نواحى المسلمين في بلاد "الهند" و "خراسان" و "ما وراء النهر" من بلاد الترك والتتر إلى أقصى ثغر بالمشرق ثم أرض "العراق" و "الجزيرة" و "بلاد الحجاز" و "الشام" و "قسطنطنية" وما والاها إلا وقد نمي فيها طريقته، وجرى على ألسنة أهلها ذكره، إليه ينتمون، وبه يتبرّكون، بل دخلتْ طريقته إلى أقصى المغرب مثل "فاس" وغيرها، يعرف ذلك بمراجعة "المنح البادية" لمحمد بن عبد الرحمن الفاسى، وغير ذلك، وفي هذا حجّة واضحة على جليل شأنه عند الله ورفيع مكانه في أولياء الله، حيث أشاع طريقته في مشارق أرضه ومغاربها، وعمّ هذه الأمة برغائب فيوضه وغرائبها، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.
ومن مصنّفاته المشهورة: الأسفار الثلاثة من مكاتيبه، بحر من العلم والحقائق، وكنز من الرموز والدقائق، ورسائل مفردة، كـ "المبدأ والمعاد"، و "المعارف اللدنية"، و "المكاشفات الغيبية"، وغير ذلك.
وله رضى الله عنه في بيان العقائد على مذهب الماتريدية، ولتهذيب طريقة الصوفية النقشبندية لسان أيّ لسان!
ومن أياديه على رقاب كثير من الناس: أنه أوضح الفرق بين وحدة الوجود وبين وحدة الشهود، وبيّن أن وحدة الوجود شئ يعتري السالك في أثناء السلوك، فمن ترقّى مقاما أعلى من ذلك يتجلّى له حقيقة وحدة الشهود، فسدّ بذلك طريق الإلحاد على كثير ممن كان يتستّر بزيّ الصوفية، ويتأوّل كلامهم على أهوائه الزائغة.
ومنها: أنه باحث الملاحدة الذين كانوا في زمانه، وجادلهم جدالا حسنا بقلمه ولسانه، وكذلك ردّ على الروافض، ونقض بدعاتهم، وردّ على الضعفاء مكايدهم، فحمى بذلك حمى الدين، وحرس بيضة المسلمين.
стр. 842
ومنها: أنه حقّق الفرق بين البدعة والسنّة وأقيسة المجتهدين، واستحسانات المتأخّرين، والتعارف عن القرون المشهود لها بالخير.
وما أحدثه الناس في القرون المتأخّرة، وتعارفوه فيما بينهم، فردّ بذلك مسائل استحسنها المتأخّرون من فقهاء مذهبه.
ومنها: أنه كان يأمر بما يراه معروفا، وينهى عن ضدّه، ولا يخشى في الله لومة لائم، ولا يخاف من ذي سطوة في سلطانه، فكان ينكر على الأمراء، ويرشدهم إلى مراشد دينهم، وينفّرهم من صحبة الروافض، ومن شاكلهم من أعداء الدين، ويبذل لهم نصحه، فنفع الله كثيرا منهم بذلك، وصلحتْ بصلاحهم الرعية، فسدّ الله ثلمة ظاهر الدين، كما رقع به خرق باطنه، فهذّب به وبأصحابه في البلدان النائية فئام ممن وفّق لسبيل القوم، وذلك لأنه كان فقيها، ماتريديا، زكيّ النفس، حريصا على اتباع السنن، مجتهدا فيه، شديد النصح لأبناء زمانه، فجاءت لذلك -والله أعلم- طريقته وعلومه وشمائله محمودة عند المحقَّقين وأهل الإنصاف، ورغب فيها الناس، وقلّ ما تعقّب به وردّ من قوله، والمسائل التي سدّد بها النكير عليه بعض أهل العلم، والحقّ أنه مصيب في بعضها، وله تأويل سائغ في البعض الآخر، وقد شاركه فيها غيره من هذه الطائفة ممن لا يحصى كثرة، فليس إذا يخصّه الإنكار، ولو أخذناهم بأمثال ذلك لم ينج أكثر المتأخّرين منهم، ولا يتعين القول بالخطاء فيها إلا في مسألة أو مسألتين من باب السنن، قد اعتذروا عنه في أحدهما والعذر فيهما واحد، وقد شهد له بما ذكرت من فضائله أو بما يقرب منه، وأجاب عن شبهات المتقشفة، وذبّ عنه الشيخ ولي الله بن عبد الرحيم العمرى الدهلوي، وأنعم الثناء عليه، فلم يتركْ فيه مجالا لعائب ولا مقالا لرائب، وكفاك به إماما يشهد لإمام، والقول ما قالتْ به حذام. انتهى.
стр. 843
وأما مخالفوه فمنهم الشيخ محمد صالح الأورنغ آبادي ومحمد عارف، وعبد الله السورتي من أصحاب الشيخ محمد صالح، فإنهم صوّروا سؤالا، وذكروا فيه أقوالا، وزعموا أنهم استخرجوها من مكتوبات الشيخ أحمد، ثم عرّبوها بقدر معرفتهم ومقتضى مرادهم، وأرسلوها إلى السيّد محمد البرزنجي، أحد مجاوري "المدينة المنوّرة"، ثم بعد وصول ذلك السؤال إليه علّق رسالة بتكفير الشيخ أحمد بسبب الأقوال المكتوبة في السؤال بملائمة خاطر المرسل إليه، وتصدّى لإثبات كفره بها، وسأل قاضي "المدينة المنوّرة" ومفتيها وعلمائها أن يكتبوا على تلك الفتوى على وفق مراده، فامتنعوا عن ذلك، وردوا عليه كلاما، وأجوبة تليق بالعلماء العاملين لعلمهم، ثم بعد ذلك أبي إلى "مكّة المشرّفة"، فسأل الكتابة على السؤال المذكورة من قاضيها ومفتيها وعلماءها أيضا، فما وافقه على ذلك أحد، فأجابوه بقولهم: هذا الأمر الذي ارتكبتْه عظيم، فلا يوافقك في تكفير مسلم إلا كلّ هالك، وما وافقه بالكتابة من العلماء على ذلك إلا آحاد من الناس ممن لا معرفة له بالطريقة، وبعضهم وافقه لملائمة هواه، وبعضهم لا علم له رأسا ولا حقيقة، فحصل ما حصل من القيل والقال، فاحتاج الناس إلى تتبّع مكتوبات الشيخ المذكور، وتعريب ألفاظه من الفارسية إلى العربية، على وجه يتّضح الحق على الناس، ولذلك صرف الشيخ الأجلّ العالم الفاضل نور الدين محمد بيك همتَه العليةَ، وطلب جميع مكتوبات الشيخ، وقابل الأقوال، التي في ورقة السؤال، مع مكتوبات المرحوم، فوجد بعضها غير موافق معها بسبب التحريف وترك بعض الألفاظ وزيادة أخرى، فكتب رسالة، وبيّن فيها اصطلاحات السادة النقشبندية، ومقاصد الشيخ أحمد، فعرّب ألفاظه إلى العربية، وأحسن، واهتمّ، وأتقن، وارتفع من أهل الحق سوء الظنّ، وندم كثير ممن كتب على السؤال المذكور،
стр. 844
وصحّحه الشيخ عبد الله الآفندي، والشيخ أحمد الهشيشى، والسيّد الأسعد المفتي المدني الحنفى، والإمام على الطبري المفتي الشافعي، وعبد الرحمن بن محمد الصالح الإمام المالكي، ومحمد بن القاضي الحنفي، والشيخ الحسن الحنفي، ومرشد الدين ابن أحمد المرشدي، والسيّد محمد الآفندي، والشيخ عبد الله الآفندي عناقي زاده.
ثم تصدّى لشرح كلماته الطيّبات الشيخ عبد الغني النابلسي الحنفي الدمشقي في رسالة "نتيجة العلوم ونصيحة علماء المرسوم"، ألّفها سنة اثنتي عشرة ومائة وألف، ثم تصدّى للردّ على البرزنجي الشيخ فرخ شاه بن محمد سعيد السرهندي في رسالة، سمّاها "كشف الغطاء عن وجوه الخطاء".
وممن خالفه الشيخ عبد الحق بن سيف الدين البخاري الدهلوي، فإنه ألّف رسالة في تعقّبه، وأورد إيرادات شتى على مقالاته، فردّ عليه الشيخ عبد العزيز بن ولي الله العمري الدهلوي، والشيخ غلام علي العلوي الدهلوي، وخلق كثير من العلماء والمشايخ.
وقيل: إن الشيخ نور الحق بن عبد الحق الدهلوي أيضا خالف أباه في ذلك، بل استفاد الطريقة عن الشيخ محمد معصوم، والشيخ محمد سعيد ابني الشيخ أحمد، والمشهور أن الشيخ عبد الحق رجع في أخر عمره عن الإنكار عليه، وكتب في رسالة له إلى الشيخ حسام الدين بن نظام الدين البدخشي الدهلوى أن محبة الفقير في هذه الأيام للشيخ أحمد سلّمه الله تعالى متجاوزة عن الحدّ، ولم تبق فيما بيننا الحجب البشرية والغشاوة الجبلية أصلا، ومع قطع النظر عن رعاية أخوة الطريقة والإنصاف، وحكم العقل كيف ينبغي الإنكار والخصومة مع أمثال هؤلاء الأعزّة والأكابر! ولقد وقع في باطني شيء أحسّه بطريق الذوق والوجدان، يعجز عن تقريره اللسان، سبحان الله مقلّب
стр. 845
القلوب، ومبدل الأحوال، ولعلّ أهل الظاهر يستبعدون ذلك. وإني لا أدري كيف هذا الحال، وعلى أيّ منوال. انتهى.
وفي "كشف الغطاء": وقد رأيتُ بخطّ مسند العلماء أفضل الفضلاء مولانا عبد الحكيم السيالكوتي في ردّ بعض شبهات المخالفين على كلامه، -قدّس سرّه- هذه العبارة "القدح في كلام الشيوخ على غير مرادهم جهل وعاقبته وخيمة، فردّ كلام الشيخ الأجلّ العارف الكبير الشيخ أحمد إنما هو من السفاهة وقلّة الفهم، كتبه الفقير عبد الحكيم" وإن أردت تصديق ذلك فذلك الخطّ عند إمام العصر الشيخ محمد النقشبندي، نجل قدوة الأولياء الشيخ محمد معصوم -قدّس الله سرّه- فعليك به. انتهى.
وقال الشيخ عبد العزيز بن ولي الله العمري الدهلوي في رسالة له إلى الحافظ صدر الدين الحيدر آبادي "ولما رسخت هذه المعرفة" "التوحيد الوجودي" وتدرّج أصحاب العقول الزائغة في طريق الإلحاد، واتخذوا هذه المعرفة الغامضة وسيلة لإبطال الشرائع والتكليفات، وشاع مذهب الشيخ محبّ الله الإله آبادي الذي ظاهره الإلحاد، وراج رواجا عظيما، قيّض الله للإصلاح الشيخ الكبير أحمد السرهندي، وألهمه علوما غريبة ليعتدل الحار بالبارد، والرطب باليابس، حتى تتّزن الأفكار، ويزهق الباطل الممزوج بالحقّ، وذلك معنى التجديد، هذا ما قيل فيه.
ومن ألفاظه القدسيّة ما قاله في "معارف الصوفية":
اعلم أن معارفهم وعلومهم في نهاية سيرهم وسلوكهم إنما هي علوم الشريعة، لا أنها علوم أخر غير علوم الشريعة، نعم تظهر في أثناء الطريق علوم ومعارف كثيرة، ولكن لا بدّ من العبور عنها، ففى نهاية النهاية علومهم علوم
стр. 846
العلماء، وهي علوم الشريعة، والفرق بينهم وبين العلماء أن تلك العلوم بالنسبة إلى العلماء نظرية واستدلالية، وبالنسبة إليهم كشفية وضرورية.
وقال في الشريعة:
اعلم أن الشريعة متكفّلة بجميع السعادات الدنيوية والأخروية، ولا يوجد مطلب يحتاج في تحصيله إلى غير الشريعة، وأما الطريقة والحقيقة فهما خادمان للشريعة، وتحصيلهما لتكميل الشريعة لا غير، وأما الأحوال والمواجيد والمعارف، التى تظهر للصوفية في أثناء الطريق، فليست من المقاصد، بل هى أوهام وخيالات، تربى بها الأطفال، فلا بدّ من العبور عنها في النهاية.
وقال في التوحيد:
اعلم أن الوحيد قسمان: توحيد شهودي، وتوحيد وجودي، والذي لا بدّ منه هو التوحيد الشهودي، الذي يتعلّق به الفناء، والتوحيد الشهودي لا يخالفه العقل ولا الشرع، بخلاف التوحيد الوجودي، فإنه يخالفهما، ويتّضح ذلك بمثال. وذلك أنه قال شخص عند طلوع الشمس واختفاء الأنجم: ليس في السماء إلا الشمس، فهذا القول صحيح، لا يخالف العقل ولا الشرع، إذ لا يرى حينئذ إلا الشمس لضعف بصره، فلو أعطى حدّة البصر لرأى النجم مع الشمس، بخلاف ما لو قال ذلك قبل طوع الشمس، فإنه يكذبه العقل والشرع. وأما أقوال المشايخ التي وردتْ في التوحيد فلا بدّ أن تحمل على التوحيد الشهودي، حتى لا تخالف العقل والشرع.
يقول الإمام السرهندي في رسالة، كتبها إلى الشيخ فريد البخاري "إن التوحيد الذي يحصل للصوفية في أثناء سلوكهم ينقسم قسمين: التوحيد الشهودي، والتوحيد الوجودي.
стр. 847
التوحيد الشهودي: عبارة عن رؤية واحد: أي أن لا يكون شهود السالك إلا فردا أحدا، والتوحيد الوجودي عبارة عن اعتقاد وجود واحد، وفناء كلّ ما سواه وعدمه.
ثم يقول:
"مثل أن يطمئنّ قلب إنسان على وجود الشمس، فلا يستلزم استيلاء هذا اليقين أن يعتقد عدم النجوم وفناءها، ولكن هو عند ما رأي الشمس، ولا يرى النجوم، فإنه مشهوده -حينئذ- ليس إلا الشمس، ولكن رغم ذلك لا يعتقد أن النجوم فانية معدومة، بل يكون على يقين من أنها مختفية ومغلوبة بضوء الشمس وشعاعه.
وهكذا حقّق الإمام السرهندي، وأثبت "أن وحدة الوجود" مقام يعرض للسالك خلال السلوك، فيشاهد -عند ذلك- عيانا وجهارا، أنه لا وجود هناك إلا لواجب الوجود، وكلّ ما يراه الإنسان من وجود، فهو وجود واحد، ما سواه فليس إلا تنوّعاته وتلويثاته في تعبير المتذوقّين لهذا المشرب الوجودي، تنزلاته".
ولكن لو خالف التوفيق الربّاني، ورافق الهدى النبوي، وكان السالك صاحب طموح وعلوّ همّة، فإنه يفوز بمقام آخر، وهو مقام وحدة الشهود.
وقال في وجود الحق وفي نبوة نبينا ﷺ وما جاء به:
اعلم أن وجود الحق تعالى وكذا وحدته بل نبوة محمد ﷺ بل جميع ما جاء به من عند الله تعالى لا يحتاج إلى فكر ولا دليل، والنظر والفكر فيها ما دامت العلة موجودة والآفة ثابتة، وبعد النجاة من مرض القلب ودفع الغشاوة البشرية لا يبقى غير البداهة، مثلا الصفراوي ما دام مبتلى بعلّة الصفراء فحلاوة السكر عنده تحتاج إلى دليل، والأحول يرى
стр. 848
الشخص الواحد اثنين، ويحكم بعدم وحدته فهو معذور، ووجود الآفة فيه لا يخرج وحدة الشخص من البداهة، ولا يجعله نظريا، ومعلوم أن ميدان الاستدلال ضيّق واليقين الذي يحصل من طريقة الأدلة متعذّر جدّا، فلا بدّ من تحصيل الإيمان اليقيني من إزالة المرض القلبي، فكما أن السعى في إزالة علة الصفراء للصفراوي لتحصيل اليقين له بحلاوة السكر أهمّ من السعي في إقامة الأدلّه لتحصيل اليقين بحلاوته، فكذلك ما نحن فيه، فإن النفس الأمّارة منكرة بالذات للأحكام الشرعية، وحاكمة بالطبع بنقاضتها، فتحصيل اليقين بهذه الأحكام الصادقة بالأدلة مع وجود إنكار وجدان المستدل متعذّر جدّا، فلا بدّ في تحصيل اليقين من تزكية النفس، وتحصيل اليقين من غير تزكيتها صعب، لآية "قد أفلح من زكّاها، وقد خاب من دسّاها"، فعلم أن منكر هذه الشريعة الباهرة والملّة الطاهرة الظاهرة مثل منكر حلاوة السكر، فالمقصود من السير والسلك وتزكة النفس وتصفية القلب إزالة الآفات المعنوية والأمراض القلبية، كما قال تعالى: "في قلوبهم مرض"، حتى يتحقّق بحقيقة الإيمان، فإن وجد إيمان مع وجود هذه الآفات فهو بحسب الصورة فقط، فإن وجدان الأمارة حكمة بخلافه، ومصرّة على حقيقة كفرها، ومثل هذا الإيمان والتصديق الصوري مثل إيمان الصفراوي بحلاوة السكّر، فإن وجدانه شاهد بخلافه، فكما أنه لا يحصل اليقين الحقيقى بحلاوة السكر إلا بعد إزالة مرض الصفراوي فكذلك لا تحصل حقيقة الإيمان إلا بعد تزكية النفس والاطمئنان، وحينئذ يكون وجدانيا، وهذا القسم من الإيمان محفوظ من الزوال، "ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون" صادق في شأنهم، شرّفنا الله تعالى بشرف هذا الإيمان الكامل الحقيقي.
стр. 849
وقال في فضل الطريقة النقشبندية:
اعلم أن طريقة الخواجغان -قدّس الله أسرارهم- مبنية على اندراج النهاية في البداية، قال الشيخ نقشبند: نحن ندرج النهاية في البداية، وهذه الطريقة بعينها طريقة الصحابة الكرام رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، فإن الصحابة تيسّر لهم في بداءة صحبتهم مع النبي ﷺ ما لم يتيسّر لغيرهم في نهايتهم، فلهذا لما تشّرف وحشى قاتل حمزة رضي الله تعالى عنهما في بداءة إسلامه مرّة بصحبة النبي ﷺ كان أفضل من أويس القرني، الذي هو خير التابعين، فالذي تيسّر لوحشى في بداءة تلك الصحبة ما تيسّر لأويس القرني في نهايته.
وقال في بيان أن الجذبة التى قبل السلوك ليستْ من المقاصد:
اعلم أن للوصول طريقتين: الجذبة، والسلوك، وبعبارة أخرى: التزكية، والتصفية. والجذبة التي قبل السلوك ليستْ من المقاصد، والتصفية التي قبل التزكية ليستْ من المطالب، والجذبة التي تكون بعد تمام السلوك، والتصفية التي تكون بعد حصول التزكية الكائنة في السير في الله من المقاصد المطلوبة، فالجذبة والتصفية السابقة لأجل تسهيل السلوك على السالك، وبدون السلوك لا ينال المطلوب، وبلا قطع المنازل لا يظهر جمال المحبوب، فالجذبة الأولى كالصورة للثانية، وفي الحقيقة لا مناسبة بينهما، فالمراد من اندراج النهاية في البداية اندراج صورة النهاية، وإلا فحقيقة النهاية لا تسعها البداية - وتحقيق هذا المبحث مفصّل في رسالة الجذبة والسلوك، فلا ينبغى الاكتفاء عن الحقيقة بالصورة، بل لا بدّ من العبور عن الصورة إلى الحقيقة. انتهى ما في المعرّبات للشيخ يونس ملخّصا.
أما بيان وحدة الوجود وحدة الشهود:
стр. 850
أما بيان وحدة الوجود على ما ذكره الشيخ الأكبر وأتباعه ووحدة الشهود على ما ذكره الشيخ أحمد والفرق بينهما فيلخّص ذلك من المكتوب المدني للشيخ ولي الله بن عبد الرحيم العمري الدهلوي، يتّضح لك ما قيل فيه:
اعلموا أن وحدة الوجود ووحدة الشهود لفظتان، تطلقان في موضعين، فتارة تستعملان في مباحث السير إلى الله ، فيقال: هذا السالك مقامه وحدة الوجود، وذلك مقامه وحدة الشهود، ومعنى وحدة الوجود ههنا الاستغراق في معرفة الحقيقة الجامعة، التي تعين العالم فيها بحيث تسقط عنه أحكام التفرقة والتمايز، التي معرفة الخير والشرّ مبنية عليها، والشرع والعقل مخبران عنها مبينان لها أتمّ بيان وأوفى إخبار، وهذا مقام يحلّ فيه بعض السالكين، حتى يخلصه الله تعالى منه، ومعنى وحدة الشهود: الجمع بين أحكام الجمع والتفرقة، فيعلم أن الأشياء واحدة بوجه من الوجوه، كثيرة مباينة بوجه آخر، وهذا المقام أتمّ وأرفع من الأول، وهذا الاصطلاح مأخوذ من بعض أتباع الشيخ آدم البنوري، قدّس سرّه.
ومما يدلّ على شدّة تمسّكه بالشريعة الغرّاء وغيرته عليها أشدّ الغيرة، واستنكافه عن كلّ ما عارضها من أقوال الصوفية وكلام المشايخ، ما جاء في رسالة له إلى معاصر كتب إليه أن الشيخ عبد الكبير اليمني، قال:
"إن الله عليم بالكلّيات فقط" فقال في الردّ عليه: "يا سيدي! إن هذا الفقير لا يكاد يحتمل سمع مثل هذا الكلام، إن عرقي الفاروقي يبض عند ذلك، سواء كان ذلك كلام عبد الكبير اليمني أو محى الدين ابن عربي، نحن في حاجة إلى محمد العربي لا ابن عربي، إن الفتوحات المدنية أغنتنا عن "الفتوحات المكّية"، عمدتنا النصّ، لا الفصّ.
стр. 851
وقد أنكر وجود بدعة حسنة، وقال: إن رسول الله ﵌ أطلق القول، فقال: كلّ بدعة ضلالة، فلا يستثنى من هذا الإطلاق بدعة، وله رسائل قوية واضحة في الإنكار على أعمال شركية وتقاليد وعادات تسرّبتْ في مسلمي "الهند" عن أهل البلاد الوثنيّين.
وكانتْ وفاة الشيخ أحمد المجدّد لليلتين بقيتا من صفر سنة أربع وثلاثين وألف بمدينة "سرهند"، فصلّى عليه ابنه محمد سعيد، ودفنه بها، وقبره هناك مشهور.
* * *
آخر الجزء الثاني ويليه الجزء الثالث، وأوله: باب من اسمه أحمد
والحمد لله حق حمده
стр. 852
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
باب من اسمه أحمد: (من أحمد بن عبد الله)
٣٣٨ - الشيخ الفاضل أحمد بن عبد الله بن إبراهيم المحبوبي، شهاب الديني *.
ذكره في "الغرف العلية"، وقال: اشتغل، وبرع، ودرّس، وألّف، ومن ذلك "تنقيح العقول في فروق المنقول".
كذا في "تاج التراجم". انتهى.
* * *
٣٣٩ - الشيخ الفاضل أحمد بن عبد الله بن أحمد ابن عبد الله بن أحمد بن عسكر البندنيجي الأصل، البغدادي المولد والدار، أبو العبّاس بن أبي أحمد، القاضي * *.
стр. 853
أحد سكّان محلّة مشهد أبي حنيفة، ﵁.
قال صدقة الفرضي: كان فقيهًا حسنًا.
سأله أبو المحاسن القرشي عن مولده، فقال: في سنة تسع وتسعين وأربعمائة.
نقله ابن النجّار، وقال: حدّث باليسير، وسمع أبا القاسم هبة الله بن محمد بن الحصين، وأبا بكر محمد بن عبد الباقي بن محمد القاضى الأنصاري.
وسمع أبو المحاسن القرشي، وغيره.
وولي القضاء، والحسبة بالجانب الغربي من "بغداد"، فحمدتْ سيرته، وشكرتْ ولايته، وشهد له بالعفّة، والنزاهة، والديانة، والصيانة، والفضل.
وكانتْ وفاته ليلة الجمعة تاسع المحرّم، سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة، ودفن قبل الصلاة بـ "مقبرة الخيزران"، ظاهر قبر أبي حنيفة. رحمه الله تعالى.
* * *
٣٤٠ - الشيخ الفاضل أحمد بن عبد الله بن برهان الدين السيواسي *.
قاضي "سيواس"، قدم "حلب"، فاشتغل بها، ودخل "القاهرة"، وأخذ عن فضلائها.
стр. 854
ثم رجع إلى "سيواس"، وصاهر صاحبها، ثم عمل عليه حتى قتله، وصار حاكمًا بها.
ثم إن بعض الأمراء الظاهرية انحاز إليه، وقويتْ بهم شوكته، فأرسل الملك الظاهر إلى قتالهم العسكر الشامية، وهم نحو ألف، وصاحب "سيواس" أحمد هذا، ومن انحاز إليه، ووافقه من "التركمان" وغيرهم نحو عشرين ألفًا، فوقعتْ بينهم وقعةٌ عظيمة، قتل فيها من الفريقين جماعة، ثم كان النضر للشاميين، وانهزم برهان الدين.
ثم أرسل يطلب الأمان من الظاهر، ويبذل له الطاعة، فأمنه، وصار من جهته.
ثم إن التاتار الذين كانوا بـ "أرزنجان"، نازلوا برهان الدين، فاستنجد الظاهر عليهم، فأرسل إليه جماعة كثيرة من العساكر الشمامية، فلمّا أشرفوا على "سيواس" انهزم التاتار منهم، وكانوا محاصريها. ثم في أواخر سنة ثمانمائة قصده عُثمان بن قطلبيك التركماني، وحصلتْ بينهما وقعة، انكسرَ فيها عسكر "سيواس"، وقتل برهان الدين في المعركة.
وكان جوادًا فاضلًا، وله نظم، رحمه الله تعالى.
ولبرهان الدين هذا، في الكتاب الذي ألّفه ابن عرب شاه في "سيرة تيمور" ترجمة حسنة، فلا بأس أن نلحّص منها ما يليق كقام صاحبها، ونوفيه حقّه، فنقول وبالله التوفيق.
قال في "الغرف العلية": وكان سبب دخوله إلى "القاهرة" أنه كان في ابتداء أمره حين طلب العلم، رأى منجّمًا صادقًا، فسأله عن حاله، فقال له المنجّم: أنت تصير سُلطانًا.
стр. 855
فقال: إن كانِ ولا بدّ فأكون سلطان "مصرا"؛ فإنها أعظم الممالك. فقدم إلى "القاهرة"، وأقام بها سنين، فما صار بها جُنديًا، فقال في نفسه: أقمتُ هذه المدّة الطويلة، وما صرتُ جنديًا، فمتى أصير سلطانًا، فعاد إلى "سيواس"، وآل أمره إلى أن ملكها.
وقال المقريزي: القاضي برهان الدين السيواسى، حاكمها، وحاكم "قيسارية" و "ترقات".
قصده الأمير قراملك؛ فلم يكترث به القاضى؛ احتقارًا، وركب عجلًا بغير أهْبة، وساق في أثره، فكّر عليه قراملك، فأخذه قبصًا باليد، فتفرّقتْ عساكره شذر مذر.
إلى أن قال: وكان عالمًا، جوادًا، شديد البأس، يحبّ العلم والعلماء، ويدني إليه أهل الخير والفقراء، وكان دائمًا يتخذ يوم الخميس والجمعة والاثنين لأهل العلم خاصّة، لا يدخل عليه سواهم.
وأقلع قبل موته، وتاب، ورجع إلى الله تعالى.
ومن مصنّفاته: كتاب "الترجيح على التلويح".
وكان للأدب وأهله عنده سوق نافق.
* * *
٣٤١ - الشيخ الفاضل أحمد بن عبد الله بن رشيد الحِجازي، السلمي *.
قال ابن حجر في "المجمع المؤسّس": تفقّه على مذهب أبي حنيفة، ومهر، ثم أسنّ، وأضرّ.
стр. 856
وسمع، وهو كبير من القلانسي، ومن مسموعاته عليه: "معجم ابن قانع"، وسمع قطعة من كتاب "قضاء الحوائج" لابن أبي الدنيا، على عزّ الدين ابن جماعة.
مات في شهر ربيع الآخر، سنة تسع وتسعين وسبعمائة.
وهو من شيوخ ابن حجر. رحمه الله تعالى.
* * *
٣٤٢ - الشيخ الفاضل أحمد بن عبد الله بن عبّاس أبو العبّاس الطائي، الأقطع. قال الخطيب: من أهل "الرأي " *.
سكن "بغداد"، وحدّث بها عن سهل بن عثمان العسكري، وحفص المهرقاني، وهارون بن سعيد الأبُليّ، وأحمد بن سعيد الهَمَذَاني، ويونس بن عبد الأعلى المصري.
روى عنه أحمد بن كامل القاضي، وأبو القاسم الطبراني.
وروى له الخطيب في "تاريخه" عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يزداد الأمر إلا شدّة، ولا الدنيا إلا إدبارًا، ولا الناس إلا شحًّا، ولا تقوم الساعة إلا على شرار الناس، ولا مهدي إلا عيسى ابن مريم".
* * *
стр. 857
٣٤٣ - الشيخ الفاضل أحمد بن عبد الله بن عبد الله ابن مهاجر الأندلسي، الوادياشي، شهاب الدين *.
تفقّه ببلده، وتأدّب.
ورحل منها إلى المشرق، فحجّ، ثم سكن "طرابلس الشام"، ثم "احلب"، وتحوّل حنفيًا.
واشتمل عليه ناصر الدين ابن العديم قاضيها، فكان يواليه، ويطرب لأماليه، واستنابه في عدّة مدارس، وفي الأحكام.
وكان قيمًا بالنحو، والعروض، رائق النظم، ومنه قوله:
مَا لَاحَ في دِرْعِ يَصُولُ بسَيْفِه … والوَجْهُ منه يُضِئُ تحت المِغْفَر
إلا حَسِبْتُ البَحْرَ مُدَّ بجَدْوَلٍ … والشمْسَ تحت سَحَابةٍ مِن عَنْبَرِ
ومنه:
تُسَعّرِ في الوَغَى نِيَرانَ حَرْبٍ … بأَيْدِيهمْ مُهَنَّدَة ذُكُورُ
ومن عَجَبِ الظُبَى قد سَعَّرَتْهَا … جَدَاوِلُ قتد أقلَّتْها بُدُورُ
وخمس "لاميّة العجم" تخميسًا جيدًا.
ومدح ابن الزملكاني لما ولي قضاء "حلب"، بقصيدة على وزن "قصيدة ابن النبيه"، التي أولها:
стр. 858
بَاكِرْ صَبُوحَكَ أهْنَا العَيْشِ بَاكِرهُ … فقد ترنَّمَ فوق الأيْكِ طائِرُهُ
ومطلع قصيدته هو، قوله: يُمْنٌ ترَنَّم فوق الأيْكِ طَائِرهُ وطَائرٌ عمَّتِ الدُنْيَا بَشَائِرُهُ قلت: مطلعٌ حسن، وبشائر مقبولة، وطائر ميمون؛ ولكن أين بشائر ابن النبيه من هذه البشائر، وأين يُمن طائره من يمن هذا الطائر.
ولا بأس بإيراد غزل قصيدة ابن النبيه، وإن كان فيه خروج عن المقصود؛ فإنها قصيدة بديعة، ولي بها وبأخواتها من "ديوانه" غرام زائد، واعتناء متزايد، حتى قلت في حقّه متفضّلًا، وعلى فضله منبها، وله في الشعر وحُسن الذوق مُقدمًا:
يقولون لي هل للنباتي في الورى … إذا قِيلَتِ الأشْعارُ ثَمَّ شَبِيهُ
وهل من نبيهٍ في المعاني كَمِثْلِهِ … فقلتُ وهل كابْنِ النَّبيهِ نَبيهُ
وغزل القصيدة الموعود بذكره، قوله: باكِرْ صَبُحَكَ أهْنَا العَيشِ بَاكِرُهُ فقد ترنَّمَ فوق الأيْكِ طائِرُهُ
واللْيلُ تَجْري الدرَاري في مَجَرَّتهِ … كالرَّوْضِ تَطْو على نَهْرٍ أزاهرُهُ
وكوكبُ الصُّبْحِ نَجّاب عَلَى يَدِهِ … مُخَلَّقٌ تمْلأ الدُّنْيَا بَشائِرُهُ
فانْهَضْ إلى ذَوْبِ يَاقوتٍ لهَا حَبَبٌ … تنُوبُ عَن ثَغْرِ مَن تَهْوَى جَواهِرُهُ
حَمْرَاءُ في وجْنَةِ الساقي لهَا شَبَهٌ … فهل جَناهُ مَعَ العُنقود عاصِرُهُ
ساقٍ تكونَ من صُبحٍ وَمِن غَسَقٍ … فَاْبيضَّ خَدَّاهُ واسْوَدَّتْ غدائرُهُ
سُودٌ سَوالِفهُ لُعْسٌ مَراشِفُهُ … نُعْسٌ نَواظِرهُ خُرسٌ أساورُهُ
مُفلَّجُ الثَّغْرِ مَعْسُولُ اللَّمىَ غَنِجٌ … مُؤنثُ الجَفْنِ فَحْلُ اللَّحْظِ شَاطِرُهُ
مُهفْهَفُ القَدِّ يُيدي جسمُه تَرَفًا … مُخَصَّر الخَصْرِ عَبلُ الرِّدف وافرهُ
تَعلمتْ بَانَة الوادي شَمائِلَهُ … وَزَوَّرَتْ سِحْرَ عَيْنَيْهِ جَاذِرُهُ
كَأنَّهُ بسَوادِ الصُّبْحِ مُكْتحِلٌ … ورُكِّبَتْ فوق صُدْغَيهِ مَحَاجِرُهُ
стр. 859
نَبيُّ حُسنٍ أظلَّتْهُ ذَوَائِبُه … وقامَ في فَتْرَةِ الأجَفْانِ ناظِرُهُ
فَلوْ رَاتْ مُقْلَتا هَاروتَ آيتَه ال … كبرى لآمنَ بَعْد الكُفرِ سَاحِرهُ
قَامتْ أدِلةُ صُدْغَيْهِ لِعاشِقِهِ … عَلَى عَذُولٍ أتَى فيه يُناظرُهُ
خُذْ مِنْ زَمَانِك مَا أعْطَاكَ مُغتنمًا … وأنت نَاهٍ لهذا الدَّهرِ آمرُهُ
فالعمرُ كالكأس تُستَحْلى أوائِلُهُ … لكنَّهُ رُبَّمَا مُجَّتْ أواخِرُهُ
وَاجسُرْ على فُرَصِ اللذاتِ مُحْتقِرًا … عَظيمَ ذَنْبك إن اللهَ غافِرُهُ
فليْس يُخْذَلُ في يَوم الحساب فَتىً … والنَّاصِرُ ابنُ رسول اللهِ نَاصِرُهُ
هكذا فليكن الشعر، وبمثله فليفتخر المادح، ويطرب الممدوح، ويعذر في إيراده الأديب المؤرّخ.
ومن شعر صاحب الترجمة، قوله في قالب الطين:
مَا آكلٌ في فَمينِ … يَغُوطُ مِن مَخْرَجَيْنِ
مُغْري بقَبْضٍ وَبَسْطٍ … وَمَا لَهُ مِنْ يَدَيْنِ
ويقْطَعُ الأرْضَ عَدْوًا … مِن غيرِ مَا قَدَمَيْنِ
وله أيضًا من أبيات:
أيُها الطَّرْفُ لَاتَ حينَ مَناص … فابْكِ عَهْدَ الوِصَالِ إنْ كنت تبكي
وارْم نَحوَ الحسناء لحْظَك تَحْظى … من سَنا ذلك اليَقين بشَكِّ
وإذا أختُها الغزالةُ قالتْ … هِىَ مِثْلِي فقُل وأحَسْنُ مِنْكِ
وكانتْ وفاته سنة تسع وثلاثين وسبعمائة، عن نحو خمسين سنة. رحمه الله تعالى.
* * *
стр. 860
٣٤٤ - الشيخ الفاضل أحمد بن عبد الله بن الفضل أبو نصر، الخيزاخزي * *.
بفتح الخاء المعجمة، وسكون الياء تحتها نقطتان، وفتح الزاي، وسكون الألف، وفتح الخاء الثانية، وكسر الزاي، نسبة إلى قرية "خيزاخزي"، من قُرى "بخارى".
الفقيه، الإمام ابن الإمام.
تفقّه على والده، وروى عنه، وعن الحسن بن فراس المكّي، وغيرهما.
وولي الإمامة بجامع "بخارى"، وعقد له مجلس الإملاء بها.
قال أبو كامل البصري: سمعت أبا نصر يقول: كان في عَرَامَة شديدة في حال الصبا، وكان من يتصل إلى شيخي، يعني والده، يغريه علي، فيغضب الشيخ منه ويقول: سلّمته إلى الله تعالى، فهو خيرٌ له مني، إن أراد الله به خيرًا يكن، وإن أراد غير ذلك فليس في أيدينا شيء غير الدعاء.
فتوفي شيخي، ولم يصلْ إلي من ميراثه شيء كثير، فأقبلتُ على العلم، وأصلحتُ فيما بيني وبين الله، فببركة تسليم الشيخ إيّاي إلى الله تعالى، أصلح الله شأني، وصبّ علىّ الدنيا صبّا، وصرتُ وجيه البلد، ومدرّس الفقه، ومملي الكتب، وإمام العامة.
стр. 861
قلت: الخيزاخزي نسبة إلى "خيزاخز" بفتح الخاءين المعجمتين والياء المثناة التحتية الساكنة بعد الأولى، وفتح الزاي المعجمة الأولى بعدها ألف، آخره زاي معجمة: قرية على خمسة فراسخ من "بخارى". كذا ضبطه السمعاني: وقال: المشهور منها أبو محمد عبد الله بن الفضل، كان مفتي "بخارى"، يروي عن أبي بكر محمد بن أحمد أبي بكر أحمد بن أسعد الزاهد، وروى عنه ابنه أبو نصر أحمد بن عبد الله قلد الإمامة بجامع "بخارى"، وعقد له مجلس الإملاء، يروي عن أبيه، وأبي الحسن المكي، وأبي بكر بن زنبور البغدادي، وابنه أبو بكر محمد بن أبي نصر حدّث عن أبيه، وأبو بكر محمد ابن محمد بن أحمد بن عبد الله بن الفضل الخيزاخزي، توفي بعد سنة ثمان عشرة وخمسمائة. انتهى ملخصا. وسيأتي ذكر عبد الله بن الفضل.
* * *
٣٤٥ - الشيخ الفاضل أحمد بن عبد الله بن القاسم السرماري قرية من قرى "بخارى" القاضي، الإمام، أبو جعفر *.
стр. 862
قال في "الجواهر": رأيتُ له "كتاب النبأ"، في مجلّد لطيف، وهو نفيس، يشتمل على ستة أبواب.
الأول: في أن مذهب الإمام أصلح للولاة والأئمة من مذهب المِخالفين.
الثاني: أن تمسّك بالآثار الصحيحة.
الثالث: في سلوكه في الفقه طريقة الاحتياط.
الرابع: في بيان أن المخالف اعتقد في مسائل الاحتياط، وهو ترك الاحتياط.
الخامس: في المسائل التي توجب الشناعة على مذهب المخالفين.
السادس: في الأجوبة عن المسائل التي يذكرها المخالفون، ويشنّعون بها على الإمام.
وهو كتاب نفيس يذكر كلّ باب من الفروع جملة مُستكثرة، وروى هذا الكتاب عنه صاحبه أبو بكر محمد بن عبد الملك الخطيب، الآتي ذكره. انتهى.
قلت: صاحب هذه الترجمة، وهو أحمد بن عبد الله بن أبي القاسم البلخي، صاحب كتاب "الإبانة" المتقدّم ذكره قريبًا. وهذا الكتاب المذكور هنا في هذه الترجمة هو كتاب "الإبانة"، وقد اطلعت عليه، ونقلت منه كثيرًا في هذا الكتاب، ووهم صاحب "الجواهر"، فظنّ الترجمتين لرجلين، وذكر كلًا منهما على حدة، وليس الأمر كما ظنّ. والله أعلم.
* * *
стр. 863
٣٤٦ - الشيخ الفاضل أحمد بن عبد الله ابن أبي القاسم البلخي، أبو جعفر، القاضي *.
له كتاب الردّ على المشنّعين على أبي حنيفة، سمّاه "الإبانة".
كذا في "الجواهر".
* * *
٣٤٧ - الشيخ الفاضل أحمد بن عبد الله بن محمد ابن عمر بن علي * *.
حفظ القرآن الكريم، و"الكنز".
واشتغل على ابن الديري، والشمني، والزين قاسم، وكذا حضر دروس ابن الهمام، والعزّ عبد السلام البغدادي، وأخذ أيضًا عن البرهان الهندي؛ والأبدي، والتقي الحصني، والشهاب الخواص. وسمع من ابن حجر، وغيره.
وتعانى الأدب، وتميّز، وشارك في الفضائل.
стр. 864
واستقرّ في موقعي الدست، وناب في القضاء، في سنة ثلاث وخمسين، عن ابن الديري، فمن بعده.
وذكر أنه نظم "التلخيص"، و"الكافي في علم العروض والقوافي".
ولكنه كان زريّ الهيئة، قبيح الفعال، مع مزيد الفاقة.
ومن نظمه إجابة لمن سأله إجازة قول القائل:
هذا صَبَاحٌ وصَبُوحٌ فمَا … عُذرُك في تَرْكِ صَبُوحِ الصَّبَاحْ
فقال:
تمنُّعُ الحِبِّ وفَقْدُ النَّدَى … وخَوْف واشٍ ورَقيبٍ ولَاحْ
كذا نقلتُ هذه الترجمة من خطّ السخاوي، من ورقة وجدتُها بأثناء كتابه "الضوء اللامع"، وأخلى فيها مكانًا بعد اسم جدّه علي؛ لكتابة ما اشتهر به من نسبة، وغيرها، ثم رأيتُ في بعض نسخ "الضوء" أنه كان يعرف بالشهاب القليجي، وأن ولادته في سنة تسع وعشرين وثمانمائة. رحمه الله تعالى.
* * *
٣٤٨ - الشيخ الفاضل أحمد بن عبد الله بن يوسف بن الفضل الصبغي، الإمام الكبير، من أهل "سمرقند " * *.
سمع يوسف بن يحيى البلخي، وغيره.
وسمع الحافظ أبو حفص عمر بن محمد النسفي.
стр. 865
وكان إمامًا، فقيهًا، فاضلًا.
ورد "بغداد" حاجًا، وكان معيدًا في "الدار الجوزجانية"، بـ "سمرقند".
ذكره السمعاني في "ذيله"، وقال: سمعت أبا بكر الزهري بـ "سمرقند"، سمعت أبا حفص، يقول: توفي الإمام أحمد الصبغي، يوم الخميس، الثامن من شهر رجب، سنة ستّ وعشرين وخمسمائة، ودُفن في "مشهد ابن عبدة"، وقد زاد على سبعين سنة.
والصبغي، بكسر الصاد المهملة، وسكون الباء الموحّدة، وفي آخرها غينٌ معجمة؛ نسبة إلى الصِّبْغ والصباغ، وهو ما يصبغ به الألوان. قاله السمعاني.
* * *
٣٤٩ - العالم الفاضل الكامل المولى شمس الدين أحمد بن عبد الله *.
كان من عتقاء السيّد إبراهيم الأماسي، المقدّم ذكرُه.
قرأ ﵀ على مولاه المذكور، ثم صار مدرّسا بمدرسة أبي أيوب الأنصاري -عليه رحمة الله الملك الباري-، ثم صار مدرّسا بنواحي "أماسيه"، ثم صار مدرّسا بإحدى المدارس الثمان، ثم صار قاضيا بـ "دمشق الشام".
توفي وهو قاض بها في سنة اثنتين وأربعين وتسعمائة.
كان رحمه الله تعالى عالما، صالحا، تقيّا، نقيّا، محبّا للصلحاء، وكان سليم الطبع، حليم النفس، وقورا، صبورا، صاحب شيبة حسنة، وكان حسن
стр. 866
السمْت، صحيح العقيدة، محمود الطريقة، مرضيّ السيرة، أديبا، لبيبا، كريما. -روّح الله تعالى روحه، ونوّر ضريحه-.
* * *
٣٥٠ - الشيخ الفاضل أحمد بن عبد الله الرومي، الشهير بشوقي *
كان مدرّسا.
من مؤلّفاته: "شرح رسالة الاستعارة السمرقندية"، و"خلق الأفعال"، ورسالة في الآداب، وحاشية على "شرح الفناري" لإيساغوجي.
توفي سنة ١٢٢٤ هـ.
* * *
٣٥١ - الشيخ الفاضل أحمد بن عبد الله السيواسي (برهان الدين) من القضاة * *
له "حاشية على شرح التنقيح" للتفتازاني في الأصول، سمّاها "الترجيح".
стр. 867
توفي سنه ٨٠٠ هـ.
* * *
٣٥٢ - الشيخ الفاضل أحمد بن عبد الله الفريمي *
ذكره في "الشقائق"، وقال: قرأ على المولى شرف الدين الفريمي، الآتي ذكرُه في حرف الشين.
وصار من أفاضل دَهره، وعلمائهم العاملين، ودرّس، وأفاد.
واستوطن مدينة "قسطنطينية" إلى أن مات، ودفن بها.
وكان السلطان محمد يعظّمه، ويقبل قوله.
حُكى أنه اجتمع مرّة بالسلطان المذكور، وهو متوجّه إلى مدينة "أدرنة"، فسأله السلطان محمد عن أحوال مدينة "فرم"، فقال له الشيخ: كنا نسمع أنه كان بها ستمائة مُفت، وثلاثمائة مُصنّف، وأنها كانتْ بلدة عظيمة، معمورة بالعلماء والصلاح، وقد أدكتُ أنا أواخر ذلك.
فقال له السلطان: وما كان سبب خرابها؟ قال: حدث هناك وزير، أهان العلماء، وأقصاهم، فتفرّقوا في البلاد، وجلوا عن الأوطان، والعلماء في المدينة بمنزلة القلب، ومتى عرضتْ للقلب آفة سرتْ إلى سائر البدن.
стр. 868
فأمر السلطان عند ذلك بإحضار وزيره محمود باشا، فلمّا حضر حكى له ما ذكره الشيخ، وقال له: قد ظهر أن خراب الملك من الوزراء.
فقال له الوزير: لا بل من السلطان.
قال: لم؟ قال: لأيّ شئ استوزر مثل هذا الرجل!! فقال السلطان: صدقتَ.
وكان للشيخ مجالس وعظ، يحضرها الخاصّ والعامّ.
وله مؤلّفات، منها: "حواش على شرح اللب" للسيّد عبد الله، و "حواش على شرح العقائد" للتفتازاني، و "حواش على التلويح"، وغير ذلك.
قلت: أرّخ صاحب "كشف الظنون" وفاته عند ذكر محشّي "شرح العقائد" سنة ثلاث وأربعين وتسعمائة.
* * *
٣٥٣ - الشيخ الفاضل المولى أحمد بن عبد الله المشتهر بالفوري *.
كان ﵀ في أول أمره من عبيد إسكندر جلي الدفتري، فلمّا تفرّس فيه مخايل أرباب السداد وشمائل أصحاب الرشاد لم يزل ساعيا في تهذيبه وإقرائه، حتى انتظم في سلك أرباب الاستعداد، ثم دخل مجالس السادة، منهم: المولى أحمد المشتهر بطاشكبري زاده، وقرأ على المولى عبد الباقى،
стр. 869
وغيره، من الأعيان، حتى صار ملازما من المولى مصلح الدين، المشتهر بـ "بستان"، ثم درّس في عدّة مدارس، وجعل يزاول العلوم، ويمارس، حتى ولي "مدرسة قبلوجه" بـ "بروسه" بأربعين، ثم مدرسة على باشا بـ "قسطنطينية" بخمسين، ثم نقل إلى مدرسة زوجة السلطان سليمان المشتهرة بـ "المدرسة الخاصكية"، ثم إلى إحدى المدارس الثمان، ثم إلى مدرسة السلطان بايزيدخان بمدينة "دمشق"، وفوّض إليه الإفتاء بهذه الديار، وعين له كلّ يوم ثمانون درهما، فلم يذهب كثير، حتى توفي ﵀ سنة ثمان وسبعين وتسعمائة. وقيل في تاريخه: "برفت فوري".
وكان ﵀ عالما فاضلا، ذكيّ الطبع، خفيف الروح، لطيف المباحثة، لذيذ الصحبة.
وقد ولع في آخر عمره في مطالعة الكتب، وتحرير الخواطر، وقد كتب حواشى على بعض المواضع من "تفسير البيضاوي"، وبيّضها في كراريس، وعلّق حواشى على "الدرر والغرر" للمولى خسرو، من أول الكتاب إلى آخره.
وله يد في قول الشعر بالتركي، والإنشاء، وله بعض رسائل منشآت على لسان العرب، وله رسالة لطيفة في علم الخطّ، وقد قال في أول ديباجتها: الحمد لمن علّم بالقلم، علّم الإنسان ما لم يعلم، والصلاة والسلام على النبي الأمي الأكرم، الذي ما خطّ في القط قط وما رقم. وقال في آخرها: وجعلتها رسالة منفردة، ومجلّة متفردة ليسهل تحريره على أصحاب القلم، ويتيسّر نظيره لأرباب الرقم، هدية لكلّ كاتب طالب، وتحفة لكلّ راقم راغب، راجيا أن تبقى هي ببقاء الزمان، وينتفع بها في بعض الأوقات
стр. 870
والأوان، وتكون وسيلة لدعائهم لهذا العبد الجاني بعد انقراض عمري، وأوني، امتثالا لقول مَنْ قال: الخطّ باقي، والعمر فاني.
* * *
٣٥٤ - الشيخ الصالح الفقيه الزاهد شهاب الدين أحمد بن عبد الله الكهتوي السركهيجي، أحد المشايخ المشهورين في أرض "الهند " *.
ولد بـ "كهتو"، قرية من أعمال "ناكور" في سنة سبع وثلاثين وسبعمائة، وتربّي في حجر الشيخ إسحاق المغربي، وتفنّن في الفضائل عليه، ثم لبس الخرقة منه، ولازمه إلى وفاته، ثم سافر إلى الحرمين الشريفين من طريق البحر، فحجّ، وزار، ورجع إلى "تته"، ثم سافر إلى "بخارى"، ورجع إلى "الهند"، فلمّا وصل إلى "كجرات" سنة اثنين وثمانمائة، وكان مظفّر شاه صاحب "كجرات" يعرفه، لأنه كان بـ "دهلي" أميرا من أمراء فيروز شاه ملك "الهند"، فكلّفه الإقامة لديه، فسكن بقرية "سركهيج"، وحصل له الوجاهة والقبول عند الملوك والأمراء، وبايعه أحمد شاه الكجراتي، ومصّر مدينة كبيرة على ثلاثة أميال من "سركهيج"، وسمّاها "أحمد آباد".
له ملفوظات تسمّى بـ "تحفة المجالس"، جمعها محمود بن سعيد الإيرجي، فيها أنه لما وَصَلَ إلى "سمرقند" دخل في مسجد على عادته، فرأى عالما يدرّس، وطلبة العلم حوله، يقرؤن عليه، وكان أحمد عليه ثياب رثّة، وعلى رأسه
стр. 871
قلنسوة بغير عمامة، فجلس في صفّ النعال، وكان أحد منهم يقرأ عليه "الحسامي"، ويخطئ في الإعراب، وشيخهم يسمع، ولا يصلح الخطأ، فدخل أحمد فيه، فلمّا علم الشيخ ذلك قرّبه إليه، وتلطّف به، وسأله عن أشياء من علم الأصول، فأجابه بما يشفى العليل، ويروي الغليل، فقال الشيخ: إنك مع هذا العلم الغزير كيف تلبس ثيابا بالية، وقلنسوة عارية؟ فقال أحمد: إن العلم مفخرة، فإن كنتُ لابسا مع ذلك العلم لباسا فاخرا فسدت النفسُ، وسائتْ أخلاقُها. انتهى.
وله رسالة صنّفها للسلطان أحمد الكُجْراتي، شرحها أبو حامد إسماعيل بن إبراهيم، ونقلَ عنه عبدُ الله بن محمد بن عمر الآصفي الكُجْراتي في "تاريخ كُجْرات" في مولد الشيخ ووفاته وعمره ما صورته: أنه قدّس سرّه، ولد بـ "كهتو" من أعمال "ناكور" في سنة سبع وثلاثين وسبعمائة، وتوفي في يوم الخميس قبل الزوال في الرابع عشر من شوّال من سنة تسع وأربعين وثمانمائة بدار مسكنه "سركهيج"، ونظم الشارح أبياتا في رثائه، مطلعها:
إن حزنا لنا أتمّ ببال … نحن كالطين وهو مثل جبال.
وبيت تاريخها:
طاء وميم على ثمان مئات … كان دال ياء من الشوّال.
وبيت ضابط عمره:
عمره دلّنا على أنه قطب … مات يوم الخميس قبل الزَّوال.
قال الآصفى: ورثاه بعضُ الشعراء في مجلس السلطان محمد بن أحمد بيتين يعزيه، وضمن الدعاء له ضابط وفاته، وأجاد، وهما:
جو شيخ أحمد إمام دين ودنيا … سوى فردوس مي شد خرم وشاد.
فلك ميكفت در تاريخ آن سال … "شه عالم محمد رابقا باد".
* * *
стр. 872
٣٥٥ - الشيخ الفاضل أحمد بن عبد الحليم الرومي، الشهير بحليمي زاده *.
كان مؤرّخا.
درّس بمدرسة داود باشا.
له "تاريخ كبير"، و"سلسلة العلماء".
توفي سنة ١٠٦٧ هـ.
* * *
٣٥٦ - الشيخ الفاضل أحمد بن عبد الرحمن بن إسحاق ابن أحمد بن عبد الله، أبو نصر، الريغذموني المعروف بالقاضي الجمال * *.
كان إمامًا فاضلًا، ولي قضاء "بخارى".
وروى عن أحمد بن عبد الله بن الفضل الخيزاخزي، وروى عنه أبو بكر عبد الرحمن ابن محمد النيسابوري، وأبو القاسم محمود بن أبي توبة الوزير، وغيرهما.
стр. 873
وكانتْ ولادته في شوّال، سنة أربع عشرة وأربعمائة.
ووفاته في شهر رمضان، من سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة، بـ "بخارى".
والريغذموني، بكسر الراء المهملة، وسكون الياء آخر الحروف، والغين المعجمة، وضمّ الميم، وسكون الواو، وفي آخرها النون، نسبة إلى "ريغذمون"، قرية من قرى "بخارى". والله تعالى أعلم.
قللت: قد ذكره السمعاني عند ذكر الريغذموني حيث قال: منها: القاصي أبو نصر أحمد بن عبد الرحمن بن إسحاق بن أحمد بن عبد الله الريغذموني البخاري، المعروف بالقاضي الجمال كان إماما، فاضلا، عاقلا، ولي القضاء، وأملى الأمالي، وكتبوا عنه. سمع والده أبا أحمد عبد الرحمن بن إسحاق الريغذموني، وأحمد بن عبد الله بن الفضل الخيزاخزي، وجماعة، وابنه محمد بن أحمد بن عبد الرحمن الريغذموني ممن تفرّد في وقته بالسكون والوقار والمحافظة على الصيانة والديانة. فوّض إليه الإمامة والخطابة بـ "بخارى". سمع جدّه أبا أحمد عبد الرحمن، وأبا سعد سليمان بن إبراهيم ابن أحمد السَّرَخْسي، ومن دونه. وتوفي بـ "بخارى" في جمادى الأولى سنة ثمان عشرة وخمسائة. انتهى ملخّصا. وسيأتي ذكر حامد ابن محمد.
* * *
٣٥٧ - الشيخ الفاضل أحمد بن عبد الرحمن بن علي ابن عبد الملك بن بدر بن الهيثم بن خلف أبي عصمة بن أبي الهيثم بن
стр. 874
أبي حُصين ابن أبي عبد الله بن أبي القاسم اللخمي، القاضي *.
قدم "مصر" من "الرقّة"، وحدّث عن أبي يونس بن أحمد بن أبي سلمة الرافقي.
روى عنه محمد بن علي الصوري.
قال في "الجواهر": ذكره شيخنا قطب الدين في "تاريخ مصر"، وقال: مات سنة ثلاث عشرة وأربعمائة، رحمه الله تعالى.
* * *
٣٥٨ - الشيخ الفاضل أحمد بن عبد الرحمن بن محمد شهاب الدين ابن قاضي عجلون، كاتب السر، بـ "دمشق " * *.
وهو والد قاضي القضاء علاء الدين، قاضي "دمشق".
توفي سنة إحدى وستين وثمانمائة، -تغمّده الله تعالى برحمته-.
* * *
٣٥٩ - الشيخ الفاضل أحمد بن عبد الرحمن أبو حامد، النيسابوري، السرخكي * * *.
стр. 875
بضم السين، وسكون الراء، وفتح الخاء المعجمة، والكاف في آخرها؛ قرية على باب "نيسابور".
كذا قاله في "الجواهر".
ذكر أنه سمع أبا الأزهر العبدي، ومحمد بن يزيد السلمي.
وروى عنه أبو العبّاس أحمد بن هارون، وغيره.
وتوفي في شهر رمضان، سنة ستّ عشرة وثلاثمائة، انتهى.
وذكره ياقوت في "معجم البلدان"، كما ذكره صاحب "الجواهر" إلا أنه قال: أحمد ابن عبد العزيز.
قلت: قد ذكر السمعاني في "الأنساب" عند ذكر السرخكي، فقال: المشهور بهذه النسبة أبو حامد أحمد بن عبد الرحمن السرخكي، ذكره الحاكم أبو عبد الله الحافظ في "تاريخ نيسابور"، وقال: هو من فقهاء أهل الرأي، سمع أبا الأزهر العبدي، ومحمد بن يزيد السلمي. وقد روى كتب حفص بن عبد الرحمن عن محمد بن يزيد، ثم قال الحكم: سمعتُ عبد الله ابن جعفر، يقول، توفي أحمد السرخكي صاحب كتب حفص والقراءات في رمضان سنة ستة عشر وثلثمائة. انتهى.
* * *
٣٦٠ - الشيخ الفاضل أحمد بن عبد الرحمن القسطنطيني، الرومي ،
стр. 876
المعروف بالبشكطاشي *.
له "ترتيب اللآلي في سلك الأمالي".
توفي سنة ١١٣٦ هـ.
* * *
٣٦١ - الشيخ الفاضل أحمد بن عبد الرحيم بن شعبان الدمشقي، ابن النحّاس * *.
صحب الشيخ زين الدين الردادي، وانتفع به.
وقرأ "ألفية ابن معطي" على ابن مالك.
وكان يقرئ بالروايات، مع الدين والعبادة وملازمة الجماعة.
مات في المحرّم، سنة إحدى وسبعمائة. رحمه الله تعالى.
* * *
٣٦٢ - الشيخ الفاضل أحمد بن عبد الرحيم بن عبد الكريم الصفي بوري، أحد العلماء المبرزين في العلوم الأدبية * * *.
стр. 877
أخذ عن والده.
وله شرح على "قصائد عرفي".
مات في بضع وستين ومائتين وألف بـ "كلكته"، كما في "محبوب الألباب".
* * *
٣٦٣ - الشيخ الفاضل إمام الهند أحمد ولي الله بن عبد الرحيم بن وجيه الدين بن الشيخ معظم بن الشيخ منصور بن الشيخ أحمد بن الشيخ محمود بن الشيخ نظام الدين بن الشيخ كمال الدين بن الشيخ ثاني بن الشيخ القاضي قاسم بن الشيخ القاضى بدها بن الشيخ عبد الملك بن الشيخ قطب الدين بن الشيخ كمال الدين (أول) بن الشيخ شمس الدين مفتي بن الشيخ شير ملك بن الشيخ محمد بن أبي الفتح بن عمر بن عادل بن فاروق بن جرجيس بن أحمد بن محمد بن عثمان بن بامان بن بمايون بن قريش بن سليمان بن عفان بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب العمري العدوي القريشي الدهلوي *.
стр. 878
هو الإمام الهمام، حجّة الله بين الأنام، إمام الأئمة، قدوة الأمّة، علامة العلماء، وارث الأنبياء، آخر المجتهدين، أوحد علماء الدين، زعيم المتضلّعين بحمل أعباء الشرع المتين، محي السنّة، وعظمت به لله علينا المنة، شيخ الإسلام.
العالم الفاضل النحرير أفضل من بثّ العلوم، فأروى كلّ ظمآن.
стр. 879
كان السلف من آبائه من حفدة السيّد ناصر الدين الشهيد ومشهده ببلدة سوني بت، معروف، يزار، ويتبرّك به، وجدّه الشيخ وجيه الدين العمري الشهيد حفيد للسيّد نور الجبّار المشهدي، ونسبه يتّصل بالإمام موسى الكاظم عليه وعلى آبائه السلام، وكان أبوه الشيخ عبد الرحيم من وجوه مشايخ "دهلي"، ومن أعيانهم.
له حظّ وافر من العلوم الظاهرة والباطنة، مع علوّ كعبه في طريقة الصوفية، وهو بشّر بولده في رؤيا صالحة، بشّره بذلك الشيخ قطب الدين بختيار الأوشي، وقال له: أن يسمّيه باسمه إذا ولد، فلذلك قيل له: "قطب الدين"، وهو ولد يوم الأربعاء لأربع عشرة خلون من شوّال سنة أربع عشرة ومائة وألف في أيام عالمغير، فلمّا بلغ من عمره ما يندفع فيه الموفق من السعداء إلى طريق العلم وطلبه، وينسلك فيه بين نظام طلابه أخذ العلوم عن والده الشيخ عبد الرحيم المذكور (١).
وقرأ عليه الرسائل المختصرة بالفارسية، والعربية، وشرع في "شرح الكافية" للعارف الجامى، وهو ابن عشر سنين، تزوّج وهو ابن أربع عشرة سنة، وبايع والده، واشتغل عليه بأشغال المشايخ النقشبندية، وقرأ "تفسير البيضاوي"، وأجيز بالدرس، وفرغ من التحصيل، وهو في الخامس عشرة من
стр. 880
سنّه، وكان قرأ طرفا من "المشكاة"، و "صحيح البخاري"، و"شمائل الترمذي"، و"المدارك"، ومن علم الفقه "شرح الوقاية"، و"الهداية" بتمامهما، إلا طرفا يسيرا، ومن أصول الفقه "الحسامي"، وطرفا صالحا من "التوضيح"، و"التلويح"، ومن المنطق "شرح الشمسية"، وقسما من "شرح المطالع"، ومن الكلام "شرح العقائد"، وجمله من "الخيالي"، و"شرح المواقف"، ومن التصوّف قطعة من "العوارف"، ومن الطبّ "موجز القانون"، ومن الحكمة "شرح هداية الحكمة"، ومن المعاني "المختصر"، و"المطوّل"، وبعض الرسائل في الهيئة والحساب إلى غير ذلك، وكلّها على أبيه.
وكان يختلف في أثناء الدرس إلى إمام الحديث في زمانه الشيخ محمد أفضل السيالكوتي، فانتفع به في الحديث، واشتغل بالدرس نحوا من اثنتي عشرة سنة، وحصل له الفتح العظيم في التوحيد والجانب الواسع في السلوك، ونزل على قلبه العلوم الوجدانية فوجا فوجا، وخاض في بحار المذاهب الأربعة، وأصول فقههم خوضا بليغا، ونظر في الأحاديث، التي هي متمسّكاتهم في الأحكام، وارتضى من بينها بإمداد النور الغيبي طريق الفقهاء المحدّثين، واشتاق إلى زيارة الحرمين الشريفين، فرحل إليها سنة ثلاث وأربعين ومائة وألف، ومعه خاله الشيخ عبيد الله البارهوي وابن خاله محمد عاشق، وغيرهما من أصحابه، فأقام بالحرمين عامي ن كاملين، وصحب علماء الحرمين صحبة شريفة، وتلمّذ على الشيخ أبي طاهر محمد بن إبراهيم الكُرْدي المدني في المدينة المنوّرة، فتلقّى منه جميع "صحيح البخاري"، ما بين قراءة وسماع، وشيئا من "صحيح مسلم"، و"جامع الترمذي"، و "سنن أبي داود"، و"سنن ابن ماجه"، و "موطأ الإمام مالك"، و "مسند الإمام أحمد"، و"الرسالة" للشافعي، و "الجامع الكبير"، وسمع منه "مسند الحافظ