← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 824

الإعلام بأحكام المال الحرام

منصور بن عبد الحميد النجار

Полный текст (332 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

تقديم فضيلة الشيخ مصطفى بن العدوي الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد: فهذا بحث في المال الحرام، وصور اكتسابه، والحكم فيه، قام بإعداد هذا البحث أخي/ منصور النجار - وفقه الله لكل خير - وقد اعتنى فيه بسلامة المادة العلمية المستدل بها، فخرَّج الأحاديث والآثار، وحكم على كلٍ بما يستحق صحةً أو ضعفًا، وأورد طرفًا من أقوال الفقهاء والمفسرين في كتابه مع العزو إلى المصادر، ثم إنه - وفقه الله - قد أتى على كثير من صور اكتساب المال المعاصرة، وأعطاها الحكم اللائق بها، مع نقله لبعض الفتاوى المعاصرة لأهل العلم في هذا الصدد. هذا؛ وأخي منصور - وفقه الله - ممن عهدناهم من ذوي الأخلاق الكريمة الحسنة، مع حبه لدينه وحرصه على العلم، فالله

стр. 2

أسأل أن يزيده توفيقًا وسدادًا وصلاحًا وإخلاصًا، وأن ينفع بعمله الإسلام والمسلمين. وصلِّ اللهم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين كتبه أبو عبد الله مصطفى بن العدوي

стр. 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة الحمد لله رب العالمين، خالق السماوات والأرض وجاعل الظلمات والنور جلّ في علاه واحدٌ أحد، فردٌ صمد، لا محيد عنه ولا مفر، ذو العرش المجيد والبطش الشديد، الأمر أمره والملك ملكه يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فعالٌ لما يريد، وأشهد أن لا إله إلا الله الواحد القهار، مكور الليل على النهار، تذكرةً لأولى القلوب والأبصار، وتبصرةً لذوي الألباب والاعتبار. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، إمام المتقين، وخاتم النبيين، وخيرته من خلقه أجمعين ﷺ ، وعلى آله الطيبين الطاهرين وإخوانه من النبيين والمرسلين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. وبعد: فهذا بحث أعددته للمسلمين عامة ولطلاب العلم خاصة، تناولت فيه صور الكسب الحرام، وكيف للمسلم أن يتخلص من المال المحرم؟ وفق الكتاب وصحيح السنة، وضمنته جملة مسائل

стр. 4

كثر سؤال العامة عنها، منها على سبيل المثال؛ هل يجوز قبول الهدية ممن غالب ماله حرام؟ وهل يصح الحج من المال الحرام؟ وهل يجوز التخلص من المال الحرام في بناء المساجد؟ وكيف يتخلص التائب إلى الله من المال المكتسب من الحرام ولا يعلم له صاحب؟ وما الحكم في مال الكافر إذا أسلم؟ وماذا يجب على من سرق عينًا وأراد أن يتوب بعد زمن وقد هلكت العين وليس لها مثل؟ ومسائل كثيرة من هذا القبيل، وتوسعت كذلك في باب الربا وما يتعلق به من مسائل. • وقد انتهجت في بحثي هذا ما يلي: • جمع الوارد في الباب من كتاب ربنا ومن سنة النبي محمد ﷺ . • نقل فقه الصحابة والتابعين في كثيرٍ من المسائل. • بيان درجة الأحاديث وكذا الآثار. • نقل أقوال الأئمة من كتبهم المعتمدة وذلك في كثير من المسائل. • مناقشة أقوال أئمة المذاهب في كثير من المسائل وإظهار الراجح معتمدًا في ذلك على ما يوافق الدليل. • محاولة عرض المسألة في صورة مختصرة قبل ذكر الأدلة والخلاف الحاصل فيها، وأحيانا يكون هذا العرض في نهاية المسألة.

стр. 5

• تقيدت بالمسائل الشائعة في واقعنا المعاصر؛ غاضًا الطرف عن المعاملات التي اندثرت مما ذكره الفقهاء في كتبهم. هذا، وأسأل الكريم المنان ذي الفضل والإحسان أن ينفع بهذا البحث كاتبه وناشره وقارئه، وأن يجعله خالصًا لوجهه الأعلى، وأستحضر في هذا المقام قول أبي الطيب الوشاء: (وشريطتنا على قارئ كتابنا الإقصار عن طلب عيوب أخطائنا، والصفح عن ما يقف عليه من إغفالنا، والتجاوب عن ما ينتهي إليه من إهمالنا، وإن أداه التصفح إلى صواب نشره، أو إلى خطأ ستره؛ لأنه قد تقدمنا بالإقرار، ولابد للإنسان زلل وعثار، وليس كل الأدب عرفناه، ولا كل العلم دريناه، وعلينا في ذلك الاجتهاد وإلى الله الإرشاد، وقل ما نجا مؤلف لكتاب من راصد بمكيدة أو باحث عن خطيئة، وقد كان يقال من ألف كتابا فقد استشرف، وإذا أصاب فقد استهدف (١)، وإذا أخطأ فقد استقذف، وكان يقال لا يزال الرجل في فسحة من عقله ما لم يقل شعرًا أو يضع كتابًا (٢). كما لا يسعنى فى تقدمتى هذه إلا أن أقدم جزيل الشكر للوالد الكريم والعالم الجليل شيخي أبي عبد الله مصطفى بن العدوي، فلقد

стр. 6

بذل من وقته لمراجعة هذا الكتاب، أسأل الله أن يجري الحق على لسانه، وأن يبارك في دعوته، وأن يرحم والديه، وأن ينبت ذريته نباتًا حسنًا. كتبه منصور بن عبد الحميد آل النجار قبل غروب شمس يوم عاشوراء لعام ١٤٣٥ من الهجرة

стр. 7

فتنة المال قال الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآب﴾ [آل عمران]. اشتملت الآية الكريمة على بعض أنواع فتن الشهوات، ابتدأها ربنا بالنساء ثم ثنى بالبنين، ثم ثلث بالقناطير المقنطرة من الذهب والفضة، والمقصود بذلك إنما هو المال. المال عماد رئيس من أعمدة التعامل بين الناس، فلا يكون هنالك بيعٌ ولا شراء إلا بالمال، ولا تكون هنالك تجارةٌ ولا مزارعة ولا مساقاة إلا بالمال، بل إن دولًا تشاجرت وتناحرت من أجل المال، والإنسان بطبعه بحاجةٍ إلى المال ليطعم ويشرب ويلبس ويسكن. لا شك أن المال نعمةٌ من نعم الله رب العالمين أنعم بها على عباده، وهذه النعمة تستوجب شكرًا وعرفانًا، لكن للأسف قابلها البعض بالجحود والكفران.

стр. 8

الذي أعطى الغنيَّ مالًا هو الله والذي لم يعطِ الفقير هو الله فالمالك الحقيقي للمال وغيره هو الله رب العالمين، لكنه سبحانه ملَّكنا هذا المال ملكًا شرعيًّا للاختبار، فالنفس مجبولةٌ على حب المال، إلا أنه شتان بين من جمع المال من حِله وحرامه، وبين من اكتفى بحلاله، وفارِقٌ أيضًا بين من أنفق المال في كل سبيل، حرامًا كان أو حلالًا، وبين من استخدمه في الحلال الخالص. إن المال بين يدي أقوامٍ نعمة وبين يدي آخرين يتحول إلى نقمة. قال الله تعالى: ﴿وَاْعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [الأنفال: ٢٨]. وقال رسول الله ﷺ لأصحابه: «إِنَّ أَكْثَرَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ مَا يُخْرِجُ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ بَرَكَاتِ الأَرْضِ» قِيلَ: وَمَا بَرَكَاتُ الأَرْضِ؟ قَالَ: «زَهْرَةُ الدُّنْيَا» فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: هَلْ يَأْتِي الخَيْرُ بِالشَّرِّ؟ فَصَمَتَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ يُنْزَلُ عَلَيْهِ، ثُمَّ جَعَلَ يَمْسَحُ عَنْ جَبِينِهِ، فَقَالَ: «أَيْنَ السَّائِلُ؟» قَالَ: أَنَا - قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: لَقَدْ حَمِدْنَاهُ حِينَ طَلَعَ ذَلِكَ- قَالَ: «لَا يَأْتِي الخَيْرُ إِلَّا بِالخَيْرِ، إِنَّ هَذَا المَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، وَإِنَّ كُلَّ مَا أَنْبَتَ الرَّبِيعُ يَقْتُلُ حَبَطًا أَوْ يُلِمُّ، إِلَّا آكِلَةَ الخَضِرَةِ، أَكَلَتْ حَتَّى إِذَا امْتَدَّتْ خَاصِرَتَاهَا، اسْتَقْبَلَتِ الشَّمْسَ، فَاجْتَرَّتْ وَثَلَطَتْ وَبَالَتْ، ثُمَّ عَادَتْ فَأَكَلَتْ، وَإِنَّ هَذَا المَالَ حُلْوَةٌ، مَنْ أَخَذَهُ

стр. 9

بِحَقِّهِ وَوَضَعَهُ فِي حَقِّهِ فَنِعْمَ المَعُونَةُ هُوَ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِغَيْرِ حَقِّهِ كَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ» (١). هذا مثالٌ نبويٌ شَبَّه فيه النبي ﷺ هذه الدنيا وبهجة منظرها وطيب نعيمها، وحلاوتها في النفوس - بنبات الربيع، وهو المرعى الذي ينبت في زمن الربيع، فإنه يُعجب الدواب التي ترعى فيه، فتُكثر الأكل منه بما يفوق احتياجها فتهلك. النبي ﷺ يقول لأصحابه: «إِنَّ أَكْثَرَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ مَا يُخْرِجُ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ بَرَكَاتِ الأَرْضِ» فيتعجب الحاضرون، ويسأل سائل منهم ويقول: وما بركات الأرض؟ فيكون الجواب من النبي ﷺ : «زهرة الدنيا». فيزداد العجب عند الصحابة الحضور ويتوجه أحدهم بسؤال آخر: هل يأتي الخير بالشر؟ وهنا يطرأ طارئ مفاجئ وهو صَمْت النبي ﷺ حتى علم الصحابة أن النبي ﷺ يعالج الوحي، ثم يعاود النبي ﷺ الحديث ويقول: «أين السائل؟» فيجيب: أنا. فيقول له النبي ﷺ : «إن هذا المال خضرة حلوة»، أي ظاهر أمره هكذا.

стр. 10

ثم يضرب له مثالًا ويقول: «إن كل ما أنبت الربيع يقتل حَبَطًا أو يُلم». والمعنى أن النبات الذي ينبت في زمن الربيع أو من الربيع الذي هو جدول الماء، تأكل منه الأنعام، وتُعجب به، فهو في أعينها خصرةٌ حلوة، إلا أن النتيجة تكون موتها أو مرضها؛ إن لم تمت الأنعام من كثرة ما أكلت فإنها تُصاب بمرض يسمى مرض الحبط، وهو ما يعتري الدواب من انتفاخ تموت بسببه، مع أن الدواب اشتهت الطعام وأقبلت عليه، إلا أنه كان سببًا في هلاكها. ثم استثنى النبي ﷺ من هذه الماشية، صنفًا حُمدت عقباه، وهو صنف آكلة الخضرة، فقال عنها: «أَكَلَتْ حَتَّى إِذَا امْتَدَّتْ خَاصِرَتَاهَا، اسْتَقْبَلَتِ الشَّمْسَ، فَاجْتَرَّتْ وَثَلَطَتْ وَبَالَتْ» أي أن هناك من البقر من يأخذ من الطعام بقدر ما يكفيه، ثم بعد ذلك تستقبل البقرة الشمس لِتَحمي؛ فيسهل إخراج ما أُكل «فاجترت» أي أخرجت الطعام من بطنها مرة أخرى فمضغته ليسهل بلعه، «فثلطت وبالت» أي أخرجت فضلات غذائها، وهذا مثالٌ نافع. ثم وجَّه النبي ﷺ نصيحته للأمة فقال: «وَإِنَّ هَذَا المَالَ حُلْوَةٌ، مَنْ أَخَذَهُ بِحَقِّهِ وَوَضَعَهُ فِي حَقِّهِ فَنِعْمَ المَعُونَةُ هُوَ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِغَيْرِ حَقِّهِ كَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ»

стр. 11

هذا هو حال الطامع، يكون المال عليه وبالًا. قال رسول الله ﷺ : «لَوْ كَانَ لِابْنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِنْ مَالٍ لَابْتَغَى ثَالِثًا، وَلَا يَمْلَأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ، وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ» (١). إياك إياك يا عبد الله أن تعبد المال، فلقد قال رسول الله ﷺ : «لُعِنَ عَبْدُ الدِّينَارِ، وَلُعِنَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ» (٢). حري بنا أن نربي أنفسنا ونهذبها، فالنفس مجبولةٌ منذ الصغر وحتى الهَرَم على حب المال، قال رسول الله ﷺ : «يَكْبَرُ ابْنُ آدَمَ وَيَكْبَرُ مَعَهُ اثْنَانِ: حُبُّ المَالِ، وَطُولُ العُمُرِ» (٣). احذر أيها الموحد أن يختلط مالك بالحرام، قال رسول الله ﷺ : «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١] وَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢]

стр. 12

ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ، يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟» (١). وقال رسول الله ﷺ : «مَنْ أَخَذَ شِبْرًا مِنَ الأَرْضِ ظُلْمًا، فَإِنَّهُ يُطَوَّقُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ» (٢). إن آكل الحرام ملعون، قال رسول الله ﷺ : «لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ يَسْرِقُ البَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ، وَيَسْرِقُ الحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ» (٣). وقال ﷺ أيضًا: «لَعَنَ اللهُ آكِلَ الرِّبَا، وَمُوكِلَهُ، وَشَاهِدَيْهِ، وَكَاتِبَهُ» (٤). وقال ﷺ أيضًا: «لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الرَّاشِي وَالْمُرْتَشِي» (٥).

стр. 13

احذر عبد الله أن تنتهك حرمة مال امرئ مسلم، فإن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ، وَمَنْ أَخَذَهَا يُرِيدُ إِتْلَافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ» (١). إن آكل الحرام ناقص الإيمان فاقد للكمال الواجب، قال رسول الله ﷺ : «لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ الخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً، يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارَهُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ» (٢). واعلم يا من تعديت على مال المسلمين بغير حق أنك مؤديه يوم القيامة كما قال نبي الهدى محمد ﷺ : «لَتُؤَدُّنَّ الْحُقُوقَ إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، حَتَّى يُقَادَ لِلشَّاةِ الْجَلْحَاءِ، مِنَ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ» (٣). واعلم «أن كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعِرضه» (٤).

стр. 14

• أحذرك أيها الموفق منع حق الله في المال، فإن لله تعالى حقًّا أوجبه علينا في المال، والحقوق المالية على أربعة أقسام: أولها: حق بسبب بلوغ النصاب، وهو حق الزكاة. ثانيها: حق بسبب الكفارات، ككفارة اليمين. ثالثها: حق بسبب الضمان، كمن ضمن مالا لإنسان. رابعها: حق بسبب النسك، كدم النسك للمتمتع والقارن. إن كثيرًا من أغنياء المسلمين يمنعون الزكاة مستحقيها، والزكاة حق للفقير، فمن منع الفقير حقه كمن اغتصبه ماله، ولقد حذر ربنا في كتابه الكريم من هذا الصنف الذي لا يخرج زكاة ماله، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ٣٤ يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ ٣٥﴾ [التوبة]. وفي الحديث أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا، فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ مُثِّلَ لَهُ مَالُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ لَهُ زَبِيبَتَانِ يُطَوَّقُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، ثُمَّ يَأْخُذُ بِلِهْزِمَتَيْهِ - يَعْنِي بِشِدْقَيْهِ - ثُمَّ يَقُولُ أَنَا مَالُكَ أَنَا كَنْزُكَ» (١).

стр. 15

وفي حديث أبي ذر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ - أَوْ: وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ، أَوْ كَمَا حَلَفَ - مَا مِنْ رَجُلٍ تَكُونُ لَهُ إِبِلٌ، أَوْ بَقَرٌ، أَوْ غَنَمٌ، لَا يُؤَدِّي حَقَّهَا، إِلَّا أُتِيَ بِهَا يَوْمَ القِيَامَةِ، أَعْظَمَ مَا تَكُونُ وَأَسْمَنَهُ تَطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا، وَتَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا، كُلَّمَا جَازَتْ أُخْرَاهَا رُدَّتْ عَلَيْهِ أُولَاهَا، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ» (١). يا عبد الله؛ يا من أعطاك الله المال الكثير، كلما كثرت أموالك زاد مقدار زكاتك، وكلما كثرت زينها الشيطان لك، لا تقل: إن المال الواجب علي كثير، ما أقبحها والله من مقالة، هل قلت يومًا: أنا لا أستحق هذا المال الكثير؟! أيها الغني بما أعطاه الله، إنك في اختبار؛ فهل لك أن تفوز؟! أنفِق من مالك الذي ملكك الله إياه. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ٢٥٤﴾ [البقرة]. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ * وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ

стр. 16

مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المنافقون]. أخيرًا أيها المسلم؛ لتعلم أنك بين يدي الله مسئول عن مالك، مسئول عن مصدر كسبك، وكذلك مسئول عن جهات إنفاقك. • ١•

стр. 17

صور من الكسب الحرام

стр. 18

السرقة من الموبقات والمهلكات التي أوجب الله تعالى فيها الحد موبقة وكبيرة السرقة؛ سرقة أموال الناس سواء أكانت أموالًا عامة أم أموال خاصة، والسرقة تكون خُفية وخلسة فهي من الخيانة. قال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة]. وكان النبي ﷺ يبايع الناس على أن لا يسرقوا. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شيئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الممتحنة]. وعن عائذ الله بن عبد الله أن عبادة بن الصامت ﵁ كان شهد بدرًا، وهو أحد النقباء ليلة العقبة - أن رسول الله ﷺ قال وحوله عصابة من أصحابه: «بَايِعُونِي عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا،

стр. 19

وَلَا تَسْرِقُوا، وَلَا تَزْنُوا، وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ، وَلَا تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ، وَلَا تَعْصُوا فِي مَعْرُوفٍ، فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شيئًا فَعُوقِبَ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شيئًا ثُمَّ سَتَرَهُ اللَّهُ فَهُوَ إِلَى اللَّهِ، إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ» فَبَايَعْنَاهُ عَلَى ذَلِكَ» (١). • السارق ملعون: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ يَسْرِقُ البَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ، وَيَسْرِقُ الحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ» (٢). • السارقُ منفيٌّ عنه كمال الإيمان (٣): عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ الخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً، يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارَهُمْ، وَهُوَ مُؤْمِنٌ» (٤).

стр. 20

• السارق تُقطع يده: قال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة]. وعن عائشة ـ بسم الله الرحمن الرحيم ﵌ المحتويات ﵁ ﵂ ﵂ ﷺ ﷺ ﵃ ﷺ ﵁ أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّتْهُمُ المَرْأَةُ المَخْزُومِيَّةُ الَّتِي سَرَقَتْ، فَقَالُوا: مَنْ يُكَلِّمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلَّا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ فَكَلَّمَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ؟!» ثُمَّ قَامَ فَخَطَبَ، قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا ضَلَّ مَنْ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ الضَّعِيفُ فِيهِمْ أَقَامُوا عَلَيْهِ الحَدَّ، وَايْمُ اللَّهِ، لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ ﷺ ، سَرَقَتْ لَقَطَعَ مُحَمَّدٌ يَدَهَا» (١). وعن عبد الله بن عمر ﵄ أنه قال: قَطَعَ النَّبِيُّ ﷺ يَدَ سَارِقٍ فِي مِجَنٍّ ثَمَنُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ (٢). قال ابن كثير: وقد كان القطعُ معمولًا به في الجاهلية فقُرِّرَ في الإسلام وزيدت شروط أُخر (٣).

стр. 21

فحريٌّ بكل مسلم سلك طريق الاستقامة، أن يبتعد كل البعد عن هذه الجريمة النكراء جريمة السرقة؛ لِما تقدم ذكره من كتاب ربنا ومن سنة نبينا محمد ﷺ في شأنها، وما ذكر في هذا الباب قليلٌ، فلقد ورد في شأن هذه الكبيرة الكثير من الآيات البينات والأحاديث النبوية، ولكن عذرنا أن المقام هنا لا يستدعي الإطالة.

стр. 22

الرشوة (١) من جملة المال المحرم أَخْذ الرشوة، وهي ما يتعاطاه المسئول؛ ليقتطع حقًّا لإنسان ليس له، أو ليشفع في باطل، أو ليرفع عقوبةً عن رجلٍ قد استحقها، أو ليغض الطرفَ عن مخالفةٍ ارتُكبت. وقد انتشرت الرشوة في هذا الزمان، فقلما تجد دائرة من الدوائر تخلو المصلحة فيها من الرشوة، إلا من رحم ربي وعصم، وإلى الله المشتكى، فأصبح من المتعارف بين عدد من المسئولين إذا أردت أن تنجز شيئًا فعليك بالمال، ولا حول ولا قوة إلا بالله الكبير المتعال.

стр. 23

قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ١٨٨﴾ [البقرة]. وقال تعالى: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ [المائدة: ٤٢]. قال الحسن: تلك الحكام، سمعوا كذبة وأكلوا رشوة (١). وقال قتادة: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ كان هذا وحكام اليهود بين أيديكم، كانوا يسمعون الكذب ويقبلون الرشى (٢). قال مجاهد: ﴿أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ الرشوة في الحكم وهم اليهود (٣).

стр. 24

النبي ﷺ يلعن الراشي والمرتشي: عن عبد الله بن عمرو ﵁ قال: لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرَّاشِي وَالْمُرْتَشِي (١).

стр. 25

واشتد غضب النبي ﷺ على رجلٍ استعمله فقال: «وهذا أُهدي لي» كما في الصحيحين من حديث أبي حميد الساعدي، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَعْمَلَ عَامِلًا (١)، فَجَاءَهُ العَامِلُ حِينَ فَرَغَ مِنْ عَمَلِهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا لَكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ لِي. فَقَالَ لَهُ: «أَفَلَا قَعَدْتَ فِي بَيْتِ أَبِيكَ وَأُمِّكَ، فَنَظَرْتَ أَيُهْدَى لَكَ أَمْ لَا؟» ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَشِيَّةً بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَتَشَهَّدَ وَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، فَمَا بَالُ العَامِلِ نَسْتَعْمِلُهُ، فَيَأْتِينَا فَيَقُولُ:

стр. 26

هَذَا مِنْ عَمَلِكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ لِي، أَفَلَا قَعَدَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ فَنَظَرَ: هَلْ يُهْدَى لَهُ أَمْ لَا؟ فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا يَغُلُّ أَحَدُكُمْ مِنْهَا شيئًا إِلَّا جَاءَ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى عُنُقِهِ، إِنْ كَانَ بَعِيرًا جَاءَ بِهِ لَهُ رُغَاءٌ، وَإِنْ كَانَتْ بَقَرَةً جَاءَ بِهَا لَهَا خُوَارٌ، وَإِنْ كَانَتْ شَاةً جَاءَ بِهَا تَيْعَرُ، فَقَدْ بَلَّغْتُ» فَقَالَ أَبُو حُمَيْدٍ: ثُمَّ رَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ، حَتَّى إِنَّا لَنَنْظُرُ إِلَى عُفْرَةِ إِبْطَيْهِ (١) (٢). وقد ذكر البخاري ﵀ هذا الحديث مبوبًا له بباب تحريم هدايا العمال. وبوب له ابن خزيمة ﵀ بقوله: باب التغليظ في قبول المصدق الهدية ممن يتولى السعاية عليهم. وبوب له البيهقي بقوله: الهدية للوالي بسبب الولاية. وعلى هذا لا يجوز أبدًا لأي مسلم أن يتخذ الهدايا من الناس بسبب عمله ووظيفته؛ فهذا سحت، وليكن حاضرًا بباله دومًا قول رسول الله ﷺ : «فَهَلَّا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ أَوْ بَيْتِ أُمِّهِ، فَيَنْظُرَ يُهْدَى لَهُ أَمْ لَا؟» (٣).

стр. 27

هذا القول من النبي ﷺ يرد على كل متأول ومتفلسف تأويله وفلسفته، أقصد هؤلاء الذين يقولون: إنما هي هدايا بسبب المعرفة والصداقة. هذا؛ وليتق الله من حملوا أمانة المسؤولية، فلا يدخلوا بطونهم الحرام ورحم الله السلف الصالح إذ كانوا يتورعون عن هدايا الأمراء خشيةً منهم أن تكون قد اختلطت بما يقدم إلى الأمراء من الهدايا التي هي في نظرهم سحت. • الفرق بين الهدية والرشوة: ومما ينبغي أن يعلمه القاصي والداني في هذا الزمان الذي اختلطت فيه المسميات وسميت به الأشياء بغير اسمها (١) أن ثم فرقًا شاسعًا بين الهدية والرشوة: • فالهدية: ما يعطيه الأخ لأخيه على سبيل المحبة وتأليف القلوب وتوطيد العلاقات من باب قول رسول الله ﷺ : «تهادوا تحابوا» (٢).

стр. 28

• وأما الرشوة: فهي إنما تكون لجلب مصلحة أو لنيل شفاعة، وهذا محرم في دين الله رب العالمين. قال ابن القيم: والفرق بين الهدية والرشوة - وإن اشتبها في الصورة - القصد، فإن الراشي قصده بالرشوة التوصل إلى إبطال حق أو تحقيق باطل، فهذا الراشي الملعون على لسان رسول الله ﷺ فإن رشا لدفع الظلم عن نفسه اختص المرتشي وحده باللعنة. وأما المهدي فقَصْده استجلاب المودة والمعرفة والإحسان، فإن قصد المكافأة فهو معاوض وإن قصد الربح فهو مستكثر (١). ويرحم الله أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز إذ قال: كانت الهدية في زمن رسول الله ﷺ هدية واليوم رشوة.

стр. 29

وفي هذا الذي ذكرت عن ابن عبد العزيز قصة حكاها فرات بن سلمان قال: اشتهى عمر بن عبد العزيز التفاح، فبعث إلى بيته فلم يجدوا شيئًا يشترون له به، فركب وركبنا معه، فمر بِديْر فتلقاه غلمان للديرانيين معهم أطباق فيها تفاح، فوقف على طبق منها فتناول تفاحةً فشمها ثم أعادها إلى الطبق، ثم قال: ادخلوا ديركم، لا أعلمكم بعثتم إلى أحد من أصحابي بشيء. قال: فحركت بغلتي فلحقته، فقلت يا أمير المؤمنين اشتهيت التفاح فلم يجدوه لك فأهديَ لك فرددته!! قال: لا حاجة لي فيه. فقلت: ألم يكن رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر يقبلون الهدية؟ قال: إنها لأولئك هدية، وهي للعمال بعدهم رشوة (١). • الرشوة من دأب اليهود: قال الله تعالى في شأنهم: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ [المائدة: ٤٢]. قال قتادة: كان هذا في حكام اليهود بين أيديكم كانوا يسمعون الكذب ويقبلون الرُّشى (٢).

стр. 30

ورُويَ عن رسول الله ﷺ أنه كان يبعث عبد الله بن رواحة إلى يهود خيبر يخرص (١) الثمار، فجمعوا له حليًّا من حلي نسائهم فقالوا: هذا لك وخفف عنا وتجاوزْ في القسمة!! فقال: يا معشر اليهود، والله إنكم لمن أبغض خلق الله إليَّ، وما ذاك بحاملي أن أحيف عليكم، أما الذي عرضتم من الرشوة فإنه سحت، وإنا لا نأكلها!! قالوا: بهذا قامت السماوات والأرض (٢).

стр. 31

• أقسام الرشوة: ١ - رشوة محرمة على الراشي والمرتشي، مثل أن يدفع مالًا للقاضي ليقضي له، أو يدفع مالًا ليتولى منصب القضاء. ٢ - رشوة محرمة على الآخذ دون المعطي، مثل أن يدفع أموالًا للحاكم أو السلطان ليرفع عنه ضرًّا أو يجلب له حقًّا هو له. • أما القسم الأول: فلا خلاف بين أهل العلم على تحريمه وجعله من الكبائر. قال السرخسي الحنفي: فأما من تعين لذلك كالقضاة والولاة، فعليه التحرز عن القبول بالهدية خصوصًا ممن كان لا يهدى إليه قبل ذلك؛ لأنه من جوالب القضاء، وهو نوع من الرشوة والسحت. والأصل فيه ما روي أن النبي ﷺ استعمل ابن اللتبية على الصدقات فجاء بمال فقال: هذا لكم، وهذا مما أهدي إليَّ، فقال النبي ﷺ في خطبته: «ما بال قوم نستعملهم فيقدموا بمال، ويقولون هذا لكم، وهذا مما أهدي إليَّ فهل جلس أحدكم عند حمش أمه فينظر أيهدى إليه أم لا» (١).

стр. 32

واستعمل عمر ﵁ أبا هريرة ﵁ فقدم بمال فقال: من أين لك هذا؟ قال: تناتجت الخيول، وتلاحقت الهدايا. فقال: أي عدو الله هلا قعدت في بيتك فنظرت أيهدى إليك أم لا؟ وأخذ ذلك منه، وجعله في بيت المال (١).

стр. 33

فعرفنا أن قبول الهدية من الرشوة إذا كان بهذه الصفة، ومن جملة الأكل بالقضاء ومما يدخل به عليه التهمة، ويطمع فيه الناس، فليتحرز من ذلك إلا من ذي رحم، فقد كان التهادي بينهم قبل ذلك عادة، ولأنه من جوالب القرابة (١). قال المواق المالكي: لا ينبغي للقاضي أن يقبل الهدية من أحد ولا ممن كانت عادته بذلك قبل الولاية، ولا من قريب ولا من صديق ولا من غيرهم، وإن كافأ عليها بأضعافها، إلا مثل الوالد والولد وأشباههم من خاصة القرابة، التي تجمع من حرمة الخاصة ما هو أكثر من حرمة الهدية، قال ربيعة: إياك والهدية فإنها زريعة الرشوة (٢). قال الماوردي - الشافعي-: وأما هدايا دار الإسلام فتنقسم إلى ثلاثة أقسام: أحدهما: أن يهدي إليه من يستعين به إما على حق يستوفيه، وإما على ظلم يدفعه عنه، وإما على باطل يعينه عليه، فهذه هي الرشوة المحرمة .... ثم قال: لأن الهدية إن كانت على حق يقوم به فهو من لوازم نظره، ولا يجوز لمن لزمه القيام بحق أن يستعجل عليه كما لا

стр. 34

يجوز أن يستعجل على صلاته وصيامه، وإن كان على باطل يعين عليه، كان الاستعجال أعظم تحريمًا وأغلظ مأثمًا (١). قال المرداوي - الحنبلي-: قال أحمد فيمن ولى شيئًا من أمر السلطان: لا أحل له أن يقبل شيئًا يروى «هدايا الأمراء غلول» (٢)

стр. 35

والحاكم خاصة لا أحبه له إلا ممن كان له به خلطة ووصلة ومكافأة قبل أن يلي (١). • وأما القسم الثاني من أقسام الرشوة: فيجوزه العلماء للضرورة، وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. • مسائل متعلقة بالرشوة: • هل يجوز لرجل أن يدفع رشوة لرفع الظلم أو لأخذ حقه أو للدفاع عن نفسه وماله؟ • جوز العلماء في هذه الحالة أن يدفع المسلم المال ليرفع الظلم عن نفسه أو ليحافظ على ماله. واستدلوا على ذلك بما يلي: ١ - أن ابن مسعود لما أتى أرض الحبشة أَخَذ بشيء فتُعلق به فأعطى

стр. 36

دينارين حتى خُلي سبيله (١). ٢ - عن الحسن أنه كان لا يرى بأسًا أن يعطي الرجل من ماله ما يصون به عرضه (٢). ٣ - وعنه أيضًا أنه قال: لا بأس أن يصانع الرجل على نفسه وماله إذا خاف الظلم (٣). ٤ - عن جابر بن زيد: ما وجدنا في أيام زياد - أو ابن زياد - شيئًا هو أنفع من الرشا (٤) أي أنهم كانوا يفعلون ذلك استدفاعًا للشر عنهم.

стр. 37

قال ابن عابدين - الحنفي -: وأما دفع الرشوة لدفع الظلم فجائز وليس يصبح أحل حرامًا ولا بسحت إلا على من أكله (١). قال برهان الدين مازه - الحنفي-: « … أن يهدي الرجل إلى رجلٍ مالًا لأن ذلك الرجل قد خوفه فيهدى إليه مالًا ليدفع الخوف عن نفسه، أو يهدي إلى السلطان مالًا ليدفع ظلمه عن نفسه أو ماله، هذا نوع لا يحل للآخذ الأخذ وإذا أخذ يدخل تحت الوعيد المذكور في هذا الباب؛ لأنه يأخذ المال للكف عن التخويف والظلم، والكف عن التخويف والظلم واجب بحكم الإسلام، ولا يحل أخذ المال بمقابلة الواجب. • وهل يحل للمعطي الإعطاء؟ عامة المشايخ على أنه يحل؛ لأنه يجعل ماله وقاية لنفسه، أو يجعل بعض ماله وقاية للباقي، وكل ذلك جائز وموافق للشرع (٢). قال الخرشي - المالكي-: وأما دفع المال لإبطال الظلم فهو جائز للدافع حرام على الآخذ (٣). قال الماوردي - الشافعي-: فأما باذل الرشوة، فإن كانت

стр. 38

لاستخلاص حق أو لدفع ظلم، لم يحرم عليه بذلها كما لا يحرم افتداء الأسير بها (١). قال أبو الفرج بن قدامة المقدسي - الحنبلي-: وإن رشاه ليدفع ظلمه ويجزئه على واجبه فقال عطاء وجابر بن زيد والحسن: لا بأس أن يصانع عن نفسه (٢) (٣). • هل يجوز دفع الرشوة لمسئول في الدولة؛ لتوفير وظيفة مرموقة؟ لا يجوز قطعًا، وهذه المسألة لا تتنزل على من دفع رشوة لأخذ حقه، إنما الصورة التي يجوز فيها مثل هذا أن يقرر لك عمل بسبب تفوقك في الدراسة مثلًا، أو أن دُفعتك كلها صدر قرار بتعيينها ثم منعت منه، في هذه الحالة يحق لك أن تدفع المال مضطرًّا؛ لتحافظ على حقك، شريطة أن يكون دفع هذا المال هو الطريق الوحيد للحفاظ على الحق.

стр. 39

• هل يجوز دفع مال أو ما يقابله لعسكري المرور بغية الإعفاء من المخالفة؟ إن كان السائق قد ارتكب مخالفة فلا يجوز له أن يدفع مالًا للشرطي؛ لأن هذه رشوة واضحة، فعسكري المرور يقوم بعمله المكلف به من قِبل الدولة، أما إن كان الشرطي متعنتًا، فهذا أيضًا لا تسارع بإعطاءه المال من أول وهله؛ فهذا من قبيل التعاون على الإثم والعدوان، ويجب أن نتعاون جميعًا في إنكار هذا المنكر ومحاربة هذا الباطل، برفع أمره إلى قادته ومن هم فوقه، محتسبين الأجر عند الله، فإن نفذت كل السبل وعجزنا عن ردعه وكان أذاه واقعًا لا محالة، فحينئذٍ يجوز إعطاء المال له دفعًا للظلم، مع إنكارنا لذلك، والإثم عليه. • هل يجوز للطبيب أن يقبل هدايا شركات الأدوية؟ لا يجوز للطبيب أن يقبل هدايا شركات الأدوية؛ لأنه في منزلة العامل والشركات بمنزلة المستفيد من هذا العامل، بل يجب أن نسمي هذه الأشياء بمسماها الحقيقي، وهي أنها رشوة وليست هدية، ويقال لهذا الطبيب ما قاله رسول الله ﷺ لابن اللتبية: «هل جلست في بيت أبيك أو أمك فنظرت هل يهدي إليك أم لا» (١).

стр. 40

فلو أغلق هذا الطبيب عيادته واعتزل مهنة الطب، هل كانت شركات الأدوية ستهدي إليه؟ ثم إنه لا يشك عاقل أن شركات الأدوية لا تفعل ذلك إلا لاستمالة قلوب الأطباء الذي يقع ضحية لهم المرضى، فيضطر الطبيب إلى كتابة الأدوية الكثيرة لهم، والتي ربما تزيد على حاجتهم مما يرهقهم جسديًّا وماديًّا. • رجل فقير مريض يريد أن يعالج على نفقة الدولة، ولا يستطيع الوصول إلى ذلك إلا إذا دفع رشوة للموظف المباشر المكلف بهذا العمل، فهل هذا يحل له؟ إن كانت حالته موافقة للشروط التي وضعتها الدولة لمن تساعدهم على نفقتها، فيصبح ذلك حقًّا له، فإن تعذرت عليه السبل ولم يجد إلا هذا الباب، فله أن يدفع مضطرًّا والإثم على الآخذ. • أحد الأطباء أبرم اتفاقًا مع معمل للتحاليل، حاصله أن يرسل إلى المعمل المرضى وله نسبة، فما حكم هذا؟ هذا من باب الرشوة المحرمة، لا شك في ذلك، وهو داخل تحت الوعيد المذكور «لَعْنَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَى الرَّاشِي وَالْمُرْتَشِي» (١)، والطبيب ومن اتفق معه من إدارة المعمل على ذلك شريكان في الإثم، ويجب على كل من تورط في هذا أن يبادر بالتوبة إلى الله وأن يتخلص
следующие страницы →