← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 824

الإعلام بأحكام المال الحرام

منصور بن عبد الحميد النجار

Полный текст (332 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

دينارين حتى خُلي سبيله (١). ٢ - عن الحسن أنه كان لا يرى بأسًا أن يعطي الرجل من ماله ما يصون به عرضه (٢). ٣ - وعنه أيضًا أنه قال: لا بأس أن يصانع الرجل على نفسه وماله إذا خاف الظلم (٣). ٤ - عن جابر بن زيد: ما وجدنا في أيام زياد - أو ابن زياد - شيئًا هو أنفع من الرشا (٤) أي أنهم كانوا يفعلون ذلك استدفاعًا للشر عنهم.

стр. 37

قال ابن عابدين - الحنفي -: وأما دفع الرشوة لدفع الظلم فجائز وليس يصبح أحل حرامًا ولا بسحت إلا على من أكله (١). قال برهان الدين مازه - الحنفي-: « … أن يهدي الرجل إلى رجلٍ مالًا لأن ذلك الرجل قد خوفه فيهدى إليه مالًا ليدفع الخوف عن نفسه، أو يهدي إلى السلطان مالًا ليدفع ظلمه عن نفسه أو ماله، هذا نوع لا يحل للآخذ الأخذ وإذا أخذ يدخل تحت الوعيد المذكور في هذا الباب؛ لأنه يأخذ المال للكف عن التخويف والظلم، والكف عن التخويف والظلم واجب بحكم الإسلام، ولا يحل أخذ المال بمقابلة الواجب. • وهل يحل للمعطي الإعطاء؟ عامة المشايخ على أنه يحل؛ لأنه يجعل ماله وقاية لنفسه، أو يجعل بعض ماله وقاية للباقي، وكل ذلك جائز وموافق للشرع (٢). قال الخرشي - المالكي-: وأما دفع المال لإبطال الظلم فهو جائز للدافع حرام على الآخذ (٣). قال الماوردي - الشافعي-: فأما باذل الرشوة، فإن كانت

стр. 38

لاستخلاص حق أو لدفع ظلم، لم يحرم عليه بذلها كما لا يحرم افتداء الأسير بها (١). قال أبو الفرج بن قدامة المقدسي - الحنبلي-: وإن رشاه ليدفع ظلمه ويجزئه على واجبه فقال عطاء وجابر بن زيد والحسن: لا بأس أن يصانع عن نفسه (٢) (٣). • هل يجوز دفع الرشوة لمسئول في الدولة؛ لتوفير وظيفة مرموقة؟ لا يجوز قطعًا، وهذه المسألة لا تتنزل على من دفع رشوة لأخذ حقه، إنما الصورة التي يجوز فيها مثل هذا أن يقرر لك عمل بسبب تفوقك في الدراسة مثلًا، أو أن دُفعتك كلها صدر قرار بتعيينها ثم منعت منه، في هذه الحالة يحق لك أن تدفع المال مضطرًّا؛ لتحافظ على حقك، شريطة أن يكون دفع هذا المال هو الطريق الوحيد للحفاظ على الحق.

стр. 39

• هل يجوز دفع مال أو ما يقابله لعسكري المرور بغية الإعفاء من المخالفة؟ إن كان السائق قد ارتكب مخالفة فلا يجوز له أن يدفع مالًا للشرطي؛ لأن هذه رشوة واضحة، فعسكري المرور يقوم بعمله المكلف به من قِبل الدولة، أما إن كان الشرطي متعنتًا، فهذا أيضًا لا تسارع بإعطاءه المال من أول وهله؛ فهذا من قبيل التعاون على الإثم والعدوان، ويجب أن نتعاون جميعًا في إنكار هذا المنكر ومحاربة هذا الباطل، برفع أمره إلى قادته ومن هم فوقه، محتسبين الأجر عند الله، فإن نفذت كل السبل وعجزنا عن ردعه وكان أذاه واقعًا لا محالة، فحينئذٍ يجوز إعطاء المال له دفعًا للظلم، مع إنكارنا لذلك، والإثم عليه. • هل يجوز للطبيب أن يقبل هدايا شركات الأدوية؟ لا يجوز للطبيب أن يقبل هدايا شركات الأدوية؛ لأنه في منزلة العامل والشركات بمنزلة المستفيد من هذا العامل، بل يجب أن نسمي هذه الأشياء بمسماها الحقيقي، وهي أنها رشوة وليست هدية، ويقال لهذا الطبيب ما قاله رسول الله ﷺ لابن اللتبية: «هل جلست في بيت أبيك أو أمك فنظرت هل يهدي إليك أم لا» (١).

стр. 40

فلو أغلق هذا الطبيب عيادته واعتزل مهنة الطب، هل كانت شركات الأدوية ستهدي إليه؟ ثم إنه لا يشك عاقل أن شركات الأدوية لا تفعل ذلك إلا لاستمالة قلوب الأطباء الذي يقع ضحية لهم المرضى، فيضطر الطبيب إلى كتابة الأدوية الكثيرة لهم، والتي ربما تزيد على حاجتهم مما يرهقهم جسديًّا وماديًّا. • رجل فقير مريض يريد أن يعالج على نفقة الدولة، ولا يستطيع الوصول إلى ذلك إلا إذا دفع رشوة للموظف المباشر المكلف بهذا العمل، فهل هذا يحل له؟ إن كانت حالته موافقة للشروط التي وضعتها الدولة لمن تساعدهم على نفقتها، فيصبح ذلك حقًّا له، فإن تعذرت عليه السبل ولم يجد إلا هذا الباب، فله أن يدفع مضطرًّا والإثم على الآخذ. • أحد الأطباء أبرم اتفاقًا مع معمل للتحاليل، حاصله أن يرسل إلى المعمل المرضى وله نسبة، فما حكم هذا؟ هذا من باب الرشوة المحرمة، لا شك في ذلك، وهو داخل تحت الوعيد المذكور «لَعْنَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَى الرَّاشِي وَالْمُرْتَشِي» (١)، والطبيب ومن اتفق معه من إدارة المعمل على ذلك شريكان في الإثم، ويجب على كل من تورط في هذا أن يبادر بالتوبة إلى الله وأن يتخلص

стр. 41

من كل مال محرم حصله بهذا السبب. • رجل يريد أن يحج بيت الله الحرام عن طريق القرعة، فهل يجوز أن يقدم الرشوة لبعض المسئولين، ليضمنوا القائمة اسمه؟ لا يجوز، وهذا فعل محرم، ولا يستعان على طاعة الله بمعصيته؛ ولأن هذا ليس من حقه، فالحق لمن جاء اسمه عن طريق القرعة، وهو بهذا العمل سيرتكب جريمتين جريمة الرشوة، وجريمة الظلم إذ أنه سيحرم صاحب الحق من أخذ حقه. • ما حكم أجر مندوب الشركة الذي يقدم الهدايا للأطباء؟ مندوب الشركة الذي يقدم الهدايا للأطباء من أجل ترويج أدوية تلك الشركة دون غيرها يُعد رائشًا وهذا الوسيط بين الراشي والمرتشي (١). وعليه فراتبه محرم وينبغي أن يتخلص من هذا العمل ويتوب إلى الله.

стр. 42

بيع الخمور انتشر بيع الخمور في كثير من عواصم وحواضر البلدان الإسلامية، بل أصبحت محلات الخمور مرخصة، مما أدى إلى جعل هذا الأمر مألوفًا، ولا حول ولا قوة إلا بالله. فوجب علينا أن نُذكر الناس بما نَسوه أو تناسَوه من أن الخمر محرمة بالكتاب والسنة وإجماع المسلمين: قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ٩٠ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ٩١﴾ [المائدة]. وقال رسول الله ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الخَمْرِ، وَالمَيْتَةِ وَالخِنْزِيرِ وَالأَصْنَامِ» (١). وَعَنْ أَنَسٍ ﵁: كُنْتُ سَاقِيَ القَوْمِ فِي مَنْزِلِ أَبِي طَلْحَةَ، وَكَانَ

стр. 43

خَمْرُهُمْ يَوْمَئِذٍ الفَضِيخَ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُنَادِيًا يُنَادِي: «أَلَا إِنَّ الخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ» قَالَ: فَقَالَ لِي أَبُو طَلْحَةَ: اخْرُجْ فَأَهْرِقْهَا. فَخَرَجْتُ فَهَرَقْتُهَا، فَجَرَتْ فِي سِكَكِ المَدِينَةِ، فَقَالَ بَعْضُ القَوْمِ: قَدْ قُتِلَ قَوْمٌ وَهِيَ فِي بُطُونِهِمْ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة: ٩٣] الآيَةَ (١). وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ الخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ … » (٢). وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَر: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ شَرِبَ الخَمْرَ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ لَمْ يَتُبْ مِنْهَا، حُرِمَهَا فِي الآخِرَةِ» (٣). لذلك قال عثمان بن عفان ﵁: اجتنبوا الخمر فإنها أم الخبائث، إنه كان رجل ممن خلا قبلكم تعبَّد فعلقته امرأة غوية فأرسلت إليه جاريتها فقالت له: إنا ندعوك للشهادة. فانطلقَ مع جاريتها فطفقت كلما دخل بابًا أغلقته دونه حتى أفضى إلى امرأة وضيئة عندها غلام وباطية خمر، فقالت: إني والله ما دعوتك للشهادة ولكن دعوتك لتقع عليَّ أو تشرب من هذه الخمر كأسًا أو تقتل هذا

стр. 44

الغلام. قال: فاسقيني من هذه الخمر كأسًا. فسقته كأسًا قال: زيدوني. فلم يَرِم حتى وقع عليها وقتل النفس، فاجتنبوا الخمر فإنه والله لا يجتمع الإيمان وإدمان الخمر إلا ليوشك أن يُخرج أحدهما صَاحبه (١). أجمعت الأمة على تحريم بيع الخمر: قال القرطبي: أجمع المسلمون على تحريم بيع الخمر والدم (٢). قال ابن عبد البر: وهذا إجماع من المسلمين كافةً عن كافة أنه لا يحل لمسلم بيع الخمر ولا التجارة في الخمر (٣). قال النووي: فيه تحريم بيع الخمر وهو مجمع عليه (٤). قال ابن حجر: « … وفيه تحريم بيع الخمر وقد نقل ابن المنذر وغيره في ذلك الإجماع» (٥).

стр. 45

• مسألة: هل يجوز التداوي بالخمر؟ سبق بيان حرمة الخمر وحرمة بيعها، ولكن هل يجوز للمسلم أن يتعاطى الخمر للتداوي أو لا؟ (١) أقول وبالله التوفيق: اختلف العلماء في حكم التداوي بالخمر على قولين: الأول: لا يجوز، وهذا قول الأحناف والمالكية، والمعتمد عند الشافعية والحنابلة. الثاني: يجوز، وهذا وجه عند الحنفية وآخر عند الشافعية. • أدلة القائلين بعدم الجواز: أن طارق بن سويد الجعفي سأل النبي ﷺ عن الخمر فنهاه أو كره أن يصنعها، فقال: إنما أصنعها للدواء. فقال: «إنه ليس بدواء ولكنه داء» (٢). عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ الدَّاءَ وَالدَّوَاءَ، وَجَعَلَ لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءً، فَتَدَاوَوْا وَلَا تَدَاوَوْا

стр. 46

بِحَرَامٍ» (١). عن أبي هريرة ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ عن الدواء الخبيث (٢). معنى قوله: «الدواء الخبيث» قيل: النجس أو الحرام أو السم أو ما تنفر منه الطباع أو كريه المذاق (٣). عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حُرم عليكم (٤). • أدلة القائلين بالجواز: قول الله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾

стр. 47

[الأنعام: ١١٩] (١). وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ١٧٣﴾ [البقرة] • هذا الذي تقدم إجمالٌ وإليك نقل أقوال أهل العلم: قال شمس الأئمة السرخسي الحنفي: عن ابن مسعود ﵁ أن إنسانًا أتاه وفي بطنه صفراء فقال: وُصف لي السكر. فقال عبد الله: إن الله تعالى لم يجعل شفاءكم فيما حُرم عليكم (٢)، وبه نأخذ فنقول: كل شراب محرم فلا يباح شربه للتداوي حتى روي عن محمد أن رجلًا استأذنه في شرب الخمر للتداوي، قال: إن كان في بطنك صفراء، فعليك بماء السكر، وإن كان بك رطوبة فعليك بماء العسل فهو أنفع لك. ففي هذا إشارة أنه لا تتحقق الضرورة في الإصابة من الحرام، فإنه يوجد من جنسه ما يكون حلالًا والمقصود يحصل به، وقد دل عليه قول النبي ﷺ : «إن الله لم يجعل في رجس

стр. 48

شفاء» (١)، ولم يرد به نفي الشفاء أصلًا، فقد يشاهد ذلك، ولا يجوز أن يقع الخلف في خبر الشارع ﵊، ولكن المراد أنه لم يعين رجسًا للشفاء على وجه لا يوجد من الحلال ما يعمل عمله أو يكون أقوى منه (٢) (٣). قال الدسوقي المالكي في «حاشيته»: ولا يجوز التداوي بالخمر ولو تعين، وفي التداوي بغيره من النجاسات إذا تعين خلاف، وأجازوه للغصة كما قال الشارح لا لعطش لأنه يزيده (٤). قال الخرشي المالكي: اختلف العلماء في جواز التداوى بالنجس غير الخمر، وأما هو فلا يجوز التداوى به اتفاقًا ظاهرًا أو باطنًا (٥).

стр. 49

قال النووي الشافعي: وإن اضطر إلى شرب الخمر أو البول، شَرب البول لأن تحريم الخمر أغلظ ولهذا يتعلق به الحد فكان البول أولى، وإن اضطر إلى شرب الخمر وحدها ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه لا يجوز أن يشرب لما روت أم سلمة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَكُمْ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ» (١). والثاني: يجوز؛ لأنه يدفع به الضرر عن نفسه، فصار كما لو أُكره على شربها. الثالث: أنه إن اضطر إلى شربها للعطش لم يجز لأنها تزيد في الإلهاب والعطش، وإن اضطر إليها للتداوي جاز (٢). قال ابن قدامة الحنبلي: ولا يجوز التداوي بمحرم، ولا بشيء فيه محرم، مثل ألبان الأُتن، ولحم شيء من المحرمات، ولا شرب الخمر للتداوي به (٣).

стр. 50

قال أبو الفرج بن قدامة: ولا يجوز شربه (المسكر) للذة ولا للتداوي ولا للعطش ولا غيره إلا أن يضطر إليه لدفع لقمة غص بها فيجوز). وقال: لا يجوز شربه للذة لما ذكرنا ولا للتداوي بها لذلك، فإن فعل فعليه الحد، وقال أبو حنيفة يباح شربها للتداوي. وللشافعي وجهان كالمذهبين وله وجه ثالث يباح للتداوي دون العطش؛ لأنها حال ضرورة فأبيح فيها كدفع الغصة وسائر ما يضطر إليه، ولنا ما روى الإمام أحمد بسنده عن طارق بن سويد أنه سأل النبي ﷺ وقال: إنما أصنعها للدواء. فقال: «إنها ليس بدواء ولكنه داء» (١). وبإسناد عن مخارق أن النبي ﷺ دخل على أم سلمة وقد نبذت نبيذًا في جرة فخرج والنبيذ يهدر فقال: «ما هذا؟» فقالت: فلانة اشتكت بطنها فنقعت لها فدفعه برجله فكسره وقال: «إن الله لم يجعل فيما حرم عليكم شفاء» (٢) ولأنه محرم لعينه فلم يبح للتداوي كلحم الخنزير، وإن شربها للعطش وكانت ممزوجة بما يروي من العطش أبيحت لدفعه عند الضرورة كما تباح الميتة عند المخمصة (٣).

стр. 51

مما سبق يتبين لك أن جماهير أهل العلم على عدم جواز التداوي بالخمر خاصةً إذ إنها محرمة، ودلت الأدلة على كونها داء وليست دواء، وعلى هذا فلا يجوز بيعها ولا شراؤها بنية التداوي، هذا والله أعلى وأعلم. • إلى أصحاب محلات الخمور الذين يسمونها بغير اسمها: بوب الإمام البخاري بابًا سماه باب ما جاء فيمن يستحل الخمر ويسميه بغير اسمه، أورد فيه حديث النبي ﷺ : «لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الحِرَ وَالحَرِيرَ وَالخَمْرَ وَالمَعَازِفَ» (١). • شاربو الخمر يُضربون بالجريد والنعال: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ضَرَبَ فِي الخَمْرِ بِالْجَرِيدِ وَالنِّعَالِ، وَجَلَدَ أَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ (٢). عَنْ عَبْدِ اللهِ بن مسعود، قَالَ: كُنْتُ بِحِمْصَ فَقَالَ لِي بَعْضُ الْقَوْمِ: اقْرَأْ عَلَيْنَا. فَقَرَأْتُ عَلَيْهِمْ سُورَةَ يُوسُفَ. قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: وَاللهِ مَا هَكَذَا أُنْزِلَتْ. قَالَ: قُلْتُ: وَيْحَكَ، وَاللهِ لَقَدْ قَرَأْتُهَا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ لِي: «أَحْسَنْتَ» فَبَيْنَمَا أَنَا أُكَلِّمُهُ إِذْ وَجَدْتُ مِنْهُ رِيحَ الْخَمْرِ. قَالَ: فَقُلْتُ: أَتَشْرَبُ الْخَمْرَ وَتُكَذِّبُ بِالْكِتَابِ؟! لَا تَبْرَحُ

стр. 52

حَتَّى أَجْلِدَكَ!! قَالَ: فَجَلَدْتُهُ الْحَدَّ (١). عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ الْخَمْرَ، فَجَلَدَهُ بِجَرِيدَتَيْنِ نَحْوَ أَرْبَعِينَ، قَالَ: وَفَعَلَهُ أَبُو بَكْرٍ، فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ اسْتَشَارَ النَّاسَ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: أَخَفُّ الْحُدُودِ ثَمَانِينَ. فَأَمَرَ بِهِ عُمَرُ (٢). ومعنى أخف الحدود أي أقل الحدود اجعلها ثمانين، وهذا لأن الحد هنا حد تعزير ففيه فسحة لاختيار الإمام. • يحرم الدواء بالخمر فلا يحل بيعها بحال: عَنْ طَارِقَ بْنَ سُوَيْدٍ الْجُعْفِيَّ، أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الْخَمْرِ، فَنَهَاهُ - أَوْ كَرِهَ - أَنْ يَصْنَعَهَا، فَقَالَ: إِنَّمَا أَصْنَعُهَا لِلدَّوَاءِ، فَقَالَ: «إِنَّهُ لَيْسَ بِدَوَاءٍ، وَلَكِنَّهُ دَاءٌ» (٣). • فتوى ابن عباس في بيع الخمر: عَنْ يَحْيَى أَبِي عُمَرَ النَّخَعِيِّ، قَالَ: سَأَلَ قَوْمٌ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ بَيْعِ الْخَمْرِ وَشِرَائِهَا وَالتِّجَارَةِ فِيهَا، فَقَالَ: أَمُسْلِمُونَ أَنْتُمْ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ:

стр. 53

فَإِنَّهُ لَا يَصْلُحُ بَيْعُهَا، وَلَا شِرَاؤُهَا، وَلَا التِّجَارَةُ فِيهَا (١). • ثمن الخمر حرام: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الْخَمْرَ وَثَمَنَهَا، وَحَرَّمَ الْمَيْتَةَ وَثَمَنَهَا، وَحَرَّمَ الْخِنْزِيرَ وَثَمَنَهُ» (٢). عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضى الله عنه: أِنَّ رَجُلًا أَهْدَى لِرَسُولِ اللهِ ﷺ رَاوِيَةَ خَمْرٍ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «هَلْ عَلِمْتَ أَنَّ اللهَ قَدْ حَرَّمَهَا؟» قَالَ: لَا. فَسَارَّ إِنْسَانًا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «بِمَ سَارَرْتَهُ؟»، فَقَالَ: أَمَرْتُهُ بِبَيْعِهَا. فَقَالَ: «إِنَّ الَّذِي حَرَّمَ شُرْبَهَا حَرَّمَ بَيْعَهَا» قَالَ: فَفَتَحَ الْمَزَادَةَ حَتَّى ذَهَبَ مَا فِيهَا (٣). وأخيرًا: بائع الخمر إنما هو بائع للعصيان مجاهرٌ بذلك يُفسد الشبان، يتعاون مع الشيطان في غواية بني الإنسان، نسأل الله جل وعلا له الهداية والغفران، والله المستعان.

стр. 54

بيعُ المخدِّرات والمُفتِّرات من أبشع صور الاتجار المحرم الاتجار في المفترات والمسكرات كالأفيون والحشيش والبانجو والهيروين وغير ذلك مما اتُّخِذ سلاحًا للفتك بقوى وعقول أبناء هذه الأمة الذين هم سواعدها. مما هو معلوم أن الله إذا حرم شيئًا حرم ثمنه، وربنا حرم الخمر أشد التحريم؛ لذا استحق العقاب بائعها وشاربها، وكان بيعها وصنعها مُحَرَّمين. والعلماء يُشركون مع الخمر في الحكم أنواع المفترات الأخرى لاشتراك هذه الأنواع مع الخمر في نفس العلة من الضرر والإسكار وتغطية العقول، فهذه الأنواع المخدرة تحدث ما تحدثه الخمر من النشوة والطرب. قال الخطابي: المفتر كل شراب يورث الفتور والرخوة في الأعضاء، والخدَرَ في الأطراف، وهو مقدمة السكر ونهى عن شربه لئلا يكون ذريعة إلى السكر، وحكى العراقي وابن تيمية الإجماع على تحريم الحشيشة (١).

стр. 55

• الأدلة التي يُستدل بها في هذا الباب: عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ» (١). عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: بَعَثَنِي النَّبِيُّ ﷺ أَنَا وَمُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ إِلَى الْيَمَنِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ شَرَابًا يُصْنَعُ بِأَرْضِنَا يُقَالُ لَهُ الْمِزْرُ مِنَ الشَّعِيرِ، وَشَرَابٌ يُقَالُ لَهُ الْبِتْعُ مِنَ الْعَسَلِ، فَقَالَ: «كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ» (٢). عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، وَمَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الدُّنْيَا فَمَاتَ وَهُوَ يُدْمِنُهَا لَمْ يَتُبْ، لَمْ يَشْرَبْهَا فِي الْآخِرَةِ» (٣). عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، مَا أَسْكَرَ الفَرَقُ (٤) مِنْهُ فَمِلْءُ الكَفِّ مِنْهُ حَرَامٌ» (٥)، وفي رواية:

стр. 56

«الحَسْوَةُ مِنْهُ حَرَامٌ». قال ابن المنذر عقب ذكره هذا الخبر: وقد روينا هذا المعنى عن ابن عمر وابن عباس وعائشة، وبه قال مالك والشافعي وأحمد وأبو عبيد وأبو ثور (١). قال ابن عابدين الحنفي: مطلب في البنج والأفيون والحشيشة (قوله لكن دون حرمة الخمر) - أي حرام دون حرمة الخمر - لأن حرمة الخمر قطعية يُكفَّر منكرها بخلاف هذا (قوله: لا يُحد بل يعزَّر) أي بما دون الحد (٢). قال ابن نجيم الحنفي: وممن صرح بحرمة الحشيش والبنج والأفيون الحدادي في «الجوهرة في آخر الأشربة»، وصرح بتعزير آكله، ويشمل أيضًا من

стр. 57

غاب عقله بالبنج والأفيون (١). قال الحطاب المالكي - بعد ذكره لبعض أقوال علماء المذهب المقتضية بتجويز بيع البنج والأفيون: مقتضى ما تقدم بيع هذه الأشياء من الأفيون والبنج، والجوزة ونحوها، ولم أر فيها أيضًا صريحًا، والظاهر أن يقال في ذلك كما قال ابن رشد في المِذْرِ، على القول بحرمة أكله إن كان فيه منفعة غير الأكل جاز بيعه ممن يصرفه في غير الأكل، ويؤمن أن يبيعه من يأكله، وكذلك يقال في هذه الأشياء وفي سائر المعاجين المغيبة للعقل، تجوز بيع ذلك لمن لا يستعمل منه القدر المغيب للعقل ويؤمن أن يبيعه من يستعمل ذلك، والله أعلم (٢). قال الإمام النووي ـ الشافعي ـ: قال أصحابنا ﵏: إذا لم يعلم كون الشراب مسكرًا، أو كون الحواء مزيلًا للعقل، لم يحرم تناوله، ولا قضاء عليه - يقصد الصلاة - كالإغماء، فإن علم أن جنسه مسكر، وظن أن ذلك القدر لا يسكر، وجب القضاء لتقصيره، وتعاطيه الحرام، وأما ما يزيل العقل من غير الأشربة والأدوية، كالبنج وهذه الحشيشة المعروفة فحكمه

стр. 58

حكم الخمر في التحريم (١). قال المرداوي - الحنبلي -: قال الزركشي: ومما يلحق بالبنج: الحشيشة الخبيثة، وأبو العباس يرى أن حكمها حكم المسكر حتى في إيجاب الحد. قال: وهو الصحيح إن أسكرت قليلها أو كثيرها وإلا حرمت وعزر فيها فقط في الأظهر، ولو طهرت. قال: وفرَّق أبو العباس بينها وبين البنج، بأنها تُشتهى وتُطلب فهي كالخمر بخلاف البنج، فالحكم عنده منوط باشتهاء النفس لها وطلبها (٢). قال البهوتي - الحنبلي -: ولا يباح أكل الحشيشة المسكرة وتسمى حشيشة الفقراء؛ لعموم قوله ﷺ : «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ» (٣). ولا يباح كل ما فيه مضرة من السموم وغيرها لقول الله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]. قال شيخ الإسلام بن تيمية: وأما جماهير العلماء فعرفوا أن الذي أباحه هو الذي لا يسكر،

стр. 59

وهذا القول هو الصحيح في النص والقياس، وأما النص فللأحاديث الكثيرة فيه، وأما القياس فلأن جميع الأشربة المسكرة متساوية في كونها تسكر، والمفسدة الموجودة في هذا موجودة في هذا، والله تعالى لا يفرق بين المتماثلين بل التسوية بين هذا وهذا من العدل، والقياس الجلي، فتبين أن كل مسكر خمر حرام، والحشيشة المسكرة حرام، ومن استحل السكر منها فقد كفر، بل هي في أصح قولي العلماء نجسة كالخمر، فالخمر كالبول والحشيشة كالعذرة (١). • شبهة والرد عليها: يقول بعض الشباب المهتم بتجارة المخدرات: إن الله لم يحرم في كتابه إلا الخمر فقط وهي التي تُتخذ من العنب. يجاب عليه بما سبق من الأحاديث والتي فيها أن رسول الله ﷺ قال: «كل مسكر حرام» (٢)، ثم إن الخمر تطلق على كل ما خامر العقل، ففي الحديث أن عمر ﵁ قال على منبر النبي ﷺ : أما بعدُ أيها الناس، إنه نزل تحريم الخمر، وهي من خمسة: من العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير، والخمر ما خامر

стр. 60

العقل (١)، فانظر إلى قول عمر: (والخمر ما خامر العقل). قال الحافظ في «الفتح»: أي غطاه فلم يتركه على حال (٢). وعن ابن عمر رضى الله عنه قال: نزل تحريم الخمر، وإن بالمدينة يومئذٍ لخمسة أشربة ما فيها شراب العنب (٣). وَعَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ مِنَ الحِنْطَةِ خَمْرًا، وَمِنَ الشَّعِيرِ خَمْرًا، وَمِنَ التَّمْرِ خَمْرًا، وَمِنَ الزَّبِيبِ خَمْرًا، وَمِنَ العَسَلِ خَمْرًا» (٤) هذا لفظه عند ابن ماجه، وعند أبي داود بلفظ: «إِنَّ الْخَمْرَ مِنَ الْعَصِيرِ، وَالزَّبِيبِ، وَالتَّمْرِ، وَالْحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ، وَالذُّرَةِ، وَإِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ كُلِّ مُسْكِرٍ» (٥). فلا ينبغي بعد هذه النصوص الواضحة في تحريم كل مسكر مُفتر وفي كون الخمر المقصود بها كل ما غطى العقلَ المراء في هذا الأمر، وعلى هذا فكل هذه الأنواع المخدرة محرمة شرعًا، وما حرم في شرعنا حُرم علينا ثمنه كما قررنا ذلك في أكثر من موضع في هذا البحث

стр. 61

بالأدلة. فليتق الله جل وعلا من جعل التجارة في المخدرات وسيلةً للتكسب، فبئس هذا التكسب المحرم، نسأل الله جل وعلا أن يغنينا والمسلمين بالحلال الطيب. أتأمن أيها السكران جهلًا … بأن تفجأك في السكر المنية فتضحى عبرة للناس طرًّا … وتلقى الله من شر البرية

стр. 62

بيع أكياس الدم للمرضى وغيرهم أقول مستعينًا بالله: لا يجوز بيع الدم؛ لأنه محرم نجس بالإجماع، ولأن ربنا إذا حرم أكل شيء حرم ثمنه. والدليل على هذه القاعدة: ما ورد عن ابن عباس رضى الله عنه قال: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَالِسًا عِنْدَ الرُّكْنِ. قَالَ: فَرَفَعَ بَصَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَضَحِكَ، فَقَالَ: «لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ - ثَلَاثًا - إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْهِمُ الشُّحُومَ فَبَاعُوهَا وَأَكَلُوا أَثْمَانَهَا، وَإِنَّ اللَّهَ إِذَا حَرَّمَ عَلَى قَوْمٍ أَكْلَ شَيْءٍ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ ثَمَنَهُ» (١). كذلك ما ورد عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضى الله عنه أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ محمد ﷺ يَقُولُ عَامَ الفَتْحِ وَهُوَ بِمَكَّةَ: «إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الخَمْرِ وَالمَيْتَةِ وَالخِنْزِيرِ وَالأَصْنَامِ»، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ،

стр. 63

أَرَأَيْتَ شُحُومَ المَيْتَةِ، فَإِنَّهَا يُطْلَى بِهَا السُّفُنُ، وَيُدْهَنُ بِهَا الجُلُودُ، وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ؟ فَقَالَ: «لَا، هُوَ حَرَامٌ»، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ: «قَاتَلَ اللَّهُ اليَهُودَ، إِنَّ اللَّهَ لَمَّا حَرَّمَ شُحُومَهَا جَمَلُوهُ، ثُمَّ بَاعُوهُ، فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ» (١). • الدليل على كون الدم محرم: قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ١٧٢ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٢، ١٧٣]. وقال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾ [المائدة: ٣]. • الدليل على نجاسة الدم: قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥]. قال الطبري: وكان بعض أهل المعرفة بلغات العرب من الكوفيين يقول: الرجس والنجس لغتان، ويحكى عن العرب أنها

стр. 64

تقول: ما كان رجسًا، ولقد رجس رجاسة، ونجس نجاسة: وكان بعض نحويِّ البصريين يقول: الرجس والرجز سواء وهما العذاب. ثم قال: والصواب في ذلك من القول عندي ما قاله ابن عباس (١) ومن قال إن الرجس والنجس واحد (٢). وقال في موطن آخر: وقد بينا معنى الرجس فيما مضى من كتابنا هذا وأنه النجس والنتن (٣). قال القرطبي: «والدم» اتفق العلماء على أن الدم حرام نجس، لا يؤكل ولا يُنتفع به (٤). هذا ومما استدل به أهل العلم على عدم جواز بيع الدم حديث عون بن أبي جحيفة: نهى النبي ﷺ عن ثمن الكلب وثمن الدم (٥).

стр. 65

• وقد نقل غير واحد من أهل العلم الإجماع على عدم جواز بيع الدم: قال ابن حجر: والمراد تحريم بيع الدم كما حرم بيع الميتة والخنزير وهو حرام إجماعًا، أعني بيع الدم وأخذ ثمنه (١). قال ابن عبد البر: وجميع العلماء على تحريم بيع الدم والخمر (٢). قال أبو محمد بن قدامة المقدسي: لا يجوز بيع الدم ولا السرجين (٣) النجس؛ لأنه مجمعٌ على تحريمه ونجاسته، أشبه الميتة (٤). قال القرطبي: اتفق العلماء على أن الدم حرام نجس، لا يؤكل ولا يُنتفع به (٥). جاء في حاشية ابن عابدين: … والآدمي مكرم شرعًا وإن كان

стр. 66

كافرًا، فإيراد العقد عليه وابتذاله به وإلحاقه بالجمادات إذلال له. وهو غير جائز (١). وعلى هذا الذي قرأت من كلام الله ومن كلام نبينا محمد ﷺ ، وبعد هذا العرض لأقوال العلماء، لا يجوز لنا أن نتاجر في الدم. وما يفعله إخواننا في بعض البلاد من تجميع أكياس الدم من المتطوعين ثم بعد ذلك يقومون ببيعها مستغلين بذلك اضطرار المريض لذلك - هو أشد حرمة؛ لما فيه من جمع بين بيع الدم الذي تقرر حرمته وبين خيانة الأمانة إذ أن الذين تبرعوا بدمائهم لم يوافقوا على بيعه. وكما يحرم بيع الدم يحرم أيضًا شراؤه بالأجر؛ لأنه ما حرم بيعه حُرم شراؤه، ويستثنى من ذلك الضرورة، فقد يكون المريض في حالة حرجة ولا يجد من يتطوع وليس له سبيل إلا الشراء، فيشتري مكرهًا مضطرًّا ويكون الإثم في هذه الحالة على من باع لا على من اشترى. قال النووي: وكما يحرم أخذ الأجرة في هذا يحرم إعطاؤها، وإنما يباح الإعطاء دون الأخذ في موضع ضرورة (٢).

стр. 67

وأهيب بأخي المتطوع بالدم - جزاه الله خيرًا -، احذر رحمني الله وإياك أن تأخذ أي تعويض أو مكافأة على هذا التبرع، أو أن تتبرع بنية أن تنتفع بالفحوصات والتحاليل الطبية التي يقدمها القائمون على بنوك الدم، فدمك ليس ملكًا لك حتى تأخذ عليه عوضًا، إنما أنت كلك ملك لله ، فليكن عملك حسبة لوجه الله ، أسأل الله جل وعلا أن لا يحرمني وإياك الأجر والثواب. • نص فتوى المجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي: حُكْم أخذ العوض عن الدم، وبعبارة أخرى بيع الدم، فقد رأى المجلس أنه لا يجوز؛ لأنه من المحرمات المنصوص عليها في القرآن الكريم مع الميتة ولحم الخنزير، فلا يجوز بيعه وأخذ عوض عنه، وقد صح في الحديث: «إِنَّ اللَّهَ إِذَا حَرَّمَ شيئًا حَرَّمَ ثَمَنَهُ» (١)، وصح أنه ﷺ نهى عن بيع الدم (٢). ويستثنى من ذلك حالات الضرورة إليه للأغراض الطبية، ولا يوجد من يتبرع إلا بعوض، فإن الضرورات تبيح المحظورات بقدر ما تُرفع الضرورة، وعندئذٍ يحل للمشتري دفع العوض، ويكون الإثم على الآخذ، ولا مانع من إعطاء المال على سبيل الهبة أو المكافأة

стр. 68

تشجيعًا على القيام بهذا العمل الإنساني الخيري (١) لأنه يكون من باب التبرعات لا من باب المعاوضات (٢). • من فتاوى اللجنة الدائمة: سؤال: بنك الدم يمنح هدايا للمتبرعين بالدم هي عبارة عن سجادة صلاة، وميدالية أو غتر - شماغ - أو غيرهما، وأحيانًا ثلاثمائة ريال. أرجو إيضاح رأي الشرع المطهر في هذه الهدايا؟ ج: لا يجوز بيع الدم؛ لما في صحيح البخاري من حديث أبي جحيفة قال: رَأَيْتُ أَبِي اشْتَرَى حَجَّامًا، فَأَمَرَ بِمَحَاجِمِهِ، فَكُسِرَتْ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ قَالَ: «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الدَّمِ، وَثَمَنِ الكَلْبِ، وَكَسْبِ الأَمَةِ، وَلَعَنَ الوَاشِمَةَ وَالمُسْتَوْشِمَةَ، وَآكِلَ الرِّبَا، وَمُوكِلَهُ، وَلَعَنَ المُصَوِّرَ» (٣).

стр. 69

قال الحافظ في «الفتح»: المراد تحريم بيع الدم كما حرم بيع الميتة والخنزير وهو حرام إجماعًا، أعني بيع الدم وأخذ ثمنه. اهـ (١). وبالله التوفيق وصلِّ الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلِّم (٢).

стр. 70

الجوائز التجارية واليانصيب وكل ما هو داخل في الميسر (القمار) من السلوكيات المحرمة المنتشرة الآن طلب الحصول على المال بوسيلة تعتمد على المصادفة وما يسمونه بالحظ، وهي محاولة أخذ مال من إنسان يخاطر به، لا يدري هل يحصل له عوضه أم لا؟. لجأ التجار إلى هذه السلوكيات الخاطئة ترويجًا لبضائعهم، فتجد التاجر من هؤلاء مثلًا يعلن عن جائزة كبيرة لمن يشتري سلعته، يحصل عليها من خلال كوبون يجده ويدخل به السحب، أو لا يجده، وهو إما فائز بالجائزة، وإما غير فائز بها، فالمشتري يشتري السلعة، وربما لا تكون مفضلة عنده، يدفع فيها المال، وينتظر هل يكسب أم لا؟، وهذا يسمى قمارًا أو ياناصيب، فالمشتري للسلعة يُقدم عليها مخاطرًا بثمنها فهو لا يدري أيكسب أم يضيع عليه ثمن السلعة، وغالبًا ما تجد هؤلاء التجار يرفعون أثمان السلع لتوفير ثمن الجوائز من مجموع المشتركين ثم بعد ذلك لا يربح إلا فرد أو اثنين ويُحرم الآخرون وكلهم شارك. هنا المشتري يبذل ماله، بل يحاول مرة واثنان وأكثر رجاء تحصيل مجهول لا يدري أيتحصل عليه أم لا، ومما هو معلوم أن كل عقد معلق على خطر الحدوث من عدمه فهو غير جائزٍ شرعًا.

стр. 71

قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠]. وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١]. وقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩]. قال مجاهد: الميسر: القمار كله (١). عن طاوس - قال في القمار-: إنه من الميسر (٢). عن ابن عمر قال: الميسر: القمار (٣). عن حماد بن نجيح، قال: رأيت ابن سيرين مرَّ على غلمان يوم العيد في المربد وهم يتقامرون بالجوز، فقال: يا غلمان لا تقامروا فإن القمار من الميسر (٤).

стр. 72

قال ابن وهب: سألت مالكًا عن الميسر، ما هو؟ قال: كل ما قومر عليه فهو حرام (١). قال يحيى بن سلام: وإنما حُرم القمار وهو الميسر والخمر بعد غزوة الأحزاب (٢). وعلى هذا الذي ذكر مع قلته مقارنة بالكثرة من أقوال السلف في هذا الباب، فالميسر هو القمار، والقمار: كل شيء يبنى على المقامرة ولا تُعرف نتيجته من جوائز ومسابقات وغيرها. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ حَلَفَ فَقَالَ فِي حَلِفِهِ: وَاللَّاتِ وَالعُزَّى، فَلْيَقُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. وَمَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ: تَعَالَ أُقَامِرْكَ، فَلْيَتَصَدَّقْ» (٣). • من أقوال العلماء المعاصرين: قال الشيخ ابن جبرين ﵀: ومما يجب التنبيه عليه ما انتشر في هذه الأزمنة من وجود المسابقات في بعض المحلات التجارية، فتأخذ رقمًا يتم السحب عليه، ثم توزع الجوائز على أصحاب الأرقام الفائزة، وبعض

стр. 73

المحلات التجارية أو المصانع تضع بداخل سلعتها حروفًا لأسماء، أو أرقامًا معينة أو أجزاء من صورة ما، ثم يقولون: مَنْ جمع هذه الحروف وتكونت لديه كلمة كذا فإنه يربح، ثم بعد ذلك يحدد الفائز الأول والثاني، وهكذا، علمًا بأن المشتري لا يعلم ما بداخل السلعة، فيلزم فتحها حتى يعلم الحرف أو الرقم الذي بداخله، وهكذا يظل يشتري حتى تتكون لديه جميع الحروف والأرقام، وربما لا تجتمع لديه فيكون خاسرًا، وربما يشتري أكثر من قيمة الجائزة، وهذا كله حرام، وسحت، ومن الميسر المحرم (١). • فتوى العلامة ابن باز ﵀ بتاريخ ١٥/ ٧/ ١٤٠٢ هـ: قد لوحظ قيام بعض المؤسسات والمحلات التجارية بنشر إعلانات في الصحف وغيرها عن تقديم جوائز لمن يشتري من بضائعهم المعروضة مما يغري الناس بالشراء من هذا المحل دون غيره، أو يشتري سلعًا ليس له فيها حاجة طمعًا في الحصول على إحدى هذه الجوائز. وحيث إن هذا نوع من القمار المحرم شرعًا، والمؤدي إلى أكل أموال الناس بالباطل، ولما فيه من الإغراء والتسبب في ترويج سلعته، وإكساد سلع الآخرين المماثلة ممن لم يقامر مثل مقامرته؛ لذلك

стр. 74

أحببت تنبيه القراء على أن هذا العمل محرم، والجائزة التي تحصل من طريقه محرمة؛ لكونها من الميسر المحرم شرعًا وهو القمار (١). • فتوى اللجنة الدائمة قرار هيئة كبار العلماء برقم (١٦٢) بتاريخ ٢٦/ ٢/ ١٤١٠ هـ: حكم المسابقات التي تقيمها بعض الشركات وتعلن عنها في وسائل الإعلام لطلب الحصول على الأموال الكثيرة دون مقابل اعتمادًا على التغرير والخداع لعامة الناس، وقد رأى المجلس أن هذا من أكل أموال الناس بالباطل؛ لأن كل مشترك يدفع مبلغًا من المال مخاطرة، وهو لا يدري هل يحصل على مقابل أو لا، وأن هذا هو القمار، وأن جميع المسابقات التي من هذا النوع ميسر وهو محرم شرعًا، فعلى المسلمين الذين يدفعون قليلًا من المال للحصول على أكثر منه، وعلى هؤلاء الذين يلجأون إلى هذه الحيل المحرمة لترويج سلعهم وصحفهم وغيرها عليهم التوبة إلى الله تعالى والتزام الطريق المشروع للكسب وطلب الرزق (٢).

стр. 75

• اليانصيب: يلحق اليانصيب أيضًا بالميسر، فاليانصيب من صور القمار، فكل معاملة دائرة بين المكسب والخسران لا يدري فيها المتعامل أكان كاسبًا أم خاسرًا فهو يدفع ماله مخاطرة فهي محرمة.
следующие страницы →