← Тараджим

Тараджим · id 819

البدور المضية في تراجم الحنفية

محمد حفظ الرحمن الكملائي

Полный текст (8 975 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

تفقّه بأبيه، وروى عنه. روى عنه عمر بن منصور البخاري. قاله في "الجواهر". * * * ٣١٢ - الشيخ الفاضل أحمد بن داود أبو حنيفة، الدينوري *. صاحب "كتاب النبات"، أحد العلماء المشهورين في اللغة. ذكره أبو القاسم مسلمة بن القاسم الأندلسي في "الذيل"، الذي ذيّل به على "تاريخه الكبير" في أسماء المحدّثين، وقال: فقيه، حنفي الفقه. وله من المصنفات: "كتاب الفصاحة"، و "كتاب الأنوار" و"كتاب القبلة"، و"كتاب حساب الدور"، و"كتاب الوصايا"، و"كتاب الجبر والمقابلة"، و"كتاب إصلاح المنطق". مات سنة اثنتين وثمانين ومائتين.

стр. 807

كذا في "الجواهر المضيئة". وذكر له ابن شهبة، في "طبقات اللغويين والنحاة"، ترجمة تليق بشأنه، لا بأس بإيرادها كما هي، فقال: أحمد بن داود الإمام أبو حنيفة الدينوري اللغوي، مؤلّف "كتاب النبات"، وغيره. أخذ عن البصريين، والكوفيين، وأكثر عن ابن السكّيت. وكان لغويًا، مُهندسًا، منجّمًا، حاسبًا، راوية، ثقة فيما يرويه، ويحكيه. قال ياقوت في "معجم الأدباء": قال أبو حيان التوحيدي، في كتاب "تفريظ الجاحظ": قال عبد الله بن حَمُّود الزُّبَيْدي، وكان من أصحاب السيرافي، قلت للسيرافي: قد اختلف أصحابنا في بلاغه الجاحظ، وأبي حنيفة الدينوري صاحب "النبات"، ووقع الرضا بحكمك، فما قولك؟ فقال: أن أحقر نفسى عن الحكم لهما وعليهما. فقلت: لا بدّ من قول. فقال: أبو حنيفة أكثر ندارة، وأبو عثمان أكثر حلاوة، ومعاني أبي عثمان لائطة بالنفس، سهلة في السمع، ولفظ أبي حنيفة أعرب، وأغرب، وأدخل في أساليب العرب. قال أبو حيان: والذي أقوله فأعتقده، أني لم أجد في جميع مَنْ تقدّم وتأخّر غير ثلاثة، لو اجتمع الثقلان على تقريظهم، ومدحهم، ونشر فضائلهم، في أخلاقهم وعلمهم، ومصنّفاتهم ورسائلهم، مدى الدنيا إلى أن يأذن الله تعالى بزوالها، لما بلغوا آخر ما يستحقّه كلّ واحد منهم؛ هذا الشيخ الذي أنشأنا له هذه الرسالة، أعني أبا عثمان. والثاني أبو حنيفة أحمد بن داود الدينوري، فإنه من نوادر الرجال، جمع مثل حكمة الفلاسفة، وبيان العرب، له من كلّ فنّ ساق وقدم؛ وهذاكلامه

стр. 808

في "الأنواء" يدلّ على حظّ وافر من علم النجوم، وأسرار الفلك، فأما كتابه في "النبات" فكلامه فيه عروض كلام أبدي بدوي، وعلى طباع أفصح عربي، وقد قيل: إن له كتابًا يبلغ ثلاثة عشر مجلّدًا في القرآن، ما رأيتُه، وإنه ما سبق إلى ذلك النمط، هذا، مع ورعه وزهده، وجلالة قدره. والثالث، أبو زيد أحمد بن سهل البلخي؛ فإنه لم يتقدّم له شبيه في الأعصر الأول، ولا يظنّ أنه يوجد له نظير في مستأنف الدهر؛ ومن تصفّح كلامه في "كتاب أقسام العلوم"، وفي "كتاب اختلاف الأمم"، وفي "كتاب نظم القرآن"، وفي "كتاب اختيار التبيين"، وفي رسائله إلى إخوانه، وجوابه عن ما يسأل عنه ويبده به، علم أنه خزانة بحر الجود، وأنه عالم العلماء، وما روى في الناس من جمع بين الحكمة والشريعة سواه، وإن القول فيه لكثير، فلو تناصرتْ إلينا أخبارهما، لكنّا نفرد لكلّ تقريظًا مقصورًا عليه، وكتابًا منسوبًا إليه، كما فعلنا بأبي عثمان. قال ياقوت: قرأتُ في "كتاب ابن فُوَرَّجَة"، المسمّى "التجني على ابن جني" في الردّ عليه، في كتابه المسمّى "الفتح على أبي الفتح"، في تفسير قول المتنبي: فدع عنك تشبيهي بما وكأنه … فما أحَدٌ فوقى وما أحدٌ مِثلي وقال فيه ما لم يرضه ابن فورجة، ونسبه إلى أنه سأل عنه أبا الطيّب، فأجاب بهذا الجواب. فأورد ابن فورجة هذه الحكاية: زعموا أن أبا العبّاس المبرد، ورد "الدينور"، زائرًا لعيسى بن ماهان، فأول ما دخل عليه، وقضى سلامه، قال له عيسى: أيها الشيخ ما الشاة المِجَثَّمَة، التي نهى النبي ﷺ أكلها؟ فقال: هي الشاة القليلة اللبن، مثل اللَّجْبَة.

стр. 809

فقال: هل من شاهد؟. قال: نعم، قول الراجز: لم يَبْقَ من آلِ السَّلِيط نَسَمَهْ … إلا عُنَيْزٌ لَجْبَةٌ مُجَثَّمَه فإذا بالحاجب يستأذن لأبي حنيفة الدينوري، فلمّا دخل، قال له عيسى بن ماهان: أيّها الشيخ، ما الشاة المِجَثَّمَة، التي نهينا عن أكل لحمها؟. فقال: هي التي جُثِّمَتْ على كبها، وذبحت من خلف قفاها. فقال: كيف تقول هذا، وهذا شيخ أهل "العراق" -يعنى المبرد- قال: هي مثل اللجبة، وهى قليلة اللبن. وأنشد الشاهد. فقال أبو حنيفة: أيمان البيعة تلزم أبا حنيفة إن كان هذا التفسير سمعه هذا الشيخ، أو قرأه، وإن كان هذا الشاهد إلا لساعته هذه. فقال المبرد: صدق الشيخ أبو حنيفة؛ فإني أنِفْتُ أن أرِدَ عليك من "العراق"، وذكري قد شاع، فأول ما تسألني عنه لا أعرفه. فاستحسن منه هذا الإقرارَ، وترك البَهْتَ. قال ابن فورجة: وأنا أحلف بالله العظيم، إن كان أبو الطيّب قطّ سئل عن هذا البيت، فأجاب بهذا الجواب، الذي حكاه ابن جني، وإن كان إلا متزايدًا فيما يدّعيه، عفا الله عنه، فالجهل والإقرار به أحسن. ولأبي حنيفة من الكتب: "كتاب الباه"، و"كتاب ما تلحن فيه العامة"، و"كتاب الشعر والشعراء"، و"كتاب الفصاحة"، و "كتاب الأنواء"، و"كتاب حساب الدور"، و"كتاب النخب في حساب الهند"، و"كتاب الجبر والمقابلة"، و"كتاب البلدان" كبير، و"كتاب النبات" لم يصنّف في معناه مثله، و "كتاب الجمع والتفريق"، و"كتاب الأخبار الطوال"، و"كتاب الوصايا"، و"كتاب نوادر الجبر"، و "كتاب إصلاح المنطق"، و"كتاب القبلة والزوال"، و"كتاب الكسوف".

стр. 810

قال أبو حيّان التوحيدي: له "تفسير القرآن". توفي سنة إحدى وثمانين ومائتين. رحمه الله تعالى. * * * ٣١٣ - الشيخ الفاضل أحمد بن داود المعري، الحلبي، شهاب الدين، أبو العبّاس، المعروف بابن البرهان *. ذكره في "تاج التراجم"، وقال: كان فقيهًا، فاضلًا، له مشاركة في علوم عديدة، ومصنّفات مفيدة، شرح "الجامع الكبير"، وانتفع به الصغير والكبير. وكانتْ وفاته سادس عشر رجب الفرد، سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة. وذكره أيضًا ابن حبيب، فقال: عالم شهابه زاهر، وبرهانه ظاهر، وبحر فضله زاخر، ودُر مصنّفاته فاخر. كان خيرًّا ديّنًا، فاضلًا متفنّنًا، بارعًا في مذهبه، عارفًا بمعجمه ومعربه، مواظبًا على التعليم والتعريف، ماهرًا في القراءات والنحو والتصريف، متصدّيًا للفتوى، سالكًا طريق العُزلة والتقوى.

стр. 811

باشر بـ "حلب" تدريس "الشهابية"، ونيابة الحكم العزيز، ونصب حال جماعة من الطلبة على المدح والتمييز. وكانتْ وفاته بها، وقد جاوز الستّين، -تغمّده الله برحمته-، آمين. * * * ٣١٤ - الشيخ الفاضل أحمد بن رجب القسطنطيني، الرومي *. مؤرّخ. من مؤلّفاته: "مجمع الأخبار في تعريف الأخيار"، و"نزهة الأخبار" في ترجمة حلية الأخيار. * * * ٣١٥ - الشيخ الفاضل أحمد بن روح الله ابن سيّدي ناصر الدين بن غياث الدين ابن سراج الدين الجابري، الأنصاري * *. من ذرية جابر بن عبد الله الأنصاري، رضى الله تعالى عنه الملك الباري.

стр. 812

الإمام العامل، والبارع الكامل. قاضى العسكر المنصور بولاية "أناطولي". اشتغل، ودأب، وحصّل، وأخذ العلم عن جماعة كثيرة، من أجلهم: المولى العلامة محمد شاه، الآتي ذكره في محلّه إن شاء الله تعالى، وكان معيدًا له، وملازمًا منه. وصار مدرّسًا بعدّة مدارس، منها: مدرسة بناها المرحوم محمد باشا، باسم صاحب الترجمة، وهي معروفة فيما بين "قسطنطينية" ومدينة "أردنة"، وهو أوّل من درّس بها، ومنها إحدى الثمان، و"مدرسة أيا صوفية"، ومدرسة المرحومة والدة السلطان مراد خان، أدام الله أيامه، بمدينة "أسكدار"، حميت عن البوار. وألقى بالمدرسة المذكورة درسًا عامًا، حضره غالب أفاضل الديار الرومية وعلمائها، وتكلّم في تفسير سورة الأنعام، على قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ الآية، وكان درسًا حافلًا، لم يعهد في ذلك الزمان بالديار الرومية مثله، لأن المدرّسين في بلادهم لا يفعلون ذلك، وإنما يجلس المدرّس وحده في محلّ خال من الناس، ولا يدخل إليه إلا مَنْ يقرأ الدرس، وشركاؤه فيه، ولا يحضرهم أحد من غير تلامذة المدرّس. وجرى في ذلك الدرس العام، من الأبحاث الرائقة، والفوائد الفائقة، ما حفظتْه الوعاة، وتناقلتْه الرواة. ثم خلع عليه يوم الدرس المذكور ثلاث خلع، بعد أن أرسلت إليه المرحومة والدة السلطان، نصره الله تعالى، ألف دينار لأجل ضيافة مَنْ يحضر الدرس المذكور، ومدّ لهم سماط، احتوى على نفائس الأطعمة، وأخذوا منه رعاية له نحو خمسين ملازمًا، وما وقع ذلك لأحد غيره.

стр. 813

ثم ولي قضاء "الشام"، ثم قضاء مدينة "أدرنة"، ثم قضاء "قسطنطينية"، ثم ولي قضاء العسكر، في أواخر شهر رمضان المعظم قدره، سنة اثنتين وتسعين وتسعمائة. وأخذ يعامل أهل العلم وطلاب المناصب بالرفق، والمداراة، والإحسان، ويُقلّد أعناق الرجال منن الإكرام والإفضال، غير أنهم لم يكونوا راضين عنه الرضاء التامّ. وقلّما يحصل منهم ذلك في حقّ قاضٍ من القضاة؛ فإن رضاءهم غايةٌ لا تدرك. ولصاحب الترجمة مؤلّفات تدلّ على فضله، ونبله، وعلوّ مقامه، منها: "تفسير سورة يوسف"، و"حاشية على تفسير سورة الأنعام" للعلامة البيضاوي، و"حاشية في آداب البحث" على "حاشية ملا مسعود"، و"حواش على أوائل التلويح"، و"حواش على غالب شرح المفتاح للسيّد"، وله رسائل مُتعددة، في فنون كثيرة، نفع الله بها آمين. * * * ٣١٦ - الشيخ الفاضل أحمد بن الزاهد، الحاكم، العلامة عُرف بالحَدَّادِيّ *.

стр. 814

صاحب كتاب "زّلة القاري"، كذا في "الجواهر"، من غير زيادة. * * * ٣١٧ - الشيخ الفاضل أحمد بن زبهراد بن مهران أبو الحسن، السِّيْرَافي المقرئ، الفقيه، المتكلّم *. أحد الفقهاء من أصحاب أبي حنيفة، الذين قدموا "مصر"، وأملى بها. حدّث عن أبي داود سليمان بن الأشعث، والربيع بن سليمان المرادي، والقاضى بكّار. وسمع منه بـ "مصر" أبو حفص عمر بن شاهين، وعبد الغني بن سعيد.

стр. 815

وكانتْ ولادته سنة ثلاث وخمسين ومائتين. ذكره أبو عمرو الداني في "طبقات القرّاء"، وقال: توفي بـ "مصر"، سنة أربع وأربعين وثلاثمائة، وقيل: سنة ستّ، ورمي بالاعتزال. * * * ٣١٨ - الشيخ الفاضل أحمد بن زيد أبو زيد، الشروطي *. ذكره أبو الفتح محمد بن إسحاق النديم، في كتاب "الفهرست"، في جملة أصحابنا. وقال: له من الكتب: "كتاب الوثائق"، و"كتاب الشروط الكبير"، و"كتاب الشروط الصغير". وذكره الصغناقي في "شرحه" في أثناء كتاب البيوع، فقال في بحث: ذكره أبو زيد الشروطي. كذا في "الجواهر". * * * ٣١٩ - الشيخ الفاضل أحمد بن سامة بن كوكب الطائي، أبو العبّاس ،

стр. 816

الصالحي الشروطي، المحدّث *. ذكره الذهبي في "المعجم المختص"، وقال: قرأ، ونسّخ، وحصّل، وكان حنفيًا، متواضعًا. مات في صفر، سنة ثلاث وسبعمائة. رحمه الله تعالى. * * * ٣٢٠ - الشيخ الفاضل أحمد بن سعد بن نصر ابن بكّار بن إسماعيل، أبو بكر الفقيه، البخاري * *. مولده سابع عضر جمادى الآخرة، سنة تسع وسبعين ومائتين. قدم "بغداد"، وحدّث بها عن صالح جَزَرَة الحافظ، وعلي بن موسى الحنفي، وغيرهما. حدّث عنه أبو الحسن بن رِزْقُوْيَه. مات ليلة الأربعاء، لخمسٍ بقين من ذى الحجّة، سنة ستين وثلاثمائة، رحمه الله تعالى. * * *

стр. 817

٣٢١ - الشيخ الفاضل أحمد بن أبي السعود ابن محمد بن مصلح الدين الرومي، العمادي الآتي ذكر أبيه العلامة أبي السعود، مُفتي "الديار الرومية"، في محلّة، إن شاء الله تعالى *. قال المولى قطب الدين، نزيل "مكّة المشرّفة" قي حقّه: كان نادرة زمانه في الذكاء والحفظ، والآداب، لم يسمع في هذا العصر له بنظير في هذا الباب. اجتمعتُ به في سنة خمس وستين، بمدينة "إستانبول"، وهو مدرّس في مدرسة رستم باشا بخمسين عثمانيًا، فأكرمني، وأضافني، وباسطني، فرأيتُ من حفظه، وذكائه، ما أدهشني وحيّرني، مع صغر سنّه، وكبر قدره وشأنه. قال: وأخبرني أن مولده سنة أربع وأربعين وتسعمائة. وأنه اشتغل على والده، وعلى المولى شمس الدين أحمد بن طاش كبري، صاحب "الشقائق النعمانية". وكان يحفظ "مقامات الحريري" على ظهر الغيب، وقرأ لي منها عدّة مقامات، ومع ذلك كان ينظم شعرًا غريبًا، بليغًا، في أعلى درجات الفصاحة، مع كمال الحسن، والملاحة، فلا أدري أيّ وصف يوفيه، وأيّ صنف من الفضل ما هو فيه، وماذا يقال فيه والدهر من رواته، وفنّ الأدب خامل ما لم يواته. قال: وأنشدني من لفظه تخميس قصيدة لأبي الطيّب المتنبي، وأنه هو الذي خمّسها، وقد بقي في حفظي منها هذا البيت:

стр. 818

نشرتُ على الآفاقِ دُرَّ فوائدي … وفي سِلْك شعْرِي قد نَظَمْتُ فَرائدي فمن ذا يُضاهيني وتلك مَقاصدي … وما الدهرُ إلا مِن رُواةِ قصائِدي إذا قلتُ شِعْرًا أصبح الدهرُ مُنشِدَا فانظر إلى هذا السبك العجيب، والسكب الغريب، واللفظ الذي يفوق الدر الرطيب. وكان يدرّس في "التلويح"، و"الهداية"، و"شرح المواقف"، و"شرح المفتاح"، وينقل "صحيح البخاري" بغاية التدقيق، والفهم الدقيق، واللفظ الأنيق، إلى أن ذوى غصن شبابه، وانطوت صحيفة كتابه، وتوفّاه الله إلى رحمته، في حياة والده. انتهى. قلت: وكان له أخ يُسمّى محمدًا، ولي قضاء "الشام"، و"حلب"، وتوفي في حياة أبيه أيضًا، وكان في العلم دون أخيه، وفي الجود ليس في أبناء جنسه من يوازيه، تغمّده الله برحمته. * * * ٣٢٢ - الشيخ الفاضل أحمد بن أبى سعيد أحمد بن أبي الخطاب محمد بن إبراهيم بن علي، القاضي الطبري، البخاري، الكعبي *. الإمام العلامة. مولده سنة ستّ وتسعين وأربعمائة.

стр. 819

وكانت له اليد الطولى في علم الخلاف، والنظر. وتفقّه على والده، وعلى الإمام البرهان. وروى عنه أبو المظفّر السمعاني، وقال: هو أستاذي في علم الخلاف. ذكره الحاكم في "تاريخ نيسابور"، فقال: درّس بـ "نيسابور" فقه الإمام أبي حنيفة نيفًا وستين سنة، وأفتى قريبًا من هذا، وحدّث سنتين. ومات تقريبًا في عشر الستين وخمسمائة. رحمه الله تعالى. وإنما ذكرته هنا، ولم أذكره فيمن اسمه أحمد بن أحمد؛ لغلبة الكنية على اسم أبيه. * * * ٣٢٣ - الشيخ العالم الكبير العلامة أحمد بن أبي سعيد بن عبيد الله بن عبد الرزّاق ابن خاصّة خدا الصالحى الأميتهوي المشهور بملا جيون -بكسر الجيم وسكون التحتية وفتح الواو وسكون النون- لغة هندية، معناه الحياة *.

стр. 820

كان من ذرّية الشيخ عبد الله المكّي. ويرجع نسبه إلى سيّدنا صالح على نبينا وعليه السلام. ولد صبيحة يوم الثلاثاء الخامس من شعبان سنة أربعين وألف، ببلدة "أميتهى"، ونشأ في حجر أبيه، وحفظ القرآن، وله سبع سنوات، ثم اشتغل بالعلم من غير رعاية التقديم والأخير. ولما بلغ ثلاث عشرة سنة توفي والده، وقرأ أكثر الكتب الدراسيّة على الشيخ محمد صادق الستركهي، وبعضها على مولانا لطف الله الكوروي، وفرغ من التحصيل، وله اثنان وعشرون سنة، ثم تصدّر للتدريس ببلدته، ولما بلغ الأربعين رحل إلى "أجمير" ثم إلى "دهلي"، وأقام بها زمانا صالحا، وكان يدرّس، ويفيد. أخذ عنه خلق كثير، وسافر إلى الحرمين الشريفين، وله خمس وخمسون سنة، فحجّ، وزار، وأقام بالحرمين مدّة من الزمان، ثم رجع إلى "الهند"، وقد ناهز الستين، فأقام ببلاد "الدكن" في معسكر السلطان عالمغير بن شاهجهان الدهلوي ستة أعوام. ثم سافر إلى "الحجاز" سنة اثنتي عشرة ومائة وألف، وأدّى مناسك الحجّ مرة من تلقاء والده، ومرّة ثانية من تلقاء والدته، ودرّس "الصحيحين" بتدبّر وإتقان، ومراجعة إلى الشروح، ثم رجع إلى "الهند"، وأتى بلدته سنة ستّ عشرة ومائة وألف، ووصلتْ إليه الخرقة من الشيخ ليس بن عبد الرزّاق القادري صحبة السيّد قادري بن ضياء الله البلغرامي، وأقام ببلدة "أميتهي" بعد ذلك سنتين. ثم سار إلى "دهلي" ومعه جماعة من المحصّلين عليه، فأقام بها زمانا، ولما رجع شاه عالم بن عالمكير من "بلاد الدكن استقبله في "أجمير"، وسافر

стр. 821

معه إلى "لاهور"، وأقام بها زمانا، ولما مات شاه عالم رجع إلى "دهلي" وأقام بها إلى أن توفي، وتقرّب إلى فرخ سير، وانتفع به خلق كثير. وكان غاية في إيصال النفع إلى الناس، يشفع لهم عند السلطان، وكان مع كبر سنّه لم يعتزل عن الناس، ولم يترك الدرس والإفادة حتى درس إلى عشية مات فيها. وله مصنّفات جيّدة حسان ممتعة، أشهرها: "التفسير الأحمدي" في مجلّد كبير، كتاب في تفسير آيات الأحكام، شرع في تصنيفه سنة أربع وستين وألف، وله ستّ عشرة سنة، وكان يقرأ حينئذ "الحسامي" في الأصول وفرغ من تصنيفه حين كان يقرأ "شرح المطالع" سنة تسع وستين وألف وذلك ببلدة "أميتهي"، ثم صحّحه بعد ما فرغ من التحصيل في سنة خمس وسبعين وألف، وله سبع وعشرون سنة. ومن مصنفاته: "نور الأنوار في شرح المنار" في الأصول، صنّفه في "المدينة المنوّرة" في شهرين، شرع في تصينفه غرّة ربيع الأول سنة خمس ومائة وألف، وفرغ منه في سابع جمادى الأولى من السنة المذكورة، وهو شرح نفيس ممزوج حامل المتن، تلقّاه العلماء بالقبول تعليقا وتدريسا، ومنها: "السوانح" على منوال "اللوائح" للجامى، صنّفه في "الحجاز" لما رحل إليه مرّة آخرى سنة اثنتي عشرة ومائة وألف، ومنها: "مناقب الأولياء" في أخبار المشايخ، صنّفه في كبر سنه ببلدة "أميتهي"، وله "تتمة" لولده عبد القادر، ومنها: "آداب أحمدي" في السير والسلوك، صنّفه في صغر سنّه. قال في "مناقب الأولياء": لما بلغتُ ثلاث عشرة سنة توفي والدي، وصنّفت "آداب أحمدي" في السير والسلوك، وأنشأت خطب الجمع والأعياد، وهذّبت مصنّفات جدّي عبيد الله، وصنوه علم الله.

стр. 822

قال: وقرأتُ فاتحة الفراغ لما بلغتُ اثنتين وعشرين سنة، ثم تصدّيت للدرس والإفادة، وأخذت الطريقة الجشتية عن الشيخ الأستاذ محمد صادق السبركهي، ولما بلغتُ الأربعين رحلتُ إلى "دهلي" و"أجمير"، واعتراني العشق في هذا الزمان فأنشأت في تلك الحالة مزدوجة على نهج "المثنوي المعنوي"، يحمل خمسة وعشرين ألفا من الأبيات، وأنشأت ديوان شعر كـ "ديوان الحافظ"، فيه خمسة آلاف بيت، ولما سافرت إلى "الحجاز" أنشأت قصيدة على نهج "البردة"، فيها مائتان وعشرون بيتا بالعربية، ولما وصلت إلى "بندر سورت" شرحت تلك القصيدة، واعتزاني العشق مرّة ثانية. فأنشأت تسعا وعشرين قصيدة بالعربية. انتهى. وكانت وفاته ليلة الثلاثاء لتسع خلون من ذي القعدة سنة ثلاثين ومائة وألف بمدينة "دهلي"، فدفنوه بزاوية المير محمد شفيع الدهلوي، ثم نقلوا جسده إلى بلدة "أميتهي" بعد خمسين يوما، ودفنوه بمدرسته. * * * ٣٢٤ - الشيخ الفاضل أحمد بن سليمان بن كمال باشا. الإمام العالم، العلامة، الرحلة، الفهّامة، أوحد أهل عصره، وجمال أهل مصره، مَنْ لم يخلف بعده مثله، ولم تر العيون مَنْ جع كماله وفضله *.

стр. 823

كان رحمه الله تعالى، إمامًا بارعًا، في التفسير، والفقه، والحديث، والنحو، والتصريف، والمعاني، والبيان، والكلام، والمنطق، والأصول، وغير ذلك، بحيث إنه تفرّد في إتقان كلّ علم من هذه العلوم، وقلّما يوجد فنّ من الفنون إلا وله مصنّف أو مصنّفات. أخذ عن المولى لطفي الرومي، وخطيب زاده، ومعروف زاده، وغيرهم. ودأب، وحصّل، وصرف سائر أوقاته في تحصيل العلم، ومُذاكرته، وإفادته، واستفادته، حتى فاق الأقران، وصار إنسان عين الأعيان. ودرّس في بلاده بعدّة مدارس، ثم صار قاضيًا بمدينة "أدرنة"، ثم قاضيًا بالعسكر المنصور في ولاية "أناطولى"، ثم عُزل، وأعطي تدريس دار الحديث بـ "أدرنة"، وعين له كلّ يوم من العلوفة مائة درهم عثماني، ثم وجّه له تدريس مدرسة السلطان بايزيد خان، بالمدينة المذكورة، ثم صار مُفتيًا بمدينة "إصطنبول"، بعد وفاة المولى علاء الدين الجمالي.

стр. 824

ولم يزل في منصب الفتوى، إلى أن لحق باللطيف الخبير، في سنة أربعين وتسعمائة. رحمه الله تعالى. قال في "الشقائق النعمانية": وكان السبب الحامل له على الاشتغال بالعلم، والباعث له على تحصيله، أنه رأى مرّة عند إبراهيم باشا بن خليل باشا، وزير السلطان المجاهد بايزيد خان، شخصًا رثّ الهيئة، خلق الثياب، جاء وجلس فوق بعض الأمراء الكبار المتقدّمين في الدولة، فاستغرب ذلك، وسأل عن السبب، فقيل له: هذا شخص من أهل العلم، يقال له: المولى لطفي. فقال: أيبلغ العلم بصاحبه هذه المنزلة؟ فقيل له: نعم، وأزيد. فانقطع من ذلك الحين إلى المولى المذكور، وقرأ عليه، ثم قرأ على غيره، إلى أن مَهَرَ، وصار إمامًا في كلّ فنّ، بارعًا في كلّ علم، تشدّ الرحال إليه، وتعقد الخناصر عليه. انتهى ملخَّصًا. ودخل ابن كمال باشا إلى "القاهرة"، صحبة السلطان سليم خان بن بايزيد خان، حين أخذها من الجراكسة، وكان إذ ذاك قاضيًا بالعسكر المنصور، في الولاية المذكورة. وأجاز له بعض علماء الحديث بها، وأفاد واستفاد، وحصّل بها علوّ الإسناد، وشهد له عُلماؤها بالفضائل الجمّة، والإتقان في سائر العلوم المهمّة. قال في الشقائق: أبدع في إنشائه، وأجاد. وكل مؤلّفاته مقبولة، مرغوب فيها، متنافس في تحصيلها، متفاخر بتملك الأكثر منها، وهى لذلك مستحقّة، وبه جديرة. وكان رحمه الله تعالى في كثرة التأليف، وسرعة التصنيف، ووسع الإطلاع، والإحاطة بكثير من العلوم، في "الديار الرومية"، نظيرًا للحافظ جلال الدين السيوطي في "الديار المصرية".

стр. 825

وعندي أن ابن كمال باشا أدقّ نظرًا من السيوطي، وأحسن فهما، وأكثر تصرّفا؛ على أنهما كانا جمال ذلك العصر، وفخر ذلك الدهر، ولم يخلف أحدٌ منهما بعده مثله. رحمه الله تعالى. توفى سنة ٩٤٠ هـ. من مصنّفاته: "الْآدَاب" و"الْآيَات الْعشْر فِي أحوال الْآخِرَة والحشر"، و"أربعين" فِي الحَدِيث، و"أشكال الْفَرَائِض"، و"الإصلاح والإيضاح" للوقاية فِي الْفُرُوع، و "إظهار الإظهار على أشجار الأشعار" فِي الأدب، و"تَارِيخ آل عُثْمَان" تركي إِلَى سنة ٩٣٣ هـ، و"تَجْرِيد التَّجْرِيد" متن وَشرح فِي الْكَلَام، و"التَّجْرِيد" فِي شرح التجويد لَهُ "التجويد" فِي علم الْكَلَام، و"تَحْقِيق معنى الأيس والليس"، و"تَحْقِيق مقَال الْقَائِلين"، و "تَصْحِيح لفظ الزنديق وتوضيح مَعَاني الدَّقِيق"، و"التعريفات"، و"التَّعْرِيف والإعلام"، و "تعليقة على التهافت" لخوجه زَاده، و "تعليقة على الْغرَر والدرر" لملا خسرو، و "تعليقة على أوائل التَّلْوِيح" للتفتازاني فِي الأصول، و "تَعْلِيم الأمر فِي تَحْرِيم الخْمر"، و"تغْيِير التَّنْقِيح على تَنْقِيح الأصول"، و "تَغْيِير المِفْتَاح" للسكّاكي، و "تفْسِير سُورَة الْملك"، و"تَفْسِير الْقُرْآن" إِلَى سُورَة الصافات، و "تَلْخِيص الْبَيَان فِي عَلَامَات مهدي آخر الزَّمَان"، و"التَنْبِيه على غلط الْجَاهِل والنبيه"، و"حَاشِيَة على شرح السَّيِّد" للكشّاف، و"حَاشِيَة على لوامع الأسرار شرح مطالع الأنوار" في الْحِكْمَة، وحَاشِيَة على "شرح المواقف" في الْكَلَام، و"دقائق الْحقَائِق" فِي اللُّغَة، و"رَاحَة الأرواح فِي رفع عاهة الأشباح"، و"ريحَان الأرواح فِي شرح المراح"، و"شرح الْجَامِع الصَّحِيح" للْبُخارِيّ، و"شرح حَدِيث الأربعين"، و"شرح الْعشرْ فِي معشر الْحَشْر"، و"شرح فَرَائض

стр. 826

السِّرَاجِيَّة"، و "شرح القصيدة الخمرية" لِابْنِ الفارض، و "شرح الْقُنُوت"، و "شرح مَشَارِق الأنوار" للصغاني، و "شرح مصابيح السّنة" لِلْبَغوِيِّ، و "شرح الْمقَالة المفردة" لعضد الدين، و "شرح الْهِدَايَة" للمرغيناني فِي الْفُرُوع، و "طَبَقَات الْمُجْتَهدين"، و "فوائد الْفَوَائِد"، و "فريدة التحري"، و "الْفَلاح فِي شرح المراح"، و "قَوَاعِد الحمليات"، و "الْكَلَام على الْبَسْمَلَة والحمدلة"، و "اللِّوَاء الْمَرْفُوع"، و "مُحِيط اللُّغَة" فِي اللُّغَات الفارسية والعربية، و "مدح السَّعْي وذم البطالة"، و "مرْآة الجْنان"، و "مقَال الْقَائِلين"، و "المنيرة فِي المواعظ"، و "مهمات الْمسَائِل" فِي الْفُرُوع، و "النُّجُوم الزاهرة فِي أحوال مصر الْقَاهِرَة"، و "نزاع الْحُكَمَاء والمعتزلة بالأشاعرة"، و "نزهة الخاطر"، و "نكارستان" فِي الأدب والأمثال، و "يُوسُف وزليخا"، منظومة تركية. قال الإمام اللكنوي رحمه الله تعالى "الفوائد البهية": قد طالعت من تصانيفه "الإصلاح والإيضاح"، فوجدته محقّقا، مدقّقا، مولعا في الإيرادات على "الوقاية"، وشرحها لصدر الشريعة، أكثرها غير واردة، و لم يورثْ إيراده عليهما نقصا في اشتهارهما، والاعتماد عليهما، و لم يشتهرْ تصنيفه كاشتهارهما، والحق أن قبول تصنيف في أعين المستفيدين واعتماده في أبصار الفاضلين ليس مداره على مقدار فضل المؤلفين، وإنما هو فضل ربّ العالمين، ومداره على النية، فإنما الأعمال بالنيات، وفي "رد المحتار على الدر المختار" نقلا عن "طبقات التميمي" أحمد بن سليمان الإمام العلامة الرحلة الفهامة، كان بارعا في العلوم، وقلّ ما يوجد فن إلا وله فيه مصنف أو مصنفات. ودخل "القاهرة" صحبة السلطان سليم، لما أخذها من يد الجراكسة، وشهد له أهلها بالفضل والإتقان، وله تفسير القرآن، وحواش على "الكشاف"، وحواش على

стр. 827

أوائل "البيضاوي"، و "شرح الهداية"، ولم يكمل، و "الإصلاح والإيضاح" في الفقه، و "تغيير التنقيح"، و "شرحه"، و "تغيير السراجية"، و "شرحه"، و "تغيير المفتاح"، و "شرحه"، و "حواشي التلويح"، و "شرح المفتاح"، ورسائل كثيرة في فنون عديدة، لعلّها تزيد على ثلثمائة، وتصانيف في الفارسية، و "تأريخ آل عثمان" بالتركية. وكان في كثرة التأليف وسعة الاطلاع في "الديار الرومية" كالجلال السيوطي في "الديار المصرية". وعندي أنه أدقّ نظرا من السيوطي، وأحسن فهما على أنهما كانا جمال ذلك العصر، ولم يزلْ مفتيا في دار السلطنة إلى أن توفي سنة ٩٤٠. انتهى. أقول: هو إن كان مساويا للسيوطي في سعة الاطلاع في الأدب والأصول، لكن لا يساويه في فنون الحديث، فالسيوطي أوسع نظرا وأدقّ فكرا في هذه الفنون منه، بل من جميع معاصريه، وأظنّ أنه لم يوجد مثله بعده. وأما صاحب الترجمة فبضاعته في الحديث مزجاة، كما لا يخفى على من طالع تصانيفهما. فشتّان ما بينهما، كتفاوت السماء والأرض، وما بينهما. * * * ٣٢٥ - الشيخ الفاضل أحمد بن سليمان بن محمد ابن عبد الله الكناني، الحوراني الأصل، الغزّي، المقري. نزيل "مكة المشرّفة " *.

стр. 828

اشتغل بالقراءات، وتميّز فيها، وفهم العربية، واشتغل، وقطن "مكة"، على خير وانجماع، مع تحرّز، وتخيّل. قال السخاوي: وقد لازمني كثيرًا في الرواية والدراية، وكتبت له إجازة، وسمعتُه ينشد من نظمه: سلامٌ على دَارِ الغُرور لأنها … مُكدَّرةٌ لذاتُهَا بالفجائعِ فإن جَمَعَتْ بَيْن المحِبَّين سَاعةً … فعَمَّا قليل أرْدَفتْ بالمَوَانعِ قال: ثم قدم "القاهرة" من البحر، في رمضان، سنة تسع وثمانين وثمانمائة. وأنشدني من لفظه قصيدتين، في الحريق والسيل الواقع بـ "المدينة" وبـ "مكة"، وكتبهما لي بخطّه. وسافر لغزة لزيارة أمه، وأقرأ بها "البخاري"، وأقبل عليه أهلها. انتهى. كذا قاله في "الضوء اللامع". * * * ٣٢٦ - الشيخ الفاضل أحمد بن سليمان بن نصر ابن حاتم بن علي بن الحسن الكاشاني *.

стр. 829

ولي قضاء القضاة، في زمن الخاقان أبي شجاع، أخي شمس الملك. وحدّث بـ "سمرقند"، وأملى، ولم يكن محمود السيرة في ولايته. روى عن أبي المعالي محمد بن نصر بن منصور المديني، الخطيب بـ "سمرقند". وذكره السمعاني. * * * ٣٢٧ - الشيخ الفاضل أحمد بن سليمان بن أبي العزّ وهيب الإمام تقي الدين بن الإمام صدر الدين، أخو قاضى القضاة شمس الدين محمد بن سليمان *. درّس بـ "الشبلية". وكان فاضلًا، صدرًا من الصدور. مات في رجب، سنة خمسٍ وثمانين وستمائة. قال في "الجواهر المضيئة". * * *

стр. 830

٣٢٨ - الشيخ الفاضل أحمد بن سهل أبو حامد، الفقيه، البلخي *. روى عن محمد بن الفضل البلخي، ومحمد بن أسلم قاضى "سمرقند". وروى عنه حفيده عبد الله بن محمد بن أحمد بن سهل، وعبد الله بن محمد بن شاه الفقيه السمرقندي. وذكره أبو سعد الإدريسي في "تاريخ سمرقند"، وقال: كان فاضلًا من أصحاب الرأي. سكن "سمرقند"، وله بها عقب. وروي أن وفاته كانتْ في شهر رمضان، سنة أربعين وثلاثمائة. * * *

стр. 831

٣٢٩ - الشيخ الفاضل أحمد بن الشبذي، أبو الفضل العلَّامة رشيد الدين *. قرأ كتاب "الملخص" في الفتاوى على أبي المحامد محمد بن أحمد بن أبي الخطاب، تصنيفه، وأجاز له جميع مسموعاته، وقرأ عليه "الشمائل" للترمذي، وتخرّج به، وذكره في "مشيخته". * * * ٣٣٠ - الشيخ الفاضل أحمد بن شمس الدين بن عمر الزاولي، الدولت آبادي، الهندي، (شهاب الدين) * *. مفسّر، نحوي، عارف بالبلاغة.

стр. 832

تولي القضاء. من مؤلّفاته: "البحر المواج والسراج الوهّاج" في تفسير القرآن، و "بديع الميزان" في البلاغة، و "إرشاد الطالبين" في النحو. توفي سنة ٨٤٩ هـ. * * * ٣٣١ - الشيخ الفاضل أحمد بن صالح بن منصور الأدهمي الطرابلسي *. أديب، حنفى، نشأ، وتعلّم في "دمياط". وتولى إفتاءها. وانتقل إلى "مصر" فتولى نقابة الأشراف بها إلى أن توفي. له كتب، منها: "تحفة الأدب في الرحلة من دمياط إلى الشام وحلب" بخطّه، في دار الكتب، و "الكواكب السنية" شرح أبيات للمقري، أولها: سبحان من قسم الحظوظ، فلا عتاب ولا ملامه. قال المرادي: أودعه فوائد كثيرة، ومختارات من أكثر من ٢٠ كتابا. ولد سنة ١١١٩ هـ، وتوفي ١١٥٩ هـ. * * *

стр. 833

٣٣٢ - الشيخ الفاضل أحمد بن الصلت بن المغلس أبو العبّاس، الحماني *. وقيل: أحمد بن محمد بن الصلت، ويقال: أحمد بن عطية. وهو ابن أخي جبارة ابن المغلس الفقيه. تفقّه على بشر بن الوليد الكندي. وروى عنه، وعن ثابت بن محمد الزاهد، وأبي نعيم الفضل بن دكين، ومسلم بن إبراهيم، ومحمد بن عبد الله بن نمير، وجبارة ابن المغلس، وأبي بكر ابن أبي شيبة، وأبي عبيد القاسم بن سلام. ذكره الخطيب، في "تاريخه"، وروى بسنده عنه أنه قال: حدّثنا محمد بن المثنى، صاحب بشر بن الحارث، قال: سمعت ابن عُيينة، قال: العلماء؛ ابن عبّاس في زمانه، والشعبي في زمانه، وأبو حنيفة في زمانه، والثوري في زمانه. ثم إن الخطيب أخذ في ردّ هذا القول بالحجج الواهية، والطعن فيه بما يسهل الجواب عنه، ولا يخفى التعصّب فيه.

стр. 834

وقد صنّف الحماني "كتابًا في مناقب الإمام أبي حنيفة"، وأطنب فيه، وذكر ما ورد في حقَّه من الأخبار والآثار، وشهادة العلماء له بالتقدّم في العلم، والعبادة، والورع، وغير ذلك. وكان هذا -والله أعلم- هو السبب الذي أوغر صدر الخطيب عليه، وحمله على القدح الزائد، والله يعلم المفسد من المصلح. وكانتْ وفاته في شوّال، سنة ثمان وثلاثمائة. رحمه الله تعالى. ومن تصانيفه: "كتاب في مناقب الإمام الأعظم"، أطنب فيه إلى الغاية. وقد ضعّف الخطيب، ونسبه إلى وضع الأحاديث، وبالغ في الحطّ عليه، كما جرتْ عادته بذلك مع أئمة الحنفية، وتبع الخطيب في ذلك غيره. والله أعلم. * * * ٣٣٣ - الشيخ الفاضل أحمد بن طاهر بن حيدرة ابن إبراهيم بن العبّاس بن الحسين *. قال في "الجواهر": ولد بـ "مصر"، سنة إحدى وخمسمائة. وكان عالمًا، تفقّه على مذهب أبي حنيفة، وله يد في علم الهيئة، والتواريخ، وأخبار الناس.

стр. 835

توفي بـ "دمشق". وذكره ابن عساكر في "تاريخ دمشق"، وأوصل نسبه إلى الحسين بن علي، رضى الله تعالى عنهما؛ فقال بعد الحسين هذا: ابن العبّاس بن الحسن بن الحسين، وهو أبو الحسن بن علي بن محمد بن علي بن إسماعيل بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن على بن أبي طالب بن عبد المطلب، أبو العبّاس الحُسيني النقيب. ولد بـ "مصر". وقدم "دمشق" وهو شاب، فأقام بها مدّة، ورجع إلى "مصر". ثم قدم "دمشق"، فاستوطنها؛ وولي نقابة الطالبيّين. وكان عالمًا بالحساب، وعلم الهيئة، والتواريخ، وأخبار الناس، وكان يذهب مذهب أبي حنيفة. انتهى، ولم يؤرّخ وفاته. ورأيت بهامش النسخة التي نقلتُ منها، بخطّ بعضهم ما صورته: قلت: توفي أوائل أيام المستضيء، أو في آخر أيام المستنجد بالله. رحمه الله تعالى. * * * ٣٣٤ - الشيخ الفاضل أحمد بن الطيّب بن جعفر ابن كماري الواسطي والد محمد، وجدّ إسماعيل *.

стр. 836

وكمارى، بفتح الكاف والميم، وبعد الألف راء، كذا ضبطه السمعاني. * * * ٣٣٥ - الشيخ الفاضل أحمد بن العبّاس بن الحسين بن جبلة بن غالب ابن نوفل بن عياض بن يحيى بن قيس بن سعد ابن عبادة الأنصاري الخزرجي الفقيه، السمرقندي، العياضي *. تفقّه على الإمام أبي بكر بن إسحاق الجوزجاني، تلميذ أبي سليمان موسى بن سليمان الجوزجاني. وتفقّه عليه جماعة، منهم: ولده. وقال الإدريسي في "تاريخ سمرقند": كان من أهل العلم والجهاد، وكان له ولدان إمامان في الفقه من أصحاب أبي حنيفة، شديدان في المذهب. قال: ولا أعلم له رواية، ولا حديثًا، فأذكره. أسر الكفرة، فقتلوه صبرًا في "ديار الترك"، في أيام نصر بن أحمد بن أسد بن سامان الكبير. ولم يكن أحدٌ يضاهيه، ويقابله في البلاد؛ لعلمه وورعه، وكتابته، وجلادته، وشهامته، إلى أن استشهد، نوّر الله ضريحه.

стр. 837

ومن كلامه: ترك النصيحة يورث الفضيحة. وحكي أنه لما استشهد خلف أربعين رجلًا من أصحابه، كانوا من أقران أبي منصور الماتريدي. رحمهم الله تعالى. قلت: يأتي ذكر ابنه نصر، وابنه محمد، وهناك يساق نسبه إلى سعد بن عبادة، إن شاء الله تعالى، ويذكر وجه نسبته. * * * ٣٣٦ - الشيخ الفاضل أحمد بن العبّاس الإستراباذي صاحب المسجد المنسوب إليه بـ "إستراباذ " *. ذكره السهمي، في "تاريخ جرجان"، وقال: كان فقيهًا، ثقة، من أهل الرأي، وله آثار بـ "إستراباذ". روى عن أحمد بن عبد الله بن يونس الكوفي. روى عنه الحسين بن بندار، وجعفر بن محمد بن شهريل. * * * ٣٣٧ - الشيخ الأجلّ أحمد بن عبد الأحد بن زين العابدين رضى الله عنه. الإمام العارف، بحر الحقائق والأسرار والمعارف ،

стр. 838

محي السنن النبوية، ناصر الشريعة البيضاء السنية، مشيّد مباني الطريقة، مجدد معالم الحقيقة، برهان العارفين والمحقّقين، وحجّة الأولياء المتقين، مفتخر الأعصر والدهور، ومعتمد الفارغين إليه في جلّ الأمور، آية من آيات الله العظام، ونادرة من نوارد الأيام، الذي أخذ بيد العلم لما زلّتْ به القدم، وكاد أن يهوي في مهاوي العدم، حتى جاء مجدّدا للألف الثاني، وبرهانا ساطعا على أشرفية النوع الإنساني *. دنيا بها انقرض الكرام فأذنبتْ … وكأنما بوجوده استغفارها. شيخ الإسلام والمسلمين. ولد بـ "سرهند" في شوّال سنة إحدى وسبعين وتسعمائة. وأخذ أكثر العلوم والطريقة الجشتية عن أبيه، واستفاد بعض العلوم العقلية عن الشيخ كمال الدين الكشميري، وأسند الحديث عن الشيخ يعقوب بن الحسن الصرفي الكشميري، الذي أخذ عن الشيخ شهاب ابن حجر الهيتمي المكّي، ثم تناول الحديث المسلسل بالأولية عن القاضي بهلول البدخشي، عن الشيخ عبد الرحمن فهد عن أبيه الشيخ عبد القادر، وعمّه الشيخ جار الله، عن أبيهما الحافظ عزّ الدين عبد العزيز، عن جدّه الحافظ الرحلة تقى الدين محمد بن فهد العلوي الهاشمي، والحافظ الحجّة شهاب

стр. 839

الدين أحمد بن حجر العسقلاني، وللشيخ أحمد أجازة برواية الكتب الحديثية، وغيرها عن القاضي المذكور. ولما فرغ من تحصيل ما تيسَّر له من العلوم الظاهرة، وكان إذ ذاك ابن سبع عشرة سنة اشتغل بالتدريس والتصنيف، ومما صنّفه في تلك الأيام رسالة في إثبات النبوة، وأخرى في الردّ على الشيعة الإمامية، وغير ذلك مما أثنى عليه العلماء، وألبسه أبوه خرقة الخلافة. فلما توفي أبوه عام سبعة وألف ارتحل إلى "دهلي" يريد الحجّ، فقاده قائد توفيق من الله إلى الشيخ الأجلّ رضى الدين عبد الباقي النقشبندى ﵁، فأخذ عنه الطريقة النقشبندية، واشتغل بها، وتدرّج في أيام معدودات إلى أوج القطبية والفردية، ثم إلى ما شاء الله تعالى، حتى بشرّه الشيخ بحصول رتبة التكميل والترقّي إلى مدارج القرب والنهاية، وثم أجاز له بإرشاد الطالبين، وألبسه خرقة الخلافة، ولم يزل يكرمه، ويجلّه، ويفتخر به، ويثني عليه بما لا يبلغ وصفه. فرجع إلى "سرهند"، وجلس على مسند الإرشاد، وأخذ في الدرس والإفادة، وكان يدرّس في علوم شتى من الفقه والأصول والكلام والتفسير والحديث والتصوّف. وربما يشتغل بـ "الهداية"، و"البزدوي"، و "شرح المواقف"، و "البيضاوي"، و "المشكاة"، و "البخاري"، و "العوارف". وله"مكتوبات" في ثلاثة مجلّدات، وهى الحجج القواطع على تبحّره في العلوم الشرعية، وفيها ما لا يتبادر إلى الأذهان لمن ليس لهم درك في مقامات العرفان، فشدّوا النطاق في خصامه، وسعوا إلى جهانكير بن أكبر سلطان "الهند"، فأمر بإحضار الشيخ، ورضى بجوابه، فعرضوا عليه أن الشيخ ما سجد

стр. 840

للسلطان تكبّرا مع أنه ظلّ الله وخليفته، بل لم يتواضع تواضعا جاريا، فغضب عليه السلطان، وحبسه في قلعة "كواليار"، وكان شاهجهان ولد جهانكير مخلصا للشيخ، فأرسل إليه أفضل خان، والمفتي عبد الرحمن من رجاله، مع بعض كتب الفقه قبل أن يحضر عند السلطان، وقال إن سجدة التحيّة تجوز للسلاطين، فإن تسجد للسلطان عند اللقاء فأنا ضامن من أن لا يصل إليكم ضرر منه، فلم يقبل الشيخ، وقال: هذه رخصة، والعزيمة أن لا يسجد لغير الله سبحانه، فلبث في السجن ثلاث سنين، وحفظ القرآن في تلك الحالة، ثم أخرجه السلطان من السجن بشرط أن يقيم في عسكره، ويدور معه، فأقام الشيخ في معسكره ثماني سنوات، وبعد وفاة السلطان رخّصه ولده شاهجهان المذكور، فعاد إلى "سرهند"، وصرف عمره بالدرس والإفادة. ومن مصنّفاته: "الرسالة التهليلية"، و "رسالة في إثبات النبوة"، و "رسالة في المبدأ والمعاد"، وله "رسالة في المكاشفات الغيبية"، و "رسالة في آداب المريدين"، و "رسالة في المعارف اللدنية"، و "رسالة في الردّ على الشيعة"، وتعليقات على "عوارف المعارف" للسهروردي، و "مكتوبات" في ثلاث مجلّدات. المجلد الأول يشتمل على ثلاثمائة وثلاثة عشر مكتوبا. والثاني على تسعة وتسعين مكتوبا. والثالث على مائة وأربعة عشر مكتوبا. وله غير ذلك من المصنّفات والرشيقة الممتعة، وفي كلّ ذلك كشف القناع عن وجوه الحقائق والمعارف مما لم يتيسّر لأحد قبله. قال الشيخ محسن بن يحيى البكري التيمي في "اليانع الجني": ولقد بلغه الله سبحانه من الولاية منزلة لا يرام فوقها، وهدى به بعهده ثم بأصحابه من بعده خلقا لا يحصيهم إلا مَنْ أحصى رمل عالج عددا، فلا ترى ناحية من

стр. 841

نواحى المسلمين في بلاد "الهند" و "خراسان" و "ما وراء النهر" من بلاد الترك والتتر إلى أقصى ثغر بالمشرق ثم أرض "العراق" و "الجزيرة" و "بلاد الحجاز" و "الشام" و "قسطنطنية" وما والاها إلا وقد نمي فيها طريقته، وجرى على ألسنة أهلها ذكره، إليه ينتمون، وبه يتبرّكون، بل دخلتْ طريقته إلى أقصى المغرب مثل "فاس" وغيرها، يعرف ذلك بمراجعة "المنح البادية" لمحمد بن عبد الرحمن الفاسى، وغير ذلك، وفي هذا حجّة واضحة على جليل شأنه عند الله ورفيع مكانه في أولياء الله، حيث أشاع طريقته في مشارق أرضه ومغاربها، وعمّ هذه الأمة برغائب فيوضه وغرائبها، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم. ومن مصنّفاته المشهورة: الأسفار الثلاثة من مكاتيبه، بحر من العلم والحقائق، وكنز من الرموز والدقائق، ورسائل مفردة، كـ "المبدأ والمعاد"، و "المعارف اللدنية"، و "المكاشفات الغيبية"، وغير ذلك. وله رضى الله عنه في بيان العقائد على مذهب الماتريدية، ولتهذيب طريقة الصوفية النقشبندية لسان أيّ لسان! ومن أياديه على رقاب كثير من الناس: أنه أوضح الفرق بين وحدة الوجود وبين وحدة الشهود، وبيّن أن وحدة الوجود شئ يعتري السالك في أثناء السلوك، فمن ترقّى مقاما أعلى من ذلك يتجلّى له حقيقة وحدة الشهود، فسدّ بذلك طريق الإلحاد على كثير ممن كان يتستّر بزيّ الصوفية، ويتأوّل كلامهم على أهوائه الزائغة. ومنها: أنه باحث الملاحدة الذين كانوا في زمانه، وجادلهم جدالا حسنا بقلمه ولسانه، وكذلك ردّ على الروافض، ونقض بدعاتهم، وردّ على الضعفاء مكايدهم، فحمى بذلك حمى الدين، وحرس بيضة المسلمين.

стр. 842

ومنها: أنه حقّق الفرق بين البدعة والسنّة وأقيسة المجتهدين، واستحسانات المتأخّرين، والتعارف عن القرون المشهود لها بالخير. وما أحدثه الناس في القرون المتأخّرة، وتعارفوه فيما بينهم، فردّ بذلك مسائل استحسنها المتأخّرون من فقهاء مذهبه. ومنها: أنه كان يأمر بما يراه معروفا، وينهى عن ضدّه، ولا يخشى في الله لومة لائم، ولا يخاف من ذي سطوة في سلطانه، فكان ينكر على الأمراء، ويرشدهم إلى مراشد دينهم، وينفّرهم من صحبة الروافض، ومن شاكلهم من أعداء الدين، ويبذل لهم نصحه، فنفع الله كثيرا منهم بذلك، وصلحتْ بصلاحهم الرعية، فسدّ الله ثلمة ظاهر الدين، كما رقع به خرق باطنه، فهذّب به وبأصحابه في البلدان النائية فئام ممن وفّق لسبيل القوم، وذلك لأنه كان فقيها، ماتريديا، زكيّ النفس، حريصا على اتباع السنن، مجتهدا فيه، شديد النصح لأبناء زمانه، فجاءت لذلك -والله أعلم- طريقته وعلومه وشمائله محمودة عند المحقَّقين وأهل الإنصاف، ورغب فيها الناس، وقلّ ما تعقّب به وردّ من قوله، والمسائل التي سدّد بها النكير عليه بعض أهل العلم، والحقّ أنه مصيب في بعضها، وله تأويل سائغ في البعض الآخر، وقد شاركه فيها غيره من هذه الطائفة ممن لا يحصى كثرة، فليس إذا يخصّه الإنكار، ولو أخذناهم بأمثال ذلك لم ينج أكثر المتأخّرين منهم، ولا يتعين القول بالخطاء فيها إلا في مسألة أو مسألتين من باب السنن، قد اعتذروا عنه في أحدهما والعذر فيهما واحد، وقد شهد له بما ذكرت من فضائله أو بما يقرب منه، وأجاب عن شبهات المتقشفة، وذبّ عنه الشيخ ولي الله بن عبد الرحيم العمرى الدهلوي، وأنعم الثناء عليه، فلم يتركْ فيه مجالا لعائب ولا مقالا لرائب، وكفاك به إماما يشهد لإمام، والقول ما قالتْ به حذام. انتهى.

стр. 843

وأما مخالفوه فمنهم الشيخ محمد صالح الأورنغ آبادي ومحمد عارف، وعبد الله السورتي من أصحاب الشيخ محمد صالح، فإنهم صوّروا سؤالا، وذكروا فيه أقوالا، وزعموا أنهم استخرجوها من مكتوبات الشيخ أحمد، ثم عرّبوها بقدر معرفتهم ومقتضى مرادهم، وأرسلوها إلى السيّد محمد البرزنجي، أحد مجاوري "المدينة المنوّرة"، ثم بعد وصول ذلك السؤال إليه علّق رسالة بتكفير الشيخ أحمد بسبب الأقوال المكتوبة في السؤال بملائمة خاطر المرسل إليه، وتصدّى لإثبات كفره بها، وسأل قاضي "المدينة المنوّرة" ومفتيها وعلمائها أن يكتبوا على تلك الفتوى على وفق مراده، فامتنعوا عن ذلك، وردوا عليه كلاما، وأجوبة تليق بالعلماء العاملين لعلمهم، ثم بعد ذلك أبي إلى "مكّة المشرّفة"، فسأل الكتابة على السؤال المذكورة من قاضيها ومفتيها وعلماءها أيضا، فما وافقه على ذلك أحد، فأجابوه بقولهم: هذا الأمر الذي ارتكبتْه عظيم، فلا يوافقك في تكفير مسلم إلا كلّ هالك، وما وافقه بالكتابة من العلماء على ذلك إلا آحاد من الناس ممن لا معرفة له بالطريقة، وبعضهم وافقه لملائمة هواه، وبعضهم لا علم له رأسا ولا حقيقة، فحصل ما حصل من القيل والقال، فاحتاج الناس إلى تتبّع مكتوبات الشيخ المذكور، وتعريب ألفاظه من الفارسية إلى العربية، على وجه يتّضح الحق على الناس، ولذلك صرف الشيخ الأجلّ العالم الفاضل نور الدين محمد بيك همتَه العليةَ، وطلب جميع مكتوبات الشيخ، وقابل الأقوال، التي في ورقة السؤال، مع مكتوبات المرحوم، فوجد بعضها غير موافق معها بسبب التحريف وترك بعض الألفاظ وزيادة أخرى، فكتب رسالة، وبيّن فيها اصطلاحات السادة النقشبندية، ومقاصد الشيخ أحمد، فعرّب ألفاظه إلى العربية، وأحسن، واهتمّ، وأتقن، وارتفع من أهل الحق سوء الظنّ، وندم كثير ممن كتب على السؤال المذكور،

стр. 844

وصحّحه الشيخ عبد الله الآفندي، والشيخ أحمد الهشيشى، والسيّد الأسعد المفتي المدني الحنفى، والإمام على الطبري المفتي الشافعي، وعبد الرحمن بن محمد الصالح الإمام المالكي، ومحمد بن القاضي الحنفي، والشيخ الحسن الحنفي، ومرشد الدين ابن أحمد المرشدي، والسيّد محمد الآفندي، والشيخ عبد الله الآفندي عناقي زاده. ثم تصدّى لشرح كلماته الطيّبات الشيخ عبد الغني النابلسي الحنفي الدمشقي في رسالة "نتيجة العلوم ونصيحة علماء المرسوم"، ألّفها سنة اثنتي عشرة ومائة وألف، ثم تصدّى للردّ على البرزنجي الشيخ فرخ شاه بن محمد سعيد السرهندي في رسالة، سمّاها "كشف الغطاء عن وجوه الخطاء". وممن خالفه الشيخ عبد الحق بن سيف الدين البخاري الدهلوي، فإنه ألّف رسالة في تعقّبه، وأورد إيرادات شتى على مقالاته، فردّ عليه الشيخ عبد العزيز بن ولي الله العمري الدهلوي، والشيخ غلام علي العلوي الدهلوي، وخلق كثير من العلماء والمشايخ. وقيل: إن الشيخ نور الحق بن عبد الحق الدهلوي أيضا خالف أباه في ذلك، بل استفاد الطريقة عن الشيخ محمد معصوم، والشيخ محمد سعيد ابني الشيخ أحمد، والمشهور أن الشيخ عبد الحق رجع في أخر عمره عن الإنكار عليه، وكتب في رسالة له إلى الشيخ حسام الدين بن نظام الدين البدخشي الدهلوى أن محبة الفقير في هذه الأيام للشيخ أحمد سلّمه الله تعالى متجاوزة عن الحدّ، ولم تبق فيما بيننا الحجب البشرية والغشاوة الجبلية أصلا، ومع قطع النظر عن رعاية أخوة الطريقة والإنصاف، وحكم العقل كيف ينبغي الإنكار والخصومة مع أمثال هؤلاء الأعزّة والأكابر! ولقد وقع في باطني شيء أحسّه بطريق الذوق والوجدان، يعجز عن تقريره اللسان، سبحان الله مقلّب

стр. 845

القلوب، ومبدل الأحوال، ولعلّ أهل الظاهر يستبعدون ذلك. وإني لا أدري كيف هذا الحال، وعلى أيّ منوال. انتهى. وفي "كشف الغطاء": وقد رأيتُ بخطّ مسند العلماء أفضل الفضلاء مولانا عبد الحكيم السيالكوتي في ردّ بعض شبهات المخالفين على كلامه، -قدّس سرّه- هذه العبارة "القدح في كلام الشيوخ على غير مرادهم جهل وعاقبته وخيمة، فردّ كلام الشيخ الأجلّ العارف الكبير الشيخ أحمد إنما هو من السفاهة وقلّة الفهم، كتبه الفقير عبد الحكيم" وإن أردت تصديق ذلك فذلك الخطّ عند إمام العصر الشيخ محمد النقشبندي، نجل قدوة الأولياء الشيخ محمد معصوم -قدّس الله سرّه- فعليك به. انتهى. وقال الشيخ عبد العزيز بن ولي الله العمري الدهلوي في رسالة له إلى الحافظ صدر الدين الحيدر آبادي "ولما رسخت هذه المعرفة" "التوحيد الوجودي" وتدرّج أصحاب العقول الزائغة في طريق الإلحاد، واتخذوا هذه المعرفة الغامضة وسيلة لإبطال الشرائع والتكليفات، وشاع مذهب الشيخ محبّ الله الإله آبادي الذي ظاهره الإلحاد، وراج رواجا عظيما، قيّض الله للإصلاح الشيخ الكبير أحمد السرهندي، وألهمه علوما غريبة ليعتدل الحار بالبارد، والرطب باليابس، حتى تتّزن الأفكار، ويزهق الباطل الممزوج بالحقّ، وذلك معنى التجديد، هذا ما قيل فيه. ومن ألفاظه القدسيّة ما قاله في "معارف الصوفية": اعلم أن معارفهم وعلومهم في نهاية سيرهم وسلوكهم إنما هي علوم الشريعة، لا أنها علوم أخر غير علوم الشريعة، نعم تظهر في أثناء الطريق علوم ومعارف كثيرة، ولكن لا بدّ من العبور عنها، ففى نهاية النهاية علومهم علوم
следующие страницы →