بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مجلة البحوث والدراسات الشرعية
إصدار علمي متخصص جامعي محكم
إلى من يهمه الأمر
يرجى التكرم بالعلم بأن البحث المقدم من:
الدكتور / عرفة بن طنطاوي
عميد كلية أصول الدين والدراسات الإسلامية بجامعة خاتم المرسلين العالمية وأستاذ التفسير وعلوم القرآن للدراسات العليا بالجامعة الإسلامية والمعهد العالي للأئمة والخطباء بمنيسوتا والرئيس العام لمركز تأصيل علوم التنزيل للبحوث العلمية والدراسات القرآنية وعنوانه "الشفعة بين الجمع العثماني والأحرف السبعة".
قد ورد إلى هيئة الإصدار وخضع للتحكيم العلمي المتخصص وأجيز للنشر وبالله التوفيق والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
مؤسس الإصدار ورئيس التحرير
أ. د. عبد الفتاح محمود إدريس
رقم إيداع المجلة بدار الكتب: (١٨٦٢٠/ ٢٠١٢) - الترقيم الدولي الموحد لها: (ISSN. ٢٠٩٠ - ٩٩٩٣)
رابط موقع المجلة على الانترنت: journalofshareiarchandstudies.com
رابط معامل التأثير العربي للمجلة: journal impact factors-php.mht
جمهورية مصر العربية، القاهرة، مساكن مدينة نصر، رمز بريدي: ١١٣٧١. ص. ب: ٨١٣١
стр. 5
دِيْبَاجَةُ الكِتَابِ
الحمد لله الذي بدأ بحمد ذاتِه العليةِ قبل أن يَحْمَده حامدٌ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الذي له كل المحامدِ، الأحد الصّمَد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، أهل طاعته كلهم له عابدٌ، وهم له قانتون، ما بين قائمٍ وراكعٍ وساجدٍ، حيّ لا يموت؛ قيوم لا ينام، ذو الجلال والإكرام، والهبات الكبيرة العظام؛ تكلم بالقرآن، خلق الإنسانَ، علمه النطق والإفصاح والبيانَ، أنعم على عباده بالهدى والإيمان، فأرسل رسولَه محمدًا ﷺ لجميع الإنس والجان أجمعين، وأيده بالحجة والبرهان المتجددين مع تجدد الْمَلَوينِ، وتعاقب الجديدينِ (١)؛ أرسله بكتاب عربي واضح مبين، وجعله فارِقًا بين التوحيد والشرك، وبين الهدى والضلال، والظلمات والنور، والشك واليقين؛ أنزله في أوجزِ لفظٍ وأعجزَ أسلوبٍ، فأعيت بلاغَتُه البلغاءَ فأخرستهم مشاكلتُه، وأعجزت فصاحتُه الفصحاءَ فأعجزتهم معارضَتُه، وأبكمت حكمتُه الحكماءَ فأعْيَتهم مناقضتُه، وأذهلت روعتُه الخطباءَ فأعجزتهم محاكاتُه ومخاطبتُه، فلا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظَهِيرًا، كما قال ربنا في ذلك قولًا مبينًا: (قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا) (الإسراء: ٨٨).
جعل أمثاله لمن عَقِلها وتدبّرها عِبَرًا، وأوامره لمن اهتدى بها واستبصرها هُدًى ورشدًا؛ بَيَّنَ فيه ما أوجبه على عباده من العبادات والأحكامِ، وفرّق فيه بين ما اشتبه عليهم أمرُهُ، كما بَيَّنَ فيه معالم الحلال والحرامِ، وثنى فيه من المواعِظ والعبر والقصص ما تتعظ وتتذكر به سائر الأنامِ، ولينتفع به من شاء الله من عباده على مر العصور والأزمان والأيامِ، وضرب فيه الأمثال، وقصّ فيه غيبَ أخبارِ من سكن هذه الدارَ لأخذ الحَيْطةِ والاعتبارِ والاتعاظِ والادكارِ؛ فقال ربنا الواحدُ القهارُ: (مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ) (الأنعام: من آية: ٨٨).
سهل ألفاظه لعباده وخاطبهم به ليعقلوه، وبَيَّنَ لهم فيه مقاصدَهُ ومراميَهُ ليتعلموه،
فَقرأةُ كتابه هم حملتُهُ وهم حَفَظَةُ علمهِ المخزونِ، وقد جعله في كتاب مكنونٍ، لا يمسه إلا المطهرون المقربون. وجعل ورثةَ أنبيائه هم خلفاءه وأمناءه، وهم أهله وخاصّتُه وخِيرتُه وأصفياؤه وأولياؤه؛ كما قال رسوله ﷺ : إن لِلَّهِ أهلِين مِنّا قالوا: يا رسول الله، مَن هم؟ قال:» هم أهلُ القرآن أهلُ الله وخاصّتُه «(٢).
стр. 6
فَحُقَّ لمَن عَلَّمَهُ اللهُ كتابه أن يكون أولَ من ينتهي عن نواهيه، ويعتبر بعبرهِ وينزجرَ عما ورد فيهِ، ويخشى اللهَ ربَهُ ويتّقيهِ، ويراقبه في خلوته وجلوته ويُعَظِمَهُ ويستحييه. فإنه قد حُمِّل ميراثَ الأنبياءِ، وأصبح ممن يشهد في عرصات أرض المحشر على مخالفي الرسل من سائر أهل الملل الأشقياءِ؛ كما قال رب الأرض والسماء: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) (البقرة: ١٤٣).
ألا وإنّ حجةُ الله قائمةٌ على من عَلِمَهُ فأهملَهُ، وهى أشد منها على من جَهِلَهُ فلم يعه ويفهمَهُ، وكذلك هي أنكى على من أوتي القرآنَ فلم تقرعه زواجره ونواهيه، ولم يرتدع به ويَؤُوبُ إلى ربه فيأويه، ولم يرفع به رأسًا ولم ينتفع به فيهديه؛ وارتكب من الذنوب والمآثم كل قبيحٍ لا يحبه ربّه ولا يرتضيِهِ، ومن الجرائم كل فضوحٍ مما يؤلمه ويؤذيه؛ فأضحى ما حمله من القرآن حجةً عليه، وخَصْمًا له يوم الحساب لديه وبين يديه، كما قال رسول الله الذي هو أرأف وأرحم به من أبويه - صلوات الله وسلامه عليه-: "الْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ" (١).
فحُقَ لمَن خَصّه الله بعلم كتابه أن يقوم بحقه ويتلوَه حق تلاوته، ويتدبّر حقائق عبارته وآياته؛ ويتفهّم في عجائبه، ويتبيّن من غرائبه؛ وقد بيّن ربنا بقوله في آياته: (كِتَاب أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَك ليَدَّبَّرُوا ءَايَاتِهِ) (ص: ٢٩).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية (ت: ٧٢٥ هـ) ﵀ -:
" أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَالِمٌ لَمْ يَنْفَعْهُ اللَّهُ بِعِلْمِهِ؛ فَإِذَا عَلِمَ الْإِنْسَانُ الْحَقَّ وَأَبْغَضَهُ، وَعَادَاهُ: كَانَ مُسْتَحِقًّا مِنْ غَضَبِ اللَّهِ وَعِقَابِهِ مَا لَا يَسْتَحِقُّهُ مَنْ لَيْسَ كَذَلِكَ ". (٢)
وقال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀ -:
" فَهَذَا جَهله كَانَ خيرًا لَهُ، وأخفَ لعذابه من علمه، فَمَا زَاده الْعلم إِلَّا وبالًا وَعَذَابًا، وَهَذَا لَا مطمع فِي صَلَاحه، فَإِن التائه عَن الطَّرِيق يُرْجَى لَهُ الْعود إليها، إِذا أبصرها، فَإِذا عرفهَا وحاد عَنْهَا عمدًا؛ فَمَتَى ترجى هدايته؟ قَالَ تَعَالَى:
(كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (آل عمران: ٨٦) ". (٣)
стр. 7
وفي نحو ذلك يقول ابن رسلان الرَّمْلي الشافعي (ت: ٨٤٤ هـ) ﵀ -:
فعالمٌ بعلمِهِ لم يعمَلَنْ … مُعَذَّبٌ من قبلِ عُبَّادِ الوَثَنْ.
وكلُّ من بغير علم يعملُ … أعمالُه مَردودَةٌ لا تُقْبَلُ.
وقد قال ربنا قولًا جللًا: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ) (الصف: ٢ - ٣)
ثم جعل إلى رسوله ﷺ تفصيلَ ما ورد فيه إجمالٌ، وبيانَ ما ثبت فيه إشكالٌ،
وتحقيقَ ما ورد فيه احتمالٌ؛ وليتحقق له بذلك كمال بلاغه عن ربه، حيث أمره سبحانه بقوله: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ) (المائدة: ٦٧)
وقد وكلَّ اللهُ تفصيلَ المجملِ إليه، وبيانَ المشْكَلِ عليه، وتحقيقَ المحتملِ فيه إليه، فقال سبحانه وخطابه موجه إليه، صلوات ربي وسلامه عليه: (وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) (النحل: ٤٤).
جعلنا الله ممن يقوم بحقه خير قيام، فيتدبره ويُحُلُ منه الحلالَ ويحرم الحرامَ، ويقوم بقسطه على الكمالِ والتمامِ، ويوفي بشرطه ابتغاء مرضاة الملك العلامِ، ويهتدي بهداه، ولا يرتضي سواه، ويهتدي لأعلامه الظاهرةِ، ويستمسك بأحكامه القاطعة الباهرةِ، ليجمع اللهُ له به خيرَ الدنيا والآخرة، فهو سبحانه أهل التقوى وأهل المغفرةِ.
وقد جعل استنباطَ معانيهِ، والاجتهاد في الوصول إلى مقاصده ومراميِهِ، موكولًا لأهل الفهمِ فيه، فقال سبحانه: (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ) (النساء: ٨٣)
فهم بذلك عن غيرهم قد تميزوا، وخُصوا بثواب اجتهادهم مرتين إن أصابوا الحقَ وقد تفرسوا، وأعداء الملة منهم بذلك قد تغيظوا، وقد بشرهم بذلك من أمرهم أن يتعلموا ويتمرسوا: "إذا حكمَ الحاكمُ فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر". (١)
فكتاب الله أصل والسنة له تفصيل وتبيانٌ، واستنباط أهل العلم له شرح وإيضاح وبيانٌ.
فالحمد لله على كمال الدين وتمام النعمة، والحمد لله على شرعةٍ غراءَ وخيرِ ملةٍ، ونسأله سبحانه حسن العاقبة في الأمور كلها والوفاة على الإسلام والسنة. (٢)
стр. 8
وإنَّ القرآن الكريم هو خاتم الكتب المنزلةِ، وهو أجَلُها وأفضلُها وأعظمُها، وإنْ كانت كلها من عند الله إلا أنَّ القرآنَ جاء ناسِخًا لِهَا كلها ومُهَيمِنًا عليها، فأجلى الله به عن البصائرَ ما غشَّاها من تيهٍ وضلالٍ وعمى، وأخرج الله به البشريةَ من ظلمات الشرك إلى نور التوحيد، ومن جَهالة وضلال الجاهلية إلى شرف الانتماء للإسلام، وقطع الله به دابِرَ القوم الظالمينَ، وقد ضمَّنَه ﵎ جَميعَ ما يُصلِح حياةَ البشر في معاشها ومعادها، كما صانه سبحانه من التحريف والتبديل والتغيير، وتكفَّل سبحانه بِحِفظه بذاته العلية، فقال تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر: ٩)، وهو كتاب لا يأتيه الباطل من بين يدَيْه ولا من خلفه، ولا يعتريه أي نَّقص، ولا يشُوبُه أيُّ خطأ أو خللٍ، وجَلَّ الله أن يكون كلامُهُ كلام بشَرٍ كما زعم الْمُبطِلون، بل هو كلامُ الله تعالى حقيقةً- حرفًا وصوتًا ولفظًا ومعنىً-، كما قال تعالى: (إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ) (يسن: ٦٩)
قال الإمام الطحاوي ﵀:
" وإنّ القرآنَ كلام الله منه بدأ بلا كيفية قولاً، وأنزله على رسوله وحيًا، وصدقه المؤمنون على ذلك حقًّا، وأيقنوا أنه كلامُ الله تعالى بالحقيقة ليس بمخلوق ككلام البرية، فمن سمعه فزعم أنه كلامُ البشر فقد كفر وقد ذَمَّه الله وعَابَهُ وأوعده بسقر حيث قال تعالى: (سأُصلِيه سَقَر) (المدثر: ٢٦)، فلما أوْعَدَ بِسَقَر لمن قال (إنْ هذا إلا قول البشر) (المدثر: ٢٥) عَلِمْنَا وأيْقَنَّا أنَه قولُ خالقِ البَشَر ولا يُشْبِه قولَ البشر". (١)
فالقرآن الكريم ـ الذي هو كلامُ الله ووحيُه وتنزيلُهُ ـ غيرُ مخلوقٍ، مُعْجِزٌ في نَظْمِه، لا يُشْبِهُه شيءٌ مِن كلام المربوبينَ، ولا يَقْدِرُ على مِثْلِه أحَدٌ مِن المخلوقين، الذي في مَصاحِفِ المسلمين، لم يَفُتْ منه شيءٌ، ولم يَضِعْ بنسيانِ ناسٍ، ولا ضلالِ صحيفةٍ، ولا موتِ قارئ، ولا كتمانِ كاتمٍ، ولم
يُحرَّفْ منه شيءٌ، ولم يُزَدْ فيه حرفٌ، ولم يُنْقَصْ منه حرفٌ، كُلُّه حقٌّ مِن عندِ الله، ولو كذَّب به أعداءُ الرُّسُلِ (٢)
مِن الكُفَّار والمُشْرِكين والمُلْحِدين ومَن سارَ على نهجِهم مِن الفلاسفة وأهلِ الأهواء". (٣)
فما تقولون في فضل كتابٍ أنقذ الله به أمة من جاهلية جهلاءَ، وضلالة عمياءَ، دأبهم السلبُ والنهبُ، ومعبودهم الأوثانُ والحجارةُ، وديدنهم توارثُ العداواتِ والأحقادِ، لا تعرف من الحقَ رسمًا. نحلتها ما وجدت عليه آباءَها، وما استحسنته أسلافُها، من آراء منحرفةٍ، ونحل مخترعةٍ، وملل مبتدعةٍ، فأنزل الله عليهم هذا الكتابَ فأنقذهم منها به، وانتشلهم به من أوحالها.
стр. 9
ما تقولون في فضلِ كتابِ ختمَ الله به الكتبَ، وأنُزِل على نبي ختم به الأنبياء، وبدين ختمت به الأديانَ. (١)
ما تقولون في فضل كتاب فُتحت به أمصارٌ، وجثت عنده الركبُ، ونهل من منهله العلماءُ، وشرب من مشربه الأدباءُ، وخشعت لهيمنته الأبصارُ، وذلت له القلوبُ، وقام بتلاوته العابدون، والراكعون، والساجدون.
ذلكم القرآن الكريمُ: كليةُ الشريعةِ، وعمدةُ الملةِ، وينبوعُ الحكمةِ، وآيةُ الرسالةِ، ونورُ الأبصارِ والبصائرِ، فلا طريق إلى الله سواهُ، ولا نجاة بغيرهِ، ولا تمسك بشيء يخالفُهُ". (٢)
أما بعد
ملخص البحث
فهذا بحث لطيفٌ امتن به الربُ العليمُ الخبيرُ اللطيفُ على عبده الضعيفِ الفقيرِ في كل أحواله إليهِ، المستكينِ المتذللِ إليهِ، الظاهرِ ضعفُهُ بين يديهِ، المتوكلِ في جميع أمورهِ وشؤونهِ عليهِ، عامله الله بعفوه ورحمته وفضلهِ، فالخير كلُهُ منه وإليهِ، وقد سماه: "تمامِ الشفعةَ بين الجمعِ العثمانيِ والأحرفِ السبعةِ". ليصبحَ مسماه مطابقًا لما يحتويه بين دفتيهِ.
ولما كان المقصدُ الأولُ من هذا البحث هو "الجمعُ العثمانيُ وما إليه" (٣)، وكان ذكر الجمع في عهديه الأول والثاني كتقدمةٍ بين يدي المبحث الرئيسِ كمعولٍ عليه، ولكون الجمع في عهوده
الثلاثة مرتبطًا ارتباط الروحِ بالجسدِ لا ينفك بعضُه عن بعضٍ، وذلك ليحصل للباحثِ والناظرِ والمتأملِ الفهمُ الصحيحُ والتصورُ الكاملُ لمراحلِ الجمعِ من بدايةِ نزولِ الوحي إلى وقتِ جمعِ المصحفِ الإمامِ واجتماعِ الأمةِ عليهِ، وانتهاءً ببعث الصحف العثمانية إلى الأمصار، وتلقي أهلِ الأمصارِ لها بالقبولِ والشكرانِ لفعل الخليفة الراشد عثمانِ رضوان الله على سائر الصحب والآل وعليه.
стр. 10
وكان اختيارُ اسمِ تمامِ الشفعةِ الذي فيه معنى ضمِ حصةِ الشريكِ إلى شريكه (١)، ليصبحَ ضمُ الجمعِ الأولِ والثاني للجمعِ الثالثِ كالتقدمةِ بين يديهِ، فيشدُ كلُ واحدٍ منهما الآخرَ ويأخذُ بعضديهِ، وبذلك تتجلى صورةُ الجمعِ أمامَ أعينِ الناظرينَ متكاملةً كما تتجلى الشمسُ في وضوحها وضوئها وقتَ ضحاها، وكما يتجلى القمرُ البدرُ في طلعتهِ البهيةِ ليلةَ التمامِ إذا تلاها،
وكما يتجلى النهارُ في وضوحهِ فيجلي الظلمةَ ويكشفُ ما حواها، وكما يتجلى الليلُ بشمولهِ إذا يغشاها، فيظهرُ الجمعُ كأنهُ لؤلؤةٌ مصونةٌ في قصر مشيدٍ، وكأنه ريحانةٌ تهتزُ ليس لها مثال يحتز.
стр. 11
Research Summary
This is a concise research paper، which in reality، is a blessing from Allah upon His weak slave.I've named it "The correct combination between the Uthmaani compilation and the Seven Ahruf. "
Since the first and foremost objective behind this research paper was regarding the Uthmaani compilation، mentioning it at the beginning of the research paper serves as an introduction to the discussion of the compilation of the Quran.Also، all of the different compilations of the Quran are all very much inseparable.All of this so that the one studying will be able to completely and correctly understand the stages of the revelation until the compilation during the time of Uthmaan and the consensus of the Ummah regarding that.Also how copies of that Mushaf were sent to the different cities and their inhabitants being grateful and thankful for this action by the rightly guided caliph Uthmaan، May Allah be please with him and the rest of the companions and the family of the Prophet peace be upon him.
Choosing the name "ash-Shuf'a"، which carries the meaning of compiling/ joining portion which belongs to person with the portion of another، was done to express that the different compilations of the Quran all support one another and are intertwined.And so that the different stages and types of compilations of the Quran become crystal clear to the reader.
أملاه
العبد الضعيف الفقير إلى عفو ربه ومغفرته
عَرَفةُ بْنُ طَنْطَاوِيِّ
الرياض في: ٣/ ١/ ١٤٤٢ هـ
البريد: arafatantawy@hotmail.com
واتساب: ٠٠٩٦٦٥٠٣٧٢٢١٥٣
стр. 12
خطة البحث
وقد ضمَّن الباحثُ بحثَه خطة بحث مكونة من أربعة فصول، وكل فصل يندرج تحته عدد من المباحث، وكل مبحث يندرج تحته عدد من المطالب، وقد بيَّن فيه ما يلي:
أولًا: أهمية موضوع البحث
ثانيًا: أهم الدراسات السابقة وأبرزها
ثالثًا: أسباب ودواعي اختيار موضوع البحث
رابعًا: مشكلة البحث وأهدافه
خامسًا: منهج البحث
سادسًا: خاتمة البحث، وبيان أهم النتائج التي توصلت لها تلك الدراسة المختصرة.
سابعًا: مجموع الفهارس:
وخطة البحث تشتمل على أربعة فصول على النحو التالي:
الفصل الأول
جمع القرآن - مفهومه ومعناه
وفيه مبحثان
المبحث الأول: بيان مفهوم ومعنى الجمع
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: مفهوم الجمع في اللغة
المطلب الثاني: مفهوم الجمع في الاصطلاح
المبحث الثاني: حفظ الله تعالى لكتابه، وعناية الأمة بجمعه
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: جمعه بمعنى حفظه في الصدور
المطلب الثاني: جمعه بمعنى كتابته وتدوينه في السطور
الفصل الثاني
مراحل جمع القرآن في عهديه الأول والثاني، وبيان مزايا وخصائص كل مرحلة من المرحلتين، وذكر الفرق بينها.
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: المرحلة الأولى: الجمع في العهد النبوي
стр. 13
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: بواعثه وأسبابه ودواعيه
المطلب الثاني: أدوات الكتابة المستخدمة في هذا الجمع
المطلب الثالث: خصائصه ومزاياه
المبحث الثاني: المرحلة الثانية: الجمع في عهد أبي بكر الصديق- ﵁
ويشتمل على خمسة مطالب:
المطلب الأول: بواعثه وأسبابه ودواعيه
المطلب الثاني: خصائصه ومزاياه
المطلب الثالث: عرض ودراسة ومناقشة للتفاسير التي رُتِبَت على ترتيب النزول والرد عليها:
المطلب الرابع: بيان شروط جمع أبي بكر-﵁ والصفة التي تم بها
المطلب الخامس: تاريخ وزمن هذا الجمع وأبرز نتائجه
الفصل الثالث
المرحلة الثالثة من مراحل جمع القرآن الكريم: جمعه وتدوينه في عهد الخليفة الراشد عثمان بن عفان - رضى الله عنه-"المصاحف العثمانية"
وفيه خمسة مباحث:
المبحث الأول: المصحف العثماني
وفيه ستة مطالب:
المطلب الأول: التعريف به وبيان بواعث جمعه وأسبابه ودواعيه
المطلب الثاني: صفة جمعه وكيفيته وخطواته وتوقيته وزمنه
المطلب الثالث: أعضاء لجنة هذا الجمع، ودواعي اختيارهم، ومنهج جمعهم
المطلب الرابع: علاقة هذا الجمع بجمع أبي بكر- ﵁، وبيان الفرق بين الجمعين
المطلب الخامس: أبرز نتائج وفوائد هذا الجمع
المطلب السادس: الكلمات التي اختلف رسمها في المصاحف العثمانية
المبحث الثاني: انفاذ المصاحف العثمانية
وفيه خمسة مطالب:
المطلب الأول: عدد المصاحف المنسوخة التي كتبها عثمان ووجه بها إلى الأمصار
стр. 14
المطلب الثاني: طريقة عثمان-﵁ في إنفاذ المصاحف وبعثها إلى الأمصار وتعين القراء.
المطلب الثالث: مواقف الصحابة- ﵃ من المصاحف العثمانية
المطلب الرابع: الشبهات الواردة حول الجمع العثماني ودحضها
المطلب الخامس: تحريق المصاحف الأخرى غير المصحف الإمام وغير ما نسخ منه، وبيان دواعي ذلك
المبحث الثالث: قضايا مهمة حول المصاحف العثمانية ومصيرها
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: أهم نتائج جمع هذه المصاحف وفوائد جمعها
المطلب الثاني: وجود هذه المصاحف بين الناس في الزمن الحاضر
المطلب الثالث: ظهور طباعة المصحف العثماني وانتشاره في الآفاق في عصرنا الحاضر
المبحث الرابع: الرسم العثماني
وفيه خمسة مطالب
المطلب الأول: تعريف الرسم العثماني
المطلب الثاني: قواعد الرسم العثماني
المطلب الثالث: تطور الرسم العثماني
المطلب الرابع: الرسم العثماني توقيفي أم اصطلاحي؟
المطلب الخامس: موقف علماء الرافضة من المصاحف العثمانية
المبحث الخامس: المرحلة الرابعة لجمع القرآن الكريم:
وهي مرحلة الجمع الصوتي للقرآن الكريم، أي "تسجيله تسجيلًا صوتيًا"
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: فكرةُ هذا الجمع وظهور أول تسجيل للقرآن الكريم كاملًا
المطلب الثاني: ضوابط في تسجيل القرآن الكريم
المطلب الثالث: آفات ومعوقات في طريق التسجيل الصوتي للقرآن الكريم في عصرنا الحاضر
الفصل الرابع
الأحرف السبعة
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: التعريف بالأحرف السبعة
وفيه سبعة مطالب:
стр. 15
المطلب الأول: مفهوم الأحرف في اللغة
المطلب الثاني: مفهوم الأحرف السبعة في الاصطلاح
المطلب الثالث: أسباب ورود القرآن على سبعة أحرف
المطلب الرابع: الأحرف السبعة وعلاقتها بالقراءات
المطلب الخامس: ما المقصود من هذه الأحرف السبعة
المطلب السادس: مصير الأحرف السبعة
المطلب السابع: الفرق بين الأحرف السبعة والقراءات
المبحث الثاني: الجمع العثماني والأحرف السبعة
وفيه ستة مطالب:
المطلب الأول: علاقة الأحرف السبعة بمصحف أبي بكر ومصاحف عثمان ﵄
المطلب الثاني: علاقة الأحرف السبعة بالعرضة الأخيرة
المطلب الثالث: علاقة الأحرف السبعة بلغات العرب
المطلب الرابع: علاقة الأحرف السبعة برسم القرآن
المطلب الخامس: تلخيص المراد بالأحرف السبعة
المطلب السادس: موقف الرافضة من الأحرف السبعة
стр. 16
منهجية البحث
أولًا: أهمية موضوع البحث
يُعد جمع الخليفة عثمان بن عفان للقرآن الكريم هو الجمع الثاني في عهد الخلفاء الراشدين. عندما اتسعت الفتوحات الإسلامية انتشر الصحابة في البلاد المفتوحة يعلمون أهلها القرآن وعلوم الدين، وكان كل صحابي يُعلم طلابه بالحرف الذي تلقاه من الأحرف السبعة، فكان أهل الشام يقرأون بقراءة أبي بن كعب، فيقرأون بما لم يسمع أهل العراق، وكان أهل العراق يقرأون بقراءة عبد الله بن مسعود، فيقرأون بما لم يسمع أهل الشام، فيكفر بعضهم بعضًا. (١)
قال ابن الجزري (ت: ٨٣٣ هـ):
فنحن نقطع بأن كثير من الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يقرؤون بما خالف رسم المصحف العثماني قبل الإجماع عليه، من زيادة كلمة أو أكثر، وإبدال أخرى بأخرى، ونقص بعض الكلمات كما ثبت في الصحيحين وغيرها، ونحن اليوم نمنع من يقرأ بها في الصلاة وغيره منع تحريم لا منع كراهة، ولا إشكال في ذلك. ومن نظر أقوال الأولين علم حقيقة الأمر. (٢)
فكان ولابد من جمع الأمة على مصحف إمام جامع يجتمع عليه المسلمون في الأقطار.
يقول صاحب "تاريخ القرآن ":
والمراد بالمصحف العثماني مصحف عثمان بن عفان ﵁ الذي أمر بكتابته وجمعه وكانوا يسمونه "المصحف الإمام"، وسبب هذه التسمية "الإمام" هي مقولة عثمان ( … يا أصحاب محمد اجتمعوا فاكتبوا للناس إمامًا). (٣)
ولعل كلمة المصحف الإمام كانت تشمل جميع المصاحف التي كتبت بأمر عثمان ﵁ في أي مصر من الأمصار، وليس مصحف المدينة أو المصحف الخاص بالخليفة فحسب. (٤).
стр. 17
مما سبق بيانه تتجلى أهمية موضوع البحث وشدة الحاجة لمباحثته ومدارسته دراسة تأصلية.
ثانيًا: أهم الدراسات السابقة وأبرزها
لم يقف الباحث في حدود بحثه الضيق على بحث متأصل تناول جمع عثمان ﵁ ببحث علمي مستقل، ولكن جاء تناوله ضمن جمع القرآن في مراحله الثلاث في عدد من البحوث العلمية، ومن أبرزها ما يلي:
الدراسة الأولى: جمع القران في مراحله التاريخية من العصر النبوي إلى العصر الحديث ، تأليف: محمد شرعي أبو زيد، رسالة ماجستير، كلية الشريعة، جامعة الكويت، سنة النشر: ١٤١٩ هـ.
وصف البحث:
هذا البحث يُبرِز عناية المسلمين بحفظ القرآن من عهد النبوة إلى الآن، ويُؤكِّد أن نقل القرآن حظِيَ بأقصى درجات العناية من المسلمين، ويرُدُّ على شبهات الطاعِنِين من أعداء الإسلام على نقل القرآن الكريم، ولجودة البحث وحسن صياغته وجودة عرضه وسبك أسلوبه وقوة حجته قد أفاد منه الكثير من الباحثين ونهلوا منه.
الدراسة الثانية: جمع القرآن (دراسة تحليلية لمروياته) ، أصل الكتاب رسالة علمية، بكلية العلوم الإسلامية - جامعة بغداد، أشرف عليها الدكتور عمر محمود حسين السامرائي، ومؤلفها الباحث: أكرم عبد خليفة حمد الدليمي الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت الطبعة: الأولى، ١٤٢٧ هـ - ٢٠٠٦ م، عدد الأجزاء: ١.
وصف البحث:
وهو عبارة عن أطروحة علمية، قدمها الباحث لكلية العلوم الإسلامية، ولم يحدد المرحلة التي نال شهادتها بهذا البحث. وقد قسم الباحث هذا البحث إلى مقدمة وأربعة فصول وخاتمة.
وقد تناول بحثه في أربعة فصول، فتناول كتابة القرآن في عهوده الثلاثة، كل مرحلة في فصل مستقل، وقد تابع فيها كثيرًا ممن سبقه، ثم تناول فيه شبهات حول القرآن في الفصل الرابع.
والباحث في هذا البحث تراه ممسكًا من علمين بطرف، هما: علوم القرآن والحديث. لكنه أقرب إلى الحديث ودراسة الأسانيد منه إلى علوم القرآن. وقد جاءت دراسة أسانيده والحكم عليها وتخريجها مختصرة جدًا. وهذا يلحظه المتتبع لتلك المرويات.
стр. 18
وقد بذل الباحث وفقه الله جهد مشكورًا وطرق موضوعًا رائعًا جديرًا بالبحث حاول أعداء الدين التسلل من خلاله للنيل من كتاب الله ومحاولة التشكيك فيه، وقد وفق في عرض شبههم والجواب عنها بأجوبة قريبة يستوعبها كل من يطلع عليها. (١)
الدراسة الثالثة: جمع القرآن الكريم في عهد الخلفاء الراشدين ، عبد القيوم بن عبد الغفور السندي، الناشر: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف-المدينة النبوية، الطبعة: الأولى، سنة النشر: ١٤٢١ هـ، عدد المجلدات: ١.
وصف البحث:
لقد تناول الباحث الجمع في عهديه الثاني والثالث، ولم يتعرض للجمع في العهد النبوي مع أهميته ومكانته لأن بحثه جاء ضمن محاور ندوة خاصة عقدها مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة بعنوان: عناية المملكة العربية السعودية بالقرآن الكريم وعلومه، ولكون بحثه هو أحد محاور الندوة ..
وقد اشتمل بحثه على ثلاثة مباحث في مجلد واحد في حدود ٧٢ صفحة، وقد تناول في المبحث الأول: جمع أبي بكر ﵁، ثم تناول في المبحث الثاني: جمع عثمان ﵁، وأما المبحث الثالث فلم يسمه، وقد تناوله في مطلبين، أما المطلب الأول فتناول فيه الفروق المميزة بين الجمعين، وأما المطلب الثاني فقد تناول فيه الأحرف السبعة ومراعاتها في الجمعين.
وكان على الباحث وجوب مراعاة جوانب هامة والانتباه لها، ومن أبرزها ما يلي:
١ - التقدمة للجمع في العهد النبوي ولو في التمهيد لأنه الأساس الذي بنيت عليه مراحل الجمع كلها، ولارتباط الجمع في عهديه التاليين به ارتباطًا وثيقًا، غير إنه أشار إليه إشارة سريعة في سطرين فحسب.
٢ - الانتبهاه لما ذهب إليه أبو عمر الداني في"الأرجوزة المنبهة"إلى أن جبريل ﵇ كان يعارض النبي ﷺ كل عام بواحد من الحروف السبعة، حيث يقول:
وكان يعرض على جبريل … في كل عام جملة التنزيل
فكان يقريه في كل عرضة … بواحد من الحروف السبعة
حتى إذا كان بقرب الحين … عرضه عليه مرتين (٢)
стр. 19
وهذا التفصيل لا يصح وهو محل نظر عند أهل التحقيق وقد قال به غير واحد من أهل العلم غير الداني. وإذا تأملنا في زمن الاستزادة من الأحرف السبعة تحقق لدينا أن ذلك كان في المدينة قبيل وفاة النبي ﷺ بقرابة عام أو عامين اثنين، وقصة عمر وهشام بن حكيم في اختلاف قراءتيهما في سورة الفرقان خير شاهد، وذلك لأن هشامًا من مسلمة الفتح، وأن ذلك كان قُبيل انتقال النبي ﷺ للرفيق الأعلى بعامين على الأكثر، وكذلك ما وقع لأبي بن كعب مع ابن مسعود في سورة النحل. فكيف كان يعرض عليه جبريل في كل عام بحرف من الأحرف السبعة، وهي ولم تحصل الاستزادة منها ولم تنزل بعد! منها بعد- كذلك- وهذا خلف من القول من عَلَمٍ كأبي عمرو الداني، ولكن جل من لا يسهو.
٣ - الانتباه لكثرة النقول في البحث والتي غيبت وجود قلم الباحث في كثير من مواطن البحث.
وهناك بعض ملاحظات أخرى غير جوهرية، وهذه الملحوظات وغيرها لا تقل من قيمة البحث العلمية ولا من جهدالباحث الذي قد أجاد وأفاد فجزاه الله خيرًا.
الدراسة الرابعة: مواقف المستشرقين من جمع القرآن الكريم ورسمه وترتيبه عرض ونقد ، د. أبو بكر كافي، الناشر: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف-المدينة النبوية، نسخة منشورة (بي دي إف)
стр. 20
وصف الكتاب:
في هذا البحث الماتع يستعرض لنا الباحث -أبو بكر كافي- المواقف المشهورة عن كبار المستشرقين من مسألة جمع القرآن الكريم وتدوينه وترتيبه والمراحل التي مر بها، حيث أثار كثير من المستشرقين شبهات ومزاعم باطلة حول هذه المسألة، وفي هذا الكتاب يعرض لنا المؤلف هذه المزاعم والشبهات كما أنه يحلل لنا دوافعها وأهدافها ويتعقبها بالنقد والرد ليدحضها بشكل علمي وموضوعي مبينًا كم الأغاليط الموجودة فيها.
الدراسة الخامسة: جمع القرآن الكريم حفظا وكتابة ، أ. د. علي بن سليمان العبيد، الناشر: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف-المدينة النبوية، الطبعة: الأولى، سنة النشر: ١٤٢١ هـ، عدد المجلدات: ١.
وصف الكتاب:
لقد تناول الباحث الجمع في عهوده الثلاثة باختصار شديد في قرابة: ٧٣ صفحة، وقد تبع من سبقه، وقد جاء بحثه متميزًا بسهولة الأسلوب ووضوح العبارة، فجزى الله الباحث خيرًا، ولكنه لم يضف إلى بحثه جديد بحث.
الدراسة السادسة: جمع القرآن الكريم في عهد الخلفاء الراشدين ، أ. د. فهد بن عبد الرحمن بن سليمان الرومي، عدد الصفحات: ٤٢، مصدر الكتاب: موقع الإسلام.
وصف البحث:
هو بحث مختصر للغاية، غير إن صاحبه له رسوخ في تقديم مادة علمية مؤصلة وإن كانت موجزة.
مقارنة بين تلك البحوث وهذا البحث:
وبعقد مقارنة بين تلك البحوث وبين البحث الماثل بين ناظري القارئ الكريم يلاحظ ما يلي:
١ - كلها مختصرة جدًا، وهذا الاختصار قد لا يقاوم مكانة وقدر وعظم باب الجمع العثماني وذلك لما له من أهمية كبرى ولكثرة ما يتعلق به من مباحث رئيسة تلامس الموضوع من جميع جوانبه.
٢ - لم يتناول أي بحث منها الجمع العثماني من جميع جوانبه في حدود رؤية الباحث
٣ - لم يقف الباحث على بحث مستقل قد تناول الجمع العثماني بشمولية وتحقيق وتدقيق علمي بما فيه تلك الدراسات السابقة.
مما سبق ذكره باقتضاب يتبين ما تفرد به هذا البحث عن غيره وما تميز به، كما يتبين مسيس الحاجة لدراسات وتحقيقات علمية تتناول الجمع العثماني وكل ما يتعلق به من مباحث في بحث علمي واحد - مؤصل - يجمع ويلم شعثه وأصوله كلها.
стр. 21
ثالثًا: أسباب ودواعي اختيار موضوع البحث
إنما ترجع أسباب ودواعي وبواعث هذا الجمع لأمور كِبَارٍ عِظَامٍ للغاية تهم كل مسلم عمومًا، وكل باحث خصوصًا، كما ترمي تلك البواعث والدواعي لتنبيه المختصين والمهتمين بعلوم القرآن في كثيرًا من المباحث التي تناولها هذا البحث بالتحقيق والتدقيق بأسلوب علمي تأصيلي قد قصد منه تجلية بعض الحقائق العلمية المتعلقة بموضوع البحث، والتي من أبرزها ما يلي:
السبب الأول: جمع كل أطراف موضوع البحث في بحث علمي بين دفتي بحث واحد مستقل ، وهو ما لم يقف عليه الباحث في حدود علمه وبحثه الضيق، ذلك لأن الجمع العثماني لم يقف الباحث على دراسة له مستقلة قد جمعت كل ما يتعلق به من مباحث في بحث علمي مستقل، وكل ما وقف عليه إنما هو مدرج تحت مبحث جمع القرآن في مراحله الثلاث فحسب، ومع ذلك لم يقف أيضًا على شمولية دراسة هذا الجمع في أي منها، فأراد الباحث بهذا لم شمل كل متعلقات هذا المبحث الهام-الجمع العثماني- وكل ما يتعلق به في بحث علمي تأصيلي في مكان واحد، وقد سبق التنبيه على ذلك في ذيل الدراسات السابقة آنفًا.
السبب الثاني: بيان مراحل جمع القرآن في عهديه الأول والثاني ، وبيان مزايا وخصائص كل مرحلة من المرحلتين، وذكر الفرق بينها، وبيان الصفة والحالة التي تم بها الجمع في هاتين المرحلتين فيما يتعلق بموافقة كل منهما للعرضة الأخيرة الموافقة لما هو مثبت في اللوح المحفوظ، وأن الجمع في
المرحلتين كان موافقًا للترتيب المصحفي كما هو حال المصاحف التي في أيدي المسلمين الآن في كل أقطار الدنيا.
السبب الثالث: عرض ودراسة ومناقشة التفاسير التي رُتِبَت ترتيبًا نزوليًا لا ترتيبًا مصحفيًا والتي خالفت بعملها هذا ما استقر عليه الجمع في عهوده الثلاثة ، والتي تُعدُ بذلك العمل المشين مخالفة لعمل جماهير الصحابة ﵃ وما أجمعت عليه الأمة سلفًا وخلفًا وتلقاه عمومًا المسلمين بالقبول، والرد عليها بدوامغ الأدلة وواضحات البراهين.
السبب الرابع: تناول دراسة الجمع الثالث في عهد الخليفة الراشد عثمان بن عفان - رضى الله عنه وتدوينه في-"المصاحف العثمانية" مبينًا التعريف به وصفة جمعه ذاكرًا لأعضاء لجنة الجمع مبينًا دواعي اختيارهم، ثم معرجًا على علاقة هذا الجمع بالجمع البكري ثم مبينًا الفرق بين الجمعين، ثم تناول الكلمات التي اختلف رسمها في المصاحف العثمانية.
السبب الخامس: أراد الباحث التحقيق في ذكر عدد المصاحف المنسوخة التي كتبها عثمان ووجه بها إلى الأمصار ، وطريقته البديعة في بعثه بها إلى الأمصار، ومواقف الصحابة- ﵃ منها، ثم دحض الشبهات الواردة حولها، والكلام على دواعي تحريق المصاحف الأخرى، ثم
стр. 22
بيان أهم نتائج هذا الجمع، ثم الكلام عن وجود تلك المصاحف وانتشار طباعتها في الزمن الحاضر في مشارق الأرض ومغاربها.
السبب السادس: التحقيق والتدقيق في الكلام عن الرسم العثماني وما يتعلق بتعريفه ، وقواعد رسمه، وتطوره، وهل هو توقيفي أم اصطلاحي.
السبب السابع: بيان موقف علماء الرافضة من المصاحف العثمانية وكشف عوارهم ورد مطاعنهم في صدورهم وسهامهم في نحورهم.
السبب الثامن: مدارسة المرحلة الرابعة لجمع القرآن الكريم والتي هي مرحلة الجمع الصوتي للقرآن الكريم ، أي "تسجيله تسجيلًا صوتيًا"، وبيان فكرة هذا الجمع وظهور أول تسجيل للقرآن الكريم كاملًا، ووضع ضوابط وشروط محكمة لتسجيل القرآن، وذكر الآفات والمعوقات التي تقف سدًا منيعًا في طريق التسجيل الصوتي للقرآن الكريم في عصرنا الحاضر ومعالجتها بوضع بضوابط وحلول شرعية ممكنة ليتحقق بها الهدف المنشود.
السبب التاسع: تناول الأحرف السبعة بالمدارسة والبحث والتحقيق والتدقيق بتعريفها وبيان مفهومها في اللغة والاصطلاح ، وبيان أسباب ورود القرآن على سبعة أحرف، وبيان علاقتها بالقراءات وذكر الفرق بينهما، والمقصود منها، وذكر مصيرها، وبيان علاقتها بالجمع في عهديه الثاني والثالث وبالعرضة الأخيرة، وعلاقتها كذلك بكل من: لغات العرب ورسم القرآن، وذكر موقف الرافضة منها.
رابعًا: مشكلة البحث وأهدافه
إن من أبرز مشكلات البحث ما يلي:
١ - الجمع بين أطرافه المتشعبة بين دفتي رسالة واحدة جامعة شاملة لكل ما يتعلق بمبحث الجمع العثماني وعلاقته بالأحرف السبعة.
٢ - وجود مباحث هامة متعلقة بموضوع البحث الرئيس - بل هي من عصبه ولبه- تحتاج لتحقيق وتأصيل علمي لإثبات حقائقها الثابتة على الوجه الصحيح خلافًا لما هو منتشر وشائع في مصنفات علوم القرآن قديمًا وحديثًا، ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر ما يلي:
أ- شهود زيد بن ثابت ﵁ للعرضة الأخير، وهو محل نظر عند أهل التحقيق والتدقيق، وذلك لضعف الروايات الواردة فيها، أما الثابت بأسانيد ثابتة صحاح فهو: شهود عبد الله بن مسعود لها، وأما شهود زيد لها فمشتهر وذائع ومستفيض - فحسب-، ومع اشتهاره فالباحث لم يقف على إسناد ثابت صحيح يُعول عليه في شهوده للعرضة الأخيرة إلا ما أشيع في مصنفات علوم القرآن وبعض كتب التفسير.
стр. 23
ولذا قال البغوي (ت: ٥١٦ هـ) في " شرح السنة ":
يُقال إن زيد بن ثابت شهد العرضة الأخيرة، التي بُيِّن فيها ما نُسِخ وما بَقِي. (١) فرواها بصيغة التمريض "يُقال" ولم يصرح بشهوده لها.
ب- عرض جبريل القرآن كل عام من رمضان على النبي ﷺ بحرف من الأحرف السبعة، وقد قال بذلك غير واحد من الأعلام الكبار منهم أبو عمر الداني وقد أشار لذلك في الأرجوزة المنبهة بقوله:
وكان يعرض على جبريل … في كل عام جملة التنزيل
فكان يقريه في كل عرضة … بواحد من الحروف السبعة
حتى إذا كان بقرب الحين … عرضه عليه مرتين (٢).
ولا شك في أن هذا التفصيل لا يصح البتة، لأن زمن الاستزادة من الأحرف السبعة كان في المدينة قبيل وفاة النبي ﷺ بقرابة عام أو عامين اثنين على الأكثر، فكيف كان يعرض
عليه في كل عام بحرف من الأحرف السبعة! وهي لم تنزل بعد! وهذا خلف من القول من عَلَمٍ كأبي عمرو الداني، ولكن جل من لا يسهو.
وقد بسط الباحث القول في تحقيق هذه المسألة وغيرها في ثنايا البحث.
ج- الحاجة للتحقيق العلمي الرصين في قضية الأحرف السبعة وعلاقتها بالجمع في عهوده الثلاثة، وكذلك علاقتها بالعرضة الأخيرة، ومعالجة المطاعن الواردة على الأحرف السبعة.
د- مدارسة موضوع الأحرف السبعة وما يتعلق بها من مباحث بين دفتي هذا البحث وبيان العلاقة والرابط بينها وبين الجمع العثماني وصحف الأمصار التي أجمع عليها الصحابة ﵃ أجمعين، وتلقتها الأمة بالقبول وأجمع عليها السلف والخلف، وعليها عمل المسلمين لوقتنا الحاضر.
стр. 24
خامسًا: منهج البحث
لقد استخدم الباحث في بحثه عددًا من المناهج البحثية، والتي كان من أبينها ما يلي:
أ-المنهج التاريخي:
فتناول الباحث مراحل جمع القرآن في عهديه الأول والثاني وعرضهما عرضًا تاريخيًا مبينًا زمن وقوع كل جمع منهما وكان ذلك في الفصل الثاني، ثم عرج على تناول المرحلة الثالثة من مراحل جمع القرآن الكريم وتدوينه في عهد الخليفة الراشد عثمان بن عفان - رضى الله عنه- وعرضه عرضًا تاريخيًا - كذلك- مبينًا زمن وقوعه وكان ذلك في الفصل الثالث، ثم عرج على تناول مبحث الأحرف السبعة مبينًا الزمن الذي تمت الاستزادة منها ألا وهو آخر العهد النبوي وكان ذلك في الفصل الرابع.
ب-المنهج الوصفي التحليلي:
قام الباحث بعرض الجمع في عهود الثلاثة، ثم وصف كل مرحلة منها وصفًا تحليليًا مناسبًا لمقتضى الحال، فاختصر الوصف في المرحلتين الأوليين لأن ذكرهما غير مراد لذاته في البحث، ثم وصف المرحلة الثالثة من مراحل الجمع وصفًا تحليليًا دقيقًا للغاية وتوسع فيه توسعًا مطولًا لأنه لب البحث وموضوعه الرئيس.
هذا وقد عرض الباحث بحثه عرضًا تحليليًا مقسمًا على فصول أربعة، ثم قَوَّمَهُ تقويمًا تفصيليًا ولا سيما المبحث الرئيس ألا وهو الجمع العثماني وما يتعلق به من مباحث، وقد أحكم بحثه وأيده بالحجج والبراهين، ثم قام بعرض المخالفات والمطاعن الواردة عليه ونقد كل منها نقدًا علميًا بناءً، ثم خلص في نهاية بحثه إلى تحقيق أهدافه من صحة وسلامة القرآن وبقائه سليمًا محفوظًا من أي زيادة أو نقصان أو تغير أو تبديل إلى أن يُرْفَعَ في آخر الزمان تحقيقًا لوعد الله القائل في محكم آي التنزيل: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر: ٩).
стр. 25
الفصل الأول
جمع القرآن - مفهومه ومعناه
وفيه مبحثان
التمهيد
التعريف بالقرآن
أولًا: مفهوم القرآن في اللغة
القرآن (لغةً) مأخوذ من (قرأ) بمعنى: تلا، وهو مصدر مرادف للقراءة، وقد ورد بهذا المعنى في قوله تعالى: (إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ) (القيامة آيتا: ١٧ - ١٨) أي قراءته.
ومنه قول حسان بن ثابت (١) ﵁ يرثي ذا النورين عثمان بن عفان، ﵁.
ضَحّوا بأشمطَ عُنوانُ السجودِ به … يُقطّعُ الليلَ تسبيحًا وقرآنًا
(أي: قراءة). (٢)
قال ابن منظور في اللسان: (ت: ٧١١ هـ)
"قَرَأَهُ يَقْرَؤُهُ ويَقْرُؤُهُ، الأَخيرة عن الزجاج، قَرْءًا وقِراءَةً وقُرآنًا، الأُولى عن اللحياني، فهو مَقْرُوءٌ.
قال أَبو إِسحق النحوي: (ت: ٣١١ هـ)
يُسمى كلام اللّه تعالى الذي أَنزله على نبيه ﷺ ، كتابًا وقُرْآنًا وفُرْقًا، ومعنى القُرآن معنى الجمع، وسمي قُرْآنًا لأَنه يجمع السُّوَر، فيَضُمُّها. وقوله تعالى: (إنَّ علينا جَمْعه وقُرآنه) (القيامة: ١٧)، أَي: "جَمْعَه وقِراءَته"، (فإِذا قَرَأْنَاهُ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ) (القيامة: ١٨)، أَي قِراءَتَهُ.
قال ابن عباس ﵄: فإِذا بيَّنَّاه لك بالقراءَة، فاعْمَلْ بما بَيَّنَّاه لك". (٣)
وقال في اللسان أيضًا: "وقرأتَ الكتابَ قِراءةً وقرآن، ومنه سُمي القرآن …
стр. 26
وقال ابن الأثير: (١)
تكرَّر في الحديث ذكرُ القراءة والاقتراء والقارئ والقرآن، والأصل في هذه اللفظة الجمْعُ، وكلُّ شيء جمعْتَه فقد قرَأْتَه … " (٢)
و (القرآن) على وزن فعلان كغفران وشكران .. ، وهو مهموز كما في قراءة جمهور القراء، ويقرأ بالتخفيف (قران) كما في قراءة ابن كثير وحده. (٣)؛ وأما بقية السبعة فقرأوا بالهمزة.
وأصله من (القرء) بمعنى الجمع والضم، يقال: قرأت الماء في الحوض، بمعنى جمعته فيه، يقال: ما قرأت الناقة جنينًا، أي لم تضمَّ رحمها على ولد.
وسمى القرآن قرآنًا لأنه يجمع الآيات والسور ويضم بعضها إلى بعض). (٤)
ولقد أصبح -لفظة- (القرآن) علمًا شخصيًا على كلام الله تعالى، ومنه قوله تعالى: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) (الإسراء: ٩) (٥)
ثانيًا: مفهوم القرآن في الاصطلاح
"هو كلام الله تعالى المنزل على محمد- ﷺ للبيان والإعجاز، المجموع بين دفتي المصحف، المتعبد بتلاوته المنقول بالتواتر جيلًا بعد جيل" وحول هذا المعنى تدور تعريفات كثير من الأصوليين والفقهاء للقرآن الكريم. (٦)
стр. 27
وقيل: القرآن الكريم: هو كلام الله تعالى المعجز المنزّل على خاتم الأنبياء والمرسلين نبينا محمد ﷺ ، بواسطة أمين الوحي جبريل-﵇، المنقول إلينا بالتواتر،
المتعبد بتلاوته، المبدوء بسورة الفاتحة والمختتم بسورة الناس، والمتحدى بأقصر سورة منه. (١). والتعريفان متقربان ومتشابهان، إلا لم يتطابقًا لفظًا ومعنى.
بيان أهم مفردات التعريف ومحترزاتها:
(فالكلام) جنس في التعريف يشمل كل كلام. وإضافته إلى الله تعالى تخرج كلام غيره من الإنس والجن والملائكة. (والمنزّل) تخرج كلام الله تعالى الذي استأثر به ، كما قال تعالى: (قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَدًا) (الكهف: ١٠٩)
وقوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ) (لقمان: ٢٧)
وبقولنا " المنزل على محمد ﷺ " يخرج ما أنزل على الأنبياء من قبله مثل التوراة والإنجيل وغيرهما. وجملة (المتعبد بتلاوته) تخرج قراءات الآحاد والأحاديث القدسية،
إذا صح أنها منزلة من عند الله بألفاظها (٢)، لأن التعبد بتلاوته معناه الأمر بقراءته في الصلاة وغيرها، على وجه العبادة، وليست قراءة الآحاد والأحاديث القدسية كذلك (٣) .. والله تعالى أعلم
مراحل تنزل القرآن:
وقوله: " المنزل" يشمل ثلاثة تنزُّلاتٍ
التنزل الأول: ثُبُوتُه في اللوحِ المحفوظ
كما قال تعالى: (بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ) (البروج: ٢١ - ٢٢)، وإنزال القرآن الكريم إلى اللوح المحفوظ ليس خاصًا به ولا علمًا عليه وحده دون سواه مما أراد الله كتابته فيه، فاللوح المحفوظ يشتمل كل ما شاء الله تعالى وقدره وأراد كتابته فيه من: جميع الكتب المنزلة، وخلق
стр. 28
الخلائق وتقدير أعمالهم وأرزاقهم وآجالهم، وكل ما شاء الله أن يكون فيه مما أخبر الله به خلقه فعلموه، ومما استأثر الله بعلمه، وأخفاه عنهم فجهلوه.
التنزل الثاني: نزوله جملة واحدة الى بيت العزة في السماء الدنيا
كما قال تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ) (الدخان: ٣)، والليلة المباركة هي ليلة القدر، كما قال ربنا: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) (القدر: ١)، وذلك في شهر رمضان، كما قال تعالى: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ) (البقرة: ١٨٥)، وقد دلت الآيات على أن نزوله كان جملة واحدة في ليلة القدر.
التنزل الثالث: نزوله مُنجَّمًا
أي: (مُفرَّقًا حسب الوقائع والأحداث) قِطعًا قِطعًا في ثلاث وعشرين سنة، كان منها ثلاث عشرة سنة بمكة على القول الراجح، وعشر سنين بالمدينة، وجاء التصريح بنزوله مفرَّقًا في قوله تعالى: (وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا) (الإسراء: ١٠٦)
أي: جعلنا نزوله مفرقًا كي تقرأه على الناس على مهل وتثبت، ونزَّلناه تنزيلًا بحسب الوقائع والأحداث.
وقوله سبحانه: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا) (الفرقان: ٣٢)
ومما يؤكد تنزيله منجمًا كذلك قوله جل في علاه: (وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا) (الفرقان: ٣٣)، فدلت تلك الآية على أن هذا التحدي كان حال التنزيل، وذلك مما يؤكد تنزيله منجمًا.
وقولنا (المعجز بلفظه) قيدٌ في التعريف؛ لأن القرآن الكريم هو المعجزة الخالدة والباقية، والتحدي به باق إلى قيام الساعة، قال تعالى: (قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا) (الإسراء: ٨٨)
(المعجز) خرج به كذلك سائر المعجزات الحسية التي أيد الله تعالى بها، وقولنا
رسله وأنبيائه تصديقًا لهم في دعواهم.
стр. 29
يقول الدكتور/ محمد عبد الله دراز ﵀ -: (١)
"روعي في تسميته قرآنًا كونه متلوا بالألسن، كما روعي في تسميته كتابًا كونه مدونًا بالأقلام، فكلتا التسميتين من تسمية شيء بالمعنى الواقع عليه، وفي تسميته بهذين الاسمين إشارة إلى أن من حقه العناية بحفظه في موضعين لا في موضع واحد، أعني أنه يجب حفظه في الصدور والسطور جميعًا (أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى) (البقرة: ٢٨٢) (٢)، فلا ثقة لنا بحفظ حافظ حتى يوافق الرسم المجمع عليه من الأصحاب، المنقول إلينا جيلًا بعد جيل على هيئته التي وضع عليها أول مرة، ولا ثقة لنا بكتابة كاتب حتى يوافق ما هو عند الحفاظ بالإسناد الصحيح المتواتر". (٣)
خرج به كل ما سوى القرآن المتواتر، (المنقول بالتواتر) وقولنا من منسوخ التلاوة والقراءات الشاذة، وبقي ما قبله الصحابة رضوان الله عليهم، وأجمعوا على قرآنيته، واعترفوا وأقروا به، ألا وهو (الجمع العثماني للقرآن) الذي جمعه عثمان-﵁، والذي سمي بالمصحف الإمام.
والمُراد من أن القرآن منقول بالتواتر:
هو ما رواه جمع كثير غفير، يستحيل عقلًا تواطؤهم على الكذب عادة أو صدور ذلك منهم اتفاقًا، وذلك عن مثلهم في كل طبقة من طبقاته، من أول السند إلى منتهاه، وأن يكون مستند انتهائهم الحس السمعي (أي السمع بالتلقي المباشر مشافهة)، ويصحب خبرهم إفادة العلم بنفسه لسامعه.
стр. 30
والتواتر كذلك معناه إفادة العلم اليقيني المقطوع به دون الظني، وقد حصل العلم اليقيني بذلك، ونقل القرآن حتى وصل إلينا على صفة التواتر المذكورة آنفًا، وقد أفاد التواتر العلم اليقيني بلا ريب.
فقد تلقاه الصحابة-رضوان الله عليهم-، عن رسول الله ﷺ مُشافهةً، ثم تلقاه التابعون عن الصحابة مُشافهةً كذلك، ثم تلقاه تابعو التابعين مُشافهةً عنهم من بعدهم كذلك، ثم نُقِلَ إلى من بعدهم بنفس الطريقة كذلك، وهؤلاء جميعًا يُجزم بصدقهم في النَّقل، كما يُجزم
بدقتهم وتحريهم للضبط وكمال الإتقان، وهكذا في كل طبقة ممن يُنقل عنهم عمن قبلهم، مع استحالة تواطؤهم واتّفاقهم جميعًا على الكذب عادة.
والقرآن الكريم كما هو معلوم يُشترط في تلقيه وأخذه المشافهة عمن يؤديه، ومن المعلوم أن الأصل في تلقي القرآن النقل من الصدور إلى الصدور؛ وليس النقل من السطور إلى الصدور.
قال الإمام شمس الدين الذهبي ﵀: (ت: ٧٤٨ هـ)
"ليس من شرط التواتر أن يصل إلى كل الأمة، فعند القراء أشياء متواترة دون غيرهم، وعند الفقهاء مسائل متواترة عن أئمتهم لا يدريها القراء، وعند المحدثين أحاديث متواترة قد لا يكون سمعها الفقهاء، أو أفادتهم ظنًا فقط، وعند النحاة مسائل قطعية، وكذلك اللغويون ". (١)
قال النووي ﵀: (ت: ٦٧٦ هـ)
"قال أصحابنا وغيرهم: تجوز القراءة في الصلاة وغيرها بكل واحدة من القراءات السبع، ولا تجوز القراءة في الصلاة ولا غيرها بالقراءة الشاذة، لأنها ليست قرآنًا؛ فإن القرآن لا يثبت إلا
بالتواتر، وكل واحدة من السبع متواترة، هذا هو الصواب الذي لا يعدل عنه، ومن قال غيره فغالط أو جاهل ". (٢)
وقال الزرقاني ﵀:: (ت: ١٣٦٧ هـ)
"والتحقيق الذي يؤيده الدليل هو أن القراءات العشر كلها متواترة، وهو رأي المحققين من الأصوليين والقراء كابن السبكي وابن الجزري والنويري ". (٣)
стр. 31
قال ابن النجار الفتوحي ﵀ -: (١)
"وَالْقِرَاءاتُ السَّبْعُ مُتَوَاتِرَةٌ عِنْدَ الأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ الأَئِمَّةِ مِنْ عُلَمَاءِ السُّنَّةِ، نَقَلَهُ السَّرَخْسِيُّ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِي كِتَابِ الصَّوْمِ مِنْ "الْغَايَةِ"، وَقَالَ: قَالَتْ الْمُعْتَزِلَةُ: آحَاد". (٢)
والحقيقة أن تواتر القراءات كلها محل خلاف عند جمع من أهل العلم، وسيأتي معنا ذكر شروط صحة القراءة، وأن منها صحة السند، وقد اكتفى بعض أهل العلم بذيوع القراءة وانتشارها، وقيل: إن تعرض علماء السلف المتقدمين لقضية تواتر القراءات أمر غير مشتهر، وإن دعوى تواتر القراءات كلها أمر يحتاج لدليل قاطع وبرهان ساطع.
تعريف القرآن بين أهل السنة والأشاعرة:
-والقرآن هو: كلامُ الله تعالى "لفظًا ومعنى" والمراد بـ: كلامِ الله تعالى، هو الكلام اللفظي، وهو اختيار الفقهاء، وليس المُرادُ به الكلامَ النفسيَّ كما يقول المُتَكلِّمون والفلاسفة، تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا، فقد تكلم الله تعالى بالقرآن بحرف وصوت وسمعه جبريل ﵇ فنزل به على قلب النبي ﷺ فوعاه قلبه وبلغه له بحرف وصوت كما سمعه كما قال ربنا: (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ) (الشعراء: ١٩٣ - ١٩٥)، ومما يدل على أن القرآن كلام الله حقيقة قوله تعالى: (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى
تَكْلِيمًا) (النساء: ١٦٤)، وقوله تعالى: (وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ) (التوبة من آية: ٦). -
ثم يتابع ابن النجار الفتوحي ﵀ ويقول -:
"وَفِي أَحَادِيثَ أُخَرَ تَبْلُغُ نَحْوَ الثَّلاثِينَ وَارِدَةٌ فِي الْحَرْفِ وَالصَّوْتِ، بَعْضُهَا صِحَاحٌ وَبَعْضُهَا حِسَانٌ، وَيُحْتَجُّ بِهَا أَخْرَجَهَا الضِّيَاءُ الْمَقْدِسِيُّ وَغَيْرُهُ. وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ غَالِبَهَا، وَاحْتَجَّ بِهِا، وَأَخْرَجَ غَالِبَهَا أَيْضًا ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ، واحْتَجَّ بِهَا الْبُخَارِيُّ أَيْضًا وَغَيْرُهُ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ اللَّهَ يَتَكَلَّمُ بِحَرْفٍ وَصَوْتٍ. وَقَدْ صَحَّحُوا هَذِهِ الأَحَادِيثَ وَاعْتَقَدُوهَا مَعَ مَا فِيهَا، وَاعْتَمَدُوا عَلَيْهَا،
стр. 32
مُنَزِّهِينَ اللَّهَ عَمَّا لا يَلِيقُ بِجَلالِهِ مِنْ شُبُهَاتِ الْحُدُوثِ وَغَيْرِهَا، كَمَا قَالُوا فِي سَائِرِ الصِّفَاتِ. فَإِذَا رَأَيْنَا أَحَدًا مِنْ النَّاسِ مَا يُقَدَّرُ عُشْرَ مِعْشَارِ هَؤُلاءِ يَقُولُ لَمْ يَصِحَّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ حَدِيثٌ وَاحِدٌ أَنَّهُ تَكَلَّمَ بِصَوْتٍ. وَرَأَيْنَا هَؤُلاءِ الأَئِمَّةَ أَئِمَّةَ الإِسْلامِ الَّذِينَ اعْتَمَدَ أَهْلُ الإِسْلامِ عَلَى أَقْوَالِهِمْ وَعَمِلُوا بِهَا وَدَوَّنُوهَا وَدَانُوا اللَّهَ بِهَا صَرَّحُوا بِأَنَّ اللَّهَ تَكَلَّمَ بِحَرْفٍ وَصَوْتٍ لا يُشْبِهَانِ صَوْتَ مَخْلُوقٍ وَلا حَرْفَهُ بِوَجْهٍ أَلْبَتَّةَ. مُعْتَمَدِينَ عَلَى مَا صَحَّ عِنْدَهُمْ عَنْ صَاحِبِ الشَّرِيعَةِ الْمَعْصُومِ فِي أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ، الَّذِي لا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى، إنْ هُوَ إلاَّ وَحْيٌ يُوحَى- ﷺ ، مَعَ اعْتِقَادِهِمْ الْجَازِمِ بِهِ، الَّذِي لا يَعْتَرِيهِ شَكٌّ وَلا وَهْمٌ وَلا خَيَالٌ: نَفْيَ التَّشْبِيهِ وَالتَّمْثِيلِ وَالتَّعْطِيلِ وَالتَّكْيِيفِ، وَأَنَّهُمْ قَائِلُونَ فِي صِفَةِ الْكَلامِ كَمَا يَقُولُونَ فِي سَائِرِ الصِّفَاتِ لِلَّهِ تَعَالَى، مِنْ النُّزُولِ وَالاسْتِوَاءِ وَالْمَجِيءِ وَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَالْيَدِ وَالْقَدَمِ وَالْوَجْهِ وَالْعَيْنِ وَغَيْرِهَا، كَمَا قَالَهُ سَلَفُ الأُمَّةِ، مَعَ إثْبَاتِهِمْ لَهَا. فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إلاَّ الضَّلالُ، (وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ) (النور من آية: ٤٠) ". (١)
مفهوم لفظ الجلالة:
ولفظ الجلالة (الله) اسمُ عَلَمٍ على الذات الإلهية، لا يسمى به سواه سبحانه، ومن خصائص هذا الاسمِ الأعظمِ: أنه لم يُسَمَّ به أحدٌ غيرُ الله، وأنه أصلٌ لكلِّ الأسماء الحُسنى وإليه مَرْجِعُها؛ وهو المعبود بحقٍّ، وهو اسم غيرُ مُشْتقٍّ، وقيل: أنه مشتقٌّ من (وَلِهَ)؛ أيْ: تحيَّر، وقيل: من (أَلَهَ)؛ أيْ: تنسَّك وتعبَّد، فهو المأْلوهُ الذي تُؤلِّهه القلوبُ وتعبده، وتحبه، وتعظمه، وتبجله، وتجله، وتخافه، وترهبه، وترجوه، وتنيب إليه، وتستعينه، وتستغيثه، وتستعيذه، وتؤمن به وتتوكل عليه سبحانه؛ وقيل: من (لاه)؛ أي: تعالى وسما؛ منَ السُّمُوِّ والارتفاع.
ومن خصائص لفظ الجلالة (الله):
أنه اسم لا يَقبل تثنيةَ ولا جمعًا، والألفُ واللامُ فيه أصليَّتانِ من صلب الاسم الكريم العظيم، وهما ليستا ألف ولام التعريف؛ فكلُّ حرفٍ في لفظ الجلالة هو حرف أصليٌّ من بنية الكلمة؛ بحيث لو حُذف أي حرفٍ منها لتغيَّر المعنى؛ مثل كلمةِ التوحيد (لا إله إلا الله) فهي مركبة من
أربعةِ أجزاءٍ، فلا يُقال إلا "كلمة"؛ مثل قولِنا: كلمةُ التَّوحيد، والكلمة الطيبة؛ وذلك لأن كلَّ جزء منها أصلٌ لا يتجزأ ولا ينفرد فيها، وكذا كلُّ حرفٍ في لفظ الجلالة (الله)، ولذا لا يصحُّ ولا يُشرع التقرب والتعبدُ لله بالذكر المفرد بقول: "الله الله الله … "؛ كما يفعل أهل الوجد من المتصوفة، ومن على شاكلتهم من سائر المبتدعة، وإنما يكونُ الذكرُ بنحو قول: "لا إله إلا الله"، وهو أفضلُ الذكرِ؛
стр. 33
لِما ثبت من حديثِ جابر بن عبد الله ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((أَفْضَلُ الذِّكْرِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَفْضَلُ الدُّعَاءِ: الحَمْدُ لِلهِ)) (١)؛
ثم إنه لا يصحُّ ولا يليق أن ينادي العبدُ سيدَهُ ومولاه ويقولُ: "يا ألله" ثم لا يتبِع ذلك النداء بسؤال، أو دعاء، أو استغاثة، أو استعاذة، أو طلب حاجة.
وكلمة التوحيد هي أعظم وأجَلّ كلمة، فمن أجلها خُلقت الخليقةُ، وأُرسلت الرسلُ، وأُنزلت الكتبُ، وسلت سيوف في سبيل الله، فأُهْرِيقَت دماءٌ، وقطعت أشلاء، ويتم أطفال، ورمِّلت نساء، وهي العروة الوثقى التي من استمسك بها نجا، وهي الكلمة التي من قالها وعمل بمقتضاها فاز وربح، وهي كلمة التقوى وأساس الملة وركن الدين الركين وأساسه المتين، وهي الكلمة التي من
خُتِمَ له بها سعد السعادة الأبدية التي لا يرى بعدها شقاء أبدًا، وفضائلها وقدرها ومكانتها من الدين فوق وصف البلغاء وتعريف الفصحاء.
يقول ابن حجر الهيتمي ﵀: (ت: ٩٧٣ هـ)
"أفضل الأذكار التي لم يخصها الشارع بحال أو زمن القرآن، وبعده التهليل، لخبر:
(أفضل الذكر لا إله إلا الله) ". (٢)
ويقول المباركفوري ﵀: (ت: ١٤١٤ هـ)
"لأنها كلمة التوحيد، والتوحيد لا يماثله شيء، وهي الفارقة بين الكفر والإيمان، ولأنها أجمع للقلب مع الله، وأنفى للغير، وأشد تزكية للنفس، وتصفية للباطن، وتنقية للخاطر من خبث النفس، وأطرد للشيطان ". (٣)
ولذا فأهل السعادة في هذه الدار هم المكثرون من نطقها وتحقيقها نفيًا وإثباتًا، وهم الذين لا تفتر ألسنتهم عن ذكرها في كل أحوالهم وأوقاتهم، قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم، ليلًا ونهارًا، سرًا وجهارًا، حضرًا وسفرًا، صيامًا وإفطارًا، حجًا واعتمارًا، صحة وسقمًا. فنطقها وتحقيقها هو
شغلهم الشاغل مع عدد أنفاسهم، كل ذلك مع حضور قلوبهم وتدبر معانيها ومقاصدها ومراميها وما دلت عليه هذه الكلمة الطيبة العظيمة.
стр. 34
المبحث الأول: بيان مفهوم ومعنى الجمع
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: مفهوم الجمع في اللغة
الجَمْع: مصدر الفعل "جَمَع"، يقال: جمع الشيء يجمعه جمعًا.
قال الجوهري: (ت: ٣٩٣ هـ)
أجمعتُ الشيءَ: جعلته جميعًا، والمجموع: الذي جُمِعَ من هاهنا وهنا وإن لم يجعل كالشيء الواحد ". (١)
وقال الراغب الأصفهاني: (ت: ٥٠٢ هـ)
" الجمع: ضم الشيء بتقريب بعضِهِ من بعض، يقال: جمعته فاجتمع. (٢)
وقال ابن منظور: (ت: ٧١١ هـ)
" جَمَعَ الشيءَ عن كل تفرقة يجمعه جمعًا، واستجمع السيل: اجتمع من كل موضع، وجمعت الشيء: إذا جئت به من هنا وهنا، وتجمَّع القوم: اجتمعوا أيضًا من هنا وهنا ". (٣)
وقال الفيروز أبادي: (ت: ٨١٧ هـ) " الجمع: تأليف المُتَفَرِّق ". (٤)
المطلب الثاني: مفهوم الجمع في الاصطلاح
القرآن الكريم يطلق في علوم القرآن على معنيين:
أحدهما: جمعه بمعنى حفظه في الصدور عن ظهر قلب، ويدل له قوله تعالى: (إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ) (القيامة: ١٧) أي: جمعه في صدرك، وإثبات قراءته في لسانك (٥) وما جاء عن عبد الله بن عمرو ﵄ أنه قال: " جمعتُ القرآن فقرأته كلَّه في ليلة، فقال رسول الله ﷺ : إني أخشى أن يطول عليك الزمان، وأن تملَّ، فاقرأه في شهر، فقلت: دعني أستمتع من قوتي وشبابي قال: فاقرأه في عشرة، قلت: دعني أستمتع من قوتي وشبابي، قال: فاقرأه في سبع،
стр. 35
قلت: دعني أستمتع من قوتي وشبابي فأبى" (١) فمعنى قوله: جمعت القرآن أي: حفظته عن ظهر قلب.
ومنه قولهم: " جُمَّاع القرآن " أي: حُفَّاظه.
الثاني: جمعه بمعنى كتابته، ويدل له ما ورد في الحديث الذي أخرجه البخاري في قصة جمع القرآن الكريم في عهد أبي بكر الصديق ﵁ ومما ورد فيه: قول عمر بن الخطاب لأبي بكر- ﵄: " وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن ".
وقول أبي بكر الصديق لزيد بن ثابت ﵄: " فتتبع القرآن فاجمعه " أي: اكتبه كله.
وقول زيد بن ثابت- ﵁: " فتتبعت القرآن أجمعه من العسف واللخاف وصدور الرجال " (٢)
وإذا نظرنا إلى أشهر أسماء القرآن الكريم ، فإننا سنجد فيها اسمين يدلان على المعنيين:
الأول: القرآن
الثاني: الكتاب
ف الاسم الأول: "القرآن "
إشارة إلى جمعه عن طريق المعنى الأول، وهو الحفظ في الصدور. فالقرآن: لفظ مشتق من الفعل "قرأ" بمعنى تلا، فهو مرادف للقراءة، ودل على هذا قوله : (وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ) (طه: ١١٤) أي: لا تعجل بقراءة القرآن قبل أن ينتهي جبريل من قراءته. وقوله تعالى: (إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا) (الإسراء: ٧٨) أي: قراءة القرآن في هذا الوقت تشهدها الملائكة ويشهدون بها.
قال اللحياني (٣) وجماعة من أهل اللغة:
" قرآن: مصدر كغفران، سمي بـ "المقروء" أي المتلو، تسمية للمفعول بالمصدر، ومنه قوله تعالى: (إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ) (القيامة: ١٧، ١٨) أي: قراءته، والمراد: جبريل-﵇. ويقال: قرأ الرجل، إذا تلا، يقطع قرآنا وقراءة (٤)
стр. 36
و الاسم الثاني: "الكتاب ":
إشارة إلى جمعه عن طريق المعنى الثاني وهو الحفظ في السطور، فالكتاب في الأصل مصدر، ثم سمي المكتوب فيه كتابًا. (١)
قال علم الدين السخاوي: (ت: ٦٤٣ هـ) (٢)
" ومن أسمائه - أي القرآن - الكتاب، سمي بذلك، لأن الكَتْبَ الجمع يقال: كتب إذا جمع الحروف بعضها على بعض، وتكَتَّب بنو فلان، أي: اجتمعوا". (٣)
وحين يتحدث المؤلفون في علوم القرآن عن موضوع جمع القرآن الكريم فإن أغلبهم يطلق عبارة جمع القرآن الكريم في -عهوده الثلاثة- ويريدون بالجمع معاني مختلفة، فبتدبر الأمر وتتبع الروايات نجد أن لفظ الجمع حين يطلق في زمن النبي- ﷺ -يقصد به حفظه عن ظهر قلب وكتابته على الأدوات المتوفرة ذلك الوقت.
وحين يطلق في عهد أبي بكر الصديق-﵁ يقصد به كتابة القرآن الكريم في مصحف واحد مسلسل الآيات مرتب السور. وحين يطلق في عهد عثمان بن عفان ﵁ يقصد به نسخ المصحف الذي كتب في عهد أبي بكر-﵁ بمصاحف متعددة. وسنتناول هذه المراحل بالتفصيل في مواضعها بإذن الله تعالى (٤).
المبحث الثاني: حفظ الله تعالى لكتابه، وعناية الأمة بجمعه
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: جمعه بمعنى حفظه في الصدور
إن القرآن الكريم يطلق على معنيين اثنين:
المعنى الأول: يطلق على حفظه وتقييده في الصدور.
стр. 37
المعنى الثاني: يطلق على كتابته وتقيده في الصحف وحفظه في السطور.
والكلام هنا عن المعنى الأول من معاني حفظ القرآن، الذي هو حفظه وتقييده في الصدور.
أولًا: تكفُل الله تعالى بحفظ كتابه بذاته العلية
إن الله تعالى جلت قدرته قد أنزل القرآن الكريم -آخر كتبه -، على خاتم أنبيائه ورسله، وجعله مهيمنًا على الكتب السابقة كما قال جل ذكره: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عليه) (المائدة: ٤٨).
وقد توكل ربنا حفظه بذاته العلية، ولم يوكل ذلك لأحد من خلقه، لا لملك مقرب ولا لنبي مرسل، كما قال تعالى في محكم كتابه: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر: ٩).
قال الطبري ﵀: (ت: ٣١٠ هـ)
وإنا للقرآن لحافظون من أن يزاد فيه باطل ما ليس منه، أو ينقص منه ما هو منه من أحكامه وحدوده وفرائضه. (١)
وثبت عند مسلم منْ حديث عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ الْمُجَاشِعِيِّ (ت: ٥٠ هـ) (٢) ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ ذَاتَ يَوْمٍ فِي خُطْبَتِهِ: (أَلَا إِنَّ رَبِّي أَمَرَنِي أَنْ أُعَلِّمَكُمْ مَا
جَهِلْتُمْ مِمَّا عَلَّمَنِي يَوْمِي هَذَا: … إِنَّمَا بَعَثْتُكَ لِأَبْتَلِيَكَ وَأَبْتَلِيَ بِكَ، وَأَنْزَلْتُ عَلَيْكَ كِتَابًا لَا يَغْسِلُهُ الْمَاءُ، تَقْرَؤُهُ نَائِمًا وَيَقْظَانَ … ) (٣)
يقول أبو العباس القرطبي ﵀: (٤)
"فلو غُسِلَتِ المصاحفُ لما انغسل من الصدور، ولما ذهب من الوجود، ويشهد لذلك قوله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر: ٩) ". (٥)
стр. 38
ويقول النووي ﵀: (ت: ٦٧٦ هـ)
"قوله تعالى: (لا يغسله الماء) معناه: محفوظ في الصدور، لا يتطرق إليه الذهاب، بل يبقى على مر الأزمان ". (١)
ويقول الله تعالى في حق نبيه محمد ﷺ : (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ) (الحاقة: ٤٤ - ٤٧)
فإذا كان هذا الوعيد والتهديد الشديد قد ورد في حق خير الخلق وحبيب الحق، في حق وليه وصفيه وخليله وأمينه على وحيه ﷺ ، فكيف بمن دونه في الرتبة والمكانة والفضل والمنزلة؟! ومن هو؟ إنه نبيه وخاتم رسله ﷺ وخيرته من خلقه، وهو من هو في عصمته وأمانته في البلاغ عن ربه وأدائه لرسالته سبحانه، وحاشاه ﷺ -أن يتقول على ربه ولو بعض قول، وقد وصف الله تعالى أمانته في البلاغ عنه سبحانه في محكم كتابه جل في علاه بقوله: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) [النجم: آيتا: ٣ - ٤]، والمعنى المراد هنا: إن هذا الوعيد الشديد من باب أولى ينال من كان دون النبي- ﷺ فيما لو تقول على الله بعض القول!!.
قال ابن كثير - (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀:
يقول تعالى: (ولو تقول علينا) أي: محمد- ﷺ لو كان كما يزعمون مفتريًا علينا، فزاد في الرسالة أو نقص منها، أو قال شيئًا من عنده فنسبه إلينا، وليس كذلك، لعاجلناه بالعقوبة. (٢)
يقول البغوي (ت: ٥٦١ هـ) ﵀:
(فما منكم من أحد عنه حاجزين) أي: مانعين يحجزوننا عن عقوبته، والمعنى: أن محمدًا لا يتكلف الكذب لأجلكم مع علمه بأنه لو تكلفه لعاقبناه ولا يقدر أحد على دفع عقوبتنا عنه. (٣)
وهذه الآية الكريمة نظيرها في كتاب الله تعالى قوله تعالى لنبيه ﷺ : (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) [الزمر: ٦٥]، وإن كان الشرك والكفر في حقه - صلى الله
стр. 39
عليه وسلم- ممتنع عقلًا وشرعًا غاية الامتناع،؟ لأن الله عصمه جل في علاه، فهذا الوعيد والتهديد الشديد في حق من دونه أحق وأولى.
خطب الحجاج، فقال: إن ابن الزبير يبدل كلام الله تعالى،
قال: فقال ابن عمر ﵄: كذب الحجاج؛ إن ابن الزبير لا يبدل كلام الله تعالى ولا يستطيع ذلك. (١)
وهذا من فقهه- ﵁ وَسَعَة علمه بكتاب ربه جل في علاه.
وقال تعالى عن التوراة وهو من الكتب السابقة المنزلة، وقد أنزله على نبيه موسى بن عمران-﵇: (إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ) (المائدة: من آية: ٤٤)
والضمير في قوله: (استحفظوا) يعود على علمائهم وقرائهم وفقهائهم، وهذا القول، أعني عود الضمير في (استحفظوا)، لا أعلم له خلافًا بين أهل التفسير، وهو واضح جلي.
يقول ابن كثير ﵀:
أي: بما استودعوا من كتاب الله الذي أمروا أن يظهروه ويعملوا به. (٢)
"ومن لطائف القاضي إسماعيل بن إسحاق بن حماد ماحكاه عياض في المدارك عن أبي الحسن بن المنتاب قال: كنت عند إسماعيل يومًا فَسُئِل: لما جاز التبديل على أهل التوراة ولم يجز التبديل
على أهل القرآن؟. فقال لأن الله تعالى قال في أهل التوراة (بما استحفظوا من كتاب الله) فوكل الحفظ إليهم، وقال في القرآن (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) فتعهد الله بحفظه فلم يجز التبديل على أهل القرآن.
قال: فذكرت ذلك للمحاملي فقال لا أحسن من هذا الكلام". (٣)
وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) (فصلت: ٤١ - ٤٢)
يقول الطبري ﵀:
стр. 40
قول: (وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ) يقول تعالى ذكره: وإن هذا الذكر لكتاب عزيز بإعزاز الله إياه، وحفظه من كل من أراد له تبديلًا أو تحريفًا أو تغييرًا، من إنسي وجني وشيطان مارد. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. (لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ) معناه: لا يستطيع ذو باطل تغييره بكيده، وتبديل شيء من معانيه عما هو به، وذلك هو الإتيان من بين يديه، ولا إلحاق ما ليس منه فيه، وذلك إتيانه من خلفه.
عن قتادة: الباطل: إبليس، لا يستطيع أن ينقص منه حقًا، ولا يزيد فيه باطلًا. (١)
ويقول ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀:
يقول تعالى آمرًا رسوله ﵊ بتلاوة كتابه العزيز وإبلاغه إلى الناس. (لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ) أي: لا مغير لها، ولا محرِّف، ولا مؤوّل. (٢)
ويقول سبحانه: (ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ) (البقرة: ٢)
و (لا ريب فيه) أي: لاشك فيه، وبهذا ينفي الله تعالى عن كتابه الكريم كل ريب وكل شك، وإن من أعظم الريب المنفي في الآية دخول التحريف والتغير والتبديل إليه، سواء كان ذلك بالزيادة أو النقصان.
وقد تحدى الله بكتابه الإنس والجن بصنوف التحدي.
يقول ابن سعدي ﵀: (ت: ١٣٧٦ هـ)
"ومن ذلك تحدي الله لجميعِ الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن، وإخبارُه أنهم لم يستطيعوا ولن يستطيعوا أن يأتوا بمثله، والتحدي قائمٌ في كل وقت، والعجز من الخلق ظاهرٌ، مع توفر دواعي الأعداء، وحرصهم الشديد على ردِّ ما جاء به الرسول، والقدح في رسالته. وهذا
برهان عظيم يضطرُّ كلُّ عاقلٍ معه إنصافٌ؛ أن يعترفَ بالحق الذي قامت البيناتُ الظاهرة والدلالات الباهرة على صدقه من كل وجه؛ ولله الحمد". (٣)
الإعجاز وآيات التحدي:
مفهوم التحدي في اللغة والاصطلاح
أ- مفهوم التحدي في اللغة:
التحدي لغةً: بمعنى المباراة والمبارزة.