التربة يوم السبت، واتفق الناس على أن يوم السبت لم يقع فيه خلق، وأن ابتداء الخلق يوم الأحد.
وقد روى مسلم عن أبي سفيان أنه قال للنبي ﷺ لما أسلم يا رسول اللَّه أعطني ثلاثا: تزوج ابنتي أم حبيبة، وابني معاوية، اجعله كاتبا، وأمرني أن أقاتل الكفار كما قاتلت المسلمين، فأعطاه النبي ﷺ ما سأله، والحديث معروف مشهور.
وفي هَذَا من الْوَهم مَا لا يخفى، فَأم حَبِيبَة تزَوّجهَا رَسُول اللَّه ﷺ ، وَهِي بِـ "الحبَشَةِ"، وَأصْدقهَا النَّجَاسِيّ عَن النَّبِي ﷺ أَربعمائَة دِينَار، وَحضر، وخطب، وأطعم، والقصة مَشْهُورَة، وَأَبُو سُفْيَان إِنَّمَا أسلم عَام الْفَتْح، وَبَين هِجْرَة "الحبَشَة" وَالْفَتْح عدَّة سِنِين، وَمُعَاوِيَة كَانَ كَاتبا للنَّبِي ﷺ من قبل، وَأما إمارة أبي سُفْيَان فقد قَالَ الحْفاظ: إنهم لَا يعرفونها.
فيجيبون على سَبِيل التجوّه بأجوبة غير طائلة، فَيَقُولُونَ في إنكاح ابْنَته: اعتقد أَن نِكَاحهَا بِغَيْر إذنه لَا يجوز، وَهُوَ حَدِيث عهد بِكفْر، فَأَرَادَ من النَّبِي ﷺ تَجْدِيد النِّكَاح، ويذكرون عَن الزبير بن بكّار بأسانيد ضَعِيفَة أَن النَّبِي ﷺ أمره في بعض الْغَزَوَات، وَهَذَا لَا يعرف، وَمَا حملهمْ على هَذَا كُله إِلَّا بعض التعصّب.
وَقد قَالَ الحْفاظ: إن مُسلما لما وضع كِتَابه "الصَّحِيح" عرضه على أبي زرْعَة الرَّازِىّ، فَأنْكر عَلَيْه، وتغيظ، وَقَالَ: سميته "الصَّحِيح"، فَجعلت سلّما لأهل الْبدع وَغَيرهم، فَإِذَا روى لهُم الْمُخَالف حَدِيثا يَقُولُونَ: هَذَا لَيْسَ في "صَحِيح مُسلم"، فرحم اللَّه أَبَا زرْعَة، فقد نطق بِالصَّوَابِ، فقد وَقع هَذَا.
وَمَا ذكرت ذَلِك كُله إِلَّا أَنَّهُ وَقع بيني وَبَين بعض الْمُخَالفين بحث في مسئلة التورّك، فَذكر لي حَدِيث أبي حميد الْمَذْكُور أَولا، فأجبته بتضعيفه
стр. 8437
الطَّحَاوِيّ لهُ فياما تلفظ، وَقَالَ: وَيصِيح، وَيَقُول: مُسلم يصحح، والطَّحَاوِي يضعف، اللَّه يغْفر لي وَله، آمين.
فائدة: ذكر الإِمَام أَبُو بكر الْبَيْهَقِيّ في أول كِتَابه "الْأَوْسَط" الْمَعْرُوف بـ "السنن والْآثَار"، وَإِنَّما قلت: "الْأَوْسَط"، لِأَنَّ لَهُ في السّنة ثَلَاثة مصنفات: الأول: السّنَن الْمَعْرُوف بـ "السنن الْكَبِير" نَحْو خمسَة عشر مُجَلدا. وَالثَّانِي: السنن الْمَعْرُوف بِـ "مَعْرِفَة السنَن والْآثَار" في ثَلَاث مجلدات. وَالثَّالِث: "السّنَن الصَّغِير" في مُجَلد.
فرأيت في كتابه "الأوسط" قال البيهقي وحين شرعت في كتابي هذا جاءني شخص من أصحابي بكتاب لأبي جعفر الطحاوي، فكم من حديث ضعيف فيه صححه لأجل رأيه، كم من حديث فيه صحيح ضعفه لأجل رأيه هكذا.
قال وحاشا للَّه أن الطحاوي ﵀ يقع في هذا، فهذا الكتاب الذي أشار إليه هو الكتاب المعروف بـ "معاني الآثار"، وقد تكلمت على أسانيده، وعزوت أحاديثه وآثاره إلى الكتب الستة، و"المصنف" لابن أبي شيبة والطبراني، كتب الحفاظ، ووصلت فيه إلى الربع، وسميته بـ "الحاوي في بيان آثار الطحاوي"، فاسئل اللَّه إتمامه في خير وعافية، وكان ذلك بإشارة شيخنا العلامة الحجّة قاضي القضاة علاء الدين، والد شيخنا قاضي القضاة جمال الدين لما سأله بعض الأمراء عن ذلك، وقال له عندنا "كتاب الطحاوي"، فإذا ذكرنا لخصمنا الحديث منه يقولون لنا: ما نسمع إلا من البخاري ومسلم في كلام نحو هذا، فقال له قاضي القضاة علاء الدين: والأحاديث التي في الطحاوي أكثرها في البخاري ومسلم والسنن وغير ذلك من كتب الحفاظ في كلام نحو هذا، فقال له الأمير أسئلك أن تخرجه، وتعزو أحاديثه إلى هذه الكتب، فقال له قاضي القضاة: ما أتفرغ
стр. 8438
لذلك، ولكن عندي شخص من أصحابي يفعل ذلك، وتكلم معه ﵀ في الإحسان إلي وعظمني عنده، وجعلني أمة في هذا العمل، فحملني إلى الأمير، وأحسن إلي، وأمدني الأمير بكتب كثيرة، كـ "الأطراف" للمزي و"تهذيب الكمال" له، وغيرهما، وشرعت فيه.
وكان ابتدائي فيه في سنة أربعين، وأمدَّني شيخنا قاضي القضاة ﵀ بكتاب لطيف، فيه أسماء شيوخ الطحاوي، وقال لي: هذا يكفيك من عندي. فحصل لي النفع العظيم به. ووجدتُ الطحاوي قد شارك مسلما في بعض شيوخه، كيونس بن عبد الأعلى، فوقع لي في كثير من الأحاديث أن الطحاوي يروي الحديث عن يونس بن عبد الأعلى، ويسوقه، ومسلم يرويه بعينه عن يونس بن عبد الأعلى بسند الطحاوي، وواللَّه لم أر في هذا الكتاب شيئا مما ذكره البيهقي عن الطحاوي، وقد اعتنى شيخنا قاضي القضاة علاء الدين، ووضع كتابا عظيما نفيسا على "السنن الكبير" له، وبين فيه أنواعا مما ارتكبها من ذلك النوع، الذي رمى به البيهقى الطحاوي، فيذكر حديثا لمذهبه، وفي سنده ضعيف، فيوثقه، ويذكر حديثا على مذهبنا، وفيه ذلك الرجل بعينه الذي وثَّقه، فيضعَّفه، ويقع هذا في كثير من المواضع، وبين هذين العلمين مقدار ورقتين أو ثلاثة، وهذا كتابه موجود بأيدي الناس، فمن شكَّ في هذا فلينظرْ فيه، وكتاب سيّدنا قاضي القضاة هذا قد أخذته عنه، وهو عندي في مجلدين كبيرين، وهو كتاب عظيم، ولو رآه من قبله من الحفَّاظ لسألوه تقبيل لسانه الذي تفوه بهذا، كما سأل أبو سليمان الدارني أبا داود، صاحب "السنن" أن يخرج إليه لسانه، حتى يقبله، والقصة مشهورة.
ويقول الناس: إن الشافعي له فضل على كل أحد، والبيهقي فضله على الشافعي، فواللَّه ما قال هذا من شم ترجمة الشافعي وعظمته ونشأته في العلوم، ولقد أخرج الشافعي بابا من العلم ما اهتدى إليه الناس من قبله، وهو علم الماسخ والمنسوخ، فعليه مدار الإسلام، مع أن البيهقي إمام حافظ كبير،
стр. 8439
نشر السنة، ونصر مذهب الشافعي في زمنه، ورأيت في ترجمته في كتاب عتيق بخط بعض الثقات أنه كان موصوفا بالزهد، وأنه رأى رب العزة في النوم غير مرة، ووقعت له بمجلد صخم، سماه "الزهد الكبير"، صنفه ﵀، وسمعته من بعض مشايخنا، وهو عندي، وهو كتاب يدل على عظمته ﵀، ورحم أئمة المسلمين.
والأثر وأهل الفقه والنظر، ولقد رأيت في بعض التواريخ عن الإمام الشافعي ﵁ أنه زار الإمام أبا حنيفة بـ "بغداد"، وقال: فأدركتني صلاة الصبح وأنا عند ضريحه، فصليت الصبح، ولم أجهر بالبسملة، ولاقنت حياء من أبي حنيفة، ﵀.
فائدة: قال بعض علماء الشافعية ﵃: زاد أبو حنيفة تكبيرة في الصلاة من عنده، لم تثبت في السنة، ولا دل عليها قياس.
قلت: يشير إلى أن مصلي الموتر إذا أراد أن يقنت كبر ورفع يديه، ثم قنت، ومعاذ اللَّه أن الإمام أبا حنيفة يشرع شرعا من عنده، ولا شك أنه إذا فرغ من القراءة، وأراد أن يقنت قبل الركوع، فقد اختلفت الحالتان بين القراءة وبين دعاء القنوت، فيفصل بينهما بتكبيرة، لأنها من جنس الصلاة.
وقد روي عن أبي بن كعب رضي اللَّه أن النبي ﷺ كان يقنت في الوتر في الثالثة قبل الركوع، رواه النسائي، وخرجه الشيخ في "الإلمام"، فمعلوم أن النبي ﷺ فصل بين القراءة ودعاء القنوت، فيحتمل أنه فصل بتكبيرة، وقد رأينا الانتقال في الصلاة من حالة إلى حالة بالتكبير، كالانحطاط من القيام إلى الركوع، ثم من الركوع إلى القيام، ثم من القيام إلى السجود، ثم من الرفع من السجود. واللَّه أعلم.
قال أبو نصر الأقطع بعد أن ذكر قول هذا الشافعي عن أبي حنيفة: وهذا خطأ منه، فإن ذلك مروي عن علي وابن عمر والبراء بن عازب ﵃، والقياس يدل عليه أيضًا، فإن التكبير للفصل والانتقال من حال
стр. 8440
إلى حال، وحال القنوت مخالفة لحال قراءة القرآن، فبطل قوله.
فائدة: المحرم عليهم الصدقة من بني هاشم، هم آل علي، وآل عباس، وآل جعفر، وآل عقيل، وآل الحارث بن عبد المطلب.
قال علي بن صالح: كان لعبد المطلب عشرة من الولد كل واحد منهم يأكل جذعة، وهم الحارث، والزبير، والمغيرة، ولقبه جحل بتقديم الجيم، وقيل: بالعكس، ويقال: الغيداق أيضًا، وضرار، والمقوّم وأبو لهب، واسمه عبد العزّى، وقثم، وأبو طالب، وحمزة، والعبّاس، وهو أصغرهم، قال أبو سعد: والعقب من بني عبد المطلب للعباس، وأبي طالب، والحارث، وأبي لهب، وقد كان لحمزة والمقوّم والزبير وجحل بني عبد المطلب أولاد لأصلابهم، فهلكرا، والباقون لم يعقبوا، الحارث كان أكبر عمومة النبي ﷺ ، ولم يدرك الإسلام، وأسلم من أولاده أربعة: نوفل، وربيعة، وأبو سفيان، وعبد اللَّه، ونوفل أسنّ من إخوته، وأسنّ من سائر بني هاشم، وأبو طالب له من الولد طالب، مات كافرا، وعقيل، وجعفر، وعلى، وأمّ هانئ، لهم صحبة. وطالب أسنّهم، أسنّ من عقيل بعشر سنين، وعقيل أسنّ من جعفر بعشر سنين، وجعفر أسنّ من علي بعشر سنين.
ومن أولاد أبي طالب أيضًا جمانة، ذكرها أبو موسى في الصحابيات، وقسم لها رسول اللَّه ﷺ ثلاثين وسقا من "خيبر". والعباس بن عبد المطلب أسلم هو وحمزة من أعمامه، وكان أسنّ من النبي ﷺ بثلاث سنين، وكان له عشرة من الذكور: الفضل، وعبد اللَّه، وقثم، لهم صحبة، والثلاثة إخوة أشقاء، أمهم أم الفضل لبابة بنت الحارث أخت ميمونة، والفضل أكبر أولاد العباس ﵃.
فائدة: الإمام فخر الدين الرازي، اشتهر بهذا اللقب والنسب عالمان كبيران: صاحبا فنون وتصانيف، حنفي وشافعي، فالحنفي أحمد بن علي،
стр. 8441
صاحب "أحكام القرآن" وغيره، مولده سنة خمس وثلاثمائة، وتوفي يوم الأحد في ذي الحجة سنة سبعين وثلاثمائة.
والشافعي محمد بن عمر، مولده سنة ثلاث، وقيل: أربع وأربعين وخمسمائة بـ "الري"، وتوفي سنة ست وست مائة بمدينة "هراة"، وللحنفية أيضًا محمد بن عمر الرازي أبو الفضائل الإمام فخر الدين، مات سنة ست وخمسين وستمائة بـ "هراة"، ومحمد بن عمر الحنفي وافق الشافعي في الاسم وفي اسم الأب، وفي اللقب، وفي النسبة، والمعاصرة، وفي الوفاة، وفي السنة والبلد.
فائدة: الزعفراني اشتهر بها إمامان كبيران: حنفي، وشافعي.
فالحنفي محمد بن أحمد بن أحمد بن محمد بن عبدوس، مات سنة ثلاث، وقيل: سنة أربع وتسعين وثلاثمائة. والشافعي الحسن بن محمد بن الصباح، روى عنه أبو داود، والترمذي. ومات سنة تسع وأربعين ومائتين.
فائدة: الشاشي هذه النسبة، اشتهر بها إمامان كبيران: حنفي، وشافعي، فالحنفي أبو علي أحمد بن محمد بن إسحاق، جعل له الكرخي التدريس لما أصابه الفالج، توفي سنة أربع وأربعين وثلاثمائة، والشافعي أبو بكر محمد بن علي بن إسماعيل المعروف بالقفال، مات سنة أربع عشرة وثلاثمائة.
فائدة: البيهقي نسبة لإمامين كبيرين: حنفي، وشافعي، فالحنفي إسماعيل بن الحسين، صاحب "كتاب الشامل"، والشافعي أبو بكر أحمد بن الحسن صاحب "السنن"، وغيررها، مات سنة ثمان وخمسين وأربعمائة.
فائدة: ابن خزيمة اشتهر بهذا إمامان كبيران متعاصران: حنفي، وشافعي.
الحنفي محمد بن خزيمة، مات سنة أربع عشرة وثلاثمائة.
стр. 8442
والشافعي محمد بن [إسحاق بن] خزيمة، مات في ذي القعدة سنة إحدى عشرة وثلاثمائة، أدرك أصحاب الشافعي، وتفقه عليهم.
فائدة: الكرابيسى نصبة لإمامين كبيرين: حنفي، وشافعي.
الحنفي عين الأئمة عمر، والشافعي الحسين بن علي صاحب الشافعي.
فائدة: الكرخي "كرح جدان"، اشتهر بذلك إماعان كبيران: حنفي، وشافعي، الحنفي عبد اللَّه بن دلهم أبو الحسن، مولده سنة ستين ومائتين، ومات بعد سنة أربعين وثلاثمائة، والشافعي أحمد بن سلامة بن عبيد اللَّه، مات سنة سبع وعشرين وخمسمائة من أصحاب أبي إسحاق الشيرازي.
فائدة: إمام الحرمين لقب لإمامين كبيرين: حنفي، وشافعي. الحنفي أبو المظفّر يوسف القاضي لجرجاني، ذكره صاحب "حماة" في "تاريخه"، جد إبراهيم بن محمد بن يوسف العابوني، كان جد إبراهيم إماما، تقدم في بابه. والشافعي أبو المعالي عبد الملك ابن الإمام أبي محمد عبد اللَّه بن يوسف ابن عبد اللَّه بن يوسف بن محمد بن حيويه الجويني أعلم المتأخرين، من أصحاب الشافعي، مولده في ثامن عشر المحرم، سنة تسع عشرة وأربعمائة، وتوفي في خامس عشرين من شهر ربيع الآخر، سنة ثمان وسبعين وأربعمائة.
أقام بـ "مكة" و"المدينة" أربع سنين يدرس، ويفتي، فلهذا لقب بإمام الحرمين.
فائدة: للحنفية محمد بن محمد بن محمد ثلاثة متوالية: رضي الدين، صاحب "البحر المحيط"، وللشافعية محمد بن محمد بن محمد زين الدين الغزالي، صاحب "الوسيط"، و"الإحياء"، وغيرهما.
فائدة: للحنفية ابن الباقلاني إمام كبير، يعرف بابن الباقلاني، وهو الحسن ابن معالي بن مسعود.
стр. 8443
تقدم في بابه، مات سنة سبع وثلاثين وستمائة.
وللشافعية الإمام الكبير المتكلم ابن الباقلاني، أبو بكر.
مات بـ "بغداد" سنة ثلاث وأربعمائة.
فائدة: الصبغي بكسر الصاد المهملة، وسكون الموحدة، والغين المعجمة.
نسبة إلى الصبغ، والصباغ، وهو ما يصبغ به من الألوان، اشتهر بها إمامان: حنفي، وشافعي.
فالحنفي أحمد بن عبد اللَّه بن يوسف السمرقندي.
مات سنة ست وعشرين وخمسمائة.
والشافعي محمد بن عبد اللَّه بن محمد النيسابوري.
مات سنة أربع وأربعين وثلاثمائة.
فائدة: الجرجاني نسبة وشهرة لإمامين كبيرين متعاصرين: حنفي، وشافعي.
فالحنفي محمد بن يحيى بن مهدي.
تفقه على أبي بكر الرازي.
تفقه عليه القدوري.
مات سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة.
والشافعي محمد بن الحسين، له وجوه حسنة في المذهب.
مات سنة ست وثمانين وثلاثمائة.
فائدة: عبد السيّد، اشتهر بهذا جماعة حنفيون، عبد السيد بن علي، يعرف بابن الزيتوني، مات سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة، وعبد السيّد الخطيبي، وعبد السيّد والد ناصر الأمام صاحب "المغرب" المطرزي، وللشافعية عبد السيّد ابن محمد بن نصر، تفقه على الشيخ أبي إسحاق في معرفة المذهب، مات سنة سبع وسبعين وأربعمائة.
стр. 8444
فائدة: لنا بلخي بالباء الموحّدة والخاء المعجمة، وثلجي بالثاء المثلثة والجيم، فالأول أبو مطيع، صاحب الأمام، والثاني محمد بن شُجاع، وهو المذكور في أول الجمعة من "الهداية"، ويصحفه بعضهم بالباء الموحدة والخاء المعجمة، وهو غلط.
فائدة: إذا أطلق ابن عباس لا يراد به إلا عبد اللَّه بن عباس الصحابي، هذا هو اصطلاح العلماء من الفقهاء والمحدثين، وأما إطلاق صاحب "الهداية" في أواخر باب الإحرام، حيث قال: ثم وقف بـ "المزدلفة"، ووقف الناس معه، ودعا لأن النبي ﷺ وقف في هذا الموضع يدعو، حتى روى في حديث ابن عباس استجيب له دعاؤه لأمته، حتى الدماء والمظالم، وهذا الإطلاق ليس يجيد، فإنه ليس بابن عباس الصحابي، وإنما هو كنانة ابن عباس بن مرداس السلمي.
روى هذا الحديث عن أبيه عن جدّه، ورواه عنه ابنه عبد اللَّه بن كنانة، وعبد اللَّه بن كنانة، ضعيفان، ضعّفهما البخاري، وابن حبّان، وهذا الحديث ضعيف بهما.
فائدة: قال صاحب "الخلاصة" في الأيمان لما روى خارجة بن زيد عن أبيه عن جدّه عن النبي ﷺ أنه سئل عن رجل، قال: هو يهودي أو نصراني أو برئ من الإسلام أن فعل كذا، ثم حنث قال: عليه كفارة يمين، فقوله خارجة بن زيد عن أبيه عن جدّه غلط، وإنما هو خارجة بن زيد عن أبيه، والحديث.
رواه البيهقي، عن سليمان بن أبي داود، عن الزهري، عن خارجة، عن أبيه، ثم قال: ولا أصل له من حديث الزهري، ولا غيره.
تفرد به سليمان بن أبي داود، ضعفه الأئمة، وتركوه.
قلت: وخارجة أحد الفقهاء السبعة، وأبوه زيد بن ثابت، ﵁، كاتب النبي ﷺ .
стр. 8445
فائدة: من الفواطم الصحابيات: فاطمة بنت قيس، التي طلقها زوجها، وفاطمة بنت أبي حُبيش، إحدى المستحاضات على عهد رسول اللَّه ﷺ ، وأبو حُبيش اسمه قيس، فتارة يقولون: فاطمة بنت قيس، وتارة يقولون: فاطمة بنت أبي حُبيش.
وبعضهم يفرق بينهم، فيقولون: فاطمة بنت قيس، التي طلقها زوجها، وفاطمة بنت قيس المستحاضة.
وذكرها صاحب "المبسوط" و"القدوري" في "شرح مختصر الكرخي" في المستحاضات فاطمة بنت قيس هكذا نسباها، وقالا: فاطمة بنت قيس، وغلطهما صاحب "الغاية"، وقال: غلطا من وجهين: أحدهما في قولهما: فاطمة بنت قيس، وإنما فاطمة بنت قيس التي طلقها زوجها، والثاني أنهما ذكراها في المستحاضات، وإنما المستحاضة فاطمة بنت أبي حبيش، وهو أحق بالغلط، والصواب معهما.
فائدة: قال صاحب "الخلاصة" في كتاب النكاح في مسئلة وإذا كان بالزوجة عيب فلا خيار لزوجها، لأن في إثبات الخيار إضرارا بها، وضرر الزوج مندفع بأخرى أو بها على تقدير زوال العيب، وما روى الشافعي أنه ﵇ تزوج امرأة، فوجد بكشحها بياضا، فردها محمول على الطلاق.
وقد ذكره البخاري، وقال فخلا سبيلها، هذا الإطلاق، ليس بجيد، فإن الأئمة إذا أطلقوا العزو إلى البخاري، لا يريدون به إلا كتاب الصحيح، وإذا أرادوا غير الصحيح يقيدونه، فيقولون ذكره البخاري في كتاب الأدب أو في كتاب القراءة خلف الإمام، أو في "كتاب رفع اليدين" أو في "كتاب التاريخ الكبير" أو "الصغير" أو ما أشبه ذلك، وهذا الحديث هو حديث الغفارية، وأصل الحديث رواه الإمام أحمد وغيره، وضعَّفوه لاضطراب وقع فيه، وفي ظني أني رأيته في "التاريخ الصغير".
стр. 8446
فائدة: قال صاحب "الخلاصة" في كتاب الوصايا في مسئلة: ومن أوصى إلى أصهاره، وكان الصحابة يسمون قرابة صفية أصهار رسول اللَّه ﷺ ، فقوله صفية غلط، والصواب جويرية، والقصة في "سنن أبي داود"، وغيره.
فائدة: قال في "الهداية" في الجنائز: وإذا وضع في لحده، قال الذي يضعه: بسم اللَّه وعلى ملة رسول اللَّه ﷺ ، كذا قال ﵊ حين وضع أبا دجانة في القبر.
وقال في "المبسوط": صح أن النبي ﷺ أخذ أبا دجانة الأنصاري من قبل القبلة.
قلت: وهذا غلط، لأن أبا دجانة كان حيا بعد رسول اللَّه ﷺ ، واستشهد بـ "اليمامة" في خلافة أبي بكر الصديق، ﵄.
فائدة: قال صاحب "الهداية" في باب الأذان لقوله ﷺ لابني أبي مليكة: إذا سافرتما فأذنا وأقيما، هذا غلط. والصواب مالك بن الحويرث وابن عم له، وقد ذكره المصنف هكذا في الصرف على الصواب، وكذا ذكره على الصواب صاحب "المبسوط"، وفخر الإسلام في "الجامع الصغير"، والإمام المحبوبي، والحديث في "الصحيحين" هكذا. واللَّه أعلم.
وقد وقع في كتاب "الهداية" و"الخلاصة" أوهام كثيرة غير ما ذكرته، قد بينت ذلك في كتابي "العناية بمعرفة أحاديث الهداية"، وكتابي "الطرق والوسائل إلى معرفة أحاديث خلاصة الدلايل"، وفي كتابي "تهذيب الأسماء". واللَّه أعلم.
فائدة: للحنفية "كتاب البحر"، و"كتاب الوسيط"، و"كتاب الوجيز"، والثلاثة للإمام رضي الدين محمد بن محمد بن محمد، وللشافعية "البحر" للروياني، و"الوسيط" للغزالي، و"الوجيز" للرافعي.
стр. 8447
فائدة: للحنفية "الشامل" للبيهقي، وللشافعية "الشامل" لابن الصباغ.
فائدة: للحنفية "النهاية" للإمام حسام الدين الصغناقي، وللشافعية "النهاية" لإمام الحرمين.
فائدة: للحنفية "الذخيرة" لبرهان الأئمة، وللشافعية "الذخائر" للقاضي المجلى.
فائدة: للحنفية "الكافي" للإمام حافظ الدين النسفي، وللحنابلة "الكافي" للشيخ موفق الدين.
فائدة: للحنفية "الهداية" للإمام برهان الدين علي بن أبي بكر المرغيناني، وللحنابلة "الهداية" لأبي الخطاب.
فائدة: للحنفية "المنتقى" للحكم الشهيد، وللمالكية "المنتقى" للباجي.
فائدة: للحنفية "الكفاية"، وتعرف بـ "كفاية المنتهي" لصاحب "الهداية"، وللشافعية "الكفاية" للشيخ نجم الدين ابن الرفعة.
فائدة: للحنفية "كتاب الجامع" لمحمد بن الحسن، ولهم ولمخالفيهم "الجامع" للبخاري، و"الجامع" للترمذي.
فائدة: علي بن هلال المعروف بابن البواب الكاتب المشهور، لم يوجد في المتقدمين، ولا في المتأخرين من كتب مثله ولا قاربه، وإن كان أبو علي ابن مقلة أول من نقل هذه الطريقة من خط الكوفيين، وأبرزها في هذه الصورة، وله بذلك فضيلة السبق، وخطه أيضًا في نهاية الحسن، لكن ابن البواب هذّب طريقته، ونقّحها، وكساها طلاوة وبهجة، والكل معترفون له بالتفرد، وعلى منواله ينسجون، توفي يوم الخميس، ثاني جمادى الأولى سنة ثلاث وعشرين، وقيل: ثلاث عشرة وأربعمائة بـ "بغداد" ودفن جوار الإمام أحمد بن حنبل ﵁، كذا ذكره ابن خلكان. وأنشدني بعض العلماء بيتين، ذكر أنه رثى بهما ابن البوَّاب، فقال شعر:
стр. 8448
استشعر الكتّاب فقدك سالفا … وقضت بصحة ذلك الأيام
فلذاك سودت الدواة كآبة … أسفا عليك وشقت الأقلام
وابن مقلة اسمه محمد بن علي بن مقلة أبو علي، انتقلت به الأحوال إلى أن استوزره الإمام المقتدر سنة ست عشرة وثلاثمائة، وعزل سنة سبع عشرة إلى أن استوزره القاهر باللَّه سنة اثنتي وعشرين، ثم قبض عليه، وجرت له أمور كثيرة، وقطعت يده اليمنى، ثم تولى الوزارة، وكان يربط القلم على يده، ويكتب، ثم عزل، وقطع لسانه، ومات سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة، وهو أول من نقل هذه الطريقة من خط الكوفيين، وأبرزها في هذه الصورة على ما تقدم في ترجمة علي بن البواب.
فائدة: ثلاثة إخوة من العلماء، يعرفون بأولاد ابن الأثير. أحدهم: علي بن أبي الكرم محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني، عرف بابن الأثير عز الدين، صاحب "التاريخ"، و"مختصر السمعاني"، مات سنة ثلاثين وستمائة.
والثاني: أخوه مجد الدين أبو السعادات المبارك، صاحب كتاب "جامع الأصول"، وله "الشافي في شرح مسند الشافعي"، مات سنة ست وثلاثمائة.
الثالث: ضياء الدين أبو الفتح نصر اللَّه، صاحب "كتاب الوشى المرقوم"، وله "كتاب الإنشاء"، وكان نحويا شاعرا عالما بالبيان وغيره، مات سنة سبع وثلاثين وستمائة بـ "بغداد".
فائدة: إمامان محدثان فقيهان مالكيان متعاصران قرطبيان متأخران: عم النفع بتصانيفها الموافق والمخالف، أحدها أبو العباس أحمد بن عمر القرطبي، صاحب "كتاب المفهم في شرح مختصره لصحيح مسلم"، وقد رأيت هذا المختصر، وهو نفيس جدا، حاويا بجميع روايات أصله،
والآخر أبو عبد اللَّه محمد بن أحمد بن أبي بكر القرطبي صاحبه ورفيقه وتلميذه، صاحب التفسير و"التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة"، و"الأسنى
стр. 8449
في شرح أسماء اللَّه الحسنى"، ومات أبو العباس ابن القرطبي سنة ست وخمسين وستمائة، ذكره الدمياطي في "مشيخته"، ومات في هذه السنة من الأعيان الشيخ يحيى الصرصري، والمستعصم باللَّه، ومحي الدين ابن الجوزي، والملك الناصر داود، والحافظ عبد العظيم، والبهاء زهير، وسيف الدين المشد، وأبو الحسن الشاذلي، ومات أبو عبد اللَّه محمد بن أحمد القرطبي في شوال، سنة إحدى وسبعين وستمائة.
فائدة: طويس المغنى، واسمه عيسى بن عبد اللَّه، كان من المبرزين في الغناء، وله ترجمة واسعة في "الأغاني"، وهو الذي يضرب به المثل في الشؤم، فيقال: أشأم من طويس، لأنه ولد في يوم قبض النبي ﷺ ، وفطم في يوم مات أبو بكر، وختن في يوم قتل عمر، وبلغ الحلم في ذلك اليوم، وتزوج في اليوم الذي قتل فيه عثمان، وولد له في اليوم الذي قتل فيه على، فلذلك تشاءموا به.
وهذا من عجائب الاتفاقات، ومات سنة اثنتين وستين من الهجرة بـ "السويداء" على مرحلتين من "المدينة"، وكان انتقل إليها من "المدينة".
فائدة: بهاء الدين قراقوش خادم أسد الدين شيركوه، عم صلاح الدين، يوسف بن أيوب، وهو الذي قام في تدبير الأمر لصلاح الدين بعد شيركوه، وكان صلاح الدين يرى له ذلك، فاعتمد عليه، ولم يكن يخرج عن رأيه، وهو الذي بنى السور المحيط بـ "القاهرة" و"مصر"، وما بينهما، وبنى قلعة الجبل، وبنى القناطر، التي بـ "الجيزة" على طريق الأهرام، وهي آثار دالة على علو الهمة، وعمّر بالمقس رباطا، وعلى باب الفتوح بظاهر "القاهرة" خان السبيل، وله وقف كبير لا يعرف مصرفه، وكان حسن المقاصد جميل النية، ولما أخذ صلاح الدين عكا من الفرنج سلمها إليه، ثم لما عادوا، واستولوا عليها حصل أسيرا في أيديهم.
стр. 8450
ويقال: إنه أفتك بعشرة آلاف دينار، والناس ينسبون إليه أحكاما عجيبة في ولايته، حتى أن ابن الخطيب الملقّب بالمهذّب القاضي كان ناظر الدواوين بالديار المصرية، واسمه أسعد ابن الخطيب، و"نظم سيرة صلاح الدين بن أيوب"، و"نظم كليله ودمنه"، وله "ديوان شعره"، توفي سنة ست وستمائة، وعمره اثنتان وستون سنة، صنف جزء لطيفا، سماه "الفاشوش في حكم قراقوش"، وفيه أشياء يبعد وقوع مثلها، والظاهر أنها موضوعة، فإن صلاح الدين كان معتمدا عليه في مملكته وأموره، ولولا وثوقه إليه ما فوّضها إليه، وتوفي في رجب سنة سبع وتسعين وخمسمائة، ودفن بـ "القرافة" في تربته المعروفة به بسفح المقطَّم، رحمه اللَّه تعالى.
قلت: رأيت قبره، وزرته، وهو قريب من قبر عقبة بن عامر الجهني الصحابي، ﵁.
* * *
стр. 8451
خاتمة
وفي خاتمة الكتاب أريد أن أذكر نبذة من أحوال الأئمة الثلاثة المتبوعين من أصحاب المذاهب الأربعة، فأولا أذكر إمام دار الهجرة.
الإمام مالك بن أنس * ﵁
стр. 8452
فأقول: ذكره الحافظ الذهبي في كتابه القيّم "سير أعلام النبلاء"، فقال ما نصُّه: هو شيخ الإسلام، حجَّة الأمة، إمام دار الهجرة، أبو عبد اللَّه مالك ابن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو بن الحارث بن غيمان بن خثيل (١) بن عمرو بن الحارث، وهو ذو أصبح بن عوف بن مالك بن زيد بن شدَّاد بن زرعة، وهو حمير الأصغر الحميري ثم الأصبحي المدني، حليف بني تيم من قريش، فهم حلفاء عثمان أخي طلحة بن عبيد اللَّه أحد العشرة.
وأمه هي: عالية بنت شريك الأزدية، وأعمامه هم: أبو سهيل نافع، وأويس، والربيع، والنضر، أولاد أبي عامر.
وقد روى الزهري عن والده أنس، وعميه أويس، وأبي سهيل.
وقال: مولى التيميين، وروى أبو أويس عبد اللَّه عن عمه الربيع، وكان أبوهم من كبار علماء التابعين.
стр. 8453
أخذ عن عثمان وطائفة.
مولد مالك على الأصح في سنة ثلاث وتسعين عام موت أنس خادم رسول اللَّه ﷺ ، ونشأ في صون ورفاهية وتجمل.
وطلب العلم وهو حدث بعيد موت القاسم، وسالم.
فأخذ عن نافع، وسعيد المقبري، وعامر بن عبد اللَّه بن الزبير، وابن المنكدر، والزهري، وعبد اللَّه بن دينار، وخلق. . .
وقد حج قديما، ولحق عطاء بن أبي رباح، فقال مصعب الزبيري: سمعت ابن أبي الزبير، يقول: حدثنا مالك، قال: رأيت عطاء بن أبي رباح دخل المسجد، وأخذ برمانة المنبر، ثم استقبل القبلة.
قال معن، والواقدي، ومحمد بن الضحَّاك: حملت أم مالك بمالك ثلاث سنين.
وعن الواقدي قال: حملت به سنتين.
وطلب مالك العلم، وهو ابن بضع عشرة سنة، وتأهَّل للفتيا، وجلس للإفادة، وله إحدى وعشرون سنة. وحدث عنه جماعة وهو حي شاب طري، وقصده طلبة العلم من الآفاق في آخر دولة أبي جعفر المنصور وما بعد ذلك، وازدحموا عليه في خلافة الرشيد، وإلى أن مات.
. . . عن أبي هريرة، يبلغ به النبي ﷺ قال: "ليضربن الناس أكباد الإبل في طلب العلم، فلا يجدون عالما أعلم من عالم المدينة".
وبه إلى ابن مخلد: حدثنا ليث بن الفرج، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يأتي على الناس زمان يضربون أكباد الإبل. . . " فذكر الحديث.
هذا حديث نظيف الإسناد، غريب المتن.
رواه عدة عن سفيان بن عيينة.
стр. 8454
وفي لفظ "يوشك أن يضرب الناس آباط الإبل يلتمسون العلم".
وفي لفظ: "من عالم بالمدينة" وفي لفظ: "أفقه من عالم المدينة".
وقد رواه المحاربي عن ابن جريج موقوفا، ويروى عن محمد بن عبد اللَّه الأنصاري، عن ابن جريج مرفوعا.
وقد رواه النسائي، فقال: حدثنا علي بن أحمد، حدثنا محمد بن كثير، عن سفيان، عن أبي الزناد، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال النبي ﷺ : "يضربون أكباد الإبل فلا يجدون عالما أعلم من عالم المدينة".
قال النسائي: هذا خطأ، الصواب عن أبي الزبير، عن أبي صالح.
معن بن عيسى، عن أبي المنذر زهير التميمي، قال: قال عبيد اللَّه بن عمر، عن سعيد بن أبي هند، عن أبي موسى الأشعري، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يخرج ناس من المشرق والمغرب في طلب العلم، فلا يجدون عالما أعلم من عالم المدينة".
ويروى عن ابن عيينة قال: كنت أقول: هو سعيد بن المسيّب، حتى قلت: كان في زمانه سليمان بن يسار، وسالم بن عبد اللَّه، وغيرهما، ثم أصبحت اليوم أقول: إنه مالك، لم يبق له نظير بـ "المدينة".
قال القاضي عياض: هذا هو الصحيح عن سفيان.
. . . قلت: كان عالم "المدينة" في زمانه بعد رسول اللَّه ﷺ ، وصاحبيه، زيد بن ثابت، وعائشة، ثم ابن عمر، ثم سعيد بن المسيَّب، ثم الزهري، ثم عبيد اللَّه بن عمر، ثم مالك.
وعن ابن عيينة قال: مالك عالم أهل "الحجاز"، وهو حجة زمانه.
وقال الشافعي: وصدق وبر إذا ذكر العلماء فمالك النجم.
قال الزبير بن بكار في حديث: "ليضربن الناس أكباد الإبل. . . " كان سفيان بن عيينة إذا حدث بهذا في حياة مالك، يقول: أراه مالكا.
стр. 8455
فأقام على ذلك زمانا، ثم رجع بعد، فقال: أراد عبد اللَّه بن عبد العزيز العمري الزاهد.
قال ابن عبد البر، وغير واحد: ليس العمري ممن يلحق في العلم والفقه بمالك، وإن كان شريفا سيدا، عابدا.
قال أحمد بن أبي خيثمة: حدثنا مصعب، قال: أخبرنا سفيان: نرى هذا الحديث أنه هو مالك، وكان سفيان يسألني عن أخبار مالك.
قلت: قد كان لهذا العمري علم وفقه جيد وفضل، وكان قوَّالا بالحق، أمَّارا بالعرف، منعزلا عن الناس، وكان يحض مالكا إذا خلا به على الزهد، والانقطاع والعزلة، فرحمهما اللَّه.
فصل: ولم يكن بـ "المدينة" عالم من بعد التابعين يشبه مالكا في العلم، والفقه، والجلالة، والحفظ، فقد كان بها بعد الصحابة مثل سعيد بن المسيّب، والفقهاء السبعة، والقاسم، وسالم، وعكرمة، ونافع، وطبقتهم، ثم زيد بن أسلم، وابن شهاب، وأبي الزناد، ويحيى بن سعيد، وصفوان بن سليم، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، وطبقتهم، فلما تفانوا، اشتهر ذكر مالك بها، وابن أبي ذئب، وعبد العزيز بن الماجشون، وسليمان بن بلال، وفليح بن سليمان، والدراوردي، وأقرانهم، فكان مالك هو المقدَّم فيهم على الإطلاق، والذي تضرب إليه آباط الإبل من الآفاق، رحمه اللَّه تعالى. . . .
ابن وهب: سمعت مالكا يقول: ما أكثر أحد قط فأفلح.
حرملة: حدثنا ابن وهب، قال لي مالك: العلم ينقص ولا يزيد، ولم يزل العلم ينقص بعد الأنبياء والكتب.
أحمد بن مسعود المقدسي: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنيني، قال: كان مالك يقول: واللَّه ما دخلت على ملك من هؤلاء الملوك حتى أصل إليه، إلا نزع اللَّه هيبته من صدري.
стр. 8456
حرملة حدثنا ابن وهب: سمعتُ مالكا يقول: اعلم أنه فساد عظيم أن يتكلم الإنسان بكل ما يسمع.
هارون بن موسى الفروي: سمعت مصعبا الزبيري يقول: سأل هارون الرشيد مالكا، وهو في منزله، ومعه بنوه، أن يقرأ عليهم.
قال: ما قرأت على أحد منذ زمان، وإنما يقرأ على، فقال: أخرج الناس حتى أقرأ أنا عليك، فقال: إذا منع العام لبعض الخاص، لم ينتفع الخاص.
وأمر معن ابن عيسى، فقرأ عليه.
إسماعيل بن أبي أويس، قال: سألت خالي مالكا عن مسئلة، فقال لي: قر.
ثم توضأ، ثم جلس على السرير، ثم قال: لا حول ولا قوة إلا باللَّه.
وكان لا يفتي حتى يقولها.
ابن وهب: سمعت مالكا يقول: ما تعلمت العلم إلا لنفسي، وما تعلمت ليحتاج الناس إلي، وكذلك كان الناس.
إسماعيل القاضي: سمعت أبا مصعب يقول: لم يشهد مالك الجماعة خمسا وعشرين سنة، فقيل له: ما يمنعك؟ قال: مخافة أن أرى منكرا، فأحتاج أن أغيره.
إبراهيم الحزامي: حدثني مطرف بن عبد اللَّه، قال لي مالك: ما يقول الناس في؟ قلت: أما الصديق فيثنى، وأما العدو فيقع.
فقال: ما زال الناس كذلك، ولكن نعوذ باللَّه من تتابع الألسنة كلها.
أحمد بن سعيد الرباطي: سمعت عبد الرزاق يقول: سأل سندل مالكا عن مسئلة، فأجابه، فقال: أنت من الناس، أحيانا تخطئ، وأحيانا لا تصيب، قال: صدقت.
هكذا الناس.
стр. 8457
فقيل لمالك: لم تدر ما قال لك؟ ففطن لها، وقال: عهدت العلماء، ولا يتكلمون بمثل هذا، وإنما أجيبه على جواب الناس.
حرملة: حدثنا ابن وهب: سمعت مالكا يقول: ليس هذا الجدل من الدين بشيء.
ابن وهب، عن مالك، قال: دخلت على المنصور، وكان يدخل عليه الهاشميون، فيقبلون يده ورجله عصمني اللَّه من ذلك.
الحارث بن مسكين: أخبرنا ابن القاسم قال: قيل لمالك: لم لم تأخذ عن عمرو بن دينار؟ قال: أتيته، فوجدته يأخذون عنه قياما، فأجللت حديث رسول اللَّه ﷺ أن آخذه قائما.
صفة الإمام مالك:
عن عيسى بن عمر، قال: ما رأيتُ قط بياضا ولا حمرة أحسن من وجه مالك، ولا أشدّ بياض ثوب من مالك.
ونقل غير واحد أنه كان طوالا، جسيما، عظيم الهامة، أشقر، أبيض الرأس واللحية، عظيم اللحية، أصلع، وكان لا يحفي شاربه، ويراه مثلة.
وقيل: كان أزرق العين.
روى بعض ذلك ابن سعد، عن مطرف بن عبد اللَّه.
وقال محمد بن الضحَّاك الحزامي: كان مالك نقي الثوب، رقيقه، يكثر اختلاف اللبوس.
وقال الوليد بن مسلم: كان مالك يلبس البياض، ورأيته والأوزاعي يلبسان السيجان.
قال أشهب: كان مالك إذا اعتم، جعل منها تحت ذقنه، ويسدل طرفها بين كتفيه.
وقال خالد بن خداش: رأيت على مالك طيلسانا، وثيابا مروية جيادا.
وقال أشهب: كان مالك إذا اكتحل للضرورة، جلس في بيته.
стр. 8458
وقال مصعب: كان يلبس الثياب العدنية، ويتطيب.
. . . قال الشافعي: قال محمد بن الحسن: أقمت عند مالك ثلاث سنين كسرا، وسمعت من لفظه أكثر من سبعمائة حديث، فكان محمد إذا حدث عن مالك امتلا منزله، وإذا حدث عن غيره من الكوفيين، لم يجئه إلا اليسير.
قال ابن أبي عمر العدني: سمعت الشافعي يقول: مالك معلمي، وعنه أخذت العلم.
وعن الشافعي قال: كان مالك إذا شك في حديث، طرحه كله.
أبو عمر بن عبد البر: حدثنا قاسم بن محمد، حدثنا خالد بن سعد.
وعن مالك قال: جنة العالم: "لا أدري"، فإذا أغفلها أصيبت مقاتله.
قال مصعب بن عبد اللَّه: كانت حلقة مالك في زمن ربيعة مثل حلقة ربيعة وأكبر، وقد أفتى معه عند السلطان.
الزبير بن بكَّار: حدثنا مطرف، حدثنا مالك، قال: لما أجمعت التحويل عن مجلس ربيعة، جلست أنا وسليمان بن بلال في ناحية المسجد، فلما قام ربيعة، عدل إلينا، فقال: يا مالك، تلعب بنفسك زفنت، وصفق لك سليمان، بلغت إلى أن تتخذ مجلسا لنفسك؟! ارجع إلى مجلسك.
قال الهيثم بن جميل: سمعت مالكا سئل عن ثمان وأربعين مسئلة، فأجاب في اثنتين وثلاثين منها بـ "لا أدري".
وعن خالد بن خداش، قال: قدمت على مالك بأربعين مسئلة، فما أجابني منها إلا في خمس مسائل.
ابن وهب، عن مالك، سمع عبد اللَّه بن يزيد بن هرمز يقول: ينبغي للعالم أن يورث جلساءه قول: "لا أدري".
حتى يكون ذلك أصلا يفزعون إليه.
قال ابن عبد البر: صح عن أبي الدرداء أن: "لا أدري"، نصف العلم.
стр. 8459
قال محمد بن رمح: رأيت النبي ﷺ ، فقلت: يا رسول اللَّه، إن مالكا والليث يختلفان، فبأيهما آخذ؟ قال: مالك، مالك.
أشهب، عن عبد العزيز الدراوردي، قال: دخلت مسجد النبي ﷺ ، فوافيته يخطب، إذا أقبل مالك، فلما أبصره النبي ﷺ ، قال: إلي إلي، فأقبل حتى دنا منه، فسل ﷺ خاتمه من خنصره، فوضعه في خنصر مالك.
محمد بن جرير: حدثنا العبَّاس بن الوليد، حدثنا إبراهيم بن حماد الزهري: سمعت مالكا يقول: قال لي المهدي: ضع يا أبا عبد اللَّه كتابا أحمل الأمة عليه.
فقلت: يا أمير المؤمنين، أما هذا الصقع، وأشرت إلى المغرب فقد كفيته، وأما "الشام"، ففيهم من قد علمت يعني الأوزاعي، وأما "العراق"، فهم أهل العراق.
ابن سعد: حدثنا محمد بن عمر، سمعت مالكا يقول: لما حج المنصور، دعاني فدخلت عليه، فحادثته، وسألني فأجبته، فقال: عزمت أن آمر بكتبك هذه يعني "الموطأ"، فتنسخ نسخا، ثم أبعث إلى كل مصر من أمصار المسلمين بنسخة، وآمرهم أن يعملوا بما فيها، ويدعوا ما سوى ذلك من العلم المحدث، فإني رأيت أصل العلم رواية أهل "المدينة" وعلمهم.
قلت: يا أمير المؤمنين، لا تفعل، فإن الناس قد سيقت إليهم أقاويل، وسمعوا أحاديث، ورووا روايات، وأخذ كل قوم بما سيق إليهم، وعملوا به، ودانوا به، من اختلاف أصحاب رسول اللَّه ﷺ وغيرهم، وإن ردهم عما اعتقدوه شديد، فدع الناس وما هم عليه، وما اختار أهل كل بلد لأنفسهم.
فقال: لعمري، لو طاوعتني لأمرت بذلك.
стр. 8460
قال الزبير بن بكَّار: حدثنا ابن مسكين، ومحمد بن مسلمة، قالا: سمعنا مالكا يذكر دخوله على المنصور، وقوله في انتساخ كتبه، وحمل الناس عليها، فقلت: قد رسخ في قلوب أهل كل بلد ما اعتقدوه وعملوا به، ورد العامة عن مثل هذا عسير.
. . . ابن وهب، عن مالك: دخلت على أبي جعفر، فرأيت غير واحد من بني هاشم يقبلون يده، وعوفيت، فلم أقبل له يدا.
المحنة، قال محمد بن جرير: كان مالك قد ضرب بالسياط، واختلف في سبب ذلك، فحدثني العباس بن الوليد، حدثنا ابن ذكوان، عن مروان الطاطري، أن أبا جعفر نهى مالكا عن الحديث: "ليس على مستكره طلاق" ثم دس إليه من يسأله، فحدثه به على رؤوس الناس، فضربه بالسياط.
وحدثنا العباس، حدثنا إبراهيم بن حماد، أنه كان ينظر إلى مالك إذا أقيم من مجلسه، حمل يده بالأخرى.
ابن سعد: حدثنا الواقدي قال: لما دعي مالك، وشوور، وسمع منه، وقبل قوله، حسد، وبغوه بكل شيء، فلما ولي جعفر بن سليمان "المدينة"، سعوا به إليه، وكثروا عليه عنده، وقالوا: لا يرى أيمان بيعتكم هذه بشيء، وهو يأخذ بحديث رواه عن ثابت بن الأحنف في طلاق المكره: أنه لا يجوز عنده، قال: فغضب جعفر، فدعا بمالك، فاحتج عليه بما رفع إليه عنه، فأمر بتجريده، وضربه بالسياط، وجبذت يده حتى انخلعت من كتفه، وارتكب منه أمر عظيم، فواللَّه ما زال مالك بعد في رفعة وعلو.
قلت: هذا ثمرة المحنة المحمودة، أنها ترفع العبد عند المؤمنين، وبكل حال فهي بما كسبت أيدينا، ويعفو اللَّه عن كثير، "ومن يرد اللَّه به خيرا يصب منه"، وقال النبي ﷺ : "كل قضاء المؤمن خير له"، وقال اللَّه تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾.
стр. 8461
فصل: ولمالك ﵀ رسالة في القدر، كتبها إلى ابن وهب وإسنادها صحيح.
وله مؤلف: في النجوم ومنازل القمر، رواه سحنون، عن ابن نافع الصائغ، عنه مشهور.
ورسالة في الأقضية، مجلد، رواية محمد بن يوسف بن مطروح، عن عبد اللَّه بن [عبد] الجليل.
ورسالة إلى أبي غسَّان محمد بن مطرف.
ورسالة آداب إلى الرشيد، إسنادها منقطع، قد أنكرها إسماعيل القاضي وغيره، وفيها أحاديث لا تعرف.
قلت: هذه الرسالة موضوعة.
. . . ومذهبه قد ملأ "المغرب"، و"الأندلس"، كثيرا من بلاد "مصر"، وبعض "الشام"، و"اليمن"، و"السودان"، وبـ "البصرة"، و"بغداد"، و"الكوفة"، وبعض "خراسان".
وكذلك اشتهر مذهب الأوزاعي مدة، وتلاشى أصحابه، وتفانوا وكذلك مذهب سفيان وغيره ممن سمينا، ولم يبق اليوم إلا هذه المذاهب الأربعة.
وقل من ينهض بمعرفتها كما ينبغي، فضلا عن أن يكون مجتهدا.
وانقطع أتباع أبي ثور بعد الثلاثمائة، وأصحاب داود إلا القليل، وبقي مذهب ابن جرير إلى [ما] بعد الأربعمائة.
وللزيدية مذهب في الفروع بـ "الحجاز". وبـ "اليمن"، لكنه معدود في أقوال أهل البدع، كالإمامية، ولا بأس بهذهب داود، وفيه أقوال حسنة، ومتابعة للنصوص، مع أن جماعة من العلماء لا يعتدون بخلافه، وله شذوذ في مسائل شانت مذهبه.
стр. 8462
وأما القاضي، فذكر ما يدل على جواز تقليدهم إجماعا، فإنه سمى المذاهب الأربعة، والسفيانية، والأوزاعية، والداودية.
ثم إنه قال: فهؤلاء الذين وقع إجماع الناس على تقليدهم، مع الاختلاف في أعيانهم، واتفاق العلماء على اتباعهم، والاقتداء بمذاهبهم، ودرس كتبهم، والتفقه على مآخذهم، والتفريع على أصولهم، دون غيرهم ممن تقدمهم أو عاصرهم، للعلل التي ذكرناها.
قال القعنبي: سمعتهم يقولون: عمر مالك تسع وثمانون، مات سنة تسع وسبعين ومائة.
وقال القاضي عياض: الصحيح وفاته في ربيع الأول يوم الأحد لتمتام اثنين وعشرين يوما من مرضه.
الإمام محمد بن إدريس الشافعي * ﵁
стр. 8463
هو الإمام الهمام محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد ابن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة ابن كعب بن لؤي بن غالب، الإمام، عالم العصر، ناصر الحديث، فقيه الملة، أبو عبد اللَّه القرشي ثم المطلبي الشافعي المكي، الغزي المولد، نسيب رسول اللَّه ﷺ ، وابن عمه، فالمطلب هو أخو هاشم والد عبد المطلب.
ذكره الحافظ الذهبي في كتابه الممتع "سير أعلام النبلاء"، فقال ما نصه: اتفق مولد الإمام بـ "غزة"، ومات أبوه إدريس شابا، فنشأ محمد يتيما في حجر أمه، فخافت عليه الضيعة، فتحولت به إلى محتده وهو ابن عامين، فنشأ بـ "مكة"، وأقبل على الرمي، حتى فاق فيه الأقران، وصار يصيب من عشرة أسهم تسعة، ثم أقبل على العربية والشعر، فبرع في ذلك، وتقدَّم.
ثم حبب إليه الفقه، فساد أهل زمانه.
стр. 8464
وأخذ العلم ببلده عن: مسلم بن خالد الزنجي مفتي "مكة"، وداود ابن عبد الرحمن العطَّار، وعمّه محمد بن علي بن شافع، فهو ابن عم العباس جد الشافعي، وسفيان بن عيينة، وعبد الرحمن بن أبي بكر المليكي، وسعيد بن سالم، وفضيل بن عياض، وعدة.
ولم أر له شيئا عن نافع بن عمر الجمحي ونحوه، وكان معه بـ "مكة".
وارتحل -وهو ابن نيف وعشرين سنة، وقد أفتى، وتأهل للإمامة- إلى "المدينة"، فحمل عن مالك بن أنس "الموطأ" عرضه من حفظه، وقيل: من حفظه لأكثره - وحمل عن: إبراهيم بن أبي يحيى فأكثر، وعبد العزيز الدراوردي، وعطاف بن خالد، وإسماعيل بن جعفر، وإبراهيم بن سعد وطبقتهم.
وأخذ بـ "اليمن" عن: مطرف بن مازن، وهشام بن يوسف القاضي، وطائفة، وبـ "بغداد" عن: محمد بن الحسن، فقيه "العراق"، ولازمه، وحمل عنه وقر بعير، وعن إسماعيل ابن علية، وعبد الوهَّاب الثقفي، وخلق.
وصنف التصانيف، ودون العلم، ورد على الأئمة متبعا الأثر، وصنف في أصول الفقه وفروعه، وبعد صيته، وتكاثر عليه الطلبة.
حدث عنه: الحميدي، وأبو عبيد القاسم بن سلام، وأحمد بن حنبل، وسليمان بن داود الهاشمي، وأبو يعقوب يوسف البويطي، وأبو ثور إبراهيم بن خالد الكلبي، وحرملة بن يحيى، وموسى بن أبي الجارود المكي، وعبد العزيز المكي صاحب "الحيدة"، وحسين بن علي الكرابيسي، وإبراهيم بن المنذر الحزامي، والحسن بن محمد الزعفراني، وأحمد بن محمد الأزرقي، وأحمد بن سعيد الهمداني، وأحمد بن أبي شريح الرازي، وأحمد بن يحيى بن وزير المصري، وأحمد بن عبد الرحمن الوهبي، وابن عمه إبراهيم بن محمد الشافعي، وإسحاق بن راهويه، وإسحاق بن بهلول، وأبو عبد الرحمن أحمد بن يحيى الشافعي المتكلم، والحارث بن سريج النقال، وحامد بن يحيى البلخي، وسليمان بن
стр. 8465
داود المهري، وعبد العزيز بن عمران بن مقلاص، وعلي بن معبد الرقي، وعلي بن سلمة اللبقي، وعمرو بن سواد، وأبو حنيفة قحزم بن عبد اللَّه الأسواني، ومحمد بن يحيى العدني، ومسعود ابن سهل المصري، وهارون بن سعيد الأيلي، وأحمد بن سنان القطَّان، وأبو الطاهر أحمد بن عمرو بن السرح، ويونس بن عبد الأعلى، والربيع ابن سليمان المرادي، والربيع بن سليمان الجيزي، ومحمد بن عبد اللَّه بن عبد الحكم، وبحر بن نصر الخولاني، وخلق سواهم، وقد أفرد الدارقطني كتاب من له رواية عن الشافعي في جزأين.
وصنف الكبار في مناقب هذا الإمام قديما وحديثا، ونال بعض الناس منه غضا، فما زاده ذلك إلا رفعة وجلالة، ولاح للمنصفين أن كلام أقرانه فيه بهوى، وقل من برز في الإمامة، ورد على من خالفه إلا وعودي، نعوذ باللَّه من الهوى، وهذه الأوراق تضيق عن مناقب هذا السيّد.
فأما جدهم السائب المطلبي، فكان من كبراء من حضر بدرا مع الجاهلية، فأسر يومئذ، وكان يشبه بالنبي ﷺ ، ووالدته هي الشفاء بنت أرقم بن نضلة، ونضلة هو أخو عبد المطلب جد النبي ﷺ ، فيقال: إنه بعد أن فدى نفسه، أسلم.
وابنه شافع له رؤية، وهو معدود في صغار الصحابة.
وولده عثمان تابعي، لا أعلم له كبير رواية.
وكان أخوال الشافعي من الأزد.
عن ابن عبد الحكم قال: لما حملت والدة الشافعي به، رأت كأن المشتري خرج من فرجها، حتى انقض بـ "مصر"، ثم وقع في كل بلدة منه شظية، فتأوله المعبرون أنها تلد عالما، يخص علمه أهل "مصر"، ثم يتفرق في البلدان.
هذه رواية منقطعة.
стр. 8466
وعن أبي عبد الله الشافعي، فيما نقله ابن أبي حاتم، عن ابن أخي ابن وهب عنه، قال: ولدت بـ "اليمن" -يعني القبيلة، فإن أمه أزدية- قال: فخافت أمي على الضيعة، وقالت: الحق بأهلك، فتكون مثلهم، فإني أخاف عليك أن تغلب على نسبك، فجهزتني إلى "مكة"، فقدمتها يومئذ وأنا ابن عشر سنين، فصرت إلى نسيب لي، وجعلت أطلب العلم، فيقول لي: لا تششغل بهذا، وأقبل على ما ينفعك، فجعلت لذتي في العلم.
قال ابن أبي حاتم: سمعت عمرو بن سواد: قال لي الشافعي: ولدت بـ "عسقلان"، فلما أتى علي سنتان، حملتني أمى إلى "مكة".
وقال ابن عبد الحكم: قال لي الشافعي: ولدت بـ "غزة" سنة خمسين ومائة، وحملت إلى "مكة" ابن سنتين.
قال المزني: ما رأيت أحسن وجها من الشافعي ﵀، وكان ربما قبض على لحيته فلا يفضل عن قبضته.
قال الربيع المؤذن: سمعت الشافعي يقول: كنت ألزم الرمي حتى كان الطبيب يقول لي: أخاف أن يصيبك السل من كثرة وقوفك في الحر، قال: وكنت أصيب من العشرة تسعة.
قال الحميدي: سمعت الشافعي يقول: كنت يتيما في حجر أمي، ولم يكن لها ما تعطيني للمعلم، وكان المعلم قد رضي منى أن أقوم على الصبيان إذا غاب، وأخفف عنه.
وعن الشافعي قال: كنت أكتب في الأكتاف والعظام، وكنت أذهب إلى الديوان، فأستوهب الظهور، فأكتب فيها.
قال عمرو بن سواد: قال لي الشافعي: كانت نهمتي في الرمي وطلب العلم، فنلت من الرمي حتى كنت أصيب من عشرة عشرة، وسكت عن العلم، فقلت: أنت والله في العلم أكبر منك في الرمي.
стр. 8467
قال أحمد بن إبراهيم الطائي الأقطع: حدثنا المزني، سمع الشافعي يقول: حفظت القرآن، وأنا ابن سبع سنين، وحفظت "الموطأ" وأنا ابن عشر. الأقطع مجهول.
وفي "مناقب الشافعي" للآبري: سمعتُ الزبير بن عبد الواحد.
الهمذاني، أخبرنا علي بن محمد بن عيسى، سمعت الربيع بن سليمان يقول: ولد الشافعي يوم مات أبو حنيفة رحمهما الله تعالى.
وعن الشافعي قال: أتيت مالكا وأنا ابن ثلاث عشرة سنة -كذا قال، والظاهر أنه كان ابن ثلاث وعشرين سنة- قال: فأتيت ابن عم لي والي "المدينة"، فكلم مالكا، فقال: اطلب من يقرأ لك.
قلت: أنا أقرأ، فقرأت عليه، فكان ربما قال لي لشيء قد مر: أعده، حفظا، فكأنه أعجبه، ثم سألته عن مسئلة، فأجابني، ثم أخرى، فقال: أنت تحب أن تكون قاضيا.
ويروى عن الشافعي: أقمت في بطون العرب عشرين سنة، آخذ أشعارها ولغاتها، وحفظت القرآن، فما علمت أنه مر بي حرف إلا وقد علمت المعنى فيه والمراد، ما خلا حرفين، أحدهما: دساها.
إسنادها فيه مجهول.
قال ابن عبد الحكم: سمعت الشافعي يقول: قرأت القرآن على إسماعيل بن قسطنطين، وقال: قرأْت على شبل، وأخبر شبل أنه قرأ على عبد الله بن كثير، وقرأ على مجاهد، وأخبر مجاهد أنه قرأ على ابن عباس.
قال الشافعي: وكان إسماعيل يقول: القُرانُ اسم ليس بمهموز، ولم يؤخذ من: "قرأت"، ولو أخذ من "قرأت" كان كل ما قرئ قرآنا، ولكنه اسم للقرآن مثل التوراة والإنجيل.
الأَصَمُّ وابن أبي حاتم: حدثنا الربيع: سمعت الشافعي يقول: قدمت على مالك، وقد حفظت "الموطأ" ظاهرا فقلت: أريد سماعه.
стр. 8468
قال: اطلب من يقرأ لك.
فقلت: لا عليك أن تسمع قراءتي، فإن سهل عليك قرأت لنفسي.
أحمد بن الحسن الحمَّاني: حدثنا أبو عبيد، قال: رأيتُ الشافعي عند محمد بن الحسن، وقد دفع إليه خمسين دينارا، وقد كان قبل ذلك دفع إليه خمسين درهما، وقال: إن اشتهيت العلم، فالزم.
قال أبو عبيد: فسمعت الشافعي يقول: كتبت عن محمد وقر بعير، ولما أعطاه محمد، قال له: لا تحتشم.
قال: لو كنت عندي ممن أحشمك، ما قبلت برك.
ابن أبي حاتم: حدثنا الربيع بن سليمان: سمعت الشافعي يقول: حملت عن محمد بن الحسن حمل بختي ليس عليه إلا سماعي.
قال أحمد بن أبي سريج: سمعت الشافعي يقول: قد أنفقت على كتب محمد ستين دينارا، ثم تدبرتها، فوضعت إلى جنب كل مسئلة حديثا، يعني: رد عليه.
قال هارون بن سعيد: قال لي الشافعي: أخذت اللبان سنة للحفظ، فأعقبني صب الدم سنة.
قال أبو عبيد: ما رأيت أحدا أعقل من الشافعي، وكذا قال يونس بن عبد الأعلى، حتى إنه قال: لو جمعت أمة لوسعهم عقله.
قلت: هذا على سبيل المبالغة، فإن الكامل العقل لو نقص من عقله نحو الربع، لبان عليه نقص ما، ولبقي له نظراء، فلو ذهب نصف ذلك العقل مه، لظهر عليه النقص، فكيف به لو ذهب ثلثا عقله! فلو
أنك أخذت عقول ثلاثة أنفس مثلا، وصيرتها عقل واحد، لجاء منه كامل العقل وزيادة.
стр. 8469
جماعة: حدثنا الربيع، سمعت الحميدي، سمعت مسلم بن خالد الزنجي يقول للشافعي: أفت يا أبا عبد الله، فقد والله آن لك أن تفتي وهو ابن خمس عشرة سنة.
وقد رواها محمد بن بشر الزنبري، وأبو نعيم الإستراباذي، عن الربيع، عن الحميدي قال: قال الزنجي.
وهذا أشبه، فإن الحميدي يصغر عن السماع من مسلم، وما رأينا له في "مسنده" عنه رواية.
جماعة: حدثنا الربيع، قال الشافعي: لأن يلقى الله العبد بكل ذنب إلا الشرك خير من أن يلقاه بشيء من الأهواء.
الزبير الإستراباذي: حدثني محمد بن يحيى بن آدم بمصر، حدثنا ابن عبد الحكم، سمعت الشافعي يقول: لو علم الناس ما في الكلام من الأهواء، لفروا منه كما يفرون من الأسد.
قال يونس الصدفي: ما رأيت أعقل من الشافعي، ناظرته يوما في مسئلة، ثم افترقنا، ولقيني، فأخذ بيدي، ثم قال: يا أبا موسى، ألا يستقيم أن نكون إخوانا وإن لم نتفق في مسئلة.
قلت: هذا يدل على كمال عقل هذا الإمام، وفقه نفسه، فما زال النظراء يختلفون.
أبو جعفر الترمذي: حدثني أبو الفضل الواشجردي، سمعت أبا عبد الله الصاغاني، قال: سألت يحيى بن أكثم عن أبي عبيد والشافعي، أيهما أعلم؟ قال: أبو عبيد كان يأتينا ها هنا كثيرا، وكان رجلا إذا ساعدته الكتب، كان حسن التصنيف من الكتب، وكان يرتبها بحسن ألفاظه لاقتداره على العربية. وأما الشافعي، فقد كنا عند محمد بن الحسن كثيرا في المناظرة، وكان رجلا قرشي العقل والفهم والذهن، صافي العقل والفهم والدماغ، سريع الإصابة -
стр. 8470
أو كلمة نحوها- ولو كان أكثر سماعا للحديث، لاستغنى أمة محمد ﷺ به عن غيره من الفقهاء.
قال معمر بن شبيب: سمعت المأمون يقول: قد امتحنت محمد بن إدريس في كل شيء، فوجدته كاملا.
قال أحمد بن محمد بن بنت الشافعي: سمعت أبي وعمي يقولان: كان سفيان بن عيينة إذا جاءه شيء من التفسير والفتيا، التفت إلى الشافعي، فيقول: سلوا هذا.
… قال الربيع: سمعت الشافعي قال لبعض أصحاب الحديث: أنتم الصيادلة، ونحن الأطباء.
زكريا الساجي: حدثني أحمد بن مردك الرازي، سمعت عبد الله بن صالح صاحب الليث يقول: كنا عند الشافعي في مجلسه، فجعل يتكلم في تثبيت خبر الواحد عن النبي ﷺ ، فكتبناه، وذهبنا به إلى إبراهيم بن علية، وكان من غلمان أبي بكر الأصم، وكان في مجلسه عند باب الصوفي، فلما قرأنا عليه جعل يحتج بإبطاله، فكتبنا ما قال، وذهبنا به إلى الشافعي، فنقضه، وتكلم بإبطاله، ثم كتبناه، وجئنا به إلى ابن علية، فنقضه، ثم جئنا به إلى الشافعي، فقال: إن ابن علية ضال، قد جلس بباب الضوال يضل الناس.
قلت: كان إبراهيم من كبار الجهمية، وأبوه إسماعيل شيخ المحدثين إمام.
المزني: سمعت الشافعي يقول: من تعلم القرآن عظمت قيمته، ومن تكلم في الفقه نما قدره، ومن كتب الحديث قويت حجته، ومن نظر في اللغة رق طبعه، ومن نظر في الحساب جزل رأيه، ومن لم يصن نفسه، لم ينفعه علمه.
стр. 8471
إبراهيم بن متويه الأصبهاني: سمعت يونس بن عبد الأعلى يقول: قال الشافعي: كل حديث جاء من "العراق"، وليس له أصل في "الحجاز"، فلا تقبله، وإن كان صحيحا، ما أريد إلا نصيحتك.
قلت: ثم إن الشافعي رجع عن هذا، وصحَّح ما ثبت إسناده لهم.
ويروى عنه: إذا لم يوجد للحديث أصل في "الحجاز" ضعف، أو قال: ذهب نخاعه.
أخبرنا إبراهيم بن علي العابد في كتابه، أخبرنا زكريا العلبي وجماعة، قالوا: أخبرنا عبد الأول بن عيسى، أخبرنا شيخ الإسلام أبو إسماعيل الهروي، قال: أفادني يعقوب، وكتبته من خطه، أخبرنا أبو علي الخالدي، سمعت محمد بن الحسين الزعفراني، سمعت عثمان بن سعيد بن بشَّار الأنماطي، سمعت المزني يقول: كنت أنظر في الكلام قبل أن يقدم الشافعي، فلما قدم أتيته، فسألته عن مسئلة من الكلام، فقال لي: تدري أين أنت؟ قلت: نعم، في مسجد الفسطاط.
قال لي: أنت في تاران - قال عثمان: وتاران موضع في بحر القلزم لا تكاد تسلم.
… قال زكريا الساجي: حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثني حسين الكرابيسي: بت مع الشافعى ليلة، فكان يصلي نحو ثلث الليل، فما رأيته يزيد على خمسين آية، فإذا أكثر، فمئة آية، وكان لا يمر بآية رحمة إلا سأل الله، ولا بآية عذاب إلا تعوذ، وكأنما جمع له الرجاء والرهبة جميعا.
قال الربيع بن سليمان من طريقين عنه، بل أكثر: كان الشافعي يختم القرآن في شهر رمضان ستين ختمة.
ورواها ابن أبي حاتم عنه، فزاد: كل ذلك في صلاة.
أبو عوانة الإسفراييني: حدثنا الربيع، سمعت الشافعي يقول: ما شبعت منذ ست عشرة سنة إلا مرة، فأدخلت يدى فتقيأتها.
стр. 8472
رواها ابن أبي حاتم عن الربيع، وزاد: لأن الشبع يثقل البدن، ويقسي القلب، ويزيل الفطنة، ويجلب النوم، ويضعف عن العبادة.
الزبير بن عبد الواحد: أخبرنا أبو بكر محمد بن القاسم بن مطر، سمعت الربيع: قال لي الشافعي: عليك بالزهد، فإن الزهد على الزاهد أحسن من الحلي على المرأة الناهد.
قال الزبير: وحدثني إبراهيم بن الحسن الصوفي، سمعت حرملة، سمعت الشافعي يقول: ما حلفت بالله صادقا ولا كاذبا.
قال أبو داود: حدثني أبو ثور قال: قل ما كان يمسك الشافعي الشيء من سماحته.
وقال عمرو بن سواد: كان الشافعي أسخى الناس على الدينار والدرهم والطعام، فقال لي الشافعي: أفلست من دهري ثلاث إفلاسات، فكنت أبيع قليلي كثيري حتى حلي بنتي وزوجتي، ولم أرهن قط.
قال الربيع: أخذ رجل بركاب الشافعي، ففال لي: أعطه أربعة دنانير، واعذرني عنده.
سعيد بن أحمد اللخمي المصري: سمعت المزني يقول: كنت مع الشافعي يوما، فخرجنا الأكوام، فمر بهدف، فإذا برجل يرمي بقوس عربية، فوقف عليه الشافعي ينظر، وكان حسن الرمى، فأصاب بأسهم، فقال الشافعي: أحسنت، وبرك عليه، ثم قال: أعطه ثلاثة دنانير، واعذرني عنده.
وقال الربيع: كان الشافعي مارا بالحذائين، فسقط سوطه، فوثب غلام، ومسحه بكمه، وناوله، فأعطاه سبعة دنانير.
قال الربيع: تزوجت، فسألني الشافعي: كم أصدقتها؟ قلت: ثلاثين دينارا، عجلت منها ستة.
فأعطاني أربعة وعشرين دينارا.
стр. 8473
أبو جعفر الترمذي: سمعت الربيع قال: كان بالشافعي هذه البواسير، وكانت له لبدة محشوة بحلبة، يجلس عليها، فإذا ركب، أخذت تلك اللبدة، ومشيت خلفه، فناوله إنسان رقعة يقول فيها: إنني بقال، رأس مالي درهم، وقد تزوجت، فأعني، فقال: يا ربيع، أعطه ثلاثين دينارا واعذرني عنده.
فقلت: أصلحك الله، إن هذا يكفيه عشرة دراهم، فقال: ويحك! وما يصنع بثلاثين؟ أفي كذا، أم في كذا -يعد ما يصنع في جهازه- أعطه …
وعن إبراهيم بن برانة قال: كان الشافعي جسيما، طوالا، نبيلا.
قال ابن عبد الحكم: كان الشافعي أسخى الناس بما يجد، وكان يمر بنا، فإن وجدني، وإلا قال: قولوا لمحمد: إذا جاء يأتي المنزل، فإني لا أتغدى حتى يجئ.
داود بن علي الأصبهاني: حدثنا أبو ثور قال: كان الشافعي من أسمح الناس، يشتري الجارية الصناع التي تطبخ وتعمل الحلواء، ويشترط عليها هو أن لا يقربها، لأنه كان عليلا، لا يمكنه أن يقرب النساء لباسور به إذا ذاك، وكان يقول لنا: اشتهوا ما أردتم.
قال أبو علي بن حمكان: حدثني أبو إسحاق المزكي، حدثنا ابن خزيمة، حدثنا الربيع، قال: أصحاب مالك كانوا يفخرون، فيقولون: إنه يحضر مجلس مالك نحو من ستين معمما.
والله لقد عددت في مجلس الشافعي ثلاثمائة معمم سوى من شذ عني.
قال الربيع: اشتريت للشافعي طيبا بدينار، فقال: ممن اشتريت؟ قلت: من ذاك الأشقر الأزرق.
قال: أشقر أزرق! رده، رده، ما جاءني خير قط من أشقر.
أبو حاتم: حدثنا حرملة، حدثنا الشافعي، يقول: احذر الأعور، والأعرج، والأحول، والأشقر، والكوسج، وكل ناقص الخلق، فإنه صاحب التواء، ومعاملته عسرة.
стр. 8474
العكري: سمعت الربيع يقول: كنت أنا والمزني والبويطي عند الشافعي، فنظر إلينا، فقال لي: أنت تموت في الحديث، وقال للمزني: هذا لو ناظره الشيطان، قطعه وجدله، وقال للبويطى: أنت تموت في الحديد.
قال: فدخلت على البويطي أيام المحنة، فرأيته مقيدا مغلولا.
وجاءه رجل مرة، فسأله -يعني الشافعي- عن مسئلة، فقال: أنت نساج؟ قال: عندي أجراء.
أحمد بن سلمة النيسابوري: قال أبو بكر محمد بن إدريس وراق الحميدي: سمعت الحميدي يقول: قال الشافعي: خرجت إلى "اليمن" في طلب كتب الفراسة حتى كتبتها وجمعتها.
وعن الربيع قال: مر أخي، فرآه الشافعي، فقال: هذا أخوك؟
ولم يكن رآه.
قلت: نعم.
أبو علي بن حمكان: حدثنا أحمد بن محمد بن هارون الهمذاني العدل، حدثنا أبو مسلم الكجي، حدثنا الأصمعي، عن الشافعي: أصل العلم التثبيت، وثمرته السلامة، وأصل الورع القناعة، وثمرته الراحة، وأصل الصبر الحزم، وثمرته الظفر، وأصل العمل التوفيق، وثمرته النجح، وغاية كل أمر الصدق.
بلغنا عن الكديمي، حدثنا الأصمعي، قال: سمعت الشافعي يقول: العالم يسأل عما يعلم وعما لا يعلم، فيثبت ما يعلم، ويتعلم ما لا يعلم، والجاهل يغضب من التعلم، ويأنف من التعليم.
أبو حاتم: حدثنا محمد بن يحيى بن حسان، سمعت الشافعي يقول: العلم علمان: علم الدين وهو الفقه، وعلم الدنيا وهو الطب، وما سواه من الشعر وغيره فعناء وعبث.
стр. 8475
وعن الربيع قال: قلت للشافعي: من أقدر الفقهاء على المناظرة؟ قال: من عود لسانه الركض في ميدان الألفاظ لم يتلعثم إذا رمقته العيون.
في إسنادها أبو بكر النقاش وهو واه.
وعن الشافعي: بئس الزاد إلى المعاد العدوان على العباد.
قال يونس الصدفي: قال لي الشافعي: ليس إلى السلامة من الناس سبيل، فانظر الذي فيه صلاحك فالزمه.
وعن الشافعي قال: ما رفعت من أحد فوق منزلته إلا وضع مني بمقدار ما رفعت منه.
وعنه: ضياع العالم أن يكون بلا إخوان، وضياع الجاهل قلة عقله، وأضيع منهما من واخى من لا عقل له.
وعنه: إذا خفت على عملك العجب، فاذكر رضى من تطلب، وفي أي نعيم ترغب، ومن أي عقاب ترهب.
فمن فكر في ذلك صغر عنده عمله.
آلات الرياسة خمس: صدق اللهجة، وكتمان السر، والوفاء بالعهد، وابتداء النصيحة، وأداء الأمانة.
محمد بن فهد المصري: حدثنا الربيع، سمعت الشافعي يقول: من استغضب فلم يغضب، فهو حمار، ومن استرضي فلم يرض، فهو شيطان.
أبو سعيد بن يونس: حدثنا الحسين بن محمد بن الضحَّاك الفارسي، سمعت المزني، سمعت الشافعي قال: أيما أهل بيت لم يخرج نساؤهم إلى رجال غيرهم، ورجالهم إلى نساء غيرهم إلا وكان في أولادهم حمق.
قال الميموني: سمعت أحمد بن حنبل يقول: ستة أدعو لهم سحرا، أحدهم الشافعي.
وقال محمد بن هارون الزنجاني: حدثنا عبد الله بن أحمد، قلت لأبي: أي رجل كان الشافعي، فإني سمعتك تكثر من الدعاء له؟ قال: يا بني، كان