← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 8223

تخريج الأحاديث المرفوعة المسندة في كتاب التاريخ الكبير

محمد بن عبد الكريم بن عبيد

Полный текст (1 289 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

لو قدرت أن أزيد من عمري في عمر محمد بن إِسماعيل لفعلت فإِن موتي يكون موت رجل واحد وموت محمد بن إِسماعيل فيه ذهاب العلم. (١) وقال أيضا: سمعته يقول له: لولا أنت ما استطبت العيش ببخاري. (٢) ومنهم: عبد الله بن محمد المسندي: قال عبد الله بن محمد المسندي: محمد بن إِسماعيل امام فمن لم يجعله إماما فاتهمه. (٣) وقال أيضا: حفاظ زماننا ثلاثة فبدأ بالبخاري. (٤) ومنهم: المحدث المجاهد أحمد بن إسحاق السرماري: وقال أحمد بن أسحق السرماري من أراد أن ينظر إِلى فقيه بحق وصدق فلينظر إِلى محمد بن إِسماعيل. (٥) * * * _________ (١) تأريخ بغداد: ٢/ ٢٤. (٢) سير النبلاء: ١٢/ ٤١٨. (٣) هدى الساري: ص ٤٨٤٠). (٤) المرجع السابق. (٥) سير النبلاء: ١٢/ ٤١٧.

стр. 37

المبحث الثالث ثناء أقرانه وبعض تلاميذه قال أبو حاتم الرازي: لم تُخرج خراسان قط أحفظ من محمد بن إسماعيل، ولاقدم منها إِلى العراق أعلم منه. (١) وقال عبد الله بن عبدالرحمن الدارمي: قد رأيت العلماء بالحرمين والحجاز والشام والعراق، فما رأيت فيهم أجمع من محمد بن إِسماعيل. (٢) وقال أيضا: هو أعلمنا وأفقهنا وأكثرنا طلبا. (٣) وسئل الدرامي عن حديث، وقيل له: إِن البخاري صححه. فقال محمد بن إسماعيل أبصر مني، وهو أكيس خلق الله، عقل عن الله ما أمر به ونهي عنه من كتابه وعلى لسان نبيه، إذا قرأ محمد القرآن شغل قلبه وبصره وسمعه وتفكر في أمثاله وعرف حلاله من حرامه. (٤) قال أبو الطيب حاتم بن منصور: كان محمد بن إِسماعيل آية من آيات الله في بصره ونفاذه في العلم. (٥) وقال أبو سهل محمود بن النضر الفقيه: دخلت البصرة والشام والحجاز والكوفة ورأيت علماءها فكلما جرى ذكر محمد بن إِسماعيل فضلوه على أنفسهم. (٦) _________ (١) تأريخ بغداد: ٢/ ٢٣. (٢) المرجع السابق: ٢/ ٢٨. (٣) هدى الساري: ص (٤٨٤). (٤) سير النبلاء: ١٢/ ٤٢٦. (٥) سير النبلاء: ١٢/ ٤٣٥. (٦) هدى الساري: ص (٤٨٥).

стр. 38

وقال أبو سهل أيضا: سمعت أكثر من ثلاثين عالما من علماء مصر يقولون حاجتنا في الدنيا النظر إِلى محمد بن إِسماعيل. (١) وقال صالح بن محمد جزرة: ما رأيت خراسانيا أفهم من محمد بن إِسماعيل. (٢) وقال أيضا: كان أحفظهم للحديث قال: وكنت أستملي له ببغداد فبلغ من حضر المجلس عشرين ألفا. (٣) وسئل الحافظ أبو العباس الفضل بن العباس المعروف بفضلك الرازي: أيما أحفظ محمد بن إِسماعيل أو أبو زرعة؟ فقال: لم أكن التقيت مع محمد بن إِسماعيل، فاستقبلني ما بين حلوان وبغداد قال: فرجعت معه مرحلة وجهدت كل الجهد على أن آتي بحديث لا يعرفه فما أمكنني، وها أناذا أغرب على أبي زرعة عدد شعر رأسه. (٤) وقال محمد بن عبد الرحمن الدغولي: كتب أهل بغداد إلى محمد بن إِسماعيل البخاري كتابا فيه: المسلمون بخير ما بقيت لهم … وليس بعدك خير حين تفتقد (٥) وقال إِمام الأئمة أبو بكر محمد بن إِسحاق بن خزيمة: ما تحت أديم السماء أعلم بالحديث من محمد بن إِسماعيل. (٦) وقال أبوعيسي الترمذي: لم أرى أعلم بالعلل والأسانيد من محمد بن إِسماعيل البخاري. (٧) وقال له مسلم: أشهد أنه ليس في الدنيا مثلك. (٨) _________ (١) سير النبلاء: ١٢/ ٤٢٦. وهدي الساري: ص (٤٨٥). (٢) هدي الساري: ص (٤٨٥). (٣) المرجع السابق. (٤) تأريخ بغداد: ٢/ ٢٣. (٥) تأريخ بغداد: ٢/ ٢٢. (٦) سير النبلاء: ١٢/ ٤٣٢. (٧) سير النبلاء: ٢١/ ٤٣٢. (٨) تأريخ بغداد: ٢/ ٢٨.

стр. 39

وقال أحمد بن سيار في "تاريخ مرو": ومحمد بن إِسماعيل البخاري طلب العلم وجالس الناس ورحل في الحديث ومهر فيه وأبصر، وكان حسن المعرفة حسن الحفظ وكان يتفقه. (١) وقال أبو أحمد بن عدي: كان يحيى بن محمد بن صاعد إذا ذكر البخاري قال: ذاك الكبش النطاح. (٢) وقال أبو عمرو الخفاف: حدثنا التقي النقي العالم الذي لم أر مثله محمد بن إِسماعيل. قال: وهو أعلم بالحديث من أحمد وإسحاق وغيرهما بعشرين درجة، ومن دال فيه شيئا فعليه مني ألف لعنة. (٣) وقال أيضا: لو دخل من هذا الباب وأنا أحدث لملئت منه رعبا. (٤) وقال عبد الله بن حماد الأبلي: لوددت أنى كنت شَعرة فى جسد محمد بن إِسماعيل. (٥) وقال سليم بن مجاهد: ما رأيت منذ ستين سنة أحدًا أفقه ولا أورع من محمد ين إِسماعيل. (٦) وقال موسي بن هارون الحمال الحافظ البغدادي: عندي لو أن أهل الإسلام اجتمعوا علي أن ينصبوا آخر مثل محمد بن إِسماعيل لما قدروا عليه. (٧) قلت: هذا بعض ما قاله بعض الأئمة ممن عاشوا فى عصر البخاري، ولنكتف به، ونقول كما قال ابن حجر "ولو فتحت باب ثناء الأئمة عليه ممن تأخر عن عصره، لفني القرطاس، ونفدت الأنفاس، فذاك بحر لا ساحل له". _________ (١) تأريخ بغداد: ٢/ ٦. (٢) هدي الساري: ص (٤٨٥). (٣) تأريخ بغداد: ٢/ ٢٨. (٤) المرجع السابق: ٢/ ٢٥. (٥) تأريخ بغداد: ٢/ ٢٨. (٦) طبقات الشافعية: ٢/ ١١. (٧) تأريخ بغداد: ٢/ ٢٢.

стр. 40

ولأجل هذا فلن أنقل شيئا مما قاله فيه المتأخرون لأن "ما تقدم من ثناء كبار مشايخه عليه لا يحتاج إِلى حكاية من تأخر، لأن أولئك أنما أثنوا بما شاهدوا ووصفوا ما علموا، بخلاف من بعدهم فإِن ثناء هم ووصفهم مبني علي الاعتماد علي ما نُقِل إليهم وبين المقامين فرق ظاهر وليس العيان كالخبر". (١) * * * _________ (١) هدى الساري: ص (٤٨٤).

стр. 41

المبحث الرابع من شمائل البخاري البخاري من "الربانيين" الذين صنعهم الله لخدمة هذه الأمة. وحيث وجهت نظرك في سيرة هذا "الأمام الرباني" وجدت خطاه تتابع خطى النبوة، لا يحيد عنها ما استطاع. ومن كان هذا شأنه فإِن المعاني الرفيعة من "العلم" و"اليقين" و"الأخلاص" و"الصدق" و "الزهد" و"الورع" و"الكرم". "والشجاعة" وغيرها من كرائم الخصال تراها متجسدة فيه، تدعو الناس للأقتداء بها، فتكون عوامل مؤثرة فى الأمة. وكذلك هو شأن الهداة الداعين إِلى الله على بصيرة. وقد علمنا أن البخاري وضع أمام ناظريه هدفًا ساميًا يسعي إليه، ومن كان كذلك هانت عليه الدنيا "فزهد" فيها، وجانب الشبهات "فتورع" عنها، وبذل ما ملك "فكرم" بين الخلق، وأدلى بحجته "بشجاعة" لا يخشى لوم اللائمين، ولابد لمن سار إِلى غايته من "يقين" يذكي فيه نار الحماس في الوصول إِلى الهدف، كما لابد له من زاد "الصبر" وتحمل الأذى، وبالجملة فلابد له من "أخلاق النبوة" يتخلق بها في شأنه كله. وكذلك كان البخاري ﵀. وفيما يلي من الصفحات نقرأ بعض الأخبار التي رويت في "شمائله"- رحمة الله عليه-. فمن أخبار عبادته ﵀ ما رواه الحاكم قال: حدثنا محمد بن خالد المطوعي، حدثنا مسبح بن سعيد قال: كان محمد

стр. 42

ابن إِسماعيل يختم في رمضان في النهار كل يوم ختمة، ويقوم بعد التراويح كل ثلاث ليال بختمة. (١) وقال غُنْجار: حدثنا أبو عمرو أحمد بن المقريء، سمعت بكر بن منير قال: كان محمد بن إِسماعيل يصلي ذات ليلة، فلسعه الزنبور سبع عشرة مرة. فلما قضى الصلاة. قال: أنظروا أيش آذاني. (٢) وقال محمد بن أبي حاتم: دُعي محمد بن إِسماعيل إِلى بستان بعض أصحابه، فلما صلى بالقوم الظهر، قام يتطوع، فلما فرغ من صلاته، رفع ذيل قميصه، فقال لبعض من معه: أنظر هل تري تحت قميصي شيئا؟ فإِذا زنبور قد أبره في ستة عشر أو سبعة عشر موضعا. وقد تورم من ذلك جسده. فقال له بعض القوم: كيف لم تخرج من الصلاة أول ما أبَرَك؟ قال: كنت في سورة، فأحببت أن أتِمهّا!! (٣). وقال: سمعت عبد الله بن سعيد بن جعفر يقول: سمعت العلماء بالبصرة يقولون: ما في الدنيا مثل محمد بن إِسماعيل في المعرفة والصلاح. (٤) وقد أشتهر عنه أنه عندما صنّف "الصحيح" كان يصلّي لكل ترجمة ركعتين. (٥) أما ورعه ﵀ فقد بلغ غاية بعيدة. قال بكر بن منير: سمعت أبا عبد الله البخاري يقول: أرجو أن ألقى الله ولا يحاسبني أَنّي اغتبت أحدا. (٦) _________ (١) سير النبلاء (١٢/ ٤٣٨ - ٤٣٩). (٢) المرجع السابق (١٢/ ٤٤١). (٣) سير النبلاء (١٢/ ٢٤٤). (٤) المرجع السابق. (٥) المرجع السابق (١٢/ ٤٤٣). (٦) تأريخ بغداد (٢/ ١٢).

стр. 43

وقال محمد بن أبي حاتم الورّاق: سمعته -يعني البخاري- يقول: لا يكون لي خصم في الآخرة. (١) وقال: سمعته يقول: ما اغتبت أحدًا قط منذ علمت أن الغيبة تضرّ أهلها. وقال محمد بن أبي حاتم: ركبنا يوما إِلى الرّمي، ونحن بفرَبر، فخرجنا إِلى الدرب الذي يؤدي إلى الفرضة (٢). فجعلنا نرمي، وأصاب سهم أبي عبد الله وتد القنطرة الذي على نهر ورّادة، فإِنشقّ الوتد. فلما رآه أبو عبد الله، نزل عن دابته، فأخرج السهم من الوتد، وترك الرمي. وقال لنا: أرجعوا. ورجعنا معه إِلى المنزل، فقال لي: يا أبا جعفر، لي إليك حاجة تقضيها؟ قلت: أمرك طاعة. قال: حاجة مهمة، وهو يتنفّس الصعداء. فقال لمن معنا: أذهبوا مع أبي جعفر حتى تعينوه على ما سألته، فقلت: أيّة حاجة هي؟ قال لي: تضمن قضاءها؟ قلت: نعم، علي الرأس والعين، قال: ينبغي أن تصير إِلى صاحب القنطرة، فتقول له: أنا قد أخللنا بالوتد، فنحب أن تأذن لنا في إقامة بدله، أو تأخذ ثمنه، وتجعلنا في حلّ مما كان منا، وكان صاحب القنطرة حميد بن الأخضر الفربري. فقال لي: أبلغ أبا عبد الله السلام، وقل له: أنت في حل مما كان منك. وقال: جميع ملكي لك الفداء. وإن قلت: نفسي، أكون قد كذبت، غير أني لم أكن أحب أن تحتشمني في وتد أو في ملكي. فأبلغته رسالته، فتهلل وجهه، واستنار، وأظهر سرورًا، وقرأ في ذلك اليوم علي الغرباء نحوا من خمس مائة حديث، وتصدق بثلاث مئة درهم. (٣) قال: وسمعته يقول لأبي معشر الضرير: اجعلني في حلّ يا أبا معشر، فقال: مِن أَيّ شيء؟ قال: رويت يوما حديثا، فنظرت إليك، وقد أعجبت به، وأنت تحرّك رأسك ويدك، فتبسمت من ذلك. قال: أَنت في حل، _________ (١) سير النبلاء (١٢/ ٤٤١). (٢) الفرضة: مشرب الماء أو المشرعة، النهاية (٣/ ٤٣٣). (٣) سير النبلاء (١٢/ ٤٤٤).

стр. 44

رحمك الله يا أبا عبد الله. (١) قال: وحدثني محمد بن العباس الفربري، قال: كنت جالسا مع أبي عبد الله البخاري بفربر في المسجد، فرفعت من لحيته قذاة مثل الذَرّة أذكرها، فأردت أن ألقيها في المسجد، فقال: ألقها خارجا من المسجد .. (٢) وقال له بعض أصحابه: يقولون: انك تناولت فلانا. قال: سبحان الله، ما ذكرت أحدا بسوء إلا أن أقول ساهيا، وما يخرج اسم فلان من صحيفتي يوم القيامة. (٣) قال: وكان أبو عبد الله اكتري منزلا، فلبث فيه طويلا، فسمعته يقول: لم أمسح ذكري بالحائط، ولا بالأرض في ذلك المنزل، فقيل له: لم؟ قال: لأن المنزل لغيري. (٤) قال: وقال لي أبو عبد الله يوما بفربر: بلغني أَنّ نخاسا قدِم بجواري، فتصير معي؟ قلت نعم، فصرنا اليه، فأخرج جواري حسانا صباحا. ثم خرج من خلالهن جارية خزريّة دميمة عليها شحم، فنظر اليها، فمس ذقنها فقال: اشتر هذه لنا منه، فقلت: هذه دميمة قبيحة لا تصلح، واللآتي نظرنا اليهن يمكن شراءهن بثمن هذه. فقال: اشتر هذه، فإِني قد مسست ذقنها، ولا أحب أن أمس جارية، ثم لا أشتريها. فأشتراها بغلاء خمس مئة درهم على ما قال أهل المعرفة. ثم لم تزل عنده حتى أخرجها معه إِلى نيسابور. (٥) ومن أخباره في الزهد: قال محمد بن أبي حاتم: سمعت الحسين بن محمد السمرقندي يقول: _________ (١) السير (١٢/ ٤٤٤). (٢) تاريخ بغداد (٢/ ١٣). والسير. (٣) السير (١٢/ ٤٤٥). (٤) السير (١٢/ ٤٥١). (٥) السير (١٢/ ٤٥١).

стр. 45

كان محمد بن إِسماعيل مخصوصًا بثلاث خصال مع ما كان فيه من الخصال المحمودة: كان قليل الكلام، وكان لايطمع فيما عند الناس، وكان لا يشتغل بأمور الناس، كلّ شغله كان في العلم. (١) وقال: سمعت سليم بن مجاهد يقول: ما بقي أَحد يُعَلِّمُ النَّاس الحديث حِسْبَة غير محمد بن إِسماعيل. (٢) وسمعت سليما يقول: ما رأيت بعيني منذ ستين سنة أفقه، ولا أورع، ولا أزهد في الدنيا، من محمد بن إِسماعيل. (٣) قال: وسمعته يقول: كنت أستغلَ كلّ شهر خمس مئة درهم، فأنفقت كلّ ذلك في طلب العلم. فقلت: كم بين من ينفق على هذا الوجه. وبين من كان خلوًا من المال، فجمع وكسب بالعلم، حتى أجتمع له. فقال أبو عبد الله: ﴿مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ (٤) وقال محمد بن أبي حاتم: سمعت البخاري يقول: خرجت إِلى آدم بن أبي إِياس، فتخلفت عني نفقتي، حتى جعلت أتناول الحشيش، ولا أخبر بذلك أحدا. فلما كان اليوم الثالث، أتاني آت لم أعرفه، فناولني صرّة دنانير، وقال: أنفق علي نفسك. (٥) وقال غُنجار: حدثنا إِبراهيم بن حمد الملاحِمي، سمعت محمد بن صابر ابن كاتب، سمعت عمر بن حفص الأشقر قال: كنا مع البخاري بالبصرة نكتب، ففقدناه أياما، ثم وجدناه في بيت وهو عريان، وقد نَفِدَما عندَه، فجمعنا له الدراهم، وكسوناه. (٦) _________ (١) سير النبلاء (١٢/ ٤٤٨ - ٤٤٩). (٢) السير (١٢/ ٤٤٩). (٣) المرجع السابق. (٤) سورة القصص آية (٦٠)، سير النبلاء (١٢/ ٤٤٩). (٥) المرجع السابق (١٢/ ٤٤٨). (٦) المرجع السابق.

стр. 46

وقال غنجار: أنبأنا أبو عمرو أحمد بن محمد المقريء: سمعت بكر بن منير- وقد ذكر معناها محمد بن أبي حاتم، واللفظ لبكر- قال: كان حُمِل إِلى البخاري بضاعة أنفذها اليه ابنه أحمد، فأجتمع بعض التجار اليه، فطلبوها بربح خمسة آلاف درهم. فقال: انصرفوا الليلة. فجاءه من الغد تجار آخرون. فطلبوا منه البضاعة بربح عشرة آلاف. فقال: أني نويت بيعها للذين أتوا البارحة. (١) قال ورّاقه: كان أبو عبد الله ربما يأتي عليه النهار، فلا يأكل فيه رقَاقَة، أنما كان يأكل أحيانا لوزتين أو ثلاثا. وكان يجتنب توابل القدور مثل الحمص وغيره. (٢) وحكي أبو الحسن يوسف بن أبي ذر البخاري: أن محمد بن إِسماعيل مرض، فعرضوا ماءه علي الأطباء، فقالوا: ان هذا الماء يشبه ماء بعض أساقفة النصارى، فإِنهم لا يأتدمون. فصدّقهم البخاري. (٣) قال وراقه: كنا بفربر، وكان أبو عبد الله يبني رباطا مما يلي بخارى، فأجتمع بشر كثير يعينونه علي ذلك، وكان ينقل اللبن، فكنت أقول له: أنّك تُكفَى يا أباعبد الله، فيقول هذا الذي ينفعنا. (٤) قال: وسمعت أبا عبد الله، يقول: ما تولّيت شراء شيء ولا بيعه قط. فقلت له: كيف، وقد أحلّ الله البيع؟ قال: لما فيه من الزيادة والنقصان والتخليط، فخشيت أن توليت أن أستوي بغيري. (٥) وفي مجال حسن الصحبة، والتربية، نجد في أخبار هذا الامام الشيء الذي _________ (١) السير (١٢/ ٤٤٧ - ٤٤٨). (٢) المرجع السابق (١٢/ ٤٥٠). (٣) هدي الساري (٤٨١). (٤) السير (١٢/ ٤٥٠). (٥) السير (١٢/ ٤٤٦).

стр. 47

يؤكّد ما قدّمناه من "ربانية" هذا العالم المخلص. و"حسن الصحبة" وعلو الخلق أكثر ما تظهر عند الرجل في معاملته لمن دونه من الناس، كالخدم، والطلاب الغرباء -مثلا- لأن هؤلاء جعلهم الله تحت يده، وهؤلاء طلّاب، يريدون السماع بدون مقابل، وكفى بالأغتراب ذلّة وضعفا، وإذا أردت أن تعرف خلق انسان فأنظر أخلاقه مع الضعفاء. والبخاري أحسن صحبة الجميع، وهاك ما قاله خادمه وورّاقه الذي صاحبه في السفر والحضر. قال الورّاق عن سيده وأستاذه: وكان يتصدّق بالكثير، يأخذ بيد صاحب الحاجة من أهل الحديث، فيناوله ما بين العشرين إِلى الثلاثين، وأقلّ وأكثر، من غير أن يشعر بذلك أحد. وكان لا يفارقه كيسه. ورأيته ناول رجلا مرارا صرّة فيها ثلاث مئة درهم، -وذلك أن الرجل أخبرني بعدد ما كان فيها من بعد- فأراد أن يدعو، فقال له أبو عبد الله: أرفق، وأشنغل بحديث آخر كيلا يعلم بذلك أحد. (١) قال: وكنتُ اشتريت منزلًا بتسع مئة وعشرين درهمًا، فقال: لي إليك حاجة تقضيها؟ قلت: نعم، ونعمى عين، قال: ينبغي أن تصير إِلى نوح ين ابي شدّاد الصيرفي، وتأخذ منه ألف درهم، وتحمله إليّ، ففعلت، فقال لي: خذه اليك، فأصرفه في ثمن المنزل. فقلت: قد قبلته منك وشكرته. وأقبلنا على الكتابة، وكنا في تصنيف "الجامع" فلما كان بعد ساعة، قلت: عرضت لي حاجة لا أجتريء رفعها إليك فظنّ أني طمعت في الزيادة، فقال: لا تحتشمني، وأخبرني بما تحتاج، فإِني أخاف أن أكون مأخوذا بسببك، قلت له: كيف؟ قال: لأن النبيّ ﷺ آخي بين أصحابه. فذكر حديث سعد وعبدالرحمن. فقلت له: قد جعلتك في حِلّ من جميع ما تقول. ووهبت _________ (١) سير النبلاء (١٢/ ٤٥٠).

стр. 48

لك المال الذي عرضته علىّ -عنيت المناصفة- وذلك أنه قال: لي جوار وامرأة، وأنت عزب، فلذي يجب علىّ أن أناصفك لنستوي في المال وغيره، وأربح عليك في ذلك، فقلت له: قد فعلت -رحمك الله- أكثر من ذلك اذ أنزلتني من نفسك مالم تنزل أحدا، وحللت منك محل الولد. ثم حفظ علىّ حديثي الأول وقال: ما حاجتك؟ قلت: تقضيها؟ قال: نعم، وأسرّ بذلك. قلت: هذه الألف، تأمر بقبوله، وأصرفه في بعض ما تحتاج اليه، فقبله، وذلك أنه ضمن لي قضاء حاجتي. ثم جلسنا بعد ذلك بيومين لتصنيف "الجامع"، وكتبنا منه ذلك اليوم شيئا كثيرا إلى الظهر، ثم صلينا الظهر، وأقبلنا على الكتابة من غير أن نكون أكلنا شيئا، فرآني لما كان قرب العصر شبه القلق المستوحش، فتوهّم فيّ ملالا. وإنما كان بي الحصر غير أني لم أكن أقدر على القيام، وكنت أتلوّى أهتمامًا بالحصر. فدخل أبو عبد الله المنزل، وأخرج إِلى كاغدة فيها ثلاث مئة درهم، وقال: أما أذا لم تقبل ثمن المنزل، فينبغي أن تصرف هذا في بعض حوائجك. فجهدني، فلم أقبل. ثم كان بعد أيام. كتبنا إِلى الظهر أيضا، فناولني عشرين درهما. فقال: ينبغي أن تصرف هذه في شراء الخضر ونحو ذلك. فأشتريت بها ما كنت أعلم أنه يلائمه، وبعث به إليه، وأتيت. فقال لي: بيّض الله وجهك، ليس فين حيلة، فلا ينبغي لنا أن نُعَنّي أنفسنا. فقلت له: أنك قد جمعت خير الدنيا والآخرة، فأيّ رجل يَبَرّ خادمه بمثل ما تَبَرّني أن كنت لا أعرف هذا، فلست أعرف أكثر منه. (١) قال: وكان أبوعبد الله يصليّ في وقت السحر ثلاث عشرة ركعة وكان لايوقظني في كل ما يقوم. فقلت: أراك تحمل على نفسك، ولم توقظني. قال: أنت شاب، ولا أحب أن أفسد عليك نومك. (٢) _________ (١) سير النبلاء: ١٢/ ٤٥٠ - ٤٥٢. (٢) تأريخ بغداد: ٢/ ١٣ - ١٤.

стр. 49

قلت: فلله درّ هذا الخادم كم حالفه الحظ. لخدمة هذا الإِمام؟ وكم أثّرت فيه تربية هذا المربي الجليل. وقبل أن ننتقل الى نموذج آخر في معاملة البخاري لعبيده، هذا خبر آخر يرويه الورّاق الوفي يلقي الضوء على دروس التربية التي كان يتلقاها عن امامه. قال: وأملى يوما علىّ حديثا كثيرا، فخاف ملالي، فقال: طب نفسا، فإِن أهلّ الملاهي في ملاهيهم، وأهل الصناعات في صناعاتهم، والتجار في تجاراتهم. وأنت مع النبي ﷺ وأصحابه. فقلت: ليس شيء من هذا، يرحمك الله الا وأنا أري الحظّ لنفسي فيه. (١) والنموذج الآخر الذي أحببنا إِيراده هنا، هو لجارية البخاري، دخلت عليه وقد نشر دفاتره وأصوله التي رحل في تحصيلها إِلى بعيد الديار، وعانى في سماعها متاعب الأسفار، نثرها ليصنّف النظير إِلى النظير، ويقدم للمسلمين من بنات أفكاره واجتهاداته ما ينفع في الدارين. وإذا بهذه الجارية تتلف ما هو منشور من هذه الدفاتر، ولم تقف لتعتذر، بل وقفت لتجادل، لأنها تعرف خلق سيدها النبيل، وبعد ذلك حصلت على أغلى مكافأة تفكر بها في حياتها وهي "الحرية". وقال الورّاق الأمين: سمعت عبد الله بن محمد الصارفي يقول: كنت عندأبي عبد الله في منزله، فجاءته جارية، وأرادت دخول المنزل، فعثرت على محبرة بين يديه، فقال لها: كيف تمشين؟ قالت: أذا لم يكن طريق، كيف أمشي؟ فبسط يديه، وقال لها: أذهبي فقد أعتقتك. قال: فقيل له فيما بعد: يا أبا عبد الله، أغضبتك الجارية؟ قال: أن كانت أغضبتني فإِنيّ أرضيت نفسي بما فعلت. (٢) _________ (١) السير: ١٢/ ٤٤٥. (٢) سير النبلاء: ١٢/ ٤٥٢.

стр. 50

فهل ترى هذا الإِمام ترك شيئا لحظّ نفسه في هذه الصحبة الكريمة؟ وهل هناك شك في "ربانية" هذا الإِمام؟. قال محمد بن أبي حاتم: كانت له قطعة أرض يكريها كلّ سنة بسبع مئة درهم. فكان ذلك المكتري ربّما حمل منها إلى أبي عبد الله قِثّاة أو قثّاتين، لأن أبا عبد الله كان معجبا بالقثّاء النضيج، وكان يؤثره على البطيخ أحيانا وفكان يهب للرجل مئة درهم كل سنة لحمله القِثاء إليه أحيانا. (١) قال عبدالمجيد بن إِبراهيم: ما رأيت مثل محمد بن إِسماعيل كان يسوي بين القوي والضعيف. (٢) ومن أخباره في دوام المراقبة واليقظة: وقال محمد بن أبي حاتم: سمعت أبا عبد الله، يقول: ما ينبغي للمسلم أن يكون بحالة أذا فى عا لم يستجب له. فقالت له امرأة أخيه بحضرتي: فهل تبيّنت ذلك أيها الشيخ من نفسك، أو جربت؟ قال: نعم. دعوت ربّي مرتين، فإِستجاب لي، فلم أحبَّ أن أدعو بعد ذلك، فلعله ينقص من حسناتي، أو يعجل لي في الدنيا، ثم قال: ما حاجة المسلم إِلى الكذب والبخل؟!! (٣) ومن أخباره في مراعاة الجليس: قال ورّاقه: وسمعته يقول: ما أكلت كرّاثا قط، ولا القنابري. قلت: ولم ذاك؟ قال: كرهت أن أوذي مَنَ مَعِي مِنّ نتنهما. قلت: وكذلك البصل النيء؟ قال: نعم. (٤) ومن وفائه ورقة عاطفته وصدق أخوته ما ذكره إِسحاق بن أحمد قال: كنا _________ (١) السير: ٢١٢/ ٤٤٩. (٢) المرجع السابق. (٣) السير: ١٢/ ٤٤٨. (٤) السير: ١٢/ ٤٤٥. والقنابري: شجر له رائحة غير محمودة.

стр. 51

عند محمد بن إِسماعيل البخاري، فورد عليه كتاب فيه نعي عبد الله بن عبد الرحمن (يعني: الدارمي). قال: فنكس رأسه، ثم رفع واسترجع، وجعل تسيل دموعه على خدّيه ثم أنشأ يقول: إِن تَبقَ تُفجَع بالأحبة كلّهم … وفناء نَفسِك لا أبالك أَفجَعُ (١) * * * _________ (١) السير: ١٢/ ٢٢٨ - ٢٢٩.

стр. 52

المبحث الخامس البخاري ومسألة اللفظ (١) لعل من الأسباب التى جعلت البخاري يترك بغداد ولم يأخذ بنصيحة الإِمام أحمد في المقام فيها هو "مسألة خلق القرآن" "والفتنه العارمة التي أخذت الناس يومذاك. وفضل البخاري عدم الدخول في هذه المسألة لأنها شائكة" و"حساسة" "ولّدت عند كبار العلماء -فضلًا عن العامة- من الحساسية الشئ الكثير، تفرقت بسببها كلمة الأمة، وأنهكت أهل السنة، وكادت تطيح بالخلافة الإِسلامية. وروى الحاكم بإسناده إِلي محمد بن شاذل أنه دخل على البخاري يسأله عن "مسألة اللفظ" فقال البخاري: "يا بُني، هذه مسألة مشؤومة، رأيت أحمد ابن حنبل وما ناله في هذه المسألة، وجعلت على نفسي ألا أتكلم فيها" (٢) وقد استقر رأي الإِمام أحمد ومن تبعه كالذهلي وأبي زرعة وأبي حاتم -وغيرهم- في مسألة خلق القرآن" علي ما يلي: "القرآن كلام الله غير مخلوق من جميع جهاته، وحيث تصرف، فمن لزم هذا إِستغنى عن اللفظ وعما سواه من الكلام في القرآن، ومن زعم أن القرآن مخلوق فقد كفر، وخرج عن الإِيمان، وبانت منه امرأته، يُستتاب، فإِن تاب، وإلا ضربت عنقه، وجُعل ماله فيئا بين المسلمين ولم يدفن في مقابرهم، ومن _________ (١) مسألة اللفظ هي أن يقول الإِنسان: لفظي بالقرآن مخلوق، انظر رسالة إِمام أهل السنة والجماعة الإِمام أحمد بن حنبل إِلى الخليفة المتوكل ورسالة في أن القرآن غير مخلوق للإِمام إِبراهيم بن إِسحاق الحربي، تحقيق علي بن عبدالعزيز الشبل. (٢) سير النبلاء: ١٢/ ٤٥٦ - ٤٥٧.

стр. 53

وقف، فقال: لا أقول مخلوق ولا غير مخلوق، فقد ضاهي الكفر، ومن زعم أن لفظي بالقرآن مخلوق، فهذا مبتدع، لا يجالس ولا يكلم (١) ومع أن البخاري أخذ علي نفسه عدم الكلام في "مسألة اللفظ" إلا أنه لا يعني أنه لا رأي له في هذه المسألة، لكنه لا يريد أن يتكلم به لأن الضرر الحاصل منها أكثر من النفع، وهو إِمام له من الفقه ما يوازن به بين المصالح والمفاسد حتى في الفتاوى ونشرها بين الناس. وعندما توجه البخاري إِلي نيسابور ليقيم فيها في أواخر عمره -لأنها كانت المدينة التي تضاهي بغداد في العلم والعلماء- فرح به أهلها فرحًا شديدًا، وخاصة العلماء منهم. ويبدو أن إِمام نيسابور وهو محمد بن يحيى الذهلي كان يعرف رأي البخاري في "مسألة اللفظ" فنهى تلاميذه وأصحابه عن سؤال البخاري عن رأيه في هذه المسألة وغيرها من مسائل الكلام حتي لا يفقدوه. قال أبو سعيد حاتم بن أحمد الكندي: سمعت مسلم بن الحجاج يقول: لما قدم محمد بن إِسماعيل نيسابور ما رأيت واليا ولا عالمًا فعل به أهل نيسابور ما فعلوا به، استقبلوه مرحلتين وثلاثة. فقال محمد بن يحيى في مجلسه: من أراد أن يستقبل محمد ابن إِسماعيل غدًا فليستقبله. فاستقبله محمد ابن يحيي وعامة العلماء، فنزل دار البخاريين، فقال لنا محمد بن يحيي: لا تسألوه عن شئ من الكلام، فانه إِن أجاب بخلاف ما نحن فيه، وقع بيننا وبينه، ثم شَمت بنا كل حروري، وكل رافضي، وكل جهمي، وكل مرجئ بخراسان (٢). وبعد أن استقر "البخاري" في "نيسابور" كان الذهلي يحث أصحابه _________ (١) سير النبلاء: ١٢/ ٤٥٦، وهذه عبارة محمد بن يحيي الذهلي. (٢) السير: ١٢/ ٤٥٨.

стр. 54

علي الذهاب إِلي البخاري للسماع منه. قال الحاكم: حدثنا محمد بن حامد البزار، سمعت الحسن بن محمد بن جابر، سمعت محمد بن يحيي الذهلي لما ورد البخاري نيسابور، يقول: اذهبوا إِلي هذا الرجل الصالح، فاسمعوا منه. (١) وكان الأمر على هذه الحال يسمع منه أهل نيسابور حتي سنة (٢٥٢) حيث أقام البخاري في (نيسابور) خمس سنوات متوالية. وإلى شهر شعبان من هذه السنة- (٢٥٢) - كان الذهلي يُكِنّ الود والاحترام للبخاري ويلتقى به ويسأله مسائل في العلم والبخاري يجيب عنها، والدليل علي ذلك الحكاية التالية: قال الحاكم: سمعت الحسن بن أحمد الشيباني المعدل، سمعت أحمد ابن حمدون يقول: رأيت محمد بن اسماعيل في جنازة سعيد بن مروان، ومحمد بن يحيي الذهلي يسأله عن الأسامي والكني والعلل، ومحمد ابن اسماعيل يمر فيه مثل السهم، كانه يقرأ ﴿قل هو الله أحد﴾ (٢). قلت: سعيد بن مروان هذا: هو أبو عثمان البغدادي نزيل نيسابور، وهو من شيوخ البخاري في "الصحيح". قال الحاكم: مات في نصف شعبان سنة ٢٥٢ وصلى عليه محمد ين يحيي (٣) أ. هـ. وقال الحاكم أيضًا: ولا شك أن البخاري شهد جنازته، فإِنه كان في هذه السنة في نسابور (٤). ولم يمضِ علي هذه الحادثة أكثر من شهر حتي وقع بين الذهلي والبخاري ما وقع. _________ (١) السير: ١٢/ ٤٤٢. (٢) السير: ١٢/ ٤٣٢. (٣) تهذيب التهذيب: ٤/ ٨٠. (٤) تهذيب التهذيب: ٤/ ٨٠.

стр. 55

وقد روي الخطيب باسناده سؤال الذهلي للبخاري في جنازة بن مروان، فقال متممًا الخبر (١): "فما أتى على هذا شهر حتى قال محمد بن يحيي: ألا مَنْ يختلف إِلى مجلسه لا يختلف إِلينا، فانهم كتبوا إِلينا من بغداد: أنه تكلم في "اللفظ" ونهيناه فلم ينته، فلا تقربوه، ومن يقربه فلا يقربنا، فأقام محمد بن اسماعيل هاهنا مدة وخرج إِلى بخاري (٢). ويبدو أن هذا الخبر وصل إِلى البخاري، وتفهم جيدا القرار الذي أعلنه الذهلي علي أهل نيسابور، ولذلك أعلن البخاري عن رأيه في مسألة اللفظ بعد أن سئل عنه -علي كره منه-. قال أبو أحمد بن عدي: ذكر لي جماعة من المشايخ أن محمد بن إِسماعيل لما ورد نيسابور إِجتمع الناس عليه، حسده بعض من كان في ذلك الوقت من مشايخ نيسابور لما رأوا إِقبال الناس عليه، وإجتماعهم عليه، فقال لأصحاب الحديث: إِن محمد بن إِسماعيل يقول: اللفظ بالقرآن مخلوق، فإِمتحنوه في المجلس، فلما حضر الناس مجلس البخاري، قام إِليه رجل، فقال: يا أبا عبد الله، ما تقول في اللفظ بالقرآن، مخلوق هو أم غير مخلوق؟ فأعرض عنه البخاري ولم يجبه. فقال الرجل: يا أبا عبد الله، فأعاد عليه القول، فأعرض عنه. ثم قال في الثالثة، فإِلتفت إِليه البخاري، وقال: القرآن كلام الله غير مخلوق، وأفعال العباد مخلوقة والإِمتحان بدعة. فشغب الرجل، وشغب الناس، وتفرقوا عنه. وقعد البخاري في منزله (٣). _________ (١) تأريخ بغداد: ٢/ ٣١. (٢) ويمكن الجمع بين هذه الحكاية وما سبقها من روايات أن الذهلي كان يعرف رأي البخاري في "مسألة اللفظ"، ولكن عندما مال أهل نيسابور إِلى البخاري وكاد أن يخلو مجلس الذهلي داخله شيء من الحسد، فأنضاف ذلك إِلى ما أعلنه البخاري عن رأيه، وأيضا إِلى ما كتبه أهل بغداد فيه، فعند ذلك أظهر الذهلي ما في نفسه وأعلن قراره ضد البخاري. (٣) سير النبلاء (١٢/ ٤٥٣ و ٤٥٤).

стр. 56

والبخاري إِنما كتم رأيه أولا حرصا منه علي وحدة الصف المسلم، أما الآن وقد كتب في شأنه ما كتب، وإمتحنوه، وإضطروه لإِظهار قوله، فإِنه أظهره بشجاعة وثبات، بل صنف فيه مصنفا أبان فيه عن مذهبه في هذه المسألة. فقد روى الذهبي بإِسناده إِلى أبي بكر الإِسماعيلي قال: أخبرنا عبد الله بن محمد بن سيار، حدثني محمد بن مسلم خشنام قال: سئل محمد بن إِسماعيل بنيسابور عن اللفظ، فقال: حدثني عبيد الله بن سعيد -يعني أبا قدامة- عن يحيي بن سعيد هو القطان قال: أعمال العباد كلها مخلوقة. فمرقوا عليه، وقالوا له بعد ذلك: ترجع عن هذا القول، حتى نعود إِليك؟ قال: لا أفعل إِلا أن تجيئوا بحجة فيما تقولون أقوى من حجتي. وأعجبني من محمد بن إِسماعيل ثباته (١). وخلاصة رأي البخاري في هذه المسألة تتلخص في فقرتين: ١ - القرآن كلام الله غير مخلوق، ومن قال: مخلوق، فهو كافر (٢). ٢ - لم يقل البخاري يوما من الأيام: "لفظى بالقرآن مخلوق" لكنه قال: "أفعال العباد مخلوقة". وبيان المسألة: أن الأئمة أحمد والذهلي والبخاري متفقون علي الفقرة الأولى، لكنهم إِختلفوا في قول الإِنسان "لفظي بالقرآن مخلوق"، فالإِمام أحمد والذهلي ومن تابعهما أنكروا هذا القول وإعتبروه بدعة لأنه لم يقل به السلف. وذلك: أن اللفظ يطلق ويراد به أمران: الأول: الملفوظ نفسه -يعني القرآن- وهو غير مقدور للعبد، ولا فعل له فيه. الثاني: التلفظ به والأداء له، وهو فعل العبد. فإِطلاق الخلق علي اللفظ قد يوهم المعنى الأول، وهو خطأ، وإطلاق نفي الخلق _________ (١) السير (١٢/ ٤٥٤). (٢) تاريخ بغداد (٢/ ٣٢).

стр. 57

عليه يوهم المعني الثاني وهو خطأ. ولذلك منع الإِمام أحمد وغيره الإِطلاقين، يعني "لفظي بالقرآن مخلوق أو غير مخلوق" (١). أما البخاري فقال: حركاتهم وأصواتهم وإِكتسابهم وكتابتهم مخلوقة. فأما القرآن المتلو، المبين المثبت في المصاحف، والمسطور المكتوب، الموعي في القلوب، فهو كلام الله ليس بمخلوق (٢). قال الله تعالي: ﴿بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم﴾ (٣). وساق البخاري أدلته علي مذهبه هنا، وجلى هذه المسألة حتى قال الإِمام ابن القيم: البخاري أعلم بهذه المسألة وأولى بالصواب من جميع من خالفه، وكلامه أوضح وأمتن من كلام أبي عبد الله -يعني الإِمام أحمد- (٤). ولكن مع هذا لم ينته الأمر بين البخاري والذهلي، لأنه لم يعد -علي ما يظهر من الأخبار- أمرا إِجتهاديا يمكن أن تختلف فيه الأنظار، بل داخله شئ من حظ النفس، فلج امام نيسابور في قراره الأول، وشدد في تبديع الإِمام البخاري، والإِمام البخاري صابر محتسب، لم تصدر منه كلمة تشين من نسبوه إِلى البدعة. وهكذا كانت هذه الفتنة الأليمة، فببساطة ينسب البخاري إِلى "البدعة" وهو الذي قضي حياته يحاربها، وبين عشية وضحاها يتحول ذلك الإِمام الكبير من إِمام لأهل السنة والجماعة إِلى "مبتدع" يجب أن يهجر ولا يقرب، وسبحان الله الحليم الكريم. _________ (١) انظر مختصر الصواعق المرسلة لأبن القيم (٢/ ٣١٠). (٢) سير النبلاء (١٢/ ٤٥٥)، وانظر "خلق أفعال العباد" للبخاري (١٣٨ و ١٤٦) حيث ذكر بعض أدلته علي ذلك. (٣) العنكبوت (٤٩). (٤) مختصر الصواعق المرسلة (٢/ ٣٠٩).

стр. 58

والذي يسجل للإِمام البخاري في هذه المحنة أمور: منها صبره وإحتسابه. ومنها: ثباته وإصراره علي رأيه. ومنها: حكمته وحلمه. ولم يخل الأمر من محاولات إِصلاح بين الإِمامين، ولكن هيهات وقد دخل بعض حظ النفس في هذه القضية. كما أنها أظهرت لنا معدن إِثنين من تلاميذ البخاري الخلصين. وفيما يلي بعض أخبار هذه المحنة الأليمة التي لم تنته بخروج البخاري من "نيسابور".- رحمة الله عليه-. قال الحاكم: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب بن الأخرم، سمعت ابن علي الخلدي، سمعت محمد بن يحيي يقول: قد أظهر هذا البخاري قول اللفظية واللفظية عندي شر من الجهمية (١). وقال غنجار في "تاريخه": حدثنا خلف بن محمد بن إِسماعيل، سمعت أبا عمرو أحمد بن نصر النيسابوري الخفاف ببخارى يقول: كنا يوما عند أبي إِسحاق القيسي، ومعنا محمد بن نصر المروزي، فجرى ذكر محمد ابن إِسماعيل البخاري، فقال محمد بن نصر: سمعته يقول: من زعم أني قلت لفظي بالقرآن مخلوق فهو كذاب، فإِني لم أقله. فقلت له: يا أبا عبد الله، قد خاض الناس في هذا وأكثروا فيه. فقال: ليس إلا ما أقول. قال أبو عمرو الخفاف، فأتيت البخاري، فناظرته في شئ من الأحاديث حتى طابت نفسه فقلت: يا أبا عبد الله، ها هنا أحد يحكي عنك أنك قلت هذه المقالة. فقال: يا أبا عمرو أحفظ ما أقول له: من زعم من أهل نيسابور وقومس والري وهمدان وحلوان وبغداد والكوفة والبصرة ومكة والمدينة أني قلت: لفظي بالقرآن مخلوق فهو كذاب. _________ (١) السير (١٢/ ٤٥٩).

стр. 59

فإِني لم أقله، إِلا أني قلت: أفعال العباد مخلوقة (١). وقال الحاكم: حدثنا طاهر بن محمد الوراق، سمعت محمد بن شاذل يقول: لما وقع بين محمد بن يحيي والبخاري، دخلت علي البخاري، فقلت: يا أبا عبد الله، أيش الحيلة لنا فيما بينك وبين محمد بن يحيي، كل من يختلف إِليك يطرد؟ فقال: كم يعتري محمد بن يحيي الحسد في العلم. والعلم رزق الله يعطية من يشاء (٢). وقال الحاكم: وسمعت محمد بن يعقوب الحافظ يقول: لما إِستوطن البخاري نيسابور أكثر مسلم بن الحجاج الاختلاف إِليه. فلما وقع بين الذهلي وبين البخاري ما وقع في مسألة اللفظ، ونادى عليه، ومنع الناس عنه، إِنقطع عنه أكثر الناس غير مسلم. فقال الذهلي يوما: ألا من قال باللفظ فلا يحل له أن يحضر مجلسنا. فأخذ مسلم رداء فوق عمامته، وقام على رؤوس الناس، وبعث إِلى الذهلي ما كتب عنه علي ظهر حمال (٣). وكان مسلم يظهر القول باللفظ ولا يكتمه. قال: وسمعت محمد بن يوسف المؤذن، سمعت أبا حامد بن الشرقي يقول: حضرت مجلس محمد بن يحيي الذهلي، فقال: ألا من قال: لفظي بالقرآن مخلوق فلا يحضر مجلسنا. فقام مسلم بن الحجاج من المجلس. رواها أحمد بن منصور الشيرازي عن محمد بن يعقوب، فزاد: وتبعه أحمد بن سلمة (٤). قال أحمد بن منصور الشيرازي: سمعت محمد بن يعقوب الأخرم، سمعت أصحابنا يقولون: لما قام مسلم وأحمد بن سلمة من مجلس الذهلي، قال الذهلي: لا يساكنني هذا الرجل في البلد. _________ (١) السير (١٢/ ٤٥٧ و ٤٥٨). (٢) السير (١٢/ ٤٥٦ و ٤٥٧). (٣) المرجع السابق (١٢/ ٤٥٩ و ٤٦٠). (٤) السير (١٢/ ٤٥٩ و ٤٦٠).

стр. 60

فخشي البخاري وسافر (١). وقال الحاكم: سمعت محمد بن صالح بن هانئ: سمعت أحمد بن سلمة يمَول: دخلت علي البخاري، فقلت: يا أبا عبد الله، هذا رجل مقبول بخراسان خصوصا في هذه المدينة، وقد لج في هذا الحديث حتى لا يقدر أحد منا أن يكلمه فيه، فما ترى؟ فقبض علي لحيته، ثم قال: ﴿وأفوض أمري إِلى الله إِن الله بصير بالعباد﴾ (٢). اللهم إِنك تعلم أني لم أرد المقام بنيسابور أشرا ولا بطرا، ولا طلبا للرئاسة، وإنما أبت علي نفسي في الرجوع إِلى وطني لغلبة المخالفين، وقد قصدني هذا الرجل حسدا لما آتاني الله لا غير. ثم قال لي: يا أحمد، إِني خارج غدا لتتخلصوا من حديثه لأجلي. قال: فأخبرت جماعة أصحابنا، فوالله ما شيعه غيري (٣). وقال محمد بن أبي حاتم: أتى رجل أبا عبد الله البخاري، فقال: يا أبا عبد الله، إِن فلانا يكفرك! فقال: قال النبي ﷺ إِذا قال الرجل لأخيه: يا كافر، فقد باء به أحدهما" (٤). وكان كثير من أصحابه يقولون له: إِن بعض الناس يقع فيك، فيقول: ﴿إِن كيد الشيطان كان ضعيفا﴾ (٥). _________ (١) المرجع السابق. (٢) غافر: (٤٤). (٣) السير (١٢/ ٤٥٩). (٤) أخرجه مالك (٣/ ١٤٨) بشرح السيوطي في الكلام: باب ما يكره من الكلام، ومن طريقه أحمد (٢/ ١١٣)، والبخارى (١٠/ ٤٢٨) والترمذي (٢٦٣٧)، عن عبد الله بن دينار عن بن عمر، وأخرجه مسلم (٦٠) من طريق إِسماعيل بن جعفر عن عبد الله بن دينار وأخرجه أيضا من طريق عبيد الله بن عمر، وأبو داود (٤٦٨٧) وأحمد (٢/ ٦٠) من طريق فضيل بن غزوان. كلاهما عن نافع عن ابن عمر، وأخرجه أحمد (٢/ ١٨ و ٤٤ و ٤٧ و ١١٢) من طرق عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر. (٥) النساء (٧٦).

стр. 61

ويتلو أيضا: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ (١) فقال له عبدالمجيد بن إِبراهيم: كيف لا تدعو الله علي هؤلاء الذين يظلمونك ويتناولونك ويبهتونك؟ فقال: قال النبي ﷺ إِصبروا حتى تلقوني علي الحوض" (٢)، وقال ﷺ : "من دعا على ظالمه، فقد إِنتصر" (٣). * * * _________ (١) فاطر (٤٣). (٢) أخرجه من حديث أسيد بن حضير البخاري (٧/ ٨٩ و ٩٠) في فضائل أصحاب النبي ﷺ : باب فضل الأنصار. و (٧٠٥٧) في الفتن: باب قول النبي ﷺ سترون بعدي أمورا تنكرونها، ومسلم (١٨٤٥) في الإِمارة: باب الأمر بالصبر عند ظلم الولاة، والترمذي (٢١٩٠) والنسائي (٨ ر ٢٢٤ و ٢٢٥)، وأخرجه من حديث أنس البخاري (٧/ ١٩٢)، وأخرجه من حديث عبد الله بن زيد البخاري (٨/ ٣٧ و ٤٢) ومسلم (١٠٦١). (٣) أخرجه الترمذي برقم (٣٥٥٢) في الدعوات، من حديث عائشة وفي سنده، أبو حمزة: ميمون الأعور وهو ضعيف، ونقل المناوي في "فيض القدير" قول الترمذي في "العلل": سئل عنه البخاري فقال: لا أعلم أحدا رواه غير أبي الأحوص، ولكن هو من حديث أبي حمزة، وضعف أبا حمزة جدا.

стр. 62

المبحث السادس فتنة اللفظ تلاحق البخاري حتى الوفاة من نيسابور إلى بخارى: لم يكتف الأمام الذهلي بخروج البخاري من نيسابور، بل لاحقه بكتابة رسائل إِلى علماء البلاد الأخرى، بل وإِلى بعض الولاة يحرضهم علي مقاطعة الإِمام البخاري. قال عبدالرحمن بن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (١): قدم محمد أبن إِسماعيل الري سنة خمسين ومائتين، وسمع منه أبي وأبو زرعة، وتركا حديثه عندما كتب إِليهما محمد بن يحيي أنه أظهر عندهم بنيسابور أن لفظه بالقرآن مخلوق. وروي أحمد بن منصور الشيرازي قال: سمعت بعصْ أصحابنا يقول: لما قدم أبو عبد الله بخارى نصب له القباب علي فرسخ من البلد، وإستقبله عامة أهل البلد حتى لم يبق مذكور إِلا إِستقبله، ونثر عليه الدنانير والدراهم والسكر الكثير، فبمَي أياما. قال: فكتب بعد ذلك محمد بن يحيي الذهلي إِلى خالد بن أحمد أمير بخارى: أن هذا الرجل قد أظهر خلاف السنة. فقرأ كتابه علي أهل بخارى، فقالوا: لا نفارقه، فأمره الأمير بالخروج من البلد، فخرج (٢). والحقيقة أن سبب خروجه من بخارى ليس هو كتاب الذهلي فقط، بل هناك سببان آخران: الأول: أن هناك نفرة بين أمير بخارى وبين البخاري، سببها الموقف العزيز _________ (١) ٧/ ١٩١. (٢) السير (١٢/ ٤٦٣).

стр. 63

الذي وقفه البخاري عندما طلب هذا الأمير من البخاري أن يحمل العلم الشريف إِلى أبوابه السلطانية. قال غنجار في "تاريخه": سمعت أبا عمرو: أحمد بن محمد المقرئ، سمعت بكر بن منير بن خليد بن عسكر يقول: بعث الأمير خالد بن أحمد الذهلي والي بخارى إِلى محمد بن إِسماعيل أن أحمل إِلى كتاب "الجامع" و"التاريخ" وغيرهما لأسمع منك. فقال لرسوله: أنا لا أذل العلم، ولا أحمله إِلى أبواب الناس. فإِن كانت لك الي شئ منه حاجة، فاحضر إِلى مسجدي، أو في داري. وإِن لم يعجبك هذا فأنك سلطان، فامنعني من المجلس، ليكون لي عذر عند الله يوم القيامة، لأني لا أكتم العلم، لقول النبي ﷺ : "من سئل عن علم فكتمه ألجم بلجام من نار" (١) فكان سبب الوحشة بينهما هذا (٢). وقال الحاكم: سمعت محمد بن العباس الضبي يقول: سمعت أبا بكر ابن أبي عمرو الحافظ البخاري يقول: كان سبب منافرة أبي عبد الله أن خالد بن أحمد الذهلي الأمير خليفة الطاهرية ببخارى سأل أن يحضر منزله، فيقرأ "الجامع" و"التاريخ"علي أولاده، فامتنع عن الحضور عنده، فراسله بأن يعقد مجلسا لأولاده، لا يحضره غيرهم، فامتنع، وقال: لا أخص أحدا. فإِستعان الأمير بحريث بن أبي الورقاء وغيره، حتى تكلموا في مذهبه، ونفاه عن البلد (٣). _________ (١) حديث صحيح أخرجه من حديث أبي هريرة أحمد (٢/ ٢٦٣ و ٣٠٥ و ٣٤٤ و ٣٥٣ و ٤٩٥)، وأبو داود (٣٦٥٨) والترمذي (٢٦٥١) وابن ماجة (٢٦١) و (٢٦٦)، وحسّنه النرمذي وصححه ابن حبان (٧٥) وله شاهد من حديث عبد الله بن عمرو صححه ابن حبان (٩٦)، والحاكم (١/ ١٠٢)، ووافقه الذهبي. (٢) سير النبلاء (١٢/ ٤٦٤ و ٤٦٥). (٣) سير النبلاء (١٢/ ٤٦٤ و ٤٦٥).

стр. 64

الثاني: أن الذين يمسكون الزعامة الدينية في بخارى كانوا ممن يخالفون البخاري في بعض آراءه الفقهية، وهم ممن ينتسبون إِلي "أهل الرأي" وعلى رأس هؤلاء: حريث بن أبي الورقاء، وهؤلاء كانت لهم علاقة وطيدة بأمير بخارى، بخلاف البخاري. وقد مر معنا ما يشير إِلى أن هؤلاء كانوا وراء هجرة البخاري من بلده بخارى، وبحثه عن دار له يقيم فيها، يتنفس فيها الحرية وينشر علمه وآراءه فيها. قال الحاكم: حدثنا خلف بن محمد، حدثنا سهل بن شاذويه قال: كان محمد بن إِسماعيل يسكن سكة الدهقان، وكان جماعة يختلفون إِليه، يظهرون شعار أهل الحديث من افراد الإِقامة، ورفع الأيدي في الصلاة وغير ذلك. فقال حريث بن أبي الورقاء وغيره: هذا رجل مشغب، وهو يفسد علينا هذه المدينة، وقد أخرجه محمد بن يحيي من نيسابور، وهو إِمام أهل الحديث، فاحتجوا عليه بابن يحيي، وإِستعانوا عليه بالسلطان في نفيه من البلد، فأخرج. وكان محمد بن إِسماعيل ورعا، يتجنب السلطان ولا يدخل عليهم (١). وهكذا إِضطر الإِمام البخاري إِلى مفارقة بخارى بسبب هذه الأحداث المؤلمة، وآلمها هو أن يكون سببها المباشر هو إِخوانه في العلم الذين مالؤا السلطان عليه، ومع هذا فلم يفكر يوم خروجه من بخارى إلا بسلامة دينه خشية أن يتعرض لفتنة أكبر قد لا يستطيع الصبر عليها. قال إِبراهيم بن معقل النسفي: رأيت محمد بن إِسماعيل البخاري في اليوم الذي أخرج فيه من بخارى، فتقدمت إِليه، فقلت: يا أبا عبد الله، كيف ترى هذا اليوم من اليوم الذي نثر عليك فيه ما نثر؟ فقال: لا أبالي إِذا سلم ديني (٢).!! _________ (١) السير (١٢/ ٤٦٥). (٢) السير (١٢/ ٤٦٣).

стр. 65

وإلى مرو: وتوجه إِلى مرو لكن الخبر سبقه إِلى إِمامها يومذاك وهو: أحمد بن سيار. وقال أحمد بن منصور الشيرازي: سمعت القاسم بن القاسم يقول: سمعت إِبراهيم وراق أحمد بن سيار يقول لما قدم البخاري مرو إِستقبله أحمد بن سيار فيمن إِستقبله، فقال له أحمد: يا أبا عبد الله، نحن لا نخالفك فيما تقول، ولكن العامة لا تحمل ذا منك. فقال البخاري: إِني أخشي النار، أسأل عن شئ أعلمه حقا أن أقول غيره. فانصرف عنه أحمد ابن سيار (١). ولم يقم البخاري في "مرو". وإلى فربر وبيكند: وذهب البخاري إِلى "فربر" وكذلك إِلي "بيكند"، وكان لا ينقطع عن تحديث الناس ونفعهم متي قبلوا منه. واعتبر أهل هذه البلاد مجئ البخاري إِليهم فتحا علميا كبيرا، وذلك لبعد هذه الديار وعدم قدرة الكثير على الرحلة إِلى الإِمام البخاري، "ومصائب قوم عند قوم فوائد". قال الحاكم: سمعت أحمد بن محمد بن واصل البيكندي، سمعت أبي يقول: منّ الله علينا بخروج أبي عبد الله، ومقامه عندنا حتى سمعنا منه هذه الكتب، وإِلا من كان يصل إِليه وبمقامه في هذه النواحي: فربر وبيكند، بقيت هذه الآثار فيها، وتخرج الناس به (٢). وفي خرتنك الثواء: وأخيرا فضل الإِمام الصابر المظلوم أن يبحث له عن مكان منعزل يقل فيه إِحتكاكه بانصار من ظلموه من العلماء والأمراء، فنزل قرية صغيرة تابعة لمدينة سمرقند ولا تبعد عنها إِلا قليلا، له فيها أقرباء، فنزل على رجل مز _________ (١) السير (٤٦٢/ ١٢). (٢) السير (١٢/ ٤٦٥ و ٤٦٦).

стр. 66

معارفه اسمه: غالب بن جبريل، فمكث عنده أياما من شهر رمضان، لكن من ظلموه لم يتركوه حتى في هذه القرية الصغيرة، فوجهوا من يخرجه منها وهو مريض. مال محمد بن أبي حاتم: سمعت أبا منصور غالب بن جبريل وهو الذي نزل عليه أبو عبد الله يقول: إِنه أقام عندنا أياما، فمرض، وإِشتد به المرض حتى وجه -يعني الأمير- رسولا إلى مدينة سمرقند في إخراج محمد (١). وقد علم البخاري بأن مخالفيه لن يتركوه، وأنه حيث ذهب سيلاحقونه، وخشي علي نفسه الفتنة، فجعل يدعو مولاه كي يقبضه إِليه. قال ابن عدي: سمعت عبد القدوس بن عبدالجبار السمرقندي -يقول: جاء محمد بن إِسماعيل إِلى خرتنك- "قرية" علي فرسخين من سمرقند- وكان له بها أقرباء، فنزل عندهم، فسمعته ليلة يدعو، وقد فرغ من صلاة الليل: اللهم أنه قد ضامت علي الأرض بما رحبت، فأقبضني إِليك (٢). الراحة في الموت: واستجاب الله لعبده الصالح، فلم يشمت به أعداءه بعد هذا، قال غالب بن جبريل -الذي نزل عنده البخاري في خرتنك-: "فلما وافى- أي الرسول الذي بعثوه لإِخراج البخاري -تهيأ- يعني البخاري- للركوب، فلبس خفيه، وتعمم، فلما مشي قدر عشرين خطوة أو نحوها، وأنا آخذ بعضده. ورجل أخذ معي يقوده إِلى الدابة ليركبها، فقال ﵀: أرسلوني، فقد ضعفت. فدعا بدعوات، ثم اضطجع، فقضي ﵀. فسال منه (٣) العرق شئ لا يوصف. فما سكن منه العرق إِلى أن أدرجناه في ثيابه. وكان فيما قال لنا، _________ (١) السير (١٢/ ٤٦٦). (٢) المرجع السابق. (٣) السير (١٢/ ٤٦٧).

стр. 67

وأوصى إِلينا: أن كفنوني في ثلاثة أثواب بيض ليس فيها قميص ولا عمامة ففعلنا ذلك. فلما دفناه فاح من تراب قبره رائحة غالية أطيب من المسك، فدام ذلك أياما، ثم علت سواري بيض في السماء مستطيلة بحذاء قبره، فجعل الناس يختلفون، ويتعجبون". ثم قال: وأما ريح الطيب فإِنه تداوم أياما كثيرة، حتى تحدث أهل البلدة، وتعجبوا من ذلك، وظهر عند مخالفيه أمره بعد وفاته، وخرج بعض مخالفيه الى قبره وأظهروا التوبة والندامة مما كانوا شرعوا فيه من مذموم المذهب (١). قال محمد بن أبي حاتم: ولم يعش أبو منصور غالب بن جبريل بعده إِلا القليل، وأوصى أن يدفن الى جنبه (٢). وقال ابن عدي: سمعت الحسن بن الحسين البزار البخاري يقول: توفي البخاري ليلة السبت ليلة الفطر عند صلاة العشاء، ودفن يوم الفطر بعد صلاة الظهر سنة ست وخمسين ومائتين. وعاش اثنتين وستين سنة إِلا ثلاثة عشر يوما (٣). فرحم اللِّه البخاري رحمة واسعة، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء. * * * _________ (١) السير (١٢/ ٤٦٧). (٢) المرجع السابق. (٣) السير (١٢/ ٤٦٨).

стр. 68

الفصل الثاني مصنفاته

стр. 69

الفصل الثاني مصنفاته وتحقيق القول حول المشتبه بغيره منها لقد كان البخاري ﵀، أحد الأئمة المجيدين في التصنيف، البارعين فيه، وقد شملت مصنفاته الميادين التي أولاها اهتمامه، وهي الحديث وعلومه، والتاريخ وعلم الرجال. أودع فيها ما إِنتهي إِليه من علم الأمصار الختلفة. وقد عنيت بتبيان من رواها عن المصنف ﵀، ما إِستطعت إِلى ذللث سبيلا. وقد بلغ مجموع مصنفاته (٢٥) مصنفا، وفيما يلي قائمة بأسمائها مرتبة على حروف المعجم مع العناية بتحقيق القول حول ما يشتبه بغيره منها. * أخبار الصفات: ذكره فؤاد سزكين (١)، وهو موجود في المكتبة الظاهرية، بدمشق، ولم أجد أحدا من المتقدمين أشار إِليه، وربما كان جزءا من كتاب "الصحيح" من كتاب "التوحيد". _________ (١) تاريخ التراث العربي (١/ ٢٥٩)، وفهرس معهد الخطوطات العربية (١/ ١٣٧). وقد أخبرني أستاذنا الدكتور/ أحمد نور سيف -حفظه الله- أنه كتب إِلى الظاهرية بطلب تصوير المخطوط الذي تحت هذا الرقم الذي ذكره سزكين، فأجابوه بأنه لا يوجد كتاب للبخاري تحت هذا الرقم إِنما هو جزء من كتاب "جامع الأصول" لأبن الأثير.

стр. 70

* الأدب المفرد: مطبوع متداول، وهو من رواية أبي الخير أحمد بن محمد بن الجليل -بالجيم- البخاري الكرماني، عن المصنف، كذا ورد أول المطبوع (١) وقد أشار إِلى ذلك الحافظ ابن حجر (٢). * أسامي الصحابة: ويسمى أيضا: "كتاب الصحابة"و "تاريخ الصحابة". قال الحافظ ابن حجر: أول من صنف في ذلك -يعني في الصحابة- البخاري. أفرد في ذللث تصنيفا، فنقل منه أبو القاسم البغوي، وغيره (٣)، وأستفاد منه أبو نعيم (٤)، والحافظ ابن كثير (٥). وقد رواه عن المصنف، أبو أحمد: محمد بن سليمان بن فارس، ومن طريقه رواه أبو القاسم ابن منده في كتاب "الصحابة" له، أشار إِلى ذلك الحافظ ابن حجر (٦)، وقال البخاري في ترجمة (أبيض) بيناه في كتاب أصحاب النبي ﷺ (٧). * الأشربة: ذكره الدارقطني (٨) ونقل منه حديثا موقوفا في النهي عن الإِسستشفاء بالخمر، وقد أشار إِلى ذلك الحافظ ابن حجر (٩). _________ (١) انظر (١/ ٣٦). (٢) هدي الساري (٤٩٢). (٣) الإِصابة (١/ ٣). (٤) معرفة الصحابة (١/ ٦٥). (٥) جامع المسانيد والسنن (١/ ٤٨) و (٣/ ٣٠١). (٦) الهدى (٤٩٢). (٧) التاريخ الكبير (٢/ ٦٠). (٨) المؤتلف والمختلف (٤/ ١٩٧٣). (٩) الهدى (٤٩٢)، وانظر الرسالة المستطرقة (٤٩).

стр. 71

وهو كتاب صنف على منوال كتاب الأدب المفرد، خارج الصحيح. * بر الوالدين: ذكره الحافظ ابن حجر (١)، والبلوي (٢)، والكتاني (٣). قال الحافظ: رواه عن البخاري، محمد بن دلويه الوراق. * التاريخ الكبير: سيأتي التعريف به، وذكر رواته عن البخاري. * التاريخ الأوسط: روى هذا التاريخ عن البخاري كما قال الحافظ ابن حجر، عبد الله بن أحمد ابن عبدالسلام الخفاف، وزنجويه بن محمد (٤). وقال ابن خير (٥): "التاريخ الأوسط" سبعة أجزاء، حدثني به أبو محمد ابن عتاب عن أبي عمر بن عبدالبر، عن خلف بن قاسم، عن عبد الله بن الورد، عن عبد الله بن أحمد الخفاف به. وحدثني به الشيخ أبو الحسن بن موهب، عن أحمد بن عمر الدلائي، عن أبي ذر الهروي، عن زاهر السرخسي، عن زنجويه ابن محمد به. ورواه الروداني من طريق عبدالوهاب بن منده، عن ظاهر بن طاهر، عن عبد الله، عن زنجويه به (٦). وقد ورد في أول النسخة المطبوعة باسم "التاريخ الصغير" ما يلي: أخبرنا أبو ذر: عبدالرحمن الهروي، قال: أخبرنا أبو علي زاهر بن محمد _________ (١) الهدى (٤٩٢). (٢) ثبت أحمد بن علي البلوي (٥٤١). (٣) الرسالة المستطرقة (٤٩). (٤) الهدى (٤٩٢). (٥) الفهرست (٢٠٥). (٦) صلة الخلف، بموصول السلف (ل / ٤٩ / ب).

стр. 72

ابن أحمد الفقيه السرخسي قراءة عليه سنة تسع وثمانين وثلاثمائة، قال: أخبرنا أبو محمد زنجويه بن محمد النيسابوري. قال: حدثنا محمد بن إِسماعيل البخاري (١). فدل ذلك على أن الكتاب المطبوع التداول بين أيدي الناس باسم: "التاريخ الصغير" إِنما هو في الحقيقة "التاريخ الأوسط". ومما يدل على ذلك أيضا: - ١ - أن الذي روى التاريخ الأوسط عن البخاري -كما نص الحافظ ابن حجر وغيره- هما زنجويه بن محمد النيسابوري، وعبد الله بن أحمد الخفاف، كما تقدم آنفا، وسيأتي أن رواة التاريخ الصغير غير هؤلاء. ٢ - نقول كثيرة من التاريخ الأوسط، تثبت أنه هو نفسه المطبوع باسم "الصغير". أ- قال الحافظ المزي: قال البخاري في التاريخ الأوسط: حدثني محمد بن محبوب، قال: حدثنا أبو سلمة -رجل من أصحاب الحديث، لا أحفظ اسمه- عن جعفر بن سليمان، قال: مات ثابت، ومالك بن دينار ومحمد بن واسع سنة ثلاث وعشرين ومائة. وقال -يعني البخاري- أيضا حدثنا أحمد بن سعيد، قال … وقال أيضا: حدثنا أحمد بن سليمان … وقال أيضا: وقال يحيي بن سعيد … وقال: ويقال عن ابن محمد بن ثابت … وقال أيضا: قال علي بن حسين، عن أبيه … وقال أيضا: ويقال: بنانه الذين منهم ثابت .. (٢) _________ (١) انظر (١/ ٢٧). (٢) تهذيب الكمال (٤/ ٣٤٨) ط.

стр. 73

وهكذا نقل المزي سبع نصوص من التاريخ الأوسط، وهي بألفاظها وحروفها على هذا الترتيب في التاريخ المطبوع باسم الصغير (١). ب- قال الذهبي: عن جعفر بن سليمان، مما رواه البخاري في "تاريخه الأوسط" عن محمد بن محبوب، عن شيخ له عنه، قال: مات ثابت -يعني البناني- ومالك بن دينار، ومحمد بن واسع، سنة ثلاث وعشرين ومائة. وقال البخاري: حدثنا أحمد بن سليمان: سمعت ابن علية قال: مات ثابت سنة سبع وعشرين ومائة، ومات ابن جدعان بعده (٢). هذان النصان قد ذكرهما البخاري بحروفهما في "التاريخ الأوسط" المطبوع باسم "الصغير" (٣). وقال الذهبي: وحكى البخاري في "تاريخه الأوسط" عن أبي داود قال: إِنما أتى قيس -يعني ابن الربيع- من إِبنه، كان يأخذ حديث الناس فيدخلها في فرج كتاب قيس، ولا يعرف الشيخ ذلك (٤). وهذا النص بلفظه مسطور في " التاريخ الأوسط" المعروف بـ الصغير" (٥). ج- قال الحافظ ابن حجر: قال البخاري في التاريخ الأوسط: رأيت عليا وسليمان بن حرب يضعفانه -يعني بشر بن حرب- (٦). وهذا النص منقول من التاريخ الأوسط بلفظه (٧). وقال الحافظ: قال البخاري في "التاريخ الأوسط": كان ابن عيينة يغمزه (٨). وهذا النص عند البخاري في "التاريخ الأوسط" بحروفه (٩). _________ (١) انظر (١/ ٣٥٣). (٢) سير أعلام النبلاء (٥/ ٢٢٢). (٣) انظر (١/ ٣٥٣). (٤) ميزان الإِعتدال (٣/ ٣٩٦). (٥) (٢/ ١٥٨). (٦) التهذيب (١/ ٤٤٦). (٧) انظر (١/ ٣٤٧). (٨) التهذيب (٢/ ٣٦). (٩) (١/ ٣١٠).

стр. 74

وقال أيضا: وفي "تاريخ البخاري الأوسط": الحسن بن شاذان الواسطي يتكلمون فيه (١). وهذا في التاريخ الأوسط المشهور بالصغير، بهذا اللفظ (٢). وقال الحافظ أيضا: وقال البخاري في "التاريخ الأوسط": ثنا محمد بن الصباح، ثنا ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن عروة بن الزبير، عن المغيرة: رأيت رسول الله ﷺ يمسح على خفيه، ظاهرهما، قال البخاري: وهذا أصح من حديث رجاء عن كاتب المغيرة (٣). هذا النص في "التاريخ الأوسط" بهذا اللفظ (٤). وقد نقل الحافظ ابن حجر نصوصا كثيرة من "التاريخ الأوسط" في كتبه المختلفة (٥)، وكذا السخاوي (٦)، والسيوطي (٧). وهناك أمر يجدر الإِهتمام به وهو أن "التاريخ الأوسط" قد رتبت مادته ترتيبا زمنيا، وهو بهذا يتميز عن التاريخ الكبير والصغير، وهذا واضح في النقول التي نقلها الحافظ ابن حجر- ﵀ منه، وحين نتأمل "التاريخ الأوسط" المطبوع باسم "الصغير" نجد هذا واضحا. فيقول البخاري ﵀: "ذكر من مات في سنة أربعين إِلى خمسين ونحوها"، ثم يذكر جماعة من الرواة توفوا في هذه السنوات العشر، ثم يقول: "ذكر من كان بعد الخمسين سنة إِلى الستين سنة"، ثم من كان بين الستين إِلى السبعين وهكذا. وفيما يلي عرض لبعض هذه النصوص. قال الحافظ ابن حجر ﵀ في ترجمة "بشر بن نمير القشيري": ذكره البخاري في "الأوسط،، في فصل من مات بين الأربعين إِلى الخمسين ومائة (٨). _________ (١) التهذيب (٢/ ٢٧٤). (٢) انظر (٢/ ٣٥٤). (٣) التلخيص الحبير (١/ ١٥٩). (٤) انظر (١/ ٣٢٨). (٥) راجع الإصابة (١/ ٢٠٠، ٥٦١)، (٢/ ٢٢٧)، (٣/ ٤٢٧)، ولسان الميزان (٢/ ٢٨٩). (٦) التحفة اللطيفة (١/ ٣١٢). (٧) تدريب الرواي (١/ ٢٧٥). (٨) التهذيب (١/ ٤٦١).

стр. 75

وهذا عند البخاري في التاريخ المعروف "بالصغير"، الذي هو في الحقيقة" الأوسط" (١). وقال الحافظ ابن حجر، في ترجمة ثعلبة بن الحكم الليثي ﵁: ذكره البخاري في "الأوسط" في فصل من مات ما بين السبعين، إِلى الثمانين (٢). وهذا منقول من "التاريخ الأوسط" (٣). وقال الحافظ في ترجمة الحارث بن نبهان: ذكره البخاري في "التاريخ الأوسط" في فصل من مات ما بين الخمسين إِلى الستين ومائة (٤). وهذا عند البخاري في "التاريخ الأوسط" المشهور بـ "الصغير" (٥). وهناك نصوص كثيرة مبثوثة عند الحافظ ابن حجر ﵀ (٦). ٣ - قال ابن خير إِن "التاريخ الأوسط" يقع في سبعة أجزاء (٧). وقد أحصيت أجزاء التاريخ المعروف بالصغير فإِذا هو قد دون فيه أنه ثمانية أجزاء، وفي أول كل جزء ذكر للسماعات غالبا، وبالتأمل ظهر أن هناك أجزاء تحتوي على ورقات أقل فإِذا هو حقيقة سبعة أجزاء. ٤ - ورد في النسخة الخطية ما يلي: - كتاب التاريخ في معرفة رواة الحديث ونقله الآثار … وفي طرف الكتاب هذه العبارة: وجد في الأصل المنقول منه جميع هذه النسخة ما صورته: فيه _________ (١) (٢/ ٩٩). (٢) التهذيب (١/ ٤٦١). (٣) (١/ ٢٠٠). (٤) التهذيب (٢/ ١٥٩). (٥) (٢/ ١٣٥). (٦) انظر مع النصوص المقارنة (التهذيب ٢/ ٣٨٥ والتاريخ ٢/ ٢٣٤)، (التهذيب ٢/ ٤٠٩ والتاريخ ٢/ ٢٣٣)، (التهذيب ٨/ ٢٧، والتاريخ ١/ ٣٤٦)، (التهذيب ٩/ ٩٣، والتاريخ ١/ ٣٤٦)، (التهذيب ٩/ ٩٣، التاريخ ١/ ٣٢٤) و (التهذيب ٩/ ٤٢٠ والتاريخ ٢/ ٥٧). (٧) الفهرست (٢٠٥).
следующие страницы →