← Тараджим

Тараджим · id 819

البدور المضية في تراجم الحنفية

محمد حفظ الرحمن الكملائي

Полный текст (8 975 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

سنة ٨١٧ هـ، فألَّف كتابا، سمَّاه "المرقاة الوفية في طبقات الحنفية"، ثم صنّف تقي الدين أحمد المقْريزي المتوفى سنة ٨٤٥ هـ "التذكرة"، وجمعَ منها قاسمُ بن قطلوبغا السودوني الجمالي المتوفى سنة ٨٧٩ هـ مادةَ كتابه "تاج التراجم"، وصنّف القاضي بدر الدين محمود العيني المتوفى سنة ٨٥٥ هـ كتابا في طبقات الحنفية، ويذكر ابن الشّحنة في هوامشه على "الجواهر" أن الإمام مسعود بن شيبة السندي وابن سابق جمعَا طبقات أصحاب أبي حنيفة، ولابن الشّحنة هذا وهو أبو الفضل محمد بن محمد الثقفي الحلَبي المتوفى سنة ٨٩٠ هـ كتابٌ في طبقات الحنفية في عدة مجلدات. أما القرن العاشر فقد ألَّف شمسُ الدين بن طولون الصالحي الدمشقي المتوفى سنة ٩٥٣ هـ "الغرف العلية في تراجم متأخّري الحنفية"، وألَّف شمس الدين بن آجا محمد كتابا في طبقات الحنفية في ثلاث مجلدات، واختصر إبراهيم الحَلَبى المتوفى ٩٥٦ هـ كتابَ صلاح الدين ابن المهندس، كما اختصر "الجواهرَ المضية"، وألَّف محمد بن عمر المتوفى ٩٥٩ هـ كتابا في طبقات الحنفية، وصنّف المولى علي بن أمر الله الحنَّائى المتوفى ٩٧٩ هـ مختصرا، ذكرَ فيه المشاهيرَ، وألَّفَ محمودُ بن سليمان الرومى الكفوي المتوفى ٩٩٠ هـ "كتائب أعلام الأخيار من فقهاء مذهب النعمان المختار"، يقع في ٥٧٣ ورقة، وألَّف قطب الدين محمد النهرُوَاني الهندي المتوفى سنة ٩٩٠ هـ كتابا في طبقات الحنفية في أربع مجلدات. أما القرن الحادي عشر، فألَّف تقي الدين التميمي "الطبقات السنية في تراجم الحنفية"، ثم ألَّف الملا على القاري المتوفى ١٠١٤ هـ "الأثمار الجنية في أسماء الحنفية". ثم في القرن الثالث عشر اشتغل الإمام عبد الحي اللكنوي المتوفى ١٣٠٤ هـ بهذا الأمر الجليل، فقال: إنه لو جمع تراجم رجال الحنفية في كتاب فسيصير المجموع أكبر، ففرَّقهم في عدّة كتب، كـ "مقدمة الهداية"، و"النافع الكبير"، و"مقدمة عمدة الرعاية"، و"مقدمة السعاية"، ثم لخَّص كتاب الكفوي، وسماه "الفوائد البهية في تراجم الحنفية"، وفرغ منه سنة ١٢٩٢ هـ، ثم

стр. 37

انقطعت هذه السلسلة، ولم يؤلفْ كتاب في طبقات الحنفية يحتوي على السادات الحنفية الذين جاءوا بعده. فأوصاني وأرشدَني شيخى وأستاذي المحدّث الكبير البحَّاثة الناقد العلامة عبد الرشيد النعماني ﵀ ، حينما أتممتُ مقالتي: "ما ينبغى به العناية لمن يطالع الهداية" تحت إشرافه في جامعة العلوم الإسلامية العلامة بنوري تاؤن بـ "كراتشى" إلى أن أؤلّف معجما كبيرا، يحتوي على جميع تراجم الأعلام الحنفية من المحدّثين والفقهاء، والسادات والنبلاء، فمن ذلك الحين لم أزلْ متشوّقا إلى استدراك أخبارهم، فإن الحاجة إليه لأصحابنا الحنفية أكثر، والاحتياج في بلادنا أظهر، فنظرتُ إلى الأسلاف والأكابر، فرأيتُهم أضم صنَّفوا في أحوالهم الدفاترَ، فمنهم من أفردَهم، كالحافظ عبد القادر الوفائي القُرَشى، والمجد الشيرازي، وقاسم بن قطلوبغا، والمَطب المكّى، والملا على القاري الهروي، وتقي الدين التميمى المصري، والعلامة عبد الحى اللكنوي، وغيرهم، ومنهم من خلطهم بغيرهم، كالجلال السيوطى، والحافظ الذهبي، والحافظ العسقلاني، والشمس السخاوي، والقطب اليافعي، والعلامة محمد خليل المرادي، ومحمد بن فضل الله المحبي، وغيرهم، رحمهم الله تعالى. فصرفتُ عنانَ العناية إلى جمع تراجمهم، فكم طالعتُ فيه من كتب السير والطبقات وأسفار حوادث السنين والأوقات، فحصل عندي من ذلك الحظ الأوفر، واختزن منه القدر الأكثر، فخطر في خلدى أن أجمع ذلك في مجموع، هو منتهى الجموع، فالَّفْتُ كتابا مفردا حاويا لتراجم السادات الحنفية، من البداية إلى زماننا هذا، يشتمل على أخبارهم وفضائلهم ومناقبهم، وذكر مؤلّفاتهم ومصنّفاتهم ومحاسن أشعارهم ونوادر أخبارهم، بحسب الطاقة ونهاية القدرة. وجعلت تراجمَ "الطبقات السنية" لتقى الدين التميمى في كتابي هذا مندمجةً، لكونه أكبر الكتب المتأخر، ونسخة "الطبقات" التي أمامنا من تحقيق الشيخ عبد الفتاح محمد الحلو، وناشرها دار الرفاعي بالرياض، وهذا الكتاب يوجد غير تام، آخر أرقام التراجم ١٣٨٨، وخُتِمَ في الطبع على فصل في من

стр. 38

اسمه عُبيد، ومجموع التراجم في أصله ٣٠٣٤، فبعد عُبَيْدٍ اعتمدتُ على "الجواهر المضية" للقُرَشي، لأنه أكبر قبل "الطبقات"، ومجموع التراجم فيه ٢١١٥، فأول التراجم منها التي اندمجتْ في كتابي ترجةُ عتبةَ بن خيثمة برقم ٩١٣، فجاءتْ من "الجواهر" في كتابي هذا ١٣٠٢ ترجمةً، والمجموع من منها ومن "الطبقات السنية" ٢٦٩٠ ترجمةً، ومجموع تراجم كتابي ٦٢٧٠ ترجمة، فما بقي بعد هذين الكتابين من التراجم من الكتب الأخرى، عدد كبير منهم من رجال الهند، والسند وباكستان وبنغلاديش، وبلاد أخرى مختلفة. وقد صدَّرتُ أصلَ الكتاب بجزء مستقل، ذكرتُ فيه فوائد مهمة، لها ارتباط بعلم التااريخ، ودكرتُ أسماءَ الله الحسنى، وما يتعلق بها، وسيرةً وجيزةً لقرّة أعيُننا محمد بن عبد الله ﷺ ، وفضائلَ صحابته البرَرَة ومناقبَهم، رضي الله تعالى عنهم أجمعين، وأسماءَ أصحاب الفتيا منهم، ومن التابعين، ثم ذكرتُ تراجمَ عبد الله بن مسعود، وعلقمة بن قيس النخعى، وإبراهيم النخَعي، وحماد بن أبي سليمان، ثم دكرتُ سيرةَ إمامنا الأعظم أبي حنيفة النعمان ﵃ أجمعين بالبسط والتفصيل، سميتُه "البدور المضية في تراجم الحنفية". ورَتَّبْتُ التراجمَ على حروف المعجم كترتيب أكثر المؤرخين، ليكون الانتفاع أسهل، والتحصيل أكمل، وبدأتُ أولا الاسم الذي أوله همزة ممدودة، ثم ما كان أوله ألف، فيكون، (آدم) قبل (إبراهيم) لألفين في بدء الأول، و (محمد) قبل (محمود) لسبق الدال الواو، و (إبراهيم بن أحمد) قبل (إبراهيم بن أدهم) لتقدم الحاء الدال في اسمي الأبوين، وهكذا، لكني قدّمتُ في حرف العين من كان اسمه عبد الله على غيره ممن يبدأ ايمه بكلمة "عبد"، على طريق صاحب "الجواهر". أما ما كان مبدوءا بلفظ (أب) أو (أم) أو (ابن) أو (بنت) كأبي بكر، وأم سلمة، وابن أبيه، وابن أبي داود، فعددتُ الأب والأم ونظائرهما لغوا، وجعلت (أبا بكر) في حرف الباء مع الكاف، و (أم سلمة) في

стр. 39

حرف السمين مع اللام، و (ابن أبيه) في حرف الألف مع الباء فالياء، و (ابن أبي دواد) في الدال مع الواو، واتخذتُ رسم الحروف أساسا، فجعلتُ (صدى) في حرف الصاد مع الدال والياء، ومومنا في حرف الميم مع الواو. ثم ذكرت في أواخر الكتاب أصحاب الكُنَى جميعًا في حرف الهمزة، قدمت من لم يعرف له اسمٌ سوى الكنية، ثم من له اسم، واشتهر بكنيته، وله ترجمة في حرف من الحروف، ذكرته باختصار، ولا أعدت له ترجة، وذكرت اسمه واسم أبيه ليسهل كشفه في محله. وذكرت جميع هذه الكُنَى مُرتبة ترتيب الأسماء، وبالنظر إلى ما بعد ذكر الأب، كأبي إبراهيم، ذكرت مُقدمًا على أبي أحمد، وأبي داود مُقدمًا على أبي ذر، وهكذا إلى آخر الحروف. وذكرت في آخر الكتاب بابًا للألقاب، وبابًا فيمن اشتهر بابن فلان، وبابًا في الأنساب. قدمت في كل من البابين الأولين من اشتهر بلقبه، واشتهر بأبيه ولم يعرف له اسم، ثم من له اسم منهما ذكرته باختصار، كما فعلته في الكُنَى. وأما الأنساب فقدمت فيها من لا يعرف إلا بالنسبة، ولم يذكر له في الكتاب ترجمة، وأما من ذكر له في الكتاب ترجمة، فقد ذكرته في نسبته، وتارة ما ذكرته، لأن ذكر جميع من انتسب في الكتاب إلى "الموصل" أو "الشام" أو "حماة" مثلًا في تلك النسبة، مما يطول شرحه، ويُميلّ ذكره، بلا كبير فائدة. والحقيقة أن هذا العمل الجليل المبارك ليس إلا نتيجة إرشاد أستاذنا وشيخنا النعماني، فجزاه الله أحسنَ الجزاء وأطيبَه، وباركَ في هذا المشروع المبارك، ورزقَه حسنَ القبول لديه. وأيضا لا بدَّ من تقديم الشكر إلى سيدي وشيخي ملك العلماء المحدث الكبير العلامة عبد الحفيظ المكي أطال الله بقاءه، فإنه شجَّعني، ورغَّبني في هذا الباب، ودعا عند الله للإتمام والإكمال.

стр. 40

كما لا يسعُني في هذا المقام أن أنسى زميلي الخاص ورفيقى الشيخ مولانا المفتي محمد نعمان أحمد الكملائي، صاحب المؤلفات الكثيرة، رحمه الله تعالى، فإنه كان يزيدني همةً حينا بعد حين، رفع الله درجته في الجنة. ولا يسعني ههنا إلا أن أشكر بصميم قلبي كلَّ مَنْ ساعدَني، وأعانني من أهل الخير والصلاح في هذا الصدد بأيّ نوع كان، لاسيما تلامذتي الأربعة: الأخ في الله المفتي الفاضل روح الأمين، أستاذ قسم التخصص في الفقه الإسلامي بمركز الإسلام، محمد فور، داكا، والأخ الفاضل محمد الله شميم المانِكْغَنْجي، والأخ الفاضل محمد شميم أحمد الفريدفوري، والأخ الفاضل دين محمد الكُمِلائي، فإنهم أعانوني طوالَ هذه المدة في مراجعة الكتب والاستخراج والنقل، جزاهم الله تعالى أحسنَ الجزاء، وأكرمَهم بالفوز الكبير في الدارين، وتقبلهم وإيانا لخدمة العلم والدين. وإني وإن قصرت فما قصرت، وطولت فما تطولت، وغاية البليغ في هذا المضمار الخطير أن يعترف بالقصور، ويلتزم بالتقصير، فإن المرء ولو بلغ جهده فالإحاطة في هذا الشأن لله وحده. وقد شرعتُ في تأليف هذا الكتاب شهر شوَّال المكرَّم سنة ثلاثين وأربعمائة بعد الألف، وقد تم بعونه بعد عشاء يوم الثلاثاء ليلة العاشوراء من محرَّم الحرام سنة ثمان وثلاثين وأربعمائة بعد الألف من الهجرة النبوية على صاحبها ألف ألف صلاة وتحية، فالحمد لله على ذلك حمدا كثيرا كثيرا. وإلى الله أتضرع في سدّ خللي، وستر زللي، ودفن عيبي، إنه الجواد الكريم، ومنه الهداية إلى الصراط المستقيم. والله أسئل أن يتقبل من العبد الضعيف جهد المقل، وأن يفتح عليه بالعلم والعمل، وأن يرزقه فيهما الإخلاص والقبول، وأن ينفع بهذا الكتاب كل قاريء له وواقف، ويوفقني للمزيد راجيا من المنتفعين دعوة صالحة، يقول لهم الملَك عندها: ولك بمثل.

стр. 41

وصلى الله وسلّم على سيّد الحامدين والشاكرين، وإمام الهادين والمتقين والزاهدين والعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، ولله الحمد على ما أبدى وأسدى، وللآخرة خير لك من الأولى. وكتبه العبد الفقير إليه تعالى محمد حفظ الرحمن الكملائي خادم الطلبة بالجامعة الرحمانية العربية، داكا، بنغلاديش

стр. 42

الباب الأول في فوائد مهمة، تتعلق بفن التاريخ: لا يسع المؤرخ جهلها ، وهو يشتمل على ثلاثة فصول: الفصل الأول (١) فيما تؤرخ العرب به: قال الأمام التميمي الداري رحمه الله تعالى نقلا عن الصفدي: كانت العرب تؤرخ في بني كنانة من موت كعب بن لؤي، فلما كان عام الفيل أرخت منه، وكانت المدة بينهما مائة وعشرين سنة. قال أبو الفرج الأصبهاني، صاحب "الأغاني": إنه لما مات الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، أرخت قريش بوفاته مُدة؛ لأعظامها إياه، حتى إذا كان عام الفيل جعلوه تاريخا، هكذا ذكره ابن دأب (٢). وأما الزبير بن بكّار فذكر أنها كانت تؤرخ بوفاة هشام بن المغيرة تسع سنين، إلى أن كانت السنة التي بنوا فيها الكعبة، فأرخوا. انتهى. وأرّخ بنو إسماعيل ﵊ من نار إبراهيم ﵊ إلى بنائه البيت، ومن بنائه البيت إلى تفرق معدّ، ومن تفرق مَعَدِّ إلى

стр. 43

موت كعب بن لؤي؛ ومن عادة الناس أن يؤرّخوا بالواقع المشهور، والآمر العظيم، فأرّخ بعض العرب بأيام الخُنان لشُهرتها. قال النابغة الجعدي (١): فَمَنْ يَكُ سائلًا عني فإني … مِن الفِتيْان أيامَ الخُنَان مَضَتْ مائةٌ لعام وُلدتُ فيه … وعامٌ بعد ذاك وحجتان وَقد أبْقَتْ صُرُوفُ الدَّهر مني … كما أبقتْ من السَّيْفِ اليَمَاني قال الشريف المرتضى في كتابه "غُرر الفوائد ودُرر القلائد": إن أيام الخُنان أيام كانت للعرب قديمة، هاج بهم فيها مرض في أنوفهم وحلوقهم. قلت: وهو بضم الخاء وفتح النون، وقد يشتبه بالخِتان، بكسر الخاء والتاء المثناة من فوق. وكانت العرب تؤرخ بالنجوم، وهو أصل قولك: نَجَّمتُ على فلان كذا، حتى يُؤديه في نجوم، وأول من أرَّخ الكتب من الهجرة عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، في شهر ربيع الأول، سنة ست عشرة، وكان سبب ذلك، أن أبا موسى الأشعري رضى الله عنه كتبَ إلى عمر ﵁: إنه يأتينا من قبل أمير المؤمنين كتب، لا ندري على أيّها نعمل، قد قرأنا صكًا منها محلّه شعبان، فما ندري أيّ الشعبانين، الماضي أو الآتي، فعمل عمر رضي الله تعالى عنه على كتب التاريخ، فأراد أن يجعل أوله رمضان، فرأى أن الأشهر الحرم تقع حينئذ في سنتين، فجعله من المحرّم، وهو آخرها، فصيره أولًا لتجتمع في سنة واحدة. وكان قد هاجر ﷺ يوم الخميس، لأيام من المحرّم، فمكث مُهاجرًا بين سير ومقام مُدة شهرين وثمانية أيام.

стр. 44

الفصل الثاني في تحقيق لفظ التاريخ وقاعدته تقول العرب: أرَّخت وورَّخت، فيقلبون الهمزة واوًا، لأن الهمزة نظير الواو في المخرج، فالهمزة من أقصى الحلق، والواو من آخر الفم، فهى تحاذيها، ولذلك قالوا في وعد: أعد، وفي وجوه: أجُوه، وفي أثؤب: أثوب، وفي أحد: وحد، فعلى ذلك يكون المصدر تاريخا وتوريخا بمعنى. وقاعدة التاريخ عند أهل العربية أن يؤرّخوا بالليالي دون الأيام؛ لأن الهلال إنما يُرى ليلًا، ثم إنهم يُؤنثون المذكر، ويذكرون المؤنث، على قاعدة العدد؛ لأنك تقول: ثلاثة غلمان، وأربع جواري. إذا عرفت ذلك، فإنك تقول في الليالي ما بين الثلاث إلى العشر: ثلاث ليالي، وأريع ليالي، إلى بابه. وتقول في الأيام ما بين الثلاثة إلى العشرة: ثلاثة أيام، وأربعة أيام، إلى بابه. وأما واحد واثنان، فلم يُضيفوهما إلى مميز، فاما ما جاء من قول الشاعر: كأنَّ خُصْيَيْه مِن التَّدَلدُلِ … ظَرف عجُوزٍ فيه ثِنتا حَنظَلِ فبابهُ الشعر، وضرورة الشعر لا تكون قاعدة، وإنما امتنعوا من ذلك؛ لأنه يكون من باب إضافة الشيء إلى نفسه؛ فإنك إذا قلت: اثنا يومين، أو واحد رجل، فاليومان هما الاثنان، والواحد هو الرجل، وإذا قلت: يومٌ ورجلان، فقد دللت على الكمية والجنس، وليس كذلك في أيام ورجال، فيما فوق الثلاثة؛ لأن ذلك يصح على القليل والكثير، فيُضاف العدد إليه لتعلم الكمية.

стр. 45

وأضافوا العدد من الثلاثة إلى العشرة إلى جموع القِلة، فقالوا: ثلاثة أيام، وأربعة أحمال، وخمسة أشهر، وستة أرغفة، ولا يورد هاهنا قوله تعالى: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾، لأنه ميز الثلاثة يحمع الكثرة؛ لأن المعنى كل واحد من المطلّقات تتربّص للعدة ثلاثة أقراء، فلما كان مجموع الأقراء من المطلّقات كثيرًا ميز الثلاثة، يجمع الكثرة، ولا يُضاف عدد أقل من ستة إلى مُميزين؛ ذكرٍ وأنثى؛ لأن كل واحدٍ من المميزين جمع، وأقل الجمع ثلاثة. وقالوا في العدد المركب من بعد العشرة إلى العشرين، وهو أحد عشر وبابه: إحدى عشرة ليلة، وما بعده إلى العشرين، بإثبات التأنيث في الجُزءين من إحدى عشرة، واثنتي عشرة، وحذف التأنيث من الجزء الأول في الباقي للمؤنث، وأحد عشر يومًا، واثنا عشر يوما، وثلاثة عشر يوما، وما بعده إلى العشرين، بخلو الجزءين الأولين من التأنيث، وإثباته في الجزء الأول لما بعده في المذكر، والحجازيون يسكنون الشين في عشرة، وبنو تميم يكسرونها. وميزوا ما بعد العشرة إلى العشرين وما بعدها من العُقود إلى التسعين بمنصوب، فقالوا: أحد عشر كوكبًا، وأربعين ليلة، وأتوا بواو العطف بعد العشرين، ومنعوها بعد العشرة إلى العشرين، فقالوا: أحد وعشرون، وأحد عشرة، وقالوا: مائة يوم، ومائتا يوم؛ فجعلوا المميز من المائة إلى الألف وما بعده مُضافًا، ولم يُجروه مجرى ما بعد العشرة إلى التسعين. وقالوا: ثلاثمائة وأربعمائة، وبابه، فميزوه بالمفرد، ولم يميزوا بالجمع، وقالوا: ألف ليلة. فأجروا ذلك في التمييز مجرى المائة. فائدة في استعمال "ألْف ": لفظ "ألف" مُذكر، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ﴾، وقد تقرَّر أن المعدود المذكر يؤنث، والمؤنث يذكر. ولا يورد قولهم: "هذه ألف درهم"؛ فإن الإشارة إنما هي إلى الدراهم، لا إلى الألف، وتقديره: هذه الدّراهم ألف.

стр. 46

فائدة أخرى في تعريف العدد المضاف: إذا أردت تعريف العدد المضاف، أدخلت الأداة على الاسم الثاني، فتعرف به، نحو "ثلاثة الرجال"، "ومائة الدرهم" كقولك: "غُلام الرجُل". قال ذو الرُّمَّة: وهل يَرْجعُ التسليمَ أو يكشِف العَمَى … ثلاثُ الأثافي والرِّسُومُ البَلاقِعُ ولا يجوز "الخمسة دراهم"؛ لأن الإضافة للتخصيص، وتخصيص الأول باللام يُغنيه عن ذلك، فاما ما لم يُضف، فأداة التعريف في الأول نحو "الخمسة عشر درهمًا"؛ إذ لا تخصيص بغير اللام، وقد جاء شئ على خلاف ذلك. تنبيه في استعمال كلمة "ثماني ": الفصيح أن تقول: "عندي ثماني نسوة"، و"ثماني عشرة جارية"، و"وثماني مائة درهم"؛ لأن الياء هُنا ياء المنقوص، وهي ثابتة في حالة الإضافة والنصب، كياء قاضي، وأما قول الأعشى: وَلقد شربتُ ثمانيًا وَثمانيًا … وَثَمانِ عشرَةَ واثْنتَين وأربَعَا فبابه ضرورة الشعر، كما قال الآخر: وطرْتُ بمُنْصُلِي في يَعْمَلاتٍ … دَوَامِي الأيدِ يَخْبِطْنَ السرِيحَا يريد "الأيدي" على أنه قد قُرِئ: ﴿وَلَهُ الْجَوَارُ الْمُنْشَآتُ﴾، بضمِّ الرَاء. الفصل الثالث في كيفية كتابة التاريخ تقول للعشرة وما دونها: خَلَون؛ لأن المميز جمع، والجمع مؤنث. وقالوا لما فوق العشرة: خَلَت، ومَضت؛ لأنهم يزيدون أن مميزه واحد. وتقول من بعد العشرين: لتسع إن بقين، وثمان إن بقين، تأتي بلفظ الشك؛ لاحتمال أن يكون الشهر ناقصًا أو كاملًا.

стр. 47

وقد منع أبو علي الفارسي: لمستَهَلّ؛ لأن الاستهلال قد مضى، ونصّ على أن يؤرّخ بأول الشهر في اليوم، أو بليلة خَلت منه. قال الحريري في "درة الغوَّاص": والعرب تختار أن تجعل النون للقليل والتاء للكثير، فيقولون لأربع: خلون، ولأربع عشرة ليلة: خلت. قال: ولهم اختيار آخر، وهو أن تجعل ضمير الجمع الكثير الهاء والألف، وضمير الجمع القليل الهاء والنون المشدَّدة، كما نطق القرآن به، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾، فجعل ضمير الأشهر الحرم بالهاء والنون لقلتهن، وضمير شهور السنة الهاء والألف لكثرتها. وكذلك اختاروا أيضًا أن ألحقوا لصفة الجمع الكثير الهاء، فقالوا: أعطيته دراهم كثيرة، وأقمت أيامًا معدودة، وألحقوا لصفة الجمع القليل الألف والتاء، فقالوا: أقمت أيامًا معدودات، كسوته أثوابًا رفيعات. وعلى هذا جاء في سورة البقرة: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾، وفي سورة آل عمران ﴿إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾، كأنهم قالوا أولا: بِطُول المدّة، ثم إنهم رجعوا عنه، فقصروا المدة. انتهى. والواجب أن تقول في أول الشهر: لليلة خلتْ منه، أو لغرَّته، أو لمستهلّه. فإذا تحققت آخره، قلت: انسلاخُهُ، أو سَلخُه، أو آخره. قال ابن عصفور: والأحسن أن تؤرخ بالأقل فيما مضى وما بقى، فإذا استويا أرخت بأيهما شئت. وقال الصلاح الصفدي بعد نقله كلام ابن عصفور هذا: قلتُ: بل إن كان في خامس عشر، قلت: منتصف، أو في خامس عشر، وهو أكثر

стр. 48

تحقيقًا؛ لاحتمال أن يكون الشهر ناقصًا، وإن كان في الرابع عشر، ذكرته، أو السادس عشر ذكرته. تنبيه في كتابة بعض الشهور قال الصلاح الصفدي: رأيت الفضلاء قد كتبوا بعض الشهور بشهر كذا، وبعضها لم يذكروا معه شهرًا، وطلبت الخاصة في ذلك، فلم أجدهم أتوا بشهر إلا مع شهر يكون أوله حرف راء، مثل شهري ربيع، وشهر رجب، وشهر رمضان، ولم أدْرِ العلة في ذلك ما هي؟، ولا وجه المناسبة؟ لأنه كان ينبغي أن يُحذف لفظ شهر من هذه المواضع؛ لأنه يجتمع في ذلك راآن، وهم قد فرّوا من ذلك، كتبوا: داود، وناوس، وطاوس، بواو واحدة؛ كراهية الجمع بين المثلين. انتهى. وقال الحافظ جلال الدين السيوطي في كتابه "نظم العقيان في أعيان الأعيان" بعد نقله كلام الصفدي هذا: قلت: قد تعرض للمسئلة من المتقدمين ابن درستويه في الكتاب "المتمم"، فقال: الشهور كلها مُذكرة إلا جمادى، وليس شئ منها يُضاف إليه شهر إلا شهرا ربيع، وشهر رمضان، قال الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾. وقال الراعي: شَهْرَيْ رَبيعٍ مَا تذُوق لَبُونهُم … إلا حُمُوضًا وَخْمَة ودَوِيلًا فما كان من أسمائها أسمًا للشهر، أو صفة قامت مقام الاسم، فهو الذي لم يَجُزْ أن يضاف الشهر إليه، ولا يُذكر معه، كالمحرّم، إنما معناه الشهر المحرّم؛ وهو من الأشهر الحرم، كصفر، وهو اسم معرفة كزيد، من قولهم: صفر الإناء يُصفر صفرًا، إذا خلا، وجُمادى، وهي معرفة، وليست بصفة، وهي من جمود الماء، ورجب وهو معرف، مثل صفر، وهو من قولهم: رجبت الشيء، أي عَظمته؛ لأنه أيضًا من الأشهر الحرم، وشعبان؛ وهو صفة بمنزلة عطشان،

стр. 49

من التشعّب والتفرّق، وشوَّال، وهو صفة جَرَت مجرى الاسم، وصارتْ معرفة، وفيها تشول الإبل، وذي القعدة، وهي صفة قامت مقام الشهر والقعود عن التصرف، كقولك، هذا الرجل ذو الجلسة، فإذا حذفت الرجل قلت: ذو الجلسة، وذي الحِجة مثله، مأخوذ من الحج. وأما الربيعان، ورمضان، فليست بأسماء للشهر، ولا صفات له، فلا بد من إضافة شهر إليها، كقولك شهر ربيع، وشهر رمضان، ويدُلُّك على ذلك أن رمضان فعلان من الرمضاء، كقولك: الغليان، وليس الغليان بالشهر، ولكن الشهر شهر الغليان، وجعل رمضان اسمًا معرفة للرمضاء، فلم يُصرف لذلك، فأما رواة الحديث فيرون أن اسم من أسماء الله تعالى. وربيع إنما هو اسم للغيث، وليس الغيث بالشهر، ولكن الشهر شهر غيث، فصار ربيع اسمًا للغيث معرفة كزيد، فإذا قلت: شهر ربيع الأول والآخر، فهما صفتان لشهرٍ، وإعرابهما كإعرابه، ولا يكونان صفة لربيع، وإن كان معرفة، لأنه ليس هنا ربيعان، وإنما هو ربيع واحد، وشهرا ربيع، ولو كان كذلك لكانا نكرتين، ولكانا مُضافين إلى معرفة، وصارا به معرفة. انتهى كلام ابن درستويه، كما نقله السيوطي. ويؤخذ منه أن رجب لا يُضاف إليه لفظ شهر، كما ذكر الصفدي، فليتأمل. وجرت العادة بأن يقولوا في شهر المحرم: شهر الله، وفي شهر رجب: شهر رجب الفرد، أو الأصم، أو الأصب، وفي شعبان: المكرّم، وفي رمضان: رمضان المعظّم، وفي شوَّال: شوَّال المبارك، ويؤرِّخوا أول شوَّال بعيد الفطر، وثامن الحجّة بيوم التروية، وتاسعه بيوم عرفة، وعاشر بعيد النحر، وتاسع المحرم بيوم تاسوعاء، وعاشره بيوم عاشوراء، فلا يحتاجون أن يذكروا الشهر، ولكن لا بد من ذكر السنة.

стр. 50

فائدة في استعمال"نيف" و"بضع ": قد يجئ في بعض المواضع "نيف" و"بضع"، مثل قولهم: نيف وعشرون، وهو بتشديد الياء، ومن قال: نيف بسكونها، فذاك لحن، وهذا اللفظ مُشتق من أناف على الشئ، إذا أشرف عليه، فكأنه لما زاد على العشرين كان بمثابة المشرف عليها، ومنه قول الشاعر: حَلَلْتُ برَابِيةٍ رَأسُهَا … على كُلِّ رابِيَةٍ نيَفُ واختلف في مقداره، فذكر أبو زيد أنه ما بين العقدين، وقال غيره: هو الواحد إلى الثلاثة. قال الصفدي: ولعل هذا الأقرب إلى الصحيح. وقولهم: بِضع عشر سنة، البضع أكثر ما يستعمل فيما بين الثلاث إلى العشر، وقيل: بل هو ما دون نصف العقد، وقد انزوى القول الأول إلى النبي ﷺ ، في تفسير قوله تعالى: ﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾، وذلك أن المسلمين كانوا يحبون أن تظهر الروم على فارس، لأنهم أهل كتاب، وكان المشركون يميلون إلى أهل فارس، لأنهم أهل أوثان، فلما بشَّر الله تعالى المسلمين بأن الروم سيغلبون في بضع سنين، سُرَّ المسلمون بذلك، ثم إن أبا بكر رضي الله تعالى عنه بادر إلى مشركي قريش، فأخبرهم بما نزل عليهم فيه، فقال أبي بن خلف: خاطرْني على ذلك، فخاطره على خمس قلائص، وقدر له مُدة الثلاث سنين، ثم أتى النبي صلى اله عليه وسلم، فسأله كم البضع، فقال: ما بين الثلاث إلى العشر، فأخبره بما خاطر به أبي بن خلف، فقال: ما حملك على تقريب المدة؟، فقال: الثقة بالله ورسوله ﷺ ، فقال النبي ﷺ : "عُدْ إليهِمْ فَزِدْهُمْ في الخَطْرِ وَازْدَدْ في الأجَلِ"، فزادهم قلوصين، وازداد منهم في الأجل سنتين، فأظفر اللّه تعالى الروم بفارس قبل انقضاء الأجل الثاني، تصديقا لتقدير أبي بكر ﵁،

стр. 51

وكان أُبَيٌّ قد ماتْ من جرح رسول الله ﷺ ، فأخذ أبو بكر الخطر من ورثة أُبي، فقال النبي ﷺ : "تَصدَّق بِهِ"، وكانت المخاطرة بينهما قبل تحريم القِمار. وقيل: الذي خاطر أبا بكر رضى الله عنه إنما هو أبو سفيان، والأول أصح. كذا في "الوافي بالوفيات" للصلاح الصفدي، رحمه الله تعالى. الباب الثاني في بيان العَلَم، والكُنية، وتعريف التاريخ وما يتعلق به وهو يشتمل على أربعة فصول. الفصل الأول فيما يكون مصدَّرا بأب وأم اعلم أن الدال على مُعين مطلقا إما أن يكون مُصدَّرًا بأبٍ أو أمّ، كأبي بكر، وأمّ كلثوم، وأمّ سلمة، وإما أن يشعر برفعة المسمّى، كمُلاعب الأسنة، وعروة الصعاليك، وزيد الخيل، والرشيد، والمأمون، والواثق، والمكتفى، والظاهر، والناصر، وسيف الدولة، وعضد الدولة، وجال الدين، وعز الدين، وإمام الحرمين، وصدر الشريعة، وتاج الشريعة، وفخر الإسلام، وملك النحاة، وإما أن يشعر بضعة المسمّى كجُحى، وشيطان الطاق، وأبي العبر، وجحظة، وقد لا يشعر بواحد منهما، بل أجري عليه ذلك بواقعة جرت، مثل: غسيل الملائكة، وحمى الدَّبر، ومُطين، وصاع جزرة، والمبرَّد، وثابت قُطنة، وذي الرمَّة، والصعق، وصرَّدرَّ، وحيص بيص. فهذه الأقسام الثلاثة تسمّى الألقاب.

стр. 52

وإلا فهو الاسم الخاص، كزيد وعمرو، وهذا هو العلم، وقد يكون مفردًا كما تقدم، وقد يكون مركبًا، إما من فعل وفاعل، كتأبَّط شرًا، وبرق نحرُه، وإما من مُضاف ومضاف إليه، كعبد الله، أو من اسمين قد رُكبا، وجُعلا بمنزلة اسم واحد، كسيبويه، والمفرد قد يكون مُرتجلًا، وهو الذي ما استعمل في غير العلمية، كمِذْحَج، وَأْدُد، وقد يكون منقولًا، إما من مصدرٍ؛ كسعد، وفضل، أو من اسم فاعل؛ كعامر، وصالح، أو من اسم مفعول؛ كمحمد، ومسعود، أو من أفعل تفضيل؛ كاحمد، وأسعد، أو من صفة؛ كثقيف، وهو الذَّرِبُ بالأمور الظافر بالمطلوب، وسَلول، وهو الكثير السل، وقد يكون منقولًا من اسم عين؛ كأسد، وصقر، وقد يكون منقولًا من فعل ماض؛ كأبان، وشمَّر، أو من فعل مضارع؛ كيزيد، ويشكر. وإذ قد عرفت العَلَم، والكنية، واللقب، فسردها يكون على الترتيب: تُقدم اللقب على الكنية، والكنية على العَلَم، ثم النسبة إلى البلد، ثم إلى الأصل، ثم إلى المذهب في الفروع، ثم إلى المذهب في الاعتقاد، ثم إلى العَلَم، أو الصناعة، أو الخلافة، أو السلطنة، أو الوزارة، أو القضاء، أو الإمرة، أو المشيخة، أو الحج، أو الحرفة، كلها مقدم على الجميع. فتقول في الخلافة: أمير المؤمنين الناصر لدين الله أبو العبَّاس أحمد السامري، إن كان بسُرَّ مَنْ رَأى، البغدادي، فرقًا بينه وبين الناصر الأموي صاحب "الأندلس"، الحنفي، الأشعري، إن كان يتمذهب في الفروع بفقه أبي حنيفة، ويميل في الاعتقاد إلى أبي الحسن الأشعري، ثم تقول: القُرشي، الهاشمي، العبَّاسي. وتقول في السلطنة: السلطان الملك الظاهر ركن الدين أبو الفتح بَيْبَرَس الصالحي - نسبة إلى أستاذه الملك الصالح - التُركى الحنفى البندقدار، أو السلاح دار.

стр. 53

وتقول في الوزراء الوزير فلان الدين أبو كذا، وتسرد الجميع كما تقدم، ثم تقول: وزير فلان. وتقول في القضاة كذلك: القاضي فلان الدين، وتسرد الباقي، كما تقدم. وتقول في الأمراء كذلك: الأمير فلان الدين، وتسرد الباقي، إلى أن تجعل الآخر وظيفته التي كان يُعرف بها قبل الإمرة، مثل الجاشَنْكير، أو الساقي، أو غيرهما. وتقول في أشياخ العلم: العلامة، أو الحافظ، أو المسنِد، فيمن عُمِّر وأكثر الرِّواية، أو الإمام، أو الفقيه، وتسرد الباقي إلى أن تختم الجميع بالأصُولي، أو النحوي، أو المنطقي. وتقول في أصحاب الحرف: فلان الدين، وتسرد الجميع إلى أن تقول الحرفة إما البزَّاز، أو العطَّار، أو الخيَّاط. فإن كان النسب إلى أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه قلت: القُرشى، التيمي، البَكري؛ لأن القرشي أعمّ من أن يكون تيميًا، والتيمي أعمّ من أن يكون من ولد أبي بكر ﵁. وإن كان النسب إلى عمر بن الخطَّاب رضي الله تعالى عنه، قلت: القرشي، العدوي، العُمري. وإن كان النسب إلى عثمان رضي الله تعالى عنه، قلت: القرشي، الأموي، العُثماني. وإن كان النسب إلى علي بن أبي طالب رضى الله تعالى عنه، قلت: القُرشي، الهاشمي، العلوي. وإن كان النسب إلى طلحة رضى الله تعالى عنه، قلت: القرشي، التيمي، الطلحي. وإن كان النسب إلى الزبير رضي الله تعالى عنه، قلت: القرشي، الأسدي، الزبيري.

стр. 54

وإن كان النسب إلى سعد بن أبي وقَّاص رضي الله تعالى عنه، قلت: القرشي، الزهري، السعدي. وإن كان النسب إلى سعيد رضي الله تعالى عنه، قلت: القرشي، العدوى، السعيدي، إلا أنه ما نُسب إليه فيما عُلم. وإن كان النسب إلى عبد الرحمن بن عوف رضى الله تعالى عنه قلت: القرشي، الزهري، العوفي، من ولد عبد الرحمن بن عوف. وإن كان النسب إلى أبي عبيدة بن الجرَّاح، قلت: القرشي، من ولد أبي عبيدة، على أنه ما أعقب. هذا الذي. ذكرته هنا هو القاعدة المعروفة، والجادَّة المسلوكة المالوفة، عند أهل العلم. وإن جاء في الكتاب في بعض التَّراجم ما يُخالف ذلك من تقديم وتأخير، فإنما هو سبق من القلم، وذهول من الفكر، وما خالف الأصل يُردُّ إليه، ولا يعترض بحد وضوح الاعتذار عليه. والله أعلم. تنبيه كلما رفعت في أسماء الآباء والنسب وزدت انتفعت بذلك، وحصل لك الفرق، فقد حكى أبو الفرج المعافي بن زكريا النهرُوَاني، قال: حججتُ في سنةٍ، كنت بمنى أيام التشريق، فسمعت مُناديًا يُنادي: يا أبا الفرج، فقلت: لعله يريدني، ثم قلت: في الناس كثير ممن يُكنى أبا الفرج، فلم أجبْه، فنادى: يا أبا الفرج المعافي، فهممت بإجابته، ثم قلت: قد يكون من اسمه المعافي، وكنيته أبو الفرج، فلم أجبه، فنادى يا أبا الفرج المعافي بن زكريا النهرواني، فقلت: لم يبق شك في مناداته إياي؛ إذ ذكر كنيتي، واسمي، واسم أبي، وبلدي، فقلت: ها أنا ذا، فما تريد؟ فقال: لعلك من نهروان الشرق؟ فقلت: نعم.

стр. 55

فقال: نحن نريد نهروان الغرب، فعجبت من اتفاق ذلك. انتهى. وكذلك الحسن بن عبد اللّه العسكري أبو هلال، صاحب كتاب "الأوائل"؛ والحسن بن عبد اللّه العسكري أبو أحمد اللغوي، صاحب كتاب "التصحيف" كلاهما الحسن بن عبد الله العَسكري، الأول كان موجودًا في سنة خمس وتسعين وثلاثمائة، والثاني توفي سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة، فاتفقا في الاسم، واسم الأب، والنسبة، والعَلَم، وتقاربا في الزمان، ولم يُفرق بينهما إلا بالكنية؛ لأن الأول أبو هلال؛ والثاني أبو أحمد، والأول ابن عبد الله بن سهل بن سعيد، والثاني ابن عبد الله بن سعيد بن إسماعيل؛ ولهذا كثير من أهل العلم بالتاريخ لا يفرّقون بينهما، ويظنّون أنهما واحد. ومثل هذا كثير جدًّا، وفي هذا القدر كفاية. واله تعالى أعلم. الفصل الثاني في معرفة أصل الوفاة من حيث اللغة وفي ذكر فائدتها في التواريخ فنقول: أصلها وَفَيَة، بتحريك الواو والفاء والياء، على وزن بقرة، ولما كانت الياء حرف علة سكنوها، فصارتْ وَفَيْة، فلما سُكنت الياء، وانفتح ما قبلها قُلبت ألفا، فقالوا: وَفَاة، ولهذا لما جمعوه رجعوا به إلى أصله، فقالوا: وَفَيات، بفتح الواو والفاء والياء، كما قالوا: شجرة وشجرات. وقالوا في الفعل منه: تُوفِّي زيد، بضم التاء والواو كسر الفاء وفتح الياء، فبنوه على ما لم يُسمَّ فاعله؛ لأن الإنسان لا يتوفى نفسه، فعلى هذا المتوفي بكسر الفاء هو الله، أو أحد الملائكة بأمره تعالى، وزيد المتوفى، بفتح الفاء. وقد حُكي أن بعضهم حضر جنازة، فسأل بعض الفضلاء، وقال: من المتوفِّي؟ بكسر الفاء، فقال: الله تعالى، فأنكر ذلك، إلى أن بين له الغلط،

стр. 56

فقال: قُل المتوفَّى بفتح الفاء، ذكر ذلك الصفدي في مقدمة تاريخه "الوَافي بالوفيات". وذكر فيه أيضًا فوائد للتاريخ، وقال: منها واقعة رئيس الرؤساء مع اليهودي الذي أظهر كتابًا فيه أن رسول الله ﷺ أمر بإسقاط الجزية عن أهل خيبر، وفيه شهادة الصحابة رضي الله تعالى عنهم، منهم على بن أبي طالب رضى الله تعالى عنه، فحمل الكتاب إلى رئيس الرؤساء، ووقع الناس منه في حيرة، فعرضه على الحافظ أبي بكر، خطيب "بغداد"، فتأمَّله، وقال: إن هذا مزوَّر، فقيل له: من أين لك ذلك؟. فقال: فيه شهادة معاوية رضى الله تعالى عنه، وهو أسلم عام الفتح، وفتوح خيبر سنة سبع، وفيه سعد بن معاذ رضي الله تعالى عنه، ومات سعد يوم بني قريظة قبل خيبر بسنتين، ففرَّج ذلك على المسلمين غمًّا. قال الصلاح الصفدي: وروي عن إسماعيل بن عيَّاش، أنه قال: كنت بـ "العراق"، فأتاني أهل الحديث، فقالوا: ههنا رجل يحدث عن خالد بن مَعْدان، فأتيته، فقلت: أيّ سنة كتبت عن خالد بن مَعْدان؟. فقال: سنة ثلاثة عشرة، يعني: ومائة. فقلت: أنت تزعم أنك سمعت منه بعد موته بسبع سنين، لأن خالدًا مات سنة ست ومائة. وروي عن الحكم أبي عبد الله، أنه قال: لما قدم أبو جعفر محمد بن حاتم الكشّي - بالشين والسين معًا - وحدث عن عبد اللّه بن حميد، سألته عن مولده، فذكر أنه ولد سنة ستين ومائتين، فقلت لأصحابنا: هذا سمع من عبد بن حميد بعد موته بثلاث عشرة سنة. وفوائد تاريخ الوفاة لا تنحصر، وهذا القدر كافٍ منها، واللّه أعلم.

стр. 57

الفصل الثالث في تعريف علم التاريخ وما يتعلق به أقول وبالله التوفيق: قد كثرت الأقوال في تعريف التاريخ، وبيان فضيلته، وأحسن ما وقفت عليه من ذلك، ما نقله صاحب كتاب "غرر المحاضرة ودُرر المكاثرة"، وهو الشيخ الإمام المؤرخ تاج الدين علي بن أنجب المعروف بابن الخازن، فإنه قال في كتابه المذكور: قال العُلماء: التاريخ مَعادٌ معنوي؛ لأنه يعيد الأعصار، وقد سلفت، وينشر أهلها، وقد ذهبت آثارهم، وعفت، وبه يستفيد عقول التجارب من كان غرًا، ويلقى آدم، ومن بعده من الأمم، وهلمَّ جرا، فهم لديه أحياء، وقد تضمنتهم بطون القبور، وغُيَّاب، وهم عنده في عداد الحضور، ولولا التاريخ لجُهلت الأنساب، ونسيت الأحساب، ولم يعلم الإنسان أن أصله من تُراب، وكذلك لولاه لماتت الدول بموت زعمائها، وعمّي على الأواخر حالُ قُدمائها. ولمكان العناية به لم يخل منه كتاب من كتب الله المنزلة، فمنها ما أتى بأخباره المجملة، ومنها ما أتى بأخباره المفصلة، وقد ورد في التوراة سفر من أسفارها، يتضمن أحوال الأمم السالفة ومُدد أعمارها. وكانت العرب على جهلها بالقلم وخطه، والكتاب وضبطه، تصرف إلى التواريخ جُلّ دواعيها، وتجعل لها أوفر حظّ من مساعيها، وتستغني بحفظ قلوبها عن حفظ مَكتوبها، وتعتاض برقم صدورها، عن رقم مسطورها، كل ذلك عناية باخبار أوائلها، وأيام فضائلها، فهل للإنسان إلا ما أسّسَه وبناه، وهل البقاء لصورة لحمه ودمه لولا بقاء معناه. انتهى.

стр. 58

قاعدة حسنة في أدب المؤرخ: وأما أدب المؤرخ، فقد ذكر ابن السُبكي في "طبقاته الكبرى" له قاعدة حسنة، فقال: قاعدة في المؤرخين نافعة جدًّا، فإن أهل التاريخ ربما وضعوا من أناس، أو رفعوا أناسًا، إما لتعصّب، أو لجهل، أو لمجرّد اعتماد على نقل من لا يوثق به، أو غير ذلك من الأسباب، والجهل في المؤرخين أكثر منه في أهل الجرح والتعديل، وكذلك التعصّب، قلّ أن رأيت تاريخًا خاليًا من ذلك. وأما تاريخ "شيخنا الذهبي" غفر الله له، فإنه على حسنه وجمعه مشحون بالتعصّب المفرط، لا واخذه الله، فلقد أكثر الوقيعة في أهل الدين، أعني الفقراء، الذين هم صفوة الخلق، واستطال بلسانه على كثير من أئمة الشافعيين والحنفيين، ومال، فأفرط على الأشاعرة، ومدح، فزاد في المجسّمة، هذا وهو الحافظ المِدْرَه، والإمام المبجّل، فما ظنّك بعوام المؤرّخين. ما يشترط في المؤرخ: فالرأي عندنا أن لا يقبل مدح ولا ذم من المؤرخين، إلا بما اشترطه إمام الأئمة، وحبر الأمة، وهو الشيخ الإمام الوالد رحمه الله تعالى، حيث قال، ونقلته من خطّه في مجاميعه: يُشترط في المؤرخ الصدق، وإذا نقل يعتمد اللفظ دون المعنى، وأن لا يكون ذلك الذي نقله أخذه في المذاكرة، وكتبه بعد ذلك، وأن يسمي المنقول عنه؛ فهذه شروط أربعة فيما ينقله. ويُشترط فيه أيضًا لما يُترجمه من عند نفسه، ولما عساه يطول في التراجم من المنقول ويقصر، أن يكون عارفًا بحال صاحب الترجمة، علمًا، ودينًا، وغيرهما من الصفات، وهذا عزيز جدًّا، وأن يكون حسن العبارة، عارفًا بمدلولات الألفاظ، وأن يكون حصن التصوّر، حتى يتصوّر حال ترجمته جميع حال ذلك الشخص، ويعبر عنه بعبارة لا تزيد عليه، ولا تنقص عنه، وأن لا يغلبه الهوى،

стр. 59

فيخيّل إليهِ هواه الإطناب في مدح من يحبّه، والتقصير في غيره، بل يكون مجرّدًا عن الهوى، وهو عزيز جدًّا، وإما أن يكون عنده من العدل ما يقهر به هواه، ويسلك طريق الإنصاف. فهذه أربعة شروط أخرى، ولك أن تجعلها خمسة؛ لأن حسن تصوّره وعلمه قد لا يحصل معهما الاستحضار حين التصنيف، فتجعل حضور التصوّر زائدًا على حسن التصوّر، والعلم. فهذه تسعة شروط في المؤرّخ، وأصعبها الاطلاع على حال الشخص في العلم؛ فإنه يحتاج إلى المشاركة في علمه، والقرب منه حتى يعرف مرتبته. انتهى. ثم ذكر أن كتابته لهذه الشروط بعد أن وقف على كلام ابن معين في الشافعي، وقول أحمد بن حنبل: إنه لا يعرف الشافعي، ولا يعرف ما يقول. قلت: وما أحسن قوله "ولما عساه يطوّل في التَّراجم من المنقول، ويقصِّر"، فإنه أشار به إلى فائدة جليلة، يغفل عنها كثيرون؛ ويحترز منها الموفَّقون، وهي تطويل التَّراجم وتقصيرها؛ فرب محتاط لنفسه لا يذكر إلا ما وجده منقولًا، ثم يأتي إلى من يُبغضه، فينقل جميع ما ذكر من مذامّه، ويحذف كثيرًا مما نقل من ممادحه، ويجئ إلى من يُحبّه، فيعكس الحال فيه، يظنّ المسكين أنه لم يأت بذنبٍ؛ لأنه ليس يجب عليه تطويل ترجمة أحدٍ ولا استيفاء ما ذكر من ممادحه، وما يظنّ المغترّ أن تقصيره لترجمته بهذه النِّية استزراء به، وخيانة لله، ولرسوله ﷺ ، وللمؤمنين، في تأدية ما قيل في حقِّه من مدح وذمّ، فهو كمن يُذكر بين يديه بعض الناس، فيقول: دعونا منه، أو: إنه عجيب، أو: الله يصلحه، فيظنّ أنه لم يعتبهُ بشيء من ذلك، وما يظنّ أن ذلك من أقبح الغيبة.

стр. 60

ولقد وقفت في "تاريخ الذهبي" على ترجمة الشيخ الموفَّق بن قدامة الحنبلي، والشيخ فخر الدين بن عسكر، وقد أطال تلك، وقصَّر هذه، وأتى بما لا يشكّ الثبت أنه لم يحمله على ذلك إلا أن هذا أشعري، وذلك حنبلي، وسيقفون بين يدي ربّ العالمين. وكذلك ما أحسن قول الشيخ الإمام: "وأن لا يغلبه الهوى"؛ فإن الهوى غلَّاب إلا من عصمه الله تعالى. وقوله: "فإما أن يتجرّد عن الهوى، أو يكون عنده من العدل ما يقهر به هواه" عندنا فيه زيادة، فنقول: قد لا يتجرّد من الهوى، ولكنّه لا يظنّه هوى، بل يظنّه لجهله، أو لبدعته حقًا؛ ولذلك لا يتطلّب ما يقهر به هواه؛ لأن المستقرّ في ذهنه أنه محقّ، وهذا كما يفعل كثير من المتخالفين في العقائد بعضهم في بعض، فلا ينبغي أن يقبل قول مُخالف في العقيدة على الإطلاق، إلا أن يكون ثقة، وقد روي شيئًا مضبوطًا عاينه أو حقّقه. وقولنا: "مضبوطًا" احترزنا به عن رواية ما لا ينضبط، من التُّرَّهات التي لا يترتّب عليها عند التأمل والتحقّق شيء. وقولنا "عايَنَه أو حقّقه" ليخرج ما يرويه عن من غلا أو رخّص ترويجا لعقيدته. وما أحسن اشتراطه العلم، ومعرفة مدلولات الألفاظ، فلقد وقع كثيرون بجهلهم في جرح جماعة بالفلسفة، ظنًا منهم أن علم الكلام فلسفة، إلى أمثال ذلك، مما يطول عَدّة، فقد قيل في أحمد بن صالح، الذي نحن في ترجمته: إنه يتفلسف، والذي قال: هذا، لا يعرف الفلسفة. وكذلك قيل في أبي حاتم الرازي، وإنما كان رجلًا مُتكلمًا. وقريب من هذا قول الذهبي في المزني: إنه يعرف مضايق المعقول، ولم يكن الذهبي ولا المزني يدريان شيئًا من المعقول.

стр. 61

والذي أفتي به أنه لا يجوز الاعتماد على كلام شيخنا الذهبي في ذم أشعري، ولا شكر حنبلي، والله المستعان. انتهى كلام ابن السبكي بحروفه. قلت: أكثر هذه الشروط مفقودة في أكثر المؤرخين، وفي غالب التواريخ، خصوصًا تواريخ المتأخرين، وقلما تراها مجتمعة، حتى إن ابن السبكي نفسه يخالفهم في كثير من المواضع، ومن تأمل "طبقاته" حقّ التأمل، ووقف على كلامه في حق بعض المعاصرين له، ظهر له صحة ما ذكرنا، ونحن نسأل الله تعالى أن يوفقنا للعمل بجميعها، وأن يعيننا عليه، ويسامحنا بما طغى به القلم، وحصل فيه الذهول، وكلَّ عنه الفكر، وقصَّر في التعبير عنه اللسان، بمنّه وكرمه. الفصل الرابع في كيفية ضبط حروف المعجم قالوا: الباء الموحّدة، وبعضهم يقول: الباء ثاني الحروف، والتاء المثناة من فوق، لئلا يحصل الشبه بالياء، لأنها مثنَّاة، ولكنها من تحت، وبعضهم قال: ثالثة الحروف، والتاء المثلثة، والجيم، والحاء المهملة، والخاء المعجمة، والدال المهملة، والذال المعجمة، والراء، والزاي، وبعضهم يقول: الراء المهملة، والزاي المعجمة، والسين المهملة، والشين المعجمة، والصاد المهملة، والضاد المعجمة، والطاء المهملة، والظاء المعجمة، والعين المهملة، والغين المعجمة، والفاء، والقاف، والكاف، واللام، والهاء، والواو، والياء المثناة، وبعضهم يقول: آخر الحروف.

стр. 62

هكذا يقولون إذا أرادوا ضبط كلمة؛ فإن أرادوا زيادة قالوا: على وزن كذا، فيذكرون كلمة توازنا، وهي أشهر منها، كما إذا قيَّدوا فَلُوَّا، وهو المهر، قالوا فيه: بفتح الفاء وضم اللام، وتشديد الواو، على وزن عَدوّ، فحينئذ يكون الحال قد اتضح، والإشكال قد زال. الباب الثالث في بيان أسماء الله الحسنى ، وهو يشتمل على ثلاثة فصول. الفصل الأول في عدد أسماء الله الحسنى قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾، وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾، وقال الله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾، فهذه أربع آيات، ذكر الله فيها أسماءه الحسنى. وقال رسول الله ﷺ : إن لله تسعة وتسعين اسما، من أحصاها دخل الجنة. رواه البخاري من حديث أبي هريرة ﵁، وفي رواية من حفظها، وفي رواية مائة إلا واحدة، وفي رواية إن الله وتر يحبّ الوتر. وقال الترمذي حدثنا إبراهيم بن يعقوب، حدثنا صفوان بن صالح، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا شعيب بن أبي حمزة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : إن الله تسعة وتسعين اسما، من أحصاها دخل الجنة، هو: الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم، الملك، القدّوس، السّلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبّار،

стр. 63

المتكبر، الخالق، البارئ، المصوّر، الغفّار، القهّار، الوهّاب، الرزّاق، الفتّاح، العليم، القابض، الباسط، الخافض، الرافع، المعزّ، المذلّ، السميع البصير، الحكم، العدل، اللطيف، الخبير، الحليم، العظيم، الغفور، الشكور، العلي، الكبير، الحفيظ، المقيت، الحسيب، الجليل، الكريم، الرقيب، المجيب، الواسع، الحكيم، الودود، المجيد، الباعث، الشهيد، الحق، الوكيل، القوي، المتين، الولي، الحميد، المصي، المبديء، المعبد، المحيي المميت، الحي، القيوم، الواجد، الماجد، الواحد، الصمد، القادر، المقتدر، المقدّم، المؤخّر، الأول، الآخر، الظاهر، الباطن، الوالي، المتعالي، البر، التوَّاب، المنتقم، العفو، الرؤوف، مالك الملك، ذو الجلال والإكرام، المقسط، الجامع، الغني، المغني، المعطي، المانع، الضارّ، النافع، النور، الهادي، البديع، الباقي، الوارث، الرشيد، الصبور. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، حدثنا به غير واحد عن صفوان بن صالح، ولا نعرفه إلا من حديث صفوان بن صالح، وهو ثقة عند أهل الحديث، وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ، لا نعلم في كثير شيء من الروايات ذكر الأسماء إلا في هذا الحديث. وقد روى آدم بن أبي إياس هذا الحديث بإسناد غير هذا عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ، وذكر فيه الأسماء، وليس له إسناد صحيح، والله أعلم. قال القرطبي: قال علماءنا رحمة الله عليهم: لما قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾، والدعاء بها قبل معرفتها بأعيانها محال، وتحضيض الشرع على إحصائها وأمره بالدعاء بها، وهو لم يبّينها، ولم يعينها، من تكليف ما لا يطاق، ولم يرد به الشرع، فوجب تطلّبها، والوقوف عليها، حتى ندعو بها.

стр. 64

معنى قوله ﵇: من أحصاها: قوله ﵇: "من أحصاها"، اختلف العُلماء فيه، فقيل: عدّها وحفظها، فتارة بالبحث والتفتيش عنها، فيكون ثوابه على هذا الإحصاء الجنة، وتارة يكون إحصاؤها حفظها، بعد أن وجدها محصاة، قد أحصاها غيره، ويشهد لهذا ما تقدم من قوله: من حفظها. قال الإقليشي أبو العباس أحمد: ولعله ﵇ وكل إحصائها في قوله "من أحصاها" وكل العُلماء إلى إحصائها بالبحث والنظر، ثم أشفق على أمته، ويسَّر لهم الأمرَ، فأحصاها لهم، وأخرجَها محصاةً، وقال: من حفظها دخل الجنة. وقيل: إحصاؤها الفهم لها، والعلم بها. وقيل: إحصاؤها أن ينزل كل اسم منها منزلته من غير تفريط. هل أسماء الله محصورة في التسعة والتسعين: قال القرطبي: واختلفوا هل أسماء الله محصورة في التسعة والتسعين أم لا، فذهب قوم، منهم علي بن حزم إلى أن أسماءه محصورة في التسعة والتسعين، وذهب آخرون، وهم الأكثرون إلى أنه يجوز أن يكون له أسماء زائدة، قالوا: ومعنى ما أخبرنا بها النبي ﷺ من التسعة والتسعين إنما هو معنى الشرع لنا في الدعاء بها، كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾، وغيرها من الأسماء لم يشرع الدعاء بها، وهو الصحيح، لقوله ﵇ في حديث الشفاعة: "فأحمده بمحامد لا أقدر عليها، إلا أن يلهمنيها الله "، رواه مسلم. وروى أبو بكر، قال: "علَّمني رسول الله ﷺ هذا الدعاء، قال: قل: اللهم إني أسئلك بمحمد نبيك، وبإبراهيم خليلك، وبموسى

стр. 65

نجيك، وبعيسى روحك، وكلمتك، وبتوراة موسى، وبإنجيل عيسى، وبزبور داود، وبفرقان محمد ﷺ ، وكل وحي أوحيتَه، وقضاء قضيتَه، وأسئلك بكل اسم هو لك، أنزلته في كتابك، أو استأثرت به في علم غيبك، وأسئلك باسمك الطُّهر الطاهر الأحد الصمد الوتر، وبعظمتك وكبريائك، وبنور وجهك أن ترزقني القرآن والعلم، وأن تخلطه بلحمي ودمي وسمعي وبصري، وتستعمل به جسدي بحولك وقوتك، فإنه لا حولَ ولا قوةَ إلا بك". وخرَّج البيهقي وغيره عن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: "قال رسول الله ﷺ : ما أصاب مسلمًا قط حزن ولا همّ، فقال: اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك ناصيتي بيدك ماض فيَّ حكمك، عدل فيَّ قضاؤك، أسئلك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علَّمته أحدا من خلقك، أو استأثرتَ به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، وجلاءَ حزني، وذهابَ همي، إلا أذهب الله همَّه، وأبدله مكان همَّه فرحا، قالوا: يا رسول الله ألا نتعلم هذه الكلمات، قال: بلى، ينبغي لمن سمعهن أن يتعلَّمهن. وفي رواية بعد قوله: وجلاء حزني، قال رسول الله ﷺ : ما قالهن مهموم قط، إلا أذهب الله همَّه وأبدله فرجا، قالوا: يا رسول الله ألا نتعلمهن، قال: فتعلموهن، وعلّموهن، وذكر غير ذلك من الأحاديث. واحتجّوا أيضًا بحديث "إن لله تسعة وتسعين اسما مائة إلا واحدًا، من أحصاها دخل الجنة، وحملوه على قضية واحدة، لا قضيتين، ويكون تمام الفائدة في خبر إن في قوله: من أحصاها، لا في قوله تسعة وتسعين، وهو كقول القائل: إن لزيد ألف درهم أعدّها للصدقة، وقوله: إن لعمرو مائة

стр. 66

ثوب، من زاره خلعها عليه، وهذا لا يدلّ على أن ليس عنده من الدراهم إلا ألف درهم، ولا من الثياب أكثر من مائة ثوب، وإنما دلالته أن الذي أعدّه زيد من الدراهم للصدقة ألف درهم، وأن الذي أرصدَه عمرو من الثياب للخلع مائة ثوب، وأجاب الأوَّلون، فقالوا: هو محمول على قضيتين، إحداهما: أن لله تسعة وتسعين اسما، والثانية: أن من أحصاها دخل الجنة. الفصل الثاني في أقوال العُلماء في تسمية الله أسماءه بالحسنى في تسمية الله أسماءه بالحسنى عدّة أقوال، قيل: لما فيها من العلو والتعظيم والتقديس والتطهير، وقيل: لما وعد فيها من الثواب، وقيل: لأنها حسنة في الأسماع والقلوب، وقيل: لأنها تدل على توحيده وكرمه. قال أبو بكر بن العربي: قوله: ﴿فَادْعُوهُ بِهَا﴾ أي اطلبوا منه بأسماءه، فيطلب بكل اسم ما يليق به، تقول: يا رحيم ارحمني، يا حكيم احكم لي، يا رازق ارزقني، يا هادي اهديني، يا فتّاح افتح لي، يا توّاب تب عليَّ، هكذا، فإن دعوتَ باسم عام قلتَ: يا ملك ارحمْني، يا عزيز احكمْ لي، يا لطيف ارزقْنِي، فإن دعوت بالاسم الأعظم قلت: يا الله، فهو متضمّن لكل اسم، ولا تقول: يا رازق اهدني، إلا أن تريد يا رزّاق ارزقْني الخير، وهكذا رتّب دعاءك، تكن من المخلصين. جاءتْ روايات كثيرة في تعديد أسماء الله الحسنى، وفي بعضها أسماء بدل أسماء، وفي بعضها زيادة، قال القرطبي: وأما الأحاديث التي فيها عدد الأسماء فكلها مضطربة، وأشبهها ما خرَّجه محمد بن إسحاق بن خُزيمة.

стр. 67

الفصل الثالث في أسماء الله المرتبة على حروف المعجم قال القرطبي: لما قال رسول الله ﷺ : إن لله تسعة وتسعين اسما، من أحصاها دخل الجنة، أردت أن يكون لي في هذا الإحصاء نصيب، وذكر عن بعضهم أنه من أراد الإحصاء فليقرأ القرآنَ من أوله إلى آخره، فيستوفي الأسماء كلَّها في أضعاف التلاوة. قال الخطابي: وذكر أبو عبد الله الزبيدي أنه أخرج الأسماء كلها من القرآن، وذكر أنا مائة وثلاثة عشر اسما، وهي هذه مرتبة على حروف المعجم. حرف الألف: الله، اللهم، إله، أحد، أول، آخر، إلٌّ في أحد وجُوه أيل، أعزّ، أعظم، أسرع، أحكم، أجلّ، أقدر، أوسع، أكثر، أكبر، أكرم، أعلم، أقرب، أحسن، أصدق، أعلى، أبقى، أهل التقوى، أهل المغفرة، آمر، أبد، آمين. حرف الباء الموحّدة: باق، باطن، بصير، بديع، باري، بريء، بر، بار، باسط، باعث، بالغ أمره، بادي، بدي، برهان. حرف التاء: توَّاب، تام. حرف الثاء: قال الإقليشي: ولم يرد اسم مفتتح بالثاء، ولم يجيء ثابت في القرآن، ولا في الأثر، وإن كان يوصف الله تعالى به في معرض المدح، فيقال: الله ثابت سلطانه، وثابت علمه، وثابت قِدَمه، إلى غير ذلك مما يستحقّه. حرف الجيم: جليل، جبّار، جامع، جواد، جاعل، جميل، جابر. حرف الحاء: حكيم، حكم، حاكم، حاسب، حسيب، حليم، حنَّان، حافظ، حفيظ، حفي، حي، حق.

стр. 68

حرف الخاء: خبير، خالق، خلَّاق، خافض، خليفة، خير، خفي. حرف الدال: دائم، دهر، ديّان، دافع، داع. حرف الذال: ذو الجلال والإكرام، ذو الفضل، ذو الطول، ذو المعارج، ذو العرش، ذو القوة، ذو الرحمة، ذو رحمة واسعة، ذو مغفرة، ذو عقاب، ذاريء، ذات. وفي (كتاب الترمذي) يا ذا الحَيْل الشديد، بالياء المعجمة باثنتين، وهو الصحيح. ومن رواه بالباء الموحّدة فقد غلط، والحَيْل هو القوة، ومنه لا حولَ ولا قوةَ، ولا حيلَ إلا بالله، ولا احتيالَ. حرف الراء: رحمن، رحيم، رؤوف، رقيب، راشد، رشيد، رازق، رزاق، رافع، رفيع الدرجات، رب، رفيق، رمضان، راتق، راض، رابع ثلاثة. حرف الزاي: زكي، ذكره ابن برجان، زارع أم نحن الزارعون، ذكره ابن العربي. حرف السين: سامع، سميع، سلام، سيّد، سريع الحساب، سريع العقاب، ساخر، ساخط، ستير، ستَّار، ساتر، سادس خمسة. حرف الشين المعجمة: شيء، شهيد، شاكر، شكور، شديد العقاب، شافي، شفيع. حرف الصاد: صمد، صبور، صادق، صانع، صاحب. حرف الضاد: ضار. حرف الطاء: طاهر، طالب، طيب، طبيب. حرف الظاء: ظاهر. حرف العين: عالم، عليم، علام، علي، عزيز، عدل، عفو، عظيم، عاصم، عدو، عامل، عادل.

стр. 69

حرف الغين: غافر، غفور، غفَّار، غالب، غيور، غضبان. حرف الفاء: فتّاح، فاعل، فعال، فارج الهم، فاكل، فاطل، فالق، فليق، فائق، فرد. حرف القاف: قادر، قدير، قوي، قيّوم، قايم، قاهر، قهَّار، قدّوس، قابض، قريب، قديم، قاض، قابل التوب. حرف الكاف: كبير، كريم، كاف، كاشف، كابن، كامل، كنز. قال الإقليشي: وليس في الصفات كامل وصفا لله تعالى في أثر، ولو ورد كان معناه كمعنى تام، فإن ذات الله تعالى وأفعاله تامة كاملة. حرف اللام: لطيف. حرف الميم: موجود، معبود، منشيء، مصوّر، مكوّن، مخرج، موجد، مبدع، مبتدع، محدث، ملك، مالك، مليك، ملك الملوك، مالك الملك، مجيد، ماجد، متكبر، مقتدر، متعال، محصي، محيط، مؤمن، مهيمن، مقسط، مقيت، متين، مبين، منير، مجيب، مستجيب، مناد، مناج، مغيث، منيع، ملي، معطي، مغني، مانع، معز، مذل، مقدّم، مؤخّر، مبدئ، معيد، محيي، مميت، منتقم، محسن، محسان، مفضل، منّان، مولى، مستعان، مدبر، مريد، مكلم، متكلّم، مبرم، منذر، مرسل، منزل، مهلك، معدم، معذب، مبغض، معاذ، مسعر، مبلي، مبتلي، ممتحن، متوف، مغني، مبقي، مكرم، مطهر، موئل، موسع، ماهد، موهن، مقلّب القلوب، مثبتها، مجري السحاب، مصرفها، مستهزيء، ماكر، مضل، متمّ نوره، مقبل، ممرض، منصح، مداوي، مجير، معلم، ميسّر، مسهّل، مسترزق، متكفل. حرف النون: نور، نافع، ناصر، نصير، ناظر، نظيف، نعم المولى، ونعم النصير، ناء.

стр. 70

حرف الواو: واحد، واجد، واسع، وكيل، وال، ودود، وهّاب، وارث، وتر، واف، وفي، ولي. حرف الهاء: هاد. قال الإقليشي: وليس في القرآن ولا في الأثر من أسماء الله تعالى اسم مفتتح بها غيرها، وقد ذكر بعض العُلماء في شرح الأسماء هو والهوي. قلت: قال القرطبي غفر الله له: وفيه اسم رابع هازم الأحزاب. حرف لام ألف: قال الإقليشي: وليس في الأسماء اسم مفتتح بلام ألف. قلت: قال القرطبي غفر الله له: فيه لا إله إلا هو. حرف الياء: وليس في الأسماء مفتتح بياء غير ما ذكره بعض العُلماء في يس، إنه اسم من أسماء الله تعالى، كسائر حروف التهجّي، وهي أربعة عشر حرفا، ألف، حا، را، طا، كاف، لام، ميم، نون، صاد، عين، قاف، سين، ها، يا. قال القاضي ابن عربي: وعندي أنه ليس لله تعالى اسم ولا صفة إلا وقد اطلع عليها رسول الله ﷺ ، قال ابن الحصّار: وهذا عندي حسن، قال: والذي عليه جل العُلماء أن ما وجب لله سبحانه لا يحيط به مخلوق، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي﴾ الآية، وقوله ﷺ : "سبحان الله عدد خلقه" … الحديث.

стр. 71

الباب الرابع في سيرة النبي ﷺ وهو يشتمل على خمسة فصول ولما كان رسول الله ﷺ هو الذي أظهر هذا الدين القويم، وأنار هذا الصراط المستقيم، وكان كل فضل منسوبًا إلى فضله، كل علم مستفادًا من علمه، ولولاه ما كان عالم يذكر، ولا فاضل علمه يُنشر، قال البوصيري: فهو الذي تم معناه وصورته … ثم اصطفاه حبيبا بارئ النسم منزه عن شريك في محاسنه … فجوهر الحسن فيه غير منقسم وكانت سائر الأفاضل، والعلماء الأماثل، والأولياء المخلصين، والصلحاء السابقين، يغترفون من ذلك البحر، ويستنيرون بذلك البدر. وكانوا كما قال البوصيري رحمه الله تعالى: وكلُّهُمْ مِن رَسُولِ اللهِ مُلتمِسٌ … غَرْفًا من البَحْر أو رَشْفًا من الدَّيَمِ تعين أن نبدأ بذكر شئ يسير من سيرته الشريفة، وأوصافه المنيفة، لتكون لهذا الكتاب مشرفة، وعلى غيره من الطبقات التي خلت عنها مُفضلة، ويكون لهم في الذكر إمامًا، كما كان لهم في الدين هاديًا وهُمامًا. ثم نتلوه بذكر فضائل أصحابه البررة، رضى الله عنهم، الذين أختارهم الله لصحبة حبيبه ونبيه ﷺ ، ثم نذكر أسماء فقهاء الصحابة رضي الله، ثم ترجمة حبر الأمة فقيه الملة الصحابي الجليل عبد اللّه مسعود ﵁، ثم أرشد تلاميذه علقمة بن قيس النخعي، ثم أعز تلاميذه إبراهيم النخعي، ثم أشهر تلامذته حماد بن أبي سليمان، الذي تخرج عليه إمامنا

стр. 72

الأعظم أبو حنيفة النعمان رضي الله تعالى عنهم، نذكرهم خصوصًا لتعلق الفقه الحنفي بهم. قال الحافظ الذهبي في "سيره" (٥: ٢٣٦): أفقه أهل "الكوفة" علي وعبد الله بن مسعود، وأفقه أصحابهما علقمة، أفقه أصحابه إبراهيم، وأفقه أصحاب إبراهيم حماد، أفقه أصحاب حماد أبو حنيفة. الفصل الأول في نسبه وأساميه ﷺ ذكر سيرته المباركة الإمام تقي الدين التميمي الداري المصري، وقال ما نصه: هو محمد رسول الله ﷺ ، وحبيبه وصفيه وخيرته من خلقه، وأفضل الأولين والآخرين، أبو القاسم بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، الذي قيل فيه: وكم أبٍ قد عَلا بابنٍ ذُرَى شرَفٍ … كما عَلَا برَسولِ الله عَدْنانُ هذا هو المتفق على صحته، ومن هنا إلى آدم ﵊ مختلف فيه، ومذكور في كتب السيرة المطولة، فمن أراد الوقوف عليه فليراجعها. قال الحافظ عبد القادر القرشي في كتابه "الجواهر": في نسب سيِّدنا رسول الله ﷺ : هو أبو الأرامل، وأبو القاسم، وأبو إبراهيم، رسول الله ﷺ ، محمد، وأحمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان إلى هنا إجماع الأمة، وما وراءه فيه اختلاف واضطراب، والمحققون ينكرونه، قاله النووي.

стр. 73

ومن أشهره عدنان بن أدد بن مقوَّم بن ناحور بالنون والحاء المهملة ابن تيرح بفتح التاء المثناة من فوق والراء ابن يعرب بن يشجُب بضم الجيم ابن نابت بالنون ابن إسماعيل بن إبراهيم خليل الرحمن بن تارَح بالمثناة فوق وفتح الراء، وهو آذر بن ناحور بالحاء المهملة ابن فالح بالفاء واللام وبالمعجمة ابن عيبر بمهملة ثم مثناة تحت ساكنة، ثم موحّدة مفتوحة ابن شالخ بالمعجمتين واللام المفتوحة ابن أرفَخْشَد بالراء والمعجمات وفتح الفاء والشين وإسكان الحاء ابن سام بن نوح بن لاملك بفتح الميم وكسرها ابن متوشلخ بميم مفتوحة، ثم مثناة مشدّدة مضمومة، ثم واو ساكنة، ثم شين معجمة، ثم لام مفتوحتين، ثم خاء معجمة، ويقال: متوشلح ابن حنوخ بحاء مهملة، ويقال: معجمة ثم نون مضمومة، ثم واو، ثم خاء معجمة ابن يرد بمثناة تحت مفتوحة، ثم راء ساكنة ابن مهليل، ويقال: مهلايل بن قينين، ويقال: قينان بالقاف ابن يانش، ويقال: أنش، ويقال: أنوش بالنون والشين المعجمة ابن شيث بن آدم ﵇. وذكر أبو الحسن المسعودي وآخرون بين عدنان وإبراهيم نحو أربعين أبا، وهذا أقرب، فإن المدة بينهما طويلة جدًّا، ولكن في لفظها وضبطها اختلاف كثير، ومنها: أن عدنان من نسل قيدار بن إسماعيل. قال: وأما الحديث المشهور عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: بعد عدنان كذب النسَّابون، فهو ضعيف، والأصح أنه من كلام ابن مسعود، ﵁. كنيته ﷺ : أما كنيته ﷺ بأبي الأرامل، فقد ذكر الإمام أبو عبد الله سلام بن عبد الله الباهلي الإشبيلي في "كتاب الذخائر والأعلاق في آداب النفوس ومكارم الأخلاق" أن كنية النبي ﷺ في التوراة

стр. 74

أبو الأرامل، وأما كنيته ﷺ بأبي القاسم فابنه القاسم، قال أبو نعيم: القاسم ابن رسول الله ﷺ بكر ولده، وبه كان يكنى. وأما كنيته بأبي إبراهيم فقد ذكر الحاكم حديثًا من طريق ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب، وعقيل عن الزهري، عن أنس ﵁ قال: لما ولد إبراهيم ابن النبي ﷺ أتاه جبريل، فقال: السَّلام عليك يا أبا إبراهيم. ذكر أسمائه ﷺ : وأما أسماؤه فقد قال الإمام أبو بكر بن العربي في (شرح الترمذي): قال بعض الصوفية: لله ألف اسم، وللنبي ﷺ ألف اسم، فأما أسماء النبي ﷺ فلم أحصها إلا من جهة الورود الظاهرة بصفة الأسماء البينة، فوعيت منها جملة، الحاضر منها سبعة وستون اسما، ثم ساقها، وستأتي قريبًا. وقال أبو الخطَّاب بن دحية في كتابه "المستوفى في أسماء المصطفى" ﷺ : فإذا فحصنا عن جملتها من الكتب المتقدمة والقرآن العظيم والحديث النبوي وَفَت الثلاثمائة، وكذلك صنَّف الشيخ أبو الحسن علي بن أحمد بن الحسن التجيبي المعروف بالحالي باللام نسبة إلى قرية من قرى "مرسية" (كتاب أسماء النبي) ﷺ ، وذكرها تسعة وتسعين اسما، وذكر أبو الفرج بن الجوزي أن لنبينا ﷺ ثلاثة وعشرين اسما، وذكر أبو عبد الله محمد بن علي بن عسكر لنبي الله ﷺ عشرين اسما. وهذا سياق ما ذكره أبو بكر ابن العربي من أسمائه على ما تقدّم، فقال الرسول ﷺ : المرسل، النبي، الأمي، الشهيد، المصدّق، النور،

стр. 75

المسلم، البشير، المبشّر، النذير، المنذر، المبين، الأمين، العبد، الداعي، السراج المنير، الإمام، الذكر، المذكّر، الهادي، المهاجر، العامل، المبارك، الرحمة، الآمر، الناهي، الطيّب، الكريم، المحلّل، المحرّم، الواضع، الرافع، المخبر، خاتم النبيين، ثاني اثنين، منصور، أذن خير، مصطفى، أمين، مأمون، قاسم، نقيب، المزَّمّل، المدّثّر، العلي، الحكيم، المؤمن، الرؤوف الرحيم، الصاحب، الشفيع، المشفَّع، المتوكّل، محمّد، أحمد، الماحي، الحاشر، المقفّي، العاقب، نبي التوبة، نبي الرحمة، نبي الملحمة، عبد الله. وذكر أبو الفرج بن الجوزي أن لنبينا ﷺ ثلاثة وعشرين اسما، وذكر ما علمت عليه هكذا من الأسماء التي ذكرها ابن العربي، وزاد ابن الجوزي، قال: والشاهد، والضحوك، والقتّال، والفاتح، والقثم. قال ابن الجوزي: هذه كلها أسماؤه، ومعلوم أن بعضها صفات، قلت: وفي "صحيح مسلم" من حديث أبي موسى، قال: سمي لنا رسول الله ﷺ نفسَه بأسماء، منها: ما حفظنا، فقال: أنا محمد، وأنا أحمد، والمقفّى، ونبي التوبة، ونبي الرحمة، ونبي المقتلة، فهذه ستة، تقدم منها خمسة، والسادس مما لم يتقدم، نبي المقتلة، والله أعلم. وذكر الحميدي حديث أبي موسى في "الجمع بين الصحيحين"، وذكر نبي المرحمة بدل نبي الرحمة. وروى الترمذي من حديث حذيفة نحو حديث أبي موسى، وقال: فيه: ونبي الملاحم. قلت: وفي هذه الرِّواية لما ذكر رسول الله ﷺ أسماءه قال: فإذا كان يوم القيامة لواء الحمد معي، ولواء الحمد هي الراية، التي يمسكها صاحب الجيش. قال ابن مسعود وفي كتابه "الخصائص": سأل عبد الله بن سلام رسول الله ﷺ عن لواء الحمد ما صفته، فقال: طوله مسيرة ألف
следующие страницы →