عليهم كلهم طاعتي، ومن لم يطعني كان من أشقى الخلق، ومن آياتي هذا القرآن، فإنه لا يقدر أحد على أن يأتي بمثله، وأنا أخبركم أن أحدًا لا يأتي بمثله.
فيقال: لا يخلو إما أن يكون الناس قادرين على المعارضة أو عاجزين.
فإن كانوا قادرين، ولم يعارضوه، بل صرف الله دواعي قلوبهم، ومنعها أن تريد معارضته مع هذا التحدي العظيم، أو سلبهم القدرة التي كانت فيهم قبل تحديه، فإن سلب القدرة المعتادة أن يقول رجل:
معجزتي أنكم كلكم لا يقدر أحد منكم على الكلام ولا على الأكل والشرب، فإن المنع من المعتاد كإحداث غير المعتاد - فهذا من أبلغ الخوارق.
وإن كانوا عاجزين، ثبت أنه خارق للعادة، فثبت كونه خارقًا على تقدير النقيضين; النفي والإثبات. فثبت أنه من العجائب الناقضة للعادة في نفس الأمر". (١)
وكلام شيخ الإسلام ابن تيمية آنفًا يدل على أنه يرد القول بالصرفة ولا يقبله، بل ويعتبره من أضعف ما قيل في بيان أوجه الإعجاز، وهو في ضوء كلامه آنفًا لا يقبله إلا على سبيل التنزل مع المخالف.
ولذا قال في محض كلامه: (فهذا غاية التنزل، وإلا فالصواب المقطوع به أن الخلق كلهم عاجزون عن معارضته، لا يقدرون على ذلك، ولا يقدر محمد- ﷺ نفسه من تلقاء نفسه على أن يبدل سورة من القرآن، بل يظهر الفرق بين القرآن وسائر كلامه لكل من له أدنى تدبر … ). (٢)
٢ - الحافظ ابن كثير الدمشقي (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀ -
حيث يقول: " لو اجتمعت الإنس والجن كلهم، واتفقوا على أن يأتوا بمثل ما أنزله على رسوله، لما أطاقوا ذلك ولما استطاعوه، ولو تعاونوا وتساعدوا وتظافروا، فإن هذا أمر لا يستطاع، وكيف يشبه كلام المخلوقين كلام الخالق، الذي لا نظير له ولا مثال له، ولا عديل له؟! ". (٣)
٣ - الباقلاني الأشعري (ت: ٤٠٢ هـ) ﵀ -
حيث يقول: "وما يبطل القول بالصرفة أنه لو كانت المعارضة ممكنة، وإنما منع منها الصَّرْفَةِ، لم يكن الكلام معجزًا، وإنما يكون المنع معجزًا فلا يتضمن الكلام فضيلة على غيره في نفسه، وقال أيضًا: وليس هذا بأعجب من قول فريق منهم أن الكل قادرون على الإتيان بمثله، وإنما تأخروا عنه
стр. 107
لعدم العلم بوجه ترتيب لو تعلموه لوصلوا إليه به ولا بأعجب من قول آخرين، أن العجز وقع منهم، وأما من بعدهم ففي قدرته الإتيان بمثله، وكل هذا لا يعتد به". (١).
وقال أيضًا:
"فإن قيل: فلم زعمتم أنّ البلغاء عاجزون عن الإتيان بمثله مع قدرتهم على صنوف البلاغات وتصرُّفهم في أجناس الفصاحات، وهلَّا قلتم: إنَّ من قدر على جميع هذه الوجوه بوجه من هذه الطرق الغريبة كان على مثل نظم القرآن قادرًا، وإنما يصرفه عنه ضرب من الصرف، أو يمنعه من الإتيان بمثله ضرب من المنع، أو تقصر دواعيه إليه دونه مع قدرته عليه ليتكامل ما أراده الله تعالى من الدلالة، ويحصل ما قصده من إيجاب الحجة؛ لأن من قدر على نظم كلمتين بديعتين لم يعجز عن نظم مثلهما، وإذا قدر على ذلك على ضمّ الثانية إلى الأولى، وكذلك الثالثة حتى يتكامل قدر الآية والسورة.
ونرى من هذا أنَّ القائلين بهذا القول يشككون في مرتبة القرآن وكونه من عند الله تعالى من غير أن يقدموا دليلًا، بل إنَّ القصد الذي يبدو من لحن القول والدعوى هو التشكيك المجرَّد في علوِّ البلاغة القرآنية، ومن وراء ذلك التشكيك ما يريدون من توهين ثم دعاوي بأنه من صنع محمد- ﷺ ، وهكذا يسير الخط من الاحتمالات تنافي الواقع إلى توهين لأمر القرآن، إلى ادِّعاء أنه ليس من عند الله". (٢)
٤ - الخطابي (ت: ٣٨٨ هـ) ﵀ -
أما الخطابي فقد رد القول بالصَّرْفة بعد أن بَيَّنَ معناها ووضَّح مفهومها ومقصدها عند من قال بها، ثم عقب ذلك بقوله:
" … لأن دلالة الآية تشهد بخلافه، وهي قوله سبحانه (قُلْ لَئِنْ اجَتَمعَتِ الإنسُ والجِنُّ عَلى أَنْ يأتُوا بمثْلِ القُرآنِ لا يأتُونَ بمِثْلِهِ وَلوْ كانَ بَعْضُهمْ لبعضٍ ظَهِيرًا) [الإسراء، ٨٨]، فأشار في ذلك إلى
أمر طريقة التكلف والاجتهاد، وسبيله التأهب والاحتشاد، والمعنى في الصَّرْفَةِ التي وصفوها لا يلاءم هذه الصفة، فدل على أن المراد غيرها والله أعلم (٣).
والخطابي هنا يرد الصَّرْفة ويرد على القائلين بها بحجية آية التحدي في الإسراء، ومع ذلك فإن القائلين بها استدلوا بنفس الآية مع إنها حجة عليهم لا لهم، والخطابي حينما يستدل بآية الإسراء
стр. 108
التي هي عمدة الاستدلال كأنه يشير إلى أن الآية واضحة الدلالة وواضحة المعاني لا تحتاج لزيادة تأويل.
٥ - الإيجي (ت: ٧٥٦ هـ) ﵀ -
حيث يقول: "لو سلبوا القدرة - أي العرب - كما قال به - الشريف الرضي - لعلموا ذلك من أنفسهم ولتناطقوا به عادة ولتواتر عنهم ذلك التناطق لجريان العادة بالتحدث بخوارق العادات لكنه لم يتواتر قطعًا". (١).
٦ - الزركشي (ت: ٧٩٤ هـ) ﵀ -
أما الزركشي فيقول في " البرهان " في محض كلامه عن إبطال الصَّرْفة والرد على النَّظام ما يلي:
"إن الله صرف العرب عن معارضته وسلب عقولهم وكان مقدورا لهم لكن عاقهم أمر خارجي فصار كسائر المعجزات وهو قول فاسد بدليل قوله تعالى: (قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا) (الإسراء: ٨٨) فإنه يدل على عجزهم مع بقاء قدرتهم ولو سلبوا القدرة لم يبق فائدة لاجتماعهم لمنزلته منزلة اجتماع الموتى وليس عجز الموتى بكبير يحتفل بذكره هذا مع أن الإجماع منعقد على إضافة الإعجاز إلى القرآن فكيف يكون معجزًا غيره وليس فيه صفة إعجاز بل المعجز أن هو الله تعالى حيث سلبهم قدرتهم عن الإتيان بمثله وأيضا يلزم من القول بالصَّرْفة فساد آخر وهو زوال الإعجاز بزوال زمان التحدي وخلو القرآن من الإعجاز وفي ذلك خرق لإجماع الأمة فإنهم أجمعوا على بقاء معجزة الرسول العظمى ولا معجزة له باقية سوى القرآن وخلوه من الإعجاز يبطل كونه معجزة". (٢)
٧ - القرطبي (ت: ٦٧١ هـ) حيث يقول في تفسيره ﵀ -:
" إن بعض أصحاب الصَّرْفة زعموا أن العرب صرفوا عن القدرة على القرآن ولو تعرضوا له لعجزوا عنه، وأن البعض الآخر زعموا أن العرب صرفوا عن التعرض للقرآن مع كونه في
مقدورهم، ولو تعرضوا له لجاز أن يقدروا عليه، بمعنى أنهم لم يأتوا بمثله سابقًا، غير أنه لا يخرج عن حدود قدرتهم لولا أنه حيل بينهم وبين ممارسة ذلك الاقتدار". (٣)
٨ - الرافعي (ت: ١٣٥٦ هـ) ﵀ -
стр. 109
وعلى الجملة فإن القول بالصَّرْفة لا يختلف عن قول العرب فيه " حيث يقول:
(إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ) (المدثر: ٢٤)، وهذا زعم رده الله على أهله، وأكذَبهم فيه، وجعل القول به ضربًا من العمى .. (أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ) (الطور: ١٥)
فاعتبر ذلك بعضه ببعضه فهو كالشيء الواحد ". (١)
وهذا القول: (يعني القول بالصَّرْفة) باطل من وجوه:
أولها: إنه لو صح لكان الإعجاز في الصَّرْفة لا في القرآن ذاته، وهو باطل بالإجماع
ثانيها: إنه لو صح لكان تعجيزًا لا إعجازًا؛ لأنه يكون بمثابة ما لو قطعنا لسان إنسان وكلفناه بالكلام، فهو من باب التعجيز وليس من باب العجز.
ثالثها: قوله تعالى: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا) (الإسراء: ٨٨)، فإنه يدل على عجزهم مع بقاء قدرتهم، ولو سُلِبوا
القدرة لم يبق فائدة لاجتماعهم فإنه يصبح بمنزلة اجتماع الموتى، وليس عجز الموتى بالأمر الكبير الذي يُحتفل بذكره". (٢)
وإنَّ رواج تلك الفكرة يؤدي إلى أمرين
أولهما: إنَّ القرآن الكريم ليس في درجة من البلاغة والفصاحة تمنع محاكاته، وتعجز القدرة البشرية عن أن تأتي بمثله، فالعجز ليس من صفات القرآن الذاتية.
وثانيهما: الحكم بأنه ككلام الناس لا يزيد عليه شيء في بلاغته، أو في معانيه. (٣).
٩ - عبد القاهر الجرجاني (ت: ٨١٦ هـ) ﵀ -
والجرجاني ممن قال ببطلان الصَّرْفة في "الشافية"
و يرد على من حصر التحدي في إعجاز القرآن في النظم واللفظ والمعنى فحسب فيقول:
" … فإن قلت: فكيف الكلام عليهم، إذا ذهبوا في " الصَّرْفة " إلى الوجه الآخر، فزعموا أن التحدي كان أن يأتوا في أنفس معاني القرآن بمثل نظمه ولفظه؟ وما الذي دل على فساده؟ فإن على فساد ذلك أدلة منها قوله تعالى: (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَاتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَات) [هود: ١٣]، وذاك أنا نعلم أن المعنى: فأتوا بعشر سور تفترونها أنتم وإذا كان المعنى على ذلك، فبنا أن ننظر في
الافتراء إذا وصف المعنى، وإذا لم يرجع إلا إلى المعنى وجب أن يكون المراد: إن كنتم تزعمون
стр. 110
أني قد وضعت القرآن وافتريته، وجئت به من عند نفسي، ثم زعمت أنه وحي من الله، فعضوا (١) أنتم أيضًا عشر سور وافتروا معانيها كما زعمتم أني افتريت معاني القرآن (٢)، وفي موضع آخر يقول في رده على الشريف الرضي الشيعي بقوله:
" … أنه كان ينبغي لهم لو أن العرب كانت منعت منزلة من الفصاحة قد كانوا عليها أن يعرفوا ذلك من أنفسهم، كما قدمت، ولو عرفوا لكان يكون قد جاء عنهم ذكر ذلك، ولكانوا قد قالوا للنبي- ﷺ : "إنا كنا نستطيع قبل هذا الذي جئتنا به، ولكنك قد سحرتنا، واحتلت في شيء حال بيننا وبينه"، فقد نسبوه إلى السحر في كثير من الأمور، كما لا يخفى، وكان أقل ما يجب في ذلك أن يتذاكروه فيما بينهم، ويشكوه البعض إلى البعض، ويقولوا: "ما لنا قد نقصنا في قرائحنا، وقد حدث كلول في أذهاننا" ففي أن لم يرو ولم يذكر أنه كان منهم قول في هذا المعنى، لا ما قل ولا ما كثر، دليل [على] أنه قول فاسد، ورأى ليس من آراء ذوى التحصيل (٣).
وفي موضع آخر من "الشافية" في محض دفاعه عن إعجاز القرآن والرد على القائلين بالصَّرْفة بما جاء عن العرب في شأن القرآن من أخبار-يقول- أيضًا:
"ومنها الأخبار التي جاءت عن العرب في تعظيم شأن القرآن وفي وصفه بما وصفوه به من نحو: "إن عليه لطلاوة، وإن له لحلاوة، وإن أسفله لمغدق، وإن أعلاه لمثمر" (٤)، وذاك أن محالًا أن يعظموه، وأن يبهتوا عند سماعه، ويستكينوا له، وهم يرون فيما قالوه وقاله الأولون ما يوازيه، ويعلمون أنه لم يتعذر عليهم لأنهم لا يستطيعون مثله (٥).
ويقول في موضع آخر من "الشافية" في نهاية قوله بإبطال الصَّرْفة والرد على قائليها-أيضًا-:
стр. 111
" … ينبغي أن يقال: ما هذا الذي أخذتم به أنفسكم؟ وما هذا التأويل منكم في عجز العرب عن معارضة القرآن؟ وما دعاكم إليه؟ وما أردتم منه؟ أأن يكون لكم قول يحكى، وتكونوا أمة على حدة، أم قد أتاكم في هذا الباب علم لم يأت الناس؟
فإن قالوا: أتانا فيه علم.
قيل: أَفَمِنْ نظرٍ ذلك العلم أم خبر؟
فإن قالوا: من نظر.
قيل لهم: فكأنكم تعنون أنكم نظرتم في نظم القرآن ونظم كلام العرب ووازنتم فوجدتموه لا يزيد إلا بالقدر الذي لو خلوا والاجتهاد وإعمال الفكر، ولم تفرق عنهم خواطرهم عند القصد إليه، والمقصد له لأتوا بمثله؟
فإن قالوا: كذلك نقول.
قيل لهم: فأنتم تدعون الآن أن نظركم في الفصاحة نظر لا يغيب عنه شيء من أمرها، وأنكم قد أحطتم علمًا بأسرارها، وأصبحتم ولكم فيها فهم وعلم لم يكن للناس قبلكم.
وإن قالوا: عرفنا ذلك بخبر.
قيل: فهاتوا عرفونا ذلك، وأني لهم تعريف ما لم يكن، وتثبيت ما لم يوجد!
ولو كان الناس إذا عن لهم القول نظروا في موداه، وتبينوا عاقبته، وتذكروا وصية الحكماء حين نهوا عن الورود حتى يعرف الصدر، وحذروا أن تجيء أعجاز الأمور بغير ما أوهمت الصدور إذا لكفوا البلاء، ولعدم هذا وأشباهه من فاسد الآراء، ولكن يأتي الذي في طباع الإنسان من التسرع، ثم من حسن الظن بنفسه، والشغف بأن يكون متبوعًا في رأيه، إلا أن يخدعه وينسبه أنه موصى بذلك، ومدعو إليه، ومحذر من سوء المغبة إذا هو تركه وقصر فيه. وهي الآفة لا يسلم منها ومن جنايتها إلا من عصم الله. وإليه عز اسمه الرغبة في أن يوفق للتي هي أهدى، ويعصم من كل ما يوتع الدين، ويثلم اليقين، إنه ولي ذلك والقادر عليه (١).
وقال أيضًا ﵀:
"إنه لا يتصور الإعجاز بالصَّرْفة، وذلك لأنهم كانوا حينئذ يعارضونه بما اعتيد منهم من مثل القرآن الصادر عنهم قبل التحدي به، بل قبل نزوله، فإنهم لم يتحدوا بإنشاء مثله بل بالإتيان به فلهم بعد الصَّرْفة الواقعة بعد التحدي، أن يعارضوا القرآن بكلام مثله صادر عنهم قبل الصَّرْفة". (٢).
стр. 112
١٠ - السيوطي (ت: ٩١١ هـ) ﵀ -:
يقول السيوطي مستدلا بآية التحدي في الإسراء:
" … فإنه يدل على عجزهم مع بقاء قدرتهم، ولو سلبوا القدرة، لم تبق فائدة لاجتماعهم، لمنزلته منزلة اجتماع الموتى، وليس عجز الموتى مما يحتفل بذكره، … ". (١)
١١ - الإجماع
ومن أقوى الأقوال والردود والحجج الواردة في إبطال القول بالصَّرْفة الإجماع الذي حكاه القرطبي وقد مر معنا في طيات البحث ولا حرج من إعادة ذكره هنا لمسيس الحاجة إليه، والأمة لا تجتمع على ضلالة أبدًا كما صح الخبر بذلك عن خير البشر في قوله ﵊: (إن الله قد أجار أمتي من أن تجتمع على ضلالة) (٢)
وإجماع الأمة إنما كان قبل ظهور القول بالصَّرْفة على أن إعجاز القرآن ذاتي … وقد حكى القرطبي الإجماع في تفسيره (الجامع لأحكام القرآن)، وقد مر معنا ذكره آنفًا.
وممن قال بالإجماع واستدل به على بطلان الصَّرْفة كذلك علي بن محمد الجرجاني (ت: ٨١٢ هـ) في شرح المواقف (٣) والألوسي في روح المعاني (٤).
وفي الجملة فإن الرد على القائلين الصَّرْفة يُعد من الأقوال كذلك، فلا يُظن أن أقوال العلماء منفردة في القول ببطلان الصَّرْفة فحسب، بل إن ردودهم تعد من أقوى أقوالهم كذلك، وهي وإن كانت كثيرة غير أنَّا تخيرنا أبرزها وأبينها على الدلالة ببطلان القول بالصَّرْفة، وقد مر بنا في طيات البحث بعض أقوال من العلماء المذكورة آنفًا وكان إعادة ذكر بعضها هنا من باب حصر أقوالهم في مبحث واحد ليسهل الرجوع إليها لمن يطلبها في مكان واحد، فهو من باب التسهيل والتقريب لا من باب الإعادة والتكرار فلينتبه.
ثاني عشر: أهم النتائج التي توصلت إليها الدراسة
١ - إن القول بالصَّرْفة زعم لا دليل عليه من العقل أو النقل.
٢ - لقد انكشف نقض القول بالصَّرْفة وبطلانه بأدلة من القرآن والحديث والإجماع وبأدلة أخرى قوية حاسمة.
٣ - إن القول بالصَّرْفة دحضه الواقع وكذبه، فقد عرف تاريخ الدعوة الإسلامية أناسًا كذابين من العرب لم تنصرف هممهم عن محاولة معارضة القرآن بل بذلوا في ذلك كل همتهم وغاية
стр. 113
اهتمامهم. فكانت معارضتهم وصمة عار أبدية في جباههم، وازدادت البصائر إكبارًا للقرآن المجيد وخصائص إعجازه الذاتية. (١).
وبذلك ينتهى الكلام عن مبحث الصَّرْفة. (٢)
ولعل فيما مضى معتبر لأهل البحث والنظر، ولا اعتبار لمن نظره وعقله عن وصوله إلى الحق قصر. والحمد لله رب العالمين.
ثانيًا: عناية النبي ﷺ بضبط القرآن وحفظ في صدره، ومعالجته أشد المعالجة حال تلقيه .
ابتدأ الباحث الكلام عن المعنى الأول من معاني حفظ القرآن، ألا وهو حفظه وتقييده في الصدور في بداية هذا الفصل.
ويعود هنا إلى إكمال وإتمام هذا المعنى -الأول- من معاني حفظ القرآن، -ألا وهو حفظه وتقييده في الصدور- والكلام هنا عن معنى حفظ القرآن في صدره الشريف- ﷺ .
عناية النبي ﷺ بضبط القرآن وحفظ في صدره الشريف- ﷺ .
كان جبريل- ﵇ كلما نزل على النبي- ﷺ -يقرؤه القرآن ويعلمه ويدارسه إياه، فإنه- ﷺ لشديد الحرص على تلقيه من فِيِ جبريل- ﵇ وهو يدارسه، فيحرص على حفظه وضبطه واتقانه خشية أن يتفلت منه أي شيء، فيتلقاه
من فِيِ جبريل مباشرة، فكان ﷺ من شدة حرصه وعنايته بتلقيه يحرك به لسانه ويعالجه أشد المعالجة، حتى كان يجد من ذلك شدة؛ وما زال أمره-﵊ كذلك حتى نزل عليه قول ربه سبحانه: (لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ) (القيامة: ١٦ - ١٩).
فكانت تلك الآيات المباركات بمثابة الشفاء والدواء، مع ما فيها من معاني الربط على فؤاده الطاهر- ﷺ ، وبمثابة الوعد بحفظ الله للقرآن في صدره الشريف لفظًا ومعنى.
ومن أظهر ما ورد في ذلك ما ثبت في الصحيحين عَنِ ابْنِ عبَّاسٍ-﵄ في قَوْلِهِ تَعالَى: (لا تُحَرِّكْ به لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بهِ) [القيامة: ١٦] قالَ: كانَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ يُعالِجُ مِنَ التَّنْزِيلِ شِدَّةً، وكانَ ممَّا يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ - فقالَ ابنُ عبَّاسٍ-﵄: فأنا أُحَرِّكُهُما لَكُمْ كما كانَ رَسولُ اللَّهِ- ﷺ يُحَرِّكُهُما، وقالَ سَعِيدٌ: أنا أُحَرِّكُهُما كما رَأَيْتُ ابْنَ عبَّاسٍ يُحَرِّكُهُما، فَحَرَّكَ شَفَتَيْهِ- فأنْزَلَ اللَّهُ تَعالَى: (لا تُحَرِّكْ به لِسانَكَ لِتَعْجَلَ به إنَّ عليْنا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ) [القيامة: ١٧] قالَ: جَمْعُهُ لكَ في صَدْرِكَ وتَقْرَأَهُ: (فَإذا قَرَأْناهُ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ) [القيامة: ١٨] قالَ:
стр. 114
فاسْتَمِعْ له وأَنْصِتْ: (ثُمَّ إنَّ عليْنا بَيانَهُ) [القيامة: ١٩] ثُمَّ إنَّ عليْنا أنْ تَقْرَأَهُ، فَكانَ رَسولُ اللَّهِ-
ﷺ بَعْدَ ذلكَ إذا أتاهُ جِبْرِيلُ اسْتَمع فإذا انْطَلَقَ جِبْرِيلُ قَرَأَهُ النبيُّ- ﷺ كما قَرَأَهُ. (١)
وكان من أهم الأسباب التي أعان الله سبحانه بها نبيه محمدًا- ﷺ على حفظ القرآن وضبطه وتثبيته في قلبه معارضة جبريل-﵇ إياه بالقرآن في رمضان من كل عام مرة، حتى كان العام الذي توفي فيه- ﷺ عارضه جبريل-﵇ إياه بالقرآن مرتين اثنتين، ففقه وفهم النبي ﷺ من ذلك الأمر قرب انتهاء مهمته في الأرض بإبلاغ الحق للخلق، وأداء رسالات الله لعباد الله، ودنو أجله.
ومما يدلل على ذلك ما ثبت في الصحيحين من حديث عبدالله بن عباس-﵄ قال: " كان رسول الله- ﷺ أجودَ الناس، كان أجودُ ما يكونُ في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان جبريلُ يلقاه في كل ليلة من رمضان، فيُدارسه القرآن، فلَرسولُ الله ﷺ حين يلقاه جبريلُ أجودُ بالخير مِن الريحِ المُرسَلة". (٢)
وما ثبت عند مسلم من حديث عائشة: " أن فاطمة ﵄ قالت: أخبرني [أي: رسول الله ﷺ ] (أَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُعَارِضُهُ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ، وَإِنَّهُ عَارَضَهُ الْآنَ مَرَّتَيْنِ، وَإِنِّي لَا أُرَى الْأَجَلَ إِلَّا قَدِ اقْتَرَبَ، فَاتَّقِي اللهَ وَاصْبِرِي، فَإِنَّهُ نِعْمَ السَّلَفُ أَنَا لَكِ) (٣)
وفي رواية البخاري: (إِنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُعَارِضُنِي القُرْآنَ كُلَّ سَنَةٍ مَرَّةً، وَإِنَّهُ عَارَضَنِي العَامَ مَرَّتَيْنِ، وَلَا أُرَاهُ إِلَّا حَضَرَ أَجَلِ، وَإِنَّكِ أَوَّلُ أَهْلِ بَيْتِي لَحَاقًا بِي، فَبَكَيْتُ، فَقَالَ: (أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نِسَاءِ أَهْلِ الجَنَّةِ، أَوْ نِسَاءِ المُؤْمِنِينَ) فَضَحِكْتُ لِذَلِكَ. (٤). والله تعالى قد تكفل له بفسره وبيانه، وتفصيل إجماله، وإزالة مبهمه وإشكاله، وهذا منه سبحانه بمثابة الكفالة والضمان له بتثبيته في قلبه وعدم نسيانه، وذلك بألا تتفلت كلمة أو حرف منه.
فكان القرآن شغله الشاغل ﷺ في كل أحواله وأحيانه، قائمًا وقاعدًا وعلى جنبه، في حضره وسفره، في خلوته وجلوته، في ليله ونهاره، في سره وجهاره، في صحته وسقمه، في منشطه ومكرهه، في عسره ويسره، لا يغيب كلام ربه عن قلبه طرفة عين ولا أدنى من ذلك، فيحل
стр. 115
حلاله ويحرم حرامه، يؤمن بمتشابهه ويعمل بمحكمه، يأتمر بأمره وينتهي عن نهيه، ويتخلق بخلقه
كما وصفه ربه بقوله: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) (القلم: ٤)، وكذلك يتعظ بمواعظه، ويعتبر بعبره وقصصه وأخباره، ويقوم ببلاغه عن ربه حق البلاغ، تأدية للأمانة، وقيامًا بأعباء الرسالة.
وقد جمع الله لرسوله ﷺ محاسنَ الصفات، ومكارم الأخلاق كلها، وليس ثم كلمة هي أجمع لكريم صفاته وحسن شمائله وسجياه ﷺ من الكلمة التي وصفَتْه بها أمُّ المؤمنين عائشة-رضي الله- عنها لَمَّا سُئلت عن خُلُقه ﷺ ، قالت: فإن خُلُق نبي الله ﷺ كان القرآنَ. (١)
قال ابن الأثير ﵀:
أي متمسكًا بآدابه وأوامره ونواهيه، وما يشتمل عليه من المكارم والمحاسن. (٢)
ولذا كان الصحابة الكرام-رضوان الله عليهم- يرجعون إليه في كل دقيق وجليل يتعلق بالقرآن وفهم معانيه ومقاصده ومراميه.
ثالثًا: عناية الصحابة ﵃ بحفظ القرآن في صدورهم
والكلام ما يزال متصلًا عن المعنى الأول، الذي هو حفظ القرآن وتقييده في الصدور.
لقد حرص النبي ﷺ على تعليم أصحابه كتاب ربهم، فبمجرد نزول الوحي نضًا طريًا يسارع في أخذه عن جبريل-﵇ ويعجل بتعليمه لهم وتلقينهم ما أنزل إليه من ربه، ويحفظهم إياه، ويفقههم في معناه، ويلقنهم طريقة أدائه وآداب تلاوته، ويحثهم على تحسين أصواتهم به ويأمرهم بالتغني به، ويرغبهم فيه، ويبين لهم عظيم الأجر وجزيل الثواب المترتب على أخذ القرآن وفضل تعلمه وتعليمه، كل ذلك ترغيبًا لهم في تعلمه وتلقيه، وحتى يجمعوا بين حفظ اللفظ وفهم المعنى، وينقلوا ما تعلموه من كتاب ربهم من نور وحيز العلم، إلى واقع وصدق العمل.
ولقد أجل الصحابةُ- رضوان الله عليهم- كتابَ ربهم أيما إجلال، فأنزلوه في قلوبهم ونفوسهم وأرواحهم منزلة الروح من الجسد كما وصفه الله تعالى بقوله: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) (الشورى: ٥٢)
يقول مالك بن دينار: الروح هو القرآن، وسماه روحًا لأن فيه حياة من موت الجهل (٣).
стр. 116
يقول ابن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀:
وهو هذا القرآن الكريم، سماه روحًا، لأن الروح يحيا به الجسد، والقرآن تحيا به القلوب والأرواح، وتحيا به مصالح الدنيا والدين، لما فيه من الخير الكثير والعلم الغزير. (١)
فكان الصحابة ﵃ يتسابقون في تلقيه من فِيِ رسول الله- ﷺ ، وها هو عبد الله بن مسعود-﵁ يقول عن نفسه:
"والله الذي لا إله غيره ما أنزلت سورة من كتاب الله إلا أنا أعلم أين أنزلت،
ولا أنزلت آية من كتاب الله إلا أنا أعلم فيم أنزلت، ولو أعلم أحدًا أعلم مني بكتاب الله تبلغه الإبل لركبت إليه". (٢)
عن شَقِيقُ بْنُ سَلَمَةَ قَالَ: خطبنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ-﵃ فقَالَ:
"وَاللَّهِ لَقَدْ أَخَذْتُ مِنْ فِيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ -بِضْعًا وَسَبْعِينَ سُورَةً، وَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ -أَنِّي مِنْ أَعْلَمِهِمْ بِكِتَابِ اللَّهِ وَمَا أَنَا بِخَيْرِهِمْ".
قالَ شَقِيقٌ: فَجَلَسْتُ فِي الْحِلَقِ أَسْمَعُ مَا يَقُولُونَ، فَمَا سَمِعْتُ رَادًّا، يَقُول غَيْرَ ذَلِكَ. (٣)
وما قال ذلك إلا بعد تلقى القرآن من فِيِ رسول الله- ﷺ ، وبلغ مبلغًا عظيمًا في العلم بكتاب الله، تلاوة وتفسيرًا، تجويدًا وتحبيرًا، وما يتعلق بأسباب نزوله، وفهم معانيه ومقاصده ومراميه.
وإذا أردنا أن تترسخ تلك المعاني في نفوسنا فلنتأمل إلى ما حسنه الألباني ﵀، وأصله عند أحمد في المسند من حديث زر بن حبيش-﵁، قال: دخل رسول الله ﷺ المسجد، وهو بين أبي بكر وعمر، وإذا ابن مسعود يصلي، وإذا هو يقرأ النساء، فانتهى إلى رأس المائة. فجعل ابن مسعود يدعو، وهو قائم يصلي، فقال النبي ﷺ : اسأل تعطه، اسأل تعطه، ثم قال: من سرَّه أن يقرأ القرآن غضًّا كما أُنزل، فليقرأه بقراءة ابن أم عبد. فلما أصبح غدا إليه أبو بكر ليبشِّره، وقال له: ما سألت الله البارحة؟ قال: قلتُ: اللهم إني أسألك إيمانًا
стр. 117
لا يرتدّ، ونعيمًا لا يَنْفد، ومرافقة محمد في أعلى جنة الخلد. ثم جاء عمر-رضي الله- عنه فقيل له: إن أبا بكر قد سبقك، قال: يرحم الله أبا بكر، ما سبقته إلى خير قط، إلا سبقني إليه". (١)
ولقد تلقى جيل الصحابة - رضوان الله عليهم - القرآن غضًا طريًا من فِيِ رسول الله النبي ﷺ ، فكانوا يسارعون ويسابقون لكتابته في السطور، وحفظه في الصدور، ومن ثَمَّ
تلقي ما أُشكل عليهم من فهم معانيه، ثم حرصوا-رضوان الله عليهم- على العمل بما تعلموه، ومن ثَمَّ ينقلوا ما تعلموه وتدارسوه، كما كان يفعل أهل الصفة، كانوا يحتطبون بالنهار ويتدارسوا القرآن بالليل، وتلك سمة بارزة تميز بها جيل الصحابة-رضوان الله عليهم-.
تنافس الصحابة ﵃ في حفظ القُرْآن
"كان الصحابة ﵃ يتنافسون في حفظ القُرْآن، ويتسابقون إلى مدارسته وتفهُّمه، ويتفاضلون فيما بينهم على مقدار ما يحفظون منه، وكانوا يهجرون لذة النوم وراحة الهجود إيثارًا للذة القيام به في الليل والتلاوة له في الأسحار والصلاة به والناس نيام، حتى لقد كان الذي يمر ببيوت الصحابة في غسق الدجى يسمع فيها دويًّا كدوي النحل بالقُرْآن، وكان الرسول- ﷺ يُذْكي فيهم روح العناية بالتنزيل، يبلغهم ما أنزل إليه من ربه، ويبعث إلى من كان بعيد الدار منهم من يعلِّمهم ويُقرِئهم، كما بعث مصعب بن عمير وابن أم مكتوم إلى أهل المدينة قبل هجرته يعلِّمانِهم الإسلام ويقرئانهم القُرْآن، وكما أرسل معاذ بن جبل إلى مكة بعد هجرته للتحفيظ والإقراء؛ " (٢).
مشاهد من همة الصحابة ﵃ في القيام بحق القرآن:
وإذا أردنا نتأمل ونطالع الهمة العالية عند شباب الصحابة وتنافسهم في هذا الميدان الفسيح فلننظر ونتدبر ما ثبت عند النسائي وغيره من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: جمعت القُرْآن، فقرأت به في كل ليلة، فبلغ ذلك النبيَّ ﷺ فقال لي: ((اقرأ به في كل شهر))، فقلت: أي رسول الله، دعني أستمتع من قوتي وشبابي، قال: ((اقرأ به في كل عشرين))، قلت: أي رسول الله، دعني أستمتع من قوتي وشبابي، فقال: ((اقرأ به في كل عشر))، قلت: أي رسول الله، دعني أستمتع من قوتي وشبابي، قال: ((اقرأ به في كل سبع))، قلت: أي رسول الله، دعني أستمتع من قوتي وشبابي، فأبى؛ (٣)
стр. 118
وثبت في الصحيحين عن طريق قتادة، من حديث أنس-﵁، قال: على عهد النبي- ﷺ : أربعة، كلهم من الأنصار: أبيُّ بن كعب، ومعاذ بن جبل، وأبو زيد، وزيد بن ثابت، قلت لأنس: مَن أبو زيد؟ قال: أحد عمومتي؛ (١)
وثبت عند البخاري من أنس بن مالك قال: مات النبي- ﷺ ولم يجمع القرآن غيرُ أربعة: أبو الدرداء، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد (قيس بن السكن)، قال: (ونحن ورثناه)؛ (٢)
قال الحافظ (ت: ٨٥٢ هـ) ﵀ في الفتح:
"هذا الحصر الموجود في هذا الحديث حصر نسبي، وليس حصرًا حقيقيًّا حتى ينفي أن يكون غير هؤلاء الأربعة قد جمعه على عهد رسول الله- ﷺ .
قال القرطبي (ت: ٦٧١ هـ) ﵀ تعليقًا على حديث أنس بن مالك:
قُتل يوم اليمامة سبعون من القراء، وقُتل في عهد النبي- ﷺ ببئر معونة مثل هذا العدد، وإنما خص أنس الأربعة بالذكر؛ لشدة تعلقه بهم دون غيرهم، أو لكونهم كانوا في ذهنه دون غيرهم"؛
ويقول ﵀ أيضًا:
قال المازري ﵀: لا يلزم من قول أنس-﵁: لم يجمعه غيرهم، أن يكون الواقع في نفس الأمر كذلك؛ لأن التقدير أنه لا يعلم أن سواهم جمعه، وإلا فكيف الإحاطة بذلك مع كثرة الصحابة وتفرقهم في البلاد، وهذا لا يتم إلا إن كان لقي كل واحد منهم على انفراده
وأخبره عن نفسه أنه لم يكمل له في عهد النبي- ﷺ ، وهذا في غاية البعد في العادة، وإذا كان المرجع إلى ما في علمه لم يلزم أن يكون الواقع كذلك؛ (٣)
ويتابع الحافظ ﵀ ويقول:
"الذي يظهر من كثير من الأحاديث أن أبا بكر كان يحفظ القُرْآن في حياة رسول الله- ﷺ ، ففي بداية بعثة النبي- ﷺ بنى أبو بكر مسجدًا بفِناء داره، فكان يقرأ فيه القُرْآن، وهو محمول على ما كان نزل منه إذ ذاك، وهذا مما لا يرتاب فيه، مع شدة حرص أبي بكر على تلقي القُرْآن من النبي- ﷺ وفراغ باله له وهما بمكة، وكثرة ملازمة كل
стр. 119
منهما للآخر، حتى قالت عائشة في الهجرة: إنه- ﷺ كان يأتيهم بكرةً وعشيةً، وقد صحح مسلم حديث: ((يؤم القومَ أقرؤُهم لكتاب الله)) (١)، وأمر- ﷺ أبا بكر أن يؤم في مكانه لما مرض، فيدل على أنه كان أقرأهم، وتقدم عن عليٍّ (ابن أبي طالب) أنه على ترتيب النزول عقب موت النبي- ﷺ ؛ (٢)
وأصحاب النبي- ﷺ من السابقين والمسارعين إلى الخير، وإلى كل عمل صالح وبر، وكان من أعظم مشاهد تنافسهم وتسابقهم إلى الخير وعلو همتهم في ذلك حفظهم القرآن الكريم، والحرص على تعلمه وتعليمه، والعمل بأحكامه.
فكان تعلمهم أولًا من رسول الله- ﷺ ، ثم صار بعضهم يعلم بعضًا، فمن فاته شيء من القرآن لم يتمكن من تلقيه من رسول الله- ﷺ ، لأي سبب عارض من انشغاله بجهاد أو نحوه من أعمال البر سارع لتعلمه من غيره.
وأشتهر بتعليم القرآن من الصحابة بداية جمعٌ، من أبرزهم: عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وأبي بن كعب-﵃ أجمعين- -، فعلموا الكثير من صغار الصحابة، كما علموا من جاء من بعد جيل الصحابة ممن أدركهم من جيل التابعين.
وكان هذا دأب الصحابة-﵃ حال انتشارهم في الأمصار تعليم كتاب الله.
يقول سُوَيْدُ بْن عَبْدِالعَزِيزِ التّنوخيِّ الدِّمشقيُّ (ت: ٢٠٠ هـ) ﵀:
" كان أبو الدرداء إذا صلى الغداة في جامع دمشق اجتمع الناس للقراءة عليه، فكان يجعلهم عشرة عشرة، وعلى كل عشرة عريفًا، ويقف هو في المحراب يرمقهم ببصره، فإذا غلط أحدهم رجع إلى عريفه، فإذا غلط عريفهم رجع إلى أبي الدرداء يسأله عن ذلك".
وعن مُسْلِم بن مِشْكَم الْخُزَاعِيُّ (٣) قال:
" قال لي أبو الدرداء: اعدد من يقرأ عندي القرآن، فعددتهم ألفًا وستمائة ونيفًا، وكان لكل عشرة منهم مقرئ ". (٤)
والحفاظ من الصحابة جمع غفير وكثير، وهم لا يحصون كثرة، ولكن أهل العلم ذكروا أبرز الحفاظ من الصحابة، وكان ذكرهم لأبرز الحفاظ منهم على سبيل الاشتهار لا على سبيل الحصر.
стр. 120
وفي نحو ذلك يقول الحافظ (ت: ٨٥٢ هـ) ﵀ في الفتح:
"ذَكَرَ أَبُو عُبَيْدٍ الْقُرَّاءَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَعَدَّ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ الْخُلَفَاءَ الْأَرْبَعَةَ وَطَلْحَةَ وَسَعْدًا وابن مَسْعُودٍ وَحُذَيْفَةَ وَسَالِمًا وَأَبَا هُرَيْرَةَ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ السَّائِبِ وَالْعَبَادِلَةَ، وَمِنَ النِّسَاءِ عَائِشَةَ وَحَفْصَةَ وَأُمَّ سَلَمَةَ، وَلَكِنَّ بَعْضَ هَؤُلَاءِ إِنَّمَا أَكْمَلَهُ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ .
وعد ابن أَبِي دَاوُدَ فِي كِتَابِ الشَّرِيعَةِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ أَيْضًا:
تَمِيمَ بْنَ أَوْسٍ الدَّارِيَّ وَعُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ، وَمِنَ الْأَنْصَارِ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ وَمُعَاذًا الَّذِي يُكَنَّى أَبَا حَلِيمَةَ وَمُجْمِّعَ بْنَ حَارِثَةَ وَفَضَالَةَ بْنَ عُبَيْدٍ وَمَسْلَمَةَ بْنَ مَخْلَدٍ وَغَيْرَهُمْ، وَصَرَّحَ بِأَنَّ بَعْضَهُمْ إِنَّمَا جَمَعَهُ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَمِمَّنْ جَمَعَهُ أَيْضًا: أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ، ذَكَرَهُ أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ (ت: ٤٤٤ هـ) (١)، وَعَدَّ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنَ الْقُرَّاءِ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ وَسَعْدَ بْنَ عَبَّادٍ وَأُمَّ وَرَقَةَ ". (٢)
وقد ذكر أبو عبيدٍ القاسمُ بن سلَّام (ت: ٢٢٤ هـ) ﵀ (٣) - القراءَ من أصحاب النبي ﷺ -:
"فعَدَّ مِن المهاجرين الخلفاء الأربعة وطلحة وسعدًا وابن مسعود وحذيفة وسالمًا وأبا هريرة وعبدالله بن السائب والعبادلة، ومن النساء عائشة وحفصة وأم سلمة، ولكن بعض هؤلاء إنما
أكمله بعد النبي ﷺ ، فلا يرد على الحصر المذكور في حديث أنس، وعَدَّ ابنُ أبي داود مِن المهاجرين أيضًا تميم بن أوس الداري وعقبة بن عامر، ومن الأنصار عبادة بن الصامت ومعاذًا وَمُجْمِّعَ بْنَ حَارِثَة وَفَضَالَةَ بْنَ عُبَيْدٍ وَمَسْلَمَةَ بْنَ مَخْلَدٍ وَغَيْرَهُمْ، وصرح بأن بعضهم إنما جمعه بعد النبي ﷺ ، وممن جمعه أيضًا أبو موسى الأشعري، ذكره أبو عمرو الداني". (٤)
стр. 121
والصحابة-﵃ لم يفصلوا بين الحفظ والفهم والعمل والتعليم بأي فاصل، بل قاموا بحق كتاب ربهم خير قيام، وأخذوه جملة، ولازموا بينه، تعلمًا وتعليمًا، علمًا وعملًا، عقيدة وعبادة، سلوكًا وأخلاقًا، ولذا ظهرت آثار تثور القرآن على عقائدهم وعباداتهم وأعمالهم وسلوكهم وأخلاقهم، فتمكن الإيمان من نفوسهم، وسكن سويداء قلوبهم، واستقر في أرواحهم؛ فانتفعوا به وعمروا به حياتهم وملأوا به أوقاتهم، وأناروا به دروبهم، فأحيوا به ليلهم، وآنسوا بتلاوته وتدبره في نهارهم، وجعلوه أنيسهم في مجالسهم ومحاريبهم، وفي حلهم وترحالهم، فصاغ ذاك العمل العظيم والأمر الجليل حياتهم، وأثمر جيلًا كان في طليعة خير أمة أخرجت للناس.
والحقيقة فإنَّ العزة والرِّفْعةَ، والنصر والتمكين، كل ذلك لم يتحقق لجيل الصحابة الكرام-﵃ إلا بعد أن تمسكوا بدين الله علمًا وعملًا، وتمسكوا بِكتابِ ربهم حق التمسك واعتصموا به حق الاعتصام، فكان هذا هو منهجهم في تعلم القرآن وتلقيه وتدبُّرِه، وقد عرفوا لكتاب الله مكانته وقدروه حق قدره.
ونلخص أهم مظاهر عناية الصحابة بكتاب ربهم على النحو التالي:
الأمر الأول: معرفة الصحابة لمنزلةِ القرآن، وإدراكُهم لمقاصدِهِ ومراميه
لقد تلقِّي جيل الصحابة كلام ربهم فور نزولهِ بالمحبةِ والإجلال والتبجيل والتعظيمِ المصحوب بالإيمانِ به؛ وذلك من أبرز ما أدى إلى صدق تعامُلِهم معه، فمَن عَرَفَ قِيمةَ شيءٍ دعته تلك المعرفة للاعتناء والاهتمام به، وقد تجلت وظَهَرتَ أخلاق القرآن جلية في أقوالِهم وأفعالِهم، ومما أُثِرَ عنهم في جانب حبهم للقرآن،
قول عبدِ الله بنِ مسعود ﵁:
(مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَعلَم أَنه يُحبُّ اللهَ ورسولَه فَليَنظُر: فإِنْ كان يُحبُّ القرآنَ، فهو يحبُّ اللهَ ورسولَه). (١)
ومما أُثِرَ عنهم كذلك في الحث على تعلم القرآن والتمسك به ما أُثِرَ عنه- ﵁ أيضًا في قوله: (إنّ هذا القرآنَ مأْدبةُ الله، فتعلَّموا من مَأدبتِه ما استطعتم، إنَّ هذا القرآنَ هو حَبلُ اللهِ الذي أَمَرَ به، وهو النور المبين، والشفاءُ النافعُ عصمةٌ لمن اعتصم به) (٢)،
стр. 122
وما أُثِرَ عن ابن عباسٍ ﵄ كذلك في قوله: (ضَمِنَ اللهُ لمَن قَرَأَ القرآنَ لا يَضِلُّ في الدنيا ولا يشقى في الآخرة، ثم قَرَأَ (فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى) [طه: ١٢٣]. (١) والمرادُ بالقراءةِ الاتِّباعُ، بدليلِ نَصِّ الآية.
وقال الإمام البخاري ﵀:
(لا يجدُ طَعْمَه ونَفْعَه إلا مَن آمَنَ بالقرآنِ، ولا يحملُه بحقِّه إلا الموقِن) (٢).
والأجيال المسلمة على مر الأزمان والعصور ومرور الأيام والدهور في أمس الحاجةٍ لفهم تلك المعاني التي تربى عليها الرعيل الأول من جيل المهاجرين والأنصار، وغَرْسَهَا في نفوسِ الناشِئة
منذ نعومة أظفارهم وحداثة أسنانهم، حتى تنشأ أجيال معظمة لله ولكتابه على غرار ما كان عليه أسلافهم.
الأمر الثاني: تميز منهج الصحابة في تلقي القرآن
كان منهجهم ﵃ تلقي وتعلُّم الإيمان قَبلَ القرآن.
لقد تميز جيل الصحابة ﵃ بقوة الإيمان المصحوب بصدق التوجه إلى الله وتعظيمه وإجلاله سبحانه، والتزام أوامرِهِ واجتناب نواهيه، ولذا فإنه قد سَهُلَ عليهم تَلَقِّي أحكامِ الله بالقبول والإذعان والتسليم، فأثمر ذلك المبادرة والمسارعة في الخيرات، وهذا كله من آثار تعلمهم الإيمان قبل القرآن وهو الجانب الرئيس والركيزة الأم في التربيةِ الإيمانية أولًا، ثم إتباعها بالتربية القرآنيةِ ثانيًا، والعهد المكي كان عهدًا تربويًا بكل ما تحمله هذه الكلمة من معاني التربية الكاملة الشاملة، كما أنها رسخت في نفوس الصحابة الكرام- ﵃ الإيمان بمعناه الكامل ولاسيما الإيمان بالله واليوم الآخر، فغرس عمق الإيمان وأصالته في سويداء قلوبهم حب القرآن وتعظيمه وإجلاله وإنزاله المنزلة التي أرادها الله منهم، كما هَيَّأَهم لِتَلَقِّي ما ورد فيه من تَوجيهاتِ، ولا سيما في القرآن المكي الذي يتَّسم بترسيخ الإيمان والأمر بتحقيق التوحيد ومقتضياتِه، ونبْذ معالم الشرك، وهدم أركانه، والتَّخلِّي عن مظاهرِه ومعطياته، وترْويض النُّفوس على طاعة الله ورسوله، وتهيئتها للانقياد لأوامره، وتهيئتها كذلك لقَبول التَّشريعات، والتحلي
بالصَّبر وتحمُّل الأذى والمشاق في ذات الله تعالى، كل ذلك كان بمثابة التخلية قبل التحلية، والتصفية قبل التربية، والمعني هنا هو " تحقيق وترسيخ تعلُّم الإيمان قَبلَ تعلم القرآن".
стр. 123
والمقصودُ من ذلك كله: أنهم غُرِسَ في قلوبِهم حبُ القرآن، ومعرفةُ قدر كلام ربهم ومحبته؛ لأنَّهم عرفوا قدر ربهم، فعرفوا قدر كلامه، ومن جهل قدر الله تعالى جهل قدر كلامه، كما هو الشأن في حال عموم المشركين.
ولقد رَبَّى النبيُّ ﷺ أصحابَه-﵃ على هذا المنهج الرباني،
فعَنْ جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: " كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَنَحْنُ فِتْيَانٌ حَزَاوِرَةٌ، فَتَعَلَّمْنَا الْإِيمَانَ قَبْلَ أَنْ نَتَعَلَّمَ الْقُرْآنَ، ثُمَّ تَعَلَّمْنَا الْقُرْآنَ، فَازْدَدْنَا بِهِ إِيمَانًا ". (١)
قال السندي رحمه الله تعالى: (ت: ١١٣٨ هـ)
" (حَزَاوِرَةٌ) جمع الحَزْوَر، ويقال له: الحزوَّر بتشديد الواو؛ هو الغلام إذا اشتد وقوي وحَزُم. كذا في الصحاح، وفي النهاية: هو الذي قارب البلوغ قوله: (فازددنا به) أي بسبب القرآن ". (٢)
وأما كيفية تعلم الإيمان قبل القرآن؛ فالمقصود به: التربية على أصول الإيمان، وتعلم معانيه، تعلمًا عمليًا من النبي- ﷺ ، وأحواله، وأفعاله، وتلقيًا من سنته، وتعليمه لهم، وتأديبه إياهم بأدب الدين؛ فيتحصل لهم معرفة بمعاني القرآن، الذي يتعلمون ألفاظه بعد ذلك، وتربية على أحوال النبي ﷺ ، وتأدب بأدبه الشريف، وهو كله من أدب القرآن، وخلقه؛ فيحصل لهم علم "مجمل" بمعاني القرآن، قبل أن يحصل لهم، أو لمن شاء الله منهم: العلم المفصل بتعلم حروفه وكلماته.
وقد لخّص هذا الحالَ؛ ابنُ عمر- ﵄ لمّا قال:
" لَقَدْ عِشْنَا بُرْهَةً مِنْ دَهْرِنَا وَإِنَّ أَحْدَثَنَا يُؤْتَى الْإِيمَانَ قَبْلَ الْقُرْآنِ، وَتَنْزِلُ السُّورَةُ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ فَيَتَعَلَّمُ حَلَالَهَا وَحَرَامَهَا، وَمَا يَنْبَغِي أَنْ يُوقَفَ عِنْدَهُ فِيهَا كَمَا تَعْلَمُونَ أَنْتُمُ الْقُرْآنَ، ثُمَّ قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ رِجَالًا يُؤْتَى أَحَدُهُمُ الْقُرْآنَ فَيَقْرَأُ مَا بَيْنَ فَاتِحَتِهِ إِلَى خَاتِمَتِهِ مَا يَدْرِي مَا أَمْرُهُ وَلَا زَاجِرُهُ، وَلَا مَا يَنْبَغِي أَنْ يُوقَفَ عِنْدَهُ مِنْهُ يَنْثُرُهُ نَثْرَ الدَّقَلِ ". (٣)
стр. 124
قال شيخ الإسلام ابن تيمية (ت: ٧٢٥ هـ) ﵀:
"والله سبحانه هو رب كل شيء ومليكه وهو معلم كل علم وواهبه فكما أن نفسه أصل لكل شيء موجود؛ فذكره والعلم به أصل لكل علم، وذكره في القلب.
والقرآن يعطي العلم المفصل، فيزيد الإيمان، كما قال جندب بن عبد الله البجلي وغيره من الصحابة: " تعلمنا الإيمان ثم تعلمنا القرآن فازددنا إيمانًا ". (١)
وقال أيضًا ﵀:
"التفريغ والتخلية التي جاء بها الرسول- ﷺ أن يفرغ قلبه مما لا يحبه الله ويملأه بما يحبه الله، فيفرغه من عبادة غير الله ويملؤه بعبادة الله، وكذلك يفرغه عن محبة غير الله ويملؤه بمحبة الله، وكذلك يخرج عنه خوف غير الله ويدخل فيه خوف الله تعالى، وينفي عنه التوكل على غير الله ويثبت فيه التوكل على الله. وهذا هو الإسلام المتضمن للإيمان الذي يمده القرآن ويقويه لا يناقضه وينافيه كما قال جندب وابن عمر: " تعلمنا الإيمان ثم تعلمنا القرآن فازددنا إيمانًا ". (٢)
وقال أيضًا ﵀:
"الصحابة أخذوا عن الرسول لفظَ القرآن ومعناه، بل كانوا يأخذون عنه المعاني مجردةً عن ألفاظِه بألفاظٍ أُخَر، كما قال جُندب بن عبد الله البَجَلي وعبد الله بن عمر-﵃: تعلَّمنا الإيمانَ ثم تعلَّمنا القرآن، فازددنا إيمانًا. فكان يُعلِّمهم الإيمانَ، وهو المعاني التي نزل بها القرآن من المأمور به والمخبَر عنه المتلقَّى بالطاعة والتصديق، وهذا حق، فإن حفاظ القرآن كانوا أقلَّ من عموم المؤمنين ". (٣)
وتعلّم الصحابة للإيمان قبل استكثارهم من الحفظ، ساهم فيه أنّ أسس الإيمان مبثوثة في سور المفصّل؛ ولذا سمى ابن مسعود-﵁ سور المفصّل بلباب القرآن.
فعن عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ- ﵂، قالت: " إِنَّمَا نَزَلَ أَوَّلَ مَا نَزَلَ مِنْهُ سُورَةٌ مِنَ المُفَصَّلِ، فِيهَا ذِكْرُ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، حَتَّى إِذَا ثَابَ النَّاسُ إِلَى الإِسْلَامِ، نَزَلَ الحَلَالُ وَالحَرَامُ، وَلَوْ نَزَلَ أَوَّلَ شَيْءٍ: لَا تَشْرَبُوا الخَمْرَ، لَقَالُوا: لَا نَدَعُ الخَمْرَ أَبَدًا، وَلَوْ نَزَلَ: لَا تَزْنُوا، لَقَالُوا: لَا نَدَعُ الزِّنَا أَبَدًا، لَقَدْ نَزَلَ
стр. 125
بِمَكَّةَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ وَإِنِّي لَجَارِيَةٌ أَلْعَبُ: (بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ) (القمر: ٤٦) وَمَا نَزَلَتْ سُورَةُ البَقَرَةِ وَالنِّسَاءِ إِلَّا وَأَنَا عِنْدَهُ ". (١)
فالحاصل؛ أنّ الإيمان قبل القرآن؛ يتحصّل بأن يربّي المؤمن نفسه على العقائد والشرائع التي وردت في القرآن؛ ويأخذ ذلك بعزيمة وقوة؛ فإذا شرع بعد ذلك في الاستكثار من حفظ آيات القرآن؛ حفظه وهو يشعر أنه مخاطب بها؛ فيتمعن ويتدبر فيما يحفظ ويخاف أن يكون حجة عليه فيسارع للامتثال بما حفظ. (٢)
الأمر الثالث: حرص الصحابة- ﵃ على اقتران العلم بالقرآن بالعمل به
لما تلقى الصحابة رضوان الله عليهم الإيمان قبل القرآن أثر ذلك في صلاح قلوبهم، وحرصوا على اقتران العلم بالقرآن بالعمل به، ولم يفصلوا بينهما بفاصل، وفي نحو ذلك يقول ابن عمر (ت: ٧٣ هـ) ﵄:
كان الفاضِلُ من أصحابِ النبيِّ في صَدْرِ هذه الأُمّةِ لا يحفظُ من القرآنِ إلا السورة أو نحوها، ورُزِقوا العملَ بالقرآن، وإنَّ آخرَ هذه الأُمَّةِ يُرْزَقُون القرآنَ منهم الصبي والأعمى، ولا يرزقون العملَ به". (٣).
ومما يصور تلك المعاني العظيمة في نفوس الصحابة وحرصهم على اقتران العلم بالعمل قصة بَيْرُحَاءَ -حديقة- أبي طلحة الأنصاري-﵁.
فقد ثبت في الصحيحين واللفظ للبخاري منْ حديث أنس ﵁ من طريق
إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ- رَضِي اللَّه- يَقُولُ كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَكْثَرَ الْأَنْصَارِ بِالْمَدِينَةِ مَالًا مِنْ نَخْلٍ وَكَانَ أَحَبُّ أَمْوَالِهِ إِلَيْهِ بَيْرُحَاءَ وَكَانَتْ مُسْتَقْبِلَةَ الْمَسْجِدِ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ قَالَ أَنَسٌ فَلَمَّا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) (آل عمران: من آية: ٩٢) قَامَ أَبُو طَلْحَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ ﵎ يَقُولُ: (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) (آل عمران: من آية: ٩٢) وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إِلَيَّ بَيْرُحَاءَ وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لِلَّهِ أَرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ اللَّهِ فَضَعْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ حَيْثُ أَرَاكَ اللَّهُ قَالَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ
стр. 126
بَخٍ ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ وَقَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الْأَقْرَبِينَ فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ". (١)
وكان حرصهم الشديد ﵃ على أن ينتقل علمهم بالقرآن إلى حيز وواقع العمل به، وعلى أن يعيش حامل القرآن ويحيى به، وأن تظهر وتتجلى أخلاق القرآن في فعاله كلها، وهم كما كانوا كذلك قولًا وعملًا، فقد كانت وصيتهم لأهل القرآن كذلك، وفي نحو هذا المعنى يوصي
علم من أعلام الصحابة من السابقين الأولين، يوصي أهلَ القرآن بتلك الوصايا الجامعة المانعة، ألا وهو ابن مسعود (ت: ٣٢ هـ) ﵁ حيث يقول:
"ينبغي لحاملِ القرآنِ أَنْ يُعرفَ بليلِه إذا الناسُ ينامون، وبنهارِه إذا الناسُ يُفطرون، وبحزنِهِ إذا الناس يَفرَحون، وببكائِه إذا الناسُ يَضحكون، وبِصَمتِه إذا الناسُ يَخُوضُون، وبخشوعِه إذا الناس يختالون، وينبغي لحاملِ القرآن أَنْ يكونَ مُستكينًا لَيِّنًا، ولا ينبغي له أن يكونَ جَافيًا ولا مماريًا ولا صَيّاحًا ولا صَخّابًا ولا حديدًا". (٢)
ويقول- ﵁ أيضًا:
" لا تَهُذُّوا القرآنَ هذ الشِّعْر، وتَنثروه نَثْرَ الدَّقَل، وقِفُوا عند عجائبِه، وحَرِّكوا به القلوب، ولا يكن هَمُّ أحدِكم مِن السورة آخرَها ". (٣)
لذا كان تأثير الصحابة ﵃ في جيل التابعين ﵏ تأثيرًا عظيمًا
فقد غرزوا في نفوسهم ما تلقوه من نبيهم- ﷺ -من حب القرآن وحب العمل به وامتثال ما ورد فيه، وتدبر آياته، وإجلاله، ولننظر بعين الاعتبار والاتعاظ لكلماتِ سطرها يراع رجل هو واحد من طليعة جيل التابعين،
إنه الحسنُ بن يسار البصري ﵀ (ت: ١١٠ هـ) حيث يقول في ذلك المعنى:
"إنَّ هذا القرآنَ قَرَأَه عبيدٌ وصبيانٌ لم يأخذوه مِن أوَّله، ولا عِلْمَ لهم بتأويلِه، إنَّ أَحقَّ الناسِ بهذا القرآنِ مَن رُئِي في عملِه، قال اللهُ في كتابه: (كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب) (ص: ٢٩) وإنَّما تَدبُّرُ آياتِه اتّباعُه بعملِه، أَمَا واللهِ ما هو بحفظِ حروفِهِ وإِضاعةِ حدودِهِ! حتى إنَّ أحدهم لَيقول: قد قَرَأْتُ القرآنَ كلَّه فما أَسْقَطتُ منه حرفًا؛ وقد واللهِ أَسقَطَه كلَّه! ما يُرَى له القرآنُ في خُلُقٍ ولا عمل! حتى إنَّ أحدَهم لَيقول: إني لأقرأُ السورةَ في نَفَسٍ واحدٍ، واللهِ
стр. 127
ما هؤلاءِ بالقُرَّاءِ ولا العلماءِ ولا الحكماءِ ولا الوَرَعةِ! متى كانت القُرّاءُ تقولُ مثل هذا؟ لا أَكْثَرَ اللهُ في الناسِ مثلَ هؤلاء". (١)
وهذا المنهجُ الرباني هو الذي خَرَّجَ تلك الأجيال وصَنَعَها، ولو عاد الخَلَفُ لما كان عليه السلف من تَلَقي القرآنَ على نفس منهجم في تلقيه لسادوا الدنيا وفتحوا البلاد، وما قَصرت بهم هممهم عن إزلال القياصرة، ولنهضت بهم قوتُهم فكسروا وحطموا ظهور الأكاسرة.
أهم دواعي حرص الصحابة- ﵃ على تعلم القرآن
لقد أقبل الصحابة- ﵃ على تعلم كتاب الله وحفظه وفهمه وتدبره وتثوره بصورة فريدة يصعب تكررها عبر الزمان، ومما رغبهم في تعلمه والإقبال عليه، هو ترغيب رسول الله-
ﷺ -وتحفيزه لهم على تعلمه وتعليمه ومدارسته وحفظه، وتتجلى تلك الحقيقة من خلال ما يلي:
أولًا: كثرة ترغيب النبي ﷺ لهم وحثهم على تعلمه
وقد وردت أحاديث كثيرة ترغبهم في ذلك وتحثهم عليه، منها على سبيل المثال لا الحصر:
١ - ما ثبت عند البخاري من حديث عُثْمَان بن عَفَّان ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : "خَيركُمْ من تعلم الْقُرْآن وَعلمه". (٢)
وفي رواية عند البخاري من حديث عثمان أيضًا " أفضلكم من تعلم القرآن وعلمه" (٣).
٢ - ومنها ما ثبت عند مسلم من حديث عُقْبَةَ بْنِ عَامِر (٤) ﵁ قَالَ: خَرَجَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَنَحْنُ فِي الصُّفَّةِ فَقَالَ: " أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يَغْدُوَ إِلَى بُطَحَانَ أَوِ الْعَقِيقِ فَيَأْتِيَ كُلَّ يَوْمٍ بِنَاقَتَيْنِ كَوْمَاوَيْنِ زَهْرَاوَيْنِ فَيَأْخُذَهُمَا فِي غَيْرِ إِثْمٍ وَلَا قَطْعِ رَحِمٍ؟، قَالَ: " قُلْنَا: كُلُّنَا يَا
رَسُولَ اللهِ يُحِبُّ ذَلِكَ "، قَالَ: فَلأَنْ يَغْدُوَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْمَسْجِدِ فَيَتَعَلَّمَ آيَتَيْنِ مِنْ كِتَابِ اللهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ نَاقَتَيْنِ، وَثَلَاثٌ خَيْرٌ لَهُ مِنْ ثَلَاثٍ، وَأَرْبَعٌ خَيْرٌ مِنْ أَرْبَعٍ، وَمِنْ أَعْدَادِهِنَّ مِنَ الإِبِلِ". (٥)
стр. 128
٣ - ومنها ما ثبت عند مسلم كذلك من حديث أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : " مَا اجْتمع قوم فِي بَيت من بيُوت الله يَتلون كتاب الله وَيَتَدَارَسُونَهُ بَينهم إِلَّا نزلت عَلَيْهِم السكينَة، وَغَشِيَتْهُمْ الرَّحْمَة، وَحَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَة وَذكرهمْ الله فِيمَن عِنْده". (١)
٤ - ومنها ما ثبت عند مسلم أيضًا من حديث أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : "أَيُحِبُّ أحدكُم إِذا أرجع إِلَى أَهله أَن يجد فِيهِ ثَلَاث خلفات عِظَام سمان؟ " قُلْنَا: نعم، قَالَ: "فَثَلَاث آيَات يقرأهن أحدكُم فِي صلَاته خير لَهُ من ثَلَاث خلفات سمان عِظَام". (٢)
٥ - ومنها ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري-﵁ عن النبي- ﷺ قال: (مثلُ المؤمنِ الَّذي يقرأُ القرآنَ كالأُتْرُجَّةِ طعمُها طيِّبٌ وريحُها طيِّبٌ والَّذي
لا يقرأُ كالتَّمرةِ طعمُها طيِّبٌ ولا ريحَ لها ومثلُ الفاجرِ الَّذي يقرأُ القرآنَ كالرَّيْحانةِ ريحُها طيِّبٌ وطعمُها مُرٌّ ومثلُ الفاجرِ الَّذي لا يقرأُ القرآنَ كمثلِ الحنظلةِ طعمُها مرٌّ وريحُها مرٌّ). (٣)
والأحاديث الواردة في هذا الصدد أكثر من أن تُحصى.
ثانيًا: إجلال النبي الكريم ﷺ للقرآن وأهله
ويتجلى هذه المعنى بوضوح في المنهج التربوي للنبي- ﷺ -وبيانه ذلك لأصحابه الكرام-﵃ عمليًا ومن أبرز ذلك ما يلي:
١ - تقديمه ﷺ أقرأ الناس للإمامة
فكما أن الناس يقدمون خيرهم بين يدي ملوكهم، فقد علمهم- ﷺ مكانة حامل القرآن وأحقيته في تقدمه غيره بين يدي رب العالمين ليؤم الناس في الصلاةـ فقد ثبت عند مسلم من حديث أبي مسعود عقبة بن عمرو بن ثعلبة الأنصاري- ﵁ قَالَ: قال رَسُولُ اللَّهِ- ﷺ " يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ وَأَقْدَمُهُمْ قِرَاءَةً، فَإِنْ كَانَتْ قِرَاءَتُهُمْ سَوَاءً، فَلْيَؤُمَّهُمْ أَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً، فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً، فَلْيَؤُمَّهُمْ أَكْبَرُهُمْ سِنًّا، وَلَا تَؤُمَّنَّ الرَّجُلَ فِي أَهْلِهِ وَلَا فِي سُلْطَانِهِ، وَلَا تَجْلِسْ عَلَى تَكْرِمَتِهِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَكَ أَوْ بِإِذْنِهِ ". (٤)
٢ - وتعدى إكرامه- ﷺ لحامل القرآن بتزويج من لم يملك الصداق بما معه من القرآن
وقد وصف ربُهُم حالهم عند سماع كلامه جل في علاه بقوله سبحانه: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) (الأنفال: ٢).
كما وصفهم جَلَّ في علاه بقوله: (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ) (الزمر: ٢٣).
حال الصحابة ﵃ مع القرآن في صلاتهم
كان حالهم في الصلاة يُظهر أثر انتفاعهم بالقرآن قراءة وتدبُّرًا وخشوعًا، ذلًا لله واستكانة وخضوعًا، ولربما غلب أحدهم البكاء فمنعه ذلك من إسماع المأمومين قراءته.
ونسوق أمثلة عن أحوالهم مع القرآن في الصلاة على سبيل المثال لا الحصر
المثال الأول: حال أبي بكر الصديق ﵁ -
ثبت عند البخاري من حديث عبدالله بن عمر ﵄ قال:
لَمَّا اشْتَدَّ برَسولِ اللَّهِ ﷺ وجَعُهُ قيلَ له في الصَّلَاةِ، فَقَالَ: "مُرُوا أبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بالنَّاسِ قَالَتْ عَائِشَةُ: إنَّ أبَا بَكْرٍ رَجُلٌ رَقِيقٌ، إذَا قَرَأَ غَلَبَهُ البُكَاءُ، قَالَ: مُرُوهُ فيُصَلِّي فَعَاوَدَتْهُ، قَالَ: مُرُوهُ فيُصَلِّي، إنَّكُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ". (١)
المثال الثاني: حال عمر ﵁ -:
يقول عبد الرّحمن بن أَبْزَى الخزاعيّ (٢):
"صليت خلف عمر- رضي الله- عنه فقرأ سورة يوسف حتى (وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ) (يوسف: من الآية ٨٤) فوقع عليه البكاء فركع". (٣)
المثال الثالث: حال ابنِ عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄ -
يقول ابنِ أبي مليكة: (٤)
стр. 131
سافرتُ مع ابنِ عباس ﵄ مِن مكةَ إلى المدينةِ، فكان يَقومُ نصفَ الليلِ فيقرأُ القرآنَ حرفًا حرفًا، ثم يَبكي حتى تَسمعَ له نَشيجًا. (١).
بيان حرص الصحابة ﵃ -على العمل بكل ما أنزل من القرآن
ثبت عند مسلم من حديث أبي هريرة-﵁ قال: لما نزلت على رسول الله ﷺ : (لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (البقرة: ٢٨٤)، قال: فاشتد ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ ، فأتوا رسول الله ﷺ ، ثم بركوا على الرُكب فقالوا أي رسول الله كلفنا من الأعمال ما نطيق الصلاة والصيام والجهاد والصدقة، وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها.
فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم سمعنا وعصينا، بل قولوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير.
فلما اقترأها القوم ذلت بها ألسنتهم فأنزل الله في إثرها: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) (البقرة: ٢٨٥)، فلما فعلوا ذلك نسخها الله تعالى وأنزل الله عز و جل: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا (قال نعم) رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا (قال نعم) رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ (قال نعم) وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (قال نعم) (البقرة: ٢٨٦). (٢)
وفيه بيان فضل الصحابة رضى الله عنهم وإذعانهم وانقيادهم وتسليمهم لأمر الله ﵎ وامتثالهم لأمر رسوله صلى الله عليه و سلم، وذلك لما أمرهم بالتسليم والانقياد، فلما انقادوا للأمر كان من بركة ذلك الانقياد والإذعان مجازاتهم بالتخفيف والثناء عليهم من ربهم بقوله سبحانه في وصف استجابتهم وصبرهم على طاعة ربهم بأن قالوا: (سَمِعْنَا وَأَطَعْنا) فجاءتهم بشارة ربهم بنسخ ما سبق.
стр. 132
وذلك من دلائل سعة رحمة الله لما رأى صبرهم على الطاعة رغم ما فيها من مشقة، فجزاهم ربهم بأنه لم يحملهم فوق قدرتهم واستطاعتهم.
ولم يكن منهج الصحابة- ﵃ مع القرآن تلقي آياته بالحفظ والتدبر واستنباط ما فيها من أحكام فحسب، بل تلقوا آياته على أنها رسائل من الله إليهم، فسارعوا للعمل بما تقتضيه سوره وآياته.
ولذا كان يشق عليهم أن تنزل آيات لا يمكنهم العمل بها، فهم هنا قد راجعوا رسول الله ﷺ فيما شق عليهم من العمل بتلك الآيات، وهذه الواقعة ليست الوحيدة من نوعها، فدواوين السنة قد سطرت العديد من مثلها، ولكن سقناها هنا كواحدة من الأمثلة التي تبرهن عمليًا على حرص الصحابة ﵃ على العمل بكل ما نزل من القرآن.
وقد طال هذا المبحث جدًا (جمعه بمعنى حفظه في الصدور) لأنه هو الأصل.
ووجود الدواعي الملحة لتلك الإطالة مما يجدر الاعتذار به عن هذا العرض المستفيض.
المطلب الثاني: جمعه بمعنى كتابته وتدوينه في السطور
بعد الاستطراد في الكلام عن معنى جمع القرآن وحفظه في الصدور، وذلك في المطلب الأول من هذا المبحث، وقد طال هذا المبحث لأهميته، ولكون المحفوظ في الصدور هو الأصل، ولأنه حاكم وقاض على المكتوب والمرسوم في السطور، ونورد هنا الكلام عن كتابته وتدوينه في السطور.
المعنى الثاني: بمعنى كتابته وتدوينه في السطور
لقد انتقل النبي- ﷺ إلى الرفيق الأعلى والقرآن كله محفوظ في الصدور، كما أنه كان كذلك محفوظًا في السطور، بمعنى أنه مجموع ومكتوب في الرقاع واللخاف والأكتاف والعسب، وهذه هي أدوات الكتابة التي توفرت في العهد النبوي، وذلك لحكمة أرادها الله، لكن القرآن جُمِعَ جمعًا مفرقًا، ولم يُجمَع ولم يرتب في مصحف واحد على عهد رسول الله ﷺ كما هو معلوم.
وفي نحو ذلك يقول الزرقاني (ت: ١٣٦٧ هـ) ﵀:
" كان الصحابة يكتبون القُرْآن بأمر الرسول- ﷺ على العسب، وهي: جريد النخل، وعلى اللخاف، وهي: الحجارة الرقيقة، وعلى الرقاع، وهي: الأوراق، وقطع الأديم، وهي: الجلد وعظام الأكتاف، والأضلاع، ثم يوضع المكتوب في بيت رسول الله- صلى الله عليه
стр. 133
وسلم-، وهكذا انقضى عهد النبوة ولم يُجمع في مصحف واحد، بل كُتب منثورًا بين قطع الجلد والعظام ونحوها". (١)
ويرد هنا سؤال من الأهمية بمكان ألا وهو: لماذا لم يُجمع القرآن الكريم على عهد النبي- ﷺ في مصحف واحد؟
والجواب: أن لله الحكمة البالغة في ذلك، وأما عن الحكم الظاهرة في ذلك
فيقول الزرقاني (ت: ١٣٦٧ هـ) ﵀:
لم يُجمع القرآن الكريم في مصحف واحد في عهد النبي- ﷺ لأسباب كثيرة، يمكن أن نوجزها فيما يلي:
١ - الكثير من الصحابة كانوا يحفظون القُرْآن في صدورهم، وكانت الفتنة في تحريف القُرْآن مأمونة
٢ - قلة توفر أدوات الكتابة في عهد النبي ﷺ
٣ - كان النبي- ﷺ بصدد أن ينزل عليه الوحي بنسخ ما شاء الله تعالى من الآيات
٤ - القُرْآن لم ينزل جملة واحدة، بل نزل مفرقًا على مدى ثلاث وعشرين سنة حسب الحوادث. (٢)
ولم يحرص النبي- ﷺ على في مكان واحد لأن تنزيله لم يتوقف بعد، وكان ﷺ يترقب تتابع الوحي بنزوله بين الفينة والفينة وذلك حتى لحوقه بالرفيق العلى.
فلو رتب نزول القرآن أولاً بأول، وكلما نزل منه شيء جمع في مكان واحد، أو بين دفتي مصحف واحد، لأدى هذا الفعل إلى كثرة تغيير أماكن الآيات والسور وتبديل أماكن ترتيبها كلما نزل منه شيء، ولا شك أن في هذا من العنت والمشقة والحرج ما فيه، وهو مع ذلك مأمون من الضياع لحفظه في صدور الرجال، ومن قبل ذلك كله فإن الله تعالى وعد بحفظه وقد تولى ذلك بذاته العلية، كما قال ربنا في محكم التنزيل: (إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُون) (الحجر: ٩)
و قد اصطفى رسول الله ﷺ كُتَّابًا للوحي من خيرة أصحابه-﵃ أجمعين- كما سيأتي بيان ذلك بالتفصيل في موضعه بإذن الله تعالى.
وهنالك أدلة قاطعة واضحة الدلالة على أن القرآن الكريم في عهد النبوة حفظ في السطور، إضافة إلى حفظه في صدور الرجال ومن أبين ما يدلل ذلك ما يلي:
стр. 134
أولًا: الأدلة من القرآن الكريم
١ - قوله تعالى: (وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك فتراه وأعانه عليه قوم آخرون فقد جاءوا ظلمًا وزورًا) (الفرقان: ٤)
قال الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀:
وقوله تعالى: (وأعانه عليه قوم آخرون) قال مجاهد: يعني اليهود. وإنما يعنون بذلك القرآن، فدل ذلك على وجود كتاب بينهم. (١)
٢ - كذلك قوله سبحانه: (وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) (الفرقان: ٥)، ومعنى" الأساطير" الأباطيل والأحاديث العجيبة (٢)
و"الأساطير": أحاديثُ لا نظام لها. (٣)
يقول البغوي (ت: ٥١٦ هـ) ﵀:
"يعني النضر بن الحارث يقول: إن هذا القرآن ليس من الله وإنما هو مما سطره الأولون، مثل رستم وإسفنديار، "اكتتبها" محمد من جبر، ويسار، وعداس، ومعنى "اكتتب" يعني طلب أن يكتب له، لأنه كان لا يكتب (فهي تملى عليه) يعني تقرأ عليه ليحفظها لا ليكتبها، (بكرة وأصيلًا)
غدوة وعشيًا. قال الله ردًا عليهم: (قل أنزله) يعني القرآن (الذي يعلم السر) يعني الغيب (في السماوات والأرض إنه كان غفورًا رحيمًا) ". (٤)
ويقول الألوسي: (ت: ١٢٧٠ هـ) ﵀:
"وقائلُ هذه المقولة هو النضر بن الحارث، وأمثاله ممَّن شايعه كعبدِالله بن أميَّة، ونوفل بن خويلد، وغلاة المشركين". (٥)
وإذا كان النضر بن الحارث قد تعلَّم قصص رستم وإسفنديار وأشعار العجم في ديارهم، ثم عاد بها إلى مكة ليقصَّ أساطيرهم وأكاذيبهم على الناس، فأين تعلَّم النبي- ﷺ ؟! ومن الذي علمه؟!، حتى يقولوا أساطير الأولين اكتتبها.
стр. 135
٣ - وقوله تعالى: (كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ) (الأعراف: ٢)
قال الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀:
أي: " فلا يَضِقْ صدرُك- يا محمَّدُ- مِن إبلاغِ القُرآنِ، والإنذارِ به، ولا يكُنْ لديكَ شكٌّ واشتباهٌ في أنَّه مُنزَّلٌ مِن عندِ الله ﵎، فلْيَنشرِحْ له صَدرُك ويتَّسِعْ، ولْتطمَئِنَّ به نفسُك، واصبِرْ على ما كُلِّفْتَ به مِن أثقالِ النُّبوَّةِ، وتَحمَّلِ الأذى، ولا تخشَ لائمًا، ولا مُعارِضًا ". (١)
٤ - وقوله تعالى: (وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ) (النحل: ٨٩)
قال ابن مسعود (ت: ٣٢ هـ) ﵁: " قد بين لنا في هذا القرآن كل علم، وكل شيء ". (٢)
وفي الآية دلالة على وجود القرآن، وهو محفوظ في الصدور، ومكتوب في السطور.
ومما يدلل على ما ذُكِرَ آنفًا من السنة المطهرة كذلك ما يلي:
١ - ما ثبت عند مسلم من حديث أبي سعيد الخدري- ﵁ قال: قال رسول الله- ﷺ : "لَا تَكْتُبُوا عَنِّي، وَمَنْ كَتَبَ عَنِّي غَيْرَ الْقُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ وَحَدِّثُوا عَنِّي وَلا حَرَجَ … " (٣)
قال النووي (ت: ٦٧٦ هـ) ﵀ في شرحه لصحيح مسلم:
" … وَكَانَ النَّهْي حِين خِيفَ اِخْتِلَاطُهُ بِالْقُرْآنِ فَلَمَّا أَمِنَ ذَلِكَ أَذِنَ فِي الْكِتَابَة، وَقِيلَ: إِنَّمَا نَهَى عَنْ كِتَابَة الْحَدِيث مَعَ الْقُرْآن فِي صَحِيفَة وَاحِدَة; لِئَلا يَخْتَلِط، فَيَشْتَبِه عَلَى الْقَارِئ فِي صَحِيفَة وَاحِدَة". (٤)
٢ - وكذلك ما ثبت عند مسلم كذلك من حديث عبد الله بن عمر- ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : " لَا تُسَافِرُوا بِالْقُرْآنِ، فَإِنِّي لَا آمَنُ أَنْ يَنَالَهُ الْعَدُوُ ". (٥)
وفي رواية-عَنْه- أيضًا-، قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ -أَنْ يُسَافَرَ بِالْقُرْآنِ إِلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ". (٦)
стр. 136
وفي رواية-عَنْه- أيضًا، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، " أَنَّهُ كَانَ يَنْهَى أَنْ يُسَافَرَ بِالْقُرْآنِ إِلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ، مَخَافَةَ أَنْ يَنَالَهُ الْعَدُوُّ". (١)
وقال النووي- ﵀ أيضًا:
" فيه النهي عن المسافرة بالمصحف إلى أرض الكفار للعلة المذكورة في الحديث، وهي خوف أن ينالوه فينتهكوا حرمته، فإن أمنت هذه العلة، بأن يدخل في جيش المسلمين الظاهرين عليهم فلا كراهة ولا منع منه حينئذ هذا هو الصحيح، وبه قال أبو حنيفة والبخاري وآخرون ". (٢)
ومما يدلل على ما ذُكِرَ كذلك كثرة وجود الصُّحُف التي بين أيدي الصحابة ﵃ والتي يعتزَّ بها كلٌّ منهم وأنه كتبها بين يدي رسول الله ﷺ ، والصحابة ﵃ فيهم من أسلم مبكرًا في بداية البعثة النبوية، ويُعدُ من السابقين للإسلام كابن مسعود- ﵁، كما أنه يستحيل أن تكون كل هذه الصحف قد كُتِبَت في عهد الصديق- ﵁.
"وبهذا يطمئن القلب أن القرآن الكريم كله كان مكتوبًا في عهده النبي الكريم، وإن كان غير مجموع في موضع واحد". (٣) وسيأتي معنا ذلك بشيء من التفصيل والإيضاح في موضعه، حين الكلام على في عهوده الثلاثة في الفصل الثاني، بإذن الله تعالى. وبهذا ينتهي الفصل الأول والحمد لله رب العالمين.
стр. 137
الفصل الثاني
مراحل جمع القرآن الكريم في عهديه الأول والثاني، وبيان مزايا وخصائص كل مرحلة من المرحلتين، وذكر الفرق بينها.
وفيه مبحثان:
تمهيد
لقد تكفل الله تعالى بحفظ كتابه بذاته العلية ولم يوكل ذلك لأحد من خلقه، لا لملك مقرب ولا لنبي مرسل ولا لمن دونهم في الرتبة والمكانة والمنزلة من عموم خلقه، فقال سبحانه: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) [الحجر، ٩].
وقوله: " (إنا نحن نزلنا الذكر) أي: القرآن الذي فيه ذكرى لكل شيء من المسائل والدلائل الواضحة، وفيه يتذكر من أراد التذكر.
وقوله: (وإنا له لحافظون) أي: في حال إنزاله وبعد إنزاله، ففي حال إنزاله حافظون له من استراق كل شيطان رجيم، وبعد إنزاله أودعه الله في قلب رسوله، واستودعه في قلوب أمته، وحفظ الله ألفاظه من التغيير فيها والزيادة والنقص، ومعانيه من التبديل، فلا يحرف مُحَرِّف معنىً من معانيه إلا وقيض الله له من يبين الحق المبين، وهذا من أعظم آيات الله ونعمه على عباده المؤمنين، ومن حفظه أن الله يحفظ أهله من أعدائهم، ولا يسلط عليهم عدوا يجتاحهم". (١)
وقال سبحانه في الحديث القدسي مخاطبًا نبيه- ﷺ : " وأنزلت عليك كتابًا لا يغسله الماء، تَقْرَؤُهُ نائمًا ويقظان". (٢)
وإن حفظ الله تعالى لكتابه الخاتم، المنزل على النبي الخاتم- ﷺ ، والذي هو المرجع الأول لتلك الشريعة الخاتمة، كل ذلك وغيره دفع المغرضين والحاقدين من أعداء الملة السمحة والرسالة الخاتمة للطعن والتشكيك في كتاب الله وبث شبهاتهم الواهية والتي هي أوهى من بيت العنكبوت وذلك لمحاولة زعزعة ثقة أهل الإسلام في صحة وسلامة كتاب ربهم.
ولقد تصدى لتلك الترهات والأكاذيب والمطاعن الساقطة أئمة الإسلام وسادات الأنام من أتباع النبي العدنان- ﷺ ، ولا يزال أهل العلم في كل زمان ومكان ينصبون منجنيق الأدلة وسهام الحق في وجوه المغرضين الحاقدين ويردوا ترهاتهم بواضحات الحجج ودامغات البراهين على سلامة وصحة كلام رب العالمين.
стр. 138
وكذلك ما يزال الباحثون المخلصون في كل عصر ومصر ينافحون عن كتاب ربهم العظيم ويردون ما خرج من سلة مهملات الحاقدين بسهام الحق مظهرين عظمة كتاب ربهم جل في علاه ومبرزين لأوجه إعجازه وسلامته من كل عيب ونقص موضحين ومبينين دلائل حفظ الله لكتابه وأن حفظه باق إلى أن يرث الله تعالى الأرض ومن عليها.
لما لا وقد وصفه ربنا بقوله: (وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)) (فصلت: ٤٠ - ٤١)
وإن إعادة ما سطره ودونه أعلام الإسلام المتقدمين وتجديد معالمه بالتدقيق والتحقيق والشرح والتنقيب والتقريب والتسهيل والتذييل لما كتبوه والرد على أعداء الملة والدين ورد شبهاتهم المتجددة بساطعات الحجج والبراهين لهو من أوجب الواجبات المتحتمات على المعنيين من أهل العلم ومن الباحثين والدارسين المختصين.
وإن كتاب الله تعالى قد لقى أوفر الحظ والنصيب من العناية والرعاية والاهتمام منذ بدء نزوله من قِبِلِ من أنزل اللهُ عليه القرآنَ- ﷺ ومن قِبِلِ صحبه الكرام- رضوان الله عليهم أجمعين-، وكان هذا الاهتمام البالغ قد عم كل جوانبه ونواحيه، فقاموا بحفظه في الصدور وتدوينه في السطور والقيام بحقه تعلمًا وتعليمًا وعملًا، كما أنهم ائتمروا بأوامره وانتهوا عن نواهيه وانزجروا بزواجره واعتبروا بقصصه وأخباره فازدادوا به إيمانًا ويقينًا كما قال ربنا: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِى مَن يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِىَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾ (المدثر: ٣١).
"وهذا حال القلوب عند ورود الحق المنَزَّل عليها: قلب يفتتن به كفرًا وجحودًا، وقلب يزداد به إيمانًا وتصديقًا، وقلب يَتَيَقَّنه فتقوم عليه به الحجة، وقلب يوجب له حيرةً وعمىً فلا يدري ما يراد به". (١).
стр. 139
المبحث الأول: المرحلة الأولى: الجمع في العهد النبوي
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: بواعثه وأسبابه ودواعيه
قد مر معنا في المبحث الأول من الفصل الأول بيان معنى الجمع ومفهومه في اللغة والاصطلاح فلا يناسب تكراره ها هنا وليرجع إليه عند الحاجة في مظان ذكره.
جمع القرآن الكريم وترتيبه في العهد النبوي:
كان القرآن الكريم يتنزل على رسول الله ﷺ بواسطة الأمين جبريل ﵇ وكان- ﷺ يسارع في تلقيه من فِيِ جبريل ليحفظه وقد مر بنا سلفًا مدى كانت معالجته أشد المعالجة حال تلقيه القرآن، ومدى عنايته بضبطه وحفظ في صدره.
وكان ترتيبه في هذا العهد المبارك يتمثل في سلوك واتباع منهجين اثنين ألا وهما:
المنهج الأول: حفظه في الصدور
المنهج الثاني: حفظه في السطور
أما عن المنهج الأول: حفظه في الصدور
فإن من أبرز خصائص القرآن الكريم أن حفظه كله من فروض الكفاية في حق هذه الأمة بحيث يحفظه العدد الوفير الذي يتحقق بهم التواتر الذي يفيد القطع واليقين على الوضع الذي هو عليه
من سلامته من الزيادة والنقصان والتحريف والتغير والتبديل، وبهذا الترتيب المصحفي الذي استقرت عليه المصاحف العثمانية وأجمع عليه الصحابة الكرام- ﵃ بلا معارض وهو ما يُعد إجماعًا سكوتيًا، وهو الذي استقرت عليه العرضة الأخيرة، فإن لم يوجد من أفراد عموم الأمة العدد الكثير الذي يحفظه ويثبت به التواتر أثمت الأمة جميعًا، وإن قام به البعض سقط الإثم عن الباقين.
والقرآن الكريم لا يكتفى في تثبيت حفظه أن يُكتب في صحائف فحسب، وإنما محله حفظه الصدور والقلوب أولًا، ثم يُضم إلى الحفظ في الصدور كتابته في الصحف والسطور ليزداد حفظه توثيقًا وتأكيدًا ولتطمئن نفوس أهل الإيمان بحفظه بتلك الوسيلتين مجتمعتين جميعًا.
و"النبي ﷺ قد بلغ من حرصه على استظهار القرآن وحفظه أنه كان يحرك لسانه فيه في أشد حالات حرجه وشدته وهو يعاني ما يعانيه من الوحي وسطوته وجبريل في هبوطه عليه بقوته. يفعل الرسول- ﷺ كل ذلك استعجالًا لحفظه وجمعه في قلبه مخافة أن تفوته كلمة أو يفلت منه حرف. وما زال- ﷺ كذلك حتى طمأنه ربه بأن وعده أن يجمعه له في صدره وأن يسهل له قراءة لفظه وفهم معناه فقال له في سورة القيامة: (لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ) (القيامة:
стр. 140
١٦ - ١٩) وقال له في سورة طه: (وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي
عِلْمًا) (طه: ١١٤). ومن هنا كان ﷺ -جامع القرآن في قلبه الشريف وسيد الحفاظ في عصره المنيف. ومرجع المسلمين في كل ما يعنيهم من أمر القرآن وعلوم القرآن. وكان- ﷺ يقرؤه على الناس على مكث كما أمره مولاه وكان يحيي به الليل ويزين الصلاة. وكان جبريل يعارضه إياه في كل عام مرة. وعارضه إياه في العام الأخير مرتين. قالت عائشة وفاطمة ﵄: سمعنا رسول الله ﷺ يقول: "إن جبريل كان يعارضني القرآن في كل سنة مرة وإنه عارضني العام مرتين ولا أراه إلا حضر أجلي" (١). (٢)
"ولم يترك النبي ﷺ أمرًا يحثّ فيه على حفظ القرآن إلاّ فعله، فقد كان ﷺ يفاضل بين أصحابه بمقدار حفظهم للقرآن، ويقدّم في الصّلاة أكثرهم حفظًا، ويعطي الرّاية في الحروب أكثرهم قرءانًا، ويقدّم في الدّفن أحفظهم لكتاب الله تعالى، ولربما زوّج الرجل على ما معه من القرآن، فضلًا عن كثرة الأحاديث الداعية لحفظ القرآن، ثم حفظه التابعون وتوارثته الأمة جيلًا بعد جيل، فلم ينقص منه حرف، ولم يتطاول على كتاب الله أحدٌ إلاّ رمته سهام الحفاظ فأردته طريحًا، ولقد وصل لنا بالسند العالي إلى ربّ العزة
عن طريق جبريل عن النبي ﷺ ، فهيهات أن تجد أمة حفظ كتابها طريًا نقيا، شامخًا عليًا مثل أمتنا ولله الحمد والمنة". (٣)
وأما الصحابة: ﵃ فقد جمعوا القرآن الكريم بحفظهم له في صدورهم، ولقد كثر حفاظه فيهم كما مر معنا ذكر أشهرهم في ثنايا البحث.
"ولقد كان كتاب الله في المحل الأول من عنايتهم. يتنافسون في استظهاره وحفظه. ويتسابقون إلى مدارسته وتفهمه. ويتفاضلون فيما بينهم على مقدار ما يحفظون منه. وربما كانت قرة عين المرأة منهم أن يكون مهرها في زواجها سورة من القرآن يعلمها إياها زوجها. وكانوا يهجرون لذة النوم وراحة الهجود إيثارًا للذة القيام به في الليل والتلاوة له في الأسحار والصلاة به والناس نيام حتى لقد كان الذي يمر ببيوت الصحابة في غسق الدجى يسمع فيها دويًا كدوي النحل بالقرآن وكان
стр. 141
الرسول ﷺ يذكي فيهم روح هذه العناية بالتنزيل يبلغهم ما أنزل إليه من ربه. ويبعث إلى من كان بعيد الدار منهم من يعلمهم ويقرئهم كما بعث مصعب بن عمير وابن ام مكتوم ﵄ إلى أهل المدينة قبل هجرته يعلمانهم الإسلام ويقرئانهم القرآن وكما أرسل معاذ بن جبل- ﵁ إلى مكة بعد هجرته للتحفيظ والإقراء.
قال عبادة بن الصامت- ﵁:
كان الرجل إذا هاجر دفعه النبي ﷺ إلى رجل منا يعلمه القرآن وكان يسمع لمسجد رسول الله ﷺ ضجة بتلاوة القرآن حتى أمرهم رسول الله أن يخفضوا أصواتهم لئلا يتغالطوا. " (١)
و الصحابة- ﵃ في هذا العهد المبارك كان يعتمدون أكثر على حفظهم له في صدورهم أولًا كما أسلفنا، وقد وصف الله حالهم مع القرآن فقال سبحانه: (بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ) (العنكبوت. ٤٩).
" أي: هذا القرآن آيات بينة واضحة في الدلالة على الحق، أمرًا ونهيًا وخبرًا، يحفظه العلماء، يَسَّره الله عليهم حفظًا وتلاوةً وتفسيرًا ". (٢)
ولاشك أن الصحابة ﵃ في طليعة علماء هذه الأمة، وهم أمة أمية والكتابة فيهم قليلة ونادرة وكان اعتمادهم على الحفظ أكثر من اعتمادهم على الكتابة، كما وصفهم ربهم بذلك في محكم آياته بقوله: (هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم) (الجمعة: ٢).
و"إنما سميت أمة محمد ﷺ الأميين، لأنه لم ينزل عليهم كتابًا; وقال جل ثناؤه:
(رسولًا منهم) يعني من الأميين وإنما قال: منهم لأن محمدًا ﷺ كان أميًا، وظهر من العرب ". (٣)
" ومن شأن الأمي أن يعول على حافظته فيما يهمه أمره ويعنيه استحضاره وجمعه. خصوصًا إذا أوتي من قوة الحفظ والاستظهار ما ييسر له هذا الجمع والاستحضار. وكذلك كانت الأمة العربية على عهد نزول القرآن وهي متمتعة بخصائص العروبة الكاملة التي منها سرعة الحفظ وسيلان الأذهان حتى كانت قلوبهم أناجيلهم، وعقولهم سجلات أنسابهم وأيامهم، وحوافظهم دواوين
стр. 142
أشعارهم ومفاخرهم. ثم نزل القرآن فبهرهم بقوة بيانه وأخذ عليهم مشاعرهم بسطوة سلطانه وأستأثر بكريم مواهبهم في لفظه ومعناه فخلعوا عليه حياتهم حين علموا أنه روحًا من أمر الله تعالى". (١)
والعرب أمة حافظة لا تكاد تخطئ في حفظها، وأصحاب ذاكرة حاضرة لا يكاد يعزب عن ذاكرتها شيء، ولا سيما وأن القرآن جاء في براعة من الأسلوب، وفصاحة من اللغة، ورفعة من البلاغة
والبيان، وقوة من التحدي و الإعجاز ما يرغب ويحث على العناية به والاهتمام بحفظه، ولذلك كثر فيهم حُفاظه صدرًا، وكُتابه سطرًا،
قال الباقلاني (ت: ٤٣٠ هـ) ﵀:
وتظاهر بينهم، حتى حفظه الرجال، وتنقلت به الرحال، وتعلمه الكبير والصغير؛ إذ كان عمدة دينهم، وعلمًا عليه، والمفروض تلاوته في صلواتهم، والواجب استعماله (٢) في أحكامهم". (٣)
المنهج الثاني: حفظه في السطور
"بُعِثَ النبيُ ﷺ إلى أمَّةٍ أُمِّيَّة لا تكتب ولا تحسب ولا تعرف عن الخط والكتابة شيئًا؛ اللهم إلا نزرًا يسيرًا في جزيرة العرب كلها، وبضعة عشر رجلًا من قريش خاصة ونفرًا قليلًا من أهل المدينة، ومجاوريهم من اليهود عرفوا الخط والكتابة قبل مبعث النبي ﷺ بقليل.
ومن أهل المدينة عمر بن سعيد، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، والمنذر بن عمرو، وكان بها يهودي يعلم الصبيان الكتابة ولقلة انتشار الكتابة في ربوع الجزيرة العربية وانحصارها في أفراد قلائل من أهلها صح التعبير عن الأمة العربية بأنها أمة أمية لا تقرأ ولا تكتب.
والمشهور عن قدماء التاريخ أن أستاذ القرشيين في الكتابة والخط حرب بن أمية بن عبد شمس والد أبي سفيان الصحابي الجليل. لأنه كان رجلًا كثير الأسفار إلى البلاد بالتجارة فتعلم الكتابة والخط على يد أهل هذه البلاد. وعلَّمَها القرشيين فبدء الخط بمكة كان على يديه. واختلف المؤرخون في تعيين من علم حرب بن أمية فقيل هو عبد الله بن جدعان وقيل بشر بن عبد الملك. وإليك ما ورد في هذا.
ذكر الداني بسنده إلى زياد بن أنعم قال: قلت لعبد الله بن عباس معاشر قريش: هل كنتم تكتبون في الجاهلية بهذا الكتاب العربي تجمعون فيه ما اجتمع وتفرقون فيه ما افترق. هجاءًا بالألف واللام
стр. 143
والميم والقطع والوصل وما يكتب به اليوم قبل أن يبعث النبي ﷺ : "قال نعم. قلت فمن علمكم الكتابة؟ قال حرب بن أمية، قلت فمن علم حرب بن أمية؟ قال عبد الله بن جدعان. قلت فمن علم عبد الله؟ قال أهل الأنبار. قلت فمن علم أهل الأنبار؟ قال طارئ طرأ عليهم من أهل اليمن من كندة. قلت فمن علم ذلك الطارئ؟ قال الخلجان بن الموهن كان كاتب هود نبي الله بالوحي عن الله . (١)
كتابة القرآن في عهد رسول الله ﷺ -:
قضى الله تعالى ألا ينزل القرآن جملة واحدة كغيره من الكتب السماوية السالفة بل أنزله منجمًا موزعًا على الحوادث مقسمًا على الأزمان. وذلك لحكم جلية ومصالح جمة منها أنه كان ينزل بحسب الوقائع والحوادث التي كانت تحصل في المجتمع في عهد التشريع فتنزل الآيات مبينة حكم الله فيها وبحسب الأسئلة التي كانت توجه إلى رسول الله ﷺ من المسلمين أو غيرهم فتنزل الآيات جوابًا عنها وبحسب الشبه التي كانت تختلج في صدور أعداء الإسلام فتنزل الآيات لدحضها بالحجج الدامغة وبحسب ما كانت تقتضيه حال المسلمين من تقرير عقائد الدين وشرائعه وأحكامه وفضائله ومنها أنه نزل تدريجيًا ليكون أبلغ في التحدي وأظهر في الإعجاز ومنها أنه نزل كذلك للتدريج في تربية الأمة العربية تربية دينية وخلقية وإعدادها لمنزلة الخلافة في الأرض ومنها تيسير حفظه وفهمه والعمل بمقتضاه ومنها تثبيت فؤاد النبي ﷺ في مواطن الخصومة حتى لا يبرح به الحزن على عدم إسراع قومه إلى الهداية وليتفرغ لتبليغ الدعوة بعزيمة قوية وقلب مطمئن.
وكان القرآن ينزل على النبي ﷺ فيحفظه ويبلغه للناس ويأمر كتاب الوحي بكتابته ويدلهم على موضع المكتوب من سورته فيقول لهم ضعوا هذه السورة بجانب تلك السورة وضعوا هذه الآية في الموضع الذي يذكر في كذا وكذا ومن الصحابة من يكتفي بتلقيه من فيه ﷺ فيحفظه ومنهم من كتب السورة أو الآيات أو السور ومنهم من كتبه
كله وحفظه. والذين اشتهروا بكتابة القرآن بين يدي النبي ﷺ أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان ابن عثمان وعلي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان وأبان بن سعيد وخالد بن الوليد وأبي بن كعب وزيد بن ثابت وثابت بن قيس وغير هؤلاء من أجلاء الصحابة ﵃ أجمعين -. ولم ينقض عهده ﷺ إلا والقرآن الكريم مكتوب كله بَيِدَ أنه لم يكن مجموعًا في مكان واحد ولا مرتب السور، وإنما لم يأمر الرسول ﷺ بجمع القرآن في مصحف واحد لأن اهتمام الصحابة إنما كان
стр. 144
بحفظه واستظهاره. وأيضًا لما كان يترقبه من ورود زيادة أو ناسخ لبعض أحكامه، أو تلاوته فلما انقضى نزوله بوفاته ﷺ وأمن توقع النسخ ألهَمَ اللهُ الخلفاءَ الراشدين جمعه في مكان واحد، وفاءًا بوعده الصادق بضمان حفظه على هذه الأمة.
فكان ابتداء ذلك على يد الصديق بمشورة عمر كما سيأتي. وكان الرسول ﷺ يعارض جبريل بالقرآن مرة في شهر رمضان من كل عام فلما كان العام الذي قبض فيه رسول الله ﷺ عارضه به مرتين وقد سبق معنا ذكر ذلك.
والخلاصة:
أن القرآن كان مكتوبًا كله في العهد النبوي، ولكنه لم يكن مجموعًا في مصحف واحد ولا مرتب السور بل كان مفرقًا في العسب والرقاع وغيرها وكان محفوظًا في صدور الصحابة إلا أن منهم من كان يحفظه كله لملازمته للرسول ﷺ كالخلفاء الأربعة وغيرهم ومنهم من كان يحفظ معظمه ومنهم من كان يحفظ بعضه. والله أعلم". (١)
الأدلة على كتابة القرآن الكريم في عهده ﷺ -:
لقد وردت أدلة كثيرة تدل على كتابة القرآن الكريم في عهده ﷺ ومبادرته بالأمر بكتابته، ومن أبينها ما يلي:
١ - إطلاق لفظ الكتاب على القرآن الكريم في مواضع عدة من القرآن الكريم، ومن ذلك قوله تعالى: (ذلك الكتاب لا ريب) (البقرة: ٢).
فالكتاب يدل على أن القرآن مكتوب.
٢ - أن الكتابة من الصفات الثابتة للقرآن الكريم حيث قال : (رسول من الله يتلو صحفًا مطهرة) (البينة آيتا: ٢ - ٣).
قال الفخر الرازي (ت: ٦٠٦ هـ) في تفسيره لهاتين الآيتين:
"فاعلم أن الصحف جمع صحيفة، وهي ظرف للمكتوب". (٢)
٣ - ما ورد من الأحاديث الدالة على وجود القرآن الكريم مكتوبًا في عهد النبي ﷺ ومن ذلك:
أ- ما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر ﵄ (أن رسول الله- ﷺ نهى أن يُسَافر بالقرآن إلى أرض العدو) (٣). (٤)
стр. 145
ب- وفي لفظ لمسلم أن رسول الله ﷺ قال: (لا تسافروا بالقرآن، فإني لا آمنُ أن يناله العدو) (١)
ج- ما ثبت عند البخاري من حديث البراء بن عازب- ﵁ أنه قال: لما نزلت: (لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (النساء: ٩٥).، قال النبي- ﷺ : ادع لي زيدًا وليجيء باللوح والدواة والكتف، أو الكتف والدواة، ثم قال: اكتب: (لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ)، وخلف ظهر النبي- ﷺ عمرو ابن أم مكتوم الأعمى (٢) ﵁، فقال:
يا رسول الله فما تأمرني؟ فإني رجل ضرير البصر، فنزلت مكانها: (لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ) (٣)
وسيأتي معنا ذكر هذا الحديث بطوله مرة أخرى بعد قليل حين الكلام عن أدوات الكتابة المستعملة في العهد النبوي بإذن الله تعالى.
وغير ذلك من الأخبار الدالة على أن القرآن الكريم كان مكتوبًا في عهده- ﷺ والتي من أبرزها كذلك ما يلي:
١ - إذنه- ﷺ بكتابة القرآن الكريم، ثبت عند مسلم من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه) (٤)(٥) فهذا