Полный текст (1 289 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
شكر وتقدير
أحمدك اللهم حمد الشاكرين، وأصلي وأسلم على سيد المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين.
أما بعد
فتأسيا بكريم خلق رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وإنطلاقا من هديه، وعملا بسنته في الحديث المروي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رَسُولِ اللَّه ﷺ : "من لم يشكر الناس لم يشكر الله " (١)
فإِني أتوجه بجميل الشكر لله ، القائل ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ (٢) فله الشكر أولا وآخرا على سوابغ نعمه، الظاهرة والباطنة. ثم أسجل هنا لأصحاب الفضل فضلهم، فإِنه لا يعرف الفضل لأهل الفضل إِلا ذووه.
فأتوجه بخالص الشكر وعظيم الإِمتنان لأستاذي وشيخي المحدث الأستاذ الدكتور/ أحمد محمد نور سيف - حفظه الله- الذي تفضل بالأشراف على هذه الرسالة، ومنحني من وقته الكثير -على كثرة مشاغله- فجزاه الله عني خير الجزاء.
_________
(١) أخرجه الإِمام أحمد فى المسند (٢/ ٢٥٨) عن عبد الواحد، عن الربيع بن مسلم القرشي، عن محمد بن زياد عنه به. والبخاري في الأدب المفرد (١/ ٣٠٩) من طريق: موسى بن إِسماعيل، وأبو داود في السنن (٤/ ٢٥٥) عن مسلم بن إِبراهيم، والترمذي في الجامع (٤/ ٣٣٩) عن ابن المبارك، كلهم عن الربيع به نحوه. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
(٢) سورة إبراهيم آية (٧).
стр. 2
كما أتقدم بخالص الشكر للعاملين المخلصين بجامعة أم القرى، وأخص منهم العاملين بكلية الدعوة وأصول الدين، والدراسات العليا الشرعية.
كما أشكر كل من قدم لي جميل الرأي، وحسن النصح، وأفادني بأثارة من علم. وأسأل الله أن يوفقنا ويسدد خطانا لما يحبه ويرضاه. إِنه سبحانه قريب مجيب الدعوات، وصلى الله على نبينا محمد وعلى أله وصحبه أجمعين.
* * *
стр. 3
المقدمة
الحمد لله رب العالمين. والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد. وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أما بعد ..
فإِن كتاب "التاريخ الكبير" للإِمام أبي عبد الله: محمد بن إِسماعيل البخاري ﵀ يحتل مكانة الصدارة في الدراسات الحديثية، منذ أن صنفه صاحبه وِإلى يومنا هذا.
وذلك لإِمامة مصنفه الذي أذعن لأحكامه الموافق والمخالف. ولإِشتتماله على مادة علمية قيمة، من حيث الصناعة الحديثية، حيث أودع فيه علما جما قد لا يفطن إِليه إِلا أهل الإِختصاص في هذا الفن.
فقد كان ذلك دافعا لي، إِلى العمل في هذا الكتاب، وزادني فيه رغبة، وجود علاقة بين عملي في رسالة الماجستير وموضوعها "تفسير سورة يوسف ﵇" من تفسير القرآن العظيم مسندا عن "، رَسول الله ﷺ والصحابة والتابعين " للإِمام الحافظ عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي، وبين هذا الموضوع، لما بينهما من التقارب النسبي، من حيث دراسة الأسانيد والحكم عليها والتخريج.
وكنت كلما نظرت في كتاب "التأريخ الكبير" إِزددت به إِعجابا، لما حبا الله صاحبه من ذكاء، إِستطاع به أن يجمع مادة واسعة ويختصرها بإِشارات أودعها هذا الكتاب تدل على إِطلاع واسع على غالب ما كتب في زمانه من حديث، وما دون من علم وتأريخ.
стр. 4
وتيقنت أنه كلما زادت صلتي بهذا الكتاب، وتأملي فيه، إِزدادت مداركي، وتوسعت معرفتي بفنون "علم الحديث" و "تأريخه". وقد رأيت أن الإِشتغال به، وفهمه، وحل إِشاراته، وفك رموزه، هو خير معين لي في هذه المرحلة من مراحل التحصيل العلمي، لأنه سوف يفتح لي آفاقا واسعة في هذا الميدان، تسنح لي بمواصلة البحث والدراسة إِلى أمد بعيد- ان شاء الله تعالى-.
إِلا أن الذي وقفت عنده متحيرا هو: كيف تكون البداية؟ فهذا الكتاب بحر، فمن أي سواحله أبدأ؟
وبعد الإِستخارة والإِستشارة إِستقر الرأي أن تكون البداية بتخريج الأحاديث المرفوعة المسندة فقط من هذا الكتاب.
وهكذا خرجت هذه البداية في الصورة التي بين يدي القارئ الكريم.
هذه البداية -على سعتها- لم تمنعني من إِستخراج أشياء أخرى من هذا الكتاب، سارت جنبا إِلى جنا مع إِستخراجي للأحاديث المرفوعة المسندة، مثل: الأحاديث الموقوفة، والعلل الواردة في هذا الكتاب، وغير ذلك، وهي لا تقل مساحة عن موضوع هذه الدراسة إِن لم تزد عليها، أسأل الله أن ييسر لي إِخراجها في مقتبل الأيام.
لقد كانت خطة هذا الموضوع تسير على ما يلي: -
١ - إِستخراج الأحاديث المرفوعة المسندة، وتمييزها عن الأحاديث التي يتخلف عنها واحد من القيود. وأعني بالأحاديث المرفوعة المسندة، تلك الأحاديث التي رواها الإِمام البخاري ﵀ بسنده عن شيوخه إِلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وأدخلت في ذلك الصحابة المختلف في صحبتهم، وكذلك بعض الأحاديث المختلف فيها التي ظاهرها الرفع وهي موقوفة، والمتصلة وهي
في حقيقتها مرسلة، مع بيان الراجح في ذلك.
وقد عرف الحافظ ابن الصلاح ﵀ الحديث المرفوع بأنه: ما أضيف
стр. 5
إِلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خاصة، ولا يقع مطلقه على غير ذلك، ويدخل في المرفوع المتصل والمنقطع والمرسل، ومن جعل من أهل الحديث المرفوع في مقابل المرسل، فقد عنى بالموضوع المتصل (١).
قال ابن الصلاح: ذكر الخطيب أن المسند عند أهل الحديث هو الذي إتصل إِسناده من رواية الى منتهاه وأكثر من يستعمل ذلك فيما جاء عن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (٢).
وعرف الحاكم المسند بقوله: والمسند من الحديث أن يرويه المحدث عن شيخ يظهر سماعه منه لسند يحتمله، وكذلك سماع شيخه، من شيخه، إِلى أن يصل الإِسناد إِلى صحابي مشهور إِلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (٣).
وقال ابن عبدالبر: وأما المسند: فهو ما رفع إِلى النبي ﷺ خاصة، وقد يكون متصلا مثل: مالك عن نافع، عن ابن عمر عن رَسُولِ اللَّه ﷺ . وقد يكون منقطعا .. (٤).
وقال أيضا:
وقد ذهب قوم إِلى أن المسند لا يقع الا على ما إِتصل مرفوعا إِلى النبي ﷺ (٥).
وللأقوال المختلفة في تحديد مدلول المسند والمرفوع جمعت بينهما ليتحدد النوع الذي أردت أن تقتصر عليه الدراسة وهو المرفوع المتصل.
وإستخراج الأحاديث وفق الضوابط المذكورة، أمر عسر، ولا يعرف مقدار الجهد المبذول في ذلك إِلا من عرف طريقة البخاري في إيراده لأحاديث كتابه
_________
(١) المقدمة: ص (٥٠).
(٢) المقدمة: ص (٤٩).
(٣) معرفة علوم الحديث: (١٧)، وشرح نخبة الفكر: ص (١٢٠).
(٤) التمهيد (١/ ٢١).
(٥) المصدر السابق (١/ ٢٥).
стр. 6
هذا. فهو أحيانا يقدم سند الحديث ثم يتبعه بالمتن على الطريقة المعهودة، وهذا لا يكلف في إِستخراجه كبير عناء بخلاف ما إِذا إِبتدأ بإِيراد الحديث من أثناء السند، وبعد ذكره لمتن الحديث يورد بقية السند، وهذا كثير.
إِلا أن العناء يزداد شدة إِذا أورد السند فقط ولم يورد من الحديث شيئا على الإِطلاق، لا طرفا منه ولا إِختصارا. ويزداد هذا الأمر شدة إِذا بدأ من أثناء السند حتى إِذا إِنتهى إِلى الصحابي، عاد فأكمل السند من شيخه إِلى حيث إِبتدأ أولا. إِن هذا الأمر جعلني أقف أمام الحديث الواحد مرة بعد مرة، أدرس سنده، وأخرج متنه لأرى هل يندرج تحت موضوع الدراسة هذه فألحقه بها؟ أم يتخلف عنه فأنحيه عنها؟
إن هذه الطريقة على ما فيها من عناء، لم تخل من النفع أيضا، لأنني كنت أكتب ملاحظاتي على كل حديث من حيث التخريج وما يلحقه، ولذلك لم أكد أنته من جمع (أحاديث) هذه الدراسة إِلا ورأيت نفسي قد قطعت شوطا كبيرا في تخريجها وما هو لاحق بالتخريج.
ولهذا جاءت هذه المادة محكمة، ولا أظن أن شيئا من هذه الأحاديث يستدرك عليها- وفق هذه الشروط- إِلا ما ذهلت عنه، والله أعلم.
٢ - من عادة البخاري في "تأريخه" ألا يذكر ألفاظ الأحاديث كاملة إِلا إِذا دعت الضرورة لذلك، فيكتفي بطرف منه، أو بإِختصاره، أو لا يذكره على الإِطلاق. وأحيانا يقدم لفظ حديث مرسل أو موقوف، ثم يتبعه بالمرفوع المسند، ويقول: بهذا، أو نحوه. وفي كل هذه الحالات وغيرها تكفلت بذكر لفظ الحديث المطلوب من تأريخ البخاري نفسه، أو من المراجع الأخرى.
٣ - الحكم على سند الحديث:
إِن دراسة الأسانيد تتناول جانبين: -
стр. 7
الأول: ترجمة رواة السند:
وقد سرت في ذلك وفق الضوابط التالية: -
١ - إِن كان راوي الحديث ثقة، فأكتفي بعبارة الحافظ ابن حجر في تقريب التهذيب، مع حذف طبقة الراوي، وكتابة من أخرج له من أصحاب الكتب الستة بالحروف.
٢ - إِن كان الراوي صدوقا، أو مختلفا فيه، فأنقل فيه أقوال آئمة الجرح والتعديل، المعول عليهم في نقد الرجال، من الكتب العتبرة في هذا العلم. وأختم ذلك بكلام الحافظ ابن حجر في التقريب غالبا.
٣ - إِن كان الراوي من رجال الكتب الستة، وما ألحق بها، فلا أذكر في ترجمته أحدا من شيوخه، ولا تلاميذه، إِلا لفائدة.
٤ - إِذا لم أقف على ترجمة للراوي- وذلك نادر- فإِن كان له ذكر ضمن ترجمة شيوخه، أو تلاميذه، أشرت إِلى ذلك.
الثاني: الحكم على السند:
سرت في هذا وفق المنهج الذي رسمه الحافظ ابن حجر- ﵀ في التقريب حيث قال: إِنحصر لي الكلام على أحوالهم- يعني الرواة- في إِثنتي عشرة مرتبة، وحصر طبقاتهم في إِثنتي عشرة طبقة.
فأما المراتب:
فأولها: الصحابة، فأصرح بذلك لشرفهم.
الثانية: من أكد مدحه، إِما: بأفعل: كأوثق الناس، أو بتكرير الصفة، لفظا: كثقة ثقة، أو معنى: كثقة حافظ.
الثالثة: من افرد بصفة، كثقة، أو متقن، أو ثبت، أو عدل.
الرابعة: من قصر عن درجة الثالثة قليلا، وإليه الإِشارة بصدوق، أو لا بأس به، أو ليس به بأس.
стр. 8
الخامسة: من قصر عن الرابعة قليلا، وإليه الإِشارة: بصدوق سئ الحفظ، أو صدوق يهم، أو له أوهام، أو يخطئ، أو تغير بآخره. ويلتحق بذلك من رمي بنوع من البدعة، كالتشيع، والقدر، والنصب، والإِرجاء، والتجهم، مع بيان الداعية من غيره.
السادسة: من ليس له من الحديث إِلا القليل، ولم يثبت ما يترك حديثه من أجله، وإليه الإِشارة بلفظ: مقبول، حيث يتابع، وإلا فلين الحديث.
السابعة: من روى عنه أكثر من واحد ولم يوثق، وإِليه الإِشارة بلفظ: مستور، أو مجهول الحال.
الثمامئة: من لم يوجد فيه توثيق لمعتبر، ووجد فيه إِطلاق الضعف، ولولم يفسر، وإِليه الإِشارة بلفظ: ضعيف.
التاسعة: من لم يرو عنه غير واحد، ولم يوثق، وإليه الإِشارة بلفظ: مجهول.
العاشرة: من لم يوثق البتة، وضعف مع ذلك بقادح، وإِليه الإِشارة: بمتروك، أو متروك الحديث، أو واهي الحديث، أو ساقط.
الحادية عشرة: من إِتهم بالكذب.
الثانية عشرة: من أطلق عليه إِسم الكذب، أو الوضع (١).
- فمن كان من المرتبة الثانية والثالثة صححت إسناده.
- ومن كان من المرتبة الرابعة حسنت إِسناده.
- ومن كان من الخامسة والسادسة والسابعة والثامنة والتاسعة فقد حكمت بضعف أسانيدهم أن لم يتابعوا، فإِذا توبعوا قلت: حسن لغيره.
- وما كان بعد ذلك حكمت بضعفه أو شدة ضعفه حسب درجته، وإِن توبع.
_________
(١) التقريب (٧٤).
стр. 9
أما إِن كان الراوي من غير رجال التقريب فقد سرت في ذلك وفق الضوابط التالية: -
١ - أن كان الراوي من طبقة كبار التابعين، الآخذين عن الصحابة -رضوان الله عليهم- ولم يثبت فيه جرح، وهو عادة ممن يذكرهم ابن حبان في الثقات، فإِني أحسن حديثه، لكونه عدلا في الظاهر، ولتعذر معرفة العدالة الباطنة له.
قال الحافظ ابن الصلاح: ويشبه أن يكون العمل على هذا الرأي في كثير من كتب الحديث المشهورة، في غير واحد من الرواة الذين تقادم العهد بهم، وتعذرت الخبرة الباطنة بهم (١).
وقال الحافظ ابن كثير ﵀ بعد أن ذكر هذه المسألة: ورجح ذلك سليم بن أيوب الرازي، الفقيه، ووافقه ابن الصلاح، وقد حررت البحث في ذلك في المقدمات (٢).
٢ - من سكت عنه الإِمام البخاري، وابن أبي حاتم، أو أحدهما، توقفت في الحكم عليه، حتى يتبين أمره، فإِن توبع براوٍ معتبر حسنت حديثه.
٣ - من لم أقف على ترجمته من الرواة، توقفت في الحكم على حديثه ولم أحكم عليه بالجهالة، رجاء وجود جرح أو تعديل فيه، في كتب الرجال التي لم ينشر كثير منها بعد.
وفق هذا المنهج سرت في حكمي على أسانيد الأحاديث المرفوعة المسندة في التأريخ الكبير.
٤ - تخريج الحديث تخريجا موسعا في جميع ما وقفت عليه من كتب السنة، مع الإِشارة إِلى الشواهد والمتابعات حيث الحاجة.
_________
(١) مقدمة ابن الصلاح (١٢٢).
(٢) الباعث الحثيث (٩٢).
стр. 10
٥ - تخصيص مساحة لا بأس بها -حيث الحاجة- لذكر علل الحديث الواردة فيه، وترجيع ظهر لي في رجحانه. وهذا أملاه على "منهج التعليل" الذي راعاه البخاري في "تاريخه الكبير".
٦ - شرح الغريب والتعريف بالمواضع.
٧ - عمل فهارس علمية لهذه الدراسة، وهي: -
١ - فهرس الآيات القرآنية.
٢ - فهرس الأحاديث النبوية على حروف المعجم.
٣ - فهرس الأحاديث على الأبواب الفقهية.
٤ - فهرس الرواة والأعلام.
٥ - فهرس المواضع.
٦ - فهرس مصادر البحث.
٧ - فهرس الموضوعات.
وقد إِقتضى العمل في هذا الموضوع تقديم دراسة مركزة تتناول جوانب تتعلق بهذا الموضوع من "التأريخ الكبير".
وقد خصصت الفصل الأول لإِلقاء بعض الأضواء على شخصية الإِمام البخاري، سلكت فيها مسلكا نافعا -إِن شاء الله تعالى-.
أما الفصل الثاني فدرست فيه "مصنفات" الإِمام البخاري، وأجبت على بعض الإِشكالات حول بعض مصنفاته.
والفصل الثالث قدمت فيه تقويما للطبعة المتداولة من "التأريخ الكبير" ما لها وما عليها، وإستعرضت فيه النسخ الخطية الموجودة من هذا الكتاب، مع إِبداء بعض الآراء فيها.
أما الفصل الرابع فخصصته لذكر المصادر التي إِعتمد عليها البخاري في الأحاديث المرفوعة المسندة في "التأريخ الكبير".
стр. 11
والفصل الخامس أفردته للمشايخ الذين روى عنهم البخاري الأحاديث المرفوعة المسندة في "تأريخه الكبير".
أما الفصل السادس فاستعرضت فيه منهج البخاري في "تأريخه الكبير" درست فيه بعض ملامح هذا المنهج.
ثم ختمت هذه الدراسة بخاتمة ضمنتها أهم النتائج والأحصاءات التي توصلت إِليها من خلال هذه الدراسة.
وبعد ..
فهذه "بداية" عمل جاد -إن شاء الله- في "التأريخ الكبير" وأقول "بداية" تيمنا بأن تتبعها "دراسات" أخرى لا تقل عنها في الحجم ولا في المستوى، وأسأل الله أن ييسر لي ذلك، وأن يتقبل مني هذا العمل، ويجعله خالصا لوجهه الكريم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
* * *
стр. 12
القسم الأول
الدراسة
стр. 13
الفصل الأول
لمحات من سيرة الإمام البخاري
المبحث الأول: من عوامل تكوين شخصية الإمام البخاري.
المبحث الثاني: ثناء شيوخه عليه.
المبحث الثالث: ثناء أقرانه وبعض تلاميذه.
المبحث الرابع: من شمائل البخاري.
المبحث الخامس: البخاري ومسألة اللفظ.
المبحث السادس: فتنة اللفظ تلاحق البخاري حتى الوفاة.
стр. 14
تمهيد
لا أظنني آتي بجديد في سيرة هذا الإِمام الجليل من حيث "الشمائل والأخبار" وذلك لأن شخصية هذا الإِمام أبهرت الكثيرين من ذوي التخصص في هذا الشأن، فوضعوا في ترجمته مصنفات مستقلة. والذين ترجموا له ضمن سير الآخرين أولوه عناية خاصة، فصلحت أن تكون ترجمته في هذه الكتب الجامعة مصنفا قائما بذاته.
فمن الذين أفردوه بالتصنيف صاحبه ورفيقه ووراقه أبو جعفر محمد بن أبي حاتم البخاري، وهو من العارفين بحال البخاري لأنه كان يصحبه في الحضر والسفر. وقد سمى كتابه هذا "شمائل البخاري". قال الذهبى: "وهو جزء ضخم" (١).
ولم يصلنا هذا الكتاب بعد، لكن كثرة النقول عنه تكاد تستوعب ما كتبه هذا التلميذ الوفي.
ومن الذين أفردوه بالتصنيف: أبو الربيع سليمان بن سالم الحميري الكلاعي، في كتاب له سماه "أخبار البخاري". كذا سماه الذهبي (٢). وسماه مرة أخرى "سيرة البخاري" (٣).
وكذلك فعل أبو سعد السمعاني -صاحب الأنساب- وهو: عبدالكريم بن محمد بن منصور التميمي. فقد أفرده بكتاب أسماه "مناقب البخاري" كذا قال في "التحبير" (٤).
_________
(١) سير أعلام النبلاء: (١٢/ ٣٩٢).
(٢) المصدر السابق: (٢٣/ ١٣٦).
(٣) المصدر نفسه: (٢٣/ ١٣٧).
(٤) ٢/ ٦٩.
стр. 15
وسماه الذهبي "بخار بخور البخاري" (١).
أما من ترجمه ضمن كتاب جامع، وتصلح ترجمته أن تكون "سيرة" خاصة، أو "مناقب" لهذا الإِمام أو "أخبارا" له، فكثير جدا.
منها الترجمة التي كتبها الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (٢) وهي من التراجم الحافلة. وعليها إِعتمد ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٣) وزاد عليها أخبارا أخرى كثيرة.
ومنها الترجمة التي كتبها المزي في "تهذيب الكمال" (٤).
والترجمة الحافلة التي كتبها الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (٥).
والترجمة التي كتبها ابن حجر في "هدى الساري" (٦) و "تغليق التعليق" (٧). إِلى غير ذلك من التراجم الجامعة والمختصرة لأخبار هذا الإِمام في كتب أخرى كثيرة. إِلى إِنني رأيت أن لا أمر بهذا الإِمام -وأنا أشتغل بواحد من مصنفاته الكبرى -دون أن أكتب- لنفسي أولًا- مذكرة تشير إِلى بعض ملامح هذه الشخصية الهامة في تاريخنا وحضارتنا. وكما قلت أن هذه "اللمحات" لا تأتي بجديد، لكنها " ذكرى لي، ولمن يقرأ كتابي هذا، عسى أن ننتفع بها في حياتنا وبعد مماتنا.
_________
(١) السير (٢٠/ ٤٦١).
(٢) (٢/ ٤ - ٣٥).
(٣) المجلد الخامس عشر من الورقة ٣٨ ب إِلى الورقة ٥٤ ب.
(٤) المجلد الثالث، الأوراق (١١٦٨ - ١١٧٢).
(٥) (١٢/ ٣٩١ - ٤٧١).
(٦) ص (٤٧٧ - ٤٩٣).
(٧) (٥/ ٣٨٤ - ٤٤١).
стр. 16
المبحث الأول من عوامل تكوين شخصية البخاري
نذكر هنا بعض الأسباب التي ساعدت في تنشئة هذا الإِمام الرباني، وذلك كله بعد توفيق الله تعالى.
١ - صلاح الأبوين:
لم يصلنا من أخبار والديه إِلا القليل.
فأما أبوه إِسماعيل، فكان حريصا على العلم ولقى الأكابر، فقد رحل الى مدينة الرسول ﷺ لسماع مالك بن أنس، وإلى البصرة لسماع حماد بن زيد، والتقى بعبد الله بن المبارك، وصافحه بكلتا يديه (١).
وكان لإسماعيل هذا مال كثير، ورث منه الإِمام البخاري شيئا جليلا أعانه على طلب الحديث.
قال وراق البخاري: سمعت محمدين خراش يقول: سمعت أحمد بن حفص يقول: دخلت على إِسماعيل والد أبي عبد الله عند موته فقال: "لا أعلم من مالي درهما من حرام ولا درهما من شبهة" (٢).
ومثل هذا الورع العظيم يدل على ما وراءه من صلاح. فمن هذا المال "الطيب" كان البخاري يأكل. ومنه أيضا كان ينفق في الطلب -فكيف لا يبارك له في علمه وعلى هذا الأساس قام؟ وأما أمه فكانت مستجابة الدعوة،
_________
(١) التاريخ الكبير (١/ ٣٤٢ - ٣٤٣) وسير أعلام النبلاء (١٢/ ٣٩٢).
(٢) مقدمة الفتح ص (٤٧٩).
стр. 17
وإستجابة الدعاء مظنة الصلاح وطيب المطعم.
قال ابن حجر في "الهدي": روى غنجار في "تاريخ بخارى" واللالكائي في "شرح السنة" في باب -كرامات الأولياء- منه: أن محمد بن إسماعيل ذهبت عيناه في صغره، فرأت والدته الخليل إِبراهيم في المنام فقال لها: يا هذه قد رد الله على إِبنك بصره بكثرة دعائك. قال: فأصبح، وقد رد الله عليه بصره (١).
من بديع لطف الله تعالى بعباده، أن صلاح الفرد لا تقتصر بركته على هذا الصالح فقط، بل ينسحب ذلك ليشمل الأولاد والأحفاد، وإلى ذلك أشار القرآن (٢). فطيب الأصل مظنة طيب الفرع.
٢ - اليتم.
وغالب العظماء هم من اليتامى، وهذا أيضا من اللطف الخفي، فمن حرم حنان الوالد، قد لا يحرم من الذكر الصالح. واليتم يصنع الرجال، ويعلمهم الصبر والجلد والإِعتماد على النفس. وقد ظهرت أمارات ذلك عند البخاري في وقت مبكر نسبيا. حيث ورد أنه ذهب إِلى مكة حاجا أمه وأخيه، وترجع أمه وأخوه ويتركانه وحيدا هناك وهو لم يتجاوز السادسة عشرة من عمره، مجاورا وطالبا (٣).
٣ - البيئة والنشأة الصالحتان.
فبخارى كانت تعج بأهل العلم من حملة الفقه والحديث. ولم يتعب البخاري في البحث عن الشيوخ الصالحين، الذين رعوه وعرفوا قدره، وقدموه بالرغم من يتمه. وأما النشأة، فتلك الأم الصالحة آثرت ما يبقى على ما يفنى، فلم تدفع بابنها للمتاجرة بمال أبيه خوف الفقر ونفاد التركة، بل دفعت بابنها
_________
(١) هدى الساري ص (٤٧٨). وانظر "طبقات الحنابلة: (١/ ٣٧٤) و" تهذيب الكمال" ص (١١٧٠). و "سير النبلاء" (١٢/ ٣٩٣).
(٢) في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾.
(٣) هدي الساري ص (٤٧٧ - ٤٧٨).
стр. 18
ليحفظ القرآن، ثم الحديث، ثم حجت به وتركته يواصل طلب العلم في البلد الحرام.
٤ - الإلهام:
وقد أفصح البخاري عن ذلك إِفصاحا.
قال الفربري: سمعت محمد بن أبي حاتم وراق البخاري يقول: سمعت البخاري يقول: "ألهمت حفظ الحديث وأنا في الكتاب" قلت: وكم أتى عليك إِذ ذاك؟ فقال: "عشر سنين أو أقل" (١)!!
قلت: فانظر إِلى هذا التوفيق الذي رعي البخاري من صغره، حيث دله علي الصراط السوي، وألهمه حفظ الحديث وهو لا يزال في "الكتاب" لم يبلغ العاشرة من عمره، ذلك أننا عرفنا أن من بكر في طلب الحديث إِنما بكر في "كتابته " عن الشيوخ ليحصل له (علو الإِسناد) أما أنه يبكر هذا التبكير في "حفظ الحديث" فهذا دليل على نبوغه المبكر.
٥ - الذكاء:
وهذا موضع إِجماع عند جميع من لقي البخاري من شيوخه وأقرانه وتلاميذه، بل وكل مشتغل بفن الرواية والدراية إِلى يوم الناس هذا (٢) - فهو- ﵀.
كان من أذكياء الدنيا، وذكاؤه ذكاء خارق، ينفذ إلي طيات النصوص والالفاظ، يستخرج منها ما حير الأذكياء المتخصصين في فنون الحديث.
وهذا الذكاء النادر ظهرت بوادره منذ الطفولة.
قال البخاري: ثم خرجت من الكتاب بعد العشر، فجعلت أختلف إِلي الداخلي وغيره. فقال يوما فيما كان يقرأ للناس: سفيان، عن أبى الزبير، عن
_________
(١) تاريخ بغداد (٢/ ٧)، سير النبلاء (١٢/ ٣٩٣)، هدي الساري (٤٧٨).
(٢) انظر مبحث "ثناء العلماء عليه".
стр. 19
إبراهيم، فقلت له: إِن أبا الزبير لم يرو عن إِبراهيم. فإِنتهرنى، فقلت له: إِرجع إِلي الأصل. فدخل فنظر فيه، ثم خرج، فقال لى: كيف هو يا غلام؟ قلت: هو الزبير بن عدى، عن إِبراهيم، فأخذ القلم منى، وأحكم كتابه، وقال: صدقت. فقيل للبخارى: ابن كم كنت حين رددت عليه؟ قال: ابن إِحدي عشرة سنة. (١)
إِن ذكاء البخاري اختصر له الزمن، فإِستطاع أن يجمع في ذاكرته ما عجز عنه شيوخه وأقرانه. وكذلك سهل له إِستنباط ما حير به عقول اللاحقين.
قال حاشد بن إِسماعيل: كان البخارى يختلف معنا إِلي مشايخ البصرة وهو غلام، فلا يكتب حتى أتى على ذلك أيام، فلمناه بعد ستة عشر يوما فقال: قد أكثرتم علي فأعرضوا على ما كتبتم. فأخرجناه فزاد على خمسة عشر ألف حديث، فقرأها كلها عن ظهر قلب حتى جعلنا نحكم كتبنا من حفظه. وقال أبو بكر بن أبى عياش الأعين: كتبنا عن محمد بن إِسماعيل وهو أمرد على باب محمد بن يوسف الفريانى. (٢)
قال ابن حجر: كان موت الفرياني سنة اثنتي عشرة ومائتين وكان سن البخاري إِذ ذاك نحوا من ثمانية عشر عاما أو دونها. (٣)
والأخبار في قوة حفظ البخارى وسيلان ذهنه كثيرة جدا، إِنما أردت أن أشير إِلي أن الذكاء الخارق كان من المقومات الكبرى لهذه الشخصية الفذة.
٦ - كفاية المؤونة.
وهذا من الروافد المهمة التي ساعدت البخارى فى المضي في طريقه، والإِسراع إِلي الغاية دون إِلتفات إِلي أسباب المعيشة والإِنشغال بها. إِذ
_________
(١) تاريخ بغداد (٢/ ٧)، تهذيب الكمال (١١٦٩)، طبقات الشافعية للسبكي (٢/ ٢١٦)، هدي السارى (٤٧٨).
(٢) هدي الساري (٤٧٨).
(٣) المرجع السابق.
стр. 20
الفقر، وكثرة العيال من أكثر ما يقعد بالعالم الذكي عن بلوغ الغايات. وإمامنا قد كفي هذا من وجوه. فأبوه ترك له من المال الطيب ما يكفيه مدة الطلب. والأم الصالحة كانت علي ما يظهر تحسن التدبير، فما تركت إِمامنا ينشغل عن غايته بتنمية التركة. بل نراها أحسنت الصنع فجمعت له الحج وطلب الحديث في سفرة واحدة. ويأتي أخيرا الزهد والقناعة التى طبع عليها إمامنا، وكذلك ترك التكلف فى المظاهر لهذه الحياة.
ثم إن البخارى لم يحاول الإِتصال بأولى الأمر في ذلك العهد وآثر البعد عنهم قدر ما يستطيع، حتي لا يشغلوه ويعكروا عليه صفاءه القلبى والذهنى. وقد حكي وراق البخارى أن البخاري ورث من أبيه مالا جليلا، وكان يعطيه مضاربة. (١)
وقال وراقه أيضا سمعته يقول: وما توليت شراء شئ قط ولا بيعه، كنت آمر إِنسانا فيشتري لي. (٢)
وقال وراقه أيضا: قطع له غريم خمسة وعشرين ألفا، فقيل له: إِستعن بكتاب الوالى. فقال: إن أخذت منهم كتابا طمعوا، ولن أبيع ديني بدنياى. (٣)
٧ - الإخلاص فى الطلب، وصرف الهمة إليه:
سأله وراقه يوما فى خلوة: هل من دواء يشربه الرجل فينتفع به للحفظ؟ فقال البخارى: لا أعلم. ثم أقبل عليه وقال: لا أعلم شيئا أنفع للحفظ من نهمة الرجل ومداومة النظر. ثم قال البخارى: وذاك أنى كنت بنيسابور مقيما، فكانت ترد إِليَّ من بخاري كتب، وكن قرابات لي يقرئن سلامهن فى
_________
(١) هدي السارى (٤٧٧).
(٢) المرجع السابق.
(٣) المرجع السابق.
стр. 21
الكتب، فكنت أكتب كتابا إِلي بخارى، وأردت أن أقرئهن سلامى، فذ هب على إِساميهن كتبت كتابى ولم أقرئهن سلامى، وما أقل ما يذهب عنى من العلم!! هـ (١).
فأنت تري هنا أنه ينسى أسماء قريباته، ولا ينسي أسماء آلاف الرواة ومساكنهم ووفايتهم، كانه لا قريب له إِلا العلم.
ولقد وهب البخارى وقته كله للعلم، وتفرغ تفرغا تاما لهذا الأمر، وأخلص نيته في ذلك، فبورك له فى علمه، وانتفعت به أجيال المسلمين.
قال هانئ بن النضر: كنا عند محمد بن يوسف -يعنى: الفريابي- بالشام، وكنا نتنزه -فعل الشباب فى أكل الفرصاد ونحوه- وكان محمد بن اسماعيل معنا، وكان لا يزاحمنا في شئ مما نحن فيه، ويكب علي العلم (٢).
والأخبار تشير إِلي أن البخاري كان يتعبد بطلب العلم، فلا يقل سهره عي العلم عن سهره علي العبادة، بل تراه يتلذذ بالسهر علي العلم، ويستطيب السفر الطويل، والإِغتراب المتواصل في سبيل العلم.
قال وراقه: كان أبو عبد الله إِذا كنت معه فى سفر يجمعنا بيت واحد إلا في القيظ أحيانا، فكنت أراه يقوم في ليلة واحدة خمس عشرة مرة إِلي عشرين مرة، فى كل ذلك يأخذ القداحة، فيوري نارا بيده ويسرج، ثم يخرج أحاديث فيعلم عليها، ثم يضع رأسه. (٣)
وقال الفربرى: كنت عند محمد بن إسماعيل البخاري بمنزله ذات ليلة،
_________
(١) سير النبلاء (١٢/ ٤٠٦).
(٢) سير النبلاء (١٢/ ٤٠٥). والفرصاد: التوت الشامى، ويكثر فى تلك البلاد، وينبت علي حواف الشوارع والأنهار، وهو إِلي وقت قريب -كما حدثونا- لا يباع لكثرته، فيباح بدون ثمن.
(٣) تاريخ بغداد (٢/ ٣).
стр. 22
فأحصيت عليه أنه قام وأسرج يستذكر أشياء يعلقها فى ليلة ثماني عشرة مرة (١).
وهاتان كما تري صورتان، صورة فى السفر، وأخري فى الحضر، ما كان البخارى فيها يتلذذ بدفئ الفراش كما يتلذذ بتسجيل الفكرة الواردة علي خاطره، يسجلها قبل أن تضيع منه.
أى همة هذه؟ وأي إِخلاص هذا الذي يملك علي الإِنسان فكره وراحته؟
ولا يظنن القارئ أن فكر البخارى حين التأمل يرجع بما لا طائل منه، فساعة من هذا التفكير تتوارد فيه إِليه الخواطر النافعة بل المذهلة حقا.
قال ﵀: تذكرت يوما أصحاب أنس، فحضرني فى ساعة ثلاثمائة نفس (٢).
قال وراقه: سمعته يقول: ما نمت البارحة حتي عددت كم أدخلت في تصانيفى من الحديث، فإِذا نحو مائتى ألف حديث (٣).
أما عن أسفاره ورحلاته فى طلب الحديث فهذا شئ يطول، لكن لابد من الوقوف علي أمر هام فى هذه الرحلات، وهو طول الإِقامة فى المركز العلمي الذى يصل إِليه، وعلي الخصوص إِذا كان فيه من الشيوخ ما يستوجب هذه الإِقامة. قال ﵀: أقمت بالبصرة خمس سنين (٤).
وقال: دخلت إِلي الشام ومصر والجزيرة مرتين، وإلي البصرة أربع مرات، وأقمت بالحجاز ستة أعوام، ولا أحصي كم دخلت إِلي الكوفة وبغداد مع المحدثين.
_________
(١) المرجع السابق.
(٢) هدى الساري (٤٨٨).
(٣) المرجع السابق (٤٨٧).
(٤) هدى الساري (٤٨٨).
стр. 23
٨ - طريقة البخاري في الطلب وتبكيره بالتصنيف:
إِن السيرة العلمية للبخاري جديرة أن يقف عندها الباحث، فقد عرفنا أنه رزق المؤهلات التى تؤهله للطلب، من الذكاء، وفراغ البال من العيش، وصلاح البيئة، وصلاح الأهل، وطيب المطعم، وكذلك رزق الأخلاص في الطلب، ومحبة الصالحين من شيوخه وأقرانه، كما حقّته دعوات أهل الخير ممن عرفوا قدره، الى غير ذلك من توفيق الله تعالي لهذا الإِمام. لكن ما هو الجهد الذي بذله هذا الإِمام للوصول إِلى ما وصل اليه؟ إِنّ يد العناية قد أهدت اليه ما يستطيع به أن يبلغ الذروة، فبماذا قابل الإِمام كل ذلك؟
لقد اختطّ لنفسه منهجًا جديدا وحازمًا في الطلب، فكان عجبًا من العجب، أثار انتباه غير واحد من فحول ذلك الزمن.
فقد ألقي في قلبه حفظ الحديث، فبدأ يحفظه وهو لم يتخرّج من الكتاب بعد. فما أن تخرّج منه إِلا وهو يحفظ ما يقارب السبعين ألف حديث. وهذا من غرائب الأمور في التحصيل العلمي يومذاك. لأن من يتخرّح من الكُتّاب يكون قد أتم حفظ القرآن. أما أنه كان يحفظ معه (سبعين ألف حديث) فهذا موضع العجب الذي لا ينتهي.
قال سليم بن مجاهد: كنت عند محمد بن سلام البيكندي فقال لي: لو جئتَ مِن قبل لرأيت صبيًّا يحفظ سبعين ألف حديث!! (١)
والعجب أنه لم يكن يحفظ حفظا تقليديا كما يحفظ من في سنّه، بل كان يحفظ حفظ الأدباء العقلاء الفقهاء، فكان يُعْمِل فكره في الاسناد، كما يجهد عقله في المتن.
قال سليم بن مجاهد -متمما للخبر السابق: "فخرجت في طلبه حتى
_________
(١) هدي الساري: ص (٤٨٣). وقارن هذا بقول إِسحاق بن راهوية فبعد أن تصدّر وجلس للفتوى جعل يقول: (كأني أنظر إِلى سبعين ألف حديث من كتابي). السير: ١٢/ ٤١٦.
стр. 24
لقيته، فقلت: أنت الذي تقول: أنا أحفظ سبعين ألف حديث؟ قال: "نعم، وأكثر منه، ولا أجيئك بحديث عن الصحابة أو التابعين إِلا وعرفت مولد أكثرهم ووفاتهم ومساكنهم". (١)
وقال: وراقه: سمعته يقول: لم تكن كتابتي الحديث كما يكتب هؤلاء، كنت إذا كتبت عن رجل، سألته عن اسمه، وكنيته، ونسبه، وعلّة الحديث ان كان فهما- فان لم يكن سألته أن يُخرج لي أصله، ونسخته، وأما الآخرون فلا يبالون ما يكتبون، ولا كيف يكتبون (٢).
وقال بكر بن منير: سمعت البخاري يقول: كنت عند أبي حفص: أحمد ابن حفص أسمع كتاب "الجامع" لسفيان الثوري -من كتاب والدي- فمرّ أبو حفص على حرف ولم يكن عندي ما ذكر- فراجعته الثانية، فقال الثانية كذلك، فراجعته فسكت. ثم قال: مَنْ هذا؟ قالوا: ابن إِسماعيل. فقال أبو حفص: هو كما قال، واحفظوا أنّ هذا يصير يوما رجلا. أهـ. (٣)
قال عباس الدوري: ما رأيت أحسن طلبا للحديث من محمد بن إِسماعيل، كان لا يدع أصلًا ولا فرعًا إِلا قلعه. (٤)
وقال الدارمي: لم يكن يُشْبه طلب محمد للحديث طلبنا، كان إذا نظر في حديث رجل أنزفه. (٥)
قلت: وقد مرّ بنا كيف ردّ على أحد شيوخه يصحح له اسمًا في الإِسناد، وهو لم يبلغ الحادية عشرة من العمر.
فهذه الطريقة البارعة في الطلب، وهي طريقة التفكّر والتأمل والملاحظة،
_________
(١) تأريخ بغداد: ٢/ ٢٤ - ٢٥. تهذيب الكمال: ص (١١٧٠).
(٢) تغليق التعليق: ٥/ ٣٨٩.
(٣) تاريخ بغداد: ٢/ ١١.
(٤) تغليق التعليق: ٥/ ٣٨٩. وانظر: سير النبلاء: ١٢/ ٤٠٦.
(٥) سير النبلاء: ١٢/ ٤٢٧.
стр. 25
وما انضاف اليها من الالهام والذكاء والنهم، أهّلت البخاري أن يدرك في صباه ما لم يدركه الكبار إِلا قُرب انتهاء الأعمار.
هذا ما كان البخاري يعانيه في الصبا. ثم قال هو عن نفسه: "فلما طعنت في ست عشرة سنة، كنت قد حفظت كتب ابن المبارك، ووكيع، وعرفت كلام هؤلاء" (١). ويريد بقوله (هؤلاء): أهل الرأي، كما أفاد ابن حجر.
وهنا نجد البخاري خطا خطوة أخرى بل أتمها ولم يتم السادسة عشرة من عمره، وهو حفظه كتب الفقه المصّنفة في زمانه، وكذلك معرفة كتب أهل الرأي الشائعة في ذلك العهد. وهكذا جمع بين علم الرواية جرحا وتعديلا، واسنادا وتعليلا، وبين علم الدراية فقها واستنباطا. وهذا ما أهّله لـ "مناطحة الكباش"- كما عبّر بذلك أحد من كان يحضر مجلس شيخه أبي عاصم النبيل.
قال محمد بن قتيبة البخاري: كنت عند أبي عاصم النبيل، فرأيت عنده غلاما، فقلت له: من أين أنت؟ قال: من بخارى. قلت: ابن من؟ قال: ابن إِسماعيل، فقلت: أنت من قرابتي. فقال لي رجل بحضرة أبي عاصم: هذا الغلام يناطح الكباش. (٢)
قال ابن حجر: يعني: يقاوم الشيوخ.
قلت: وليس هذا فحسب بل أهّله لمرتبة أخرى وهي "التصنيف".
قال البخاري: "فلما طعنت في ثمان عشرة جعلت أصنّف قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم، وذلك أيام عبيد الله بن موسى، وصنّفت كتاب التأريخ اذ ذلك عند قبر الرسول ﷺ في الليالي المقمرة". (٣)
قلت: التأريخ الكبير سنتحدث عنه في غير هذا الموضع، ويكفي أن
_________
(١) طبقات الشافعية للسبكي: ٢/ ٢١٦. وهدى الساري: ص (٤٧٨).
(٢) هدي الساري: ص (٤٨٢).
(٣) تأريخ بغداد: ٢/ ٦ - ٧. وتذكرة الحفاظ: ٢/ ٥٥٥.
стр. 26
شيخه إِسحاق بن راهويه سمّاه "السحر". وأن البخاري أفاد أن بعض مشايخه لو بعثوا من قبورهم لما عرفوا طرقه تصنيفه للتاريخ. وأما "قضايا الصحابة والتابعين" فلم يصلنا بعد. وعبيد الله بن موسي العبسي توفي سنة (٢١٣) على الصحيح، وهو من شيوخ البخاري. أي أن البخاري عانى التصنيفى حقا وهو في سن السابعة عشرة من عمره، أو كما قال: طعن في الثامنة عشرة.
ويبدو مِن وصف هذا الكتاب أنه في "الفتاوى" التي أفتى بها الصحابة والتابعون مما لم يكن منصوصا عليه أي هو بتعبير آخر: "فقه الصحابة والتابعين". وهذه التفاتة ذكية من هذا الشاب اليقظ تحاول ارجاع الفقه إِلى أصوله الأولى وتقف حائلا دون التفريعات البعيدة عن أصولها. بمعنى أنه أراد أن يقول: ان هناك أمورا اجتهد فيها الصحابة والتابعون فلا حاجة للإِجتهاد فيها مرّة أخري، فهم أقرب منا إِلى النبي ﷺ واجتهادهم أولى أن يتَّبع من اجتهادنا.
وأنت ترى أن هذا أمر ليس بالهيّن -أعني التصنيف في هذا الجانب من جواب العلم- لأنه يقتضي احاطة تامة بما هو منصوص عليه وما هو غير منصوص عليه من مسائل الفقه، ومن لم يكن بهذا المستوي من الأحاطة فليبتعد عن هذا الحقل من التصنيف، لآن ذلك يؤدي إِلى تداخل ما هو منصوص عليه بغيره، وبذلك تضطرب الضوابط التي يقوم عليها هذا النوع من التصنيف. والبخاري قد أقحم نفسه في ذلك بثبات ورباطة جأش، وهو لم يتم الثامنة عشرة من عمرة.
٩ - تحديد المقصد وعلو الغاية:
إذا تحدد المقصد واستقر، ووضحت الغاية واستنارت، فان طالبها يمضي إليها بخطى ثابتة مدروسة، لايلوي على شيء، ولا تشغله دنياه عنها.
ومن توفيق الله تعالى للبخاري أن هدفه في حياته وضحت معالمه وهو في
стр. 27
عهد الصبا. فالغاية التي كان يرمي إليها البخاري من كل ما تعلّمه، ووقف حياته عليها، كانت: ربط جميع تصرفات الانسان المسلم بأصل شرعي يستند إليه. ونلحظ ذلك عندما قال لورّاقه: "إِني ما أتيت شيئا بغير علم منذ عقلت". (١)
وقال: "ما جلست للتحديث حتى عرفت الصحيح من السقيم، وحتى نظرت في كتب أهل الرأي، وما تركت بالبصرة حديثا إِلا كتبته". (٢)
وقال لوراقة يوما: "لا أعلم شيئا يُحتاج اليه إِلا وهو في الكتاب والسنة".
قال: فقلت له: يمكن معرفة ذلك؟ قال: نعم. (٣)
ولأجل هذه الغاية وضع البخاري جميع تصانيفه، ولو تأملها الباحث لما وجدها تخرج عن هذا الاطار. فـ "قضايا الصحابة والتابعين" و" الجامع الصحيح" و "الإِعتصام"، و "جزء القراءة خلف الإِمام "، ورفع اليدين في الصاة" وغيرها كلها تصب في هذا المسار ولا تحيد عنه.
فالبخاري اذن ملك وسائل هذه الغاية، من علم واسع، وذكاء خارق، وهمّة عالية، ولا بدّ له من الناصر والمؤازر.
وقد وجد البخاري في شخص الإِمام أحمد ﵀ النموذج الذي يمكن التعاون معه لهذه الغاية العظمى، فالهدف عندهما متّحد، وتوافق الآراء بينهما قائم إِلى حد بعيد. وكذلك كان الإِمام أحمد- وقد قطع في غايته هذه أشواطا بعيدة- كان يرى في شخصية الإِمام البخاري ذلك العنصر الناضج الذي يمكن الاستفادة من طاقاته الكبيرة في خدمة السنة في عاصمة الخلافة العباسية.
_________
(١) الوافي بالوفيات: ٢/ ٢٠٨. وطبقات الشافعية للسبكي: ٢/ ١٠.
(٢) هدي الساري: ص (٤٨٨).
(٣) المرجع السابق.
стр. 28
لقد كان الإِمام أحمد يتفرّس في الرجال، وتفكّر يوما في علماء خراسان فقال: أخرجت خراسان ثلاثة: أبو زرعة، ومحمد بن إِسماعيل، وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، ومحمد عندي أبصرهم وأعلمهم، وأفقههم. (١) وروى عنه ابنه عبد الله قال: سمعت أبي يقول: ما أخرجت خراسان مثل محمد بن إِسماعيل. (٢) ولذلك كان الإِمام أحمد حريصا على أن يبقي الإِمام البخاري إِلى جانبه، لما يرى من أخلاصه، وسعة علمه، واجتماع القلوب عليه، بل كان يراه أحق الناس بخلافته واكمال مسيرته. قال البخاري: (دخلت بغداد ثماني مرّات، في كلها أجالس أحمد بن حنبل، فقال لي: يا أبا عبد الله، تدع العلم والناس، وتصير إِلى خراسان؟!!. قال البخاري: فأنا أذكر قوله الآن) (٣)
الإِمام أحمد كان يرى أن منزلة بغداد من أقطار الخلافة الاسلامية بمنزلة الرأس من الجسد، وبغداد كانت تملك من عوامل التأثير في أقطار الخلافة ما لا يمكن عكسه. ولم يدرك البخاري ذلك الابعد قوات الأوان، فإنه ترك بغداد وذهب للإِقامة في نيسابور، وبقي فيها خمس سنين، ثم وقعت الفتنة التي أدّت إِلى خروجه من نيسابور، فتذكر يومها قول الإِمام أحمد حتى قال البخاري: (فأنا أذكر قوله الآن).
ولعل هدف البخاري كان نشر العلم في تلك الأقطار، إذ أن بغداد قد كُفِيتْ ذلك بمثل الإِمام أحمد ﵀.
* * *
_________
(١) تأريخ بغداد: ٢/ ٢٨.
(٢) المرجع السابق: ٢/ ٢١.
(٣) تأريخ بغداد: ٢/ ٢٢ - ٢٣.
стр. 29
المبحث الثاني ثناء شيوخه عليه
من المعلوم أن الثناء إِنما يكون على العالم من تلاميذه الذين يتأثرون به. أو من الأقران الذين صحبوه وعرفوا فضله لأن الغالب ألا يظهر نبوغ التلميذ وسَرَيان ذكره وأثره في غيره إِلا بعد وفاة شيوخه. أمّا أن الشيخ يثني على تلميذه ويفتخر به، فهذا أمر له دلائل كثيرة. منها: أن النبوغ ظهر على ذلك التلميذ في وقت مبكر، وأن فضلة وذكاءه بان عليه بشكل ملفت للنظر، وربما دلّ على أن الشيخ نفسه استفاد من هذا التلميذ.
وهذا ماكان من شأن البخاري. فقلما لقي شيخًا من الشيوخ منذ أن كان في الكتّاب إِلا ظهر لذلك الشيخ من دواعي الاعجاب بالبخاري ما يجعله يثني عليه ويرفع من شأنه.
و"ثناء الشيخ على التلميذ" يمثّل تقويما دقيقا وسديدا لذلك التلميذ، لأن الشيوخ في العادة قلما ينوّهون بفضل طلابهم، والعكس هو الحاصل. فإذا ما انقلب الأمر، وصار ثناء الضيوخ "إِجماعا" متفق عليه، وكلٌ أثنى بما رأى، ومدح بما لاحظ ببصره أو بصيرته، فعند ذلك ترتفع القيمة العلمية لهذا الثناء والتعظيم، فيغني عن الكلام الكثير من المتأخرين.
وقد تنبه لذلك أحد الدارسين المتعمّقين في سيرة الإِمام البخاري، وهو ابن حجر العسقلاني، فعقد فصلا خاصا في مقدمة شرحه للجامع الصحيح، جمع فيه طائفة جيدة من ثناء شيوخ البخاري عليه، وأنا أنقل هنا غالب ذلك الفصل في هذا المبحث، وأشير في الهامش إِلى مصادر أخرى لهذه النقول.
стр. 30
فمن هؤلاء الشيوخ:
قتيبة بن سعيد:
قال قتيبة بن سعيد: جالست الفقهاء والزهاد والعباد فما رأيت منذ عقلت مثل محمد بن إِسماعيل، وهو في زمانه كعمر في الصحابة (١) وعن قتيبة أيضا قال: لو كان محمد بن إسماعيل في الصحابة لكان آية (٢). وقال محمد بن يوسف الهمداني: كنا عند قتيبة فجاء رجل شعراني يقال له أبو يعقوب، فسأله عن محمد بن إِسماعيل فقال: يا هؤلاء نظرت في الحديث ونظرت في الرأي وجالست الفقهاء والزهاد والعباد فما رأيت منذ عقلت مثل محمد بن إِسماعيل. (٣) قال: وسُئل قتيبة عن طلاق السكران فدخل محمد ابن إِسماعيل فقال قتيبة للسائل: هذا أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وعلي ابن المديني قد ساقهم الله إليك، وأشار إِلى البخاري (٤). وقال أبو عمرو الكرماني: حكيت لمهيار بالبصرة عن قتيبة بن سعيد أنه قال: لقد رحل إليّ من شرق الأرض ومن غربها فما رحل إليّ مثل محمد بن إِسماعيل! فقال مهيار: صدق قتيبة أنا رأيته مع يحيى بن معين وهما جميعا يختلفان إِلى محمد بن إِسماعيل فرأيت يحيى منقادا له في المعرفة. (٥)
ومنهم: محمد بن بشار (بُندار):
قال بندار: محمد بن بشار: هو أفقه خلق الله في زماننا (٦) وقال الفربري: سمعت محمد بن أبي حاتم يقول: سمعت حاشد بن إِسماعيل يقول: كنت بالبصرة فسمعت بقدوم محمد بن إِسماعيل، فلما قدم قال محمد بن
_________
(١) مقدمة الفتح: ص (٤٨٣).
(٢) سير النبلاء: ١٢/ ٤٣١.
(٣) سير النبلاء: ١٢/ ٤٣١.
(٤) سير النبلاء: ١٢/ ٤١٨.
(٥) سير النبلاء: ١٢/ ٤٢٩ - ٤٣٠.
(٦) تأريخ بغداد: ٢/ ١٦.
стр. 31
بشار: قدم اليوم سيد الفقهاء. (١) وقال محمد بن إِبراهيم البوشنجي: سمعت بندارا سنة ثمان وعشرين يقول: ما قدم علينا مثل محمد بن إِسماعيل (٢). وقال بندار: أنا أفتخر به منذ سنين. (٣)
ومنهم: إسماعيل بن أبي أويس:
قال محمد بن أبي حاتم: سمعت البخاري يقول كان إسماعيل بن أبي أويس إذا انتخبت من كتابه نسخ تلك الاحاديث لنفسه وقال: هذه الأحاديث انتخبها محمد بن إِسماعيل من حديثي. (٤) قال: وسمعته يقول: اجتمع أصحاب الحديث فسألوني أن أكلم لهم إِسماعيل أبي أبي أويس ليزيدهم في المَراءة، ففعلت، فدعا الجارية فأمرها أن تخرج صرة دنانير، وقال: يا أبا عبد الله فرقها عليهم! قلت: إنما أرادوا الحديث. قال: أجبتك إِلى ما طلبوا من الزيادة، غير أني أحب أن يضم هذا إِلى ذاك ليظهر أثرك فيهم. وقال: وقال لي ابن أبي أويس: انظر في كتبي، جميع ما أملك لك وأنا شاكرلك أبدا ما دمت حيا. (٥)
ومنهم: إسحاق بن راهوية:
قال حاشد بن إِسماعيل: رأيت إِسحاق بن راهوية جالسا على المنبر، والبخاري جالس معه، وإسحاق يحدث فمرّ بحديث فأنكره محمد، فرجع إِسحاق إِلى قوله وقال: يا معشر أصحاب الحديث انظروا إِلى هذا الشاب واكتبوا عنه. فانه لو كان في زمن الحسن بن أبي الحسن البصري لا حتاج اليه لمعرفته بالحديث وفقهه. (٦)
_________
(١) هدى الساري: ص (٤٨٣).
(٢) تهذيب الأسماء واللغات: ١/ ٦٨.
(٣) تاريخ بغداد: ٢/ ١٧.
(٤) المرجع السابق: ٢/ ١٩.
(٥) سير النبلاء: ١٢/ ٤١٩، ٤٢٩.
(٦) هدي الساري: ص (٤٨٣).
стр. 32
وقال البخاري: أخذ إِسحاق بن راهوية: "كتاب التاريخ" الذي صنفته فأدخله علي عبد الله بن طاهر الأمير فقال: أيها الأمير ألا أريك سِحْرا؟ (١) وقال أبو بكر المديني: كنا يوما عند إِسحاق بن راهوية ومحمد بن إِسماعيل حاضر، فمرّ إِسحاق بحديث ودون صحابيه: عطاء الكَيخاراني، فقال له إِسحاق: يا أبا عبد الله ايش هي كيخاران؟ قال: قرية باليمن، كان معاوية بعث هذا الرجل إِلى اليمن فسمع منه عطاء هذا حديثين. فقال له إسحاق: يا أبا عبد الله كانك شهدت القوم. (٢) قال البخاري: كنت عند إِسحاق بن راهويه فسئل عمن طلق ناسيا فسكت طويلا مفكرا. فقلت أنا: قال النبي ﷺ "إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به نفسها ما لم تعمل به أو تكلم" وإنما يراد مباشرة هؤلاء الثلاث العمل والقلب أو الكلام والقلب، وهذا لم يعتقد بقلبه. فقال لي إسحاق: قوّيتني قوّاك الله وأفتى به. (٣)
ومنهم: أحمد بن حنبل:
قال أحمد بن حنبل: ما أخرجت خراسان مثل محمد بن إِسماعيل. (٤) ولما ساله أبنه عبد الله عن الحفاظ فقال: شُبّان من خراسان فعده فيهم، فبدأ به. (٥)
ومنهم: علي بن المديني:
قال أبو الفضل أحمد بن سلمة النيسابوري: حدثني فتح بن نوح النيسابوري قال: أتيت علي بن المديني، فرأيت محمد بن إِسماعيل جالسًا عن يمنيه، وكان إذا حدث التفت اليه مهابه له. (٦)
وقال البخاري: ما استصغرت نفسي عند أحد إِلا عند علي بن المديني،
_________
(١) المرجع السابق.
(٢) تأريخ بغداد: ٢/ ٨.
(٣) هدي الساري: ص (٤٨٣).
(٤) تأريخ بغداد: ٢/ ٢١.
(٥) هدي الساري: ص (٤٨٣).
(٦) تاريخ بغداد: ٢/ ١٨.
стр. 33
وربما كنت أُغرب عليه. قال حامد بن أحمد: فذكر هذا الكلام لعلي بن المديني فقال لي: دع قوله، هو ما رأى مثل نفسه. (١) وقال البخاري أيضا: كان "علي بن المديني يسألني عن شيوخ خراسان فكنت أذكر له محمد بن سلام فلا يعرفه إِلى أن قال لى يوما: يا أبا عبد الله كل من اثنيت عليه فهو عندنا الرضي (٢).
ومنهم: أبو مصعب الزهري:
قال حاشد بن إسماعيل: قال لي أبو مصعب أحمد بن أبي بكر الزهري: محمد بن إِسماعيل أفقه عندنا وأبصر بالحديث من أحمد بن حنبل! فقال له رجل من جلسائه: جاوزت الحد. فقال له أبو مصعب: لو أدركت مالكا ونظرت إِلى وجهه ووجه محمد بن إِسماعيل لقلت: كلاهما واحد في الحديث والفقه (٣).
ومنهم: عمرو بن علي الفلّاس:
قال البخاري: ذاكرني أصحاب عمرو بن علي الفلاس بحديث فقلت: لا أعرفه، فسّروا بذلك وصاروا إِلى عمرو بن علي فقالوا له: ذاكرنا محمد بن إِسماعيل بحديث فلم يعرفه. فقال عمرو بن علي: حديث لا يعرفه محمد بن إسماعيل ليس بحديث (٤). وقال أبو عمرو الكرماني: سمعت عمرو بن علي الفلاس يقولك صديقي أبو عبد الله محمد بن إِسماعيل البخاري ليس بخراسان مثله. (٥)
_________
(١) المرجع السابق.
(٢) هدي السارى: ص (٤٨٣).
(٣) تهذيب الكمال: ص (١١٧١).
(٤) تأريخ بغداد: ٢/ ١٨.
(٥) سير النبلاء: ١٢/ ٤٢٩.
стр. 34
ومنهم: نعيم بن حماد، ويعقوب الدورقي.
قال يعقوب بن إبراهيم الدورقي ونعيم بن حماد الخزاعي: محمد بن إِسماعيل البخاري فقيه هذه الأمة. (١)
ومنهم: عبد الله بن يوسف التنيسي ..
وقال موسي بن قريش: قال عبد الله بن يوسف التنيسي للبخاري: با أبا عبد الله أنظر في كتبي وأخبرني بما فيها من السقط! فقال: نعم. (٢)
ومنهم: أبو بكر الحميدي.
قال البخاري: دخلت علي الحميدي وأنا ابن ثمان عشرة سنة يعني أول سنة حج فإِذا بينه وبين آخر اختلاف في حديث فلما بصر بي قال: جاء من يفصل بيننا، فعرضا عليّ الخصومة فقضيت للحميدي، وكان الحق معه. (٣)
ومنهم: محمد بن سلام البيكندي:
قال البخاري: قال لي محمد بن سلام البيكندي: أنظر في كتبي، فما وجدت فيها من خطأ فأضرب عليه. فقال له بعض أصحابه: من هذا الفتي؟ فقال: هذا الذي ليس مثله. (٤)
وكان محمد بن سلام المذكور يقول: كلما دخل علي محمد بن إِسماعيل تحيرت ولا أزال خائفا منه -يعني يخشي أن يخطيء بحضرته-. (٥)
وقال سليم بن مجاهد: كنت عند محمد بن سلام فقال لي: لو جئت قبلُ لرأيت صبيًا يحفظ سبعين ألف حديث. (٦)
_________
(١) سير النبلاء: ٢١/ ٤٢٤،٤١٩.
(٢) سير النبلاء: ١٢/ ٤١٩.
(٣) هدي الساري: ص (٤٨٣).
(٤) هدي الساري: ص (٤٨٣).
(٥) الرجع السابق:.
(٦) هدي الساري: ص (٤٨٣).
стр. 35
ومنهم: رجاء بن المرَجي:
وقال رجاء بن المرجي الحافظ: فضل محمد بن إِسماعيل على العلماء كفضل الرجال علي النساء. (١)
وقال أيضا: هو آية من آيات الله تمشي علي ظهر الأرض. (٢)
ومنهم: الحسين بن حريث:
وقال الحسين بن حريث: لا أعلم أني رأيت مثل محمد بن إِسماعيل كأنه لم يُخلق إلا للحديث. (٣)
ومنهم: ابن أبي شيبة، وابن نمير، وعبد الله بن منير:
وقال أحمد بن الضوء: سمعت أبا بكر بن أبي شيبة ومحمد بن عبد الله بن نمير يقولان: ما رأينا مثل محمد بن إِسماعيل. (٤)
وكان أبو بكر بن أبي شيبة يسميه البازل. (٥)
وقال أبو عيسي الترمذي: كان محمد بن إِسماعيل عند الله بن منير فقال له لما قام: يا أبا عبد الله جعلك الله زين هذه الأمة. (٦)
قال أبو عيسي: فأستجاب الله تعالى فيه.
وقال أبو عبد الله الفربري: رأيت عبد الله بن منير يكتب عن البخاري وسمعته يقول: أنا من تلامذته. (٧)
ومنهم: يحيى ين جعفر البيكندي:
قال محمد بن أبي حاتم الوراق: سمعت يحيى بن جعفر البيكندي يقول:
_________
(١) تاريخ بغداد: ٢/ ٢٥.
(٢) تأريخ بغداد: ٢/ ٢٥.
(٣) سير النبلاء: ١٢/ ٤٢٢.
(٤) تأريخ بغداد: ٢/ ١٩.
(٥) سير النبلاء: ١٢/ ٤٢٥.
(٦) مقدمة الفتح: ص (٤٨٣).
(٧) تاريخ بغداد: ٢/ ١٩.
стр. 36
لو قدرت أن أزيد من عمري في عمر محمد بن إِسماعيل لفعلت فإِن موتي يكون موت رجل واحد وموت محمد بن إِسماعيل فيه ذهاب العلم. (١)
وقال أيضا: سمعته يقول له: لولا أنت ما استطبت العيش ببخاري. (٢)
ومنهم: عبد الله بن محمد المسندي:
قال عبد الله بن محمد المسندي: محمد بن إِسماعيل امام فمن لم يجعله إماما فاتهمه. (٣)
وقال أيضا: حفاظ زماننا ثلاثة فبدأ بالبخاري. (٤)
ومنهم: المحدث المجاهد أحمد بن إسحاق السرماري:
وقال أحمد بن أسحق السرماري من أراد أن ينظر إِلى فقيه بحق وصدق فلينظر إِلى محمد بن إِسماعيل. (٥)
* * *
_________
(١) تأريخ بغداد: ٢/ ٢٤.
(٢) سير النبلاء: ١٢/ ٤١٨.
(٣) هدى الساري: ص ٤٨٤٠).
(٤) المرجع السابق.
(٥) سير النبلاء: ١٢/ ٤١٧.
стр. 37
المبحث الثالث ثناء أقرانه وبعض تلاميذه
قال أبو حاتم الرازي: لم تُخرج خراسان قط أحفظ من محمد بن إسماعيل، ولاقدم منها إِلى العراق أعلم منه. (١)
وقال عبد الله بن عبدالرحمن الدارمي: قد رأيت العلماء بالحرمين والحجاز والشام والعراق، فما رأيت فيهم أجمع من محمد بن إِسماعيل. (٢)
وقال أيضا: هو أعلمنا وأفقهنا وأكثرنا طلبا. (٣)
وسئل الدرامي عن حديث، وقيل له: إِن البخاري صححه. فقال محمد بن إسماعيل أبصر مني، وهو أكيس خلق الله، عقل عن الله ما أمر به ونهي عنه من كتابه وعلى لسان نبيه، إذا قرأ محمد القرآن شغل قلبه وبصره وسمعه وتفكر في أمثاله وعرف حلاله من حرامه. (٤)
قال أبو الطيب حاتم بن منصور: كان محمد بن إِسماعيل آية من آيات الله في بصره ونفاذه في العلم. (٥)
وقال أبو سهل محمود بن النضر الفقيه: دخلت البصرة والشام والحجاز والكوفة ورأيت علماءها فكلما جرى ذكر محمد بن إِسماعيل فضلوه على أنفسهم. (٦)
_________
(١) تأريخ بغداد: ٢/ ٢٣.
(٢) المرجع السابق: ٢/ ٢٨.
(٣) هدى الساري: ص (٤٨٤).
(٤) سير النبلاء: ١٢/ ٤٢٦.
(٥) سير النبلاء: ١٢/ ٤٣٥.
(٦) هدى الساري: ص (٤٨٥).
стр. 38
وقال أبو سهل أيضا: سمعت أكثر من ثلاثين عالما من علماء مصر يقولون حاجتنا في الدنيا النظر إِلى محمد بن إِسماعيل. (١)
وقال صالح بن محمد جزرة: ما رأيت خراسانيا أفهم من محمد بن إِسماعيل. (٢) وقال أيضا: كان أحفظهم للحديث قال: وكنت أستملي له ببغداد فبلغ من حضر المجلس عشرين ألفا. (٣)
وسئل الحافظ أبو العباس الفضل بن العباس المعروف بفضلك الرازي: أيما أحفظ محمد بن إِسماعيل أو أبو زرعة؟ فقال: لم أكن التقيت مع محمد بن إِسماعيل، فاستقبلني ما بين حلوان وبغداد قال: فرجعت معه مرحلة وجهدت كل الجهد على أن آتي بحديث لا يعرفه فما أمكنني، وها أناذا أغرب على أبي زرعة عدد شعر رأسه. (٤)
وقال محمد بن عبد الرحمن الدغولي: كتب أهل بغداد إلى محمد بن إِسماعيل البخاري كتابا فيه:
المسلمون بخير ما بقيت لهم … وليس بعدك خير حين تفتقد (٥)
وقال إِمام الأئمة أبو بكر محمد بن إِسحاق بن خزيمة: ما تحت أديم السماء أعلم بالحديث من محمد بن إِسماعيل. (٦)
وقال أبوعيسي الترمذي: لم أرى أعلم بالعلل والأسانيد من محمد بن إِسماعيل البخاري. (٧) وقال له مسلم: أشهد أنه ليس في الدنيا مثلك. (٨)
_________
(١) سير النبلاء: ١٢/ ٤٢٦. وهدي الساري: ص (٤٨٥).
(٢) هدي الساري: ص (٤٨٥).
(٣) المرجع السابق.
(٤) تأريخ بغداد: ٢/ ٢٣.
(٥) تأريخ بغداد: ٢/ ٢٢.
(٦) سير النبلاء: ١٢/ ٤٣٢.
(٧) سير النبلاء: ٢١/ ٤٣٢.
(٨) تأريخ بغداد: ٢/ ٢٨.
стр. 39
وقال أحمد بن سيار في "تاريخ مرو": ومحمد بن إِسماعيل البخاري طلب العلم وجالس الناس ورحل في الحديث ومهر فيه وأبصر، وكان حسن المعرفة حسن الحفظ وكان يتفقه. (١)
وقال أبو أحمد بن عدي: كان يحيى بن محمد بن صاعد إذا ذكر البخاري قال: ذاك الكبش النطاح. (٢) وقال أبو عمرو الخفاف: حدثنا التقي النقي العالم الذي لم أر مثله محمد بن إِسماعيل. قال: وهو أعلم بالحديث من أحمد وإسحاق وغيرهما بعشرين درجة، ومن دال فيه شيئا فعليه مني ألف لعنة. (٣)
وقال أيضا: لو دخل من هذا الباب وأنا أحدث لملئت منه رعبا. (٤)
وقال عبد الله بن حماد الأبلي: لوددت أنى كنت شَعرة فى جسد محمد بن إِسماعيل. (٥)
وقال سليم بن مجاهد: ما رأيت منذ ستين سنة أحدًا أفقه ولا أورع من محمد ين إِسماعيل. (٦)
وقال موسي بن هارون الحمال الحافظ البغدادي: عندي لو أن أهل الإسلام اجتمعوا علي أن ينصبوا آخر مثل محمد بن إِسماعيل لما قدروا عليه. (٧)
قلت: هذا بعض ما قاله بعض الأئمة ممن عاشوا فى عصر البخاري، ولنكتف به، ونقول كما قال ابن حجر "ولو فتحت باب ثناء الأئمة عليه ممن تأخر عن عصره، لفني القرطاس، ونفدت الأنفاس، فذاك بحر لا ساحل له".
_________
(١) تأريخ بغداد: ٢/ ٦.
(٢) هدي الساري: ص (٤٨٥).
(٣) تأريخ بغداد: ٢/ ٢٨.
(٤) المرجع السابق: ٢/ ٢٥.
(٥) تأريخ بغداد: ٢/ ٢٨.
(٦) طبقات الشافعية: ٢/ ١١.
(٧) تأريخ بغداد: ٢/ ٢٢.
стр. 40
ولأجل هذا فلن أنقل شيئا مما قاله فيه المتأخرون لأن "ما تقدم من ثناء كبار مشايخه عليه لا يحتاج إِلى حكاية من تأخر، لأن أولئك أنما أثنوا بما شاهدوا ووصفوا ما علموا، بخلاف من بعدهم فإِن ثناء هم ووصفهم مبني علي الاعتماد علي ما نُقِل إليهم وبين المقامين فرق ظاهر وليس العيان كالخبر". (١)
* * *
_________
(١) هدى الساري: ص (٤٨٤).
следующие страницы →