتضيئ أيامها القادمة، وتنهض به الأجيال الناشئة، وتعينها على السلوك في سبيل السواء والتقدم إلى مقابلة التحدّيات، خلال توضيح الحق على رؤوس الأشهاد. وإن هذا الفن الميمون يتشعب بشعب متفرقة، وصنوف مشتتة، ومن أجلّها علم تراجم الكبار وأخبار الأخيار، من الأئمة المجتهدين، والعلماء العاملين، والفضلاء المحققين. وإن المتقلدين بمذهب الحنفية من المذاهب الأربعة الحقة منهم الأئمة المجتهدون، والفقهاء المناضلون، والمحدّثون البارعون، وغيرهم من العلماء العاملين، والفضلاء المحققين، والأعيان الفاضلين، والمشايخ المعظمين، ولكن الأسف البالغ أننا لم نطلع على كثير من هؤلاء الأجلة الكرام والسادة العظام، فنشعر بالفراغ المؤلم والخلاء العظيم، وننتظر بكتاب يحتوي على تراجمهم رحمهم الله تعالى.

стр. 19

فمن بواعث الفخر والسرور ودواعي الفرحة والبحور أن أخي الفاضل تلميذي العزيز مولانا محمد حفظ الرحمن بن الشيخ العلامة محب الرحمن الكُمِلَّائي قد قام على إرشاد شيخه العلامة البحاثة الناقد عبد الرشيد النعماني رحمه الله تعالى رحمة واسعة بتأليف هذا المعجم الكبير، الذي يحتوي على تراجم السادة الحنفية والعلماء الأعزة، ويشتمل على أخبارهم، وفضائلهم، ومناقبهم، وذكر مؤلفاتهم، ومصنفاتهم، ومحاسن أشعارهم، ونوادر أخبارهم، وهو كتاب جليل فريد وحيد في تراجم الأجلة الحنفية في الدفة الواحدة. قد سرحت النظر في بعض تراجمها، فوجدا متحلية بالفوائد النافعة والتراجم النادرة للعلماء الحنفية، ومرتبة على حروف المعجم، كترتيب أكثر المؤرخين، ليكون الانتفاع أسهل، والتحصيل أكمل، وإضافةً إلى ذلك أنه ضمن الملحقات الممتعة المفيدة، حتى صار معجما مزينا بالترتيب الأنيق، ومهذبا بتنسيقه البديع، وفائقا على جميع أمثال هذه المعاجم المصدَّرة حتى الآن، فللّه درّ المؤلّف، حيث أفاد، وأجاد بما يبرد به الأكباد، ويرضى عنه الأعيان. وأدعو الله تعالى المولى الجليل أن يكثر فوائده، ويغزر عوائده، ويفتق به قريحة المعلمين والمتعلمين، ويجعله مرجعا للمحققين، ومفزعا للمدرسين، وغنيمة للمحصلين، ومطلبا للمستفيدين، كشفا لكرب الملهوفين. وأدعو الله تعالى أن يجزي صاحبه أحسنَ الجزاء، ويوفقه للنهوض لمثل هذه الأعمال المثمرة المقبولة عند الله، وعند المصنفين، والراسخين في العلم، والشاهدين بالفضل، وأن يديم لنا وله العافية والتوفيق، ويرزقنا حسنَ الخاتمة، ويجمعَنا جميعا في دار النعيم. آمين. كتبه عبد السلام الجاتجامي ١ صفر الخير ١٤٣٨ هـ.

стр. 20

تقريظ العلامة البارع المحدث الجليل مولانا حبيب الرحمن الأعظمي، أطال الله بقاءه، أستاذ دار العلوم ديوبند، الهند . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، وبعد!. فإن نشؤ الفقه الإسلامي في صدر الإسلام، لكنه شبّ وترعرع في العصر العبّاسي، بل إذا قلنا: إن العصر العباسي هو عصر الفقه والفقهاء فلا نخطئ في قولينا. وقد شهد التاريخ أن البلاد الإسلامية قد شهدت عديدا من المدارس الفقهية منذ عصر الصحابة والتابعين، فقد انتشر العلماء والفقهاء في مختلف الأمصار الإسلامية لنشر العلوم والثقافة الإسلامية، فكانوا يعلّمون أهل بلده الكتاب والسنّة، وهم الذين كانوا يتعرّضون للنوازل والواقعات، ويبحثون عن حكمها في كتاب الله وسنة رسوله، وكانوا يحكمون بينهم في قضاياهم، ومن الطبيعى أن تختلف آراؤهم في مثل هذه الأمور، وبقى اختلافهم هذا ينتقل من جيل إلى جيل، حتى نشأت مدارس الفقه المختلفة: الحنفية، والشافعية، والمالكية، والحنبلية. ثم كان الفقهاء والعلماء في الأجيال المتلاحقة قد احتاجوا في البحث وتمحيص مسائل الفقه والحديث إلى الإسناد، لتعذر تميز قوتها من سقيمها بدونه، ولذلك فقد نشأ علم الرجال وتدوين طبقات العلماء، فقاموا بتدوين تراجم الفقهاء، وألَّف الشيخ أبو عبد الرحمن هيثم بن عدي الثعالبي (المتوفى ٢٠٧ هـ) في ذلك "طبقات الفقهاء والمحدثين"، والشيخ عبد الملك بن حبيب المالكى (المتوفى ٢٣٨ هـ) "طبقات الفقهاء والتابعين"، كما ألَّف الشيخ محمد بن عبد الملك، وأبو إسحاق إبراهيم بن علي الشيرازى، وأبو الوليد سليمان بن خلف الباجي، وآخرون في طبقات الفقهاء.

стр. 21

ثم توجَّه العلماء إلى تدوين طبقات فقهاء المذاهب المختلفة في كتب مستقلة، فألَّف الإمام عمر بن علي، وتاج الدين علي بن أنجب الساعي، وآخرون في طبقات الفقهاء الشافعية، وصنَّف القاضي أبو الحسين وبرهان بن إبراهيم بن محمد اليماني في تراجم الفقهاء الحنابلة، والمالكية على الترتيب. أما طبقات الحنفية فقد ألَّف فيها المتقدمون كتبا كثيرة، إلا أن معظمها ضاعتْ، ولم يبق الآن إلا أسماء مصنّفيها، راجع لأسماءهم "كشف الظنون"، نعم! قد بقيت بعضها محفوظة سالمة، مثل "أخبار أبي حنيقة وأصحابه" للشيخ حسين بن علي الصيمري، وقد طبع، ونشر هذا، ومن مؤلفات المتأخرين كتاب "الجواهر المضية في طبقات الحنفية" للحافظ عبد القادر القرَشي المتوفى ٧٧٥ هـ، معروف متداول بين العلماء، ويوجد في المكتبات الإسلامية، ومن الكتب الجديرة بالذكر "تاج التراجم" للحافظ قاسم بن قطلوبغا المتوفى ٨٧٩ هـ، وهو مقتبس من "الجواهر المضية". ومن الكتب النافعة في هذا الموضوع "الأثمار الجنية في أسماء الحنفية" للملا علي القاري المتوفى ١٠١٤ هـ وهو مأخوذ أيضا من "الجواهر المضية"، وهكذا كتاب "الفوائد البهية في تراجم الحنفية" لمولانا أبي الحسنات عبد الحي الفرنكي المحلى المتوفى ١٣٠٤ هـ، فهذه الكتب النافعة المحققة في موضوعها توجد في المكتبات الإسلامية، والحمد لله على ذلك. هذا، وكتاب "حدائق الحنفية" أيضا من الكتب الشاملة إلى حد كثير. وعلى الرغم من ذلك، فلا نستطيع أن نقول: لسنا في حاجة إلى كتاب جديد في هذا الموضوع، فإن كل كتاب جديد يشتمل عموما على فوائد ومعلومات مفيدة ونافعة، ثم إن موضوع التراجم من أوسع الموضوعات نطاقا وانتشارا، فلا يمكن أن يأتي أحد في كتابه بما لا مزيد عليه، فإن الإمام الذهبي على عظمته وعلوّ كعبه في هذا الفن، ومكانته التي يعرفها كلُّ من يطالع تأريخَ الرجال لم يسلم تأليفُه من استدراكات العلماء عليه. ثم إن الفقه الحنفي من بين المذاهب الفقهية قد ظفر - بفضل الله تعالى ومنه - من الانتشار والذيوع بما لم يظفر به غيره، فلا بد أن يكون عدد

стр. 22

العلماء والفقهاء فيه أكثر من غيره بكثير، فالحاجة ماسة إلى كتاب شامل لهم، وإلى من يصنفه. وقد سرَّني كثيرا أن الشيخ محمد حفظ الرحمن بن العلامة محب الرحمن البنغلاديشي قد ألف كتابا أودعه - بصفة عامة - تراجم المحدثين والفقهاء الحنفية. وجدير بالذكر أن المؤلف الفاضل من تلاميذ المحدث المعروف، والباحث المشهور، ذي الرأي والبصيرة الضيخ عبد الرشيد النعماني، وقد ألفَ هذا الكتاب بإيعاز منه وإرشاده، فلذا نقول بثقة أن الكتاب سيكون إضافة قيّمة إلى فهرست تراجم الحنفية. ندعو الله يضع للكتاب ومؤلفه حسن القبول بين عباده، آمين. تقريظ العالم الجليل الفاضل النبيل المحدث بن المحدث محمد جنيد البابونغري، حفظه الله تعالى، ورعاه، أستاذ الحديث وعلومه بالجامعة الأهلية دار العلوم معين الإسلام هاتهزاري . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ نحمد الله العلى العظيم، ونصلى ونسلم على رسوله الكريم، وعلى آله وأصحابه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

стр. 23

أما بعد! فإن من بواعث السرور والفرحة أن أخانا الفاضل محمد حفظ الرحمن الكملائي الذي هو أحد الفضلاء من الجامعة الأهلية معين الإسلام هاتهزارى حفظه الله تعالى ورعاه ورئيس دار الإفتاء في أشهر الجامعات في داكا الجامعة الرحمانية العربية، وصاحب التآليف الكثيرة من الكتب العربية الدرسية وغيرها قد صنَّف كتابا حاويا على تراجم أجلة العلماء الحنفية من أعظم الأئمة وسراج الأمة الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى إلى العلماء المعاصرين في العهد الحاضر. وقد سرحت النظر في صفحات من هذا الكتاب، فسررت به سرورا بالغا، لا أستطيع أن أبين بلساني، ولا أطيق أن أصف بكلامي، فوجدته ممتلأ بالفراغ العظيم، الذي نشعر به طوال أيام كثيرة، وغنيمة مفيدة غاية الفائدة لطالبي العلوم الشرعية، المشتغلين في الفتاوى والحديث والتفسير والقارئين في الدراسات العليا في خارج البلاد وداخلها، وقريحة ميمونة للعلماء والمحدثين والمفتين والباحثين في مشارق الأرض ومغاربها، فنشكر له تعالى شكرا جزيلا من سوداء قلبي، حيث وفِّق المؤلف العلام لهذة الخدمة الجليلة، ونشكر المؤلف أيضا، حيث بذل تمام جهده لهذا العمل الجليل. نسأل الله تعالى أن يحييه حياة طيبة مباكة، وندعو الله تعالى أن يهديه إلى الصراط المستقيم حتى أتاه اليقين، آمين يا رب العالمين، وصلى الله تعالى على رسوله الأمين.

стр. 24

تقريظ العالم الجلبل مولانا عبد الله المعروفي، حفظه الله تعالى، مشرف قسم التخصص في علوم الحديث بدار العلوم ديوبند، الهند . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، محمد وآله وصحبه أجمعين، وبعد! فإن العلماء الحنفية لهم دور بارز في خدمة الحديث النبوي الشريف، وسائر العلوم الإسلامية، ولا يخفى على أحد خدماتهم الفقهية. وقد توالت السلسلة التأليفية في تراجم الحنفية: حفاظهم ومحدثيهم وفقهائهم، فمن باسط وآخر موجز، وهذه سلسلة مشكورة - جزى الله عن جميع المسلمين كل مَنْ ساهمَ فيها. وقد وقفنا في الأيام الأخيرة على كتاب فريد شامل على تراجم العلماء الحنفية، لمؤلفه مولانا حفظ الرحمن الكملائي حفظه الله تعالى، ألفه بإشارة شيخه المحدث الناقد الشيخ عبد الرشيد النعماني - رحمه الله تعالى رحمة واسعة - وعانا في إتمامه صنوفا من المشاكل عبر مدة طويلة، واستهلَّه بمقدمة نفيسة، حوتْ على أسماء الله تعالى الحسنى، وسيرة سيد المرسلين، عليه أفضل الصلوات والتسليم، وترجمة تفصيلية للإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان رحمه الله تعالى، ثم وضع الأسماء على ترتيب المعجم. فجاء كتابا حاويا سهل المنال، وقد رأينا طائفة من هذا الكتاب، فوجدناها نافعة قيمة، ولله الحمد. نرجو الله تعالى أن يقدر له القبول في الأوساط العلمية، ويديم نفعه، ويجعله ذخرا لمؤلفه، آمين يا رب العالمين.

стр. 25

تقريظ العلامة الجليل الفقيه البارع الداعية الكبير المفتي محمد دلاور حسين، حفظه الله تعالى، ورعاه الرئيس الأعلى لدار العلوم المسجد الأكبر، ميربور، داكا، بنغلاديش . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله العليم القديم، الذي هدانا إلى الدين القويم، والصراط المستقيم، والصلاة والسلام على رسوله الكريم، وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، ومن تبعَهم بإحسان إلى يوم الدين. وبعد! فإن ديننا دين الإسلام، يبقى بتبقيته إلى يوم القيام، كما قال نفسه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] أي حفظه بإبقاء شريعته إلى يوم القيامة، قاله الإمام الحسن - رحمه الله تعالى - كذا في "روح المعاني" ١٤: ١٦. غير أنه يحافظ دينه لا بنزوله إلى الأرض، بل بالرجال النبلاء من القراء، والمحدثين، والفقهاء وغيرهم، فبجهدهم البليغ حفظ الله سبحانه حياتهم وتراجمهم كحفظ دينه الغراء، وهذا من خصائص الأمة المحمدية، فهم صنَّفوا في التراجم والأنساب والطبقات والوفيات والسير، لم تر فيما سواهم من الأمم الماضية، شكر الله تعالى سعيَهم. فعليكم "الإصابة" للحافظ ابن حجر العسقلاني، و"أسد الغابة" لابن الأثير، و"الاستيعاب" لابن عبد البر، و"سير أعلام النبلاء" للحافظ الذهبي، و"تذكرة الحفاظ"، و"الميزان"، و"تاريخ الإسلام" له، وللبخاري، و"الأنساب" للسمعاني، و"وفيات الأعيان" لابن خلكان، و"الكامل" لابن عدي، و"تهذيب الكمال" للحافظ المزي، و"طبقات" الواقدي، وأبي عبد الرحمن السلمي، والسبكي، وعبد القادر القرشي، والمجد الشيرازي، والقطب اليافعي، والقطب المكّي، والكَفَوي، و"حلية الأولياء" لأبي نعيم، و"نزهة الخواطر" للسيد عبد الحي والد أبي الحسن علي الندوي، وغيرهم رحمهم الله تعالى،

стр. 26

تجدها كتبا مدهشة نادرة ثمينة، تحصل بمثل هذه الكتب فوائد كثيرة، ومنافع مهمة، ومنها: ١ - التأدّب بآدابهم، والتخلّق بأخلاقهم، فيحشر في زمرتهم، وإن لم يكن منهم، وذلك لا يمكن إلا بعد الاطلاع على مناقبهم وأوصافهم، ونباهتهم وجلالتهم، ومحاسن أثارهم. ٢ - الأمن من تنزيل أعلى الرتبة إلى الأدنى، وتعريج أدنى المرتبة إلى الأعلى، واختيار قول أدناهم على أعلاهم عند تعارض أقوالهم وإفاداتهم، وذلك لا يتيسر أيضا إلا بعد معرفة مراتبهم ومدارجهم. ٣ - الأمن من جعل القديم حديثا، والحديث قديما، والمتقدم متأخرا، والمتأخر متقدما، وهذا أيضا لا يمكن ولا ييسر إلا بعد العثور على مواليدهم وأعصارهم ووفياتهم وأزمانهم. ٤ - التحرك بعرق الشوق إلى الاهتداء بهداهم، والاقتداء بسيرهم، وهو أيضا غير ممكن إلا بعد الوقوف على آثارهم وحكاياتهم، وفيوضهم، وتصانيفهم. ٥ - تحصيل السكينة، لأن بذكر أولياء الله ومقرّبيهم نزلت السكينة. ٦ - معرفة مصنفاتهم، وما لها من الجلالة، وذلك العلم كله. ٧ - الأمن من الجهل بأئمتنا المتقدمين، والأمن من الإهمال بمعرفتهم، مع أنهم أسلافنا وأئمتنا كالوالدين لنا، فالواجب علينا أن نحصل على معرفتهم، فييسر لنا اقتداءهم. ٨ - التشكّر لإحسانهم، والأمن من كفرانهم، فإننا وجدنا ديننا الإسلام بنقلهم إلينا بجهد كثير، وسعي بليغ، فكيف نجهلهم ونهملم؟ ٩ - تعلم الاجتهاد والاستنباط، وذلك لا يمكن إلا بمعرفة نهج اجتهادهم من الكتاب، والسنة، وإجماع الأمة.

стр. 27

١٠ - معرفة أسلوب التصنيف والتأليف والدعوة والإرشاد والخبرة بها، وهي لا تسهل ولا تؤثّر إلا بهديهم. ١١ - التمييز بين العالِمَين، لاسِيَّما إذا اتحدت الأعلام والألقاب، والأعصار والأنساب، فمن لم يعرف ذلك وقع في الخلط بين المعروف والمجهول، والمردود والمقبول، ولا يمكنه أن يفرق بين الغثّ والثمين، ولا الشمال عن اليمين، وما إلى ذلك، عصمنا الله تعالى عنه. لكن في بلادنا "بنغلاديش" لم يصنّف في هذا الفن العظيم الثمين كتاب حتى الآن على نمطهم، نمط المصنفين القدماء في بلاد شتى، وإن وصل الإسلام إلى بلادنا قبل ألف سنة، فكم من رجال من هذه القارة الذين صنَّفوا، ونقَّحوا، وبلَّغوا، وهذبوا، وجهدوا، ودعوا الناسَ إلى الحق سبحانه، ولهم نصيب وافر من خدمات الدين المتين، وهم مدفونون تحت التراب، ولم يذكروا في ورقة الكتاب؛ بل أسماءهم مفقودة، وتحت حجب الاختفاء مقهورة. فمسَّت الحاجةُ إلى هذا العمل القيّم في بلادنا حاجة شديدة منذ زمان، فوفّق الله سبحانه أخانا العلامة النابغة، والفهَّامة الخافقة، والفقيه النبيل، المحدّث الجليل بن المحدّث النجيب (١)، والأديب الأريب، والحبر السامي، والبحر الطافي، فريد عصره، وحيد دهره، المكثر البارع، والثقة اللامع، الداعية الكبير، المحقّق البصير، النسَّاك الحذَّاق، مولانا المفتي محمد

стр. 28

حفظ الرحمن الفائق بين الأقران - حفظه الله تعالى، ورعاه المنَّان - ونفعنا، ونفع الناس بعلومه وبتصانيفه الكثيرة النافعة. فإنه قد اعتنى بأداء هذا الدَّين عن أعناقنا بتأليف كتاب قيّم في هذا الفن باسم "البدور المضية في تراجم الحنفية"، يحتوي على ثلاثة وعشرين مجلدا، - فجزاه الله تعالى أحسنَ الجزاء -، قد طالعتُ منه مجلدا، فوجدتُه كتابا ثمينا، نادرا فقيدا، عزيزا وحيدا، وهو موسوعة بمعنى الكلمة. وليس في الختام إلا أن أدعو لطلبة العلم للإقبال على هذا الكتاب الهام، بالمطالعة بتوجُّه تام، وأدعو الله سبحانه بأن يحظى هذا الكتاب عند الفحول في موقع حسن، وأحسن القبول عند علماء الزمن. وشكرا لله بأخينا العلامة، وجزاه عن العلم والسنة والفقه خيرَ ما يجزي به العلماء الصادقين، وجعلنا وإياه من الذين يعلمون فيعلمون، ويعملون فيخلصون، ويخلصون فيقبلون. وصلى الله تعالى على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه، وسلم تسليما كثيرًا كثيرًا. وكتبه دلاور حسين خادم الطلبة بالجامعة الإسلامية دار العلوم (المسجد الأكبر) ميربور، داکا

стр. 29

تقريظ العالم الكبير المحدث الجليل العلامة الفهامة مولانا عبد المالك الكملائي، حفظه الله تعالى، ورعاه أمين التعليم المركز الدعوة الإسلامية، ميرفور، داکا، بنغلاديش. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كلمة التحديث بالنعمة الحمد لله على ما أنعم وأكرم، أسبغ نعمه علينا ظاهرة وباطنة، لا نحصي ثناء عليه، هو كما أثنى على نفسه، أشهد من صميم قلبي أنه لا إله إلا هو، وحده لا شريك له، وأشهد شهادة صادقة أن محمدا نبينا عبده ورسوله، وأسأله وهو المولى الكريم أن يصلي ويسلم وبارك على سيدنا ومولانا محمد النَّبِيّ المعظم، خاتم النبيين والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد فإن من أهم علوم أهل الإسلام علم سير الأعلام النبلاء، وتاريخ أحوال الرواة من الثقات والضعفاء، رواة علوم الشريعة على اختلاف أنواعها، وتنوع أصنافها. ولهذا العلم وحده شعب كثيرة جدا، من أهم تلك الشعب قسم تراجم الأئمة الفقهاء وطبقات أصحابهم وعلماء مذاهبهم في جميع الأمصار وعلى ممر الأعصار، ومن أنواع هذا القسم علم طبقات علماء الحنفية وفقهائهم. والأسف أن هذا النوع من علم السير والتاريخ كان قد هُضِم حَقَّه من قديم الزمن، فنشكر القليلين الذين تَوَجَّهوا إلى تدوينه ولو على فترات، وباختصار شديد، وفي حدود ضيقة جدا، نشكرهم بعد حمد الله تعالى وشكره، فلولا تَوُجُّهُهم لحُرم المسلمون من هذه البقية الباقية أيضًا. وكان شيخنا العلامة الفقيه، المحدث الناقد القدوة، مولانا الشيخ محمد عبد الرشيد النعماني رحمه الله تعالى، كثير الحض لطلابه على سد الخلا والخلل في باب التدوين والتصنيف بوجه عام، وفي هذا النوع من العلم بوجه خاص.

стр. 30

وكان أمر مرة طالبًا من طلابه لتجريد تراجم الحنفية من كتاب "سير أعلام النبلاء" للذهبي رحمه الله تعالى ففعل، وأمرني وأنا في السنة الأولى من قسم علوم الحديث بتجريد تراجم الحنفية من كتاب "النجوم الزاهرة" لابن تغري بردي، وقد وفقت لذلك، ولله الحمد. وكان يحضهم بوجه عام لجمع كتاب جامع في تراجم الحنفية، وأوصى بذلك خاصة غير واحد من طلابه، في رأسهم فضيلة أخينا الكبير ومربينا الفاضل، الأستاذ العالم الجليل، والمصنف الصابر النشيط، الشيخ حفظ الرحمن بن محب الرحمن الموقر حفظه الله تعالى ورعاه، كتب له الستر والسلامة والعفو والعافية والمعافاة في الدين والدنيا والآخرة، وأمد في حياته الطيبة بإذن الله تعالى، والشيخ حفظ الرحمن هو رفيق شقيقى الأكبر الأستاذ الشيخ أبي الحسن محمد عبد الله حفظه الله تعالى ورعاه، وكانا رفيقين أيضا في التلمذ على شيخنا النعماني رحمه الله تعالى. فحفظ الشيخ حفظ الرحمن وصية الأستاذ النعماني ووفى بحق التلمذ، وحُقَّ له ذلك، فقد كان سيدي الشيخ يحبه كثيرا، وكان ألف رسالته للتخصص في الفقه الإسلامي في جامعة العلوم الإسلامية بنوري تاؤن كراتشي تحت إشراف شيخنا النعماني رحمه الله تعالى، وكان يتمنى له أن يلتحق بقسم التخصص في علوم الحديث الشريف ويقضي فيه أيضا مدة، ولكن لم يتيسر له ذلك لبعض الأعذار، مع إتمامه إجراء أمور الالتحاق، والخير فيما وقع إن شاء الله تعالى. وأحمد الله تعالى وأشكره على هذه النعمة الجليلة التي أكرمنا بها بواسطة الشيخ حفظ الرحمن، إذ وفقه لجمع هذا المعجم الكبير الذي وصل إلى ثلاث وعشرين مجلدا، نشكره على ما وُفِّق له وهُدِي إليه شكرًا جزيلًا، ونرحبه به غاية الترحيب. ومن قديم نرى الشيخ المولف يهتم بالتأليف بالعربية، وفي موضوعات علمية، ويعتني بتحقيق بعض الكتب العلمية المؤلفة باللغة العربية، واختيار

стр. 31

اللغة العربية للتحقيق أو التأليف في هذه الديار، ثم الاستقاهة عليه بهذه الطريقة أمر مستغرب جدا، وهذا كما يدل على عُلُوِّ همة هذا المؤلف يدل أيضا على أن البيئة العلمية في هذه البلاد قد أَنِسَتْ باللغة العربية الفطرية قراءة ومطالعة، وكما يقول بعض الأفاضل الأعلام أن الفضل يرجع في هذا التأنيس إلى فضيلة الأستاذ الشيخ الأديب أبو طاهر مصباح حفظه الله تعالى ورعاه، شكر الله تعالى سعي أبي طاهر ومشايخه وأعوانه، ومن تقدمه في خدمة اللغة العربية في هذه الديار وغيرها. نرجع إلى كتاب المعجم الكبير في تراجم الحنفية، الذي سمي: "البدور المضية في تراجم الحنفية"، والذي أتحفنا به الشيخ المؤلف في هذه المرة، بعد أن قضى في جمع شتاته سنوات متوالية، وقد نظرت في فهرست مصادر الكتاب ومراجعه، كثرتُها مع تنوعها متطابقة مع ضخامة الكتاب ودالة على الجهود العظيمة التي بذلها المؤلف حفظه الله تعالى، كما أن هذه الفهرست لعدم تجاوزها أربع مئة كتاب تشير إلى أن على المؤلف قضاء شوط آخر طويل، ليصل الكتاب إلى تمام جمعه كمال صنعته. وبما أني لم أقف إلا على صفحات من الكتاب ليس لي أن أفصل الكلام فيه، وإنما أكتفي بنقل كلام للمؤلف وصف فيه كتابه، رأيته في رسالته إلى الأستاذ العلامة الحجة الشيخ محمد عوامة حفظه الله تعالى ورعاه، تذكار السلف الصالح في هذا العصر، كتب إليه المؤلف يصف كتابه ويرجو منه الدعاء، ما نصه: "فعملا بتلك الوصية ألفت هذا الكتاب، وجمعت فيه ما دونه الأقدمون من عهد الحافظ القرشي إلى عهد الإمام اللكنوي، وزدت إلى ذلك: ١ - جماعة ممن فاتهم ٢ - جماعة كبيرة ممن جاءوا بعدهم

стр. 32

استخرجتهم من كتب التراجم العامة، ومن الجرائد والمجلات، وغرها. وتوجهت بوجه خاص إلى رجال شبه القارة الهندية بما فيهم أعلام بنغلاديش. ويجيء الكتاب في ثلاث وعشرين مجلدا مع المقدمة والفهارس. ولا ريب أن العمل الآن في خطوته الأولى، وسأحاول ما فات أو تجدد في طبعات لاحقة إن شاء الله تعالى، كما يستمر عمل التصحيح والتجويد والإتقان قبل كل طبعة إن شاء الله تعالى … ". انتهى. ولا شك أن هذا العمل في خطوته الأولى نافع أيضا، ويفيدنا في معرفة تراجم جماعة كبيرة جدا من طوائف أهل العلم، من مختلف الأمصار والأعصار، ومختلف الألسنة والألوان، ومختلف الأمزجة والمشارب، كما يفيد إخواننا في الهند والسند في معرفة رجال بنغلاديش، ويفيد إخواننا العرب في معرفة رجال الهند الكبرى عامة، ورجال بنغلاديش خاصة. بارك الله تعالى في حياة المؤلف وبارك في جهوده، كتب له ولذريته وطلابه الخير بحذافيره، وأعاذه وإياهم من كل سوء وآفة. هذا، وصلى الله تعالى وبارك وسلم على سيدنا ومولانا محمد خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. كتب العبد محمد عبد المالك خادم الطلاب في مركز الدعوة الإسلامية داكا في ٢٥/ ١/ ١٤٣٨ هـ

стр. 33

مقدمة الكتاب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الحكم العلي الكبير، اللطيف الخبير البصير، الذي خلق كل شيء فأحسن التقدير، ودبَّر الخلائق فأكمل التدبير، وقضى بحكمته على العباد بالسعادة والشقاوة، فريق في الجنة، وفريق في السعير، وأرسلَ رسلَه الكرام بأصدق الكلام وأبين التحرير، وختمَهم بالسيّد أبي القاسم البشير النذير، السراج المنير، فأرسلَه رحمةً للعالمين من نار السعير، وحفظ شريعتَه من التبديل والتغيير، وصيّرَ أمتَه خيرَ أمة أخرجتْ للناس، فيا حبّذا التصيير، وجعلَ فيهم أئمةً سادةً وفقهاءَ قادةً من الصحابة والتابعين، ومن تبعَهم إلى يوم الدين، الذين يدققون النقيرَ والقطميرَ، ويتبصّرون في ضبط آثار نبيهم أتمَّ التبصير، ويتعوّذون باللّه من الهوى والتقصير. ما أعظم شانَه، أشكرُه شكرا جزيلا على أنه جعلَ اختلافَ المذاهب رأفة ورحمة، وافتراقَ المضارب فضلا ونعمة، فبأيّها اقتدى بنو آدم اهتدى إلى طريق الجنان. وأشهدُ أن لا إلهَ إلا الله وحدَهـ لا شريكَ له شهادةً أدّخرُها لسؤال منكَر ونكير، وأردفُها بشهادة أن محمد عبده ورسوله خير في وأصدق نذير، صلى الله عليه وعلى آله أولي العزم والتشمير. أما بعد فيقول العبد الفقير إلى الله جلَّ وعلا محمَّد حفظ الرحمن بن العلامة المحدث محب الرحمن بن القاري حمير الدين الفِنُوَائي الكُمِلَّائي البَنْغَلادِيْشي تجاوزَ الله عن ذنبه الجلي والخفي: إن علم التاريخ أجلّ ما يطالعُه ذوو العقول، وأعزّ ما ينتفع به الجهول، وأفضل ما يعانيه نقّاد الفحول، وأعلى ما يتبصّر الغفول، وفيه عبرةٌ لمن اعتبر، وموعظةٌ لمن افتكر، ولهذا الفن شعب متفرّقة وصنوف متشتّة، وأجلّها فن تراجم الكبار وأخبار الأخيار، من الأئمة المهتدين والعلماء العاملين، والفضلاء المحققين والمحققين الفاضلين، ممن لم يردْ

стр. 34

بالعلم مماراةً ولا مباهاةً، ولا مجادلةً ولا مضاهاةً، بل قصر ليله على العبادة، ونهاره على الإفادة، ويقول الحقَّ، ويعملُ به، ويفعلُ الخيرَ، ويرشد إليه، ولا تأخذه في الله لومةُ لائم، ولا تصدّه عن الحق رهبةُ ظالم. ولا سبيل إلى هذا السبيل إلا بعد معرفتهم، والوقوف على درجاتهم، والإحاطة بأوصاف أخيارهم، والاطلاع على جملة أخبارهم، ففيه فوائد جمة. أولا: الاطلاع على مناقبهم ونباهتهم وجلالتهم، ليحصل التأدّبُ بآدابهم، والتخلّقُ بأخلاقهم. وثانيا: الاطلاع على مراتبهم ومدارجهم، فيؤمن به من تنزيل الأعلى إلى الأدنى، واختيار قول الأدنى على الأعلى عند تعارض أقوالهم. وثالثا: الاطلاع على مواليدهم وأعصارهم ووَفَياتهم، فيؤمن من جعل القديم حديثا والعكس. ورابعا: الاطلاع على أثارهم وحكاياتهم وتصانيفهم، فيحصل الشوقُ إلى الاهتداء والاقتداء. وخامسا: إنهم أئمتنا وأسلافنا كالوالدين لنا، وأجدى علينا مصالح أخرتنا، التي هي دار قرارنا، وأنصح لنا فيما هو أعود علينا، فيَقْبُح علينا أن نجهلَهم، وأن نمهلَ معرفتَهم. قال الداعية الكبير أبو الحَسَن الندوي ﵀: كتب التراجم والسير في الإسلام - وهي أوسع مكتبة وأثراها في تاريخ أمة من الأمم العِلْمِيّ والتأليفيّ - زاخرة بهذه الأخبار التي تُثير الهممَ، وتُشْعِل الموَاهب، وتنفُخُ في القاريء روحا جديدة، وحَمَاسا جديدا، وتعالج الفُتورَ في الهمم، والقناعة بالدُّون، والخمودَ في الطبائع، والاشتغال بسَفَاسِف الأمور: معالجة رفيقةً حكيمةً، لا يستثقلُها القاريء، ولا يشعُرُ بمرارة الدواء أو لَذْع آلة الجراحة. وقد سبقَ في هذا المضمار علماءُ الشافعية، فبدأُوا مبكرين في النصف الأول من القرن الخامس للهجرة، قال التاج السبكي في "طبقات الشافعية الكبرى": فأول من بلغني صنَّف في ذلك الإمام أبو حفص عمر المطَّوِّعي المتوفى نحو سنة ٤٤٤ هـ، فصنّف كتابا، حماه "المذْهَب في ذكر شيوخ

стр. 35

المذهَب"، ثم ألَّف القاضي أبو الطيب الطبَرى المتوفى ٤٠٥ هـ مختصرا، ثم ألَّف الإمام أبو عاصم العبَّادي المتوفى ٤٥٨ هـ كتابه، ثم ألَّف الأمام أبو إسحاق الشيرازى المتوفى ٤٧٦ هـ كتابه، وهو أيضا مختصر، وهو غير مقتصر على الشافعية، ثم ألَّف الحافظ عبد الله الجرجاني المتوفى ٤٨٩ هـ كتابه "الطبقات"، ثم ألَّف القاضي عبد الوهَّاب الشيرازي المتوفى ٥٠٠ هـ كتابه "تاريخ الفقهاء"، ثم ألَّف المحدث أبو الحسن البيهقى المعروف بفُنْدُق المتوفى ٥٦٥ هـ، وسماه "وَسَائل الألمعي في فضائل أصحاب الأمام الشافعي"، ثم جمع الإمام أبو النجيب السهروردي مجموعا، ثم جاء الشيخ ابنُ الصلاح المتوفى ٦٤٣ هـ، فألَّف كتابَه، وكان الكتاب مسودة، فأخذَه الشيخ الإمام النَّوَوي المتوفى ٦٧٦ هـ، وزاد فيه أساميَ قليلة، ومات، ثم بيَّضه أبو الحجَّاج المزّي المتوفى ٧٤٢ هـ، ثم ألَّف الشيخ عماد الدين بن باطيش المتوفى ٦٥٥ هـ كتابه، حتى جاء تاجُ الدين السبكى المتوفى سنة ٧٧١ هـ، فصنّف "طبقات الشافعية الكبرى". أما علماءُ الحنفية فقد تأخّرَ إلى القرن الثامن للهجرة، وكانتْ تراجمُهم في الزمان الماضي ضمنَ كتب التاريخ العامة، وتواريخ البلدان، وطبقات الأدباء، والشعراء، واللغويين، والفقهاء، والمحدثين، ثم قاموا بهذا الأمر الهام، فجاءوا بمؤلفات كثيرة في القرون: الثامن، والتاسع، والعاشر، والحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر، ترجمتْ لعلماء المذهب. ففي القرن الثامن ألَّف نجمُ الدين إبراهيم الطَّرَسُوسي المتوفى ٧٥٨ هـ "وَفَيات الأعيان من مذهب النعمان"، وألَّفَ صلاحُ الدين عبد الله ابن المهندس المتوفى ٧٦٩ هـ تاريخا كبيرا للفقهاء، ثم جاء الحافظ القُرَشي المتوفى ٧٧٥ هـ، فصنَّفَ "الجواهر المضية في طبقات الحنفية"، وقال حاجي خليفة: إنه أول من صنَّف في طبقات الحنفية. وفي القرن التاسع ألَّف صارمُ الدين إبراهيم القاهري المتوفى سنة ٨٠٩ هـ "نظم العقيان في طبقات أصحاب إمامنا النعمان"، وهو كما ذكرَ حاجي خليفة في ثلاث مجلدات، وجاء بعده مجدُ الدين الفيروز آبادي السميرازي الشافعي المتوفى

стр. 36

سنة ٨١٧ هـ، فألَّف كتابا، سمَّاه "المرقاة الوفية في طبقات الحنفية"، ثم صنّف تقي الدين أحمد المقْريزي المتوفى سنة ٨٤٥ هـ "التذكرة"، وجمعَ منها قاسمُ بن قطلوبغا السودوني الجمالي المتوفى سنة ٨٧٩ هـ مادةَ كتابه "تاج التراجم"، وصنّف القاضي بدر الدين محمود العيني المتوفى سنة ٨٥٥ هـ كتابا في طبقات الحنفية، ويذكر ابن الشّحنة في هوامشه على "الجواهر" أن الإمام مسعود بن شيبة السندي وابن سابق جمعَا طبقات أصحاب أبي حنيفة، ولابن الشّحنة هذا وهو أبو الفضل محمد بن محمد الثقفي الحلَبي المتوفى سنة ٨٩٠ هـ كتابٌ في طبقات الحنفية في عدة مجلدات. أما القرن العاشر فقد ألَّف شمسُ الدين بن طولون الصالحي الدمشقي المتوفى سنة ٩٥٣ هـ "الغرف العلية في تراجم متأخّري الحنفية"، وألَّف شمس الدين بن آجا محمد كتابا في طبقات الحنفية في ثلاث مجلدات، واختصر إبراهيم الحَلَبى المتوفى ٩٥٦ هـ كتابَ صلاح الدين ابن المهندس، كما اختصر "الجواهرَ المضية"، وألَّف محمد بن عمر المتوفى ٩٥٩ هـ كتابا في طبقات الحنفية، وصنّف المولى علي بن أمر الله الحنَّائى المتوفى ٩٧٩ هـ مختصرا، ذكرَ فيه المشاهيرَ، وألَّفَ محمودُ بن سليمان الرومى الكفوي المتوفى ٩٩٠ هـ "كتائب أعلام الأخيار من فقهاء مذهب النعمان المختار"، يقع في ٥٧٣ ورقة، وألَّف قطب الدين محمد النهرُوَاني الهندي المتوفى سنة ٩٩٠ هـ كتابا في طبقات الحنفية في أربع مجلدات. أما القرن الحادي عشر، فألَّف تقي الدين التميمي "الطبقات السنية في تراجم الحنفية"، ثم ألَّف الملا على القاري المتوفى ١٠١٤ هـ "الأثمار الجنية في أسماء الحنفية". ثم في القرن الثالث عشر اشتغل الإمام عبد الحي اللكنوي المتوفى ١٣٠٤ هـ بهذا الأمر الجليل، فقال: إنه لو جمع تراجم رجال الحنفية في كتاب فسيصير المجموع أكبر، ففرَّقهم في عدّة كتب، كـ "مقدمة الهداية"، و"النافع الكبير"، و"مقدمة عمدة الرعاية"، و"مقدمة السعاية"، ثم لخَّص كتاب الكفوي، وسماه "الفوائد البهية في تراجم الحنفية"، وفرغ منه سنة ١٢٩٢ هـ، ثم

стр. 37

انقطعت هذه السلسلة، ولم يؤلفْ كتاب في طبقات الحنفية يحتوي على السادات الحنفية الذين جاءوا بعده. فأوصاني وأرشدَني شيخى وأستاذي المحدّث الكبير البحَّاثة الناقد العلامة عبد الرشيد النعماني ﵀ ، حينما أتممتُ مقالتي: "ما ينبغى به العناية لمن يطالع الهداية" تحت إشرافه في جامعة العلوم الإسلامية العلامة بنوري تاؤن بـ "كراتشى" إلى أن أؤلّف معجما كبيرا، يحتوي على جميع تراجم الأعلام الحنفية من المحدّثين والفقهاء، والسادات والنبلاء، فمن ذلك الحين لم أزلْ متشوّقا إلى استدراك أخبارهم، فإن الحاجة إليه لأصحابنا الحنفية أكثر، والاحتياج في بلادنا أظهر، فنظرتُ إلى الأسلاف والأكابر، فرأيتُهم أضم صنَّفوا في أحوالهم الدفاترَ، فمنهم من أفردَهم، كالحافظ عبد القادر الوفائي القُرَشى، والمجد الشيرازي، وقاسم بن قطلوبغا، والمَطب المكّى، والملا على القاري الهروي، وتقي الدين التميمى المصري، والعلامة عبد الحى اللكنوي، وغيرهم، ومنهم من خلطهم بغيرهم، كالجلال السيوطى، والحافظ الذهبي، والحافظ العسقلاني، والشمس السخاوي، والقطب اليافعي، والعلامة محمد خليل المرادي، ومحمد بن فضل الله المحبي، وغيرهم، رحمهم الله تعالى. فصرفتُ عنانَ العناية إلى جمع تراجمهم، فكم طالعتُ فيه من كتب السير والطبقات وأسفار حوادث السنين والأوقات، فحصل عندي من ذلك الحظ الأوفر، واختزن منه القدر الأكثر، فخطر في خلدى أن أجمع ذلك في مجموع، هو منتهى الجموع، فالَّفْتُ كتابا مفردا حاويا لتراجم السادات الحنفية، من البداية إلى زماننا هذا، يشتمل على أخبارهم وفضائلهم ومناقبهم، وذكر مؤلّفاتهم ومصنّفاتهم ومحاسن أشعارهم ونوادر أخبارهم، بحسب الطاقة ونهاية القدرة. وجعلت تراجمَ "الطبقات السنية" لتقى الدين التميمى في كتابي هذا مندمجةً، لكونه أكبر الكتب المتأخر، ونسخة "الطبقات" التي أمامنا من تحقيق الشيخ عبد الفتاح محمد الحلو، وناشرها دار الرفاعي بالرياض، وهذا الكتاب يوجد غير تام، آخر أرقام التراجم ١٣٨٨، وخُتِمَ في الطبع على فصل في من

стр. 38

اسمه عُبيد، ومجموع التراجم في أصله ٣٠٣٤، فبعد عُبَيْدٍ اعتمدتُ على "الجواهر المضية" للقُرَشي، لأنه أكبر قبل "الطبقات"، ومجموع التراجم فيه ٢١١٥، فأول التراجم منها التي اندمجتْ في كتابي ترجةُ عتبةَ بن خيثمة برقم ٩١٣، فجاءتْ من "الجواهر" في كتابي هذا ١٣٠٢ ترجمةً، والمجموع من منها ومن "الطبقات السنية" ٢٦٩٠ ترجمةً، ومجموع تراجم كتابي ٦٢٧٠ ترجمة، فما بقي بعد هذين الكتابين من التراجم من الكتب الأخرى، عدد كبير منهم من رجال الهند، والسند وباكستان وبنغلاديش، وبلاد أخرى مختلفة. وقد صدَّرتُ أصلَ الكتاب بجزء مستقل، ذكرتُ فيه فوائد مهمة، لها ارتباط بعلم التااريخ، ودكرتُ أسماءَ الله الحسنى، وما يتعلق بها، وسيرةً وجيزةً لقرّة أعيُننا محمد بن عبد الله ﷺ ، وفضائلَ صحابته البرَرَة ومناقبَهم، رضي الله تعالى عنهم أجمعين، وأسماءَ أصحاب الفتيا منهم، ومن التابعين، ثم ذكرتُ تراجمَ عبد الله بن مسعود، وعلقمة بن قيس النخعى، وإبراهيم النخَعي، وحماد بن أبي سليمان، ثم دكرتُ سيرةَ إمامنا الأعظم أبي حنيفة النعمان ﵃ أجمعين بالبسط والتفصيل، سميتُه "البدور المضية في تراجم الحنفية". ورَتَّبْتُ التراجمَ على حروف المعجم كترتيب أكثر المؤرخين، ليكون الانتفاع أسهل، والتحصيل أكمل، وبدأتُ أولا الاسم الذي أوله همزة ممدودة، ثم ما كان أوله ألف، فيكون، (آدم) قبل (إبراهيم) لألفين في بدء الأول، و (محمد) قبل (محمود) لسبق الدال الواو، و (إبراهيم بن أحمد) قبل (إبراهيم بن أدهم) لتقدم الحاء الدال في اسمي الأبوين، وهكذا، لكني قدّمتُ في حرف العين من كان اسمه عبد الله على غيره ممن يبدأ ايمه بكلمة "عبد"، على طريق صاحب "الجواهر". أما ما كان مبدوءا بلفظ (أب) أو (أم) أو (ابن) أو (بنت) كأبي بكر، وأم سلمة، وابن أبيه، وابن أبي داود، فعددتُ الأب والأم ونظائرهما لغوا، وجعلت (أبا بكر) في حرف الباء مع الكاف، و (أم سلمة) في

стр. 39

حرف السمين مع اللام، و (ابن أبيه) في حرف الألف مع الباء فالياء، و (ابن أبي دواد) في الدال مع الواو، واتخذتُ رسم الحروف أساسا، فجعلتُ (صدى) في حرف الصاد مع الدال والياء، ومومنا في حرف الميم مع الواو. ثم ذكرت في أواخر الكتاب أصحاب الكُنَى جميعًا في حرف الهمزة، قدمت من لم يعرف له اسمٌ سوى الكنية، ثم من له اسم، واشتهر بكنيته، وله ترجمة في حرف من الحروف، ذكرته باختصار، ولا أعدت له ترجة، وذكرت اسمه واسم أبيه ليسهل كشفه في محله. وذكرت جميع هذه الكُنَى مُرتبة ترتيب الأسماء، وبالنظر إلى ما بعد ذكر الأب، كأبي إبراهيم، ذكرت مُقدمًا على أبي أحمد، وأبي داود مُقدمًا على أبي ذر، وهكذا إلى آخر الحروف. وذكرت في آخر الكتاب بابًا للألقاب، وبابًا فيمن اشتهر بابن فلان، وبابًا في الأنساب. قدمت في كل من البابين الأولين من اشتهر بلقبه، واشتهر بأبيه ولم يعرف له اسم، ثم من له اسم منهما ذكرته باختصار، كما فعلته في الكُنَى. وأما الأنساب فقدمت فيها من لا يعرف إلا بالنسبة، ولم يذكر له في الكتاب ترجمة، وأما من ذكر له في الكتاب ترجمة، فقد ذكرته في نسبته، وتارة ما ذكرته، لأن ذكر جميع من انتسب في الكتاب إلى "الموصل" أو "الشام" أو "حماة" مثلًا في تلك النسبة، مما يطول شرحه، ويُميلّ ذكره، بلا كبير فائدة. والحقيقة أن هذا العمل الجليل المبارك ليس إلا نتيجة إرشاد أستاذنا وشيخنا النعماني، فجزاه الله أحسنَ الجزاء وأطيبَه، وباركَ في هذا المشروع المبارك، ورزقَه حسنَ القبول لديه. وأيضا لا بدَّ من تقديم الشكر إلى سيدي وشيخي ملك العلماء المحدث الكبير العلامة عبد الحفيظ المكي أطال الله بقاءه، فإنه شجَّعني، ورغَّبني في هذا الباب، ودعا عند الله للإتمام والإكمال.

стр. 40

كما لا يسعُني في هذا المقام أن أنسى زميلي الخاص ورفيقى الشيخ مولانا المفتي محمد نعمان أحمد الكملائي، صاحب المؤلفات الكثيرة، رحمه الله تعالى، فإنه كان يزيدني همةً حينا بعد حين، رفع الله درجته في الجنة. ولا يسعني ههنا إلا أن أشكر بصميم قلبي كلَّ مَنْ ساعدَني، وأعانني من أهل الخير والصلاح في هذا الصدد بأيّ نوع كان، لاسيما تلامذتي الأربعة: الأخ في الله المفتي الفاضل روح الأمين، أستاذ قسم التخصص في الفقه الإسلامي بمركز الإسلام، محمد فور، داكا، والأخ الفاضل محمد الله شميم المانِكْغَنْجي، والأخ الفاضل محمد شميم أحمد الفريدفوري، والأخ الفاضل دين محمد الكُمِلائي، فإنهم أعانوني طوالَ هذه المدة في مراجعة الكتب والاستخراج والنقل، جزاهم الله تعالى أحسنَ الجزاء، وأكرمَهم بالفوز الكبير في الدارين، وتقبلهم وإيانا لخدمة العلم والدين. وإني وإن قصرت فما قصرت، وطولت فما تطولت، وغاية البليغ في هذا المضمار الخطير أن يعترف بالقصور، ويلتزم بالتقصير، فإن المرء ولو بلغ جهده فالإحاطة في هذا الشأن لله وحده. وقد شرعتُ في تأليف هذا الكتاب شهر شوَّال المكرَّم سنة ثلاثين وأربعمائة بعد الألف، وقد تم بعونه بعد عشاء يوم الثلاثاء ليلة العاشوراء من محرَّم الحرام سنة ثمان وثلاثين وأربعمائة بعد الألف من الهجرة النبوية على صاحبها ألف ألف صلاة وتحية، فالحمد لله على ذلك حمدا كثيرا كثيرا. وإلى الله أتضرع في سدّ خللي، وستر زللي، ودفن عيبي، إنه الجواد الكريم، ومنه الهداية إلى الصراط المستقيم. والله أسئل أن يتقبل من العبد الضعيف جهد المقل، وأن يفتح عليه بالعلم والعمل، وأن يرزقه فيهما الإخلاص والقبول، وأن ينفع بهذا الكتاب كل قاريء له وواقف، ويوفقني للمزيد راجيا من المنتفعين دعوة صالحة، يقول لهم الملَك عندها: ولك بمثل.
следующие страницы →